Полный текст (687 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وَله
(يطول عليّ الدَّهْر مَا لم ألاقها ... وَيقصر إِن لاقيتها أطول الدَّهْر)
(لَهَا غرّة كالبدر عِنْد تَمَامه ... ، صدغا عبير نمّقا صفحة الْبَدْر)
(وقدّ كَمثل الْغُصْن مَالَتْ بِهِ الصِّبَا ... يكَاد لفرط اللين ينقدّ فِي الخصر)
(وَمَشى كَمَا جَاءَت تهادى غمامة ... وَلَفظ كَمَا انحلّ النظام عَن الدّرّ)
وَله، وَهُوَ من جيد شعره
(شربنا وجفن اللَّيْل يغسل كحله ... بِمَاء الصَّباح والنسيم رَقِيق)
(معتّقة كالتّبر أما بخارها ... فضخم وَأما جسمها فدقيق)
وَله فِي الياسمين
(كَأَنَّمَا ياسميننا الغضّ ... كواكب فِي السَّمَاء تبيضّ)
(والطّرق الْحمر فِي جوانبه ... كخد عذراء مَسّه عضّ)
وَله وَأنْشد على مِنْبَر مالقة ودعي لَهُ بهَا وبخمسة وَعشْرين حصناً من حصونها جُمُعَة وَاحِدَة
(عتادي أجر مَا أوليت فيهم ... من الفتكات بكر أَو عوان)
(وحسبي فِي سَبِيل الله موت ... يكون ثَوَابه دَار الْجنان)
وَهَذَا مثل قَوْله عِنْدَمَا ظفر بحصن رندة من أَبْيَات كَانَ يعجب بهَا وَيَأْخُذ النَّاس بحفظها
(سأفنى مُدَّة الْأَعْدَاء ... إِن طَالَتْ بِي المدّة)
(وتبلى بِي ضلالتهم ... لِيَزْدَادَ الْهدى جده)
стр. 352
(فكم من عدَّة قتلت ... مِنْهُم بعْدهَا عدّة)
(نظمت رؤوسهم عقدا ... فحلّت لبة الشده)
وَكَانَت لَهُ خزانَة أكْرم لَدَيْهِ من خزانَة جَوْهَر فِي جَوف قصره أودعها هام الْمُلُوك الَّذين أبادهم بِسَيْفِهِ مِنْهَا رَأس مُحَمَّد بن عبد الله البرزالي ورؤوس الحجّاب ابْن خزرون وَابْن نوح وَغَيرهم الَّذين قرن الله رؤوسهم بِرَأْس إمَامهمْ الْخَلِيفَة يحيى بن عَليّ بن حمّود وَكَانَ الَّذِي يغريه بطلبهم أَن بعض الراصدين مولده أخبر أَن انْقِضَاء دولته يكون على أَيدي قوم يطرأون على الجزيرة من غير سكانها فَكَانَ لَا يشك أَنهم تِلْكَ البرازلة الطارئون عَلَيْهَا على عهد
стр. 353
ابْن أبي عَامر فأعمل فِي نكالهم وُجُوه سياسته وَاتفقَ أَن دخل عَلَيْهِ يَوْمًا بعض وزرائه وَبَين يَدَيْهِ كتاب قد أَطَالَ فِيهِ النّظر فَإِذا كتاب سقّوت المنتزي
стр. 354
يَوْمئِذٍ بسبتة يذكر أَن الملثمين المدعوين بالمرابطين قد وصلت مقدمتهم رحبة مراكش فَأخذ الْوَزير يهون أَمرهم ويخبر أَن دونهم اللّجج والمهامة فَقَالَ لَهُ المعتضد هُوَ وَالله الَّذِي أتوقعه وأخشاه وَإِن طَالَتْ بك حَيَاة فستراه اكْتُبْ إِلَى فلَان يعْنى عَامله على الجزيرة بِحِفْظ جبل طَارق حَتَّى يَأْتِيهِ أَمْرِي فَقضى أَن خلعوا وَلَده وقرضوا أمره
١٢٠ - ابْنه مُحَمَّد بن عباد الْمُعْتَمد على الله
ويلقب أَيْضا بالظافر وبالمؤيدأبو الْقَاسِم
بُويِعَ لَهُ بالإمارة بعد أَبِيه المعتضد إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
قَالَ ابْن حيّان وَذكر المعتضد عباد بن مُحَمَّد هَلَكت لَهُ بنت أثيرة لَدَيْهِ أبدى لَهَا حزنا شَدِيدا امتثله أهل مَمْلَكَته فِي إِظْهَاره وَحضر خواصّهم شُهُود جنازتها بداخل قصره عَشِيَّة الْجُمُعَة غرَّة جُمَادَى الأولى يَعْنِي من سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فاستنفروا فِي تعزيته فَلَمَّا انفضّوا شكا ألماً بِرَأْسِهِ من زكام ثقيل انصبّ عَلَيْهِ فهدّه وأحضر لَهُ طبيبه وَقد ازْدَادَ
стр. 355
قلعة وَأنكر نَفسه فغصّ عَلَيْهِ بهجمة من دَمه وَأَشَارَ بتسريح شَيْء مِنْهُ فَرَأى تَأْخِير ذَلِك إِلَى غَد يَوْمه وَأمسى لَيْلَة السبت وَقَضَاء الله قد حاق بِهِ بخنق مزعج أغصّه بريقه وَمنعه الْكَلَام فَقضى نحبه يَوْم السبت وَعلا النوح من قصره بحينه فَلم ينكتم مَوته حينا لشهود خَلِيفَته وقائد جيوشه وحامل كَلمته المرشح لمكانه مُحَمَّد بن عباد المتسمي الظافر الْمُؤَيد بِاللَّه فاستقرت دولته ليومها وَأَلْقَتْ مراسيها وَقَامَ فِي جهاز وَالِده ومواراته فدفنه بداخل قصره وَفِي تربة أَبِيه القَاضِي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَتَوَلَّى الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي جمَاعَة الأشهاد من أهل مَمْلَكَته وَذَلِكَ عشيّ يَوْم الْأَحَد لثلاث خلون من جُمَادَى الْأَخِيرَة
وأفضى الْأَمر إِلَى وَلَده وَهُوَ فِي ريعان شبابه وَكَمَال جماله ابْن تسع وَعشْرين سنة وشهرين وَأَيَّام زَائِدَة مولده فِي الْعشْر الْأُخَر من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي الْوَلِيد بن زيدون مولده سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بكر بن اللبّانة
قَالَ ابْن حيّان وَكَانَت سنّ عبّاد سبعا وَخمسين سنة وَثَلَاثَة شهور وَتِسْعَة أَيَّام تأقيتاً من مولده يَوْم الثُّلَاثَاء لسبع بَقينَ من صفر سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة إِلَى وَفَاته يَوْم السبت لليلتين خلتا من جُمَادَى الْأَخِيرَة وَمُدَّة إمارته مِنْهَا من يَوْم بيعَته بوفاة وَالِده يَوْم الِاثْنَيْنِ غرَّة جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة ويومان
ويحكى عَن المعتضد خبر غَرِيب فِي تطيّره عِنْد انصرام أَيَّامه وَبَين يَدي هجوم حمامه وَهُوَ انْعِقَاد نِيَّته على استحضار مغن يَجْعَل مَا يَبْتَدِئ بِهِ فألا فِي
стр. 356
أمره وَقد استشعر انْقِرَاض ملكه وحلول هلكه فَأرْسل فِي الصّقلّي الْمُغنِي وَكَانَ قد قدم عَهده بِهِ فأجلسه وأنّسه وَأمره بِالْغنَاءِ فغنى
(نطوي اللَّيَالِي علما أَن ستطوينا ... فشعشعيها بِمَاء المزن واسقينا)
غنّى من ذَلِك خَمْسَة أَبْيَات ولخمسة أَيَّام مَاتَ
وَفِي وَفَاة المعتضد عبّاد وَقيام ابْنه الْمُعْتَمد مُحَمَّد يَقُول أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْغَنِيّ الحصري الكفيف
(مَاتَ عباد وَلَكِن ... بقى الْفَرْع الْكَرِيم)
(فكأنّ الْمَيِّت حيّ ... غير أنّ الضَّاد مِيم)
وَكَانَ الْمُعْتَمد من الْمُلُوك الْفُضَلَاء والشجعان الْعُقَلَاء والأجواد الأسخياء المأمونين عفيف السَّيْف والذيل مُخَالفا لِأَبِيهِ فِي الْقَهْر والسفك وَالْأَخْذ بِأَدْنَى سِعَايَة رد جمَاعَة مِمَّن نفى أَبوهُ وسكّن وَمَا نفّر وَأحسن السِّيرَة وَملك فَأَسْجِحْ إِلَّا أَنه كَانَ مُولَعا بِالْخمرِ منغمساً فِي اللَّذَّات عاكفاً على البطالة مخلداً إِلَى الرَّاحَة فَكَانَ ذَلِك سَبَب عطبه وأصل هَلَاكه
وَمِمَّا يُؤثر من فضائله ويعد فِي زهر مناقبه استعانته على الرّوم بِملك الْمغرب
стр. 357
حِينَئِذٍ وَهُوَ يُوسُف بن تاشفين وسعيه فِي استقدامه وجده فِي ملاقاة الطاغية ملك النَّصَارَى والإيقاع بِهِ بالموضع الْمَعْرُوف بالزلاّقة فِي رَجَب سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وبدخول اللمتونيين إِذْ ذَاك الأندلس تسببوا إِلَى خلعه مَعَ مَعْرفَته بحسدهم لَهُ وانعكاس نَصرهم إِيَّاه خذلاناً وقهراً وتنبيه وزرائه على مَا كَانَ مِنْهُم قبل استجاشتهم والاسنتصار بهم فآثر الدّين على الدُّنْيَا وأنف لِلْإِسْلَامِ من الاصطلام وَتمّ فِيهِ قَضَاء الله فخلعوه بعد حصاره مُدَّة يَوْم الْأَحَد لإحدى وَعشْرين لَيْلَة خلت من رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَاحْتَمَلُوهُ وَأَهله إِلَى الْمغرب وأسكنوه أغمات وَبهَا مَاتَ والمقدور كَائِن وَكَانَت وَفَاته فِي شهرربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ على حَال يوحش سماعهَا فضلا عَن مشاهدتها وَهَذَا بعد أَن خلع عَن ثَمَانمِائَة امْرَأَة أُمَّهَات الْأَوْلَاد وجواري مُتْعَة وإماء تصرّف ورزق من النَّاس حبّاً وَرَحْمَة فهم يبكونه إِلَى الْيَوْم
وَكَانَ لَهُ فِي الْأَدَب بَاعَ وسباع ينظم وينثر وَفِي أَيَّامه نفقت سوق الأدباء فتسابقوا إِلَيْهِ وتهافتوا عَلَيْهِ وشعره مدوّن مَوْجُود بأيدي النَّاس وَلم يَك فِي مُلُوك الأندلس قبله أشعر مِنْهُ وَلَا أوسع مَادَّة وَهُوَ الْقَائِل فِي صباه بديهة وَقد سمع الْأَذَان لبَعض الصَّلَوَات
(هَذَا الْمُؤَذّن قد بدا بأذانه ... يَرْجُو الرِّضَا وَالْعَفو من رحمانه)
(طُوبَى لَهُ من نَاطِق بِحَقِيقَة ... إِن كَانَ عقد ضَمِيره كلسانه)
وَله يصف ترسا لازوردي اللَّوْن مطوقاً بِالذَّهَب فِي وَسطه مسامير مذهبَة وَيُقَال إِن أَبَاهُ المعتضد أمره بوصفه فَقَالَ بديها
стр. 358
(مجنّ حكى صانعوه السَّمَاء ... لتقصر عَنهُ طوال الرماح)
(وصاغوا مِثَال الثريا عَلَيْهِ ... كواكب تقضى لنا بالنجاح)
(وَقد طوّقوه بذوب النّضار ... كَمَا جلّل الْأُفق ضوء الصَّباح)
وَله يستعطف أَبَاهُ المعتضد لما فرّط فِي أَمر مالقة وخذله أَصْحَابه فَأخْرج مِنْهَا ولجأ إِلَى رندة فَأَقَامَ بهَا مُدَّة تَحت موجدة أَبِيه
(سكّن فُؤَادك لَا تذْهب بك الْفِكر ... مَاذَا يُعِيد عَلَيْك البثّ والحذر)
(وازجر جفونك لَا ترض الْبكاء لَهَا ... واصبر فقد كنت عِنْد الْخطب تصطبر)
(فَإِن يكن قدر قد عَاق عَن وطر ... فَلَا مردّ لما يَأْتِي بِهِ الْقدر)
(وَإِن تكن خيبة فِي الدَّهْر وَاحِدَة ... فكم غزوت وَمن أشياعك الظّفر)
(إِن كنت فِي حيرة عَن جرم مجترم ... فَإِن عذرك فِي ظلمائها قمر)
(فوّض إِلَى الله فِيمَا أَنْت خائفة ... وثق بمعتضد بِاللَّه يغْتَفر)
(وَلَا يروعنك خطب إِن عدا زمن ... فَالله يدْفع والمنصور ينتصر)
(واصبر فَإنَّك من قوم أولى جلد ... إِذا أَصَابَتْهُم مَكْرُوهَة صَبَرُوا)
(من مثل قَوْمك من مثل الْهمام أبي ... عَمْرو أَبِيك لَهُ مجد ومفتخر)
стр. 359
(سميدع يهب الآلاف مبتدئاً ... ويستقلّ عطاياه ويحتقر)
(لَهُ يَد كلّ جَبَّار يقبّلها ... لَوْلَا نداها لقلنا إِنَّهَا الْحجر)
(يَا ضيغماً يقتل الْأَبْطَال مفترساً ... لَا توهننّي فَإِنِّي الناب والظّفر)
(وفارساً تحذر الأقران صولته ... صن حدّ عَبدك فَهُوَ الصارم الذّكر)
(هُوَ الَّذِي لم تشم يمناك صفحته ... إِلَّا تأتّي مُرَاد وانقضى وطر)
(قد أخلفتني ظروف أَنْت تعلمهَا ... وغال مورد آمالي بهَا كدر)
(فَالنَّفْس جازعة وَالْعين دامعة ... وَالصَّوْت منخفض والطّرف منكسر)
(قد حلت لوناً وَمَا بالجسم من سقم ... وشبت رَأْسا وَلم يبلغنِي الْكبر)
(ومت إِلَّا ذماء فيّ يمسِكهُ ... أَنِّي عهدتك تَعْفُو حِين تقتدر)
(لم يَأْتِ عَبدك ذَنبا يسْتَحق بِهِ ... عتباً وَهَا هُوَ قد ناداك يعْتَذر)
(مَا الذَّنب إِلَّا على قوم ذَوي دغل ... وَفِي لَهُم عفوك الْمَعْهُود إِذْ غدروا)
(قوم نصيحتهم غشّ وحبهم ... بغض ونفعهم إِن صرّفوا ضَرَر)
(تميز الغيظ فِي الْأَلْفَاظ إِن نطقوا ... وتعرف الحقد فِي الألحاظ إِن نظرُوا)
(إِن يحرق الْقلب نبز من مقالهم ... فَإِنَّمَا ذَاك من نَار القلى شرر)
(أجب نِدَاء أخي قلب تملّكه ... أسى وَذي مقلة أودي بهَا سهر)
(لم أوت من زمني شَيْئا ألذّ بِهِ ... فلست أعرف مَا كأس وَلَا وتر)
(وَلَا تملّكني دلّ وَلَا خفر ... وَلَا تمرّس بِي غنج وَلَا حور)
стр. 360
(رضاك رَاحَة نَفسِي لَا فجعت بِهِ ... فَهُوَ العتاد الَّذِي للدهر أدّخر)
(وَهُوَ المدام الَّتِي أسلو بهَا فَإِذا ... عدمتها وقدت فِي قلبِي الْفِكر)
(أجل ولي رَاحَة أُخْرَى كلفت بهَا ... نظم الكلى فِي القنا والهام تبتدر)
(كم وقْعَة لَك فِي الْأَعْدَاء وَاضِحَة ... تفنى اللَّيَالِي وَلَا يفنى بهَا الْخَبَر)
(سَارَتْ بهَا العيس فِي الْآفَاق فانتشرت ... فَلَيْسَ فِي كل حيّ غَيرهَا سمر)
(مَا تركى الْخمر عَن زهد وَلَا ورع ... فَلم يُفَارق لعمري سنّي الصّغر)
(وَإِنَّمَا أَنا ساع فِي رضاك فَإِن ... أخفقت فِيهِ فَلَا يفسح لي الْعُمر)
(إِلَيْك رَوْضَة فكري جاد منبتها ... ندى يَمِينك لَا ظلّ وَلَا مطر)
(جعلت ذكرك فِي أرجائها زهراً ... فَكل أَوْقَاتهَا للمجتنى سحر)
وَذكر أَبُو بكر مُحَمَّد بن عِيسَى بن مُحَمَّد اللَّخْمِيّ الداني الْمَعْرُوف بِابْن اللبانة أَن رجلا من أهل إشبيلية كَانَ يحفظ هَذَا الشّعْر فِي ذَلِك الأمد ثمَّ خرج مِنْهَا لنِيَّة مِنْهُ إِلَى أقْصَى حيّ فِي الْعَرَب فأوى إِلَى خيمة من خيماتهم ولاذ بِذِمَّة رَاع من رعاتهم فَلَمَّا توَسط الْقَمَر فِي بعض اللَّيَالِي وهجع السامر تذكر الدولة العبّادية ورونقها فَطَفِقَ ينشد القصيدة بِأَحْسَن صَوت وأشجاه فَمَا أكملها حَتَّى رفع رواق الْخَيْمَة الَّتِي أَوَى إِلَيْهَا عَن رجل وسيم ضخم تدل سِيمَا فَضله على أَنه سيد أَهله قَالَ يَا حضريّ حيّاك الله لمن هَذَا الْكَلَام الَّذِي أعذوذب مورده واخضوضل منبته وتحلّت بقلادة الْحَلَاوَة بكره وهدر بشقشقة
стр. 361
الجزالة بكره فَقَالَ هُوَ لملك من مُلُوك الأندلس يعرف بِابْن عبّاد فَقَالَ الْعَرَبِيّ أَظن هَذَا الْملك لم يكن لَهُ من الْملك إِلَّا حَظّ يسير وَنصِيب حقير ممثل هَذَا الشّعْر لَا يَقُوله من شغل بشئ دونه فعرّفه الرجل بِعظم رئاسته وَوصف لَهُ بعض جلالته فتعجب العربيّ من ذَلِك ثمَّ قَالَ وَمِمَّنْ الْملك إِن كنت تعلم فَقَالَ الرجل هُوَ فِي الصميم من لخم والذؤابة من يعرب فَصَرَخَ الْعَرَبِيّ صرخة أيقظ الحيّ بهَا من هجعته ثمَّ قَالَ هلموا هلموا فتبادر الْقَوْم إِلَيْهِ ينثالون عَلَيْهِ فَقَالَ معشر قومِي اسمعوا مَا سمعته وعوا مَا وعيته فَإِنَّهُ لفخر طَلَبكُمْ وَشرف تلاصق بكم يَا حضري أنْشد كلمة ابْن عمنَا فأنشدهم القصيدة وعرّفهم العربيّ بِمَا عرّفه الرجل بِهِ من نسب الْمُعْتَمد فخامرتهم السّراء وداخلتهم الْعِزَّة وركبوا من طربهم متون الْخَيل وَجعلُوا يتلاعبون عَلَيْهَا بَاقِي اللَّيْل فَلَمَّا رسل اللَّيْل نسيمه وشق الصَّباح أوكاد أديمة عمد زعيم الْقَوْم إِلَى عشْرين من الْإِبِل فَدَفعهَا إِلَى الرجل وَفعل الْجَمِيع مثل مَا فعل فَمَا كَانَ رأد الضُّحَى إِلَّا وَعِنْده هنيدة من الْإِبِل ثمَّ خلطوه بِأَنْفسِهِم وجعلوه مقرّ سرورهم وتأنّسهم
وللمعتمد أَيْضا يستعطف أَبَاهُ المعتضد
(مولَايَ أَشْكُو إِلَيْك دَاء ... أصبح قلبِي بِهِ جريحاً)
(إِن لم يرحه رضاك عني ... فلست أَدْرِي لَهُ مريحاً)
(سخطك قد زادني سقاماً ... فَابْعَثْ إليّ الرِّضَا مسيحاً)
(واغفر ذُنُوبِي وَلَا تضيّق ... عَن حملهَا صدرك الفسيحا)
(لَو صوّر الله للمعالي ... جسماً لأصبحت فِيهِ روحا)
وَله فِي النسيب
(دَاري الغرام ورام أَن يتكتما ... وأبى لِسَان دُمُوعه فتكلما)
стр. 362
(رحلوا وأخفى وجده فأذاعه ... مَاء الشؤون مصرّحاً ومجمجما)
(سايرتهم وَاللَّيْل غفل ثَوْبه ... حَتَّى ترَاءى للنواظر معلما)
(فوقفت ثمَّ محيرا وتسلبت ... منى يَد الإصباح تِلْكَ الأنجما)
وَله
(أكثرت هجري غير أَنَّك رُبمَا ... عطفتك أَحْيَانًا عليّ أُمُور)
(فَكَأَنَّمَا زمن التهاجر بَيْننَا ... ليل وساعات الْوِصَال بدور)
وَله
(عَفا الله عَن سحر على كلّ حَالَة ... وَلَا حوسبت عني بِمَا أَنا وَاجِد)
(أَسحر ظلمت النَّفس واخترت فرقتي ... فَجمعت أحزاني وَهن شوادر)
(وَكَانَت شجوني باقترابك نزحا ... فهاهن لما أَن نأيت شَوَاهِد)
(فَإِن تستلذّي برد مَا بك بَعدنَا ... فبعدك مَا نَدْرِي مَتى مَا المَاء بَارِد)
وَله
(قَامَت لتحجب قرص الشَّمْس قامتها ... عَن ناظري حجبت عَن نَاظر الْغَيْر)
(علما لعمرك مِنْهَا أَنَّهَا قمر ... هَل تحجب الشَّمْس إِلَّا غرَّة الْقَمَر)
وناولته إِحْدَى جواريه كأس بلور مترعة خمرًا ولمع الْبَرْق فارتاعت فَقَالَ
(ريعت من الْبَرْق وَفِي كفها ... برق من القهوة لمّاع)
(يَا لَيْت شعري وَهِي شمس الضُّحَى ... كَيفَ من الْأَنْوَار ترتاع)
وَله ويغني بِهِ
(تظنّ بِنَا أمّ الرّبيع سآمة ... أَلا غفر الرَّحْمَن ذَنبا تواقعه)
стр. 363
(أأهجر ظَبْيًا فِي فُؤَادِي كناسه ... وَبدر تَمام فِي ضلوعي مطالعه)
(وروضة حسن أجتنيها وبارداً ... من الظّلم لم تحظر عليّ شرائعه)
(إِذا عدمت كفّي نوالا تفيضه ... على معتفيها أَو كميّاً تقارعه)
وَله فِيهَا وضمّن أَوَائِل الأبيات حُرُوف اسْمهَا
(أغائبة الشَّخْص عَن ناظري ... وحاضرة فِي صميم الْفُؤَاد)
(عَلَيْك السَّلَام بقدرالشجون ... ودمع الشؤون وَقدر السّهاد)
(تملّكت مني صَعب المرام ... وصادفت من سهل القياد)
(مرادي أعياك فِي كلّ حِين ... فياليت أَنِّي أعْطى مرادي)
(أقيمي على الْعَهْد فِي بَيْننَا ... وَلَا تستحيلي لطول البعاد)
(دسست اسْمك الحلو فِي طيّه ... وألّفت فِيك حُرُوف اعْتِمَاد)
وإليها يُشِير بقوله فِي رثاء ابنيه الْمَأْمُون والراضي بعد خلعه
(معي الْأَخَوَات الهالكات عَلَيْكُمَا ... وأمّكما الثكلى المضرّمة الصَّدْر)
(تبكّي بدمع لَيْسَ للغيث مثله ... وتزجرها التَّقْوَى فتصغي إِلَى الزّجر)
(تذللها الذكرى فتفزغ للبكا ... وتصبر فِي الأحيان شحّاً على الْأجر)
(أَبَا خَالِد أورثتني البثّ خَالِدا ... أَبَا النَّصْر مذ ودّعت ودّعني نصري)
(وقبلكما مَا أودع الْقلب حسرة ... تجدّد طول الدَّهْر ثكل أبي عَمْرو)
стр. 364
يَعْنِي ابْنه سراج الدولة أَبَا عَمْرو عباد بن مُحَمَّد قَتِيل ابْن عكاشة بقرطبة وَأَبُو خَالِد هُوَ ابْنه يزِيد الملقب بالراضي وَهُوَ الَّذِي قَتله قرور اللّمتوني غدراً برندة وَأَبُو نصر هُوَ ابْنه الْفَتْح الملقب بالمأمون وَقتل أَيْضا بقرطبة فِي آخر دولتهم وإخوتهم أَبُو الْحُسَيْن عبيد الله الملقب بالرشيد حمل مَعَ أَبِيه إِلَى العدوة وَأَبُو بكر عبد الله الملقب بالمعتدّ وَأَبُو سُلَيْمَان الرّبيع تَاج الدولة وَأَبُو هَاشم المعلّى زين الدولة وَكلهمْ لجاريته هَذِه الحظية عِنْده الْغَالِبَة عَلَيْهِ اعْتِمَاد وَهِي أم الرّبيع وتعرف بالسيدة الْكُبْرَى وتلقب بالرّميكيّة نِسْبَة لمولاها رميك ابْن حجاج وَمِنْه ابتاعها الْمُعْتَمد فِي أَيَّام أَبِيه المعتضد وَكَانَ مفرط الْميل إِلَيْهَا حَتَّى تلقّب بالمعتمد لينتظم اسْمه حُرُوف اسْمهَا وَهِي الَّتِي أغرت سَيِّدهَا بقتل أبي بكر ابْن عمار لذكره إِيَّاهَا فِي هجائه الْمُعْتَمد الَّذِي أَوله
стр. 365
(أَلا حَيّ بالغرب حَيا حَلَالا ... أناخو جمالاً وحازوا جمالا)
يَقُول فِيهِ
(تخيّرتها من بَنَات الهجين ... رميكيّة مَا تَسَاوِي عقَالًا)
وَهُوَ شعر أقذع فِيهِ وَقد قيل إِنَّه منحول اليه ومقول عل لِسَانه فَالله أعلم
وَتوفيت أمّ الرّبيع هَذِه بأغمات قبل الْمُعْتَمد سَيِّدهَا لم ترقأ لَهَا عِبْرَة وَلَا فارقتها حسرة حَتَّى قَضَت أسفا وَهَلَكت حزنا رَحمهَا الله
ومحاسن الْمُعْتَمد فِي أشعاره كَثِيرَة وخصوصا مراثيه لأبنائه وثفجعه لزوَال سُلْطَانه وَحكى أَن بعض بني عبّاد أنْشد فِي النّوم قبل حُلُول الفاقرة بهم هَذِه الأبيات
(مَا يعلم الْمَرْء وَالدُّنْيَا تمرّ بِهِ ... بأنّ صرف ليَالِي الدَّهْر مَحْذُور)
(بَينا الْفَتى متردّ فِي مسرّته ... وافي عَلَيْهِ من الْأَيَّام تَغْيِير)
стр. 366
(وفر من حوله تِلْكَ الجيوش كَمَا ... تَفِر عَايَنت الصَّقْر العصافير)
(وخرّ خسراً فَلَا الْأَيَّام دمن لَهُ ... وَلَا بِمَا وعد الْأَبْرَار محبور)
(من بعد سبع كأحلام تمرّ وَمَا ... يرقى إِلَى الله تهليل وتكبير)
(يحلّ سوء بِقوم لَا مردّ لَهُ ... وَمَا تردّ من الله الْمَقَادِير)
وَكَذَلِكَ حكى أَيْضا عَن آخر أَنه رأى فِي مَنَامه كَأَن رجلا صعد مِنْبَر جَامع قرطبة واستقبل النَّاس ينشدهم
(ربّ ركب قد أناخوا عيسهم ... فِي ذرى مجدهم حِين بسق)
(سكت الدَّهْر زَمَانا عَنْهُم ... ثمَّ أبكاهم دَمًا حِين نطق)
فَلَمَّا سمع الْمُعْتَمد ذَلِك أَيقَن أَنه نعى لملكه وإعلام بِمَا انتثر فِي سلكه فَقَالَ
(من عزا الْمجد إِلَيْنَا قد صدق ... لم يلم من قَالَ مهما قَالَ حقّ)
(مَجدنَا الشَّمْس سناء وسنا ... من يرم ستر سناها لم يطق)
(أَيهَا الناعي إِلَيْنَا مَجدنَا ... هَل يضرّ الْمجد أَن خطب طرق)
(لَا نرع للدمع فِي آماقنا ... مزجته بِدَم أَيدي الحرق)
(حنق الدَّهْر علينا فسطا ... وَكَذَا الدَّهْر على الحرّ حنق)
(وقديماً كلف الْملك بِنَا ... وَرَأى من شموساً فعشق)
(قد مضى منا مُلُوك شهروا ... شهرة الشَّمْس تجلّت فِي الْأُفق)
стр. 367
(نَحن أَبنَاء بني مَاء السما ... نحونا تطمح ألحاظ الحدق)
(وَإِذا مَا اجْتمع الدّين لنا ... فحقير مَا من الدُّنْيَا افترق)
وَمِنْهَا فِي ذكر مُدَّة إمارتهم
(حجَجًا عشرا وَعشرا بعْدهَا ... وَثَلَاثِينَ وَعشْرين نسق)
(أشرقت عشرُون من أَنْفسهَا ... وَثَلَاث نيّرات تأتلق)
وَكَانَ ملك بني عباد ثَلَاثًا وَسبعين سنة للمعتمد مِنْهَا ثَلَاث وَعِشْرُونَ
وَله
(لما تماسكت الدُّمُوع ... وتنبّه الْقلب الصديع)
(وتناكرت هممي لما ... يستامها الْخطب الفظيع)
(قَالُوا الخضوع سياسة ... فليبد مِنْك لَهُم خضوع)
(وألذّ من طعم الخضوع ... على فمي السّمّ النقيع)
(إِن تستلب عني الدّنا ... ملكي وتسلمني الجموع)
(فالقلب بَين ضلوعه ... لم تسلم الْقلب الضلوع)
(لم أستلب شرف الطباع ... أيسلب الشّرف الرفيع)
(قد رمت يَوْم نزالهم ... أَلا تحصنني الدروع)
(وبرزت لَيْسَ سوى الْقَمِيص ... على الحشا شَيْء دفوع)
(وبذلت نَفسِي كي تسيل ... إِذا يسيل بهَا النّجيع)
стр. 368
(أَجلي تأخّر لم يكن ... بهواي ذليّ والخشوع)
(مَا سرت قطّ إِلَى الكماة ... وَكَانَ من أملي الرُّجُوع)
(شيم الأولى أَنا مِنْهُم ... وَالْأَصْل تتبعه الْفُرُوع)
وَله
(لَك الْحَمد من بعد السيوف كبول ... بساقيّ مِنْهَا فِي السجون حجول)
(وَكُنَّا إِذا حانت لِحَرْب فَرِيضَة ... وَنَادَتْ بأوقات الصَّلَاة طبول)
стр. 369
(شَهِدنَا فكبّرنا فظلّت سُيُوفنَا ... تصلّي بهامات العدا فتطيل)
(سُجُود على إِثْر الرُّكُوع متابع ... هُنَاكَ وأرواح الكماة تسيل)
وعَلى هَذِه الْحَال من الاعتقال كَانَ الشُّعَرَاء ينتجعونه ويمتدحونه فيصل بِمَا لَدَيْهِ من يفد عَلَيْهِ أَو يوجّه بِشعرِهِ إِلَيْهِ وتعرّض لَهُ أَبُو الْحسن الحصري فِي طَرِيقه إِلَى أغمات بعد الْقَبْض عَلَيْهِ بِشعر يمدحه فِيهِ فوجّه إِلَيْهِ بِسِتَّة وَثَلَاثِينَ مِثْقَالا لم يكن عِنْده سواهَا وأدرج قِطْعَة شعر طيّها معتذراً من قلتهَا وتسامع الشُّعَرَاء بذلك فقصدوه من كل نَاحيَة فَقَالَ
(شعراء طنجة كلّهم وَالْمغْرب ... ذَهَبُوا من الإغراب أبعد مَذْهَب)
(سَأَلُوا العسير من الْأَسير وإنّه ... بسؤالهم لأحقّ فاعجب واعجب)
(لَوْلَا الْحيَاء وَعزة لخميّة ... طيّ الحشا ناغاهم فِي الْمطلب)
(قد كَانَ إِن سُئِلَ الندى يجزل وَإِن ... نَادَى الصَّرِيخ بِبَابِهِ اركب يركب)
وَله فِي الزّهْد
(أرى الدُّنْيَا لَا تواني ... فأجمل فِي التصرّف والطّلاب)
(وَلَا يغررك مِنْهَا حسن برد ... لَهُ علمَان من ذهب الذّهاب)
(فأوّلها رَجَاء من سراب ... وَآخِرهَا رِدَاء من تُرَاب)
стр. 370
أَبنَاء الْمُعْتَمد ﵀
١٢١ - عبيد الله بن مُحَمَّد الرشيد أَبُو الْحسن
ذكر أَبُو بكر بن اللبانة أَن كبار أَوْلَاد الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عبّاد عبيد الله الرشيد هَذَا ثمَّ المعتدّ أَبُو بكر عبد الله ثمَّ الْمَأْمُون أَبُو نصر الْفَتْح ثمَّ الراضي أَبُو خَالِد يزِيد هَكَذَا أسماهم وَقد قيل إِن المعتدّ أَصْغَرهم وَإِنَّمَا أَرَادَ بعد أبي عَمْرو عباد بن مُحَمَّد سراج الدولة قَتِيل ابْن عكاشة بقرطبة وَإِلَّا فَهُوَ بكر أَوْلَاده والمسمّى باسم أَبِيه المعتضد
قَالَ وَولد للرشيد سَبْعَة وَأَرْبَعُونَ ولدا وَكَانَ دمثاً رَقِيق حَاشِيَة الطَّبْع طالع شَيْئا من الْعُلُوم الرياضية وكشف لَهُ عَن غيب الأغاني حَتَّى قيل إِنَّه يجيد ضرب الْعود وَكَانَ لَهُ أدب وَشعر
وَذكر غَيره أَن أَبَاهُ الْمُعْتَمد ولاه عَهده وَأَنه قدّمه أَيْضا إِلَى خطة الْقَضَاء بإشبيلية مُحَافظَة على رسم سلفه فِي ذَلِك فَكَانَ يجلس للْأَحْكَام جُلُوسًا عامّاً يَوْم الْخَمِيس ويحضر عِنْده أَعْيَان الْفُقَهَاء وَأهل الْعلم وثقات الشُّهَدَاء وتتجاذب عِنْده النَّوَازِل فَيحكم فِيهَا ويستفتي الْفُقَهَاء ويمضي من ذَلِك مَا يجب على مَذْهَب مَالك وَأَصْحَابه وتنعقد عَلَيْهِ السجلات بِالْأَحْكَامِ وَكَانَ الَّذِي يتَوَلَّى الْقَضَاء للرشيد الْفَقِيه المشاور أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن جَابر اللّخمي ثمَّ صرف عَن ذَلِك وَولى أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن مَنْظُور الْقَيْسِي وَلما نقل بَنو عبّاد إِلَى الْمغرب أسكن الرشيد مِنْهُم بقلعة مهْدي وَكَانَ هُنَالك إِلَى أَن توفّي فِي حُدُود الثَّلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَقد نَيف على السّبْعين فِي سنه وَمن شعره يُخَاطب أمّ ابْنه الْمُعَلَّى عِنْد وِلَادَتهَا إِيَّاه
стр. 371
(أهنيك بل نَفسِي أهنّي فإنني ... بلغت الَّذِي كَانَ اقتراحي على الدَّهْر)
(خلاصك من أَيدي الْمنون وغرة ... بَدَت للمعلّى مثل دَائِرَة الْبَدْر)
(كأنّي بِهِ عَمَّا قريب مملّكاً ... زِمَام الْمَعَالِي نَافِذ النهى وَالْأَمر)
(يَقُود إِلَى الهيجاء كلّ غضنفر ... وَيضْرب من ناواه بالبيض والسّمر)
(فقرّت بِهِ عَيْني وعينك فِي الْعلَا ... وَلَا زَالَ أسمي فِي المحلّ من الغفر)
وَجرى بِمَجْلِس أَبِيه قسيم فِي صفة الْقبَّة الْمُسَمَّاة بِسَعْد السُّعُود وَهِي قبَّة بِالْقصرِ الزاهي فعجز من حضر من الشُّعَرَاء عَن إِجَازَته فَقَالَ الرشيد مرتجلاً
(سعد السُّعُود يتيه فَوق الزاهي ... وَكِلَاهُمَا فِي حسنه متناه)
(وَمن اغتدى وطناً لمثل مُحَمَّد ... قد جلّ فِي علياه عَن أشباه)
(لَا زَالَ يخلد فيهمَا مَا شاءه ... ودهت عداهُ من الخطوب دواه)
وَله
(قَالُوا غَدا يَوْم الرحيل فأمطرت ... عَيْنَايَ دمعاً واكف العبرات)
(لم لَا وأنأي عَن أحبه مهجتي ... كرها فقلبي دَائِم الحسرات)
(من كلّ بَيْضَاء الْعَوَارِض طفلة ... مثل البدور تضيء فِي الظُّلُمَات)
(لَوْلَا الرَّجَاء بِأَن يعجّل بَيْننَا ... وَشك التلاقي لاشتهيت مماتي)
وعتب عَلَيْهِ أَبوهُ الْمُعْتَمد فِي طَرِيقه من مكناسة إِلَى أغمات عتباً أفرط فِيهِ فَكتب إِلَيْهِ يستعطفه
(يَا حَلِيف الندى وربّ السّماح ... وحبِيب النُّفُوس والأرواح)
стр. 372
(من تَمام النّعمى عليّ التماحي ... لمحة من جبينك الوضاح)
(قد غنينا ببشره وسناه ... عَن ضِيَاء الصَّباح والمصباح)
(ذَاك حظي من الزَّمَان فَإِن جاد ... بِهِ لي بلغت كلّ اقتراحي)
فَأَجَابَهُ الْمُعْتَمد
(كنت حلف الندى وربّ السماح ... وحبِيب النُّفُوس والأرواح)
(إِذْ يَمِيني للبذل يَوْم العطايا ... ولقبض الْأَرْوَاح يَوْم الكفاح)
(وشمالي لقبض كلّ عنان ... يقحم الْخَيل فِي مجَال الرماح)
(وَأَنا الْيَوْم رهن أسر وفقر ... مستباح الْحمى مهيض الْجنَاح)
(لَا أُجِيب الصَّرِيخ إِن حضر الباس ... وَلَا المعتفين يَوْم السماح)
(عَاد بشرى الَّذِي عهِدت عبوسا ... شغلتي الأشجان عَن أفراحي)
(فالتماحي إِلَى الْعُيُون كريه ... وَلَقَد كَانَ نزهة اللّماح)
١٢٢ - يزِيد بن مُحَمَّد الراضي أَبُو خَالِد
ولاه أَبوهُ الجزيرة الخضراء وَكَانَ بهَا عِنْد إجَازَة عَسَاكِر ابْن تاشفين اللمتوني الْبَحْر واشتراطه إِيَّاهَا فنقله إِلَى رندة وَهُوَ شَقِيق عبّاد وَالْفَتْح وَعبيد الله المعتدّ بني الْمُعْتَمد أمّهم اعْتِمَاد وَقد تقدم ذكر ذَلِك وَذكر حظوتها لَدَيْهِ وَقيل إِن المعتضد غاظه مَا بلغه من غلبتها على الْمُعْتَمد أول مَا اشْتَرَاهَا
стр. 373
فَتوجه إِلَيْهِ عَازِمًا على عِقَابه ومعتقداً التنكيل بِهِ وَالْمُعْتَمد إِذْ ذَاك بشلب عَامل لَهُ وَقد ولدت مِنْهُ أكبر أَوْلَاده سراج الدولة عباداً فَأمرهَا أَن تتلقاه بِهِ لتعطفه رُؤْيَته عَلَيْهَا فَكَانَ ذَلِك كَذَلِك ورقّ لَهُ المعتضد وفتر عزمه على الْإِيقَاع بِهِ
وَكَانَ الراضي من أهل الْعلم وَالْأَدب كلفاً بالمطالعة والدراسة قَرَأَ كتب القَاضِي أبي بكر بن الطّيب وأشرف على مَذْهَب أبي مُحَمَّد بن حزم الظَّاهِرِيّ فمهر فِي الْأُصُول وَذهب إِلَى النّظر وَالِاخْتِيَار
قَالَ ابْن اللبانة ولد الراضي سَبْعَة من الْبَنِينَ وَهُوَ أقل بني عباد الرؤساء ولدا وَكَانَ عالي الهمة عَالما بالشرعيات وَاقِفًا على الطبيعيات ذَاكِرًا للْعَرَب وأنسابها حَافِظًا للغاتها وآدابها
قَالَ وَهُوَ شَاعِر بني عبّاد بعد أَبِيه على أَنه أقوى عارضة مِنْهُ وَأَبوهُ ألطف طبعا وأرق صنعا واستنزل الراضي من رندة عِنْد خلع أَبِيه وَبعد مخاطبته إِيَّاه بذلك على عهود أخفرت ومواثيق نقضت فَقتل صبرا فِي رَمَضَان سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ الْقَائِل فِي النسيب
(مرّوا بِنَا أصلا من غير ميعاد ... فأوقدوا نَار شوقي أيّ إيقاد)
(وأذكروني أَيَّامًا لهوت بهم ... فِيهَا ففازوا بإيثاري وإحمادي)
(لَا غرو أَن زَاد فِي وجدي مرورهم ... فرؤية المَاء تذكي غلّة الصادي)
وَله يُخَاطب أَبَاهُ وَقد أنهض جمَاعَة من اخوته دونه وَبعث بهَا مَعَ بعض بنيه
стр. 374
(أعينك أَن يكون بِنَا خمول ... ويطلع غَيرنَا وَلنَا أفول)
(حنانك إِن يكن جُرْمِي قبيحاً ... فَإِن الصفح عَن جُرْمِي جميل)
(وَإِن عثرت بِنَا قدم سفاهاً ... فَإِنِّي من عثاري مستقيل)
(وَأحسن مَا سَمِعت بِهِ عَزِيز ... يُنَادِيه فيرحمه ذليل)
(وهأنذا أناديكم فَهَل لي ... إِلَى قرب من الرّحمى سَبِيل)
(وَأَنت الْملك تَعْفُو عَن كثير ... فمالك ظلت يغضبك الْقَلِيل)
(أَلَسْت بفرعك الزاكي وماذا ... يرجّى الْفَرْع خانته الْأُصُول)
(بعثت برقعتي هَذِه رَسُولا ... صَغِير السّنّ لَيْسَ لَهُ حويل)
(لترحمه وأفراخاً إِذا مَا ... عتبت عليّ عَاد لَهُم عويل)
(بقيت لَهُم على عتب وعتبي ... فإنّ حياتك الظلّ الظليل)
وَله يخاطبه أَيْضا مسلّياً عَن هزيمَة جَيش لَهُ بِنَاحِيَة لورقة كَانَ عَلَيْهِ ابْنه المعتدّ
(لَا يكرثنّك خطب الْحَادِث الْجَارِي ... فَمَا عَلَيْك بِذَاكَ الْخطب من عَار)
(مَاذَا على ضيغم أمضى عزيمته ... أَن خانه حدّ أَنْيَاب وأظفار)
(من يوقظ الْحَرْب لَا يُنكر حوادثها ... قد تحرق النَّار يَوْمًا موقد النَّار)
(لَئِن أتوك فَمن جبن وَمن خور ... قد ينْهض العير نَحْو الضيغم الضاري)
(عَلَيْك للنَّاس أَن تسْعَى لنصرهم ... وَمَا عَلَيْك لَهُم إسعاد أقدار)
(لَو يعلم النَّاس مَا فِي أَن تدوم لَهُم ... بكوا لأنّك من ثوب الصّبا عَار)
(وَلَو أطاقوا انتقاصاً من حياتهم ... لم يتحفوك بِشَيْء غير أَعمار)
стр. 375
وَهِي طَوِيلَة وَجل شعره فِي استعطاف أَبِيه الْمُعْتَمد لطول موجدته عَلَيْهِ والاعتذار فِي كل حِين إِلَيْهِ وَمن ذَلِك قَوْله
(سجية ذِي الدُّنْيَا عَدَاوَة ذِي الْفضل ... ورومك نقل الطَّبْع من أعظم الْجَهْل)
(فصبراً على ضيقاتها فلعلّها ... تفرّج يَوْمًا والعقود إِلَى حلّ)
(وَلَا تضمرنّ الثّكل إِن كنت ذَا حجا ... فَلَيْسَ لبيباً من يبيت على ثكل)
(سأشكو إِلَى مشكي فُؤَادِي بعتبه ... وَمن عجب شكوى الجريح إِلَى النّصل)
(أمعتمد الْأَمْلَاك دَعْوَة آمل ... رضاك فَلَا ضَاقَتْ إِلَى غَيره سبلي)
(وَلست وَإِن أضحي بَعيدا بيائس ... فَإِن دموع المزن تهوي إِلَى سفل)
(لَك الْخَيْر لم أعلم بأنك مُنكر ... إِذا الشَّمْس آذتني فراري إِلَى الظلّ)
(فَإِن كنت ذَا ذَنْب فحسبي عفوكم ... وقلبي مَا زلّ الرِّجَال ذَوُو الْعقل)
(وَكم حقن الْأَمْلَاك قبلك من دم ... وَكَانَ لديهم سفكه كجني النَّحْل)
(يؤرّقني ظَنِّي بجدّي ونقصه ... ويرقدني علمي بِمَا لَك من فضل)
(لعمري لَئِن كنت الجدير بزلفة ... لديك فَهَذَا الْفَرْع من ذَلِك الأَصْل)
وَله من قصيدة
(مَالِي أرى ذَا السَّيْف عنْدك عاطلاً ... وَهُوَ المصمم إِن سواهُ تبلدا)
(مَا لي حرمت رضاك لي وَهُوَ الَّذِي ... قد كنت أرهب من زمَان أنكدا)
(إِنِّي وحقّك وَاجِد بَين الحشا ... من أجل سخطك مثل حزّ بالمدى)
(إِن كَانَ لي ذَنْب فعفوك وَاسع ... أَو إِن يكن بغض فقد بَان الرّدى)
(قد كَانَ من حَقي لعمرك أَن أرى ... من بَين أَبنَاء الْمُلُوك محسّداً)
(فَأَنا الْجواد مَتى أجئ فِي حلبة ... فَاتَت عُيُون الناظرين لي المدى)
стр. 376
(لَا تنحلوا شعري سواي تشكّكاً ... فالسّقط قد يعشي الْعُيُون إِذا بدا)
وَقَوله يصف نكد أَيَّامه
(هِيَ الدَّار غادرة بِالرِّجَالِ ... وقاطعة لحبال الْوِصَال)
(وكل سرُور بهَا نَافِذ ... وكلّ مُقيم بهَا لارتحال)
(وموعدها أبدا كَاذِب ... فَإِن أنجزته فَبعد المطال)
(فَمن رام مِنْهَا وَفَاء يَدُوم ... ومكثاً لَهَا رام عين الْمحَال)
(خلقنَا نياماً وظلّت خيالا ... وأوشك شَيْء فِرَاق الخيال)
(نعذّب مِنْهَا بِغَيْر اللذيذ ... ونشرق مِنْهَا بِغَيْر الزلَال)
(ونزداد مَعَ ذَاك عشقا لَهَا ... أَلا إِنَّمَا سعينا فِي ضلال)
وَقَوله فِي مثل ذَلِك
(يحلّ زمَان الْمَرْء مَا هُوَ عَاقد ... ويسهر فِي إهلاكه وَهُوَ رَاقِد)
(ويغري بِأَهْل الْفضل حَتَّى كَأَنَّهُمْ ... جناة ذنُوب وَهُوَ للكلّ حاقد)
(سينهدّ مبنيّ ويقفر عَامر ... ويصفر مَمْلُوء ويخمد رَاقِد)
(ويفترق الآلاف من بعد صُحْبَة ... وَكم شهِدت مِمَّا ذكرت الفراقد)
وَله فِي قصيدة يُجَاوب بهَا أَبَاهُ وَقد خاطبه طاعناً عَلَيْهِ وهازئا بِهِ
(أَتُرِيدُ مني أَن أكون ... كمن غَدا فِي الدَّهْر نَادِر)
стр. 377
(هَيْهَات ذَلِك مطمع ... أعيا الْأَوَائِل والأواخر)
(لَا تنس يَا مولَايَ قولة ... ضارع لَا قَول فَاجر)
(ضبط الجزيرة عِنْدَمَا ... نزلت بعقوتها العساكر)
(هبني أَسَأْت كَمَا أَسَأْت ... أما لهَذَا العتب آخر)
(هَب زلّتي لبنوتي ... واغفر فَإِن الله غَافِر)
وَأول قصيدة أَبِيه
(الْملك فِي طيّ الدفاتر ... فتخلّ عَن قَود العساكر)
(طف بالسرير مُسلما ... وارجع لتوديع المنابر)
(واطعن بأطراف اليراع ... نصرت فِي ثغر المحابر)
(وَاضْرِبْ بسكين الدواة ... مَكَان ماضي الحدّ باتر)
(أولست رسطاليس إِن ... ذكر الفلاسفة الأكابر)
(وكذاك إِن ذكر الْخَلِيل ... فَأَنت نحويّ وشاعر)
(وَأَبُو حنيفَة سَاقِط ... فِي الرَّأْي حِين تكون حَاضر)
(من هرمس من سِيبَوَيْهٍ ... من ابْن فورك إِذْ تناظر)
(هَذِه المكارم قد حويت ... فَكُن لمن حاباك شَاكر)
(واقعد فَإنَّك طاعم ... كاس وَقل هَل من مفاخر)
стр. 378
١٢٣ - يحيى بن مُحَمَّد الْمَدْعُو بشرف الدولة أَبُو بكر
قَرَأَ فِي حَيَاة أَبِيه على أبي عبد الله مَالك بن وهيب وَأبي الْحسن بن الْأَخْضَر بإشبيلية وَنَشَأ خاملاً وتعيّش من كتب الوثائق بمرّاكش وَهُوَ الْقَائِل وَقد دَعَاهُ الْمُقدم للحسبة من قبل القَاضِي أبي مُحَمَّد بن أبي عرجون ليكتب لَهُ وَكَانَ أميّاً جَاهِلا
(عجبا لدهر كلّ مَا فِيهِ عجب ... فدم سما وَنبيه قوم قد رسب)
(لَا تَنْفَع الْآدَاب فِيهِ وَإِن غَدَتْ ... تعزى إِلَى ذِي همة عالي النّسَب)
(أوليس من نكد الزَّمَان بِأَن أرى ... أدعى لأكتب صاغراً للمحتسب)
стр. 379
(خسف أسام بِهِ وتأبى همة ... لخمية إِلَّا الصيانة للحسب)
أَرَادَ بالمحتسب مَفْتُوح السِّين أَنه لفدامته كالميت الَّذِي احتسب
١٢٤ - حكم بن مُحَمَّد الْمَدْعُو بذخر الدولة أَبُو المكارم
قَرَأَ أَيْضا على ابْن وهيب وتأدب بِهِ وَمَال إِلَى الهحاء فِي خمولة فتحومي لِسَانه وتجول بأقطار الْمغرب ثمَّ اسْتَقر بِمَدِينَة فاس يكْتب الوثائق كأخيه الْمَذْكُور قبله إِلَى أَن توفّي وَكتب إِلَيْهِ بعض أَصْحَابه
(تتسامى الحكم ... مذ وشاها حكم)
(فَخر الطّرس بِهِ ... وتباهى الْقَلَم)
(وزهت لخم بِهِ ... فَهُوَ فِيهَا علم)
(من صَنَادِيد علا ... بِالثُّرَيَّا خيّموا)
(آل عباد وَقل ... آل أمجاد هم)
(إِن سَطَا الدَّهْر بهم ... فَكفى مجدهم)
فجاوبه بقوله
(مَا لمجد علم ... وَالزَّمَان حكم)
(وقضاياه غَدا ... جورها يحتكم)
(رائد الشؤم بِهِ ... محبر أَو قلم)
(وَنبيه فطن ... بَيت شعر ينظم)
стр. 380
(درس الْفضل بِهِ ... وتفانى الْكَرم)
(وَغدا كلّ أَخ ... ودّه يتّهم)
(غير خلّ ماجد ... فَضله مُنْتَظم)
(سفرت عَنهُ لنا ... كلم بل حكم)
(عظمت إِذْ نظمت ... مجد قوم عدموا)
(صَاح إِنَّا عرب ... ملكتها عجم)
(كلّ فضل وَنهى ... عدم عِنْدهم)
(آه من دهر غَدا ... جرّه يهتضم)
(آل عباد بِهِ ... غائر بحمهم)
(لعب الدَّهْر بهم ... ومحا رسمهم)
(لَيْت شعري والمنى ... خلّب أَو حلم)
(هَل إِلَى أندلس ... نظرة تغتنم)
١٢٥ - مُحَمَّد بن معن بن صمادح التّجيبي المعتصم بِاللَّه الواثق بِفضل الله أَبُو يحيى
هُوَ مُحَمَّد بن معن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن صمادح بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن المُهَاجر بن عميرَة الدَّاخِل إِلَى الأندلس ابْن المُهَاجر بن سريح بن حَرْمَلَة بن تَمِيم وَفِي عبد الرَّحْمَن بن
стр. 381
عبد الله يَجْتَمعُونَ مَعَ مُحَمَّد بن هَاشم وَأهل بَيته التجيبيين وُلَاة سرقسطة
стр. 382
وأمرائها فِي الْفِتْنَة وَقبلهَا وَأمه بريهة بنت النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن أبي عَامر وَكَانَ جده أَبُو يحيى مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن والياً على وشقة وَهِي وَمَا والاها دَار هَؤُلَاءِ التّجيبيين من الثغر الشَّرْقِي بالأندلس
وَلما أخرج مِنْهَا فِي الْفِتْنَة صَار إِلَى أبي الْحسن عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي عَامر صَاحب بلنسية ويلقّب بالمنصور فَأكْرمه وأوطنه بَلَده وصاهر ابنيه مَعنا أَبَا الْأَحْوَص وصمادحاً أَبَا عتبَة زوّجهما أختيه ثمَّ رأى اللحاق بالمشرق فَهَلَك غرقاً فِي الْبَحْر وَكَانَ اليمّ أقْصَى أَثَره
وَبَقِي ابْنه معن فِي كنف صهره عبد الْعَزِيز ابْن أبي عَامر فقدّمه على المريّة لما صَارَت من عمله بعد مقتل زُهَيْر العامري بِمدَّة قريبَة وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَقيل ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فاستبد بضبطها إِلَى أَن هلك سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين فأجلس بَنو عَمه وَرِجَاله ابْنه أَبَا يحيى مُحَمَّد بن معن هَذَا وَهُوَ لم يستكمل ثَمَان عشرَة سنة
وَقد كَانَ أَبوهُ أَخذ الْبيعَة لَهُ فِي حَيَاته وَأحكم أمرهَا بعد أَن عرضهَا على أَخِيه أبي عتبَة صمادح فَدَفعهَا وأبى قبُولهَا فتمت لَهُ الْإِمَارَة بعد أَبِيه وسمّى نَفسه ب معز الدولة فَلَمَّا تلقب سَائِر أُمَرَاء الأندلس بِالْأَلْقَابِ الخلافية تلقب هُوَ أَيْضا ب المعتصم بِاللَّه والواثق بِفضل الله لقبين من ألقاب خلفاء بني الْعَبَّاس مناغاة لصَاحب إشبيلية عباد بن مُحَمَّد لما تلقب ب المعتضد بِاللَّه الْمَنْصُور بِفضل الله
стр. 383
وَكَانَ حسن السِّيرَة فِي رَعيته وجنده وقرابته فانتظمت أَيَّامه واتصلت دولته واستقامت أُمُوره
وَقَالَ أَبُو عَامر مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَامر السالمي فِي تَارِيخه وَذكر المعتصم هَذَا كَانَ رحب الفناء جزيل الْعَطاء حَلِيمًا عَن الدِّمَاء والدهماء فطافت بِهِ الآمال واتسع فِيهِ الْمقَال وأعملت إِلَى حَضرته الرّحال قَالَ وَلم يكن من فحولة مُلُوك الأندلس بل أخلد إِلَى الدعة وَاكْتفى بالضيق من السعَة وَاقْتصر على قصر يبنيه وعلق يعنيه
وَكَانَت بَينه وَبَين أَصْحَابه مُلُوك الطوائف فتن مبيرة غلبوه عَلَيْهَا وأخرجوه من سجيته مكْرها إِلَيْهَا قَالَ وصاهر المعتصم إقبال الدولة على بن مُجَاهِد العامري وأنكحه ابْنَته وخاطب عَنهُ أَبُو مُحَمَّد بن عبد الْبر من دانية يَعْنِي عِنْد زفافها إِلَيْهِ برسالة بديعة
وَقَالَ غَيره كَانَ المعتصم سَاكن الطَّائِر مَأْمُون الْجَانِب حصيف الْعقل طَاهِرا معنيّاً بِالدّينِ وَإِقَامَة الشَّرْع يعْقد الْمجَالِس بقصره للمذاكرة وَيجْلس يَوْمًا فِي كل جُمُعَة للفقهاء والخواص فيتناظرون بَين يَدَيْهِ فِي كتب التَّفْسِير والْحَدِيث وَلزِمَ حَضرته فحول من الشُّعَرَاء كَأبي عبد الله بن الْحداد
стр. 384
وَفِيه استفرغ شعره وكابن عبَادَة وَابْن ملك والأسعد بن بلّيطة وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن قَاسم الْمُحدث رغم اتصافه بِكَثْرَة الْجُبْن وَقلة الْجُود وعَلى ذَلِك قَصده الْعلمَاء والأدباء
وصدمته خيل المرابطين فِي آخر دولته وَهُوَ عليل علته الَّتِي مَاتَ مِنْهَا فحاصروه وقاتلوه من مقَامه فِي قَصَبَة المرية وَهُوَ يعالج الْمَوْت وَيَقُول أثْنَاء
стр. 385
ذَلِك نغص علينا كل شَيْء حَتَّى الْمَوْت إِلَى أَن هلك بعد ذهَاب المرابطين عَنهُ وَقيل توفّي وهم يحاصرونه فِي شهر ربيع الآخر سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَت مُدَّة إمارته بالمرية أَرْبَعِينَ سنة أشبه فِي ذَلِك خَاله عبد الْعَزِيز بن الْمَنْصُور صَاحب بلنسية فَإِنَّهُ ولّى سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين
وَمن شعر المعتصم وَقد توفيت إِحْدَى كرائمة فَركب من قصره وَأمر بمواراتها
(لما غَدا الْقلب مفجوعاً بأسوده ... وفضّ كلّ ختام من عَزَائِمه)
(ركبت ظهر جوادي كي أسلّيه ... وَقلت للسيف كن لي من تمائمه)
وَله وَكتب بِهِ إِلَى بعض حرمه فِي رقْعَة طيرها إِلَيْهَا فِي جنَاح حمامة
(وحمّلت ذَات الطوق مني تَحِيَّة ... تكون على أفق المرية مجمراً)
(تبلّغ من ودّي إِلَيْكُم رسائلاً ... بأعبق من نشر العبير وأعطرا)
وَكتب إِلَى ذِي الوزارتين أبي بكر بن عمار مراجعاً ومعاتباً
(وزهّدني فِي النَّاس معرفتي بهم ... وَطول اختباري صاحباً بعد صَاحب)
(فَلم ترني الْأَيَّام خلاًّ تسرّني ... مباديه إِلَّا سَاءَنِي فِي العواقب)
стр. 386
(وَلَا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدَّهْر إِلَّا كَانَ إِحْدَى النوائب)
وَكتب إِلَيْهِ ابْن عمار يسْأَله السراح وَهُوَ ضيف عِنْده
(يَا واثقا فَضَح السَّحَاب ... الْجُود فِي معنى السماح)
(ومطابقا يَأْتِي وُجُوه ... الجدّ من طرق المزاح)
(أسرفت فِي برّ الضيوف ... فَخذ قليلاّ فِي السّراح)
فَرَاجعه المعتصم بقوله وَهُوَ أشعر مِنْهُ فِي الْجَواب
(يَا فَاضلا فِي شكره ... أصل الْمسَاء مَعَ الصَّباح)
(هلا رفقت بمهجتي ... عِنْد التَّكَلُّم فِي السّراح)
(إِن السماح ببعدكم ... وَالله لَيْسَ من السّماح)
وَله فِي جدول
(انْظُر إِلَى حسن هَذَا المَاء فِي صببه ... كَأَنَّهُ أَرقم قد جدّ فِي هربه)
كَذَا قَالَ هَذَا الْبَيْت فَردا وَقد تقدم ذكر الْخلاف فِي مثله هَل هُوَ شعر أم لَا
وَكَانَ الَّذِي بَينه وَبَين الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد غير صَالح فَكتب إِلَيْهِ الْمُعْتَمد وَقد اتهمه بالسعي عَلَيْهِ عِنْد يُوسُف بن تاشفين أَمِير الْمغرب
(يَا من تمرس بِي يُرِيد مساءتي ... لَا تقرضنّ فقد نصحت لمندم)
(من غرّه مني خلائق سهلة ... فالسّم تَحت ليان مسّ الأرقم)
ثمَّ تحرّك ابْن تاشفين من العدوة بعد وقيعة الزلافة وَأَجَازَ الْبَحْر إِلَى الأندلس وتقدمه سير بن أبي بكر فَلم يخرج إِلَيْهِ الْمُعْتَمد لبطالة كَانَ فِيهَا منغمساً وَكَانَت أول وَحْشَة وَقعت بَينهمَا ثمَّ توجهوا جَمِيعًا إِلَى حصن
стр. 387
ألييط من أَعمال لورقة وَقد تغلب عَلَيْهِ النَّصَارَى فَخرج المعتصم ليلقاهم وينزلهم مُؤديا حقّ ابْن تاشفين وَمن مَعَه فأخجله الْمُعْتَمد بتياسره عَن طَرِيق لِقَائِه فَكتب إِلَيْهِ
(يَا بَعيدا وَإِن دنا ... كم تمنيت قربكا)
(أَنْت حسبي من المنى ... لَيْتَني كنت حسبكا)
وتلاقيا بعد ذَلِك عِنْد ابْن تاشفين فِي تِلْكَ الْغَزْوَة والمعتصم قد تزيى بِحمْل
стр. 388
الْعِمَامَة وَلبس الْبُرْنُس يتَقرَّب بذلك على عزمه فَنظر إِلَيْهِ الْمُعْتَمد وَفهم المعتصم أَنه يهزأ بِهِ وَانْصَرف فضاحك الْمُعْتَمد فِي ذَلِك من جالسه من وزرائه وَأهْدى ذُو الوزارتين أَبُو الْحسن بن اليسع مِنْهُم عشيّ ذَلِك الْيَوْم منّ نرجس فَكتب إِلَيْهِ الْمُعْتَمد معرّضاً بِابْن صمادح
(أزف الصّيام وزار نور النّرجس ... فَلَقِيت زورته بحثّ الأكؤس)
(فِي لَيْلَة دارت عليّ نجومها ... حَتَّى سكرت بكفّ قوت الْأَنْفس)
(خود تملّكت الْفُؤَاد فريدة ... بندى الثنايا والمحيّا المشمس)
(وَجعلت نقلي ذكر موصل زفرتي ... فَجمعت أشتات المنى فِي مجلسي)
(وَلَقَد ذكرت فَزَاد عَيْني قرّة ... هون السّبال وخزي ربّ الْبُرْنُس)
وَحكى أَبُو بكر بن اللبانة أَن المعتصم كتب إِلَى الْمُعْتَمد
(شكري لبرّك شكر الرَّوْض للمطر ... ونفح بشرى بِهِ أذكى من الزّهر)
(وَجَاءَنِي مخبر عَنهُ فَقلت لَهُ ... بِاللَّه قل وَأعد يَا طيّب الْخَبَر)
(يَا وَاحِدًا علما فِي كلّ منقبة ... جلّت وَيَا ثَالِثا للشمس وَالْقَمَر)
(لَئِن حرمت لِقَاء مِنْك أشكره ... لقد حللت سَواد الْقلب وَالْبَصَر)
فَرَاجعه الْمُعْتَمد
(أنفحة الرَّوْض رقّت فِي صبا السّحر ... من بعد مَا بَات والأنداء فِي سمر)
(لَا بل تَحِيَّة مَحْض الودّ بلّغها ... برّ شرِيف الْمَعَالِي ماجد النّفر)
(أما لعمر أبي يحيى لقد وصلت ... من بره صلَة أحلى من الظّفر)
(يَا من وَردت الْوَفَاء الْغمر مرتويا ... من عهد إِذْ يساقي النَّاس بالغمر)
(أحرزت سرو السجايا ثمَّ قارنه ... ظرف اللِّسَان اقتران الكأس بالوتر)
стр. 389
(إِذا اعْتبرت من الْأَخْلَاق أَنْفسهَا ... كنت المنافس فِيهِ السَّامِي الْقدر)
(عَلَيْك مني سَلام لَا يزَال لَهُ ... فرض تُؤَدِّيه آصال إِلَى بكر)
وقصده أَبُو الْوَلِيد النّحلي فِي أسمال دنسة وَالنَّاس بالمريّة قد لبسوا الْبيَاض فَكتب إِلَيْهِ
(أيا من لَا يُضَاف إِلَيْهِ ثَان ... وَمن فتح الْعلَا بَابا فبابا)
(أيجمل أَن تكون سَواد عَيْني ... وَأبْصر دون مَا أبغي حِجَابا)
(وَيَمْشي النَّاس كلهم حَماما ... وأمشي بَينهم وحدي غرابا)
فوصله المعتصم وكساه وَكتب إِلَيْهِ مراجعاً
(وَردت ولليل البهيم مطارف ... عَلَيْك وهذي للصباح برود)
(وَأَنت لدينا مَا بقيت مقرب ... وعيشك سلسال الجمام برود)
١٢٦ - ابْنه عبيد الله عز الدولة أَبُو مَرْوَان
كَانَ أَبوهُ المعتصم قد أنفذه فِي آخر دولته رَسُولا إِلَى يُوسُف بن تاشفين عِنْد كَونه بغرناطة فاعتقل وَقيد فَكتب إِلَى أَبِيه
(أبعد السّنا والمعالي خمول ... وَبعد ركُوب المذاكي كبول)
стр. 390
(وَمن بعد مَا كنت حرّاً عَزِيزًا ... أَنا الْيَوْم عبد أَسِير ذليل)
(حللت رَسُولا بغرناطة ... فحلّ بهَا بِي خطب جليل)
(وثقّفت إِذْ جِئْتهَا مُرْسلا ... وَقد كَانَ يكرم قبلي الرَّسُول)
(فقدت المرية أكْرم بهَا ... فَمَا للوصول إِلَيْهَا سَبِيل)
فَرَاجعه أَبوهُ
(عَزِيز عليّ ونوحي ذليل ... على مَا أقاسي ودمعي يسيل)
(لقطّعت الْبيض أغمادها ... وشقّت بنود وناحت طبول)
(لَئِن كنت يَعْقُوب فِي حزنه ... ويوسف أَنْت فَصَبر جميل)
ثمَّ لم يزل المعتصم يتحيّل فِي تخليصه حَتَّى أَخذ من حراسه وهرب بِهِ على الْبَحْر فَوَافى المرية وهنىء أَبوهُ بخلاصه وبعقب ذَلِك توفّي المعتصم وَقد حاصره اللمتونيون وبارزوه بالعداوة
وَكَانَ ابْنه معز الدولة أَحْمد وليّ عَهده والمرشح لمكانه من بعده فعهد إِلَيْهِ أَن يلْحق بِبِلَاد ابْن حَمَّاد من شَرْقي العذوة إِذا سمع بخلع ابْن عباد فامتثل ذَلِك لأشهر من وَفَاة أَبِيه
وَذكر أَبُو عَامر السالمي عَن معز الدولة مثل هَذَا وَأَنه ولى بعد أَبِيه المعتصم
следующие страницы →