← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(جازوا بني عبد الْعَزِيز فَإِنَّهُم ... جرّوا إِلَيْكُم أَسْوَأ الأقدار) يَقُول فِيهَا (جَاءَ الْوَزير بهَا يكشّف ذيله ... عَن سوءة سوءي وعار عَار) (نكث الْيَمين وجار عَن سنَن التقى ... وَقضى على الإقبال بالإدبار) (آوى لينصر من نبا المثوى بِهِ ... ودهاه خذلان من الْأَنْصَار) (مَا كُنْتُم إِلَّا كأمةٍ صَالح ... فرماكم من طَاهِر بقدار) (هَذَا وخصّكم بأشام طَائِر ... وَرمى دِيَاركُمْ بألام جَار) وَفِي هَذِه القصيدة (كَيفَ التفلّت بالخديعة من يَدي ... رجل الْحَقِيقَة من بني عمار) فذيّله الْمُعْتَمد لما اتَّصل بِهِ هَذَا الشّعْر بقوله معرّضاً بِابْن عمار وزارياً عَلَيْهِ (الْأَكْثَرين مسوّداً ومملّكاً ... ومتوجاً فِي سالف الْأَعْصَار) (والمؤثرين على الْعِيَال بزادهم ... والضاربين لهامة الْجَبَّار) (الناهضين من المهود إِلَى الْعلَا ... والمنهضين الْغَار بعد الْغَار) (إِن كوثروا كَانُوا الْحَصَى أوفوخروا ... فَمن الأكاسر من بني الْأَحْرَار) (يُضحي مؤمّلهم يؤمّل سيبه ... ويبيت جارهم عَزِيز الْجَار)

стр. 457

(تبْكي عَلَيْهِم شنّبوس بعبرة ... كأتيّها المتدافع التيار) يَقُول فِيهَا (يَا شمس ذَاك الْقصر كَيفَ تخلّصت ... فِيهِ إِلَيْك طوارق الأقدار) (لما تنلك شعوب حَتَّى جَاوَزت ... غلب الرّقاب وسامي الأسوار) يُرِيد بشمس أمّ ابْن عمار وبشنّبوس قَرْيَة أَوَائِله من نواحي شلب فاهتاج ابْن عمار لذَلِك واستوحش وَبَلغت أَبْيَات الْمُعْتَمد إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز فطار بهَا سُرُورًا وأحدثت لَهُ فِي نَفسه على ابْن عمار مكيدة وَذَلِكَ أَنه دس إِلَى مرسية نبيلاً من يهود الشرق لابس ابْن عمار حَتَّى اطْمَأَن إِلَيْهِ وأحله محلى الرِّوَايَة لأشعاره فِي هجاء ابْن عباد وَمن ذَلِك قَوْله (أَلا حيّ بالغرب حياًّ حَلَالا ... أناخوا جمالاً وحازوا جمالا) (وعرّج بيومين أمّ الْقرى ... ونم فَعَسَى أَن ترَاهَا خيالا)

стр. 458

(لتسأل عَن ساكنيها الرماد ... وَلم تَرَ للنار فِيهَا اشتعالا) وفيهَا إقذاع وَمِنْهَا (سأكشف عرضك شَيْئا فَشَيْئًا ... وأهتك سترك حَالا فحالا) ويومين اسْم قَرْيَة مِنْهَا أوّليّة بني عباد فَلَمَّا حصل الْيَهُودِيّ مِنْهَا وَهِي بِخَط يَده على بغيته طَار بهَا صادراً إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز فطيّرها مدرجة طيّ كِتَابه إِلَى الْمُعْتَمد فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أحنقه على ابْن عمار وأحفظه وَلما أَتَاهُ بِهِ ابْنه يزِيد الراضي أَقَامَ بقرطبة عدَّة لَيَال يحضرهُ فِي كل لَيْلَة مِنْهَا راسفاً فِي قيوده فيقرره على غدره ويوبخه بِفِعْلِهِ ويوقفه على أشعاره المدرجة إِلَيْهِ طيّ كتاب ابْن عبد الْعَزِيز ثمَّ انحدر بِهِ إِلَى إشبيلية فسجنه فِي بَيت خامل من بيُوت الْقصر أَيَّامًا ثمَّ قَتله بِيَدِهِ وَكَانَ أسره بشقورة لست بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وقدوم الراضي بِهِ على قرطبة يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس من رَجَب فِيهَا وَقيل إِن القادمين بِهِ مَعَ الراضي لما سلموه إِلَى الْقصر دعوا ذَلِك الْيَوْم بعد الْعَصْر فِي سلَاح شَاك وتعبئة ظَاهِرَة ليصحبوه إِلَى إشبيلية فأقاموا على ذَلِك إِلَى اللَّيْل ينتظرون تَسْلِيمه إِلَيْهِم ثمَّ لم يرعهم إِلَّا خُرُوج الْمُعْتَمد والشمع بَين يَدَيْهِ وَالْحرم حواليه وَابْن عمار بَينهُنَّ على بغل وَهن يهزأن بِهِ ويتضاحكن مِنْهُ فأعربت حَاله يَوْمئِذٍ بمبادئها عَن سوء الْعَاقِبَة فِيهَا وَورد على الْمُعْتَمد غير مَا خطاب فِيهِ بالشفاعة فسدّ الْبَاب فِي ذَلِك وشدّ صفاده هُنَالك

стр. 459

وَحدث أَبُو بكر المنجم أَن ابْن عمار استدعى سحاءة ودواة فِي اعتقاله بقصر إشبيلية فَبعث الْمُعْتَمد إِلَيْهِ بِزَوْج كاغد فَكتب إِلَيْهِ شعرًا بستعطفه بِهِ فعطف عَلَيْهِ وأحضره ليلته تِلْكَ ووعده الْعَفو عَنهُ فخاطب ابْن عمار الرشيد بن الْمُعْتَمد بذلك فلمح المخاطبة وزيره عِيسَى ابْن الْأُسْتَاذ أبي الْحجَّاج الأعلم فأشاع الحَدِيث وَبلغ ذَلِك أَبَا بكر بن زيدون وَكَانَ شَدِيد الْعَدَاوَة لِابْنِ عمار فتخلّف عَن الرّكُوب إِلَى الْقصر حَتَّى وجّه فِيهِ الْمُعْتَمد فعرّفه أَن مَجْلِسه مَعَ ابْن عمار وصل إِلَيْهِ فازداد الْمُعْتَمد حنقاً عَلَيْهِ وحرّك ذَلِك من ضغنه وَقَالَ لأحد المجابيب سل ابْن عمار كَيفَ وجد السَّبِيل مَعَ الترقيب إِلَى إفشاء مَا أخذت مَعَه البارحة فِيهِ فسلك سَبِيل الْإِنْكَار ثمَّ قَالَ إِنِّي خاطبت الرشيد وأعلمته بِمَا وَعَدَني بِهِ مَوْلَانَا من الْعَفو فاتقّد الْمُعْتَمد وَقَامَ من فوره وَأخذ زَعَمُوا طبرزيناً وَدخل إِلَيْهِ فَفَزعَ

стр. 460

كَمَا كَانَ فِي قيوده إِلَى تَقْبِيل رجلَيْهِ فَضَربهُ بِهِ ثمَّ أَمر فأجهز عَلَيْهِ وَمِمَّا يشْهد أَنه بَاشر قَتله قَول عبد الْجَلِيل بن وهبون يرثيه بِبَيْت مُفْرد وَهُوَ (عجبا لمن أبكيه ملْء مدامعي ... وَأَقُول لَا شلت يَمِين الْقَاتِل) وَأخْبر ذُو الوزارتين صَاحب الْمَدِينَة أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سَلام بتَخْفِيف اللَّام الشّلبي وَكَانَ من صميم إخْوَان ابْن عمار قَالَ إِنِّي لفي أَرْجَى مَا كنت لإقالة ابْن عمار وَقد هيأت لِخُرُوجِهِ مَجْلِسا من أحسن مجَالِس دوري يُقيم فِيهِ ريثما تخلى لَهُ دوره إِذا رَسُول الْمُعْتَمد بستدعيني فَمَا شَككت فِي تَمام مَا كنت أريده لِابْنِ عمار فَلَمَّا وصلت فصيل الْقصر إِذا هُوَ متشحّط فِي دمائه ممرّغ فِي ثِيَابه طريح فِي قَيده فَقَالَ لي الفتيان يَقُول لَك السُّلْطَان هَذَا صديقك الَّذِي كنت أَعدَدْت لَهُ سر بِهِ وأنزله فَأمرت من حضرني من الحرس بسحبه فِي أسماله طوراً على وَجهه وَتارَة على قذاله إِلَى أساس جِدَار قريب من سواقي الْقصر فَطرح فِي حَوْض محتفر للجيّار وَهدم عَلَيْهِ شفيره قَالَ ابْن قَاسم الشّلبي وَأكْثر خبر ابْن عمار عَنهُ إِلَى مَا تخلله من الزِّيَادَات المفيدة عَن ابْن بسام وَغَيره وَوجد لَهُ فِي قرَابه بعد قَتله بِخَط يَده

стр. 461

(يَقُول قوم إِن الْمُؤَيد قد ... أحَال فِي فديتي على نَقده) (فَقلت مَاذَا الشِّرَاء ثَانِيَة ... ترى لِمَعْنى يريب من عِنْده) (أوحشني والسماح عَادَته ... سماحه بِالْعَلَاءِ فِي عَبده) (الْحَمد لله إِن يكن حرجاً ... فَلَيْسَ فِي مثلهَا سوى حَمده) (وحيلة إِن وصلت حَضرته ... أجعلها رَغْبَة إِلَى جنده) (لَو سامحوا فِي الفرند أرمقه ... من طرفه لم أخفه من غمده) (لَكِن على الغرب عَارض زجل ... مرتمياً بالشرار من زنده) (أَخْضَر يفترّ من جوانبه ... كالبحر فِي جزره وَفِي مدّه) (يَا ربّ بشّر برحمة وَحيا ... يُونُس من برقه وَمن رعده) ويحكي عَن الْمُعْتَمد فِي قتل ابْن عمار خبر طريف من الْحدثَان تلخيصه أَنه كَانَ أَيَّام مقَامه بشلب قد أَخذ عَلَيْهِ وَأمره إِذا دَعَا أَصْحَابه أَن يكون أول دَاخل وَآخر خَارج ليأنس بِهِ ويتمتع بأدبه فَكَانَ يجده ينفر من ذَلِك وَيكثر التسلل من مَجْلِسه فَتقدم لَيْلَة إِلَى أَصْحَاب سدّته بترقّبه وَمنعه بعد وَعِيد شَدِيد وَقَامَ ابْن عمار على عَادَته فَلم يحفل الْمُعْتَمد بذلك حَتَّى إِذا انفضّ من كَانَ عِنْده طلبه فَمَا وجده فأحضر الموكلين بترقبه وَأخذ فِي تعنيفهم فَأخْبرُوا أَنهم لم يعاينوه وَلَا خرج عَلَيْهِم فراب الْمُعْتَمد أمره وَشهر سَيْفه وَجعل يَطْلُبهُ والشمع بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا انْتهى إِلَى بعض الدهاليز إِذا بحصير مطويّ وَابْن عمار فِيهِ أغمض من سر خفيّ عُرْيَان كَأَنَّهُ أفعوان فَأمر بِحمْلِهِ وَجعل يعجب من

стр. 462

فعله وَلابْن عمار بكاء وروع مفرط فَلَمَّا أفرخ روعه ورقأ دمعه سَأَلَهُ عَن شَأْنه فَأخْبر أَنه كلما أخذت مِنْهُ الشُّمُول سمع كَأَن قَائِلا يَقُول هَذَا يقتلك فينفر عِنْد ذَلِك وينفر وَيحمل نَفسه على الْقَرار فَلَا تقر حَتَّى أمضى الله عَليّ يَدَيْهِ مَا كتب من ذَلِك عَلَيْهِ والمقدر كَائِن أتيت بِخَبَر ابْن عمار على الْكَمَال فكثيراً مَا يتشوف إِلَيْهِ وَلَا يُوقف عَلَيْهِ وَمَا أعلم أحد سَاقه هَذَا المساق وَلَعَلَّ عذر الإفادة يُقَاوم لوم الإطالة وَمن شعره فِي غير مَا تقدم أهْدى إِلَى الْمُعْتَمد ثوب صوف بحري يَوْم نيروز وَكتب مَعَه (لما رَأَيْت النَّاس يحتشدون فِي ... إتحاف يَوْمك جِئْته من بَابه) (فَبعثت نَحْو الشَّمْس شبه أياتها ... وكسوت متن الْبَحْر بعض ثِيَابه) فوجّه إِلَيْهِ الْمُعْتَمد بمكبّة فضَّة فِيهَا خَمْسمِائَة دِينَار وَقيل خَمْسَة آلَاف دِينَار ذَهَبا وَكتب مَعهَا (هبة أتتك من النضار ألوفها ... فاغنم جزيل المَال من وهّابه)

стр. 463

(فَلَو أَن بَيت المَال يحوي قفله ... أضعافها لكسرته عَن بَابه) (وملأت مِنْهُ يَديك لَا مستأثراً ... فِيهِ عَلَيْك لكَي ترى أولى بِهِ) (فالبحر يطفح جوده لَك زاخراً ... لما كسوت الْبَحْر بعض ثِيَابه) وَأهْدى أَيْضا تفاحاً وإجّاصاً إِلَى بعض أَصْحَابه وَكتب مَعهَا (خُذْهَا كَمَا سفرت إِلَيْك خدود ... أَو أوجست فِي راحتيك نهود) (درراً من التفاح تنثر بَيْننَا ... وَلها بأجياد الغصون عُقُود) (خُذْهَا وناولها النّدام فَإِنَّهَا ... رَاح دهاها فِي الشتَاء جمود) (وشفعت بالإجاص قصدا إِنَّه ... وشكل الْجمال وحدّه الْمَحْدُود) (عذرا إِلَيْك فَإِنَّمَا هِيَ أوجه ... بيض تقارنها عُيُون سود) وأهدي أَيْضا خمرًا طبقًا فِيهِ تفاحتان ورمانتان وَكتب مَعهَا (خذوها مِثْلَمَا استهديتموها ... عروساً لَا تزفّ إِلَى اللئام) (ودونكم بهَا ثديى فتاة ... أضفت إِلَيْهِمَا خدّي غُلَام) وَله فِي الخرشف (وَنبت مَاء وترب جودها أبدا ... لمن يرجّيه فِي ثوب من الْبُخْل) (كَأَنَّهَا فِي جمال وَامْتِنَاع ذري ... خود من الرّوم فِي درع من الأسل)

стр. 464

وَله فِي طبق من الْفضة مذهّب الْبَاطِن (وسماء من الْغنى قد أسالت ... ذَهَبا فِي قرارة من لجين) (فاجتنت حولهَا الْعُيُون بلطف ... زهر الْحسن من بنان الْيَدَيْنِ) وَله فِي زورق (وَجَارِيَة مثل الْهلَال ألفتها ... على نهر مثل السَّمَاء رَقِيق) (تجلّى لنا الإصباح وَهُوَ زمرد ... فَأَلْقَت عَلَيْهِ الشَّمْس ثوب عقيق) وَله وضمّن أَوَائِل الأبيات اسْم قينة (نَفسِي وَإِن عذبتها تهواك ... ويهزها طرب إِلَى لقياك) (عجبا لهَذَا الْوَصْل أصبح بَيْننَا ... متعذراً ومناي فِيهِ مناك) (مَا بَال قلبِي حِين رامك لم ينل ... وَلَقَد ترومك مقلتي فتراك) (الله أعلم مَا أَزور لحَاجَة ... ذَاك المحلّ لغير أَن أَلْقَاك) (لَيْت الرَّقِيب إِذا الْتَقَيْنَا لم يكن ... فأنال رياًّ من لذيذ لماك) (متنزهاً فِي روض خدك شارباً ... كأس الفتور تديرها عَيْنَاك) (حكت الغصون جمال قدك فانثنت ... وَالْفضل للمحكىّ لَا للحاكي) (لَا تعزبي يَا رَوْضَة ممطورة ... حَتَّى أمدّ يَدي إِلَى مجناك) وَله (أَنا ابْن عمار لَا أُخْفِي على بشر ... إِلَّا على جَاهِل بالشمس وَالْقَمَر) (وَبَين طبعي وذهني كلّ سَابِقَة ... كالسهم يبعد بَين الْقوس وَالْوتر) (إِن كَانَ أخّر فِي دهري فَلَا عجب ... فَوَائِد الْكتب يستلحقن فِي الطّرر)

стр. 465

لم أجد هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة فِي مَا جمع أَبُو الطَّاهِر التَّمِيمِي من شعر ابْن عمار فأضفتها إِلَيْهِ وكتبتها فِي نُسْخَتي مِنْهُ وَقد وَقعت فِي بعض نسخه وَكَذَلِكَ قَوْله مبتدهاً فِي المعتصم مُحَمَّد بن معن بن صمادح وَقد مرّ بقصره وَحَوله جمَاعَة من الشُّعَرَاء كَانُوا قد مدحوه وَأَبْطَأ عَنْهُم عطاؤه وَتعذر عَلَيْهِم القَوْل فِي استنجازه فارتجل على ألسنتهم (يَا أَيهَا الْملك الَّذِي شاد الْعلَا ... معن أَبوهُ وخاله الْمَنْصُور) (بِفنَاء قصرك عصبَة أدبية ... لَا زَالَ وَهُوَ بِجَمْعِهِمْ معمور) (زفّوا إِلَيْك بَنَات أفكار لَهُم ... واستبطأوك فَهَل لَهُنَّ مُهُور) ١٣٤ - أَبُو مُحَمَّد بن هود الجذامى ذُو الوزارتين لم أَقف على اسْمه وَهُوَ أحد النجباء الأدباء من أهل بَيته مُلُوك سرقسطة والثغر الْأَعْلَى وَنبت بِهِ دَرَاهِم فتجوّل بموسطة الأندلس وغربها قَاصِدا رؤساءها واختص مِنْهُم بالمتوكل عمر بن مُحَمَّد بن الْأَفْطَس فولاه مَدِينَة الأشبونة من أَعماله ثمَّ صرف عَنْهَا وَصدر مَحْمُود السِّيرَة مَعْرُوف النزاهة وَهُوَ الْقَائِل فِي خُرُوجه من سرقسطة يُخَاطب قومه (ضللتم جَمِيعًا آل هود عَن الْهدى ... وضيّعتم الرَّأْي الْمُوفق أجمعا) (وشنتم يَمِين الْملك بِي فقطعتم ... بِأَيْدِيكُمْ مِنْهَا وبالغدر إصبعا) (وَمَا أَنا إِلَّا الشَّمْس غير غياهب ... دجت فَأَبت لي أَن أنير وأسطعا) (وَإِن طلعت تِلْكَ البدور أهلة ... فَلم يبْق إِلَّا أَن أغيب وأطلعا) (وَلَا تقطعوا الْأَسْبَاب بيني وَبَيْنكُم ... فأنفكم مِنْكُم وَإِن كَانَ أجدعا)

стр. 466

وَله وَقد احْتَرَقَ بَيته أَيَّام مقَامه بطليطلة (تركت محلي جنَّة فَوَجَدته ... على حكم أَيدي الحادثات جهنما) (لتصنع بِي الْأَيَّام مَا شئن آخرا ... فَمَا صنعت بِي أَولا كَانَ أعظما) وَله فِي المتَوَكل أَيَّام سُلْطَانه بيابرة ( ... ... ... ... ... . . ... ... . . فَالَّذِي يخْشَى من الحذر) ( ... ... ... ... ... . ... ... ... بِالْخَيرِ) وَله مِمَّا نقش على رئاس سيف المتَوَكل (لَا تخش ضيماً وَلَا تصبح أَخا فرق ... إِذا رياسى فِي يمني يَديك بَقِي) (أَصبَحت أمضي من الْحِين المتاح فصل ... على الكماة وَبِي عِنْد الوغى فثق) (لَوْلَا فتور بألحاظ الظباء إِذا ... لَقلت إِنِّي أمضي من ظَبْي الحدق) وَله وَقد سُئِلَ عَمَّا اكْتَسبهُ فِي ولَايَته (وَسَائِل لي لما ... صدرت عَمَّا وليت) (مَا نلْت قلت ثَنَاء ... يبْقى معي مَا بقيت) (فَإِن أمت كَانَ بعدِي ... مخلداً لَا يَمُوت) (عفت الفضول لعلمي ... أَن لَيْسَ يعْدم قوت) (وصنت قدري عَنْهَا ... مُجملا فغنيت)

стр. 467

١٣٥ - أَبُو عِيسَى بن لبّون ذُو الوزارتين هُوَ لبّون بن عبد الْعَزِيز بن لبّون وَكَانَ من جملَة أَصْحَاب الْقَادِر يحيى

стр. 468

ابْن ذِي النُّون وَرَأس بمربيطر من أَعمال بلنسية ثمَّ تخلّى عَنْهَا لأبي مَرْوَان عبد الْملك بن رزين صَاحب شنتمريّة الشرق أَيَّام تغلب رذريق الْمَعْرُوف بالكنبيطور على بلنسية وإحرافه لرئيسها أبي أَحْمد بن جحاف وَسَار مَعَه إِلَى شنتمريّة ثمَّ نَدم بعد ذَلِك واستقل مَا كَانَ يجْرِي عَلَيْهِ فَقَالَ (ذروني أجب شَرق الْبِلَاد وغربها ... لأشفي نَفسِي أَو أَمُوت بدائي) (فلست ككلب السوء يرضيه مربض ... وَعظم وَلَكِنِّي عِقَاب سَمَاء) (تحوم لكيما يدْرك الخصب حومها ... أَمَام أَمَامِي أَو وَرَاء ورائي) (وَكنت إِذا مَا بَلْدَة لي تنكرت ... شددت إِلَى أُخْرَى مطي إبائي) (وسرت وَلَا ألوي على مُتَعَذر ... وصممت لَا أصغي إِلَى النصحاء) (كشمس تبدت للعيون بمشرق ... صباحا وَفِي غرب أصيل مسَاء) وَله من أُخْرَى فِي مثل ذَلِك (خليلي مَا بالي على صدق عزمتي ... أرى من زماني وَنِيَّة أَو تعذرا) (وَوَاللَّه مَا أَدْرِي لأي جريمة ... تجنى وَلَا عَن أَي ذَنْب تغيرا) (وَلم أك عَن كسب المكارم عَاجِزا ... وَلَا كنت فِي نيل أنيل مقصرا) (لَئِن شان تمزيق الزَّمَان لدولتي ... لقد رد عَن جهل كثير وبصرا) (وَأَيْقَظَ من نوم الغرارة نَائِما ... وَكسب علما بِالزَّمَانِ وبالورى)

стр. 469

وَكَانَ أَبُو عِيسَى معدوداً فِي الأجواد مَوْصُوفا بتجويد القريض وطالت إِقَامَته فِي كنف ابْن رزين إِلَى أَن توفى هُنَالك وَقيل بل توفى بسرقسطة وَأما أَخُوهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن لبون فَكَانَ واليا على لورقة وَتوفى بهَا بعد وقيعة الزلاقة بِيَسِير وَسَيَأْتِي ذكره فَقَالَ أَبُو عِيسَى يرثيه وَيذكر أَخَوَيْهِ المتوفيين قبله أَبَا وهب عَامِرًا وَكَانَ ضابطا لقصر بلنسية وَأَبا شُجَاع أَرقم وَكَانَ واليا على وبذة من سنت ابرية وَكَانَ إِبْرَاهِيم أَبُو الْأَصْبَغ من كبار أَصْحَاب الْمَأْمُون بن ذى النُّون وَهُوَ الَّذِي اسْتخْلف على بلنسية فِي خُرُوجه لتملك شاطبة (قل لصرف الْحمام لم ذَا التناهي ... فِي تلقيك لي بهذى الدَّوَاهِي) (كَانَ فِي عَامر وأرقم مَا يَكْفِي ... فَهَلا أبقيت عبد الْإِلَه) (فبه بعد كنت أستدفع الْخطب ... وأسطو على العدا وأباهي) (أَي شمس وافي عَلَيْهَا أفول ... فل غربي عزائمي ونواهي) وَله يُخَاطب أَبَا اليسع كَاتب أَخِيه وَالَّذِي خَلفه بعد على لورقة (لَو كنت تشهد يَا هَذَا عشيّتنا ... والمزن يمسك أَحْيَانًا وينحدر) (وَالْأَرْض مصفرة بالقطر كاسية ... أَبْصرت تبراً عَلَيْهِ الدرّ ينتثر) وَهَذَا كَقَوْل الأسعد بن بلّيطة وأجاد مَا أَرَادَ (لَو كنت شاهدنا عَشِيَّة أمسنا ... والمزن يبكينا بعيني مذنب)

стр. 470

(وَالشَّمْس قد مدت أَدِيم شعاعها ... فِي الأَرْض تجنح غير أَن لم تغرب) (خلت الرذاذ برادة من فضَّة ... قد غربلت من فَوق نطع مَذْهَب) وَلابْن لبّون (سقى أَرضًا ثووها كلّ مزن ... وسايرهم مُرُور وارتياح) (فَمَا ألوي بهم هلك وَلَكِن ... صروف الدَّهْر وَالْقدر المتاح) (سأبكي بعدهمْ حزنا عَلَيْهِم ... بدمع فِي أعنّته جماح) وَله (يَا لَيْت شعري وَهل فِي لَيْت من أرب ... هَيْهَات لَا تبتغي من لَيْت آرَاب) (أَيْن الشموس الَّتِي كَانَت تطالعنا ... والجو من فَوْقه لِليْل جِلْبَاب) (وَأَيْنَ تِلْكَ اللَّيَالِي إِذْ تلمّ بِنَا ... فِيهَا وَقد نَام حرّاس وحجّاب) (تهدي إِلَيْنَا لجيناً حشوه ذهب ... أنامل العاج والأطراف عنّاب) وَله (قُم يَا نديم أدر عليّ القرقفا ... أَو مَا ترى زهر الرياض مفوّفا) (فتخال محبوباً مدلاًّ وردهَا ... وتظن نرجسها محباًّ مدنفا) (والجلّنار دِمَاء قَتْلِي معرك ... والياسمين حباب مَاء قد طفا) وَله (يَا رب ليل شربنا فِيهِ صَافِيَة ... حَمْرَاء فِي لَوْنهَا تَنْفِي التباريحا)

стр. 471

(ترى الْفراش على الأكواس سَاقِطَة ... كَأَنَّمَا أَبْصرت مِنْهَا مصابيحا) وَله يُعَاتب (لحا الله قلبِي كم يحنّ إِلَيْكُم ... وَقد بعتم حظي وَضاع لديكم) (إِذا نَحن أنصفناكم من نفوسنا ... وَلم تنصفونا فالسلام عَلَيْكُم) وَله فِي زهده وإقلاعه والتزامه بَيته عِنْد انخلاعه (نفضت كفي من الدُّنْيَا وَقلت لَهَا ... إِلَيْك عني فَمَا فِي الْحق أغتبن) (من كسر بَيْتِي لي روض وَمن كتبي ... جليس صدق على الْأَسْرَار مؤتمن) (أَدْرِي بِهِ مَا جرى فِي الدَّهْر من خبر ... فَعنده الْحق مسطور ومختزن) (وَمَا مضى بِي سوى موتِي ويدفنني ... قوم وَمَا لَهُم علم بِمن دفنُوا) ١٣٦ - أَبُو عَامر بن الْفرج ذُو الوزارتين كَانَ من بَيت رئاسة تصرّف آباؤه وَقَومه مَعَ بني ذِي النُّون مُلُوك طليطلة وَإِلَى أبي سعيد مِنْهُم وَهُوَ وَال على كونكة توجّه المظفر عبد الْملك ابْن الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز بن أبي عَامر حِين خلعه الْمَأْمُون بن ذِي النُّون من

стр. 472

بلنسية فِي ذِي الْحجَّة سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَأَبُو عَامر هَذَا هُوَ الْقَائِل يَسْتَدْعِي أَبَا مُحَمَّد الْمصْرِيّ إِلَى مجْلِس أنس (أَنا قد أهبت بكم وكلّكم هوى ... وأحقّكم بالشكر مني السَّابِق) (وَالشَّمْس أَنْت وَقد أطلّ طُلُوعهَا ... فَاطلع وَبَين يَديك فجر صَادِق) وَله يعْتَذر (مَا تخلّفت عَنْك إِلَّا لعذر ... ودليلي فِي ذَاك حرصي عليكا) (هبك أَن الْفِرَار عَن غير عذر ... أتراه يكون إِلَّا إليكا) وَله إِلَى وسيم من معارفه يَسْتَدْعِي مِنْهُ خمرًا لعلاج ابْنه (أرسل بهَا مثل ودّك ... أرقّ من مَاء خدك) (شَقِيقَة النَّفس فانضح ... بهَا جوى ابْني وَعَبْدك) ١٣٧ - أَبُو الْحسن بن اليسع الْكَاتِب ذُو الوزارتين كتب لأبي مُحَمَّد بن لبّون صَاحب لورقة وَخَلفه عَلَيْهَا بعد وَفَاته واستبد

стр. 473

بضبطها دون بنيه إِلَى أَن تخلى عَنْهَا للمعتمد مُحَمَّد بن عباد وَنَدم عَلَيْهِ بقرطبة وَحضر غَزْوَة الزّلاّقة مَعَه وَذكر أَبُو بكر بن قَاسم الشّلبي فِي تَارِيخه الْمَجْمُوع فِي أَخْبَار ابْن عمّار مَا يُخَالف هَذَا وَسَيَأْتِي نَصه بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى كَانَ ابْن اليسع مَاجِنًا صَاحب بطالة وراحة أديباً شَاعِرًا وَهُوَ الْقَائِل يُخَاطب أَبَا بكر ابْن اللبانة (تشرق آمالي وسعيى يغرّب ... وتطلع أوجالي وأنسي يغرب) (سريت أَبَا بكر إِلَيْك وَإِنَّمَا ... أَنا الْكَوْكَب الساري تخطاه كَوْكَب) (فبالله إِلَّا مَا منحت تَحِيَّة ... تكرّ بهَا السّبع الدراري وَتذهب) (وَبعد فعندي كلّ علق تصونه ... خلائق لَا تفني وَلَا تتقلب) (كتبت على حَالين بعد وعجمة ... فيا لَيْت شعري كَيفَ ندنو فنعرب) وَكَانَ فِي لَيْلَة الشَّك من شعْبَان بِخَارِج قرطبة إِذْ قدم على الْمُعْتَمد فِي لمّة من أعيانها مِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن سراج وَقد غلبوه على الْمسير مَعَهم فَخرج مكْرها وغرضه الاسْتِرَاحَة وَكَانَ تَحْتَهُ فرس عَتيق فَأخذ مَعَهم فِي أمره حِيلَة فِي إجرائه والانفصال عَنْهُم على تِلْكَ الْحَال وركضه موليا عَنْهُم وراجعاً إِلَى منزله ليخلو براحته فَمَا انصرفوا إِلَّا وهلال رَمَضَان ظَاهر فَكتب إِلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْن ابْن سراج (عمري أَبَا حسن لقد جِئْت الَّتِي ... عطفت عَلَيْك ملامة الإحوان) (لما رَأَيْت الْيَوْم ولّى عمره ... وَاللَّيْل مقتبل الشبيبة دَان) (وَالشَّمْس تنفض زعفراناً بالرّبى ... وتفتّ مسكتها على الْغِيطَان)

стр. 474

(أطلعتها شمسا وَأَنت عُطَارِد ... وخففتها بكواكب النّدمان) (وأتيت بدعاً فِي الْأَنَام مخلداً ... فِيمَا قرنت ولات حِين قرَان) (ولهيت عَن خلّي صفاء لم يكن ... يلهيهما عَنْك اقتبال زمَان) (غَنِيا بذكرك عَن رحيق سلسل ... وَحَدَائِق خضر وعزف قيان) (ورضيت فِي دفع الْمَلَامَة أَن ترى ... مُتَعَلقا بالعذر من حسّان) فَرَاجعه بقوله (وَأَنا أَسَأْت فَأَيْنَ عفوك مُجملا ... هبني عصيت الله فِي شعْبَان) (لَو زرتني والآن تحمد زورتي ... كنت الْهلَال أَتَى بِلَا رَمَضَان) وَله فِي أبي بكر بن القبطورنة يستهدي مشروباً وَهُوَ ببطليوس فِي غزَاة الزلاّقة (عطشت أَبَا بكر وكفّك دِيمَة ... وذبت اشتياقاً والمزار قريب) (فخفّف وَلَو بعض الَّذِي أَنا وَاجِد ... فَلَيْسَ بحقّ أَن يضاع غَرِيب) (ووفّر لنا من تِلْكَ حظاًّ نرى بِهِ ... نشاوي وَبعد الْغَزْو سَوف نتوب) فوجّه إِلَيْهِ مَطْلُوبه وتضييفاً مَعَه وَكتب إِلَيْهِ (أَبَا حسن مثلي بمثلك عَالم ... وَمثلك بعد الْغَزْو لَيْسَ يَتُوب) (فَخذهَا على مَحْض الصفاء كَأَنَّهَا ... سنا مَالهَا بعد الْحساب ثؤوب) وَله إِلَى أبي بكر بن عمار (لما دَنَوْت وَعِنْدِي ... حَظّ من الشوق واف) (قدّمت قلبِي قبلي ... فصنه حَتَّى أوافي) وَلما تحرّك الْمُعْتَمد إِلَى لورقة فِي الْجَيْش الَّذِي ترك عِنْده ابْن تاشفين

стр. 475

بعد غَزْوَة الزلافة وغرضه التَّمَكُّن من ابْن رَشِيق لتمنّعه عَلَيْهِ بمرسية كتب إِلَيْهِ أَبُو الْحسن بن اليسع وَقد قرب مِنْهُ (هذي سماؤك فلتصعد إِلَى أمل ... أمنيتي مِنْهُ رعيي فِي كواكبها) (منعتها وملوك الْوَقْت تطلبها ... سعياً لملكك فلتهنأ بِهِ وَبهَا) وَقصد الْمُعْتَمد مرسية فِي هَذِه الْحَرَكَة فَلم يظفر مِنْهَا بطائل وخدعه ابْن رَشِيق وداخل الواصلين مَعَه من المرابطين على جَيش ابْن تاشفين فَانْصَرف إِلَى إشبيلية وَفِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة حرك الْمُعْتَمد ابْن تاشفين للغزو بعد أَن أجَاز إِلَيْهِ الْبَحْر ولقيه على وَادي سبوا وبمنعطف مِنْهُ يعرف بالدّخلة فقصدوا جَمِيعًا حصن ألييط وَبَينه وَبَين لورقة اثْنَا عشر ميلًا وَالروم يعيثون مِنْهُ فِيمَا حوله وَابْن رَشِيق يعينهم وَعلم الطاغية أذفونش بذلك فَتحَرك لغياث الْحصن والدفاع عَن أَهله فَوَقع الانزعاج واستراب ابْن تاشفين وتحيز إِلَى لورقة وَأقَام هُنَاكَ أَيَّامًا وَيُقَال إِن جَيش الطاغية فِي حركته هَذِه نيّف على ثَمَانِيَة عشر ألفا بَين خيل وَرجل فأهلكهم الله بالوباء وَلم ينْصَرف إِلَّا فِي أقل من خَمْسَة آلَاف وَلما فصلت جيوش الْمُسلمين مَعَ ابْن تاشفين وَقد صَار أَمر مرسية إِلَى الْمُعْتَمد وَكَانَ ابْن رَشِيق فِي قَبضته ترك ابْن اليسع على لورقة والياً وَترك ابْن رَشِيق مسجوناً عِنْده فَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو الْحسن جَعْفَر بن إِبْرَاهِيم بن الْحَاج اللورقي

стр. 476

(قل لي ابْن لي هَل تأملتها ... أَو هَل تدبرت لَهَا عاقبه) (بالْأَمْس أعيتك رشيقية ... وَالْيَوْم أحدثت لَهَا صَاحبه) هَذَا خبر ابْن الشّلبي مَعَ مَا انضاف إِلَيْهِ من غَيره ١٣٨ - حريز بن حكم بن عكّاشة صحب أَبوهُ حكم أَبَا الْحسن إِبْرَاهِيم بن يحيى الْمَعْرُوف بِابْن السّقاء وَزِير أبي الْوَلِيد بن جهور رَئِيس قرطبة فسجن عِنْد قَتله مَعَ أَصْحَاب الجرائم

стр. 477

إِلَى أَن هرب من محبسه وَلحق بالمأمون بن ذِي النُّون فنصح لَهُ وَكَانَ شهماً صَارِمًا فولاه بعض الْحُصُون الْمُجَاورَة لقرطبة فَدَخلَهَا بعد خلع بني جهور فِي خبر طَوِيل وَقتل أميرها حِينَئِذٍ عبّاداً الملقب بسراج الدولة بن الْمُعْتَمد مُحَمَّد ابْن عباد وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَأْمُون وَهُوَ ببلنسية وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فورد الْمَأْمُون قرطبة وَأقَام بهَا نَحوا من سِتَّة أشهر تمّ توفّي فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَاحْتمل إِلَى طليطلة فَدفن بهَا وَبَقِي حكم ابْن عكاشة بقرطبة نَائِبا عَن الْقَادِر يحيى بن إِسْمَاعِيل بن الْمَأْمُون بن ذِي النُّون بعد أَن جددت لَهُ الْبيعَة بهَا وَبلغ ذَلِك الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد فَأقبل فِي جموعه طَالبا بثأر ابْنه عباد وَعلم ابْن عكّاشة أَنه لَا طَاقَة لَهُ بِهِ فهرب عِنْد ذَلِك وَأسلم قرطبة فَدَخلَهَا الْمُعْتَمد وَأتبعهُ خيلاً لحقته فَقتل وَجِيء لَهُ بِهِ فصلب مَعَ كلب وَولى ابْنه حريز هَذَا قلعة رَبَاح للقادر بن ذِي النُّون وَهُوَ الَّذِي

стр. 478

امتحن أَبَا الْحسن بن السّيد البطليوسي لما اتهمه وكاتبه بمداخلة المتَوَكل بن الْأَفْطَس صَاحب بطليوس فبطش بالكاتب وأفات نَفسه وَحبس أَبَا الْحسن فِي بَيت ضيق وَكَانَ يجْرِي عَلَيْهِ رغيفا لَا شَيْء مَعَه إِلَّا أَن ضعف وَهلك وَقتل حريز فِي سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة على حصن مسطاسة وَقد كَانَ

стр. 479

أهل فحص البلوط أسروه وسيق إِلَى الْمُعْتَمد فمنّ عَلَيْهِ وَأطْلقهُ وَمن شعره مَا حكى الْفَتْح بن عبيد الله فِي كتاب مطمح الْأَنْفس من تأليفه أَن الْوَزير أَبَا مَرْوَان بن مثنى كتب إِلَيْهِ (يَا فريداً دون ثَان ... وهلالاً فِي العيان) (عدم الراح فَصَارَت ... مثل دهن البلسان) فَبعث بمطلوبه وجاوبه بقوله (جَاءَ من شعرك روض ... جاده صوب الْبَيَان) (فبعثناها سلافاً ... كسجاياك الحسان) (يَا فريداً لَا يجاري ... بَين أَبنَاء الزَّمَان)

стр. 480

١٣٩ - عبد الله بن عبد الْعَزِيز الْبكْرِيّ أَبُو عبيد الْوَزير هُوَ عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن أَيُّوب بن عَمْرو من أَبنَاء الْأُمَرَاء يكنى أَبَا عبيد الله ولى أَبُو زيد مُحَمَّد بن أَيُّوب ولبة وشلطيش وَمَا بَينهمَا من الثغر الغربي وأصلهم من لبلة

стр. 481

وَكَانَ أَيُّوب بن عَمْرو قد ولى خطة الردّ بقرطبة وَولى أَيْضا الْقَضَاء بِبَلَدِهِ وَسَماهُ ابْن حيّان فِي الَّذين سمعُوا من هِشَام الْمُؤَيد مَا أَمر بعقده للمنصور مُحَمَّد بن أبي عَامر مجدّداً للألفة وسمّى مَعَه مُحَمَّد بن عَمْرو وأخاه وتاريخ هَذَا العقد شهر صفر سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَذكر أَبُو الْقَاسِم بن بشكوال أَيُّوب بن عَمْرو الْمَذْكُور فِي تَارِيخه قَالَ ابْن حَيَّان لما تولى الْوَزير أَبُو الْوَلِيد بن جهور الْإِصْلَاح بَين ابْن الْأَفْطَس والمعتضد بعد امتداد شأوهما فِي الْفِتْنَة وسنى الله السّلم بَينهمَا فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين يَعْنِي وَأَرْبَعمِائَة اعْتدى إِثْر ذَلِك المعتضد على جَارِيَة ابْن يحيى أَمِير لبلة وَأبي زيد الْبكْرِيّ أَمِير شلطيش وولبة فأخرجهما عَن سلطانهما الْمَوْرُوث وَحصل لَهُ عملهما بِلَا كَبِير مؤونة وضمه إِلَى سَائِر عمله العريض وازداد بذلك المعتضد سُلْطَانا وَقُوَّة وَذَلِكَ أَنه لما خلا وَجهه من المظفر بن الْأَفْطَس فرغ لِابْنِ يحيى بلبلة وصمّم فِي قَصده بِنَفسِهِ فَنزل لَهُ عَن لبلة وَخرج عَن الْبَلَد وانزعج إِلَى قرطبة مسلوب الْإِمَارَة لائذاً بكنف ابْن جهور سادّ الخلّة ومأوى الطريد وَكَانَ من الْغَرِيب النَّادِر أَن شَاركهُ المعتضد بِقِطْعَة من خيله وصّلته إِلَى مأمنه بقرطبة ثمَّ سقط إِلَيْنَا النبأ بعد بامتداد يَده إِلَى الْبكْرِيّ بولبة وشلطيش وَكَانَ

стр. 482

هَذَا الْفَتى وَارِث ذَلِك الْعَمَل لِأَبِيهِ وَكَانَ أَبوهُ من بَيت الشّرف والحسب والجاه وَالنعْمَة والاتصال الْقَدِيم بسُلْطَان الْجَمَاعَة وَكَانَ لَهُ ولسلفه إِلَى إِسْمَاعِيل بن عبّاد جدّ المعتضد وَسَائِل وأذمّة خلّفاها فِي الأعقاب اغترّ بهَا عبد الْعَزِيز الْبكْرِيّ فبادر الْبعْثَة إِلَى المعتضد سَاعَة دخل لبلة يهنئه بِمَا تهَيَّأ لَهُ مِنْهَا وذكّره بالذّمام الْمَوْصُول بَينهمَا واعترف بِطَاعَتِهِ وَعرض عَلَيْهِ التخلي عَن ولبة وَإِقْرَاره بشلطيش إِن شَاءَ فَوَقع ذَلِك من المعتضد موقع إِرَادَة ورد الْأَمر إِلَيْهِ فِيمَا يعزم عَلَيْهِ وَأظْهر الرَّغْبَة فِي لِقَائِه وَخرج نَحوه يَبْغِي ذَلِك فَلم يطمئن عبد الْعَزِيز إِلَى لِقَائِه وتحمّل بسفنه جَمِيع مَاله إِلَى جَزِيرَة شلطيش وتخلى للمعتضد عَن ولبة فحازها حوزه للبلة وَبسط الْأمان لأَهْلهَا وَاسْتعْمل عَلَيْهَا ثِقَة من رِجَاله ورسم لَهُ الْقطع بالبكري وَمنع النَّاس طراًّ من الدُّخُول إِلَيْهِ فَتَركه محصوراً وسط المَاء إِلَى أَن ألْقى بِيَدِهِ من قرب وَلم يعزب عَنهُ الحزم فَسَأَلَ المعتضد أَن ينْطَلق انطلاق صَاحبه فأمّنه وَلحق بقرطبة وبوشر مِنْهُ رجل سريّ عَاقل عفيف أديب يفوت صَاحبه ابْن يحيى خلالاً وخصالاً إِلَى زِيَادَة عَلَيْهِ بِبَيْت السرو والشرف وبابن لَهُ من الفتيان بذّ الأقران جمالاً وبهاء وسرواً وأدباً وَمَعْرِفَة يكنى أَبَا عبيد وتحدث النَّاس من حزم عبد الْعَزِيز يَوْمئِذٍ أَنه لما احتل شلطيش علم أَنه لَا يُقَاوم عبّاداً فَأخذ بالحزم أَولا وتخلى لَهُ عَنْهَا بِشُرُوط وفى لَهُ بهَا فَبَاعَ مِنْهُ

стр. 483

سفنه وأثقاله بِعشْرَة آلَاف مِثْقَال واحتل قرطبة فِي كنف ابْن جهور الْمَأْمُون على الْأَمْوَال والأنفس وصفت لعبّاد تِلْكَ الْبِلَاد لَو أَن شَيْئا يَدُوم صفاؤه وَالْملك الْبَاقِي لله وَحده وَحكى غَيره أَن الْبكْرِيّ فِي قَصده قرطبة اجتاز بإقليم البصل وطلياطة وَقد أعدّ المعتضد لَهُ النزل والضيافة هُنَالك ومذهبه الْقَبْض عَلَيْهِ وعَلى نعْمَته فقدّم إِلَى صَاحب قرمونة مُحَمَّد بن عبد الله البرزالي يُعلمهُ باجتيازه عَلَيْهِ وَبِأَنَّهُ لَا يَأْمَن غائلة عبّاد وَسَأَلَهُ مشاركته وخفارته فعجّل لَهُ

стр. 484

قِطْعَة من خيل مُجَرّدَة لَقيته بِموضع اتفقَا عَلَيْهِ وَلم يلو الْبكْرِيّ على مَوضِع النزل وحث حمولته حَتَّى لفيته خيل ابْن عبد الله فوصل مَعهَا إِلَى قرمونة ثمَّ توجه مِنْهَا إِلَى قرطبة وَنَجَا من حبائل المعتضد قَالَ وَكَانَت مُدَّة البكرتيين بشلطيش وَمَا إِلَيْهَا إِحْدَى وَأَرْبَعين سنة فِي أول هَذَا الْخَبَر عَن ابْن حَيَّان ذكر ابْن يحيى وَأبي زيد الْبكْرِيّ وَأَبُو زيد إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد بن أَيُّوب وَالِد عبد الْعَزِيز وَلم يدْرك المعتضد زَمَانه وَأما عبد الْعَزِيز فكنيته أَبُو المصعب وَكَانَ جواداً ممدحاً وَفِيه يَقُول أَبُو عَليّ إِدْرِيس بن الْيَمَانِيّ من قصيدة فريدة وَكَانَ إِدْرِيس هَذَا مقدما فِي فحول شعراء الأندلس (فدى للَّتِي لم يثن لين فؤادها ... على كبد جَار الْفِرَاق فآدها) (من الْبيض ريا فِي رِدَاء ذوائب ... يباري سَواد الْعين مِنْهَا سوادها) يَقُول فِيهَا

стр. 485

( ... ... ... . الرَّوْض ... ... . ... سَقَاهَا الصِّبَا السلسال حَتَّى أنادها) (تقود بِلَا رفق خُيُول مدامعي ... لتورد هيجاء الملام ورادها) (وَمَا أنصفتها حِين ضنت بجودها ... عَلَيْهَا وحثّت بالطّراد جيادها) (أفدت غَدَاة الْبَين مِنْهَا التماحة ... شكرت صَنِيع الْبَين بِي إِذْ أفادها) (أعيدي سقِِي مثواك ألعس أشنب ... إِذا مَرضت أَرض الْأَحِبَّة جادها) (يضوع بواديك الأغنّ أغانياً ... مَتى مَا يعدها لم تملّ معادها) (إِذا مَا أجادت كفّه حول رَوْضَة ... حَسبنَا جدي عبد الْعَزِيز أجادها) ثمَّ تصرف فِي المديح تصرفه فِي النسيب وَأحسن وأبدع وَابْن يحيى هُوَ يحيى بن أَحْمد بن يحيى اليحصبيّ من أهل لبلة استولى عَلَيْهَا أَحْمد أَبوهُ فِي بضع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وملكها نَحوا من عشْرين سنة إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ فوليها بعده وَكَانَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ من مفاخر الأندلس وَهُوَ أحد الرؤساء الْأَعْلَام وتواليفه قلائد فِي أجياد الْأَيَّام ذكره ابْن بشكوال فِي تَارِيخه وَحكى أَنه كَانَ يمسك كتبه فِي سنباني الشّرب وَغَيرهَا إِكْرَاما لَهَا قَالَ وَجمع كتابا فِي إِعْلَام

стр. 486

نبوة نَبينَا ﷺ أَخذه النَّاس عَنهُ وَتُوفِّي فِي شَوَّال سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَحكى الْفَتْح بن عبيد الله فِي مَا وجد بِخَط ابْن حيّان على زَعمه أَن أَبَا عبيد صَار إِلَى مُحَمَّد بن معن صَاحب المرية فاصطفاه لصحبته وآثر مُجَالَسَته والأنس بِهِ وَرفع مرتبته ووفر طعمته وَمن شعره يُخَاطب أَبَا الْحسن إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن يحيى الْمَعْرُوف بِابْن السّقاء وَزِير أبي الْوَلِيد بن جهور بقرطبة وَقد خرج رَسُولا إِلَى باديس بن حبّوس بغرناطة أنشدها لَهُ ابْن حيّان فِي تَارِيخه الْكَبِير ونقلتها من خطّ أبي الْوَلِيد بن الدّباغ المحدّث (كَذَا فِي بروج السعد ينْتَقل الْبَدْر ... وتحسن حَيْثُ احتلّ آثاره الْقطر) (وتقتسم الأَرْض الحظوظ فبقعة ... لَهَا وافر مِنْهَا وَأُخْرَى لَهَا نزر) (لذلّ مَكَان غَابَ عَنهُ مملّكي ... وعزّ مَكَان حلّه ذَلِك الْبَدْر) (فَلَو نقلت أَرض خطاها لأقبلت ... تهنيه بَغْدَاد بقربك أَو مصر) وَله فِي الْمُعْتَمد مُحَمَّد بن عباد عِنْد إِجَازَته الْبَحْر مستجيراً بِيُوسُف بن تاشفين يهون علينا مركب الْفلك أَن يرى ... محيي الْعلَا لما نبا مركب الجدّ

стр. 487

(فجزت أجاج الْبَحْر تبغي زلاله ... وذقت جني الْأَهْوَال تبغي جني الشهد) (يذكرنَا ذَاك الْعباب إِذا طما ... ندى كفك الهامي على الْقرب والبعد) وَمِنْهَا (مُحَمَّد يَا ابْن الأكرمين أرومة ... لِيَهنك تشييد المكارم وَالْمجد) (فَلَو خلّد الْإِنْسَان بالمجد والتّقى ... وآلائه الْحسنى لهنّئت بالخلد) وَله (أجدّ هوى لم يأل شوقاً تجدداً ... ووجداً إِذا مَا أتهم الحبّ أنجدا) (وَمَا زَالَ هَذَا الدَّهْر يلحن فِي الورى ... فيرفع مجروراً ويخفض مبتدا) (وَمن لم يحط بِالنَّاسِ علما فإنني ... بلوتهم شَتَّى مسوداً وَسَيِّدًا) وَله وَكَانَ مُولَعا بِالْخمرِ منهمكا فِيهَا (خليلي إِنِّي قد طربت إِلَى الكاس ... وتقت إِلَى شم البنفسج والآس) (فَقومُوا بِنَا نَلْهُو ونستمع الْغِنَا ... ونسرق هَذَا الْيَوْم سراًّ من النَّاس) (فَلَيْسَ علينا فِي التّعلّل سَاعَة ... وَإِن وَقعت فِي عقب شعْبَان من باس)

стр. 488

الْمِائَة السَّادِسَة ١٤٠ - يحيى بن تَمِيم بن الْمعز الصنهاجي أَبُو عَليّ أَمِير إفريقية ملك بعد أَبِيه تَمِيم فِي منتصف رَجَب سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي ثَانِي عيد الْفطر سنة سبع وَخَمْسمِائة وتخلف من الْوَلَد الذُّكُور نيفاً وَثَلَاثِينَ وَلم يطلّ أمد ولَايَته استغرقت عمره إِمَارَة أَبِيه فَلم يَرث سُلْطَانه إِلَّا وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعَة أشهر إِلَّا أَيَّامًا مولده بالمهدية لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وبرز للنَّاس رَاكِبًا ثمَّ عَاد إِلَى قصره فَخلع على وزرائه خلعاً نفيسة ووهب للأجناد وَالْعَبِيد أَمْوَالًا جمة وَمِمَّا أنْشد فِي ذَلِك الْيَوْم (سقى الْغَيْث قبراً ضم أكْرم مَفْقُود ... يعزّي بِهِ فِي النَّاس أفضل مَوْجُود) (مضى فائزاً بالخلد أفضل وَالِد ... وشرّف هَذَا الْملك أشرف مَوْلُود) (وأحياه يحيى من ردى كل ملحد ... وولّى تَمِيم عَنهُ أكْرم ملحود) (فقد طابت الدُّنْيَا بِأَعْلَى مؤيّد ... كَمَا فازت الْأُخْرَى بأكرم موءود) (أرى النشأة الأولى أُعِيدَت فَأَقْبَلت ... بِملك سُلَيْمَان وفقدان دَاوُود) وليحيى هَذَا شعر ضَعِيف مِنْهُ قَوْله

стр. 489

(أَلا يَا مُنْتَهى طربى ... وَمن لم يعدها أربي) (إِذا مَا كنت حَاضِرَة ... شربت الراح بالنّخب) (وَمهما غبت عَن بَصرِي ... فواحزني وواحربي) (فجودي بالوصال على ... شرِيف الْقدر والحسب) (وسقّيه معتّقة ... لَهَا تَاج من الحبب) (مليك ملّكت كَفاهُ ... رقّ الْعَجم وَالْعرب) وَله (أَلا حبذا يَوْمنَا بالحمى ... وَقد قَارن الْقَمَر المُشْتَرِي) (وَجَاء الحبيب إِلَى منزلي ... برياّ القرنفل والعنبر) (وغنت لنا قينة حلوة ... بنظم من الشّعْر كالجوهر) (إِذا كَانَ حبي حذا ناظري ... شربت المدام وَلم أسكر) قَالَ أَبُو الصَّلْت وَكُنَّا بَين يَدَيْهِ فِي يَوْم من شعْبَان شَدِيد الْبرد فَقَالَ بديهاً (أما ترى القرّ قد وافت عساكره ... فادفعه منتصراً بالفرو والشّرر) (وقهوة عتّقت فِي الدّنّ صَافِيَة ... يصفو بهَا عَيْش حاسيها من الكدر) وَقَالَ لي ولبعض كِتَابه أجيزا فعملنا على جِهَة الِاشْتِرَاك وجلّه لِلْكَاتِبِ (يَا من حلاه جمال الْكتب والسّير ... وَمن ندى يَده مغن عَن الْمَطَر) (ذعرت عبديك لما قلت مرتجلا ... ضربا من الشّعْر يعيي أشعر الْبشر) أما ترى القرّ قد وافت عساكره الْبَيْت وَالَّذِي بعده (فطاوعاك وَقَالا تابعين وَمن ... يجار سحبان لَا يَأْمَن من الْحصْر)

стр. 490

(تسْعَى عَلَيْك بهَا هيفاء ناعمة ... تسبي الْعُقُول بِحسن الدّلّ والحور) (كَأَن غرتها الغراء شمس ضحى ... تبدو لعينك فِي ليل من الشّعر) ١٤١ - رشيد الدولة أَبُو يحيى مُحَمَّد بن عز الدولة أبي مَرْوَان عبيد الله بن المعتصم مُحَمَّد بن معن بن صمادح ذكره أَبُو عَامر السالمي فِي تَارِيخه وَقَالَ نَشأ بعد انْقِرَاض ملكهم فكلف بالآداب وبرز فِيهَا ثمَّ تاق إِلَى الرِّئَاسَة فقيّد فَمن قَوْله فِي السجْن (أحبّتنا الْكِرَام بغوا علينا ... وبغى الْمَرْء معطبة ونار) (وَقَالُوا الهجر لمّا يعلموه ... وهجر القَوْل منقصة وعار) (صبرت على مقارعة الدَّوَاهِي ... وطبع الحرّ صَبر وائتجار) (وَقلت لَعَلَّهَا ظلم ألمّت ... وَحَال اللَّيْل آخرهَا النَّهَار) (فَإِن يكن الردى يكن اصطبار ... وَإِن تكن المنى يكن اغتفار) وَله فِي ذَلِك (صبرا على نائبات الدَّهْر إنّ لَهُ ... يَوْمًا كَمَا فتك الإصباح بالظّلم) (إِن كنت تعلم أَن الله مقتدر ... فثق بِهِ تلق روح الله من أُمَم) (وقلما صَبر الْإِنْسَان محتسباً ... إِلَّا وَأصْبح فِي فضفاضة النّعم)

стр. 491

وَذكر أَبُو عَليّ بن الأشيري أَنه كَانَ مَعَ أبي يحيى هَذَا وعمّه رفيع الدولة بن المعتصم بداخل تلمسان فِي حصارها سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وتاشفين ابْن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فِي ذَلِك الْوَقْت بظاهرها فِي محلاته وجموعه قَالَ فورد على الْمُوَحِّدين أعزهم لله فتح ضربوا لَهُ طبولهم فَقَالَ رفيع الدولة وَكَانَ مسناًّ لِابْنِ أَخِيه أبي يحيى لَوْلَا كبر سني وضعفي لَكُنْت عِنْدهم حرصاً عَلَيْهِم ونظراً لنَفْسي فَقَالَ أَبُو يحيى تعال نقل شعرًا نجعله عدّة فَقَالَ رفيع الدولة وَكَانَ ذَا بديهة (لعبد الْمُؤمن الْملك ... يَدُور السعد فِي الْفلك) فَقَالَ أَبُو يحيى (همام نور غرّته ... كضوء الْبَدْر فِي الحلك) فَقَالَ ابْن الأشيري (فيمّمه تَجِد ملكا ... عَلَيْهِ سكينَة الْملك) (وَلَا تجزع فَلَيْسَ لَهُ ... على القصاد من دَرك) قَالَ وشاعت هَذِه الأبيات وَإِلَى تلمسان وَبَلغت أَبَا بكر بن مزدلي فخاف قائلوها وَكَانَ رفيع الدولة إِذْ ذَاك مقدّماً على بُنيان سور الرّبص مِنْهَا بحيلة قَالَ ابْن الأشيري وَكنت أرى فِي النّوم من يَقُول

стр. 492

.. . بِهِ ... سفر فارغة فَذكرت ذَلِك لأبي يحيى بن صمادج ... من خصّه بِالنعَم السابغة ... فَجرى الْقدر بذلك ... فيسير والربرتير هَذَا علج لبني تاشفين من كبار قوادهم وأبطال رِجَالهمْ كَانَت لَهُ

стр. 493

فِي الحروب مقاوم شهيرة وَكَانَ مقتل تاشفين لَيْلَة سبع وَعشْرين من شهر رَمَضَان من سنة تسع وَثَلَاثِينَ الْمَذْكُورَة وجّه ابْنه إِبْرَاهِيم وليّ عَهده إِلَى مراكش خوفًا عَلَيْهَا فِي شعْبَان وَسَار كَاتبا مَعَه أَبُو جَعْفَر بن عَطِيَّة وَاسْتقر هُوَ

стр. 494

بوهران ولجأ إِلَى حصن شرع فِي بُنْيَانه فِي تِلْكَ الْأَيَّام فقصده الموحدون وأضرموا النَّار حوله فَلَمَّا رأى ذَلِك ودع أَصْحَابه لَيْلًا واقتحم وَالنَّار محتدمة بَاب الْحصن فَوجدَ من الْغَد مَيتا لَا أثر فِيهِ لضربة وَلَا طعنة وَيُقَال إِن فرسه صرعه وسيق فصلب وَقَالَ غير ابْن الأشيري كَانَ مهلك تاشفين بِخَارِج مَدِينَة وهران تردى بِهِ فرسه فِي الْبَحْر فَهَلَك وتكسّرا جَمِيعًا وَكَانَ قصد الرّباط بِخَارِج وهران على الْبَحْر فِي قِطْعَة من أَصْحَابه ليقوم بِهِ لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور فنبّه عَلَيْهِ الموحدون أعزهم الله فطرقوهم لَيْلًا فِي جمع وافر وَأَحْدَقُوا بالرّباط وَفِيهِمْ أَمِير الْأُمَرَاء والمخصوص بنصر الْأَوْلَوِيَّة ونجح الآراء الشَّيْخ الْمُعظم الْمُجَاهِد الْمُقَدّس المرحوم أَبُو حَفْص عمر بن يحيى رضوَان الله عَلَيْهِ وراث الممالك ومورثها ومطفئ نَار الْفِتَن والتجسيم مؤرّثها الَّذِي كَانَت الْفتُوح تنثال عَلَيْهِ وتتلاقي لَدَيْهِ وكتائب النَّصْر والرعب تسير خَلفه وَبَين يَدَيْهِ فَلَمَّا علم تاشفين بهم ركب وَخرج هُوَ وَأَصْحَابه مستميتين فَوَقع تاشفين على من يَلِيهِ

стр. 495

من محاربيه وَظن الأَرْض مُتَّصِلَة فهوى بِهِ فرسه وتمزق بِأَسْفَل المهوى وَانْهَزَمَ عسكره وَذَلِكَ بعد مكنه فِي الْحَرْب خَمْسَة أَعْوَام إِلَّا أشهراً ثَلَاثَة مَا آوى إِلَى بلد وَلَا عرّج على أهل وَلَا ولد وَمن يحارب أَمر الله محروب واتصل مَقْتَله بِابْن أَخِيه يحيى بن أبي بكر بن عَليّ بن يُوسُف وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الصّحراوية وَكَانَ بتلمسان فَخرج مِنْهَا فِي أَصْحَابه وأسلمها وَخرج أَبُو يحيى بن صمادح وَابْن الأشيري مُهَاجِرين فَقبلا وَلأبي يحيى مِنْهُمَا قصائد مطولات فِي مدح الْأَمر العالي وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن ابْن الصحراوية كَانَ بتلمسان وَقد تقدم عَن ابْن الأشيري أَن أَبَا بكر بن مزدلي كَانَ والياً عَلَيْهَا فِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة فَلَعَلَّهُ ولى بعده أَو كَانَ مدَدا لَهُ فِي تِلْكَ الْمدَّة
следующие страницы →