← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

(وَلَا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدَّهْر إِلَّا كَانَ إِحْدَى النوائب) وَكتب إِلَيْهِ ابْن عمار يسْأَله السراح وَهُوَ ضيف عِنْده (يَا واثقا فَضَح السَّحَاب ... الْجُود فِي معنى السماح) (ومطابقا يَأْتِي وُجُوه ... الجدّ من طرق المزاح) (أسرفت فِي برّ الضيوف ... فَخذ قليلاّ فِي السّراح) فَرَاجعه المعتصم بقوله وَهُوَ أشعر مِنْهُ فِي الْجَواب (يَا فَاضلا فِي شكره ... أصل الْمسَاء مَعَ الصَّباح) (هلا رفقت بمهجتي ... عِنْد التَّكَلُّم فِي السّراح) (إِن السماح ببعدكم ... وَالله لَيْسَ من السّماح) وَله فِي جدول (انْظُر إِلَى حسن هَذَا المَاء فِي صببه ... كَأَنَّهُ أَرقم قد جدّ فِي هربه) كَذَا قَالَ هَذَا الْبَيْت فَردا وَقد تقدم ذكر الْخلاف فِي مثله هَل هُوَ شعر أم لَا وَكَانَ الَّذِي بَينه وَبَين الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد غير صَالح فَكتب إِلَيْهِ الْمُعْتَمد وَقد اتهمه بالسعي عَلَيْهِ عِنْد يُوسُف بن تاشفين أَمِير الْمغرب (يَا من تمرس بِي يُرِيد مساءتي ... لَا تقرضنّ فقد نصحت لمندم) (من غرّه مني خلائق سهلة ... فالسّم تَحت ليان مسّ الأرقم) ثمَّ تحرّك ابْن تاشفين من العدوة بعد وقيعة الزلافة وَأَجَازَ الْبَحْر إِلَى الأندلس وتقدمه سير بن أبي بكر فَلم يخرج إِلَيْهِ الْمُعْتَمد لبطالة كَانَ فِيهَا منغمساً وَكَانَت أول وَحْشَة وَقعت بَينهمَا ثمَّ توجهوا جَمِيعًا إِلَى حصن

стр. 387

ألييط من أَعمال لورقة وَقد تغلب عَلَيْهِ النَّصَارَى فَخرج المعتصم ليلقاهم وينزلهم مُؤديا حقّ ابْن تاشفين وَمن مَعَه فأخجله الْمُعْتَمد بتياسره عَن طَرِيق لِقَائِه فَكتب إِلَيْهِ (يَا بَعيدا وَإِن دنا ... كم تمنيت قربكا) (أَنْت حسبي من المنى ... لَيْتَني كنت حسبكا) وتلاقيا بعد ذَلِك عِنْد ابْن تاشفين فِي تِلْكَ الْغَزْوَة والمعتصم قد تزيى بِحمْل

стр. 388

الْعِمَامَة وَلبس الْبُرْنُس يتَقرَّب بذلك على عزمه فَنظر إِلَيْهِ الْمُعْتَمد وَفهم المعتصم أَنه يهزأ بِهِ وَانْصَرف فضاحك الْمُعْتَمد فِي ذَلِك من جالسه من وزرائه وَأهْدى ذُو الوزارتين أَبُو الْحسن بن اليسع مِنْهُم عشيّ ذَلِك الْيَوْم منّ نرجس فَكتب إِلَيْهِ الْمُعْتَمد معرّضاً بِابْن صمادح (أزف الصّيام وزار نور النّرجس ... فَلَقِيت زورته بحثّ الأكؤس) (فِي لَيْلَة دارت عليّ نجومها ... حَتَّى سكرت بكفّ قوت الْأَنْفس) (خود تملّكت الْفُؤَاد فريدة ... بندى الثنايا والمحيّا المشمس) (وَجعلت نقلي ذكر موصل زفرتي ... فَجمعت أشتات المنى فِي مجلسي) (وَلَقَد ذكرت فَزَاد عَيْني قرّة ... هون السّبال وخزي ربّ الْبُرْنُس) وَحكى أَبُو بكر بن اللبانة أَن المعتصم كتب إِلَى الْمُعْتَمد (شكري لبرّك شكر الرَّوْض للمطر ... ونفح بشرى بِهِ أذكى من الزّهر) (وَجَاءَنِي مخبر عَنهُ فَقلت لَهُ ... بِاللَّه قل وَأعد يَا طيّب الْخَبَر) (يَا وَاحِدًا علما فِي كلّ منقبة ... جلّت وَيَا ثَالِثا للشمس وَالْقَمَر) (لَئِن حرمت لِقَاء مِنْك أشكره ... لقد حللت سَواد الْقلب وَالْبَصَر) فَرَاجعه الْمُعْتَمد (أنفحة الرَّوْض رقّت فِي صبا السّحر ... من بعد مَا بَات والأنداء فِي سمر) (لَا بل تَحِيَّة مَحْض الودّ بلّغها ... برّ شرِيف الْمَعَالِي ماجد النّفر) (أما لعمر أبي يحيى لقد وصلت ... من بره صلَة أحلى من الظّفر) (يَا من وَردت الْوَفَاء الْغمر مرتويا ... من عهد إِذْ يساقي النَّاس بالغمر) (أحرزت سرو السجايا ثمَّ قارنه ... ظرف اللِّسَان اقتران الكأس بالوتر)

стр. 389

(إِذا اعْتبرت من الْأَخْلَاق أَنْفسهَا ... كنت المنافس فِيهِ السَّامِي الْقدر) (عَلَيْك مني سَلام لَا يزَال لَهُ ... فرض تُؤَدِّيه آصال إِلَى بكر) وقصده أَبُو الْوَلِيد النّحلي فِي أسمال دنسة وَالنَّاس بالمريّة قد لبسوا الْبيَاض فَكتب إِلَيْهِ (أيا من لَا يُضَاف إِلَيْهِ ثَان ... وَمن فتح الْعلَا بَابا فبابا) (أيجمل أَن تكون سَواد عَيْني ... وَأبْصر دون مَا أبغي حِجَابا) (وَيَمْشي النَّاس كلهم حَماما ... وأمشي بَينهم وحدي غرابا) فوصله المعتصم وكساه وَكتب إِلَيْهِ مراجعاً (وَردت ولليل البهيم مطارف ... عَلَيْك وهذي للصباح برود) (وَأَنت لدينا مَا بقيت مقرب ... وعيشك سلسال الجمام برود) ١٢٦ - ابْنه عبيد الله عز الدولة أَبُو مَرْوَان كَانَ أَبوهُ المعتصم قد أنفذه فِي آخر دولته رَسُولا إِلَى يُوسُف بن تاشفين عِنْد كَونه بغرناطة فاعتقل وَقيد فَكتب إِلَى أَبِيه (أبعد السّنا والمعالي خمول ... وَبعد ركُوب المذاكي كبول)

стр. 390

(وَمن بعد مَا كنت حرّاً عَزِيزًا ... أَنا الْيَوْم عبد أَسِير ذليل) (حللت رَسُولا بغرناطة ... فحلّ بهَا بِي خطب جليل) (وثقّفت إِذْ جِئْتهَا مُرْسلا ... وَقد كَانَ يكرم قبلي الرَّسُول) (فقدت المرية أكْرم بهَا ... فَمَا للوصول إِلَيْهَا سَبِيل) فَرَاجعه أَبوهُ (عَزِيز عليّ ونوحي ذليل ... على مَا أقاسي ودمعي يسيل) (لقطّعت الْبيض أغمادها ... وشقّت بنود وناحت طبول) (لَئِن كنت يَعْقُوب فِي حزنه ... ويوسف أَنْت فَصَبر جميل) ثمَّ لم يزل المعتصم يتحيّل فِي تخليصه حَتَّى أَخذ من حراسه وهرب بِهِ على الْبَحْر فَوَافى المرية وهنىء أَبوهُ بخلاصه وبعقب ذَلِك توفّي المعتصم وَقد حاصره اللمتونيون وبارزوه بالعداوة وَكَانَ ابْنه معز الدولة أَحْمد وليّ عَهده والمرشح لمكانه من بعده فعهد إِلَيْهِ أَن يلْحق بِبِلَاد ابْن حَمَّاد من شَرْقي العذوة إِذا سمع بخلع ابْن عباد فامتثل ذَلِك لأشهر من وَفَاة أَبِيه وَذكر أَبُو عَامر السالمي عَن معز الدولة مثل هَذَا وَأَنه ولى بعد أَبِيه المعتصم

стр. 391

وَبَقِي بالمرية إِلَى وَقت الْقَبْض على الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد ثمَّ ركب الْبَحْر على وَجهه فِي قطع أعدّها لفراره وَأسلم المرية وأعمالها وَذَلِكَ فِي رَمَضَان من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقد قيل فِي شعْبَان قَالَ وليوم آخر دَخلهَا أَصْحَاب ابْن تاشفين وَكَانَ إِذْ ذَاك يحاصر مندوشر على عشْرين ميلًا مِنْهَا وَقصد معز الدولة بجاية فَأَقَامَ فِيهَا تَحت رِعَايَة الْمَنْصُور بن النَّاصِر بن علناس ابْن حَمَّاد بن بلقين بن زيري بن مُنَاد الصّنهاجي وَفِي كنفه وَقد كَانَ مَا بَينهمَا قبل ذَلِك جميلاً وَيُقَال إِن الْمَنْصُور أنزلهُ بتنس من أَعماله الغربية قَالَ السالمي وَعز الدولة أَبُو مَرْوَان عبيد الله بن المعتصم كَانَ رَسُول أَبِيه إِلَى ابْن تاشفين وَذكر اعتقاله والأبيات الَّتِي خَاطب بهَا أَبَاهُ ومراجعته إِيَّاه وَوصف خلاصه كَمَا تقدم قَالَ وبقى إِلَى أَن فرّ أَخُوهُ يَعْنِي معز الدولة إِلَى بجاية ولجأ هُوَ إِلَى أحد المرابطين لأذمّة كَانَت بَينهمَا إِلَى أَن انقرض أمده بَين آس وكاس قَالَ وَحضر مَعَ الْأَمِير يحيى بن أبي بكر غزوته إِلَى طليطلة

стр. 392

فَلَمَّا شارفها وَضرب بساحتها أخبيته سقط أحد ألويته من يَد حامله وانكسر الرمْح فتطير قوم وتفاءل آخَرُونَ فَقَالَ عز الدولة (لم ينكسر عود اللِّوَاء لطيرة ... يخْشَى عَلَيْك بهَا وَأَن تتأوّلا) (لَكِن تحقّق أَنه يندقّ فِي ... نحر الْعَدو لَدَى الوغى فتعجّلا) وَنَظِير هَذَا مَا ذكر عَن أبي الشّمقمق فِي خُرُوجه مَعَ خَالِد بن يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ إِلَى الْموصل عِنْدَمَا قلّدها فَلَمَّا دَخلهَا وَمر بِأول درب مِنْهَا اندق اللِّوَاء فَاغْتَمَّ خَالِد لذَلِك وَعظم عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو الشمقمق بديهاً يسليه عَن ذَلِك وأجاد مَا أَرَادَ (مَا كَانَ مندقّ اللِّوَاء لريبة ... تخشى وَلَا أَمر يكون مزيّلا) (لَكِن هَذَا الرمْح أَضْعَف مَتنه ... صغر الْولَايَة فاستقلّ الموصلا) فسرّ خَالِد بِمَا صدر مِنْهُ فِي الْحِين وسرّى عَنهُ وَأحسن إِلَيْهِ وقرأت فِي بعض مَا طالعته من أَخْبَار مُلُوك الطوائف بالأندلس أَن أَبَا بكر ابْن اللبانة كتب إِلَى عز الدولة هَذَا لما توفّي أَبوهُ المعتصم وخلع هُوَ وَسَائِر إخْوَته وَقد وافاه منتجعاً (يَا ذَا الَّذِي هزّ أمداحي بحليته ... وعزّه أَن يهزّ الْمجد والكرما) (واديك لَا زرع فِيهِ كنت تبذله ... فَخذ عَلَيْهِ لأيام المنى سلما) فَوجه إِلَيْهِ بِمَا أمكنه وَكتب مَعَه

стр. 393

(الْمجد يخجل من يفديك فِي زمن ... ثناه عَن وَاجِب الْبر الَّذِي علما) (فدونك النّزر من مصف مودّته ... حَتَّى يوفيك أَيَّام المنى السّلما) ١٢٧ - أَخُوهُ رفيع الدولة بن المعتصم ذكره أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن عَليّ بن الإِمَام فِي كِتَابه الموسوم ب سمط الجمان وَسقط الأذهان وَلم يسمّه وكنّاه أَبَا يحيى وَكَذَلِكَ كنّاه أَبُو عَامر السالمي فِي تَارِيخه وكنّاه صَاحب المطمح أَبَا زَكَرِيَّا وَلم يكن فِي بني صمادح أشعر مِنْهُ إِلَّا أَن الخمول أخنى على محاسنه وَبَقِي إِلَى آخر دولة اللمتونيين وَذكر أَبُو عَليّ حسن بن عبد الله الأشيري فِي كتاب نظم اللآلي فِي فتوح الْأَمر العالي من تأليفه أَن رفيع الدولة هَذَا كَانَ بتلمسان أثيراً عِنْد واليها حِينَئِذٍ أبي بكر بن مزدلي وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة والموحدون

стр. 394

أعزهم الله إِذْ ذَاك بِالْجَبَلِ الْمَعْرُوف بِمَا بَين الصخرتين يحاصرونها وَحكى أَن ابْن أَخِيه أَبَا يحيى بن عز الدولة كَانَ مَعَه وأنهما قَالَا شعرًا فِي ذَلِك شاركهما فِيهِ ابْن الأشيري وَسَيَأْتِي بعد بحول الله عِنْد ذكر ابْن عز الدولة فِي الْمِائَة السَّادِسَة وَمِمَّا أنْشدهُ السالمي لرفيع الدولة هَذَا (سَطَا ظَبْي الخميلة يَا لقومي ... على أَسد العرينة واستطالا) (فأوتر قَوس حَاجِبه اختيالاً ... وفوّق من لواحظه نبالا) وَله (وأهيف لَا يلوي على عتب عَاتب ... وَيَقْضِي علينا بالظنون الكواذب) (يحكّم فِينَا أمره فنطيعه ... ونحسب مِنْهُ الحكم ضَرْبَة لازب) وَله (مَالِي وللبدر لم يسمح بزورته ... لَعَلَّه ترك الْإِجْمَال أَو هجرا)

стр. 395

(إِن كَانَ ذَاك لذنب مَا شَعرت بِهِ ... فَأكْرم النَّاس من يعْفُو إِذا قدرا) وَله (هذي دِيَارهمْ الَّتِي ذكّرنني ... عهد الصِّبَا وَحَدِيثه المعسولا) (مَا كَانَ أجمل عَهدهم وفعالهم ... لَو كَانَ فعلك يَا زمَان جميلا) وَله (حبيب إِذا ينأى عَن الْعين شخصه ... يكَاد فُؤَادِي أَن يطير من الْبَين) (ويسكن مَا بَين الضلوع إِذا بدا ... كأنّ على قلبِي تمائم من عَيْني) وَله (أَلا أَيهَا الظبي الَّذِي راق وَجهه ... ورقّت حَوَاشِيه وناهيك من حسن) (يظنّ أنَاس أنني بك مغرم ... لعمر الْهوى مَا أَخطَأ الْقَوْم فِي الظنّ) وَله (وعلقته حُلْو الشَّمَائِل مَاجِنًا ... خنث الْكَلَام مرنّح الأعطاف) (مَا زلت أنصفه وَأوجب حقّه ... لكنه يَأْبَى من الْإِنْصَاف) وَله وَقد رويت لغيره (سل الركب عَن نجد فَإِن تَحِيَّة ... لساكن نجد قد تحمّلها الركب) (وَإِلَّا فَمَا بَال المطيّ على الوجا ... خفافاً وَمَا للريح حرجفها رطب) وَله (أَبَا الْعَلَاء كؤوس الراح مترعة ... وللنّدامى سرُور فِي تعاطيها)

стр. 396

(وللغصون تثنّ فَوْقهَا طَربا ... وللحمائم سجع فِي أعاليها) (فَاشْرَبْ على النَّهر من صهباء صَافِيَة ... كَأَنَّمَا عصرت من خد سَاقيهَا) وَله (باكر إِلَى القصف أَبَا عَامر ... فَإِنَّمَا نجح الْفَتى فِي الْبكر) (من قبل أَن يمسح كفّ الصّبا ... دمع الغوادي من خدود الزّهر) هَذَا الْبَيْت مثل قَول عبد الْجَبَّار بن حمديس الصّقليّ فِي قصيدة يمدح بهَا الرشيد عبيد الله بن الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد أَولهَا (قُم هَاتِهَا من كفّ ذَات الوشاح ... فقد نعى اللَّيْل بشير الصَّباح) (واحلل عرى نومك عَن مقلة ... تمقل أحداقاً مراضاً صِحَاح) (خلّ الْكرَى عَنْك وَخذ قهوة ... تهدي إِلَى الرّوح نسيم ارتياح) (هَذَا صبوح وصباح فَمَا ... عذرك فِي ترك صبوح الصّباح) (بَادر إِلَى اللَّذَّات واركب لَهَا ... سوابق اللَّهْو ذَوَات المراح) (من قبل أَن ترشف شمس الضُّحَى ... ريق الغوادي من ثغور الأفاح) أردْت هَذَا الْبَيْت ولرفيع الدولة يعْتَذر عَن وسيم فِي إِنْسَان عينه مَا يشينه (قَالُوا حبيتك فِي إِنْسَان مقلته ... مثل الحبابة إِذا تطفو على الراح) (فَقلت بَينهمَا فِي ذَلِكُم شبه ... كلتاهماتبعثان السّكر للصاحي) وَله (لَئِن منعُوا عني زِيَارَة طيفهم ... وَلم ألف فِي تِلْكَ الديار مقيلا) (فَمَا منعُوا ريح الصّبا سوق عرفهم ... وَقد بكرت تندى عليّ بليلا)

стр. 397

وَلَا مَنَعُونِي أَن أعلّ بذكرهم ... فؤاداً بِمَا يجني الصدود عليلا) وَله يُعَاتب (أفدي أَبَا عَمْرو وَإِن كَانَ جانياً ... عليّ ذنوباً لَا تعدّد بالعتب) (فَمَا كَانَ ذَاك الودّ إِلَّا كبارق ... أَضَاء لعَيْنِي ثمَّ أظلم عَن قرب) وَله فِي الْمَدْح (تزهى إِذا علقت أسيافه علقا ... كَأَنَّهُ فِي خدود الْبيض توريد) (يَهْتَز عطفاك فِي يَوْم الوغى طَربا ... كَأَن وَقع سيوف الْهِنْد تغريد) (تَعْنِي بذكرك أزمان وألسنة ... كَأَن ذكرك إِيمَان وتوحيد) وَله (إِذا مَا الْأَمر أخفق فِيهِ سعي ... وضاق مرامه من كلّ بَاب) (فَلَا تقنط فَإِن الله يَأْتِي ... بِفَتْح لم يكن لَك فِي حِسَاب) ١٢٨ - المتَوَكل بن المظفر بن الْمَنْصُور أَبُو مُحَمَّد عمر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مسلمة التجِيبِي بن الْأَفْطَس قَالَ ابْن حَيَّان كَانَ عبد الله بن مسلمة رجلا من مكناسة وَكَانَ سَابُور العامري أحد صبيان فائق الْخَادِم فَتى الحكم يَعْنِي الْمُسْتَنْصر بِاللَّه قد انتزى ببطليوس وثغر الغرب فصحبه عبد الله وَظَاهره وَرمى إِلَيْهِ بأموره فدبّر أَعماله وتزيّد فِي الْغَلَبَة عَلَيْهِ حَتَّى صَار كالمستبد بِهِ فَلَمَّا هلك سَابُور

стр. 398

ورث سُلْطَانه بعده فاستولى على الْأُمُور وتلقب بالمنصور ثمَّ أفْضى الْأَمر لِابْنِهِ مُحَمَّد وتلقب بالمظفر وَلابْن حَيَّان أَيْضا قَول أبسط من هَذَا فِي أوّلية بني الْأَفْطَس يَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ وَمن النَّادِر الْغَرِيب انتماؤه فِي تجيب وبهذه النِّسْبَة مدحته الشُّعَرَاء إِلَى آخر وقته مِنْهُم ابْن شرف القيرواني حَيْثُ يَقُول (يَا ملكا أمست تجيب بِهِ ... تحسد قحطان عَلَيْهَا نزار) (لولاك لم تشرق معدّ بهَا ... جلّ أَبُو ذرّ فجلّت غفار) وَكَانَت وَفَاة المظفر سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فولى بعده ابْنه يحيى بطليوس وَتسَمى بالمنصور وَكَانَ أَخُوهُ عمر المتَوَكل بيابرة وَمَا إِلَيْهَا من الثغر الغربي

стр. 399

ثمَّ استوثق لَهُ الْأَمر بِمَوْت أَخِيه يحيى بعد مُنَافَسَة طَوِيلَة بَينهمَا كَادَت تفْسد حَالهمَا واحتل حَاضِرَة بطليوس وَجعل ابْنه الْعَبَّاس عمر بيابرة وَصَارَ اليه أَمر طليطة وقتا وجلّ شَأْنه وَلما عظم عيث الطاغية أذفونش بن فرذلند وتطاول إِلَى الثغور وَلم يقنع بضرائب المَال انتدب للتطوّف على أُولَئِكَ الرؤساء القَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ يندبهم إِلَى لم الشعث ومدافعة الْعَدو وَيَطوف عَلَيْهِم وَاحِدًا وَاحِدًا وَكلهمْ يصغي إِلَى وعظه وازدلف خلال ذَلِك إِلَى سبتة أَمِير الْمغرب حِينَئِذٍ أَبُو يَعْقُوب يُوسُف ابْن تاشفين اللمتوني حسبَة ورغبة فِي الْجِهَاد وَقد دَانَتْ لَهُ بِلَاد العدوة وَسَأَلَ من سقّوت بن مُحَمَّد صَاحب سبتة أَن يُبِيح لَهُ فرض الْإِجَازَة إِلَى الأندلس فَأبى وتمنع من ذَلِك فَأفْتى الْفُقَهَاء بقتاله لصده عَن سَبِيل الله فَقتل هُوَ وَابْنه فِي خبر طَوِيل وَفتح الله على ابْن تاشفين سبتة وَأمكنهُ الْحُصُول على مُرَاده بذلك وَعلم الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد تصميمه على نِيَّته فخاطب جاريه صَاحب

стр. 400

بطليوس وَصَاحب غرناطة فِي تَحْرِيك قاضييها إِلَى حَضرته للاجتماع بقاضي الْجَمَاعَة بقرطبة فوصل من بطليوس قاضيها أَبُو إِسْحَاق بن مقانا وَمن غرناطة قاضيها القليعي واجتمعا فِي إشبيلية بِالْقَاضِي أبي بكر بن أدهم وانضاف إِلَيْهِم الْوَزير أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي الْوَلِيد أَحْمد بن عبد الله بن زيدون وتوجهوا جَمِيعًا إِلَى ابْن تاشفين على شُرُوط لَا تتعدى إِلَى غَيرهَا ووصلوا إِلَى الجزيرة الخضراء وَعَلَيْهَا يزِيد بن الْمُعْتَمد الملقب بالراضي ثمَّ أَجَازُوا الْبَحْر مِنْهَا واجتمعوا بِابْن تاشفين مرّة بعد مرّة وتفاوضوا فِي مَكَان تنزله العساكر فَأَشَارَ ابْن زيدون بجبل طَارق وَسُئِلَ الجزيرة الخضراء فَلم يُوجد سَبِيلا إِلَيْهَا فَمَا قوبل بشكر وَلَا لوم وأصدر هُوَ وَأَصْحَابه دون علم بالمراد ومشاورة الْفُقَهَاء من ابْن تاشفين تستتب وفتواهم لَا تغب فَلم يرع إِلَّا الشُّرُوع فِي الْإِجَازَة وَلم يشْعر إِلَّا والجزيرة الخضراء فِي مثل حَلقَة الْخَاتم من الجيوش الكثيفة

стр. 401

وَفتحت لَهُم أَبْوَابهَا وأخرجت إِلَيْهِم مرافقها فطيّر الراضي حَماما إِلَى أَبِيه بذلك فأذنه بِتَرْكِهَا والارتحال عَنْهَا إِلَى رندة فَفعل واطردت الْإِجَازَة ثمَّ تحركت العساكر إِلَى إشبيلية وردفهم ابْن تاشفين وَنزل بظاهرها وبلغه على أثر ذَلِك موت ابْنه أبي بكر فحيّره حَتَّى لهمّ بالانصراف عَن وَجهه ثمَّ آثر الْجِهَاد وأنفذ مزدلي إِلَى مراكش وَبعد قراره بِظَاهِر إشبيلية لحق صَاحب غرناطة فِي نَحْو ثَلَاثمِائَة فَارس وَأَخُوهُ تَمِيم من مالقة فِي نَحْو مِائَتَيْنِ فَنزلَا على ضفة النَّهر الْأَعْظَم ثمَّ لحق لصَاحب المرية عدد من الْخَيل صُحْبَة وَلَده وَتقدم ابْن تاشفين مستعجلاً فِي حركته إِلَى بطليوس وَابْن عباد وَرَاءه فَخرج إِلَيْهِم المتَوَكل وأوسعهم برّاً وتضييفاً وتلومت العساكر بظاهرها فِي الْمضَارب أَيَّامًا إِلَى أَن قصدهم أذ فونش وتلاقوا

стр. 402

بالزّلاّقة على مقربة من بطليوس يَوْم الْجُمُعَة فِي رَجَب سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَ الظُّهُور للْمُسلمين وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن جُمْهُور أحد أدباء إشبيلية (لم تعلم الْعَجم إِذْ جَاءَت مصممة ... يَوْم الْعرُوبَة أَن الْيَوْم للْعَرَب) وَنكل المتَوَكل يَوْمئِذٍ وَغَيره من الرؤساء وَكَانَ فِيهِ للمعتمد ظُهُور مَشْهُور ثمَّ صدر ابْن تاشفين ظافراً وَأَجَازَ الْبَحْر إِلَى العدوة صادراً وتحرك إِلَى الأندلس بعد مُجَاهدًا لأعدائها وناظراً فِي خلع رؤسائها وَالْمُعْتَمد إِذْ ذَاك أعظمهم شَوْكَة وأشهرهم نجدة فَلَمَّا قبض عَلَيْهِ لم تقم لسائرهم قَائِمَة ومزّقوا كل ممزّق وَفِي ذَلِك يَقُول ذُو الوزارتين أَبُو الْحسن جَعْفَر بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن الْحَاج اللورقي

стр. 403

(كم بالمغارب من أشلاء مخترم ... وعاثر الجدّ مصبور على الْهون) (أَبنَاء معن وَعباد ومسلمة ... والحميرّيين باديس وَذي النُّون) (راحوا لَهُم فِي هضاب الْعِزّ أبنية ... وَأَصْبحُوا بَين مقبور ومسجون) وَكَانَ سير بن أبي بكر أحد رُؤَسَاء اللمتونيين هُوَ الَّذِي حاصر إشبيلية حَتَّى استولى عَلَيْهَا وَقبض على الْمُعْتَمد وتقلد إمارتها بعده دهراً ثمَّ تولى محاصرة بطليوس إِلَى أَن دخلت عنْوَة يَوْم السبت لثلاث بَقينَ من الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقيل يَوْم السبت السَّابِع من صفر وَقيل فِي شهر ربيع الأول مِنْهَا وَقبض على المتَوَكل فقيد وأهين بِالضَّرْبِ فِي اسْتِخْرَاج مَا عِنْده ثمَّ أزعج عَنْهَا وَقتل هُوَ وابناه الْفضل وَالْعَبَّاس على مقربة مِنْهَا ذبحا وَكَانَ ذَلِك مِمَّا نعي على ابْن تاشفين وَقيل إِنَّه رغب فِي تَقْدِيم ولديه هذَيْن بَين يَدَيْهِ ليحتسبهما ثمَّ قَامَ بعد قَتلهمَا ليُصَلِّي فبادره الموكلون بِهِ وطعنوه برماحهم حَتَّى فاضت نَفسه وغربت شمسه وَقد رثاهم أَبُو مُحَمَّد عبد الْمجِيد بن عبدون بقصيدة فريدة أنشدناها شَيخنَا أَبُو الرّبيع بن سَالم الكلَاعِي

стр. 404

بحاضرة بلنسية مرَارًا قَالَ أنشدناها القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد بن زرقون فِي مَسْجده بإشبيلية قَالَ أنشدناها الْوَزير الْكَاتِب أَبُو مُحَمَّد بن عبدون وأولها (الدَّهْر يفجع بعد الْعين بالأثر ... فَمَا الْبكاء على الأشباح والصور) يَقُول فِي آخرهَا (وَيْح السّماح وويح الباس لَو سلما ... وَالْمجد وَالدّين وَالدُّنْيَا على عمر) (سقت ثرى الْفضل وَالْعَبَّاس هامية ... تعزى إِلَيْهِم سماحاً لَا إِلَى الْمَطَر) وأنشدني أَبُو الرّبيع شَيخنَا وحَدثني لفظا قَالَ حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد شَيخنَا يَعْنِي ابْن زرقون عَن الْوَزير أبي بكر ابْن القبطورنة أَنه حَدثهُ أَنه دخل على نجم الدولة سعد بن المتَوَكل وَهُوَ

стр. 405

مَحْبُوس فِي سجن الملثّمة بعد غلبتهم على أَبِيه المتَوَكل وقتلهم إِيَّاه وابنيه الْعَبَّاس وَالْفضل فَلَمَّا رَآهُ أجهش باكياً ثمَّ أنْشدهُ (بأبيك قدّس روحه وضريحه ... يَا سعد ساعدني وَلست بَخِيلًا) (واسفح على دموع عَيْنك سَاعَة وامنت بهَا حمراً تفيض همولا) (إِن يصبح الْفضل الْقَتِيل فإنني ... أمسيت من كمد عَلَيْهِ قَتِيلا) (كم قد وقيتكم الْحمام بمهجتي ... وحميت شول علائكم معقولا) (قدمت نَفسِي للمنايا دونكم ... بَدَلا فَلم ترد الْمنون بديلا) وَمن شعر المتَوَكل وَكتب بِهِ إِلَى أَخِيه يحيى الْمَنْصُور من يابرة مَعَ نثر وَقد بلغه أَنه قدح فِيهِ بمجلسه (فَمَا بالهم لَا أنعم الله بالهم ... ينوطون بِي ذمّاً وَقد علمُوا فضلي) (يسيئون فيّ القَوْل جهلا وضلّة ... وَإِنِّي لأرجو أَن يسوءهم فعلي)

стр. 406

(طغام لئام أم كرام برغمهم ... سواسية مَا أشبه الْحول بالقبل) (لَئِن كَانَ حَقًا مَا أذاعوا فَلَا خطت ... إِلَى غَايَة العلياء من بعْدهَا رجْلي) (وَلم ألق أضيافي بِوَجْه طلاقة ... وَلم أمنح العافين فِي زمن الْمحل) (وَكَيف وراحي درس كلّ غَرِيبَة ... وَورد التّقى شمّي وَحرب العدا نقلي) (ولي خلق فِي السّخط كالشّرى طعمه ... وَعند الرِّضَا أحلى جنى من جنى النَّحْل) (وَإِنِّي وَإِن كنت الْأَخير زَمَانه ... لآت بِمَا أعي الصناديد من قبلي) (وَمَا أَنا إِلَّا الْبَدْر تنبح نوره ... كلاب عدا تأوى اضطراراً إِلَى ظلّي) (فيا أَيهَا الساقي أَخَاهُ على النَّوَى ... كؤوس القلى مهلا رويدك بالعلّ) (لتطفئ نَارا أضرمت فِي صدورنا ... فمثلي لَا يقلى وَمثلك لَا يقلي) (أَلَسْت الَّذِي أصفاك قدماً وداده ... وَألقى إِلَيْك الْأَمر فِي الكثر والقلّ) (وصيّرك الذّخر الغبيط لدهره ... وَمن لي ذخْرا غَيْرك الْيَوْم لَا من لي) (وَقد كنت تشكيني إِذا جِئْت شاكياً ... فَقل لي لمن أَشْكُو صنيعك بِي قل لي) (فبادر إِلَى الأولى وَإِلَّا فإنني ... سأشكوك يَوْم الْحَشْر للْملك الْعدْل) وَله وَقد ارتقب قدوم أَخِيه عَلَيْهِ من شنترين يَوْم الْجُمُعَة فوفد عَلَيْهِ يَوْم السبت

стр. 407

(تخيّرت الْيَهُود السبت عيداً ... وَقُلْنَا فِي الْعرُوبَة يَوْم عيد) (فَلَمَّا أَن طلعت السبت فِينَا ... أطلت لِسَان محتجّ الْيَهُود) وَمن مليح مَا فِي هَذَا الْمَعْنى (وحبّب يَوْم السبت عِنْدِي أنني ... ينادمني فِيهِ الَّذِي أَنا أَحْبَبْت) (وَمن أعجب الْأَشْيَاء أَنِّي مُسلم ... حنيف وَلَكِن خير أيامي السبت) وَكتب أَبُو مُحَمَّد بن عبدون إِلَى المتَوَكل وَقد انسكب الْمَطَر إِثْر قحط خيف قبل ذَلِك وَاتفقَ أَن وافي بطليوس حِينَئِذٍ مغنّ محسن يعرف بِأبي يُوسُف (ألمّ أَبُو يُوسُف والمطر ... فياليت شعري مَا ينْتَظر) (وَلست بآب وَأَنت الشَّهِيد ... حُضُور نديّك فِي من حضر) (وَلَا مطلعي وسط تِلْكَ السَّمَاء ... بَين النُّجُوم وَبَين الْقَمَر) (وركضي فِيهَا جِيَاد المدام ... محثوثة بسياط الْوتر) فَبعث إِلَيْهِ المتَوَكل مركوباً وَكتب مَعَه (بعثت إِلَيْك جنَاحا فطر ... على خُفْيَة من عُيُون الْبشر) (على ذلل من نتاج البروق ... وَفِي ظلل من نَسِيج الشّجر) (فحسبي عمّن نأى من دنا ... فَمن غَابَ كَانَ فدا من حضر) وَتوجه إِلَى شنترين وَمَعَهُ أَبُو مُحَمَّد بن عبدون فَتَلقاهُ ابْن مقانا قاضى

стр. 408

حَضرته وأنزله وَقدم طَعَاما ثمَّ قعد بِبَاب الْمجْلس ملازماً لَهُ إِلَى اللَّيْل والمتوكل محتشم مِنْهُ فَخرج أَبُو مُحَمَّد لمّا أبرمه إِلَى بعض أَصْحَابه وَقد أعد لَهُ مجْلِس أنس فَقعدَ يشرب مَعَه وَقد وجّه من يرقب انْفِصَال ابْن مقانا فَلَمَّا عرّفه بذلك بعث إِلَى المتَوَكل بقطيع خمر وطبق ورد وَكتب مَعَهُمَا (إليكهما فاجتلها منيرة ... وَقد خبا حَتَّى الشهَاب الثاقب) (واقفة بِالْبَابِ لم تَأذن لَهَا ... إِلَّا وَقد كادلب ينَام الْحَاجِب) (فبعضها من المخاف جامد ... وَبَعضهَا من الْحيَاء ذائب) فقبلها وَكتب إِلَيْهِ (قد وصلت تِلْكَ الَّتِي زففتها ... بكرا وَقد شابت لَهَا ذوائب) (فهبّ حَتَّى نستردّ ذَاهِبًا ... من أنسنا إِن استردّ الذَّاهِب) وقرأت فِي كتاب الذَّخِيرَة لِابْنِ بسام أَخْبرنِي الْوَزير أَبُو طَالب بن غَانِم قَالَ لَا أنسى وَالله خطّ المتَوَكل بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي ورقة بقلة الكرنب وَقد كتب إليّ بهما من بعض الْبَسَاتِين (انهض أَبَا طَالب إِلَيْنَا ... واسقط سُقُوط الندى علينا) (فَنحْن عقد بِغَيْر وسطي ... مَا لم تكن حَاضرا لدينا) وَحكى غَيره أَنه كتبهما بِطرف غُصْن وروى الْبَيْت الأول (أقبل أَبَا طَالب إِلَيْنَا ... وَقع وُقُوع الندى علينا)

стр. 409

١٢٩ - عبد الْملك بن هُذَيْل بن رزين ذُو الرياستين حسام الدولة أَبُو مَرْوَان ولى بعد أَبِيه الْحَاجِب عز الدولة أبي مُحَمَّد هُذَيْل بن عبد الْملك بن خلف ابْن لب بن رزين شنتمرية الشرق مَوضِع إِمَارَة سلفه وَكَانَ ظُهُورهمْ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعمِائَة أول افْتِرَاق الْجَمَاعَة وانبعاث الْفِتْنَة ويعرفون ببني الأصلع وانتماؤهم فِي هوّارة وَقد ذكر ابْن حيّان طرفا من خبرهم فَقَالَ وَأَبُو مُحَمَّد هُذَيْل بن خلف ابْن لب بن رزين الْمَعْرُوف بِابْن الأصلع صَاحب السّهلة موسطة مَا بَين الثغر الْأَعْلَى والأدنى لقرطبة كَانَ من أكَابِر برابر الثغر ورث ذَلِك عَن سلفه ثمَّ سما لأوّل الْفِتْنَة إِلَى اقتطاع عمله والإمارة لجماعته والتقيّل لجاره إِسْمَاعِيل بن ذِي النُّون فِي الشرود عَن سُلْطَان قرطبة فَاسْتَوَى لَهُ من ذَلِك مَا أَرَادَ هُوَ وَغَيره من جَمِيع من انتزى فِي الْأَطْرَاف وتمرس بِهِ الْحَاجِب مُنْذر بن يحيى مدرجاً لَهُ فِي طيّ من استتبعه واشتمل عَلَيْهِ من أصاغر أُمَرَاء

стр. 410

الثغر فَأَبت نَفسه البخوع لَهُ والانضمام إِلَيْهِ فَرد أمره وحدده وَصَارَ ندّه وَأَجَارَهُ مَنْعَة معقله قَالَ وَلَيْسَ فِي ذَلِك الثغر أخصب بقْعَة من سهلته المنسوبة إِلَى بني رزين فِي اتِّصَال عمارتها فَكثر مَاله وَكَانَ مَعَ ذَلِك شَابًّا جميل الْوَجْه صَار إِلَيْهِ أَمر وَالِده منبعث الْفِتْنَة وَهُوَ فَتى مَعَ الْعشْرين من سنه وَأطَال ابْن حَيَّان فِي وَصفه بالقسوة والفظاظة ورفعة الهمة فاقتصرت من ذَلِك على مَا أثبتّ وهذيل هَذَا هُوَ عَم هُذَيْل وَالِد أبي مَرْوَان الْمَذْكُور وَبعده ولى أَخُوهُ عبد الْملك بن خلف أَبُو مَرْوَان وَيعرف بعبود ثمَّ ولى ابْنه هُذَيْل ثمَّ ابْنه عبد الْملك ثمَّ ابْنه يحيى وَعَلِيهِ انقرض ملكهم

стр. 411

وَكَانَ أَبُو مَرْوَان مَعَ شرفه وأدبه متعسفاً على الشُّعَرَاء ومتعسراً بمطلوبهم من ميسور الْعَطاء وَضَعِيف منظومه أَكثر من قَوِيَّة وَكَانَت وَفَاته سنة سِتّ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَقد صَار إِلَيْهِ من أَعمال بلنسية بَعْضهَا وَولى بعده ابْنه فَأَقَامَ يَسِيرا وتغلّب على مَا بِيَدِهِ ابْن تاشفين بعد أَن أَقَامَ هُوَ وَأَبوهُ فِي أَعمالهَا وَمن شعره يفخر (أَنا ملك تجمّعت فيّ خمس ... كلّها للأنام مُحي مميت) (هِيَ ذهن وَحِكْمَة ومضاء ... وَكَلَام فِي وقته وسكوت) وَله مجاوباً (رغبتم وأرغبناكم وَهِي الْخمر ... فَمن لم يكن سَكرَان فَلْيَكُن السّكر) (إِلَيْكُم فَإِنِّي فِي الوغى والندى فَتى ... هُوَ الْبَحْر إِن أعْطى وَإِن صال فالدهر)

стр. 412

وَله (شأوت أهل رزين غير محتفل ... وهم على مَا علمْتُم أفضل الْأُمَم) (قوم إِذا حوربوا أفنوا وَإِن سئلوا ... أغنوا وَإِن سوبقوا حازوا مدى الْكَرم) (جادوا فَمَا يتعاطى جود أنملهم ... مدّ الْبحار وَلَا هطّالة الدّيم) (وَمَا ارتقيت إِلَى الْعليا بِلَا سَبَب ... هَيْهَات هَل أحد يسْعَى بِلَا قدم) (فَمن يرم جاهداً إِدْرَاك منزلتي ... فليحكني فِي الندى وَالسيف والقلم) وَله (من كثّر الْجهد يرى سعده ... يصعد حَتَّى يَنْتَهِي حدّه) (وَمن أذلّ المَال عزّت بِهِ ... أَيَّامه وانصرفت جنده) (فاهدم بِنَاء الْبُخْل وَارْفض بِهِ ... من هدم الْبُخْل بني مجده) (لَا عَاشَ إِلَّا جائعاً نائعاً ... من عَاشَ فِي أَمْوَاله وَحده) وَله يصف روضاً (وَروض كَسَاه الطلّ وشياً مجدّداً ... فأضحى مُقيما للنفوس ومقعدا) (إِذا صافحته الرّيح ظلت غصونه ... رواقص فِي خضر من العصب ميّدا) (إِذا مَا انسياب المَاء عَايَنت خلته ... وَقد كسّرته رَاحَة الرّيح مبردا) (وَإِن سكنت عَنهُ حسبت صفاءه ... حساماً صقيلاً صافي الْمَتْن جردا) (وغنت بِهِ وزق الحمائم حولنا ... غناء ينسّينا الْغَرِيض ومعبدا)

стр. 413

(فَلَا تجفونّ الدَّهْر مَا دَامَ مسعداً ... ومدّ إِلَى مَا قد حباك بِهِ يدا) (وخذها مداماً من غزال كَأَنَّهُ ... إِذا مَا سعى بدر تحمّل فرقدا) وَله (أدرها مداماً كالغزالة مرّة ... تبين لرائيها وتأبى على اللَّمْس) (وتبدو إِلَى الْأَبْصَار دون تجسّم ... على أَنَّهَا تخفى على الذِّهْن والحسّ) (إِذا شعشعت فِي الكأس خلت حبابها ... لآلىء قد رفّعن فِي لبّة الشَّمْس) (موكلة بالهمّ تهزم جَيْشه ... بِجَيْش الْأَمَانِي والمسرة والأنس) (فَإِن شِئْت قل فِيهَا أرق من الْهوى ... وَإِن شِئْت قل فِيهَا أرق من النَّفس) وَله فِي النسيب (أنحى على جسمي النحول فَلم يدع ... متوهمّاً من رسمه الْمَعْلُوم) (عبثت بِهِ أَيدي الصِّبَا فَكَأَنَّهُ ... سرّ خفيّ فِي ضمير كتوم) وَله (يزهدني فِي الزّهْد عين مَرِيضَة ... يمرّضني من لحظها مَا أعلّني) (وَلم يبْق نَفسِي غير عطفة شادن ... عسابي أفديه بهَا ولعلّني) (شَكَوْت إِلَى فِيهِ الَّذِي بِي من الظما ... فأنهلني عذب الرّضاب وعلّني) وَله (دع الدمع يفن الجفن لَيْلَة ودّعوا ... إِذا انقلبوا بِالْقَلْبِ لَا كَانَ مدمع) (سروا كاغتداء الطير لَا الصَّبْر بعدهمْ ... جميل وَلَا طول الندامة ينفع)

стр. 414

(أضيق بِحمْل الفادحات من النَّوَى ... وصدري من الأَرْض البسيطة أوسع) (وَإِن كنت خلاّع العذار فإنني ... لبست من العلياء مَا لَيْسَ يخلع) (إِذا سلّت الألحاظ سَيْفا خَشيته ... وَفِي الْحَرْب لَا أخْشَى وَلَا أتوقع) وَله (برح السقم بِي فَلَيْسَ صَحِيحا ... من رَأَتْ عينه عيُونا مراضا) (إنّ للأعين المراض سهاماً ... صيّرت أنفس الورى أغراضا) وَله فِي شمعة (ربّ صفراء تردّت ... برداء العاشقينا) (مثل فعل النَّار فِيهَا ... تفعل الْآجَال فِينَا) وحَدثني القَاضِي أَبُو عَامر نَذِير بن وهب بن نَذِير الفِهري وَدَار سلفه شنتمرية المنسوبة إِلَى بني رزين غير مرّة بِلَفْظِهِ قَالَ حَدثنِي أبي أَنه كَانَ بشنتمرية معلم كتاب يؤدبهم ويؤمّ فِي مسجدين أَحدهمَا يُصَلِّي فِيهِ نَهَارا وَالثَّانِي لَيْلًا فَكتب إِلَى الْحَاجِب ذِي الرئاستين أبي مَرْوَان عبد الْملك بن الْحَاجِب ذِي المجدين عز الدولة أبي مُحَمَّد هُذَيْل بن رزين يسْأَله التَّقْدِيم فِي الْمَسْجِد الْجَامِع للصَّلَاة فِي دولة مَعَ سَائِر الْأَئِمَّة فوقّع لَهُ فِي مكتوبه

стр. 415

(أيطيق تأديباً وَعقد إِمَامَة ... فِي مسجدين وجامع إِنْسَان) (اثْبتْ على إِحْدَى الْمَرَاتِب لَا تزد ... فَمن الزِّيَادَة يتّقى النّقصان) وَحكى لي غَيره أَن أَبَا مَرْوَان هَذَا كَانَت لَهُ نجدة وصرامة وإقدام قرّب جنده من نَفسه وتحبب إِلَيْهِم وَاخْتَلَطَ بهم حَتَّى كَانَ لَا يمتاز مِنْهُم فِي مركب وَلَا ملبس وَوَقَائعه فِي الثغر مَشْهُورَة وَجرى عَلَيْهِ خطب كَبِير فِي صغر سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة قبل وَفَاته بِيَسِير دبّر عَلَيْهِ صهره عبيد الله الْقَائِم بأذكون وَأَرَادَ اغتياله مَعَ طَائِفَة من رِجَاله ليرث مَكَانَهُ وَكَانَ قد أحضرهُ لدَعْوَة

стр. 416

احتفل فِيهَا مَعَ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عِيسَى بن لبّون صَاحب مربيطر فَلَمَّا أمكنتهم الغرّة فِيهِ بِأخذ الشَّرَاب مِنْهُ وَثبُوا عَلَيْهِ وخبطوه بسيوفهم حَتَّى أنخنوه جراحاً وَاتفقَ أَن كَانَت أُخْته حَاضِرَة وَهِي زوج عبيد الله هَذَا فَصَعدت إِلَى علّيّة هُنَاكَ وصرخت واقتيلاه فتبادر النَّاس لتعرّف الْقِصَّة ودخلوا على أبي مَرْوَان وَبِه رَمق فأرادوا قتل قاتلية بأجمعهم فَأَمرهمْ بترك صهره وَابْنه وَالْقَبْض عَلَيْهِمَا وَلم يزل يعالج من جراحه إِلَى أَن برىء وصحّ وَقد غيّرت من شكله وشانت وَجهه فَأمر بصهره فَقطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وسملت عَيناهُ وصلب وَأمر بِقطع رجل ابْنه وخلّى سَبيله

стр. 417

١٣٠ - مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق بن زيد بن طَاهِر الْقَيْسِي أَبُو عبد الرَّحْمَن قَرَأت فِي تَارِيخ أبي بكر مُحَمَّد بن عِيسَى بن مزين الْكَاتِب وَأَبوهُ عِيسَى هُوَ مخلوع المعتضد عباد بن مُحَمَّد من شلب وَكَانَ صهره أَن ابْن طَاهِر يَعْنِي أَبَا بكر أَحْمد بن إِسْحَاق وَالِد أبي عبد الرَّحْمَن كَانَ من أَعْلَام تدمير وبياضها فاستبد بهَا إِلَّا أَنه لم يعد اسْم الوزارة فِيهَا والمظالم إِلَى أَن مَاتَ وَخَلفه ابْنه أَبُو عبد الرَّحْمَن مُحَمَّد فتمادت حَاله على رسم أَبِيه ووسمه فِي الْمَظَالِم إِلَى أَن أخرجه عَنْهَا أَبُو بكر بن عمار فِي قصَص طَوِيلَة سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وقرأت بخطّ القَاضِي أبي الْقَاسِم بن حُبَيْش فِي بعض معلقاته من تَارِيخ أبي مَرْوَان بن حيّان خَافَ زُهَيْر يَعْنِي الصقلبي صَاحب المرية ومرسية انْتِقَاض أبي عَامر بن خطاب رَئِيس عَلَيْهِ مرسيه إِن تَركه خَلفه لصغوه إِلَى

стр. 418

مُجَاهِد يَعْنِي العامري مناوئه فأسكنه مَعَه المرية دون أَن يغيّر لَهُ حَالا وَلَا نعْمَة وَترك بمرسية ابْن طَاهِر ندّ ابْن خطاب ومناوئه بعد أَن انْطلق ابْن طَاهِر وَمن يَد مُجَاهِد بفدية غَلِيظَة وَعَاد إِلَى حَاله وَنعمته وأعانه زُهَيْر على لم شعثه وَفِي بعهده فاطمأنت قدمه بمرسية فِيمَا بعد وَارْتَفَعت حَاله وَبعد عَنْهَا عدوّه ابْن خطاب آخر الْأَيَّام فَلم يقْض لَهُ رُجُوع إِلَيْهَا إِلَى أَن مضى لسبيله قَالَ وَفِي صدر شهر رَمَضَان يَعْنِي من سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة بلغت قرطبة وَفَاة الشَّيْخ أبي بكر أَحْمد بن طَاهِر المتأمرّ قَدِيما بِبَلَدِهِ مرسية بعد طول علته الفالجية وَكَانَ من آخر من أنظر إِلَى هَذِه الْمدَّة من بقايا رُؤَسَاء الكور فَكَانَ يعْتد بعد انْقِرَاض دولة الصقالبة الْعَامِرِيين فِي جملَة الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن بن أبي عَامر وَولده عبد الْملك على استبداده عَلَيْهِمَا وامتناعه من تَنْفِيذ مَالا يُوَافقهُ من أَمرهمَا وإرساله إِلَيْهِمَا من خلال ذَلِك مُفَارقَته عَمَّا فِي يَده من بَلَده وقيامه بِالْإِنْفَاقِ على من ينزله من جنده وتفرّده بقود جند الْبَلَد وجباية مَاله يُرْسل من فَضله إِلَى كل مِنْهُمَا فِي وقته مَا فَارقه عَلَيْهِ فَلَا يمكنهما خِلَافه لقُوَّة مَنْكِبه ووفور مَاله واجتماع أهل بَلَده على طَاعَته واعترافهم بِحقِّهِ قد أصلح الله بِهِ على جَمَاعَتهمْ وعمرت بِلَادهمْ بجميل سيرته ثمَّ اتسعت مكاسبه حَتَّى صَار نصف بَلَده ضَيْعَة لَهُ وَأحسن ارتباط الْجند بإنصافهم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم فَأَحبُّوهُ وناصحوه فاستقام أمره وضخمت نعْمَته وعضده ابْن صدق لَهُ نجيب لَبِيب يُسمى مُحَمَّدًا ويكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن

стр. 419

سلك سَبيله وَاتبع سيرته وَزَاد عَلَيْهِ بِفضل علم وأدب فحجبه أَيَّام تعطله وسدّ مسدّه فَلَمَّا مضى لسبيله قعد مَكَانَهُ وجبر ثلمه واستقام النَّاس لَهُ كَأَنَّهُمْ مَا فقدوا أَبَاهُ وَهلك هَذَا الشَّيْخ عَن نَحْو تسعين سنة قَالَ وَآل طَاهِر ذَوُو بَيت عَامر وَعدد وافر يفخرون بالعروبية وينتمون فِي قيس عيلان انْتهى كَلَام ابْن حيّان وَهَذَا خلاف معتقده فِي بني خطاب وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك إِن شَاءَ الله وَكَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن من أهل الْعلم وَالْأَدب البارع يتَقَدَّم رُؤَسَاء عصره فِي الْبَيَان والبلاغة ويماثل الصاحب إِسْمَاعِيل بن عباد وَأَمْثَاله فِي الْكتب عَن نَفسه ورسائله مدونة وَلأبي الْحسن بن بسام فِيهَا تأليف سَمَّاهُ ب سلك الْجَوَاهِر من ترسيل ابْن طَاهِر وروى الحَدِيث عَن أبي الْوَلِيد بن ميقل وَقد أَخذ عَنهُ واستجازه أَبُو عَليّ بن سكّرة لِابْنِهِ وَذكره أَبُو الْقَاسِم بن بشكوال فِي تَارِيخه وحَدثني الْمُقْرِئ المعمر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز بن

стр. 420

سَعَادَة الشاطبي عَن الْخَطِيب أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عريب عَن أبي عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر بِجَمِيعِ رِوَايَته عَن ابْن ميقل وَكَانَت فِيهِ دعابة غالبة عَلَيْهِ لَا يَدعهَا بِحَال وأجود رسائله مَا اشْتَمَل على الْهزْل لميل طبعه إِلَيْهِ وَكَانَ على ذَلِك جواداً ممدحاً ينتجعه الشُّعَرَاء ويقصده الأدباء وَقد انتجعه أَبُو بكر بن عمار أَيَّام خموله ثمَّ قضى أَن خلعه عَن سُلْطَانه فَلهُ مَعَه نَوَادِر مَذْكُورَة مِنْهَا قَوْله بعد خُلَاصَة من اعتقاله وانخلاع ابْن عمار عَن مرسية واجتماعهما عِنْد الْوَزير الْأَجَل أبي بكر بن عبد الْعَزِيز أَيَّام رياسته ببلنسية أَبَا العيناء لَا أَنْت وَلَا أَنا وَكَانَ ابْن عمار أخفش وَمِنْهَا وَقد أرسل إِلَيْهِ وَقت الْقَبْض عَلَيْهِ يخيره فِي خلعة يلبسهَا فَقَالَ لرَسُوله لَا أخْتَار

стр. 421

من خلعه أعزه الله إِلَّا فَرْوَة طَوِيلَة وغفارة ضئيلة فعرفها ابْن عمار واعترف بهَا وَقَالَ نعم إِنَّمَا عرض بزيى يَوْم قصدته وبهيئتي حِين أنشدته وَقد جرى لَهُ مَعَ أبي بكر بن عبد الْعَزِيز فِي معنى الدعابة والمطايبة مَا احتمله لَهُ بِفضل رجاحته وَأَبُو بكر حَرَكَة فَذكر الفول وَكَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن مُولَعا بِهِ ومكثراً لأكله فَعرض لَهُ هُوَ بل صرّح بِمَا كَانَ فِي لِسَانه من عقلة وَهُوَ إِذْ ذَاك ضَيفه وَخبر خلعه وَذكر ابْن بسام وَغَيره وقرأت فِي تَارِيخ الْكَاتِب أبي بكر مُحَمَّد بن يُوسُف بن قَاسم الشلبي تلميذ الْكَاتِب أبي بكر ابْن القصيرة وَأحد كتاب الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد قَالَ كَانَ ابْن عمار قد نزل ضيفاً على ابْن طَاهِر فِي صُعُوده إِلَى ابْن ريمند صَاحب برشلونة فاستبان ضعفه فداخل أَعْيَان مرسية مخبّلاً ومخذّلاً ثمَّ وصل ذَلِك عِنْد اجتماعه بريمند بمعاقدته على أَن يُعينهُ فِي محاصرته وبذل لَهُ عَن ذَلِك عشرَة آلَاف مِثْقَال

стр. 422

على أَن ينحدر بعسكره إِلَى مرسية وَيَأْتِي هُوَ فِي عَسْكَر ابْن عباد ويرهن كلّ وَاحِد مِنْهُمَا معاقدة مَا يَثِق بِهِ فرهن البرشلوني ابْن عَمه وأصعد ابْن عباد ابْنه الْمُسَمّى بالرشيد فِي جَيش إشبيلية وَابْن عمار مَعَه فاجتمعا بريمند عَلَيْهَا على ميعاد عيّناه وحاصرا مرسية وشنّا الغارات عَلَيْهَا فَلم ينالوا مِنْهَا أَكثر من ذَلِك وَكَانَ ابْن عمار عِنْد فصوله من إشبيلية قد قدّر أَن ينظر لَهُ فِي المَال الْمَذْكُور وَيلْحق بِهِ وَذَلِكَ لأجل ضربه البرشلوني فانصرم الْأَجَل وَلم يصل المَال وتحرك الْمُعْتَمد إِلَى قرطبة ثمَّ إِلَى جيّان وَمَعَهُ الرهينة على عَادَته من التؤدة والالتواء وَأَبْطَأ على ريمند مَا عوقد عَلَيْهِ واعتقد أَن ابْن عمار مكر بِهِ فَقبض عَلَيْهِ وعَلى الرشيد وقيدهما وانقلب عَسْكَر إشبيلية مفلولا وَالْمُعْتَمد قد فصل من جيّان وشارف

стр. 423

عمل شقورة فَلَمَّا وصل إِلَى وَادي آنة لم يُمكنهُ خوضه لمدّة بالسيول فَأَقَامَ على شاطئه الغربي وَإِذا سرعَان فلّ الْعَسْكَر قد أطلوا على الشاطىء الشَّرْقِي فاقتحمه مِنْهُم فارسان أجازا إِلَيْهِ وأخبراه بالنبأ الكريه فَسقط فِي يَده ونكص على عقبه وَقد استوثق من الرهينة وَرجع إِلَى جيّان وَقد كَانَ ابْن عمار أوصى إِلَيْهِ مَعَ هذَيْن الفارسين أَن يُقيم لَعَلَّه يلْحق بِهِ فورد عَلَيْهِ بعد تَمام عشرَة أَيَّام وَنزل على وَادي بلّون وَكتب كتابا وطواه وَبعث بِهِ أحد فرسَان عبيده إِلَى جيّان وَفِيه شعر يَأْتِي ذكره بعد وأوله (أصدّق ظنى أم أصيخ إِلَى صحبي ... ) فجاوبه الْمُعْتَمد عَنهُ بِمَا أنّسه فوصل إِلَيْهِ وَبكى بَين يَدَيْهِ ثمَّ اعْترف بالْخَطَأ فِي السالف وتوافق مَعَه على إِطْلَاق رهينة البرشلوني مَعَ المَال لينطلق الرشيد بصولهما من الاعتقال فَكَانَ ذَلِك وَانْصَرف البرشلوني إِلَى بِلَاده وَعَاد الرشيد إِلَى إشبيلية وَحكى غَيره أَن ابْن عباد سعى فِي خلاص الرشيد حَتَّى فدَاه بِثَلَاثِينَ ألفا ضربهَا زُيُوفًا وَلحق الرشيد بِأَبِيهِ الْمُعْتَمد

стр. 424

قَالَ ابْن الْقَاسِم الْمَذْكُور فِي تَارِيخه وَعَاد لِابْنِ عمار فِي مرسية رَأْيه الدبرى ولج بِهِ ميلانه فَذكر للمعتمد أَو زوّر أَن أهل مرسية قد داخلوه وخاطبوه وَأظْهر لَهُم كتبا ذكر أَنهم كتبوها إِلَيْهِ زَاد غَيره وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين قَالَ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بتجهيز عَسْكَر ثَان يتقلده فَلم يُخَالِفهُ يَعْنِي الْمُعْتَمد وَفصل عَن إشبيلية بعسكرها وَوصل إِلَى قرطبة وَعَلَيْهَا الْفَتْح ابْن الْمُعْتَمد وَهُوَ يَوْمئِذٍ حَاجِب أَبِيه فضم خيل قرطبة إِلَى عَسْكَر إشبيلية وسهر فِي اجتيازه هَذَا لَيْلَة عِنْد الْفَتْح إِلَى أَن شَارف الصُّبْح فَقَالَ أحد الخصيان قد انصدع الْفجْر فَأَنْشَأَ ابْن عمار يَقُول (إِلَيْك عني فليلي كُله صبح ... وَكَيف لَا وسميري الْحَاجِب الْفَتْح) قَالَ ثمَّ تقدم ابْن عمار إِلَى مرسية واجتاز فِي طَرِيقه على حصن بلج وعامله يَوْمئِذٍ عبد الله بن رَشِيق وَهَكَذَا سَمَّاهُ ابْن قَاسم الشلبي هَذَا وَغَيره يَقُول فِيهِ عبد الرَّحْمَن وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ فَلَمَّا سمع بِهِ ابْن رَشِيق خرج إِلَيْهِ على أَمْيَال من الْحصن وَرغب إِلَيْهِ فِي النُّزُول عِنْده فَأَجَابَهُ ابْن عمار إِلَى ذَلِك واحتفل ابْن رَشِيق فِي إنزاله احتفالاً استطرفه ابْن عمار وَآل بِهِ إِلَى أَن قدمه على جَيْشه وَلم يعلم أَنه يحمل مِنْهُ الداهية الدهياء والداء العياء فوصل إِلَى مرسية وضايقها مُدَّة غدر لَهُ فِي أَثْنَائِهَا حصن مولة فَاسْتعْمل عَلَيْهِ ابْن

стр. 425

رَشِيق وَترك مَعَه جملَة من الْخَيل وَصدر إِلَى إشبيلية وَقد برّح بمرسية تكرّر الْحصار وَانْقِطَاع الْموَاد بانخزال مولة عَنْهَا وَمَا زَالَ ابْن رَشِيق يغاديها ويراوحها بالغارات ويداخل أَهلهَا فِي الْقيام على ابْن طَاهِر ويمنيهم الحظوة حَتَّى لَان قيادهم وصرحوا لَهُ بالانحياز ووصلت كتبهمْ على يَدَيْهِ إِلَى ابْن عمار وَهُوَ بإشبيلية قَالَ ابْن قَاسم وَلَقَد شهِدت ابْن عمار فِي الْقصر بإشبيلية يقْرَأ هَذِه الْكتب وَكَانَت أَزِيد من عشْرين فَلَمَّا استوفاها قَالَ لنا كأنكم بِفَتْح مرسية من غَد إِلَى بعد غَد فَكَانَ كَذَلِك وَلما تمّ لأهل مرسية تدبيرهم مَعَ ابْن رَشِيق تحرّك من مولة نحوهم على وَقت معِين فَلَمَّا وصل إِلَى ظَاهرهَا صرخوا بدعوة ابْن عبّاد وفتحوا أَبْوَابهَا لذَلِك الميعاد فَدخل ابْن رَشِيق فِي أنصاره بشعاره وَأخرج ابْن طَاهِر من دَاره إِلَى السجْن وَكتب من قصر مرسية وَقد تَملكهَا وَأخذ لِابْنِ عباد بيعَة أَهلهَا وَحكى غَيره أَن ابْن طَاهِر لما قبض عَلَيْهِ اعتقل بحصن منت أقوط إِلَى أَن ورد كتاب الْمُعْتَمد بتسريحه فلحق بِأبي بكر بن عبد الْعَزِيز ببلنسيّة لسعيه فِي ذَلِك وشفاعته فِيهِ وَقد قيل إِن ابْن طَاهِر هرب من معتقله بإعانة ابْن عبد الْعَزِيز وتنبيهه على الْوُجُوه الميسّرة لخلاصه
следующие страницы →