Полный текст (687 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
(وجالية عذرا لتصرف رغبتي ... وتأبى الْمَعَالِي أَن تجيز لَهَا عذرا)
(يكلفها الأهلون ردي جَهَالَة ... وَهل حسن بالشمس أَن تمنع البدرا)
(وماذا على أم الحبيبة إِذْ رَأَتْ ... جلالة قدري أَن أكون لَهَا صهرا)
(ربيبة ملك ... حبه نكرا)
(جعلت لَهَا شرطا عليّ تعبّدي ... وسقت إِلَيْهَا فِي الْهوى مهجتي مهْرا)
(تعلّقتها من عبد شمس غريرة ... مخدرة من صيد آبائها غرّا)
(حمامة بَيت العبشميّين رفرفت ... فطرت إِلَيْهَا من سراتهم صقرا)
(تقلّ الثريا أَن تكون لَهَا يدا ... ويرجو الصَّباح أَن يكون لنا نحر)
(لقد طَال صَوْم الْحبّ عَنْك فَمَا الَّذِي ... يَضرك مِنْهُ أَن تَكُونِي لَهُ فطرا)
(وَإِنِّي لأستشفي لما بِي بداركم ... هدوءاً وأستسقي لساكنها القطرا)
(وألصق أحشائي بِبرد ترابها ... لأطفىء من نَار الأسى بكم جمرا)
(فَإِن تصرفيني يَا ابْنة الْعم تصرفي ... وعيشك كفوا مد رغبته سترا)
(وَإِنِّي لأرجو أَن أطوّق مفخري ... بملكي لَهَا وَهِي الَّتِي عظمت فخرا)
(وَإِنِّي لطعّان إِذا الْخَيل أَقبلت ... جرائدها حَتَّى ترى جونها شقرا)
(ومكرم ضَيْفِي حِين ينزل ساحتي ... وجاعل وفري عِنْد سائله وفرا)
(وَإِنِّي لأولى النَّاس من قَومهَا بهَا ... وأنبههم ذكرا وأرفعهم قدرا)
(وَعِنْدِي مَا يصبى الحليمة ثَيِّبًا ... وَيُنْسِي الفتاة الخود عذرتها البكرا)
(جمال وأداب وَخلق موطّأ ... وَلَفظ إِذا مَا شِئْت أسمعك السحرا)
стр. 317
وَله وَقد لمحها يَوْمًا وَأَوْمَأَ بِالسَّلَامِ فَلم ترد عَلَيْهِ خجلا
(سَلام على من لم يجد بِكَلَامِهِ ... وَلم يُربي أَهلا لردّ سَلَامه)
(سَلام على الظبى الَّذِي كلما رمى ... أصَاب فُؤَادِي عَامِدًا بسهامه)
(بنفسي حبيب لم يجد لمحبه ... بطيف خيال زائر فِي مَنَامه)
(ألم تعلمي يَا عذبة الإسم أنني ... فَتى فِيك مخلوع عذار لجامه)
(وَإِنِّي وفيّ حَافظ لأذمّتي ... إِذا لم يقل غَيْرِي بِحِفْظ ذمامه)
(يبشّر ذَاك الشّعر شعري أَنه ... سيوصل حبلي بعد طول انصرامه)
(وَمَا شكّ طرفِي أَن طرفك مسعدي ... ومنقذ قلبِي من خبال غرامه)
(عَلَيْك سَلام الله من ذِي تَحِيَّة ... وَإِن كَانَ هَذَا زَائِدا فِي اجترامه)
стр. 318
وَله أَيْضا فِيهَا
(تبسّم عَن درّ تنضّد فِي الورس ... وأسفر عَن وَجه يَنُوب عَن الشَّمْس)
(غزال براه الله من نور عَرْشه ... لتقطيع أنفاسي وَلَيْسَ من الْإِنْس)
(وهبت لَهُ روحي وملكي ومهجتي ... وَنَفْسِي وَلَا شَيْء أعز من النَّفس)
وَله
(طَال عمر اللَّيْل عِنْدِي ... مذ تولعت بصدي)
(يَا غزالا نقض الْعَهْد ... وَلم يوف بعهدي)
(أنسيت الْعَهْد إِذْ بتنا ... على مفرش ورد)
(واجتمعنا فِي وشاح ... وانتظمنا نظم عقد)
(وتعانقنا كغصنين ... وقدانا كقدّ)
(ونجوم اللَّيْل تحكي ... ذَهَبا فِي لازورد)
وَرفع إِلَيْهِ شَاعِر مِمَّن هنأه بالخلافة يَوْم بيعَته شعرًا فِي رقّ مبشور وَاعْتذر من ذَلِك بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(الرّقّ مبشور وَفِيه بِشَارَة ... ببقا الإِمَام الْفَاضِل المستظهر)
стр. 319
(ملكا أعَاد الْعَيْش غضّاً شخصه ... وَكَذَا يكون بِهِ طوال الأدهر)
فأجزل صلته وَوَقع على ظهر رقعته بِهَذِهِ الأبيات
(قبلنَا الْعذر فِي بشر الْكتاب ... لما أحكمت من فصل الْخطاب)
(وجدنَا بالجزا مِمَّا لدينا ... على قدر الْوُجُود بِلَا حِسَاب)
(فَنحْن المنعمون إِذا قَدرنَا ... وَنحن الغافرون أَذَى الذناب)
(وَنحن المطلعون بِلَا امتراء ... شموس الْمجد من فلك التُّرَاب)
وَله يَوْم الْوُثُوب عَلَيْهِ
(يَا أَيهَا الْقَمَر الْمُنِير ... كن نَحْو شبهك لي سفير)
(بِتَحِيَّة أودعتها ... شوقاً بنيات الصُّدُور)
١١٤ - أَبُو الْحسن بن هَارُون
قَرَأت فِي تَارِيخ أبي بكر بن عِيسَى بن عِيسَى بن مزين أَن أَبَا جَعْفَر
стр. 320
أَحْمد بن سعيد الْمَعْرُوف بالدّب وَزِير سُلَيْمَان المستعين بِاللَّه وكاتبه الْخَاص بِهِ وَلما تحركت فتْنَة عَليّ بن حمود الْعلوِي بعث إِلَى شنتمريّة الغرب وَهِي مرسى أكشونبة مِمَّا يَلِي الْبَحْر الْمُحِيط الغربي ذَا الوزارتين أَبَا عُثْمَان سعيد بن هَارُون الماردي الدَّار وَكَانَت بَينهمَا مصاهرة قَالَ فَلم تطل الْمدَّة حَتَّى قتل الدّب ثمَّ قتل سُلَيْمَان فَملك ابْن هَارُون مَا بِيَدِهِ إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة أَربع أَو خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فورث حَاله ابْنه مُحَمَّد بن سعيد وَحكى أَنه سمى بالمعتصم إِلَى أَن أخرجه عباد بن مُحَمَّد يَعْنِي المعتضد فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين فَصَارَت فِي يَده ثمَّ فِي يَد ابْنه مُحَمَّد بن عباد
وَقَالَ ابْن بسام وَذكر أَبَا الْحسن بن هَارُون هَذَا وَلم ينْسبهُ وَهُوَ عليّ ابْن مُحَمَّد بن سعيد بن هَارُون جدّه لأمه أَبُو الْحسن بن الإستجّي فَأَما سلفه من قبل أَبِيه فقد انخدع لَهُم الزَّمَان بريهة وهينم بِأَسْمَائِهِمْ السُّلْطَان هنيهة بشنتمرية الغرب إِلَى أَن نبّه الدَّهْر الغافل على أَمرهم وأسكت عَن ذكرهم على يَدي المعتضد عباد بن مُحَمَّد مخلي الأوطان وملحق بالأقران
стр. 321
وَمن شعره
(عَادَتْ إِلَى أذنابها هيف ... واطرد الْإِسْرَاف والحيف)
(وَامْتنع الإصبع من وصلنا ... وَزَاد حَتَّى امْتنع الطيف)
(شنتمريّ الْقطر غربيّه ... وَرُبمَا حنّ لَهُ الْخيف)
(ذُو لَحْظَة إِن لم تكن فِي الحشا ... رمحاً وَإِلَّا فَهِيَ السَّيْف)
وَله
(يَا لَيْلَة الْعِيد عدت ثَانِيَة ... وَعَاد إحسانك الَّذِي أذكر)
(إِذا أقبل النَّاس ينظرُونَ إِلَى ... هلالك النّضو ناحلاً أصفر)
(وَفِيهِمْ من أحبه وأنما ... أنظرهُ فِي السَّمَاء إِذْ ينظر)
(فَقلت لَا مُؤمنا بِقَوْلِي بل ... معرضًا للْكَلَام لَا أَكثر)
(أثّر شهر الصّيام فِيك أَبَا ... مُحَمَّد قَالَ لي وَمَا أثّر)
(بل أثّر الصَّوْم فِي هلالكم ... هَذَا الَّذِي لَا يكَاد أَن يظْهر)
أحسن من هَذَا قَول أبي الْحسن بن الزّقّاق
стр. 322
(وَشهر أدرنا لارتقاب هلاله ... جفوناً إِلَى نَحْو السَّمَاء موائلا)
(إِلَى أَن بدا أحوى المدامع أحور ... يجر لأذيال الشَّبَاب ذلاذلا)
(فَقلت لَهُ أَهلا وسهلاً ومرحباً ... ببدر حوى طيب الشُّمُول شمائلا)
(أتطلبك الْأَبْصَار فِي الجو نَاقِصا ... وَأَنت هُنَا تمشي على الأَرْض كَامِلا)
وَذكرت بقول ابْن هَارُون مَا حكى أَن عبد الصَّمد بن المعذّل رأى مخنثاً لَيْلَة الرَّابِع عشر من رَمَضَان وَهُوَ مُضْطَجع على ظَهره يُخَاطب الْقَمَر وَهُوَ يَقُول لَا أماتني الله مِنْك بحسرة أَو تقع فِي السّلّ فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْيَوْم السَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ رأى عبد الصَّمد الْهلَال فَقَالَ
(يَا قمراً قد صَار مثل الْهلَال ... من بعد مَا صيّرني كالخيال)
(الْحَمد لله الَّذِي لم أمت ... حَتَّى أرانيك بِهَذَا السّلال)
وَلابْن هَارُون
(وحديقة شَرقَتْ بعدّ نميرها ... يَحْكِي صفاء الجو صفو غديرها)
(تجْرِي الْمِيَاه بهَا أسود أحكمت ... من خَالص العقيان فِي تصويرها)
(فَكَأَنَّهَا أَسد الشّرى فِي شكلها ... وكأنّ وَقع الماءصوت زئيرها)
стр. 323
وَمن أُمَرَاء إفريقية فِي هَذِه الْمِائَة
١١٥ - الْمعز بن باديس بن الْمَنْصُور بن بلقين ابْنه تَمِيم بن الْمعز أَبُو الطَّاهِر
ولاه أَبوهُ المعزّ بن باديس المهدية سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَعشْرين سنة وَقد استفحل أَمر الْعَرَب بعد هزيمتهم إِيَّاه واستشرى شرهم وجدّوا فِي تخريب القيروان إِلَى أَن تمّ لَهُم ذَلِك ثمَّ تخلى أَبوهُ عَن القيروان وَخرج من المنصورية لائذاً بالمهدية فَنزل قصرهَا وَتَمِيم الْقَائِم بِالْأَمر فِي حَيَاة أَبِيه إِلَى أَن هلك سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
стр. 324
فاستبد تَمِيم بالمملكة وَدخل إِلَيْهِ الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء ووجوه القواد والأجناد وَقد برز إِلَيْهِم من الطاق فعزّوه عَن الْمعز وهنّوه بِالْملكِ وأنشده الشُّعَرَاء فِي ذَلِك فأجزل جوائزهم وَأكْثر عطاياهم وَأقَام إِلَى أَن توفّي منتصف رَجَب سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة وَهُوَ ابْن تسع وَسبعين سنة
مولده بالمنصورية يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث عشرَة خلت من رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَت مُدَّة ولَايَته بعد أَبِيه سبعا وَأَرْبَعين سنة غير أَرْبَعِينَ يَوْمًا وخلّف من الْوَلَد مَا جَاوز عَددهمْ الْمِائَة وطالت إمارته فتمهد سُلْطَانه وَعلا شانه وانتجع حَضرته جمَاعَة من شعراء الْمغرب والأندلس مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق بن خفاجة فِي صباه وَعبد الله بن عبد الْجَبَّار الطرطوشي وَأَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز الْحلَبِي الْمَعْرُوف بالفكيك وَغَيرهم وخدمه بالشعر من أهل إفريقية جمَاعَة أَيْضا مِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن خصيب وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد ابْن عَليّ القفصي الْأَعْمَى وَأَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْحداد الأقطع ومدحه قبل هَؤُلَاءِ من شعراء الْمعز أَبِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن شرف وَأَبُو عَليّ حسن بن رَشِيق وَفِيه يَقُول
стр. 325
(أصحّ وَأقوى مَا رَأَيْنَاهُ فِي النّوى ... من الْخَبَر الْمَأْثُور مُنْذُ قديم)
(أَحَادِيث تمليها السُّيُول عَن الحيا ... عَن الْبَحْر عَن جود الْأَمِير تَمِيم)
وَلأبي الْحُسَيْن عبد الْكَرِيم بن فضّال الْمَعْرُوف بالحلواني فِيهِ
(عرّسا بِي فَذا مناخ كريم ... هَذِه جمّة وَهَذَا تَمِيم)
(هَذِه الْجنَّة الَّتِي وعد الله ... وَهَذَا صراطه الْمُسْتَقيم)
وَكَانَ تَمِيم حَلِيمًا جواداً ممدحاً هجاه ابْن الْحداد الأقطع وَمِمَّا قَالَ فِيهِ
(الرّوم أحسن عِنْدِي ... إِذا اختبرت الأمورا)
(من أَن يكون تَمِيم ... على الثغور أَمِيرا)
فَطَلَبه ثمَّ استتر ثمَّ حبّر قصيدة يستعطفه بهَا وأنشده إِيَّاهَا فصفح عَنهُ وَأحسن إِلَيْهِ ذكر ذَلِك أَبُو الصَّلْت أُميَّة بن عبد الْعَزِيز بن أبي الصَّلْت فِي تَارِيخه قَالَ وَكَانَ يعْتَرض الشُّعَرَاء وينتقد عَلَيْهِم ألفاظهم فَلَا يتَخَلَّص مِنْهُ إِلَّا الماهر أنْشدهُ بَعضهم فِي وَقت هرج
(تثبّت لَا يخامرك اضْطِرَاب ... إِلَيْك تمدّ أعينها الرّقاب)
فَقَالَ لَهُ أرأيتني وَيحك طرت خفَّة ورميت بنفسي من هَذَا الْعُلُوّ قلقاً واضطراباً وسكّته فَلم يسمع من قصيدته غير هَذَا الْبَيْت
وَكَانَ ابْنه يحيى بن تَمِيم وَأَبوهُ الْمعز بن باديس وَالْحسن بن عَليّ بن يحيى بن تَمِيم شعراء وَسَيَأْتِي ذكر كل وَاحِد مِنْهُم فِي بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن شعر تَمِيم
(بكرّ الْخَيل دامية النحور ... وقرع الْهَام بالقضب الذُّكُور)
(لأقتحمنّها حَربًا عواناً ... يشيب لهولها رَأس الصَّغِير)
стр. 326
(فإمَّا الْملك فِي شرف وعزّ ... عليّ التَّاج فِي أَعلَى السرير)
(وَإِمَّا الْمَوْت بَين ظَبْي العوالي ... فلست بِخَالِد أَبَد الدهور)
وَله
(سأسكت صبرا واحتساباً فإنني ... أرى الصَّبْر سَيْفا لَيْسَ فِيهِ فلول)
(عداني أَن أَشْكُو إِلَى النَّاس أنني ... عليل وَمن أَشْكُو إِلَيْهِ عليل)
(وَإِن امْرأ يشكو إِلَى غير نَافِع ... ويسخو بِمَا فِي نَفسه لجهول)
وَله فِي غُلَام من موَالِيه اسْمه مدام وَهُوَ من مَشْهُور شعره ويغني بِهِ
(مدام يطوف بكأس المدام ... فَلم أدر أيّهما أشْرب)
(فَهَذَا الصّديق وَهَذَا الرَّحِيق ... وَهَذَا الْهلَال وَذي الْكَوْكَب)
(وَهَذَا يمدّ بألحاظه لي ... وهذي بألبابنا تلعب)
(وَمَا الْبَدْر والنجم من ذَا وَذَاكَ ... وَلكنه مثل يضْرب)
وَله
(قَامَ بكأس فَقلت غُصْن ... عَلَيْهِ آس وجلّنار)
(كَأَنَّمَا الْفَرْع مِنْهُ ليل ... وَالْوَجْه من تَحْتَهُ نَهَار)
(يَا غُصْن بَان على كثيب ... لبّده الْغَيْم والقطار)
(هَل من نوال لمستهام ... جَانِبه النّوم والقرار)
(لَيْسَ لَهُ فِي السّلوّ رَأْي ... مَا اخْتلف اللَّيْل وَالنَّهَار)
وَله وَهُوَ مِمَّا يستحسن لَهُ
(لَهَا نهدان قد نجما ... كنابي فيل شطرنج)
وَله
стр. 327
(إِلَى كم أقاسي الحبّ والشوق والوجدا ... وَمَا أجملت جمل وَلَا أسعدت سعدى)
(وُجُوه كأقمار قمرن تجلّدى ... على كلّ قدّ قدّ منى الحشا قدّا)
(وَكَانَ ابْتِدَاء الحبّ هزلا وَلم أكن ... علمت بِأَن الْهزْل قد يبْعَث الجدّا)
وَله
(هم عرّضوني للصّبابة والهوى ... وهم قطعُوا حبلي وهم صرفُوا رُسُلِي)
(جفوني جنت قَتْلَى عليّ صبَابَة ... وَلم أر مقتولا بألحاظه قبلي)
وَله
(وَلما افترقنا وَسَارُوا ضحى ... شققنا لوشك الْفِرَاق الجيوبا)
(وَلَو كَانَ فِينَا وَفَاء لَهُم ... شققنا مَكَان الْجُيُوب القلوبا)
وَله
(أَقبلت بدر تَمام ... بَعْدَمَا لاحت هلالاً)
(غادة ذَات محيّا ... فِيهِ نور يتلالا)
(كتب الْحسن عَلَيْهِ ... صَنْعَة الله تَعَالَى)
وَله
(لَو كنت حليا لَكُنْت عقدا ... أَو كنت طيبا لَكُنْت ندّا)
(أَو كنت وقتا لَكُنْت صبحاً ... أَو كنت نجماً لَكُنْت سَعْدا)
(أَو كنت غصناً لَكُنْت آساً ... أَو كنت زهراً لَكُنْت وردا)
(وَكم طلبت السلو جهدي ... لم أجد من هَوَاك بدّا)
وَله
(أَقُول لَهَا وَقد عرضت ... فَكَانَت مُنْتَهى أملي)
стр. 328
(لَئِن أَصبَحت لاهية ... فَإِنِّي مِنْك فِي شغل)
(وَلَا شغل سوى مَطْلِي ... وليّ الْوَعْد بالعلل)
وَله يصف بركَة مَاء
(بركَة بِالْمَاءِ تطّرد ... للصبا فِي متنها زرد)
(بَات فِي أحشائها قمر ... مثل قلب الصبّ يرتعد)
١١٦ - إِدْرِيس بن يحيى الْعلوِي الحمّودي أَبُو رَافع ويلقب بالعالي
هُوَ إِدْرِيس بن يحيى بن عَليّ بن حمود بن أبي الْعَيْش مَيْمُون بن أَحْمد بن عَليّ بن عبد الله بن عمر بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عَليّ بن أبي طَالب
أخرج من قرطبة مَعَ أَبِيه يحيى بعد خِلَافَته الأولى عِنْدَمَا خلعه البربر سنة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَاسْتقر فِي مالقة حَتَّى بُويِعَ لَهُ بالخلافة بمالقة
стр. 329
بعد أَبِيه يحيى المعتلي وَتسَمى بأمير الْمُؤمنِينَ وتلقب بالعالي ثمَّ خَلفه ابْن عَمه مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن عَليّ بن حمود واعتقله ثمَّ عَاد ثَانِيَة إِلَى مالقة وَفِي ولَايَته يَقُول أَبُو مُحَمَّد غَانِم بن وليد المَخْزُومِي الأديب من أَبْيَات
(واستقبل الْملك إِمَام الْهدى ... فِي أَربع بعد ثلاثينا)
(خلَافَة الله سمت نَحوه ... وهوابن خمس بعد عشرينا)
(إِنِّي لأرجو يَا إِمَام الْهدى ... أَن تملك الدُّنْيَا ثمانينا)
(لَا رحم الله امْرأ لم يقل ... عِنْد دعائي لَك آمينا)
وَفِيه يَقُول أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن مقانا الأشبوني من قصيدته الْمَشْهُورَة الَّتِي يتداولها القوّالون لعذوبة ألفاظها وسلاستها
стр. 330
(وَكَأن الشَّمْس لما أشرقت ... وانثنت عَنْهَا عُيُون الناظرين)
(وَجه إِدْرِيس بن يحيى بن عَليّ ... بن حمود أَمِير الْمُؤمنِينَ)
(خطّ بالمسك على أبوابه ... ادخلوها بِسَلام آمِنين)
(ملك ذُو هَيْبَة لكنه ... خاشع لله رب الْعَالمين)
(وَإِذا مَا رفعت راياته ... خَفَقت بَين جناحي جبرئين)
(وَإِذا أشكل خطب معضل ... صرع الشكّ بمفتاح الْيَقِين)
(وَإِذا رَاهن فِي السَّبق أَتَى ... وبيمناه لِوَاء السَّابِقين)
(يَا بني أَحْمد يَا خير الورى ... بأبيكم كَانَ رفد الْمُسلمين)
(نزل الْوَحْي عَلَيْهِ فاحتبى ... فِي الدجى فَوْقهم الرّوح الْأمين)
(خلقُوا من مَاء عدل وتقى ... وَجَمِيع النَّاس من مَاء وطين)
وَأول هَذِه القصيدة
(ألبرق لائح من أندرين ... ذرفت عَيْنَاك بالدمع الْمعِين)
(لعبت أسيافه عَارِية ... كمخاريق بأيدي اللاعبين)
وَمِنْهَا
(ومصابيح الدّجى قد أطفئت ... فِي بقايا من سَواد اللَّيْل جون)
(وَكَأن الطّلّ مسك فِي الثرى ... وَكَأن النّور درّ فِي الغصون)
(والندى يقطر من نرجسه ... كدموع أسلمتهنّ الجفون)
(والثريا علّقت فِي أفقها ... كقضيب زَاهِر من ياسمين)
стр. 331
وَهَذَا من أحسن مَا قيل فِي تَشْبِيه الثريا
وَكَانَ إِدْرِيس هَذَا متناقض الْأُمُور كَانَ أرْحم النَّاس قلباً كثير الصَّدَقَة يتَصَدَّق كلّ يَوْم جُمُعَة بخمسائة دِينَار وردّ المطرودين إِلَى أوطانهم وَصرف إِلَيْهِم ضياعهم وأملاكهم وَلم يسمع بغياً فِي أحد من الرّعية وَكَانَ أديب اللِّقَاء حسن الْمجْلس يَقُول من الشّعْر الأبيات الحسان وَمَعَ هَذَا فَكَانَ لَا يصحب وَلَا يقرّب إِلَّا كل سَاقِط نذل وَلَا يحجب حرمه عَنْهُم وكل من طلب مِنْهُم حصناً أعطَاهُ إِيَّاه وسلّم وزيره ومدبر إِمَامَته وَصَاحب أَبِيه وجده مُوسَى بن عَفَّان إِلَى أَمِير صنهاجة فَقتله وَكَانَ الصنهاجي سَأَلَ ذَلِك مِنْهُ وَكتب إِلَيْهِ فِيهِ فَمَا أخبر إِدْرِيس مُوسَى بن عَفَّان بذلك وَبِأَنَّهُ لابد من تَسْلِيمه إِلَيْهِ قَالَ لَهُ افْعَل مَا تُؤمر ستجدني إِن شَاءَ الله من الصابرين وَهُوَ الْقَائِل بديهاً وَقد غنّى مَا لم يرضه فِي مدحه فَقَالَ للْمُغني أعد الصَّوْت وَقل
(إِذا ضَاقَتْ بك الدُّنْيَا ... فعرّج نَحْو إدريسا)
(إِذا لاقيته تلقى ... رَئِيسا لَيْسَ مرءوساً)
(إِمَام ماجد ملك ... يزِيل الغمّ والبوسا)
هَؤُلَاءِ خَاتِمَة الأدباء من الْمُلُوك العلوية والمروانية لذهاب سلطانهم وانقراض ملكهم بالأندلس وَالْمغْرب فِي هَذِه الْمِائَة الْخَامِسَة واستيلاء الثوار على الأقطار
وفيهَا أَيْضا كَانَ انْقِرَاض الدولة العبيدية بإفريقية على يَدي الْمعز بن باديس الصنهاجي
وافترقت الْجَمَاعَة بالأندلس على رَأسهَا إِلَى وقتنا هَذَا وتسلّط العدوّ أثْنَاء ذَلِك فتحيّفها ثمَّ وَإِلَى مغاره وخساره حَتَّى أتلفهَا ونظمها فِي هَذِه الفترة ملك الْمغرب أَحْيَانًا وانفردت بالثائرين فِيهَا أَحْيَانًا وَفِي كل ذَلِك لم تقم
стр. 332
لَهَا قَائِمَة وَلَا أغنت عَنْهَا وَارِدَة وَلَا حائمة وَمَا بَرحت تخل بهَا وتؤذن بعطبها فَاتِحَة من فتنتها وخاتمة
ونعود إِلَى ذكر أُمَرَاء الْفِتْنَة
١١٧ - جهور بن مُحَمَّد بن جهور بن عبيد الله أَبُو الحزم رَئِيس قرطبة
قد تقدم ذكر جدّه أبي الحزم جهور بن عبيد الله وَالرَّفْع فِي نسبه وَكَانَ جدهم أَبُو أُميَّة عبد الغافر بن أبي عَبدة من وزراء عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَسَماهُ عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ فِي حجّاب هِشَام الرضي بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة قَالَ وَكَانَ من أهل الْخَيْر وَالدّين وَالْفضل وَهُوَ صَاحب الْخَاتم للْإِمَام هِشَام ولابنه الحكم يَعْنِي الرّبضي وسمّى أَيْضا فِي حجاب الحكم هَذَا عبد الْعَزِيز أَبَا عَبدة أَخا عبد الغافر
وَمَا زَالَ هَؤُلَاءِ الجهاورة يتعاقبون على الخطط السّنيَّة الشَّرِيفَة من الحجابة والوزارة والقيادة وَالْكِتَابَة إِلَى أَن وَقعت الْفِتْنَة الْعُظْمَى بالأندلس وَأول من أرّث نارها وأورث شنارها مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار الْمهْدي فتناوب قصر قرطبة جمَاعَة من الأموية والعلوية فِي الْمدَّة الْقَرِيبَة آخِرهم هِشَام بن مُحَمَّد ابْن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر المعتدّ لم يكن عِنْدهم غناء وَلَا فقد بتوليتهم التواء وَلَا عناء وَحِينَئِذٍ استولى على الْأَمر بقرطبة دَار الْخلَافَة وقرارة الْملك أَبُو الحزم هَذَا الْأَخير زَمَانا الأول سُلْطَانا وَإِن كَانَ مَا فَارق رسم الوزارة وَلَا تحول عَن دَاره إِلَى قُصُور الْخُلَفَاء لَا تصافه بالرجاحة والدهاء
стр. 333
قَالَ ابْن حَيَّان وَذكر اجْتِمَاع الْمَلأ من أهل قرطبة على تَقْدِيمه أعْطوا مِنْهُ قَوس السياسة باريها وولوا من الْجَمَاعَة داهيتها فاخترع لَهُم لأوّل وقته نوعا من التَّدْبِير حملهمْ عَلَيْهِ فاقترن صَلَاحهمْ بِهِ وأجاد السياسة فانسدل بِهِ السّتْر على أهل قرطبة مدَّته وحصّل كل مَا يرْتَفع من الْبَلَد بعد إِعْطَاء مقاتلته وصيّر ذَلِك فِي أَيدي ثِقَات من الْخدمَة مشارفا لَهُم بضبطه فَإِن فضل شَيْء تَركه بِأَيْدِيهِم مثقفاً مشهوداً عَلَيْهِ لَا يتلبس لَهُم بِشَيْء مِنْهُ
وَمَتى سُئِلَ قَالَ لَيْسَ لي عَطاء وَلَا منع هُوَ للْجَمَاعَة وَأَنا أمينهم وَإِذا رابه أَمر عَظِيم أَو عزم على تَدْبِير أحضرهم وشاورهم وَإِذا خُوطِبَ بِكِتَاب لَا ينظر فِيهِ إِلَّا أَن يكون باسم الوزراء فَأعْطى السُّلْطَان حَقه من النّظر وَلم يخل مَعَ ذَلِك من نظره لمعيشته حَتَّى تضَاعف ثراؤه وَصَارَ لَا تقع عينه على أغْنى مِنْهُ حاط ذَلِك كلّه بالبخل الشَّديد وَالْمَنْع الْخَالِص اللَّذين لولاهما مَا وجد عائبه فِي طَعنا ولكمل لَو أَن بشرا يكمل
قَالَ وَكَانَ مَعَ براعته ورفعة قدره وتشييده لقديمه بحَديثه من أَشد النَّاس تواضعاً وعفة وأشبههم ظَاهرا بباطن وأولا بآخر لم تخْتَلف بِهِ حَال من الفتاء إِلَى الكهولة
وَاسْتمرّ فِي تَدْبيره قرطبة فأنجح سَعْيه بصلاحها ولمّ شعثها فِي الْمدَّة
стр. 334
الْقَرِيبَة وأثمر الثَّمَرَة الزكية ودب دَبِيب الشِّفَاء فِي السقام فنعش مِنْهَا الرفات وألحفها رِدَاء الْأَمْن ومانع عَنْهَا من كَانَ يطْلبهَا من أُمَرَاء البرابرة المتوزعين أسلابها بخفض الْجنَاح ومعاملة الرِّفْق حَتَّى حصل على سلمهم واستدرار مرافق بِلَادهمْ ودارى القاسطين من مُلُوك الْفِتْنَة حَتَّى حفظوا حَضرته وأوجبوا لَهَا حُرْمَة بمكابدته الشدائد حَتَّى ألانها بضروب احتياله فرخت الأسعار وَصَاح الرخَاء بِالنَّاسِ أَن هلموا فلبّوه من كل صقع فَظهر تزيّد النَّاس بقرطبة من أول تَدْبيره لَهَا وغلت الدّور وحرّكوا الْأَسْوَاق وتعجب ذَوُو التَّحْصِيل للَّذي أرى الله فِي صَلَاح النَّاس من الْقُوَّة ولمّا تعتدل حَال أَو يهْلك عَدو أوتقو جباية وَأمر الله تَعَالَى بَين الْكَاف وَالنُّون
وَقَالَ الْحميدِي لم يدْخل فِي أُمُور الْفِتَن قبل ذَلِك وَكَانَ يتصاون عَنْهَا
فَلَمَّا خلاله الجو وأمكنته الفرصة وثب عَلَيْهَا يَعْنِي قرطبة فَتَوَلّى أمرهَا واستضلع بحمايتها وَلم ينْتَقل إِلَى رُتْبَة الْإِمَارَة ظَاهرا بل دبرهَا تدبيراً لم يسْبق إِلَيْهِ وَجعل نَفسه ممسكاً للموضع إِلَى أَن يَجِيء مُسْتَحقّ يتَّفق عَلَيْهِ فَيسلم إِلَيْهِ
ورتّب البوابين والحشم على أَبْوَاب تِلْكَ الْقُصُور على مَا كَانَت عَلَيْهِ أَيَّام الدولة وَلم يتَحَوَّل من دَاره إِلَيْهَا وَجعل مَا يرْتَفع من الْأَمْوَال السُّلْطَانِيَّة بأيدي رجال رتّبهم لذَلِك وَهُوَ المشرف عَلَيْهِ وصيّر أهل الْأَسْوَاق جنداً وَجعل أَرْزَاقهم رُؤُوس أَمْوَال تكون بِأَيْدِيهِم محصاة عَلَيْهِم يَأْخُذُونَ ربحها فَقَط ورؤوس الْأَمْوَال بَاقِيَة مَحْفُوظَة يؤخذون بهَا ويراعون فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت
стр. 335
كَيفَ حفظهم لَهَا وفرّق السِّلَاح عَلَيْهِم وَأمرهمْ بتفريقه فِي الدكاكين وَفِي الْبيُوت حَتَّى إِذا دهم أَمر فِي ليل أَو نَهَار كَانَ سلَاح كل وَاحِد مَعَه وَكَانَ يشْهد الْجَنَائِز وَيعود المرضى جَارِيا فِي طَريقَة الصَّالِحين وَهُوَ مَعَ ذَلِك يدبر الْأَمر بتدبير السلاطين المتغلبين وَكَانَ مَأْمُونا وقرطبة فِي أَيَّامه حريماً يَأْمَن فِيهِ كل خَائِف من غَيره إِلَى أَن مَاتَ فِي صفر وَقَالَ ابْن حيّان لَيْلَة الْجُمُعَة السَّادِسَة من محرم ثمَّ اتفقَا سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَمن شعره وَكتب بِهِ إِلَى الْمَنْصُور مُحَمَّد بن أبي عَامر
(متع الله سَيِّدي بالسرور ... وتولاه فِي جَمِيع الْأُمُور)
(وهنيئاً لَهُ بعزة دهر ... تتوالي بظلّ تِلْكَ الْقُصُور)
(دَعْوَة أقبل الضَّمِير بنجواه ... عَلَيْهَا لصفو مَا فِي الضَّمِير)
هَكَذَا وجدت هَذِه الأبيات منسوبة إِلَى جهور بن مُحَمَّد فِي كتاب مطمح الْأَنْفس لِلْفَتْحِ بن عبيد الله وَقد بيّنت غلطه فِيمَا نسب إِلَيْهِ مِمَّا ثَبت أَنه لجده جهور بن عبيد الله وَلغيره وَلَا يبعد أَن يهنيء الْمَنْصُور فِي آخر دولته لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بل عَام وَفَاته كَانَ يشارف الثَّلَاثِينَ فِي سنّه وَلَعَلَّ هَذِه الأبيات على ضعفها لِأَبِيهِ أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن جهور بن عبيد الله الْوَزير فَإِنَّهُ كَانَ خاصّاً بالمنصور وَهُوَ الَّذِي أطلعه على أَمر جَعْفَر بن عَليّ الأندلسي صَاحب المسيلة وَاخْتِلَاف البربر إِلَيْهِ بقصر الْعقَاب وَاسْتَأْذَنَ على الْمَنْصُور فِي وَقت لم يكن يصل فِيهِ إِلَيْهِ أحد فَكسر رَائِحَة النَّبِيذ عَنهُ ووارى الْحرم وأصغى إِلَيْهِ وَقبل نصيحته فَقتل جَعْفَر على أثر ذَلِك
стр. 336
وَتوفى أَبُو الْوَلِيد سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة ذكر ذَلِك ابْن حَيَّان فِي تَارِيخه الْكَبِير وصدّر بِهِ المتوفين فِي الدولة العامرية من الوزراء والخواصّ
وَلم ينشد الْحميدِي لأبي الحزم الْأَخير شعرًا وَأنْشد لِأَبِيهِ أبي الْوَلِيد هَذَا
(أبلغت فِي حبك أسماعي ... فصرت لَا أصغي إِلَى الدَّاعِي)
(من صمم أورثنيه الأسى ... وحرقة تشعل أوجاعي)
(كلفتني الصَّبْر وأنّى بِهِ ... وَكَيف بِالصبرِ لمرتاع)
(جزعت فِي الْحبّ على أنني ... فِي الْخطب جلد غير مجزاع)
وَسَيَأْتِي ذكر أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن جهور بن مُحَمَّد الَّذِي خلف أَبَاهُ فِي رئاسة قرطبة وتدبير أمرهَا إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
١١٨ - مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عبد اللَّخْمِيّ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم
قَالَ أَبُو رَافع الْفضل بن عَليّ بن أَحْمد بن حزم فِي كِتَابه الموسوم بالهادي إِلَى معرفَة النّسَب الْعَبَّادِيّ هُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد ذِي الوزارتين أبي الْوَلِيد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن قُرَيْش بن عباد بن عَمْرو بن أسلم بن عَمْرو بن عطاف بن نعيم وعطاف وَضَبطه بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الطَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ عَن غير أبي رَافع هُوَ الدَّاخِل مِنْهُم بالأندلس فِي طالعة بلج بن بشر الْقشيرِي وَقيل إِن عطافاً ونعيماً هما الداخلان مَعًا إِلَى الأندلس وَكَانَ عطاف من أهل حمص من صقع الشَّام لخميّ النّسَب صَرِيحًا وموضعه من حمص
стр. 337
الْعَريش والعريش فِي آخر الجفار بَين مصر وَالشَّام وَنزل بالأندلس بقرية يَوْمَيْنِ من إقليم طشانة من أَرض إشبيلية وعَلى ضفة نهرها الْأَعْظَم وَقَالَ غير أبي رَافع إِنَّهُم من ولد النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَبِذَلِك كَانُوا يفخرون ويمدحون وَهَذَا ابْن اللبانة يَقُول
(من بني الْمُنْذرين وَهُوَ انتساب ... زَاد فِي فخره بَنو عباد)
(فتية لم تَلد سواهَا الْمَعَالِي ... والمعالي قَليلَة الْأَوْلَاد)
وَقَالَ ابْن حيّان إِسْمَاعِيل بن عباد قاضيهم الْقَدِيم الْولَايَة وَرجل
стр. 338
الغرب قاطبة الْمُتَّصِل الرِّئَاسَة فِي الْجَمَاعَة والفتنة وَكَانَ أيسر من بالأندلس وقته ينْفق من مَاله وغلاّته لم يجمع درهما قطّ من مَال السُّلْطَان وَلَا خدمه وَكَانَ وَاسع الْيَد بالمشاركة آوى صنوف الجالية من قرطبة عِنْد احتدام الْفِتْنَة وَكَانَ مَعْلُوما بوفور الْعقل وسبوغ الْعلم والزكانة مَعَ الدهاء وَبعد النّظر وإصابة القرطسة
فَأَما ذُو الوزارتين أَبُو الْقَاسِم ابْنه فَأدْرك متمهلاً وسما بعد إِلَى بُلُوغ الْغَايَة فخلّط مَا شَاءَ وَركب الجرائم الصعبة وَكَانَ الْقَاسِم بن حمود قد اصطنعه بعد مهلك أَبِيه إِسْمَاعِيل ورد عَلَيْهِ مِيرَاثه من قَضَاء بَلَده بعد بعده عَنهُ مُدَّة وَحصل مِنْهُ بِمَنْزِلَة الثِّقَة فخانه تخوّن الْأَيَّام عِنْد إدبارها عَنهُ إيثاراً للحزم وطلباً للعافية وصدّه عَن إشبيلية بَلَده لما قَصده من قرطبة مفلولا
وَكَانَ الَّذِي وطّد لَهُ ذَلِك نفر من أكابرها المرتسمين بالوزارة مناغين فِي ذَلِك لوزراء قرطبة على تحميلهم لِابْنِ عباد كبر ذَلِك لإنافته عَلَيْهِم فِي الْحَال
стр. 339
وسعة النِّعْمَة وإحصائهم عَلَيْهِ ملك ثلث إشبيلية ضَيْعَة وغلة يخادعونه بذلك عَن نشبه إبْقَاء مِنْهُم على نعمهم وَهُوَ يَشْتَرِي بذلك أنفسهم وَلَا يَشْعُرُونَ إِلَى أَن وَقَعُوا فِي الهوة وَكَانُوا جمَاعَة مِنْهُم ولد أبي بكر الزبيدِيّ النَّحْوِيّ وَبَنُو يريم وَغَيرهم رَاض بهم الْأُمُور واستمال الْعَامَّة فَمَا توطأت لَهُ قبض أَيدي أَصْحَابه هَؤُلَاءِ وسما بِنَفسِهِ وَأسْقط جَمَاعَتهمْ
قَالَ وسلك سيرة أَصْحَاب المماليك الَّذين بالأندلس لأوّل وقته وَقَامَ بأصح عزم وَأَيْقَظَ جدّ واخترع فِي الرِّئَاسَة وُجُوهًا تقدم فِيهَا كثيرا مِنْهُم وامتثل رستم ابْن يعِيش صَاحب طليطلة من بَينهم فِي تمسكه بخطة الْقَضَاء وارتسامه
стр. 340
بهَا وأفعاله على ذَلِك أَفعَال الْجَبَابِرَة وَأَقْبل يضم الْأَحْرَار من كل صنف وَيَشْتَرِي العبيد وَالْجد يساعده والأمور تنقاد لَهُ إِلَى أَن سَاوَى مُلُوك الطوائف وَزَاد على أَكْثَرهم بكثافة سُلْطَانه وَكَثْرَة غلمانه فنفع الله بِهِ كَافَّة رَعيته ونجاهم من ملك البرابرة وَتوفى لليلة بقيت من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ الْقَائِل يفخر
(وَلَا بُد يَوْمًا أَن أسود على الورى ... وَلَو رد عَمْرو للزمان وعامر)
(فَمَا الْمجد إِلَّا فِي ضلوعي كامن ... وَلَا الْجُود إِلَّا من يَمِيني ثَائِر)
(فجيش الْعلَا مَا بَين جَنْبي جائل ... وبحر الندى مَا بَين كفى زاخر)
وَله
(محبّ مَا يساعده الحبيب ... رأى وَجه الْإِنَابَة لَو ينيب)
(ويبكي للصّبا إِذْ زَالَ عَنهُ ... فيضحك فِي مفارقه المشيب)
(وَكم أحيت حشاشته أَمَان ... يباعد بَينهَا الْأَجَل الْقَرِيب)
وَله فِي الياسمين
(وياسمين حسن المنظر ... يفوق فِي المرأى وَفِي الْمخبر)
(كَأَنَّهُ من فَوق أغصانه ... دَرَاهِم فِي مطرف أَخْضَر)
стр. 341
وَله فِيهِ
(يَا حبذا الياسمين إِذْ يزهر ... فَوق غصون رطيبة نضّر)
(قد امتطى للجمال ذروتها ... فَوق بِسَاط من سندس أَخْضَر)
(كَأَنَّهُ والعيون ترمقه ... زمرد فِي خلاله جَوْهَر)
وَله فِي الظيان
(ترى نَاظر الظّيان فِي لون ... إِذا مرّ مَاء السحائب يغتذي)
(وحفّت بِهِ أوراقه فِي رياضه ... وَقد قدّ بعض مثل بعض وَقد حذى)
(كصغر من الْيَاقُوت يلمعن بالضحى ... منضّدة من فَوق قضب الزمرد)
وَله فِيهِ
(كَأَن لون الظيّان حِين بدا ... نوّاره أصفراً على ورقه)
(لون محبّ جفاه ذُو ملل ... فاصفرّ من سقمه وَمن أرقه)
وَله فِي النيلوفر
(يَا حسن منظر ذَا النيلوفر الأرج ... وَحسن مخبره فِي الفوج والأرج)
(كَأَنَّهُ جَام درّ فِي تألّقه ... قد أحكموا وَسطه فصّا من السّبج)
١١٩ - ابْنه عباد بن مُحَمَّد المعتضد بِاللَّه أَبُو عَمْرو
قَالَ ابْن بسام فِي كِتَابه الموسوم ب الذَّخِيرَة فِي محَاسِن أهل الجزيرة تسمّى أَولا بفخر الدولة ثمَّ بالمعتضد قطب رحى الْفِتْنَة ومنتهى غَايَة المحنة
стр. 342
من رجل لم يثبت لَهُ قَائِم وَلَا حصيد وَلَا سلم عَلَيْهِ قريب وَلَا بعيد جَبَّار أبرم الْأَمر وَهُوَ متناقض وَأسد فرس الطّلى وَهُوَ رابض متهور تتحاماه الدهاة وجبار لَا تأمنه الكماة متعسف اهْتَدَى ومنبت قطع فَمَا أبقى ثار وَالنَّاس حَرْب وكل شَيْء عَلَيْهِ ألب فَكفى أقرانه وهم غير وَاحِد وَضبط شانه بَين قَائِم وقاعد حَتَّى طَالَتْ يَده واتسع بَلَده وَكثر عديده وعدده افْتتح أمره بقتل وَزِير أَبِيه حبيب طعنة فِي ثغر الْأَيَّام ملّك بهَا كفّه وجباراً من جبابرة الْأَنَام شرّد بهَا من خَلفه فاستمر يفري ويخلق وَأخذ يجمع وَيفرق لَهُ فِي كل نَاحيَة ميدان وعَلى كل رابية خوّان حربه سم لَا يبطىء وَسَهْم لَا يخطىء وَسلمهُ شَرّ غير مَأْمُون ومتاع إِلَى أدنى حِين
وَذكره ابْن حَيَّان فَقَالَ وَقد نعي إِلَيْهِ بقرطبة وعشيّ يَوْم الْأَحَد لستّ خلت لجمادى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ يَعْنِي وَأَرْبَعمِائَة طرق قرطبة نعى المعتضد عباد زعيم جمَاعَة أُمَرَاء الأندلس فِي وقته أَسد الْمُلُوك وشهاب الْفِتْنَة وراحض الْعَار ومدرك الأوتار وَذُو الأنباء البديعة والجرائر الشنيعة والوقائع المبيرة والهمم الْعلية والسطوة الأبية فَرَمَاهُ الله بِسَهْم من مراميه المصمية أمدّ مَا كَانَ فِي اعتلائه وأرقى مَا كَانَ إِلَى سمائه وأطمع مَا كَانَ فِي الاحتواء على الجزيرة محتفزاً لَهَا عِنْد تشميره الذيل بفتنة لَا كفاء
стр. 343
لَهَا فتوفاه الله على فرَاشه من عِلّة ذبحة قَصِيرَة الأمد وحية الإجهاض اتّفقت الحكايات على أَنَّهَا كَانَت شبه البغت وَكَانَت ولَايَته بعد موت أَبِيه يَوْم الِاثْنَيْنِ غرَّة جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَقضى نحبه يَوْم السبت الثَّانِي من جُمَادَى الْآخِرَة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَدفن عشيّ يَوْم الْأَحَد بعده تغمد الله خطاياه فَلَقَد حمل عَنهُ على مر الْأَيَّام فِي بَاب فرط الْقَسْوَة وَتجَاوز الْحُدُود والإبلاغ فِي الْمثلَة وَالْأَخْذ بالظّنة والإخفار للذمة حكايات شنيعة لم يبد فِي أَكْثَرهَا للْعَالم بصدقها دَلِيل يقوم عَلَيْهَا فَالْقَوْل ينشاع فِي ذكرهَا وَمهما برىء من مغبتها فَلم يبرأ من فظاعة السطوة وَشدَّة الْقَسْوَة وَسُوء الاتهام على الطَّاعَة سجايا من جبلّته لم يحاش فِيهِنَّ ذَوي رحم وَلَا غلبهن بحيلة
وَقد كَانَ تقيّل سيرة أحد بن أبي أَحْمد بن المتَوَكل آخر أشداء خلائف العباسيين الَّذِي ضمّ نشر المملكة بالمشرق وسطا بالمنتزين عَلَيْهَا وبفقده انْهَدَمت الدولة فَحمل عبّاد سمته المعتضدية وطالع بِفضل نظره أخباره السياسية الَّتِي أضحت عِنْد أهل النّظر أَمْثِلَة هادية إِلَى الاحتواء على أمد الرِّئَاسَة فِي صلابة الْعَصَا وشناعة السّطا فجَاء مِنْهَا بمهولات تذْعَر من سَمعهَا فضلا عَمَّن عاينها نسبوا إِلَى هَذَا الْأَمِير الشهم عبار امتثالها من غير دلَالَة وَلم يقصر فِي دولته الَّتِي مهدها فَوق أَطْرَاف الأسنة وصيرا أَكثر شغله فِيهَا شبّ الحروب وكياد الْمُلُوك وانهراج الْبِلَاد وإحراز التّلاد من توفّر حَظه من الْأُمُور الملوكية وَالْعدَد السُّلْطَانِيَّة والآلات الرياسية
стр. 344
وَمن نَادِر أخباره المتناهية فِي الغرابة أَن نَالَ بغيته وَأهْلك تِلْكَ الْأُمَم العاتية وَإنَّهُ لغَائِب عَن مشاهدتها مترفه عَن مكابدتها مدبّر فَوق أريكته منفذ لحيلها من جَوف قصره مَا مَشى إِلَى عدوّ أَو مغلوب من أَمْثَاله غير مرّة أَو مرَّتَيْنِ ثمَّ لزم عريسته يدبر داخلها أُمُوره جرّد نَهَاره لإبرام التَّدْبِير وأخلص لَيْلَة لتملّي السرُور فَلَا يزَال تدار عَلَيْهِ كؤوس الراح ويحيا عَلَيْهِ بِقَبض الْأَرْوَاح لَهُ فِي كل شان شوين وعَلى كل قلب سمع وَعين مَا إِن سبر أحد من دهاة رِجَاله غوره وَلَا أدْرك قَعْره وَلَا أَمن مكره لم يزل ذَلِك دأبة مُنْذُ ابْتِدَائه إِلَى انتهائه
قَالَ وَكَانَ عباد أُوتى من جمال الصُّورَة وَتَمام الْخلقَة وفخامة الهيأة وسباطة الْبُنيان وثقوب الذِّهْن وَحُضُور الخاطر وَصدق الْحس مَا فاق أَيْضا على نظرائه
وَنظر مَعَ ذَلِك فِي الْأَدَب قبل ميل الْهوى بِهِ إِلَى طلب السُّلْطَان أدنى نظر بأذكى طبع حصل مِنْهُ لثقوب ذهنه على قِطْعَة وافرة علقها من غير تعهد لَهَا وَلَا إمعان فِي غمارها وَلَا إكثار من مطالعتها وَلَا مُنَافَسَة فِي اقتناء صحائفها أَعطَتْهُ نتيجتها على ذَلِك مَا شَاءَ من تحبير الْكَلَام وقرض قطع من الشّعْر ذَات طلاوة فِي معَان أمدّته فِيهَا الطبيعة وَبلغ مِنْهَا الْإِرَادَة واكتتبها الأدباءللبراعة
جمع هَذِه الْخلال الظَّاهِرَة والباطنة إِلَى جود كفّ باري السَّحَاب وأخبار عبّاد فِي جَمِيع أَفعاله وضروب أنحائه عالناته وخافياته غَرِيبَة بعيدَة
стр. 345
وَكَانَ على تجرّده فِي إحكام التَّدْبِير لسلطانه ذَا كلف بِالنسَاء فاستوسع فِي اتخاذهن وخلّط فِي أجناسهن فَانْتهى فِي ذَلِك إِلَى مدى لم يبلغهُ أحد من نظرائه فَقيل إِنَّه خلف من صنوفهن السّريريّات خَاصَّة نَحوا من سبعين جَارِيَة إِلَى حرّته الحظيّة لَدَيْهِ الفذّة من حلائله بنت مُجَاهِد العامري أُخْت عَليّ بن مُجَاهِد أَمِير دانية فَفَشَا نسل عباد لتوسّعه فِي النِّكَاح وقوته عَلَيْهِ
وَقَالَ غير ابْن حيّان افتض ثَمَانمِائَة بكر وَفِي موت المعتضد يَقُول أَبُو الْوَلِيد بن زيدون وَلم يظهره سُرُورًا بذلك واستراحة مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ غير مَأْمُون على الدِّمَاء وَلَا حَافظ لحُرْمَة الْأَوْلِيَاء
(لقد سرّني أنّ النّعيّ موكّل ... بطاغية قد حمّ مِنْهُ حمام)
(تجانب صوب الْغَيْث عَن ذَلِك الصدا ... ومرّ عَلَيْهِ المزن وَهُوَ جهام)
وَمن شعره وَقد جمعه ابْن أَخِيه إِسْمَاعِيل فِي ديوَان
(حميت ذمار الْمجد بَال // بيض والسّمر ... وقصّرت أَعمار العداة على قسر)
(ووسّعت سبل الْجُود طبعا وصنعة ... لِأَشْيَاء فِي العلياء ضَاقَ بهَا صَدْرِي)
(فَلَا مجد للْإنْسَان مَا كَانَ ضدّه ... يُشَارِكهُ فِي الدَّهْر بِالنَّهْي وَالْأَمر)
وَله
(رعى الله حالينا حَدِيثا وماضيا ... وَإِن كنت قد جردت عزمي مَاضِيا)
(فَمَا لليالي لَا تزَال ترومني ... ويرمين مني صائب السهْم قَاضِيا)
(وَقد علمت أنّ الخطوب تطوعني ... وَمَا زلت من لبس الدنيّات عَارِيا)
(أجدد فِي الدُّنْيَا ثيابًا جَدِيدَة ... يجدد مِنْهَا الْجُود مَا كَانَ بَالِيًا)
стр. 346
(فَمَا مرّ بِي بخل يخاطر مهجتي ... وَلَا مرّ بخل النَّاس قطّ بباليا)
(أَلا حبذا فِي الْمجد إِتْلَاف طارفي ... وبذلي عِنْد الْحَمد نَفسِي وماليا)
وَله
(لقد بسط الله المكارم من كفيّ ... فلست على العلات عَنْهَا أَخا كفّ)
(تنادي بيُوت المَال من فرط بذلها ... يَمِيني قد أسرفت ظالمتي كفّي)
(فتغري يَمِيني بالسّماح فتنهمي ... وَلَا تَرْتَضِي خلاّ يَقُول لَهَا: يَكْفِي ... لعمرك مَا الْإِسْرَاف فيّ طبيعة ... ولكنّ طبع الْبُخْل عِنْدِي كالحتف)
وَله
(يصبّرني أهل الْمَوَدَّة دائبا ... وَإِن فُؤَادِي والإله صبور)
(أغار على مغنى الرِّئَاسَة إِنَّنِي ... على كلّ حسن فِي الزَّمَان غيور)
(أصرّف ذهني فِي أُمُور جليلة ... وَأعلم أنّ الدائرات تَدور)
وَله
(أقوم على الْأَيَّام خير مقَام ... وأوقد فِي الْأَعْدَاء شرّ ضرام)
(وَأنْفق فِي كسب المحامد مهجتي ... وَلَو كَانَ فِي الذّكر الْجَمِيل حمامي)
(وأبلغ من دنياي نَفسِي سؤلها ... وأضرب فِي كلّ الْعلَا بسهامي)
(إِذا فَضَح الْأَمْلَاك نقصا فَإِنَّهُ ... يبيّنه عِنْد الْأَنَام تمامي)
وَله
(عَن الْقَصْد قد جاروا وَمَا جرت عَن قصدي ... إِذا خفيت طرق الفرائس عَن أَسد)
(إِذا اعْترضُوا للبخل أَعرَضت عَنْهُم ... وَإِن منّ أَقوام كتمت الَّذِي أسدى)
стр. 347
(فَللَّه مَا أُخْفِي من الْعدْل والنّدى ... وَللَّه مَا أبدي من الْفضل وَالْمجد)
(وَلَا ألتقي ضَيْفِي بِغَيْر بشاشة ... إِذا فَجحدت الله مَعْرُوفَة عِنْدِي)
وَله
(أَنَام وَمَا قلبِي عَن الْمجد نَائِم ... وإنّ فُؤَادِي بالمعالي لهائم)
(وَإِن قعدت بِي عِلّة عَن طلابها ... فإنّ اجتهادي فِي الطلاب لدائم)
(يعز على نَفسِي إِذا رمت رَاحَة ... براح فتثنيني الطباع الكرائم)
(وأسهر ليلِي مفكراً غير طاعم ... وغيري على العلات شبعان نَائِم)
(يُنَادي اجتهادي إِن أحسّ بفترة ... أَلا أَيْن يَا عبّاد تِلْكَ العزائم)
(فتهتز آمالي وتقوي عزيمتي ... وتذكرني لذاتهنّ الهزائم)
وَله
(زهر الأسنة فِي الهيجا غَدَتْ زهري ... غرست أشجارها مستجزل الثّمر)
(مَا إِن ذكرت لَهَا من معرك جلل ... إِلَّا تجلّلته بالصارم الذّكر)
(حَتَّى غَدَوْت وأعدائي تخاطبني ... يَا قَاتل النَّاس بالأجناد والفكر)
وَله
(هذي السَّعَادَة قد قَامَت على قدم ... وَقد جَلَست لَهَا فِي مجْلِس الْكَرم)
(فَإِن أردْت إلهي بالورى حسنا ... فملكني زمَان الْعَرَب والعجم)
(فإنني لَا عدلت الدَّهْر عَن حسن ... وَلَا عدلت بهم عَن أكْرم الشيم)
(أقارع الدَّهْر عَنْهُم كلّ ذِي طلب ... وَأطْرد الدَّهْر عَنْهُم كلّ مَا عدم)
стр. 348
وَله
(وَإِذا توعّرت المسالك لم أرد ... فِيهَا السّرى إِلَّا بِرَأْي مقمر)
(وَإِذا طلبت عَظِيمَة فمفاتحي ... فِيهَا الْعَزِيمَة والسّنان السّمهري)
وَله
(لعمرك إِنِّي بالمدامة قوّال ... وَإِنِّي لما يهوي النّدامى لفعّال)
(قسمت زماني بَين كدّ وراحة ... فللرأي أسحار وللطّيب آصال)
(فأمسي على اللَّذَّات وَاللَّهْو عاكفاً ... وأضحي بساحات الرِّئَاسَة أختال)
(وَلست على الإدمان أغفل بغيتي ... من الْمجد إِنِّي فِي الْمَعَالِي لمحتال)
وَله يُخَاطب أَبَاهُ القَاضِي أَبَا الْقَاسِم وَقد عتب عَلَيْهِ
(أطعتك فِي سري وجهري جاهداً ... فَلم يَك لي إِلَّا الملام ثَوَاب)
(وأعملت جهدي فِي رضاك مشّمراً ... وَمن دون أَن أفضي إِلَيْهِ حجاب)
(وَمَا كبا جدّي إِلَيْك وَلم يسغْ ... لنَفْسي على سوء الْمقَام شراب)
(وقلّ اصْطِبَارِي حِين لَا لي عنْدكُمْ ... من الْعَطف إِلَّا قسوة وعتاب)
(فَرَرْت بنفسي أَبْتَغِي فُرْجَة لَهَا ... على أَن حُلْو الْعَيْش بعْدك صاب)
(وَمَا هزني إِلَّا رَسُولك دَاعيا ... فَقلت أَمِير الْمُؤمنِينَ مجاب)
(فَجئْت أغذّ السّير حَتَّى كَأَنَّمَا ... يطير بسرجي فِي الفلاة عِقَاب)
(وَمَا كنت بعد الْبَين إِلَّا موطناً ... بعزمي على أَن لَا يكون إياب)
(وَلَكِنَّك الدُّنْيَا على حَبِيبَة ... فَمَا عَنْك لي إِلَّا إِلَيْك ذهَاب)
(أصب بِالرِّضَا عني مسرّة مهجتي ... وَإِن لم يكن فِيمَا أتيت صَوَاب)
(وفضلك فِي ترك الملام فَإِنَّهُ ... وحقّك فِي قلبِي ظَبْي وحراب)
(إِذا كَانَت النّعمى تكدّر بالأذى ... فَمَا هِيَ إِلَّا محنة وَعَذَاب)
(وَلَا تقبضن بِالْمَنْعِ كفي فَإِنَّهُ ... وجدّك نقض للعلا وخراب)
стр. 349
(فكلّ نوال لي إِلَيْك انتسابه ... وَأَنت عَلَيْهِ بالثناء مثاب)
(بقيت مكين الْأَمر مَا ذرّ شارق ... وَمَا لَاحَ فِي أفق السَّمَاء ربَاب)
وَله إِلَى صهره مُجَاهِد العامري
(عرفت عرف الصّبا إِذْ هبّ عاطره ... من أفق من أَنا فِي قلبِي أشاطره)
(أَرَادَ تَجْدِيد ذكرَاهُ على شحط ... وَمَا تيقّن أَنى الدَّهْر ذاكره)
(قصاره قَيْصر ان قَامَ مفتخراً ... لله أَوله مجداً وَآخره)
(خلّى أَبَا الْجَيْش هَل يقْضى اللِّقَاء لنا ... فيشتفي مِنْك طرف أَنْت ناظره)
(شطّ المزار بِنَا وَالدَّار دانية ... يَا حبذا الفال لَو صحّت زواجره)
وَله أَيْضا
(أَتَرَى اللِّقَاء كَمَا نحب يوفّق ... فنظل نصبح بالسرور وتغبق)
(أفدي أَبَا الْجَيْش الموفّق إِنَّه ... للمكرمات ميسّر وموفّق)
(باهي بِهِ الزَّمن البهيّ كَأَنَّهُ ... بشر على وَجه الزَّمَان ورونق)
(ملك إِذا فَهُنَا بِطيب ثنائه ... ظلت لَهُ أفواهنا تتمطّق)
(حسب الرِّئَاسَة أَن عدت مزادنة ... بسناه فَهُوَ التَّاج وَهِي المفرق)
وَله فِي النسيب
(يجور على قلبِي هوى وَيُجِير ... ويأمرني إِن الحبيب أَمِير)
(أغار عَلَيْهِ من لحاظي صِيَانة ... وأكرمه إِن المحبّ غيور)
(أخفّ على لقيا الحبيب وإنني ... لعمرك فِي جلّى الْأُمُور وقور)
وَله
(رعى الله من يُصَلِّي فُؤَادِي بحبه ... سعيراً وعيني مِنْهُ فِي جنَّة الْخلد)
стр. 350
(غزاليّة الْعَينَيْنِ شمسيّة السّنا ... كثيبيّة الرّدفين غصنيّة الْقد)
(شَكَوْت إِلَيْهِ حبّها بمدامعي ... وأعلمتها مَا قد لقِيت من الوجد)
(فصادف قلبِي قَلبهَا وَهُوَ عَالم ... فأعدي وَذُو الشوق المبرّح قد يعدي)
(فجادت وَمَا كَادَت على بخدها ... وَقد يَنْبع المَاء النمير من الصّلد)
(فَقلت لَهَا هَاتِي ثناياك إِنَّنِي ... أفضّل نوّار الأقاحي على الْورْد)
(وميلي على جسمي بجسمك فانثنت ... تعيد الَّذِي أمّلت مِنْهَا كَمَا تبدي)
(عنَاقًا ولثماً أرّثاً الشوق بَيْننَا ... فُرَادَى ومثنى كالشرار من الزّند)
(فيا سَاعَة مَا كَانَ أقصر وَقتهَا ... لديّ تقضّت غير مذمومة الْعَهْد)
وَله
(تنام ومدنفها يسهر ... وتصبر عَنهُ وَلَا يصبر)
(لَئِن دَامَ هَذَا وَهَذَا بِهِ ... سيهلك وجدا وَلَا يشْعر)
وَله
(يَا قمراً قلبِي لَهُ مطلع ... وشادناً فِي مهجتي يرتع)
(وَالله مَا أطمع فِي الْعَيْش مذ ... أَصبَحت فِي وصلك لَا أطمع)
(لَيْت كَمَا يرتع فِي مهجتي ... أَنى فِي ريقته أكرع)
стр. 351
وَله
(يطول عليّ الدَّهْر مَا لم ألاقها ... وَيقصر إِن لاقيتها أطول الدَّهْر)
(لَهَا غرّة كالبدر عِنْد تَمَامه ... ، صدغا عبير نمّقا صفحة الْبَدْر)
(وقدّ كَمثل الْغُصْن مَالَتْ بِهِ الصِّبَا ... يكَاد لفرط اللين ينقدّ فِي الخصر)
(وَمَشى كَمَا جَاءَت تهادى غمامة ... وَلَفظ كَمَا انحلّ النظام عَن الدّرّ)
وَله، وَهُوَ من جيد شعره
(شربنا وجفن اللَّيْل يغسل كحله ... بِمَاء الصَّباح والنسيم رَقِيق)
(معتّقة كالتّبر أما بخارها ... فضخم وَأما جسمها فدقيق)
وَله فِي الياسمين
(كَأَنَّمَا ياسميننا الغضّ ... كواكب فِي السَّمَاء تبيضّ)
(والطّرق الْحمر فِي جوانبه ... كخد عذراء مَسّه عضّ)
وَله وَأنْشد على مِنْبَر مالقة ودعي لَهُ بهَا وبخمسة وَعشْرين حصناً من حصونها جُمُعَة وَاحِدَة
(عتادي أجر مَا أوليت فيهم ... من الفتكات بكر أَو عوان)
(وحسبي فِي سَبِيل الله موت ... يكون ثَوَابه دَار الْجنان)
وَهَذَا مثل قَوْله عِنْدَمَا ظفر بحصن رندة من أَبْيَات كَانَ يعجب بهَا وَيَأْخُذ النَّاس بحفظها
(سأفنى مُدَّة الْأَعْدَاء ... إِن طَالَتْ بِي المدّة)
(وتبلى بِي ضلالتهم ... لِيَزْدَادَ الْهدى جده)
стр. 352
(فكم من عدَّة قتلت ... مِنْهُم بعْدهَا عدّة)
(نظمت رؤوسهم عقدا ... فحلّت لبة الشده)
وَكَانَت لَهُ خزانَة أكْرم لَدَيْهِ من خزانَة جَوْهَر فِي جَوف قصره أودعها هام الْمُلُوك الَّذين أبادهم بِسَيْفِهِ مِنْهَا رَأس مُحَمَّد بن عبد الله البرزالي ورؤوس الحجّاب ابْن خزرون وَابْن نوح وَغَيرهم الَّذين قرن الله رؤوسهم بِرَأْس إمَامهمْ الْخَلِيفَة يحيى بن عَليّ بن حمّود وَكَانَ الَّذِي يغريه بطلبهم أَن بعض الراصدين مولده أخبر أَن انْقِضَاء دولته يكون على أَيدي قوم يطرأون على الجزيرة من غير سكانها فَكَانَ لَا يشك أَنهم تِلْكَ البرازلة الطارئون عَلَيْهَا على عهد
стр. 353
ابْن أبي عَامر فأعمل فِي نكالهم وُجُوه سياسته وَاتفقَ أَن دخل عَلَيْهِ يَوْمًا بعض وزرائه وَبَين يَدَيْهِ كتاب قد أَطَالَ فِيهِ النّظر فَإِذا كتاب سقّوت المنتزي
стр. 354
يَوْمئِذٍ بسبتة يذكر أَن الملثمين المدعوين بالمرابطين قد وصلت مقدمتهم رحبة مراكش فَأخذ الْوَزير يهون أَمرهم ويخبر أَن دونهم اللّجج والمهامة فَقَالَ لَهُ المعتضد هُوَ وَالله الَّذِي أتوقعه وأخشاه وَإِن طَالَتْ بك حَيَاة فستراه اكْتُبْ إِلَى فلَان يعْنى عَامله على الجزيرة بِحِفْظ جبل طَارق حَتَّى يَأْتِيهِ أَمْرِي فَقضى أَن خلعوا وَلَده وقرضوا أمره
١٢٠ - ابْنه مُحَمَّد بن عباد الْمُعْتَمد على الله
ويلقب أَيْضا بالظافر وبالمؤيدأبو الْقَاسِم
بُويِعَ لَهُ بالإمارة بعد أَبِيه المعتضد إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
قَالَ ابْن حيّان وَذكر المعتضد عباد بن مُحَمَّد هَلَكت لَهُ بنت أثيرة لَدَيْهِ أبدى لَهَا حزنا شَدِيدا امتثله أهل مَمْلَكَته فِي إِظْهَاره وَحضر خواصّهم شُهُود جنازتها بداخل قصره عَشِيَّة الْجُمُعَة غرَّة جُمَادَى الأولى يَعْنِي من سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فاستنفروا فِي تعزيته فَلَمَّا انفضّوا شكا ألماً بِرَأْسِهِ من زكام ثقيل انصبّ عَلَيْهِ فهدّه وأحضر لَهُ طبيبه وَقد ازْدَادَ
стр. 355
قلعة وَأنكر نَفسه فغصّ عَلَيْهِ بهجمة من دَمه وَأَشَارَ بتسريح شَيْء مِنْهُ فَرَأى تَأْخِير ذَلِك إِلَى غَد يَوْمه وَأمسى لَيْلَة السبت وَقَضَاء الله قد حاق بِهِ بخنق مزعج أغصّه بريقه وَمنعه الْكَلَام فَقضى نحبه يَوْم السبت وَعلا النوح من قصره بحينه فَلم ينكتم مَوته حينا لشهود خَلِيفَته وقائد جيوشه وحامل كَلمته المرشح لمكانه مُحَمَّد بن عباد المتسمي الظافر الْمُؤَيد بِاللَّه فاستقرت دولته ليومها وَأَلْقَتْ مراسيها وَقَامَ فِي جهاز وَالِده ومواراته فدفنه بداخل قصره وَفِي تربة أَبِيه القَاضِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَتَوَلَّى الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي جمَاعَة الأشهاد من أهل مَمْلَكَته وَذَلِكَ عشيّ يَوْم الْأَحَد لثلاث خلون من جُمَادَى الْأَخِيرَة
وأفضى الْأَمر إِلَى وَلَده وَهُوَ فِي ريعان شبابه وَكَمَال جماله ابْن تسع وَعشْرين سنة وشهرين وَأَيَّام زَائِدَة مولده فِي الْعشْر الْأُخَر من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي الْوَلِيد بن زيدون مولده سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بكر بن اللبّانة
قَالَ ابْن حيّان وَكَانَت سنّ عبّاد سبعا وَخمسين سنة وَثَلَاثَة شهور وَتِسْعَة أَيَّام تأقيتاً من مولده يَوْم الثُّلَاثَاء لسبع بَقينَ من صفر سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة إِلَى وَفَاته يَوْم السبت لليلتين خلتا من جُمَادَى الْأَخِيرَة وَمُدَّة إمارته مِنْهَا من يَوْم بيعَته بوفاة وَالِده يَوْم الِاثْنَيْنِ غرَّة جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة ويومان
ويحكى عَن المعتضد خبر غَرِيب فِي تطيّره عِنْد انصرام أَيَّامه وَبَين يَدي هجوم حمامه وَهُوَ انْعِقَاد نِيَّته على استحضار مغن يَجْعَل مَا يَبْتَدِئ بِهِ فألا فِي
следующие страницы →