← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

من خلعه أعزه الله إِلَّا فَرْوَة طَوِيلَة وغفارة ضئيلة فعرفها ابْن عمار واعترف بهَا وَقَالَ نعم إِنَّمَا عرض بزيى يَوْم قصدته وبهيئتي حِين أنشدته وَقد جرى لَهُ مَعَ أبي بكر بن عبد الْعَزِيز فِي معنى الدعابة والمطايبة مَا احتمله لَهُ بِفضل رجاحته وَأَبُو بكر حَرَكَة فَذكر الفول وَكَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن مُولَعا بِهِ ومكثراً لأكله فَعرض لَهُ هُوَ بل صرّح بِمَا كَانَ فِي لِسَانه من عقلة وَهُوَ إِذْ ذَاك ضَيفه وَخبر خلعه وَذكر ابْن بسام وَغَيره وقرأت فِي تَارِيخ الْكَاتِب أبي بكر مُحَمَّد بن يُوسُف بن قَاسم الشلبي تلميذ الْكَاتِب أبي بكر ابْن القصيرة وَأحد كتاب الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد قَالَ كَانَ ابْن عمار قد نزل ضيفاً على ابْن طَاهِر فِي صُعُوده إِلَى ابْن ريمند صَاحب برشلونة فاستبان ضعفه فداخل أَعْيَان مرسية مخبّلاً ومخذّلاً ثمَّ وصل ذَلِك عِنْد اجتماعه بريمند بمعاقدته على أَن يُعينهُ فِي محاصرته وبذل لَهُ عَن ذَلِك عشرَة آلَاف مِثْقَال

стр. 422

على أَن ينحدر بعسكره إِلَى مرسية وَيَأْتِي هُوَ فِي عَسْكَر ابْن عباد ويرهن كلّ وَاحِد مِنْهُمَا معاقدة مَا يَثِق بِهِ فرهن البرشلوني ابْن عَمه وأصعد ابْن عباد ابْنه الْمُسَمّى بالرشيد فِي جَيش إشبيلية وَابْن عمار مَعَه فاجتمعا بريمند عَلَيْهَا على ميعاد عيّناه وحاصرا مرسية وشنّا الغارات عَلَيْهَا فَلم ينالوا مِنْهَا أَكثر من ذَلِك وَكَانَ ابْن عمار عِنْد فصوله من إشبيلية قد قدّر أَن ينظر لَهُ فِي المَال الْمَذْكُور وَيلْحق بِهِ وَذَلِكَ لأجل ضربه البرشلوني فانصرم الْأَجَل وَلم يصل المَال وتحرك الْمُعْتَمد إِلَى قرطبة ثمَّ إِلَى جيّان وَمَعَهُ الرهينة على عَادَته من التؤدة والالتواء وَأَبْطَأ على ريمند مَا عوقد عَلَيْهِ واعتقد أَن ابْن عمار مكر بِهِ فَقبض عَلَيْهِ وعَلى الرشيد وقيدهما وانقلب عَسْكَر إشبيلية مفلولا وَالْمُعْتَمد قد فصل من جيّان وشارف

стр. 423

عمل شقورة فَلَمَّا وصل إِلَى وَادي آنة لم يُمكنهُ خوضه لمدّة بالسيول فَأَقَامَ على شاطئه الغربي وَإِذا سرعَان فلّ الْعَسْكَر قد أطلوا على الشاطىء الشَّرْقِي فاقتحمه مِنْهُم فارسان أجازا إِلَيْهِ وأخبراه بالنبأ الكريه فَسقط فِي يَده ونكص على عقبه وَقد استوثق من الرهينة وَرجع إِلَى جيّان وَقد كَانَ ابْن عمار أوصى إِلَيْهِ مَعَ هذَيْن الفارسين أَن يُقيم لَعَلَّه يلْحق بِهِ فورد عَلَيْهِ بعد تَمام عشرَة أَيَّام وَنزل على وَادي بلّون وَكتب كتابا وطواه وَبعث بِهِ أحد فرسَان عبيده إِلَى جيّان وَفِيه شعر يَأْتِي ذكره بعد وأوله (أصدّق ظنى أم أصيخ إِلَى صحبي ... ) فجاوبه الْمُعْتَمد عَنهُ بِمَا أنّسه فوصل إِلَيْهِ وَبكى بَين يَدَيْهِ ثمَّ اعْترف بالْخَطَأ فِي السالف وتوافق مَعَه على إِطْلَاق رهينة البرشلوني مَعَ المَال لينطلق الرشيد بصولهما من الاعتقال فَكَانَ ذَلِك وَانْصَرف البرشلوني إِلَى بِلَاده وَعَاد الرشيد إِلَى إشبيلية وَحكى غَيره أَن ابْن عباد سعى فِي خلاص الرشيد حَتَّى فدَاه بِثَلَاثِينَ ألفا ضربهَا زُيُوفًا وَلحق الرشيد بِأَبِيهِ الْمُعْتَمد

стр. 424

قَالَ ابْن الْقَاسِم الْمَذْكُور فِي تَارِيخه وَعَاد لِابْنِ عمار فِي مرسية رَأْيه الدبرى ولج بِهِ ميلانه فَذكر للمعتمد أَو زوّر أَن أهل مرسية قد داخلوه وخاطبوه وَأظْهر لَهُم كتبا ذكر أَنهم كتبوها إِلَيْهِ زَاد غَيره وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسبعين قَالَ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بتجهيز عَسْكَر ثَان يتقلده فَلم يُخَالِفهُ يَعْنِي الْمُعْتَمد وَفصل عَن إشبيلية بعسكرها وَوصل إِلَى قرطبة وَعَلَيْهَا الْفَتْح ابْن الْمُعْتَمد وَهُوَ يَوْمئِذٍ حَاجِب أَبِيه فضم خيل قرطبة إِلَى عَسْكَر إشبيلية وسهر فِي اجتيازه هَذَا لَيْلَة عِنْد الْفَتْح إِلَى أَن شَارف الصُّبْح فَقَالَ أحد الخصيان قد انصدع الْفجْر فَأَنْشَأَ ابْن عمار يَقُول (إِلَيْك عني فليلي كُله صبح ... وَكَيف لَا وسميري الْحَاجِب الْفَتْح) قَالَ ثمَّ تقدم ابْن عمار إِلَى مرسية واجتاز فِي طَرِيقه على حصن بلج وعامله يَوْمئِذٍ عبد الله بن رَشِيق وَهَكَذَا سَمَّاهُ ابْن قَاسم الشلبي هَذَا وَغَيره يَقُول فِيهِ عبد الرَّحْمَن وَهُوَ الصَّحِيح قَالَ فَلَمَّا سمع بِهِ ابْن رَشِيق خرج إِلَيْهِ على أَمْيَال من الْحصن وَرغب إِلَيْهِ فِي النُّزُول عِنْده فَأَجَابَهُ ابْن عمار إِلَى ذَلِك واحتفل ابْن رَشِيق فِي إنزاله احتفالاً استطرفه ابْن عمار وَآل بِهِ إِلَى أَن قدمه على جَيْشه وَلم يعلم أَنه يحمل مِنْهُ الداهية الدهياء والداء العياء فوصل إِلَى مرسية وضايقها مُدَّة غدر لَهُ فِي أَثْنَائِهَا حصن مولة فَاسْتعْمل عَلَيْهِ ابْن

стр. 425

رَشِيق وَترك مَعَه جملَة من الْخَيل وَصدر إِلَى إشبيلية وَقد برّح بمرسية تكرّر الْحصار وَانْقِطَاع الْموَاد بانخزال مولة عَنْهَا وَمَا زَالَ ابْن رَشِيق يغاديها ويراوحها بالغارات ويداخل أَهلهَا فِي الْقيام على ابْن طَاهِر ويمنيهم الحظوة حَتَّى لَان قيادهم وصرحوا لَهُ بالانحياز ووصلت كتبهمْ على يَدَيْهِ إِلَى ابْن عمار وَهُوَ بإشبيلية قَالَ ابْن قَاسم وَلَقَد شهِدت ابْن عمار فِي الْقصر بإشبيلية يقْرَأ هَذِه الْكتب وَكَانَت أَزِيد من عشْرين فَلَمَّا استوفاها قَالَ لنا كأنكم بِفَتْح مرسية من غَد إِلَى بعد غَد فَكَانَ كَذَلِك وَلما تمّ لأهل مرسية تدبيرهم مَعَ ابْن رَشِيق تحرّك من مولة نحوهم على وَقت معِين فَلَمَّا وصل إِلَى ظَاهرهَا صرخوا بدعوة ابْن عبّاد وفتحوا أَبْوَابهَا لذَلِك الميعاد فَدخل ابْن رَشِيق فِي أنصاره بشعاره وَأخرج ابْن طَاهِر من دَاره إِلَى السجْن وَكتب من قصر مرسية وَقد تَملكهَا وَأخذ لِابْنِ عباد بيعَة أَهلهَا وَحكى غَيره أَن ابْن طَاهِر لما قبض عَلَيْهِ اعتقل بحصن منت أقوط إِلَى أَن ورد كتاب الْمُعْتَمد بتسريحه فلحق بِأبي بكر بن عبد الْعَزِيز ببلنسيّة لسعيه فِي ذَلِك وشفاعته فِيهِ وَقد قيل إِن ابْن طَاهِر هرب من معتقله بإعانة ابْن عبد الْعَزِيز وتنبيهه على الْوُجُوه الميسّرة لخلاصه

стр. 426

قَالَ ابْن بسام فِي كتاب الذَّخِيرَة من تأليفه وَمد لأبي عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر هَذَا فِي الْبَقَاء حَتَّى تجَاوز مصَارِع جمَاعَة الرؤساء وَشهد محنة الْمُسلمين ببلنسية على يَدي الطاغية الَّذِي كَانَ يدعى الكنبيطور وَحصل لَدَيْهِ أَسِيرًا سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ يَعْنِي وَأَرْبَعمِائَة كَذَا قَالَ ابْن بسام وَإِنَّمَا دخل الكنبيطور بلنسية سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتُوفِّي أَبُو عبد الرَّحْمَن ببلنسية وَصلى عَلَيْهِ بقبلة الْمَسْجِد الْجَامِع مِنْهَا إِثْر صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْأَخِيرَة سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة ثمَّ سير بِهِ إِلَى مرسية وَدفن بهَا وَقد نَيف على الثَّمَانِينَ وعَلى مَكَانَهُ من البراعة والبلاغة فِي الرسائل فَلم أَقف لَهُ على شعر سوى قَوْله فِي مقتل الْقَادِر يحيى بن إِسْمَاعِيل بن الْمَأْمُون يحيى بن ذِي النُّون على يَدي أبي أَحْمد جَعْفَر بن عبد الله بن جحاف الْمعَافِرِي عِنْد انتزائه ببلنسية وانتقاله من خطة الْقَضَاء إِلَى خطة الرِّئَاسَة وَكَانَ أخيف (أَيهَا الأخيف مهلا ... فَلَقَد جِئْت عويصا)

стр. 427

(إِذْ قتلت الْملك يحيى ... وتقمّصت القميصا) (رب يَوْم فِيهِ تجزى ... لم تَجِد عَنهُ محيصا) فَقضى الله أَن تسلط عَلَيْهِ الطاغية الكنبيطور بعد أَن أَمنه فِي نَفسه وَمَاله عِنْد دُخُوله بلنسية صلحا وَتَركه على الْقَضَاء نَحوا من عَام ثمَّ اعتقله وَأهل بَيته وقرابته وَجعل يطلبهم بِمَال الْقَادِر بن ذِي النُّون وَلم يزل يسْتَخْرج مَا عِنْدهم بِالضَّرْبِ والإهانة وغليظ الْعَذَاب ثمَّ أَمر بإضرام نَار عَظِيمَة كَانَت تلفح الْوُجُوه على مَسَافَة بعيدَة وجىء بِالْقَاضِي أبي أَحْمد يُوسُف فِي قيوده وَأَهله وَبَنوهُ حوله فَأمر بإحراقهم جَمِيعًا فَضَجَّ الْمُسلمُونَ وَالروم وَقد اجْتَمعُوا وَرَغبُوا فِي ترك الْأَطْفَال والعيال فأسعفهم بعد جهد شَدِيد واحتفر للْقَاضِي حُفْرَة وَذَلِكَ بولجة بلنسية وَأدْخل فِيهَا إِلَى حجزته وسوّى التُّرَاب حوله وضمت النَّار نَحوه فَلَمَّا دنت مِنْهُ ولفحت وَجهه قَالَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقبض على أقباسها وَضمّهَا إِلَى جسده يستعجل الْمنية فَاحْتَرَقَ ﵀ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَيَوْم الْخَمِيس منسلخ جُمَادَى الأولى من السّنة قبلهَا كَانَ دُخُول الكنبيطور الْمَذْكُور بلنسية

стр. 428

ثمَّ ملكهَا الرّوم ثَانِيَة بعد أَن حاصرها الطاغية جاقم البرشلوني من يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس من شهر رَمَضَان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة إِلَى يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع عشر من صفر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَفِي هَذَا الْيَوْم خرج أَبُو جميل زيان ابْن مدافع بن يُوسُف بن سعد الجذامي من الْمَدِينَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ أميرها فِي أهل بَيته ووجوه الطّلبَة والجند وَأَقْبل الطاغية وَقد تزيّي بِأَحْسَن زِيّ فِي عُظَمَاء قومه من حَيْثُ نزل بالرصافة أول هَذِه المنازلة فتلاقيا بالولجة واتفقا على أَن يتسلم الطاغية الْبَلَد سلما لعشرين يَوْمًا ينْتَقل أَهله أثناءها بِأَمْوَالِهِمْ وأسبابهم وَحَضَرت ذَلِك كُله وتوليت العقد عَن أبي جميل فِي ذَلِك وابتدئ بضعفة النَّاس وسيّروا فِي الْبَحْر إِلَى نواحي دانية واتصل انْتِقَال سَائِرهمْ برّاً وبحراً وصبيحة يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر الْمَذْكُور كَانَ خُرُوج أبي جميل بأَهْله من الْقصر فِي طَائِفَة يسيرَة أَقَامَت مَعَه وَعند ذَلِك استولى عَلَيْهَا الرّوم أحانهم الله

стр. 429

١٣١ - أَحْمد بن رَشِيق الْكَاتِب أَبُو الْعَبَّاس كَانَ أَبوهُ من موَالِي بني شَهِيد وَنَشَأ بمرسية وانتقل إِلَى قرطبة وَطلب الْأَدَب فبرز فِيهِ وبسق فِي صناعَة الرسائل مَعَ حسن الْخط الْمُتَّفق على نهايته وشارك فِي سَائِر الْعُلُوم وَمَال إِلَى الْفِقْه والْحَدِيث وَبلغ من رياسة الدُّنْيَا أرفع منزلَة وَقدمه الْأَمِير أَبُو الْجَيْش مُجَاهِد بن عبد الله العامري على كل من فِي دولته وولاة جَزِيرَة ميورقة فَكَانَ ينظر فِيهَا نظر الْعدْل والسياسة ويشتغل بالفقه والْحَدِيث وَيجمع الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ ويؤثرهم وَيصْلح الْأُمُور جهده وَهُوَ آوى الْفَقِيه أَبَا مُحَمَّد بن حزم حِين نعى عَلَيْهِ بقرطبة وَغَيرهَا خلَافَة مَذْهَب مَالك وَبَين يَدَيْهِ تناظر هُوَ وَالْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ قَالَ الْحميدِي فِي تَارِيخه وَأكْثر خَبره عَنهُ مَا رَأينَا من أهل الرِّئَاسَة من يجْرِي مجْرَاه مَعَ هَيْبَة مفرطة وتواضع وحلم عرف بِهِ مَعَ الْقُدْرَة وَله رسائل مَجْمُوعَة متداولة وَذكر أَنه مَاتَ بعيد الْأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة عَن سنّ عالية وَهُوَ الْقَائِل يُرَاجع أَبَا الْحسن ابْن سَيّده الضَّرِير معتذراً عَن صلَة وَجه بهَا إِلَيْهِ من ميورقة وَكَانَ قد كتب إِلَيْهِ من دانية يستمنحه (أدأب دهري وَلَو تطاول لي ... فِي حطّ ثقل من الغرامة بِي) (أحدثه لي تصاون وَهوى ... فِي عفة من دميم مكتسب)

стр. 430

(فَمن رَآنِي وظاهري لغنى ... فباطني قلَّة على رتب) (أسْتَغْفر الله بل لَهُ نعم ... وَهِي بذنبي إِلَيْهِ لم تجب) ١٣٢ - مُحَمَّد بن مَرْوَان بن عبد الْعَزِيز الْكَاتِب أَبُو عبد الله أَصله من قرطبة وَسكن بلنسية وَيعرف بِابْن روبش وَسَيَأْتِي ذكر نسبه عِنْد ذكر ابْنه الْوَزير الْأَجَل أبي بكر أَحْمد بن مُحَمَّد وَكَانَ أَبُو عبد الله هَذَا قد رَأس فِي آخر دولة الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي عَامر صَاحب بلنسية فَلَمَّا توفّي الْمَنْصُور وَملك ابْنه المظفر عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز تمشّت حَاله مَعَه على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي حَيَاة أَبِيه وَكَانَ عبد الْملك ضَعِيفا فخلعه صهره الْمَأْمُون يحيى بن إِسْمَاعِيل بن ذِي النُّون صَاحب طليطلة فِي سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَفِي ليله عَرَفَة لتسْع خلون من ذِي الْحجَّة مِنْهَا وَملك بلنسية وَمَا إِلَيْهَا من بِلَاد الشرق فاستخلف عَلَيْهَا أَبَا عبد الله بن عبد الْعَزِيز هَذَا وَجعل إِلَيْهِ تَدْبِير أمرهَا ثمَّ انْتقل ذَلِك عِنْد وَفَاته إِلَى أبي بكر ابْنه فتناهت فِيهَا حَاله بعد موت الْمَأْمُون بن ذِي النُّون واستبد بالرئاسة وَجرى على أَحْمد سنَن من السياسة ذكر هَذَا الْخَبَر أَبُو بكر مُحَمَّد بن عِيسَى بن مزين فِيمَا وَقعت عَلَيْهِ من تأليف لَهُ مُخْتَصر فِي التَّارِيخ وَأما ابْن حَيَّان فَذكر هَذَا المخلوع عبد الْملك وأساء الثَّنَاء عَلَيْهِ وَحكى أَنه كَانَ فِي مصير ملك أَبِيه إِلَيْهِ قد تخلى عَن أَمر الْإِمَارَة أجمعه وفوضه إِلَى وزيره أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْمَاضِي لعبد الْملك مَكَانَهُ عِنْد توليه

стр. 431

وَأَشْبع الْكَلَام فِي صفة خلع عبد الْملك وَنسب محاولته إِلَى أبي بكر دون أَبِيه فَدلَّ ذَلِك على وَفَاته قبلهَا وَالله أعلم وَمن شعر أبي عبد الله بن عبد الْعَزِيز مَا جاوب بِهِ الْوَزير أَبَا عَامر بن عَبدُوس وَقد كتب إِلَيْهِ (يَا أطيب النَّاس أغصاناً وأعراقاً ... وأعذب الْخلق آداباً وأخلاقاً) (وَيَا حَيا الأَرْض لم نكّبت عَن سُنَنِي ... وسقت نحوي إرعاداً وإبراقا) (وَيَا سنا الشَّمْس لم أظلمت فِي بَصرِي ... وَقد وسعت بِلَاد الله إشراقا) (من أَي بَاب سعت عين الزَّمَان إِلَى ... رحيب صدرك حَتَّى قيل قد ضاقا) (قد كنت أحسبني فِي حسن رَأْيك لي ... أَنِّي أخذت على الْأَيَّام ميثاقا) (فَالْآن لم يبْق لي بعد انحرافك مَا ... آسى عَلَيْهِ وأبدي مِنْهُ إشفاقا) (قد كنت أوليك إحساناً وإشفاقا ... وأنثني عَنْك مهما غبت مشتاقا) (وَمَا ألوتك نصحاً لَو جزيت بِهِ ... وَلم يكن من ذميم الْغدر مَا عاقا) (وَكَانَ من أملي أَن أقتنيك أَخا ... فأخفق الأمل المأمول إخفاقا) (وَقلت غرس من الإخوان أكلؤه ... حَتَّى أرى مِنْهُ إثمارا وإيراقا) (فَكَانَ لما انْتهى إزهاره ودنا ... إثماره خنظلا مرّاً لمن ذاقا)

стр. 432

(فَالْآن أخلق مَا بيني وَبَيْنك من ... ثوب الوداد لسوء الْفِعْل إخلاقا) (وَلست أول إخْوَان سقيتهم ... صفوي وأعلقتهم بِالنَّفسِ إعلاقا) (فَمَا جزوني بِإِحْسَان وَلَا عرفُوا ... قدري وَلَا حفظوا عهدا وميثاقا) ١٣٣ - مُحَمَّد بن عمار بن الْحُسَيْن بن عمار الْمهرِي ذُو الوزارتين أَبُو بكر أَصله من قَرْيَة بشلب تعرف بشنّبوس وَنَشَأ خاملاً ينتجع بِشعرِهِ وَيَطوف على مُلُوك الطوائف عصره وَقد تقدم ذكر اعترافه بِقصد ابْن طَاهِر ب ٩٣ فِي الْهَيْئَة الَّتِي عرّض لَهُ بهَا فِي نادرته وَتعلق فِي أول أمره بالمعتمد مُحَمَّد بن عباد حِين وَجهه أَبوهُ المعتضد مُحَاربًا لشلب فَنزع إِلَيْهِ وَبلغ من الْمنزلَة لَدَيْهِ أَن غلب عَلَيْهِ ثمَّ صَحبه بإشبيلية وَكَانَ يحضرهُ مجَالِس أنسه ويستدعيه إِلَيْهَا ويؤثره على خاصته ويستريح إِلَيْهِ بسره وَمن ذَلِك قَوْله وَكتب بِهِ إِلَيْهِ (قد زارنا النرجس الذكيّ ... وحان من يَوْمنَا العشيّ) (وَنحن فِي مجْلِس أنيق ... وَقد عطشنا وثمّ ريّ) (ولي خَلِيل غَدا سمي ... ياليته ساعد السمي)

стр. 433

فَأَجَابَهُ واصلاً وقائلاً (لبيْك لبيْك من مُنَاد ... لَهُ الندى الرحب والنديّ) (هَا أَنا بِالْبَابِ عبد قنّ ... قبلته وَجهك السنيّ) (شرّفه والداه باسم ... شرّفته أَنْت والنبيّ) وسرى إِلَى ابْن عمار أَن الْمُعْتَمد كتب من قرطبة إِلَى بعض كرائمه شعرًا يعْتَذر فِيهِ من اللحاق بهَا آخِره إِن شَاءَ رَبِّي أَو شَاءَ ابْن عمار فَقَالَ (مولَايَ عِنْدِي لما تهوى مساعدة ... كَمَا تتَابع خطف البارق الساري) (إِن شِئْت فِي الْبَحْر فاركب ظهر سابحة ... أَو شِئْت فِي الْبر فاركب ظهر طيار) (حَتَّى تحلّ وَحفظ الله يكلؤنا ... ساحات قصرك واتركني إِلَى دَاري) (وَقبل خلع نجاد السَّيْف فاسع إِلَى ... ذَات الوشاح وَخذ للحب بالثار) (ضماّ ولثماً يغنّي الحلى بَيْنكُمَا ... كَمَا تجاوب أطيار بأسحار) كَمَا حكى أَبُو الطَّاهِر التَّمِيمِي السَّرقسْطِي فِي ديوَان شعر ابْن عمار من جمعه عِنْد إِيرَاد هَذِه الْقطعَة وَقَالَ ابْن بسام فِي كتاب الذَّخِيرَة ذكر أَن الْمُعْتَمد أَقَامَ بُرْهَة بقرطبة يرفع بعض الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة فسئم طلقه وتذكر على عَادَته خلقه ودعته دواعي نَفسه إِلَى قَيْنَته وكأسه فَاسْتَشَارَ يَوْمئِذٍ ابْن عمار وَكَانَ خاطبه فِي ذَلِك بِشعر وَظن عِنْده أهبة إِذْ كَانَت عَلَيْهِ مِنْهُ بعض الرَّقَبَة فَوَجَدَهُ

стр. 434

أهتك سترا وأقلّ عَن اللَّذَّات صبرا وَأَشَارَ عَلَيْهِ بتعطيل الثغر وإضاعة الْأَمر وجاوبه على ذَلِك بِهَذَا الشّعْر وَذكر الأبيات ووجّه الْمُعْتَمد أَبَا بكر بن عمار إِلَى شلب متفقداً لأعمالها فَلَمَّا ودعه أنْشدهُ وَقد اهتاج شوقه إِلَيْهَا وتذكر معاهد صباه وعهوده فِيهَا إِذْ كَانَ والياً من قبل أَبِيه المعتضد عَلَيْهَا (أَلا حيّ أوطاني بشلب أَبَا بكر ... وسلهن هَل عهد الْوِصَال كَمَا أَدْرِي) (وسلّم على قصر الشّراجب عَن فَتى ... لَهُ أبدا شوق إِلَى ذَلِك الْقصر) (منَازِل آساد وبيض نواعم ... فناهيك من غيل وناهيك من خدر) (وَكم لَيْلَة قد بتّ أنعم جنحها ... بمخصبة الأرداف مُجْدِبَة الخصر) (وبيض وَسمر فاعلات بمهجتي ... فعال الصّفاح الْبيض والأسل السّمر) (لَيَال بسدّ النَّهر لهواً قطعتها ... بِذَات سوار مثل منعطف الْبَدْر) (نضت بردهَا عَن غُصْن بَان منعّم ... نضير كَمَا انْشَقَّ الكمام عَن الزهر) واتصل بالمعتمد فِي بعض سفاراته عَنهُ إِلَى جليقية أَن الطاغية أذفونش ثقفه هُنَالك ثمَّ ورد الْخَبَر بعد بضدّ ذَلِك فَلَمَّا قدم ابْن عمار كتب إِلَيْهِ الْمُعْتَمد (لما نأيت نأى الْكرَى عَن ناظري ... وصرفته لما انصرفت عَلَيْهِ) (طلب البشير بِشَارَة يحظى بهَا ... فَوهبت قلبِي واعتذرت إِلَيْهِ) إِلَى غير مَا أوردت من الدَّلَائِل على لطف الْمنزلَة وَتمكن الحظوة وتضاعف الأثرة وَحب الرِّئَاسَة فِي رَأسه يَدُور إِلَى أَن نفذ بمصرعه على يَدَيْهِ الْمَقْدُور وَمن بديع صَنِيع ابْن عمار إِتْلَاف أشعاره المقولة فِي الامتياح وقصائده

стр. 435

٩٤ - ب المصوغة فِي الانتجاع ومحو آثارها فَمَا يُوقف مِنْهَا الْيَوْم على شَيْء سوى أمداحه فِي المعتضد عباد وَمَا لَا اعْتِبَار بِهِ لنزوره وَقد ألّف أَبُو الطَّاهِر مُحَمَّد بن يُوسُف التَّمِيمِي شعره ورتبه على حُرُوف المعجم وَلَا شكّ أَنه بحث عَنهُ فِي مظانّه واستفرغ جهده فِي جمعه فَلم يَقع لَهُ على غير تقريظ المعتضد وَأرى ذَلِك خدمَة مِنْهُ لِابْنِهِ الْمُعْتَمد وَكَانَ ابْن عمار شَاعِر الأندلس غير مدافع وَلَا مُنَازع إِلَّا أَن مساوئ أَفعاله ذهبت بمحاسن أَقْوَاله أدمن الْخمر وهوّن على نَفسه الْغدر فأداه ذَلِك إِلَى رداه وَكَانَ كَالَّذي نفخ فوه وأوكت يَدَاهُ قَالَ ابْن بسام وَلما خبط أَبُو بكر بن عمار سمُرَات مُلُوك الأندلس بعصاه وَتردد ينتجعهم بمكائده ورقاه وَإِنَّمَا كَانَ يطْلب سُلْطَانا ينثر فِي يَده سلكه وملكاً يخلع على نَفسه ملكه جعل أَبَا عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر موقع همّه وَوجه أمّه وَلما ألْقى الْمُعْتَمد لِابْنِ عمار مَا بِيَدِهِ بَعثه على حَرْب ابْن طَاهِر بغاء لنَفسِهِ وَبِنَاء على أسّه فأقبله وُجُوه الْجِيَاد وَأخذ عَلَيْهِ بالثغور والأسداد حَتَّى فتّ فِي عضده وانتزع سُلْطَانه من يَده وَلما قَالَ عزمه وَفعل وَقَامَ وزن أمره واعتدل مد يَده وبسطها وَكفر نعْمَة ابْن عباد وغمطها وانتزى لَهُ من

стр. 436

حِينه على مرسية وَقعد بهَا مقْعد الرؤساء وخاطب سُلْطَانه مُخَاطبَة الْأَكفاء مستظهراً على ذَلِك بجر الأذيال وإفساد قُلُوب الرِّجَال مُعْتَقدًا أَن الرِّئَاسَة كأس يشْربهَا وملاءة مجون يسحبها فقيض لَهُ يَوْمئِذٍ من عبد الرَّحْمَن بن رَشِيق عدوّ فِي ثِيَاب صديق من رجل مدره ختر وجذيل خديعة ومكر فَلم يزل يطلع عَلَيْهِ من الثنايا والشّعاب حَتَّى أخرجه من مرسية لَا كالشهاب قَالَ فَصَارَ ابْن عمار مَعَ ابْن رَشِيق تَحت الْمثل أنفقت مَالِي وحجّ الْجمل وَقد تقدم ذكر السَّبَب فِي اعتقال الرشيد بن الْمُعْتَمد وحصوله مَعَ ابْن عمار بأيدي الرّوم وانهزام عسكره المحاصر لمرسية قَالَ ابْن بسام وَفِي أثْنَاء تِلْكَ الْحَال الَّتِي أفضت بالرشيد إِلَى الاعتقال كتب يَعْنِي ابْن عمار إِلَى الْمُعْتَمد بِهَذِهِ الأبيات (أصدّق ظَنِّي أم أصيخ إِلَى صحبي ... وأقضي غريمي أم أَعْوَج مَعَ الركب) (إِذا انقدت فِي رَأْيِي مشيت مَعَ الْهوى ... وَإِن أتعقبه نكصت على عَقبي) (وَإِنِّي لتثنيني إِلَيْك مَوَدَّة ... يغيّرها مَا قد تعرّض من ذَنبي)

стр. 437

(فَمَا أغرب الْأَيَّام فِيمَا قَضَت بِهِ ... تريني بعدِي عَنْك آنس من قربي) (أخافك للحق الَّذِي لَك فِي دمي ... وأرجوك للحب الَّذِي لَك فِي قلبِي) قَالَ وَهَذَا الْبَيْت على سهولة مبناه من أحسن مَا قيل فِي مَعْنَاهُ وبمثله فلتخدع الْأَلْبَاب وتستعطف الْأَعْدَاء للأحباب إِلَّا أَن المصراع الأول كَأَنَّهُ شَيْء تكهّنه من شانه وطيرة أَلْقَاهَا الله على لِسَانه وَصدق كَانَ لَهُ فِي عُنُقه ربق وَفِي دَمه حق حَتَّى احتال لَهُ فناله والمرء يعجز لَا المحالة وفيهَا يَقُول (وَكم قد فرت يمناك بِي من ضريبة ... وَلَا غرو يَوْمًا أَن يفلّل من غربي) (وَأعلم أَن الْعَفو مِنْك سجية ... فَلم يبْق إِلَّا أَن تخفّف من عتبي) (ولي حَسَنَات لَو أمتّ بِبَعْضِهَا ... إِلَى الدَّهْر لم يرتع لنائبة سربي) فَأَجَابَهُ الْمُعْتَمد بقوله (تقدم إِلَى مَا اعْتدت عِنْدِي من الرحب ... ورد تلقك العتبى حِجَابا عَن العتب) (مَتى تلقني تلق الَّذِي قد بلوته ... صفوحاً عَن الْجَانِي رؤوفاً عَن الصحب) (سأوليك مني مَا عهِدت من الرِّضَا ... وأصفح عَمَّا كَانَ إِن كَانَ من ذَنْب) (فَمَا أشعر الرَّحْمَن قلبِي قسوة ... وَلَا صَار نِسْيَان الأذمّة من شعبي) (تكلّفته أبغي بِهِ لَك سلوةً ... وَكَيف يعاني الشّعْر مُشْتَرك اللب) فَلم يزده جواد حواب الْمُعْتَمد إِلَّا توحشاً ونفاراً وتوقفاً عَن اللحاق بِهِ وازوراراً هَذَا مَا أورد ابْن بسام من خبر ابْن عمار فِي هَذِه الْقَضِيَّة وَابْن قَاسم الشّلبي فِي تَارِيخه الْمَجْمُوع فِي أَخْبَار الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد أمتن علما بهَا وَأحسن سرداً لَهَا وَقد مضى من ذَلِك وَيَأْتِي مَا يَصح بِهِ قولي إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 438

وَأما أَبُو الطَّاهِر التَّمِيمِي فَحكى أَن ابْن عمار كتب إِلَى الْمُعْتَمد بِحَال أوجبت إيحاشاً (أصدّق ظَنِّي أم أصيخ إِلَى صحبي ... ) الأبيات الْمُتَقَدّمَة إِلَى آخرهَا وَزَاد فِيهَا بَيْتا وَهُوَ (وَلَا بُد مَا بيني وَبَيْنك من نَثَا ... يطبّقها مَا بَين شَرق إِلَى غرب) وَأورد جَوَاب الْمُعْتَمد عَنْهَا كَمَا تقدم ثمَّ قَالَ بعقب ذَلِك وَقَالَ أَيْضا وَكتب بهَا إِلَيْهِ يَعْنِي الْمُعْتَمد وَقد ارْتهن زعيم برشلونة ابْنه الرشيد لمَال توقّف لَهُ عَنهُ وَظن بِابْن عمار فِي ذَلِك سعي قَالَ وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة (أأركب قصدي أَو أَعْوَج مَعَ الركب ... فقد صرت من أَمْرِي على مركب صَعب) (وأصبحت لَا أَدْرِي أَفِي الْبعد راحتي ... فأجعله حظي أم الْخَيْر فِي الْقرب) (على أنني أَدْرِي بأنك مُؤثر ... على كل حَال مَا يزحزح من كربي) (أيظلم فِي عَيْني كَذَا قمر الدجى ... وتنبو بكفي شفرة الصارم العضب) (حنانيك فِيمَن أَنْت شَاهد جده ... وَلَيْسَ لَهُ حاشا انتصاحك من حسب) (وَمَا جِئْت شَيْئا فِيهِ بغى بطالب ... يُضَاف بِهِ رَأْيِي إِلَى الضعْف والخب)

стр. 439

سوى أنني أسلمتني لملمة فللت بهَا حدي وكسّرت من غربي أما إِنَّه لَوْلَا عوارفك الَّتِي جرت فِي جري المَاء فِي الْغُصْن الرطب لما سمت نَفسِي مَا أسوم من الْأَذَى وَلَا قلت إِن الذَّنب فِي مَا جرى ذَنبي سأستمنح الرحمى لديك ضراعة وأسأل سقيا من تجاوزك العذب وَإِن نفحتني من سمائك وحرجف سأهتف يَا برد النسيم على قلبِي فَأَجَابَهُ الْمُعْتَمد لديّ لَك العتبى تزاح عَن العتب وسعيك عِنْدِي لَا يُضَاف إِلَى ذَنْب وأعزز علينا أَن تصيبك وَحْشَة وأنسك مَا تدريه فِيك من الْحبّ فدع عَنْك سوء الظنّ بِي وتعدّه إِلَى غَيره فَهُوَ الممكّن فِي الْقلب قريضك قد أبدى توحّش جَانب فجاوبت تأنيساً وعلمك بِي حسبي تكلّفته أبغي بِهِ لَك سلوة وَكَيف يعاني الشّعْر مُشْتَرك اللب هَكَذَا أَتَى بالقطعتين وجوابهما على نسق وَترْجم فِي الثَّانِيَة بالتفرقة بَينهمَا وَبَين الأولى فَخَالف ابْن قَاسم وَابْن بسام كَمَا ترى وَيحْتَمل أَن تَكُونَا فِي قصَّة وَاحِدَة قَالَ أَبُو الطَّاهِر وَقد كَانَ خَاطب أَبَا الْوَلِيد بن زيدون فِي أول تعلقه يَعْنِي بالسطان بِأَبْيَات استعاد بَعْضهَا فِي هَذِه الْقطعَة وَهِي

стр. 440

(تَأَمَّلت مِنْك الْبَدْر فِي لَيْلَة الْخطب ... ونلت لديك الخصب فِي زمن الجدب) (وجرّدت من محروس جاهك مرهفاً ... تولّت بِهِ خيل الْحَوَادِث عَن حَرْبِيّ) (وَمَا زلت من نعماك فِي ظلّ لَذَّة ... تذكّرني أَيَّامهَا زمن الْحبّ) (إِذْ الْعَيْش فِي أفياء ظلك بَارِد ... فَمن مرتع خصب إِلَى مورد عذب) (أحين سقى صوب اعتنائك ساحتي ... فنعّمها واهتزّ روضي فِي تربي) (ثنيت لعطف قد ثنيت مدائحي ... عَلَيْهِ وسرب قد بدلت بِهِ سربي) (أما إِنَّه لَوْلَا عوارفك الَّتِي ... جرت فِي جري المَاء فِي الْغُصْن الرطب) (لما ذدت طير الودّ عَن شجر القلى ... وَلَا صنت وَجه الْحَمد عَن كلف العتب) (وَلَكِن سأكني بِالْوَفَاءِ عَن الجفا ... وأرضى ببعد بعد مَا كَانَ من قرب) (وَإِن لفحتني من سمائك حرجف ... سأهتف يَا برد النسيم على قلبِي) (وَإِنِّي إِذا قلدت جاهك مطلبي ... وأخفقت فِيهِ قلت يَا زمني حسبي) (أيظلم فِي عَيْني كَذَا قمر الدجى ... وتنبو بكفي شفرة الصارم العضب) وَهَذَا أَيْضا مِمَّا نبّهت عَلَيْهِ قبل وعَلى وُقُوعه نَادرا حَتَّى لَا تعتل صِحَة المحكي عَنهُ من ضيَاع منظوماته فِي الانتجاع على أَن حكم العتاب خَارج عَن هَذَا الْبَاب وَأما قصائده الشهيرة فِي الْمُعْتَمد وبنيه فلتوفيه حق الاصطناع وتعفيه مَا أوقعه فِي الارتياع وَدفعه إِلَى الاستعطاف والاستشفاع وَإِن أطلت ٩٦ ب بِحَسب الِاضْطِرَار الْكَلَام واستسهلت فِي دَعْوَى الِاخْتِصَار الملام فلغرابة هَذِه الْأَخْبَار وبراعة مَا يتخللها من الْأَشْعَار

стр. 441

ونعود إِلَى خبر ابْن رَشِيق مَعَ ابْن عمار وَمَا آل إِلَيْهِ أمره بعد ذَلِك ذكر أَبُو بكر مُحَمَّد بن يُوسُف بن قَاسم الشلبي مَا تلخيصه وإيجازه مَعَ زيادات تخيرتها وَبَعضه على الْمَعْنى دون اللَّفْظ أَن ابْن رَشِيق لما قرئَ كِتَابه المتضمن دُخُوله مرسية بإشبيلية ارْتَاحَ ابْن عمار وأعمل نظره فِي اللحاق بهَا وَأَشَارَ على الْمُعْتَمد بذلك فَمَا خَالفه فواقاً فَلم يتْرك ابْن عمار بإشبيلية فِي ملك سُلْطَانه وَلَا ملك أحد من معارفه فرسا عتيقاً وَلَا مَطِيَّة وَلَا زاملةً إِلَّا استخرج ذَلِك من أَيْديهم رَغْبَة وَرَهْبَة حَتَّى لاجتمع لَهُ مائَة جنيبة وَمِائَة زاملة وأحضر لَهُ التُّجَّار مَا بِأَيْدِيهِم على اخْتِلَاف بضائعهم من الديباج والخز إِلَى مَا دون ذَلِك من نَفِيس الكسا ليعمّ بذلك أهل مرسية على قدر مَنَازِلهمْ عِنْده وَلم يخف عَن ابْن عباد وَجه مُرَاده فَلَمَّا سلم عَلَيْهِ مودعاً قَالَ لَهُ سر إِلَى خيرة الله وَلَا تظن أَنِّي مخدوع فَقَالَ لست بمخدوع وَلَكِنَّك مُضْطَر فحلم عَنهُ وَخرج من إشبيلية على بَاب مقرانة وَأقَام بظاهرها أَرْبَعَة أَيَّام يَسْتَوْفِي أغراضه ثمَّ رفع ألويته وقرع طبوله وَسَار لَا يمر بِبَلَد من أَعمال ابْن عباد إِلَّا استخرج مِنْهُ كل ذخيرة حَتَّى وصل إِلَى مرسية فَدَخلَهَا فِي يَوْم مَشْهُور وَابْن رَشِيق بَين يَدَيْهِ قد برز لَهُ وَخرج يزفه إِلَى الْقصر وَجلسَ فِي الْيَوْم الثَّانِي مجْلِس التهنئة للخواص والعوام فسجعت الشُّعَرَاء بأمداحه وَقد تزييّ بزيّ

стр. 442

ابْن عباد فِي حمل الطّويلة على رَأسه وَحَكَاهُ فِي التَّعْبِير وَكتب ينفذ هَذَا إِن شَاءَ الله فِي أَسْفَل قرطاسه وتحتّم فِي كلتا يَدَيْهِ وبلغه أَن ابْن عبد الْعَزِيز عَابَ ذَلِك عَلَيْهِ فَكتب إِلَيْهِ (قل للوزير وَلَيْسَ رَأْي وَزِير ... أَن يتبع التنزير بالتندير) (إِن الوزارة لَو سلكت سَبِيلهَا ... وقف على التعزيز والتوقير) (وَأرى الفكاهة جلّ مَا تَأتي بِهِ ... رحماك فِي التَّعْجِيز والتصدير) (وصلت دعابتك الَّتِي أَهْدَيْتهَا ... فِي خَاتم التَّأْمِين والتأمير) (وأظنها للطاهريّ فَإِن تكن ... فخليقة التَّقْدِيس والتطهير) (وَلَعَلَّ يَوْمًا أَن يصيّر نَعته ... فِي طِينَة التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير) (وَترى بلنسية وَأَنت قدارها ... سينالها التّدمير من تدمير)

стр. 443

وَحكى غَيره أَن ابْن طَاهِر هُوَ الَّذِي غمز على رَسُول ابْن عمار الْمعلم بخاتميه وَأَنه نسب أَحدهمَا للمؤتمن بن هود وَالثَّانِي لأذفونش بن فردلند وَترْجم أَبُو الطَّاهِر التَّمِيمِي على هَذِه الْقطعَة فِي مَجْمُوعَة من شعر ابْن عمار قَالَ وَله للوزير الْأَجَل أبي بكر بن عبد الْعَزِيز وَقد ندّر فِيهِ حِين بلغه أَن أذفونش ملك الرّوم أعطَاهُ خَاتمًا عِنْد اجتماعه بِهِ ولياذه فِرَارًا من الوحشة الْوَاقِعَة بَينه وَبَين ابْن عباد وتخوفاً مِنْهُ فَقَالَ أخاتم التأمير أم خَاتم التَّأْمِين فَقَالَ ابْن عمار واعتقد إنفاذها إِلَيْهِ وَذكر الأبيات وَزَاد فِي آخرهَا (فرسا رهان أَنْتُمَا فتجاريا ... لنقول فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير) قَالَ ابْن بسام وَاسْتعْمل ابْن عمار خساس عبيده على الْحُصُون وأقطعهم الضّيَاع وَأعْرض عَن النصيح وَأَقْبل على الغبوق والصّبوح وَابْن رَشِيق فِي خلال ذَلِك يسْتَبْدل أُولَئِكَ الأوباش ببني أخوته وأخواته وَكَانُوا جمَاعَة حَتَّى إِذا صَارَت عَن آخرهَا فِي ضَبطه وَعلم أَن أَمر ابْن عمار قد نقل لِابْنِ عباد

стр. 444

قطع عَنهُ تِلْكَ الْموَاد وأغرى الأجناد بِطَلَب أَرْزَاقهم مِنْهُ فأيقظته الضَّرُورَة من سنة البطالة وَفِي مُدَّة إقباله على سفاهته كَانَ ابْن عباد يستلطفه بأعيان الْأَصْحَاب فيذكّرونه بالأذمّة ويوعدونه على وجاهر بِهِ وَكتب إِلَيْهِ الْمُعْتَمد (تغيّر لي فِيمَن تغير حَارِث ... وَرب خَلِيل غيرته الْحَوَادِث) (أحارث إِن شوركت فِيك فطالما ... نعمنا وَمَا بيني وَبَيْنك ثَالِث) فجاوبه ابْن عمار (لَك الْمثل الْأَعْلَى وَمَا أَنا حَارِث ... وَلَا أَنا مِمَّن غيرته الْحَوَادِث) (وَلَا شاركتك الشَّمْس فيّ وَإنَّهُ ... لينأى بحظي مِنْك ثَان وثالث) (فديتك مَا للبشر لم يسر برقه ... وَلَا نفحت تِلْكَ السجايا الدمائث) (أَظن الَّذِي بيني وَبَيْنك أذهبت ... حلاوته عني الرِّجَال الأخابث) (تنكّرت لَا أَنِّي لفضلك ناكر ... لديّ وَلَا أَنِّي لعهدك ناكث) (وَلَكِن ظنون ساعدتها نمائم ... كَمَا ساعدت صَوت المثاني المثالث) (أبعد انقضا خمس وَعشْرين حجَّة ... تجافت لنا عَنْهَا الخطوب الكوارث) (مَضَت لم ترب مني أُمُور شوائب ... وَلَا تليت عني مساع خبائث)

стр. 445

(حللت يدا بِي هَكَذَا وتركتني ... نهاباً وللأيام أيد عوابث) (وَهل أَنا إِلَّا عبد طَاعَتك الَّتِي ... إِذا مت عَنْهَا قَامَ بعدِي وَارِث) (أعد نظرا لَا توهن الرَّأْي إِنَّه ... قَدِيما كبا هاف وَأدْركَ رائث) (ستذكرني إِن بَان حبلي وأصبحت ... تَئِنُّ بكفيك الحبال الرثائث) (وتطلبني إِن غَابَ للرأي حَاضر ... وَقد غَابَ مني للخواطر باعث) (أعوذ بِعَهْد نطته بك أَن ترى ... تحل عراه العاقدات النوافث) وَذكر ابْن بسام هَذَا الشّعْر بعد أَن قَالَ وأفضت الْحَال بالرشيد إِلَى الاعتقال بأيدي نَصَارَى الإفرنجة فِي جملَة من المَال كَانُوا أَكْثرُوا بهَا فَحَسبُوا الرشيد بِسَبَبِهَا إِلَى أَن افتكّه أَبوهُ الْمُعْتَمد فِي خبر طَوِيل وَابْن عمار صَاحب ذَلِك الرحيل والملوم فِي الْمَعْلُوم من أمره والمجهول وَفَسَاد حَاله عِنْد الْمُعْتَمد يتزايد وتدابره يتساند وَفِي أثْنَاء مَا وَقع من تَدْبِير تِلْكَ الْأُمُور ونجوم ذَلِك الاستيحاش والتغيير خاطبه الْمُعْتَمد عاتباً متمثلاً بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ وَقد كَانَ خرج عَنهُ وأوردهما وَجَوَاب ابْن عمار إِلَى آخِره

стр. 446

قَالَ ابْن قَاسم فَكَانَ لَا ينثني عَن هَوَاهُ وَلَا يزلّ عَن مرقاة حَتَّى قَالَ لَهُ من كَانَ يعصيه من نصّاحه تعرف الْحصن الْفُلَانِيّ قَالَ نعم أَلَيْسَ صَاحبه فلَان من عَبِيدِي فَيَقُول لَهُ لَا وَالله مَا فِيهِ إِلَّا فلَان ابْن أخي ابْن رَشِيق أَو ابْن أُخْته وَجعل يعدد لَهُ المعاقل وَيذكر خُرُوجهَا من أَيدي ثقاته وَرِجَاله فَسقط فِي يَده وفر على وَجهه من مرسية إِلَى جليقية لاحقاً بأذفونش بن فردلند وشاكياً إِلَيْهِ غدر ابْن رَشِيق رَجَاء إعدائه عَلَيْهِ لم يذكر ابْن قَاسم مروره ببلنسّية فِي خُرُوجه من مرسية وَهُوَ صَحِيح وَفِي ذَلِك يَقُول يُخَاطب ابْن عبد الْعَزِيز صَاحبهَا وَقد أخرج إِلَى لِقَائِه رجلا استجهله (تناهيتم فِي برنا لَو سمحتم ... بِوَجْه صديق فِي اللِّقَاء وسيم) (وسلسلتم رَاح البشاشة بَيْننَا ... لَو أَنكُمْ ساعدتم بنديم) (سألتمس الْعذر الْجَمِيل عَن الْعلَا ... وأحتال للفضل احتيال كريم) (وأثني على روض الطلاقة بالجني ... وَإِن لم أفز من نشره بنسيم)

стр. 447

(بخلتم بأعيان الرِّجَال على النَّوَى ... فَلم تصلونا مِنْهُم بزعيم) (وَلَكِن سأستعدي الْوَفَاء وأقتضي ... سماحك بالأنس اقْتِضَاء غَرِيم) وَحكى ابْن بسام فِي أَخْبَار ابْن عمار من تأليفه أَنه قَالَ هَذَا الشّعْر فِي بعض رسالاته عَن الْمُعْتَمد واجتيازه ببلنسية لَا عِنْد فراره من مرسية قَالَ ابْن الْقَاسِم وَقد كَانَ ابْن رَشِيق قدّم الحزم فاستمال أذفونش بألطافه وهداياه وغيّره على ابْن عمار فَانْصَرف خائباً وَيُقَال إِنَّه قَالَ لَهُ بِلِسَانِهِ يَا ابْن عمار مثلك مثل السَّارِق سرق السّرقَة فضيّعها حَتَّى سرقت مِنْهُ وَعند ذَلِك عدل إِلَى سرقسطة بِظَاهِر الْخدمَة لواليها المؤتمن أبي عمر يُوسُف بن المقتدر بن هود والنيابة عَنهُ بالوزارة فَأمر لَهُ بدار تحمله وَمن مَعَه وأدرّ عَلَيْهِ من الإجراء مَا وسعهم ووسعه وتجافى عَنهُ مَعَ ذَلِك فَأَقَامَ على البطالة مُقبلا وَفِي ذَلِك يَقُول وَقد عذل عَن الإدمان (نقمتم عليّ الراح أدمن شربهَا ... وقلتم فَتى لَهو وَلَيْسَ فَتى مجد) (وَمن ذَا الَّذِي قاد الْجِيَاد إِلَى الوغى ... سواي وَمن أعْطى كثيرا وَلم يكد) (فديتكم لم تفهموا السرّ إِنَّمَا ... قليتكم جهدي فأبعدتكم جهدي) وَحكى غَيره أَنه سئم تِلْكَ الْحَالة فَرَحل إِلَى صَاحب لاردة المظفر حسام الدولة أبي عمر يُوسُف بن سُلَيْمَان المستعين وَكَانَ أكبر أَوْلَاده وَالَّذِي يحادّ المقتدر لما كَانَ عَلَيْهِ من الشجَاعَة وَالْأَدب الْمفضل بِهِ على أهل بَيته فَأكْرمه

стр. 448

وأنزله ثمَّ وكرّ عَائِدًا إِلَى سرقسطة وبلاردة قَالَ قصيدته الفريدة الَّتِي أَولهَا (عليّ وَإِلَّا مَا بكاء الغمائم ... وفيّ وَإِلَّا مَا نياح الحمائم) وأنفذها إِلَى الْمُعْتَمد وَهِي تنيف على تسعين بَيْتا مر لَهُ فِيهَا إِحْسَان كثير وَمن فَاحش الْغَلَط قَول ابْن بسام أَن ابْن عمار قَالَ هَذِه القصيدة لما خَافَ من المعتضد لغلبته على ابْنه الْمُعْتَمد ففر من إشبيلية وَلحق بشرق الأندلس وَتمكن من المؤتمن بن هود قَالَ وَمن هُنَالك خاطبه بهَا فَلَمَّا قرعت سمع الْمُعْتَمد وجّه عَن ابْن عمار على التَّرْغِيب والتمكين واستوزره عدَّة سِنِين إِلَى الْمِيقَات الْمَضْرُوب وَالْأَجَل الْمَكْتُوب حكى ذَلِك فِي كتاب الذَّخِيرَة وَفِي أَخْبَار ابْن عمار من تأليفه وَلَا أَدْرِي كَيفَ غَابَ عَنهُ أَن مَا ادَّعَاهُ لوصح كَانَ قبل السِّتين أَو الْخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَولَايَة المؤتمن فِي جمادي الأول سنة أَربع وَسبعين وَلقَائِل أَن يَقُول لَعَلَّ ابْن عمار صَحبه فِي حَيَاة أَبِيه المقتدر وَهُوَ إِذْ ذَاك مرشح لمكانه فَيلْزمهُ أَن يَأْتِي على مقاله بِمَا يؤمنّه من إِبْطَاله والمتعارف أَن ابْن عمار لم يصحب المؤتمن بسرقسطة إِلَّا عِنْد فراره من مرسية فغلط ابْن بسام لَا خَفَاء بِهِ وَلَا امتراء فِيهِ قَالَ ابْن قَاسم وَاتفقَ أَن انتزى عَام لِابْنِ هود يَعْنِي المؤتمن

стр. 449

فِي معقل منيع من أَعماله وَكَانَت بَينه وَبَين ابْن عمار معرفَة فضمن لَهُ استنزاله وَسَار إِلَيْهِ فَلَمَّا نزل بساحته تشوّف ذَلِك الْعَامِل إِلَى برّه وَلم ير بَأْسا فِي إرقائه إِلَى قَصَبَة حصنه فِي رجلَيْنِ من جملَته فأوعز ابْن عمار إِلَى الصاعدين مَعَه أَن صبا سيفكما عَلَيْهِ إِذا رأيتماني أماشيه ويدي فِي يَده وَلَو قتلتماني وإياه ففعلا ذَلِك وفر أَصْحَابه عِنْد قَتله وألقوا بِأَيْدِيهِم إِلَى ابْن عمار متطارحين عَلَيْهِ ومستشفعين بِهِ إِلَى المؤتمن فضمن لَهُم تأمينه إيَّاهُم وصفحه عَن جنايتهم وخاطبه بذلك فورد جَوَابه بإمضاء مَا ألتزمه عَنهُ من الإغضاء ولطف محلّه عِنْده واستأنف الاعتناء بشؤونه فخاطب الْمُعْتَمد فِي تَسْرِيح عِيَاله وأبنائه الَّذين بإشبيلية فَلم يبعد لَهُ عَن الْإِسْعَاف على أَنه كتب فِي أثْنَاء مُرَاجعَته يحذرهُ مِنْهُ (وَالشَّيْخ لَا يتْرك أخلاقه ... حَتَّى يواري فِي ثرى رمسه) (إِذا ارعوى عَاد إِلَى ضِدّه ... كذى الضّنى عَاد إِلَى نكسه) قَالَ وَكَانَ إقبال الدولة عليّ بن مُجَاهِد صَاحب دانية قبل غَلَبَة ابْن هود عَلَيْهِ يَعْنِي المقتدر وَذَلِكَ فِي شعْبَان من سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة قد اسْتعْمل ابْنه سراج الدولة على معقل شقورة فَلَمَّا استولى المقتدر على دانية وَاحْتمل أَبَاهُ إِلَى سرقسطة انْفَرد هُوَ بشقورة وضبطها ثمَّ مَاتَ حتف أَنفه وَخلف على حرمه وَولده فِي قصبتها عَبْدَيْنِ أَبوهُمَا عبد لِأَبِيهِ من سبى سردانية هما إِبْرَاهِيم وَعبد الْجَبَّار ابْنا سُهَيْل فرأيا أَنَّهُمَا لَا يستقلان بضبط المعقل فَجعلَا يساومان بِهِ الرؤساء المحيطين بهما حَتَّى وصلت إشارتهما إِلَى المؤتمن بن هود فللذي اتّفق لِابْنِ عمار قبل مَعَ عَامل المؤتمن المنتزى عَلَيْهِ

стр. 450

سَوَّلت لَهُ نَفسه الخائنة إِعْمَال تِلْكَ الْحِيلَة فِي ابْني سُهَيْل أَو استنزالهما بالإرغاب فِي الثّمن فضمن لِابْنِ هود أَمرهمَا وَطلب مِنْهُ تَجْهِيزه فِي عَسْكَر يَسْتَعِين بِهِ على محاولته فأسعفه وَلما وصل إِلَى حضيض شقورة لم يقدّم شَيْئا على الصعُود إِلَيْهِمَا مَعَ صَاحِبيهِ الملازمين لَهُ وهما جَابر وهاد اللَّذَان يَقُول فيهمَا من كلمة لَهُ (عطّلت من حلي الرّكاب جيادي ... وسلبت أَعْنَاق الرِّجَال صعادي) (فَإِذا كسرت فثمّ خدن جَابر ... وَإِذا ضللت فثم آخر هاد) كَذَا أنْشد ابْن قَاسم وَلَا يعرف هَذَا الْبَيْت فِي قصيدته وَهِي شهيرة جليلة يُرَاجع بهَا أَبَا عِيسَى بن لبّون أَو أَخَاهُ أَبَا مُحَمَّد وَالْبَيْت الأول يرويهِ أَبُو الطَّاهِر التَّمِيمِي (عطّلت من حلي السُّرُوج جيادي ... وسلبت أَعْنَاق الْمطِي صعادي) قَالَ وَلما انْتهى ابْن عمار من مصعدها إِلَى درج لَا يتخطاه الصاعد حَتَّى يجذب بضبعه تقدم هُوَ فَرفع بِالْأَيْدِي وأشير على صَاحِبيهِ فولّيا منحدرين وَاحْتمل هُوَ إِلَى ذرْوَة القصبة فَشد وثَاقه وَانْصَرف عَسْكَر سرقسطة وَكَانَ ابْن عمار قد أحقد هذَيْن الْعَبْدَيْنِ حِين كتب أَيَّام رئاسته بمرسية إِلَيْهِمَا بِشعر أَوله (شمخت بكم فشمختم الأجبال ... تستنزل الْأَفْعَال) وَبعد قبضهما عَلَيْهِ طلبا بَيْعه من رُؤَسَاء الأندلس فتثاقلوا جَمِيعًا عَن ذَلِك وخفّ ابْن عباد إِلَيْهِ فأنفذ نَحْوهمَا بِكُل مَا سألاه ابْنه يزِيد الْمُسَمّى بالراضي فَنزلَا على حكمه وأسلماها إِلَيْهِ وإياه إِلَيْهِ فقدّم على الْحصن وَانْصَرف إِلَى أَبِيه

стр. 451

الْمُعْتَمد وَهُوَ بقرطبة وَابْن عمار بَين يَدَيْهِ مُقَيّد بَين عدلي تبن على هجن زوامل الْعَسْكَر وميل بِهِ إِلَى سجن قد أعد لَهُ وَعند قدوم الراضي شقورة لتسلمه كتب إِلَيْهِ (قَالُوا أَتَى الراضي فَقلت لَعَلَّهَا ... خلعت عَلَيْهِ من صِفَات أَبِيه) (فال جرى فَعَسَى الْمُؤَيد واهباً ... لي من رِضَاهُ وَمن أَمَان أَخِيه) (قَالُوا نعم فَوضعت خدي فِي الثرى ... شكرا لَهُ وتيمّناً ببنيه) (يَا أَيهَا الراضي وَإِن لم تلقني ... من صفحة الراضي بِمَا أدريه) (هبك احْتَجَبت لوجه عذر بيّن ... بذل الشَّفَاعَة أيّ عذر فِيهِ) (سهل على يدك الْكَرِيمَة أحرفاً ... فِي من أسرت فتنثني تفديه) وَلما قَارب قرطبة قَالَ يُخَاطب الْمَأْمُون الْفَتْح بن الْمُعْتَمد مستشفعاً بِهِ (هلا سَأَلت شَفَاعَة الْمَأْمُون ... أَو قلت مَا فِي نَفسه يَكْفِينِي) (مَا ضرّ لَو نبّهته بِتَحِيَّة ... يسري النسيم بهَا على دارين) يَقُول فِيهَا (بيد من الْمَأْمُون أوثق عصمَة ... لَو أَن أَمْرِي فِي يَد الْمَأْمُون)

стр. 452

(أَمْرِي إِلَى ملك إِلَيْهِ أمره ... وَكَفاهُ من فَوق كَفاهُ وَدون) (يَا فتح جرّدها عناية فَارس ... درب على نصر الوليّ أَمِين) (واقرن شفاعتك الْكَرِيمَة عِنْده ... بتواضع عَن عزة لَا هون) (فِي شكة من هَيْبَة وسكينة ... وبضجة من رَحْمَة وحنين) (يَا فتح إِن نازلته مستنزلاً ... فاهنأ بِفَتْح من رِضَاهُ مُبين) (وليخلصنّ إِلَيْك من أنفاله ... علق يشد عَلَيْهِ كفّ ضنين) وَكتب إِلَى الرشيد بن الْمُعْتَمد يستشفع بِهِ (قل لبرق الْغَمَام ظَاهر بريدي ... قَاصِدا بِالسَّلَامِ قصر الرشيد) (فتقلّب فِي جوّه كفؤادي ... وتناثر فِي صحنه كالفريد)

стр. 453

(وانتحب فِي صلاصل الرَّعْد تحكي ... ضجّتي فِي سلاسلي وقيودي) (فَإِذا مَا اجتلاك أَو قَالَ مَاذَا ... قلت إِنِّي رَسُول بعض العبيد) (بعض من أبعدته عَنْك اللَّيَالِي ... فاجتني طَاعَة الْمُحب الْبعيد) ثمَّ قَالَ يُخَاطب الْمُعْتَمد وَهُوَ بقرطبة (سجاياك إِن عافيت أندى وأسمح ... وعذرك إِن عَاقَبت أجلى وأوضح) (وَإِن كَانَ بَين الخطّتين مزية ... فَأَنت إِلَى الْأَدْنَى من الله أجنح) (حنانيك فِي أخذي بِرَأْيِك لَا تُطِع ... وشاتي وَلَو أثنوا عليّ وأفصحوا ... وإنّ رجائي أنّ عنْدك غير مَا ... يَخُوض عدوي الْيَوْم فِيهِ ويمرح) (وَلم لَا وَقد أسلفت ودّاً وخدمة ... يكرّان فِي ليل الْخَطَايَا فَيُصْبِح) (وهبني قد أعقبت أَعمال مُفسد ... أما تفْسد الْأَعْمَال ثمّت تصلح) (أَقلنِي بِمَا بيني وَبَيْنك من رضَا ... لَهُ نَحْو روح الله بَاب مفتّح) (وعفّ على آثَار جرم جنيته ... بهبّة رحمى مِنْك تمحو وتمصح) (وَلَا تستمع زور الوشاة وإفكهم ... فَكل إِنَاء بِالَّذِي فِيهِ يرشح) (سيأتيك فِي أَمْرِي حَدِيث وَقد أَتَى ... بزور بني عبد الْعَزِيز موشّح) (تخيّلتهم لَا درّ لله درّهم ... أشاروا تجاهي بالشمات وصرحوا)

стр. 454

(وَمَا ذَاك إِلَّا مَا علمت فإنني ... إِذا ثَبت لَا أَنْفك آسو وأجرح) (وَقَالُوا سيجزيه فلَان بِذَنبِهِ ... فَقلت وَقد يعْفُو فلَان ويصفح) (أَلا إِن بطشاً للمؤيد يرتمي ... وَلَكِن عفوا للمؤيد يرجح) (وَبَين ضلوعي من هَوَاهُ تَمِيمَة ... ستنفع لَو أَن الْحمام يجلّح) (وماذا عَسى الْأَعْدَاء أَن يتزيدوا ... سوى أَن ذَنبي ثَابت متصحّح) (نعم لي ذَنْب غير أَن لحلمه ... صفاة يزلّ الذَّنب عَنْهَا فيفصح) (سَلام عَلَيْهِ كَيفَ دَار بِهِ الْهوى ... إليّ فيدنو أَو عليّ فينزح) (ويهنيه إِن متّ السّلوّ فإنني ... أَمُوت وَبِي شوق إِلَيْهِ مبرّح) وكل مَا صدر عَن ابْن عمار فِي نكبته فَمن حرّ كَلَامه وَكفى بِهَذِهِ القصيدة حسن براعة ولطف ضراعة وَقد كَانَ خَاطب الْمُعْتَمد قبل ذَلِك من معتقله بِأَبْيَات مِنْهَا (وَالله مَا أَدْرِي إِذا ... قَالُوا غَدا يَوْم اللِّقَاء) (مَا أقتل الْحَالين لي ... إِن كَانَ خوفي أَو حيائي) فَمَا أصغي إِلَيْهِ وَلَا أُبْقِي عَلَيْهِ وَحكى أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن أَحْمد بن صَاحب الصَّلَاة الْبَاجِيّ عَن بعض الكتّاب أَنه ماشى أَبَا جَعْفَر بن عَطِيَّة الْوَزير فِي صَدره عَن الأندلس

стр. 455

إِلَى مراكش وَقد أحس بالتغير عَلَيْهِ وتمكّن أعدائه مِنْهُ فِي مغيبه وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة قَالَ فرأيته مستوحشاً قلقاً فاستدناني واستنشدني قَول ابْن عمار (سجاياك إِن عافيت أندى وأسجح ... وعذرك إِن عَاقَبت أجلى وأوضح) فَأَنْشَدته القصيدة إِلَى آخرهَا فَلَمَّا أكملتها قَالَ لقد كَانَ ابْن عباد قاسي الْقلب وَقَول ابْن عمار فِيهَا سيأتيك فِي أَمْرِي حَدِيث الْبَيْت أَرَادَ بِهِ الْوَزير الأجلّ أَبَا بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ وَاحِد وقته رفْعَة وجلالة وضدّ ابْن عمار صِيَانة وأصالة فتولّع بانتقاصه وغرى بذمّه فَكَانَ لَا يصدر عَنهُ مجتاز بِهِ إِلَّا أبلغه قدحه وَلَا يرد عَلَيْهِ شَاعِر إِلَّا ألزمهُ ثلبه وَلَا يحضرهُ ضيف إِلَّا أسمعهُ استراحته فِيهِ تعرّض المشروف للشريف حَتَّى لخاطب أهل بلنسية يغريهم بِهِ ويحضهم على الْقيام عَلَيْهِ وَقيل إِنَّمَا قَالَ ذَلِك حِين غدره ابْن عبد الْعَزِيز فِي حصن جملّة من أَعمال مرسية (خبّر بلنسية وَكَانَت جنَّة ... أَن قد تدلّت فِي سَوَاء النَّار) (غدرت وفياًّ بالعهود وقلما ... عثر الوفيّ سعى إِلَى الغدّار) (يَا أَهلهَا من غَائِب أَو حَاضر ... وقطينها من راسخ أَو طَار)

стр. 456

(جازوا بني عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُم ... جرّوا إِلَيْكُم أَسْوَأ الأقدار) يَقُول فِيهَا (جَاءَ الْوَزير بهَا يكشّف ذيله ... عَن سوءة سوءي وعار عَار) (نكث الْيَمين وجار عَن سنَن التقى ... وَقضى على الإقبال بالإدبار) (آوى لينصر من نبا المثوى بِهِ ... ودهاه خذلان من الْأَنْصَار) (مَا كُنْتُم إِلَّا كأمةٍ صَالح ... فرماكم من طَاهِر بقدار) (هَذَا وخصّكم بأشام طَائِر ... وَرمى دِيَاركُمْ بألام جَار) وَفِي هَذِه القصيدة (كَيفَ التفلّت بالخديعة من يَدي ... رجل الْحَقِيقَة من بني عمار) فذيّله الْمُعْتَمد لما اتَّصل بِهِ هَذَا الشّعْر بقوله معرّضاً بِابْن عمار وزارياً عَلَيْهِ (الْأَكْثَرين مسوّداً ومملّكاً ... ومتوجاً فِي سالف الْأَعْصَار) (والمؤثرين على الْعِيَال بزادهم ... والضاربين لهامة الْجَبَّار) (الناهضين من المهود إِلَى الْعلَا ... والمنهضين الْغَار بعد الْغَار) (إِن كوثروا كَانُوا الْحَصَى أوفوخروا ... فَمن الأكاسر من بني الْأَحْرَار) (يُضحي مؤمّلهم يؤمّل سيبه ... ويبيت جارهم عَزِيز الْجَار)

стр. 457

(تبْكي عَلَيْهِم شنّبوس بعبرة ... كأتيّها المتدافع التيار) يَقُول فِيهَا (يَا شمس ذَاك الْقصر كَيفَ تخلّصت ... فِيهِ إِلَيْك طوارق الأقدار) (لما تنلك شعوب حَتَّى جَاوَزت ... غلب الرّقاب وسامي الأسوار) يُرِيد بشمس أمّ ابْن عمار وبشنّبوس قَرْيَة أَوَائِله من نواحي شلب فاهتاج ابْن عمار لذَلِك واستوحش وَبَلغت أَبْيَات الْمُعْتَمد إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز فطار بهَا سُرُورًا وأحدثت لَهُ فِي نَفسه على ابْن عمار مكيدة وَذَلِكَ أَنه دس إِلَى مرسية نبيلاً من يهود الشرق لابس ابْن عمار حَتَّى اطْمَأَن إِلَيْهِ وأحله محلى الرِّوَايَة لأشعاره فِي هجاء ابْن عباد وَمن ذَلِك قَوْله (أَلا حيّ بالغرب حياًّ حَلَالا ... أناخوا جمالاً وحازوا جمالا) (وعرّج بيومين أمّ الْقرى ... ونم فَعَسَى أَن ترَاهَا خيالا)

стр. 458

(لتسأل عَن ساكنيها الرماد ... وَلم تَرَ للنار فِيهَا اشتعالا) وفيهَا إقذاع وَمِنْهَا (سأكشف عرضك شَيْئا فَشَيْئًا ... وأهتك سترك حَالا فحالا) ويومين اسْم قَرْيَة مِنْهَا أوّليّة بني عباد فَلَمَّا حصل الْيَهُودِيّ مِنْهَا وَهِي بِخَط يَده على بغيته طَار بهَا صادراً إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز فطيّرها مدرجة طيّ كِتَابه إِلَى الْمُعْتَمد فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أحنقه على ابْن عمار وأحفظه وَلما أَتَاهُ بِهِ ابْنه يزِيد الراضي أَقَامَ بقرطبة عدَّة لَيَال يحضرهُ فِي كل لَيْلَة مِنْهَا راسفاً فِي قيوده فيقرره على غدره ويوبخه بِفِعْلِهِ ويوقفه على أشعاره المدرجة إِلَيْهِ طيّ كتاب ابْن عبد الْعَزِيز ثمَّ انحدر بِهِ إِلَى إشبيلية فسجنه فِي بَيت خامل من بيُوت الْقصر أَيَّامًا ثمَّ قَتله بِيَدِهِ وَكَانَ أسره بشقورة لست بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وقدوم الراضي بِهِ على قرطبة يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس من رَجَب فِيهَا وَقيل إِن القادمين بِهِ مَعَ الراضي لما سلموه إِلَى الْقصر دعوا ذَلِك الْيَوْم بعد الْعَصْر فِي سلَاح شَاك وتعبئة ظَاهِرَة ليصحبوه إِلَى إشبيلية فأقاموا على ذَلِك إِلَى اللَّيْل ينتظرون تَسْلِيمه إِلَيْهِم ثمَّ لم يرعهم إِلَّا خُرُوج الْمُعْتَمد والشمع بَين يَدَيْهِ وَالْحرم حواليه وَابْن عمار بَينهُنَّ على بغل وَهن يهزأن بِهِ ويتضاحكن مِنْهُ فأعربت حَاله يَوْمئِذٍ بمبادئها عَن سوء الْعَاقِبَة فِيهَا وَورد على الْمُعْتَمد غير مَا خطاب فِيهِ بالشفاعة فسدّ الْبَاب فِي ذَلِك وشدّ صفاده هُنَالك

стр. 459

وَحدث أَبُو بكر المنجم أَن ابْن عمار استدعى سحاءة ودواة فِي اعتقاله بقصر إشبيلية فَبعث الْمُعْتَمد إِلَيْهِ بِزَوْج كاغد فَكتب إِلَيْهِ شعرًا بستعطفه بِهِ فعطف عَلَيْهِ وأحضره ليلته تِلْكَ ووعده الْعَفو عَنهُ فخاطب ابْن عمار الرشيد بن الْمُعْتَمد بذلك فلمح المخاطبة وزيره عِيسَى ابْن الْأُسْتَاذ أبي الْحجَّاج الأعلم فأشاع الحَدِيث وَبلغ ذَلِك أَبَا بكر بن زيدون وَكَانَ شَدِيد الْعَدَاوَة لِابْنِ عمار فتخلّف عَن الرّكُوب إِلَى الْقصر حَتَّى وجّه فِيهِ الْمُعْتَمد فعرّفه أَن مَجْلِسه مَعَ ابْن عمار وصل إِلَيْهِ فازداد الْمُعْتَمد حنقاً عَلَيْهِ وحرّك ذَلِك من ضغنه وَقَالَ لأحد المجابيب سل ابْن عمار كَيفَ وجد السَّبِيل مَعَ الترقيب إِلَى إفشاء مَا أخذت مَعَه البارحة فِيهِ فسلك سَبِيل الْإِنْكَار ثمَّ قَالَ إِنِّي خاطبت الرشيد وأعلمته بِمَا وَعَدَني بِهِ مَوْلَانَا من الْعَفو فاتقّد الْمُعْتَمد وَقَامَ من فوره وَأخذ زَعَمُوا طبرزيناً وَدخل إِلَيْهِ فَفَزعَ

стр. 460

كَمَا كَانَ فِي قيوده إِلَى تَقْبِيل رجلَيْهِ فَضَربهُ بِهِ ثمَّ أَمر فأجهز عَلَيْهِ وَمِمَّا يشْهد أَنه بَاشر قَتله قَول عبد الْجَلِيل بن وهبون يرثيه بِبَيْت مُفْرد وَهُوَ (عجبا لمن أبكيه ملْء مدامعي ... وَأَقُول لَا شلت يَمِين الْقَاتِل) وَأخْبر ذُو الوزارتين صَاحب الْمَدِينَة أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سَلام بتَخْفِيف اللَّام الشّلبي وَكَانَ من صميم إخْوَان ابْن عمار قَالَ إِنِّي لفي أَرْجَى مَا كنت لإقالة ابْن عمار وَقد هيأت لِخُرُوجِهِ مَجْلِسا من أحسن مجَالِس دوري يُقيم فِيهِ ريثما تخلى لَهُ دوره إِذا رَسُول الْمُعْتَمد بستدعيني فَمَا شَككت فِي تَمام مَا كنت أريده لِابْنِ عمار فَلَمَّا وصلت فصيل الْقصر إِذا هُوَ متشحّط فِي دمائه ممرّغ فِي ثِيَابه طريح فِي قَيده فَقَالَ لي الفتيان يَقُول لَك السُّلْطَان هَذَا صديقك الَّذِي كنت أَعدَدْت لَهُ سر بِهِ وأنزله فَأمرت من حضرني من الحرس بسحبه فِي أسماله طوراً على وَجهه وَتارَة على قذاله إِلَى أساس جِدَار قريب من سواقي الْقصر فَطرح فِي حَوْض محتفر للجيّار وَهدم عَلَيْهِ شفيره قَالَ ابْن قَاسم الشّلبي وَأكْثر خبر ابْن عمار عَنهُ إِلَى مَا تخلله من الزِّيَادَات المفيدة عَن ابْن بسام وَغَيره وَوجد لَهُ فِي قرَابه بعد قَتله بِخَط يَده
следующие страницы →