Полный текст (687 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وَذكر أَبُو عَليّ بن الأشيري أَنه كَانَ مَعَ أبي يحيى هَذَا وعمّه رفيع الدولة بن المعتصم بداخل تلمسان فِي حصارها سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وتاشفين ابْن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فِي ذَلِك الْوَقْت بظاهرها فِي محلاته وجموعه قَالَ فورد على الْمُوَحِّدين أعزهم لله فتح ضربوا لَهُ طبولهم
فَقَالَ رفيع الدولة وَكَانَ مسناًّ لِابْنِ أَخِيه أبي يحيى لَوْلَا كبر سني وضعفي لَكُنْت عِنْدهم حرصاً عَلَيْهِم ونظراً لنَفْسي فَقَالَ أَبُو يحيى تعال نقل شعرًا نجعله عدّة فَقَالَ رفيع الدولة وَكَانَ ذَا بديهة
(لعبد الْمُؤمن الْملك ... يَدُور السعد فِي الْفلك)
فَقَالَ أَبُو يحيى
(همام نور غرّته ... كضوء الْبَدْر فِي الحلك)
فَقَالَ ابْن الأشيري
(فيمّمه تَجِد ملكا ... عَلَيْهِ سكينَة الْملك)
(وَلَا تجزع فَلَيْسَ لَهُ ... على القصاد من دَرك)
قَالَ وشاعت هَذِه الأبيات وَإِلَى تلمسان وَبَلغت أَبَا بكر بن مزدلي فخاف قائلوها وَكَانَ رفيع الدولة إِذْ ذَاك مقدّماً على بُنيان سور الرّبص مِنْهَا بحيلة قَالَ ابْن الأشيري وَكنت أرى فِي النّوم من يَقُول
стр. 492
.. . بِهِ ... سفر فارغة فَذكرت ذَلِك لأبي يحيى بن صمادج ... من خصّه بِالنعَم السابغة ... فَجرى الْقدر بذلك ... فيسير والربرتير هَذَا علج لبني تاشفين من كبار قوادهم وأبطال رِجَالهمْ كَانَت لَهُ
стр. 493
فِي الحروب مقاوم شهيرة وَكَانَ مقتل تاشفين لَيْلَة سبع وَعشْرين من شهر رَمَضَان من سنة تسع وَثَلَاثِينَ الْمَذْكُورَة
وجّه ابْنه إِبْرَاهِيم وليّ عَهده إِلَى مراكش خوفًا عَلَيْهَا فِي شعْبَان وَسَار كَاتبا مَعَه أَبُو جَعْفَر بن عَطِيَّة وَاسْتقر هُوَ
стр. 494
بوهران ولجأ إِلَى حصن شرع فِي بُنْيَانه فِي تِلْكَ الْأَيَّام
فقصده الموحدون وأضرموا النَّار حوله فَلَمَّا رأى ذَلِك ودع أَصْحَابه لَيْلًا واقتحم وَالنَّار محتدمة بَاب الْحصن فَوجدَ من الْغَد مَيتا لَا أثر فِيهِ لضربة وَلَا طعنة
وَيُقَال إِن فرسه صرعه وسيق فصلب
وَقَالَ غير ابْن الأشيري كَانَ مهلك تاشفين بِخَارِج مَدِينَة وهران تردى بِهِ فرسه فِي الْبَحْر فَهَلَك وتكسّرا جَمِيعًا وَكَانَ قصد الرّباط بِخَارِج وهران على الْبَحْر فِي قِطْعَة من أَصْحَابه ليقوم بِهِ لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان الْمَذْكُور فنبّه عَلَيْهِ الموحدون أعزهم الله فطرقوهم لَيْلًا فِي جمع وافر وَأَحْدَقُوا بالرّباط وَفِيهِمْ أَمِير الْأُمَرَاء والمخصوص بنصر الْأَوْلَوِيَّة ونجح الآراء الشَّيْخ الْمُعظم الْمُجَاهِد الْمُقَدّس المرحوم أَبُو حَفْص عمر بن يحيى رضوَان الله عَلَيْهِ وراث الممالك ومورثها ومطفئ نَار الْفِتَن والتجسيم مؤرّثها الَّذِي كَانَت الْفتُوح تنثال عَلَيْهِ وتتلاقي لَدَيْهِ وكتائب النَّصْر والرعب تسير خَلفه وَبَين يَدَيْهِ
فَلَمَّا علم تاشفين بهم ركب وَخرج هُوَ وَأَصْحَابه مستميتين فَوَقع تاشفين على من يَلِيهِ
стр. 495
من محاربيه وَظن الأَرْض مُتَّصِلَة فهوى بِهِ فرسه وتمزق بِأَسْفَل المهوى وَانْهَزَمَ عسكره
وَذَلِكَ بعد مكنه فِي الْحَرْب خَمْسَة أَعْوَام إِلَّا أشهراً ثَلَاثَة مَا آوى إِلَى بلد وَلَا عرّج على أهل وَلَا ولد وَمن يحارب أَمر الله محروب
واتصل مَقْتَله بِابْن أَخِيه يحيى بن أبي بكر بن عَليّ بن يُوسُف وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْن الصّحراوية وَكَانَ بتلمسان فَخرج مِنْهَا فِي أَصْحَابه وأسلمها
وَخرج أَبُو يحيى بن صمادح وَابْن الأشيري مُهَاجِرين فَقبلا
وَلأبي يحيى مِنْهُمَا قصائد مطولات فِي مدح الْأَمر العالي
وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن ابْن الصحراوية كَانَ بتلمسان وَقد تقدم عَن ابْن الأشيري أَن أَبَا بكر بن مزدلي كَانَ والياً عَلَيْهَا فِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة فَلَعَلَّهُ ولى بعده أَو كَانَ مدَدا لَهُ فِي تِلْكَ الْمدَّة
стр. 496
١٤٢ - أَحْمد بن الْحُسَيْن بن قسيّ أَبُو الْقَاسِم
أول الثائرين بالأندلس عِنْد اختلال دولة الملثمين وَهُوَ رومي الأَصْل من بادية شلب
نَشأ مشتغلاً بِالْأَعْمَالِ المخزنية ثمَّ تزهد بِزَعْمِهِ وَبَاعَ مَاله وَتصدق بِثمنِهِ وساح فِي الْبِلَاد
وَلَقي أَبَا الْعَبَّاس بن العريف بالمرية قبل إشخاصه إِلَى مراكش ثمَّ انْصَرف إِلَى قريته
وَأَقْبل على قِرَاءَة كتب أبي حَامِد الْغَزالِيّ فِي الظَّاهِر وَهُوَ يستجلب أهل هَذَا الشَّأْن محرضاً على الْفِتْنَة وداعياً إِلَى الثورة فِي الْبَاطِن
ثمَّ ادّعى الْهِدَايَة مخرقة وتمويهاً على الْعَامَّة وَتسَمى بِالْإِمَامِ وَطلب فاستخفى وَقبض على طَائِفَة من أَصْحَابه فأزعجوا إِلَى إشبيلية
стр. 497
وَلما دخلت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة أَشَارَ من مَوضِع استخفائه على أَصْحَابه المريدين أَن يَسِيرُوا مَعَ مُحَمَّد بن يحيى الشّلطيشي الْمَعْرُوف بِابْن الْقَابِلَة وَكَانَ يُسَمِّيه بالمصطفى لاختصاصه الْكُلِّي بكتابته واطلاعه على أُمُوره ثمَّ قَتله بعد ذَلِك وَأمرهمْ أَن يغدروا قلعة ميرتلة وَهِي إِحْدَى القلاع المنيعة بغرب الأندلس فِي وَقت رسمه لَهُم من هَذِه السّنة القارضة ملك اللمتونيين بمقتل تاشفين أَمِيرهمْ فِي رَمَضَان مِنْهَا
فكمنوا فمكنوا بالرّبض وهم نَحْو من سبعين رجلا وتغلبوا عَلَيْهَا سحر لَيْلَة الْخَمِيس الثَّانِي عشر من صفر مِنْهَا بعد أَن قتلوا بوّاب القلعة وأعلنوا بدعوة ابْن قسيّ وَأَقَامُوا على ذَلِك إِلَى أَن وصلهم فِي غرَّة شهر ربيع الأول فِي جمع وافر من المريدين شعارهم التهليل وَالتَّكْبِير فَصَعدَ إِلَى قصبتها واحتل بقصرها وَشرع فِي مُخَاطبَة أَعْيَان الْبِلَاد مخبّباً وللفتنة محزباً فَاسْتَجَاب لَهُ كثير مِنْهُم وأولهم أهل يابرة
стр. 498
ثمَّ أهل شلب واتسع على المرابطين خرق لم يرفعوه وهجم عَلَيْهِم حَادث طالما توقعوه
وآلت الْحَال بِابْن قسيّ إِلَى أَن خلع بميرتلة ثمَّ أُعِيد وَمِنْهَا هَاجر إِلَى الْمُوَحِّدين أعزهم الله فَقدم عَلَيْهِم بسلا متبرئاً من دعاويه وتائباً مِمَّا أسلفه من مساويه فِي ربيع الآخر سنة أَرْبَعِينَ ثمَّ انْصَرف فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين صُحْبَة الْجَيْش الَّذِي افْتتح جَزِيرَة طريف ثمَّ الجزيرة الخضراء
стр. 499
وَلما فتحت شلب ترك ابْن قسيّ عَلَيْهَا والياً وَمِنْهَا كَانَ قدومه فِي شهر رَمَضَان من السّنة مهنئاً بِفَتْح إشبيلية وَكَانَ فتحهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّالِث عشر من شعْبَان
وَبعد عوده إِلَى شلب ظهر مِنْهُ غير مَا فورق عَلَيْهِ إِلَى أَن صرّح بِالْخِلَافِ وداخل الطاغية ابْن الرّيق صَاحب قلنبرية فِي إعانته وإمداده فأظهر إجَابَته إِلَى مُرَاده وَبعث إِلَيْهِ بفرس وَسلَاح فَأنْكر ذَلِك أهل شلب وفتكوا بِهِ فِي قصر الشّراجب مِنْهَا مَوضِع سكناهُ فِي قصَّة طَوِيلَة ونصبوا مَكَانَهُ ابْن الْمُنْذر الْأَعْمَى معلنين بدعوة الْمُوَحِّدين وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَمن شعر ابْن قسيّ بَين يَدي ثورته
(إِذا صفر الأصفار جَاءَ فَإِنَّمَا ... يَجِيء بِأَمْر لَا يمرّ وَلَا يحلي)
(وشهرا ربيع فيهمَا كلّ آيَة ... وَعند جُمَادَى يَنْقَضِي أمد الخبل)
وَله
(وَمَا تدفع الْأَبْطَال بالوعظ عَن حمى ... وَلَا الْحَرْب تطفي بالرّقي والتمائم)
(وَلَكِن ببيض مرهفات وذبل ... مواردها مَاء الطّلي والغلاصم)
(وَلَا صلح حَتَّى نطعن الْخَيل بالقنا ... ونضرب بالبيض الرّقاق الصوارم)
(وَنحن أنَاس قد حمتنا سُيُوفنَا ... عَن الظُّلم لما جرم بالمظالم)
стр. 500
وَكَانَ أَبُو عمر أَحْمد بن عبد الله بن حربون الشلبي من كتّابه وَفِيه يَقُول
(اهرب إِلَى الله وابرأ ... من أَحْمد بن قسيّ)
(أَو فاتخذه إِمَامًا ... واكفر بِكُل نبيّ)
وَكتب إِلَيْهِ يمدحه
(لم أر جوداً لمستماح ... علّمني صَنْعَة امتداح)
(قد خلق الله راحتيه ... من طِينَة الْبَأْس والسماح)
(ألْقى على الْجُود نور بشر ... فجَاء كالغيث فِي الصَّباح)
(راش إِمَام الْهدى جناحي ... وَلَيْسَ فِي الْحق من جنَاح)
(أريتني الْيَوْم كَيفَ أوري ... وَكنت أصلدت فِي اقتداحي)
(تبَارك الله أيّ جدّ ... أفرغ فِي قالب المزاح)
فَقَالَ ابْن قسيّ يجِيبه
(جددت جداًّ بِلَا مزاح ... ورضت مُعْتَادَة الجماح)
(حليته من نتاج فكر ... حوليّه ثقفة القداح)
(دهماء قد لطمت بلَيْل ... وخوضت لجة الصَّباح)
(إِن سوبقت بالرياح جَاءَت ... بلقاء فِي مقدم الرِّيَاح)
(أَهْدَيْتهَا وَالزَّمَان باد ... صَلَاحه لِذَوي الصّلاح)
(فَكَانَت الزّهر لانتسام ... وَكَانَت الزّهر لالتماح)
(فَأَقْبَلت بِي على اغتباق ... لَيْلًا وَيَوْما على اصطباح)
(وَكنت أعتدّ أنّ رُمْحِي ... فِي الطعْن من أثقف الرماح)
стр. 501
(حَتَّى طلعتم لَدَى عجاج ... كالليل غشّى من النواحي)
(فَمن لموح من العوالي ... وَمن لموع من الصّفاح)
(فثم كسّرت من صعادي ... وَثمّ ألقيت بِالسِّلَاحِ)
(وَبعد يَا من أعَار خلقي ... حلى من أخلاقه السّماح)
(فها أَنا الْيَوْم فِي بساطي ... هزل وجدّ من امتداح)
(أعطي إِلَى الْجد صفح رسم ... بَاقٍ وللهزل صفح ماح)
(فأعقب المزح حَال جدّ ... والجدّ أولى من المزاح)
١٤٣ - مُحَمَّد بن عمر بن الْمُنْذر أَبُو الْوَلِيد
أحد أَعْيَان شلب ونبهائها من بَيت قديم فِي المولّدين وَكَانَ من أحسن النَّاس وَجها ولازم التَّعَلُّم بإشبيلية فِي صغره حَتَّى تميز بالمعارف الأدبية والفقهية
وَولى خطة الشورى بِبَلَدِهِ ثمَّ تزهد وانزوى ورابط على سَاحل الْبَحْر فِي
стр. 502
رِبَاط الرّيحانة وَتصدق بِمَالِه وَصَاحب أَحْمد بن قسيّ الدّعي وامتحن من أَجله ثمَّ خلص من ذَلِك واتّبعه عِنْد ثورته وَقَامَ فِي بَلَده بدعوته مستعيناً على ذَلِك بِأبي مُحَمَّد سيدراي بن وَزِير الثائر بيابرة قبله وَكَانَت بَينهمَا قيل صُحْبَة وصداقة ثمَّ سَار إِلَى حصن مرجيق من أَعمال شلب وَقد ضَبطه الملثمون فتغلب عَلَيْهِم وقتلهم
وسرى خبرهم إِلَى من كَانَ مِنْهُم بباجة فطلبوا من أَهلهَا تأمينهم على أَن يلْحقُوا بإشبيلية وإثرخروجهم مِنْهَا دَخلهَا ابْن الْمُنْذر فِي الْعَسْكَر الَّذِي أمده بِهِ ابْن وَزِير وَعَلِيهِ أَخُوهُ أَحْمد وخاله عبد الله بن عَليّ بن الصّميل ثمَّ قدم هُوَ وَأَبُو مُحَمَّد بن وَزِير على ابْن قسيّ فِي أول شهر ربيع الآخر من سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَقد اسْتَقر بقلعة مبرتلة قبل ذَلِك بِشَهْر فسلما عَلَيْهِ بالإمارة وأذعنا لَهُ بِالطَّاعَةِ فَأقر ابْن وَزِير على باجة وَمَا والاها أَمِيرا وَابْن الْمُنْذر على شلب وَمَا والاها كَذَلِك
ثمَّ انْصَرف ابْن وَزِير وتلوّم ابْن الْمُنْذر بميرتلة أَيَّامًا وَقد أبدى مُنَافَسَة ابْن وَزِير وحسادته ثمَّ لحق بِبَلَدِهِ حَتَّى إِذا اجْتمع عَسْكَر أكشونبة
стр. 503
إِلَى من عِنْده من الشّلبيين وَأَصْحَابه المريدين قدم على ابْن قسيّ ثَانِيَة يظْهر الْجد فِي نصرته وَالْعَمَل على نشر دَعوته فسرّ بمقدمه وجدد لَهُ عَهده على مَا بِيَدِهِ وسّماه الْعَزِيز بِاللَّه ثمَّ عبر وَادي آنة مُتَقَدما فِي جمعه إِلَى ولبة فَدَخلَهَا وامتد مِنْهَا إِلَى لبلة فقاتلها حَتَّى ملكهَا بمعاونة يُوسُف بن أَحْمد البطروجي أحد مَرَدَة الثوار من هَؤُلَاءِ المريدين وَأنزل من تمنع فِي بروجها من الملثمين
وطمح بِهِ الاغترار إِلَى إشبيلية وَقد نمى إِلَيْهِ أَنَّهَا حِينَئِذٍ دون أَمِير يضبطها فَتحَرك من لبلة نَحْوهَا وَدخل حصن الْقصر وطلياطة من أَعمال شرفها وَقد كثف جمعه وَكثر حشده فَانْتهى إِلَى الْحصن الزَّاهِر ودخله
стр. 504
وبظاهر اطريانة انْكَشَفَ أَصْحَابه أَمَام طَائِفَة من جَيش أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عَليّ بن غانية
стр. 505
وَكَانَ لما بلغه أَمر لبلة وبلاد الغرب قد بَادر من قرطبة بِالْخرُوجِ لغزو أَهلهَا فَوَافى إشبيلية وَابْن الْمُنْذر يعيث فِي نَوَاحِيهَا فعيّن من أَصْحَابه لاتّباعهم وعبور الْوَادي نحوهم من هَزَمَهُمْ وطردهم وَقتل عدد وافر مِنْهُم فَأسْرى ابْن الْمُنْذر لَيْلَة إِلَى لبلة وَأقَام بهَا يَوْمَيْنِ يحصنها ثمَّ لحق بشلب وَترك يُوسُف البطروجي بهَا فنازله ابْن غانية فِي جيوشه ثَلَاثَة أشهر وَذَلِكَ فِي كلب الشتَاء وحدّته إِلَى أَن بلغه قيام ابْن حمدين بقرطبة فَانْصَرف عَنْهَا إِلَى إشبيلية وَقد تغير على النَّاس وَاشْتَدَّ حذره مِنْهُم فجرت لَهُ مَعَهم وَلَهُم مَعَه قصَص طَوِيلَة
وَلما سمع ابْن قسيّ بِقِيَام ابْن حمدين أَمر ابْن الْمُنْذر هَذَا أَن يعسكر ويسير هُوَ وَمُحَمّد بن يحيى الْمَعْرُوف بِابْن الْقَابِلَة كَاتب ابْن قسيّ وَصَاحبه إِلَى قرطبة طَمَعا فِي دُخُولهَا وخاطب مَعَهُمَا أَهلهَا يرغبهم فِي أمره ويحرضهم على الْقيام بدعوته وَكَانَ بالرّبض الشَّرْقِي من لَهُ حرص عَلَيْهِ ورغبة فِيهِ كَأبي الْحسن ابْن مُؤمن وَغَيره فَتحَرك ابْن الْمُنْذر وَصَاحبه بعسكر شلب ولبلة فوجدوا أَحْمد بن عبد الْملك بن هود سيف الدولة قد جَاءَ بِهِ أهل قرطبة من بعض ثغورها الْمُجَاورَة لَهَا وملكوها عَلَيْهِم وطردوا ابْن حمدين فانحاز إِلَى الْحصن
стр. 506
الْمَعْرُوف بفرنجولش وَمِنْهَا أعادته الْعَامَّة لما قَامَت على ابْن هود وَقتلت وزيره ابْن شمّاخ وفر هُوَ بعد اثْنَي عشر يَوْمًا من دُخُولهَا وَلم يعد إِلَيْهَا بعد
وَانْصَرف أَصْحَاب ابْن قسيّ خائبين وَبعد وصولهم إِلَيْهِ استدعى أَبَا مُحَمَّد سيدراي بن وَزِير للاجتماع بِهِ فتوقف وارتاب لما كَانَ من قَبضه عَلَيْهِ بقصبة مبرتلة وخلعه ثمَّ صرفه إِلَى حَاله أثْنَاء مغيب ابْن الْمُنْذر فِي قصد إشبيلية
وَلما يئس مِنْهُ ابْن قسيّ أَمر ابْن الْمُنْذر بمحاربته فَهَزَمَهُ ابْن وَزِير وَقبض عَلَيْهِ واعتقله بِمَدِينَة باجة ثمَّ تذكر يَوْمًا خَاله وَقد صَارَت إِلَيْهِ بطليوس وأعمالها إِلَى مَا كَانَ بِيَدِهِ من بِلَاد الغرب فَأمر خَاله عبد الله بن الصّميل الْمَذْكُور قبل بِأَن يسير إِلَى باجة ويستخرج ابْن الْمُنْذر من سجنه ويسمل عَيْنَيْهِ فَفعل ذَلِك وَأقَام فِي معتقله إِلَى أَن فتح الموحدون أعزهم الله باجة وَسَائِر بِلَاد الغرب فأنقذه الله على أَيْديهم وَعَاد إِلَى شلب
وَكَانَ يُجَالس ابْن قسيّ فِي ولَايَته عَلَيْهَا من قبل الْمُوَحِّدين إِلَى أَن خلع دعوتهم وانسلخ من طاعتهم وداخل النَّصَارَى فاستراح ابْن الْمُنْذر إِلَى وُجُوه بَلَده بِمَا كَانَ عِنْده من بَاطِن أُمُوره ودبر مَعَهم وَهُوَ ذَاهِب الْبَصَر قَتله فتم ذَلِك كَمَا تقدم ذكره وَخَلفه فِي ولَايَته قَائِما بالدعوة المهدية خلّدها الله وَذَلِكَ فِي جمادي الأولى سنة سِتّ وَأَرْبَعين مخيف مِنْهُ أَن يثور ثَالِثَة فَنقل إِلَى إشبيلية بعد أَن خلعه ابْن وَزِير وَملك شلب دونه فِي خبر ذكره ابْن صَاحب
стр. 507
الصَّلَاة فِي كتاب ثورة المريدين من تأليفه وَبعد ذَلِك أجَاز الْبَحْر إِلَى سلا فَتوفي بهَا سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة
وَمن شعره يُخَاطب ابْنَته وَتوفيت بعد خلعه وسمل عَيْنَيْهِ
(أواحدتي قد كنت أرجوك خلفة ... لعينيّ أختيك اللَّتَيْنِ سبا الدَّهْر)
(رضيت بِحكم الله فِيمَا أصابني ... إِذا لم يكن يسر فيا حبذا الْعسر)
وَله وَبعث بِهِ إِلَى أبي بكر بن المنخّل فِي نكبته وَكَانَ قد استوزره فِي ولَايَته
(يَا واحدي من ذَا الورى بولاته ... ووحيدهم إِن ناظروا بذكائه)
(أما الْكَلَام فقد ملكت زَمَانه ... نوعا فنوعاً فَانْفَرد بلوائه)
(إِن شِئْت فانظم درّ لفظ رائق ... يحْكى حمام الأيك حَال غنائه)
(أَو شِئْت فانثر من كلامك جوهراً ... تغلو بِهِ الأرباح عِنْد شِرَائِهِ)
(يَا طَالبا علم الْكَلَام تحققاً ... أبشر فقد أَدْرَكته بلقائه)
(إِن كنت تبغي كشف غامضه فقد ... أنجحت فَانْزِل وارتبط بفنائه)
(واسمع إِذا ألقِي إِلَيْك معلما ... والقن هديت الحقّ من إلقائه)
(من كَانَ يرتاد الشِّفَاء لنَفسِهِ ... فلديه مِنْهُ مَا يَفِي بشفائه)
(مَا إِن يناظر حائراً فِي دينه ... إِلَّا اهْتَدَى وشفاه من أدوائه)
стр. 508
(وَإِذا تخطّ يَمِينه فِي مهرق ... أهْدى لنا الْحسنى بِحسن رُوَائِهِ)
(إبه أَبَا بكر وماذا من أَخ ... ناديت غَيْرك لم يجب لندائه)
(عثرت بِي الدُّنْيَا فَأصْبح معرضًا ... عني كَأبي لم أدن بإخائه)
(ومنحته ودي وصنت إخاءه ... من نائبات الدَّهْر حَال بلائه)
(ورعيت ظهر الْغَيْب حقّ جواره ... وحفظته من خَلفه وورائه)
(فَعدا عليّ وَلم أظنّ ببغيه ... وَأَنا بِحَال من أَمَان عدائه)
(لَو أنني مِمَّن تسوء ظنونه ... مَا نالني مَا نَالَ من تلقائه)
(مَا سَاءَ فعلي مرّة فيسوء بِي ... ظنّ بِمن قدمتّ لي بولائه)
فَأَجَابَهُ بقصيدة مِنْهَا
(يَا ملبسي النّعمى بِحسن ثنائه ... ومميّزي نَقْدا بِصدق ولائه)
(ألْقى عليّ مديحه فلبسته ... بردا وردّ عليّ فضل رِدَائه)
(وأعارني من خلقه وَصِفَاته ... فسحبت ذيل الوشي من صنعائه)
(لبيْك من دَاع تيم حبّه ... قلبِي فصيّره إِلَى سودائه)
(إِن كَانَ أَبنَاء الزَّمَان تشبهوا ... بأبيهم مَا أَنْت من أبنائه)
(فذر الحسود لما بِهِ فدواؤه ... فِي مَوته وحياته من دائه)
(لله درّك من فَتى عبثت بِهِ ... أَيدي الزَّمَان فأخلفت بعلائه)
(أفديه من حرّ جفاه زَمَانه ... لَو كَانَ يسمح دَهْرنَا بفدائه)
(قد كَانَ مثل السهْم ينفذ فِي الوغى ... والنصر مَعْقُود بِرَأْس لوائه)
стр. 509
(شهماً إِذا دجت الخطوب تبلّجت ... لعقولنا الأقمار من لألائه)
(شيم كأزهار الرّبيع وَرَاءَهَا ... همم تحطّ النَّجْم من غلوائه)
(وَإِذا ترقّى منبراً لملمة ... عطف الْقُلُوب على مناهج رائه)
(كَانَت لياليه نُجُوم زَمَاننَا ... فتناثرت حمماً على ظلمائه)
وَله إِلَى ابْن المنخّل أَيْضا
(لَئِن غضّ مِنْك الدَّهْر يَوْمًا بأزمة ... فحسبك أَن تلقى وَأَنت صبور)
(فَلَيْسَ أسى يبْقى وَإِن جلّ مثل مَا ... على كل حَال لَا يَدُوم سرُور)
(أيوجد فِي الدُّنْيَا من النَّاس صَاحب ... إِذا أَعرَضت أبقى لذاك عسير)
(طلبت عَزِيزًا لَا ينَال فَإِن يكن ... فَإِن أَبَا بكر بِذَاكَ جدير)
(رضيت بِهِ حظاًّ من النَّاس كلهم ... فَمَا بعده حرّ إِلَيْهِ نشِير)
فَأَجَابَهُ بقوله
(تجاف عَن الدُّنْيَا وَعَن برد ظلّها ... فإنّ بروداً لَا يَدُوم حرور)
(فديتك لَا تأسف لدُنْيَا تقلّصت ... وأوحش يَوْمًا مِنْبَر وسرير)
(وَإِن عريت جرد المذاكي وذلّلت ... أسود فَلم يسمع لَهُنَّ زئير)
(وغودرت الرَّايَات تهفو كَأَنَّهَا ... جوابح من ذعر عَلَيْك تطير)
(وَكَانَت وَلم تذْعَر عَلَيْك كَأَنَّهَا ... إِذا رفرفت يَوْم الْهياج نسور)
(طلبت وَفَاء وَالْوَفَاء سجية ... وَلكنهَا أمّ الْوَفَاء نزور)
(رَأَيْتُك تبغي مثل نَفسك فِي الْعلَا ... طلاب لعمري مَا أردْت عسير)
(وَمن ذَا الَّذِي يسمو سمّوك للعلا ... وَيَعْفُو عَن الزلات وَهُوَ قدير)
стр. 510
وَلابْن المنخّل فِيهِ يرثيه من قصيدة
(بأيّ حسام أدفَع الْخطب بعد مَا ... فقدت الحسام المنذريّ اليمانيا)
(وَمن لي بِمثل المنذريّ مُحَمَّد ... صديقا صَدُوقًا أَو خَلِيلًا مصافياً)
(وَقد كنت أستدني الْبعيد بِرَأْيهِ ... فَيَأْتِي على حكم الْإِرَادَة دانيا)
١٤٤ - عَليّ بن عمر بن أضحى الْهَمدَانِي أَبُو الْحسن
هُوَ عَليّ بن عمر بن مُحَمَّد بن مشرّف بن أَحْمد بن أضحى بن عبد اللَّطِيف بن غَرِيب بالغين الْمُعْجَمَة ابْن يزِيد بن الشّمر من هَمدَان فِي ذؤابة شرفها وصميم بيوتاتها وَقد تقدم ذكر نباهة سلفه وَقيام مُحَمَّد بن أضحى بِأَمْر الْعَرَب بعد سعيد بن جوديّ السّعديّ فِي خلَافَة الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد وَلم سميّ وَالِد عبد اللَّطِيف غَرِيبا حَتَّى غلب عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اسْمه خَالِد وَيزِيد بن الشّمر أَبوهُ هُوَ الدَّاخِل إِلَى الأندلس
وَولد أَبُو الْحسن على بن عمر هَذَا بالمريّة فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَولى قضاءها بعد أبي عبد الله مُحَمَّد بن يحيى بن الفرّا الزَّاهِد ثمَّ صرف بِعَبْد الْمُنعم بن سمجون وأعيد بعده ثَانِيَة
وَلما انْقَضتْ دولة الملثمين فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ودعا ابْن حمدين
стр. 511
لنَفسِهِ بقرطبة خَاطب أَبَا الْحسن بن أضحى يحضه على اتّباعه وَهُوَ إِذْ ذَاك بغرناطة وقاضيها أَبُو مُحَمَّد بن سماك فَقَامَ بدعوة ابْن حمدين وَتَابعه أهل بَلَده وأخرجوا الملثمين من الْمَدِينَة فَتَحَصَّنُوا بالقصبة ونشب الْقِتَال بَين الطَّائِفَتَيْنِ فاتصل ذَلِك مُدَّة
وَذكر أَبُو مُحَمَّد بن صَاحب الصَّلَاة أَن الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ ابْن أضحى من الملثمين هُوَ على بن أبي بكر الْمَعْرُوف بِابْن فنوا وَهِي أُخْت عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين كَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا بعد أبي زَكَرِيَّاء بن غانية قَالَ واستصرخ يَعْنِي ابْن أضحى بِابْن حمدين بقرطبة وبابن جزيّ قَاضِي جيّان فوجّه إِلَيْهِ ابْن حمدين ابْن أَخِيه عليّ بن أبي الْقَاسِم أَحْمد الْمَعْرُوف بِابْن أم الْعِمَاد فِي عَسْكَر قرطبة وَعلم بذلك سيف الدولة أَحْمد بن هود فعجّل وَدخل مَدِينَة غرناطة وَانْصَرف ابْن أم الْعِمَاد خائباً
стр. 512
وتعاون ابْن هود مَعَ ابْن أضحى على قتال الملثمين وحصارهم بالقصبة أشهراً وَفِي أثْنَاء ذَلِك جرحوا ولد ابْن هود وأسروه وأدخلوه القصبة فَمَاتَ من جراحه فغسلوه وكفنوه وجعلوه فِي نعش ودفعوه إِلَى أَبِيه فدفنه
قَالَ ثمَّ مَاتَ القَاضِي ابْن أضخى وَتقدم ابْنه مُحَمَّد بعده مَعَ الرّعية فِي معاونة ابْن هود ثمَّ إِن ابْن أبي جَعْفَر قَاضِي مرسية الثائر بهَا جَيش لمعونة أهل غرناطة فَلَمَّا وصل إِلَى مَا يقرب مِنْهَا وَهُوَ فِي ألفى فَارس من أهل الشرق خرج الملثمون إِلَيْهِ فهزموه وقتلوه وَكَثِيرًا مِمَّن كَانَ مَعَه وَدفن هُوَ بغرناطة وَعجز ابْن هود ففر إِلَى جيّان وَكَانَ قد ترك بهَا ابْن عَمه نَائِبا عَنهُ وَابْن مشرف البراجلي
стр. 513
فوفيا لَهُ وتغلب الملثمون على مَدِينَة غرناطة وفر مُحَمَّد بن عَليّ بن أضحى إِلَى المنكّب ثمَّ مِنْهَا إِلَى حصن بني بشير
وَحكى غَيره أَن ابْن أضحى لما دَعَا لِابْنِ حمدين فِي رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ تمنع الملثمون بقصبة غرناطة وَكَانُوا جمَاعَة أهل بَأْس ونجدة فيهم بَقِيَّة أمرائهم ونقاوة أبطالهم فحاربوه ثَمَانِيَة أَيَّام إِلَى أَن وصل من جيّان بعض قواد الثغر مدَدا لِابْنِ أضحى فاضطربت محلته بالمصلى وانضاف إِلَيْهِ من غرناطة جمع وافر فَخرج إِلَيْهِم الملثمون من الْغَد وهزموهم أقبح هزيمَة وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة ثمَّ عَادوا إِلَى القصبة وضيقوا على ابْن أضحى وَأهل الْبَلَد ومنعوهم الْمرَافِق ودامت الْحَرْب بَين الطَّائِفَتَيْنِ بداخل الْمَدِينَة وخارجها إِلَى أَن ورد ابْن أبي جَعْفَر الْقَائِم بمرسية فِي جموع وافرة يُقَال إِنَّهُم كَانُوا اثْنَي عشر ألفا بَين خيل وَرجل فَخرج إِلَيْهِ الملثمون مستميتين وَقد اشتدت شوكتهم وكثفت جَمَاعَتهمْ فهزموه وَقتل ابْن أبي جَعْفَر وَلم ينج من عسكره إِلَّا الْقَلِيل وَانْصَرف الملثمون إِلَى معقلهم ظَاهِرين على عداتهم ظافرين فِي حركاتهم
ثمَّ قدم ابْن هود وَدخل غرناطة من بَاب مورور وَمَعَهُ ابْنه عماد الدولة فَخرج إِلَيْهِ ابْن أضحى رَاجِلا وَسلم عَلَيْهِ وأنزله واستسقى ابْن هود فأمرله ابْن أضحى بقدح زجاج فِيهِ مَاء معدّ لإتلاف من يشربه فَعِنْدَ إِخْرَاجه صاحت بِهِ الْعَامَّة لَا تشربه يَا سُلْطَان وحذّرته الْعَاقِبَة فَخَجِلَ ابْن أضحى وَتَنَاول الْقدح وعبّ فِيهِ يَنْفِي الظّنّة بذلك عَنهُ فَمَاتَ من ليلته
وَنزل ابْن هود بعض الْبَسَاتِين بِظَاهِر غرناطة وَأقَام هُنَالك عشرَة أَيَّام
стр. 514
ثمَّ انْتقل إِلَى القصبة الْحَمْرَاء والقتال بَين الملثمين وَأهل الْمَدِينَة مُتَّصِل وَفِي بعض تِلْكَ الْأَيَّام أثخنوا ابْنه جراحاً وأسروه فَمَاتَ من ليلته فدفعوه إِلَى أهل الْبَلَد مكفناً ليدفنوه أَو يحملوه وَلم يقم ابْن هود بعد ذَلِك إِلَّا نَحْو شهر فِي مظالم وتنويع مغارم حَتَّى لهمّ بِهِ أهل غرناطة فانخزل عَنْهُم لَيْلًا وفر إِلَى مرسية وَقيل إِلَى جبان
وَقَامَ بعده بِأَمْر غرناطة أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي الْحسن بن أضحى وَذَلِكَ فِي أول سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة وَأقَام ثَمَانِيَة أَيَّام يغادي ويراوح بِالْقِتَالِ حَتَّى هرب من لَيْلَة الْجُمُعَة الْقَابِلَة إِلَى المنسكب وَعند هربه تصالح أهل الْمَدِينَة والملثمون وأميرهم عَليّ بن فنّو قد توفّي فخلفه مَيْمُون بن يدّر بن وَرْقَاء وَقيل بل دَخلهَا عنْوَة على أبي عَليّ الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن الْحَاج فِي نيابته عَن يحيى بن عَليّ ابْن غانية وَأقَام إِلَى أَن أسلمها إِلَى الْمُوَحِّدين أعزهم الله سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة
وَكَانَ أَبُو الْحسن بن أضحى فِي حداثته وَبعدهَا أبي النَّفس عَليّ الهمة فَقِيها يناظر عَلَيْهِ أديباً صَاحب بديهة قَرَأت بِخَط أبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي عمر يُوسُف بن عبد الله بن عبّاد البلنسيّ وحَدثني الْحَافِظ أَبُو الرّبيع ابْن سَالم عَنهُ وأنشدني ذَلِك غير مرّة قَالَ قَالَ أبي أنشدنا صاحبنا أَبُو بكر بن الغفائري ببلنسيّة وكتبها لي بِخَطِّهِ قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ الْمُحدث
стр. 515
أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد بن عمر الْيحصبِي قَالَ أَنْشدني القَاضِي أَبُو الْحسن بن أضحى لنَفسِهِ وَقد دخل مجْلِس عليّ بن يُوسُف بمراكش فَلم يهتبل بِهِ أحد وَنزل حَيْثُ انْتهى بِهِ الْمجْلس فحضره هَذَانِ البيتان فَاسْتَأْذن الْأَمِير فِي إنشادهما فَأذن لَهُ فَقَالَ
(نَحن الأهلّة فِي ظلام الحندس ... حَيْثُ احتللنا ثمّ صدر الْمجْلس)
(إِن يبخل الزَّمن الخؤون بعزّنا ... ظلما فَلم يذهب بعزّ الْأَنْفس)
فَأمر بترفيعه فِي الْمجْلس لَو قَالَ يذهب مَكَان يبخل لَكَانَ أَجود
وَله
(يَا سَاكن الْقلب رفقا كم تقطّعه ... الله فِي منزل قد ظلّ مثواكا)
(يشيّد النَّاس للتحصين منزلهم ... وَأَنت تهدمه بالعنف عيناكا)
(وَالله وَالله مَا حبي لفاحشة ... أعاذني الله من هَذَا وعافاكا)
وَله
(أزف الْفِرَاق وَفِي الْفُؤَاد كلوم ... ودنا الترحّل وَالْحمام يحوم)
(قل للأحبة كَيفَ أنعم بعدكم ... وَأَنا أسافر والفؤاد مُقيم)
(قَالُوا الْوَدَاع يهيج مِنْك صبَابَة ... ويثير مَا هُوَ فِي الْهوى مَكْتُوم)
(قلت اسمحوا لي أَن أفوز بنظرة ... ودعوا الْقِيَامَة بعد ذَاك تقوم)
وَله
(روحي لديك فردّية إِلَى جَسَدِي ... من لي على فَقده بِالصبرِ وَالْجَلد)
(بِاللَّه زوري كئيباً لَا عزاء لَهُ ... وشرّفيه ومثواه غَدَاة غَد)
стр. 516
(لَو تعلمين بِمَا أَلْقَاهُ يَا أملي ... بايعتني الودّ تصفيه يدا بيد)
(عَلَيْك مني سَلام الله مَا بقيت ... آثَار عَيْنَيْك فِي قلبِي وَفِي كَبِدِي)
وَله
(وشمعة يحملهَا شادن ... يستر وَجها قمريا بهَا)
(فَكَانَ كَالشَّمْسِ على نورها ... يكسف مِنْهَا الْبَدْر حَيْثُ انْتهى)
وَله وَكتب بِهِ إِلَى ذِي الوزارتين أبي جَعْفَر بن أبي الْقُرْطُبِيّ معتذراً
(ومستشفع عِنْدِي الورى بِخَبَر عِنْدِي ... وأولاهم بالشكر مني وبالحمد)
(وصلت فَلَمَّا لم أقِم بجزائه ... لففت لَهُ رَأْسِي حَيَاء من الْمجد)
وَله فِي الزّهْد يُخَاطب
(عليّ قد آن أَن تَتُوبَا ... مَا أقبح الشيب والعيوبا)
(شبت وَمَا تبت من بعيد ... سَوف ترى نَادِما قَرِيبا)
(تركب للهو والمعاصي ... صعباً وتستهل الذنوبا)
стр. 517
١٤٥ - مَرْوَان بن عبد الله بن مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان ابْن عبد الْعَزِيز أَبُو عبد الْملك
لما انْتهى إِلَى بلنسية الْخَبَر بِقِيَام أبي جَعْفَر حمدين بن مُحَمَّد بن حمدين وبيعته بقرطبة وبجامعها الْأَعْظَم فِي يَوْم السبت الْخَامِس من شهر رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وبانصراف ابْن غانية عَن لبلة وَقد أعجزه أمره وَتعذر عَلَيْهِ فتحهَا اضْطربَ أهل بلنسية وواليها حِينَئِذٍ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن أخي أبي زَكَرِيَّاء بن غانية وقاضبها أَبُو عبد الْملك هَذَا ولاه تاشفين بن عَليّ بن يُوسُف فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فاجتمعا فِي الْحِين على مُنَافَسَة كَانَت بَينهمَا فِي الْبَاطِن واتفقا على الائتلاف وَترك الْخلاف وَحضر النَّاس بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع فَقَامَ فيهم مَرْوَان خَطِيبًا يذكّر بجهاد اللمتونيين للروم ونصرهم للجزيرة واستنقاذهم بلنسية من أَيْديهم ويحض على التَّمَسُّك بدعوتهم وَالْوَفَاء لَهُم ثمَّ قَامَ عبد الله بن مُحَمَّد الْوَالِي وَتكلم بِمَا حَضَره فِي هَذَا الْمَعْنى وَذكر النَّاس بِمَا انتظم بَينهم وَبَين عَمه من الصُّحْبَة وانفصلوا
стр. 518
فنمى إِلَى عبد الله من القَوْل عَن القَاضِي وَغَيره مَا أزعجه وَلَيْلَة يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّامِن عشر من رَمَضَان أنفذ عِيَاله وأثقاله إِلَى شاطبة وَأصْبح هُوَ بالولجة فدار بَينه وَبَين الْجند مَا أوجب تمزيق خبائه وللفوز أَخذ فِي الْفِرَار مَعَ قومه فَلَمَّا استقروا بشاطبة أغارت خيله على جِهَات بلنسية فاكتسحت مَا وجدت وتظلم النَّاس إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز وَرغب إِلَيْهِ الْجند وَالْعرب ووجوه أهل الْبَلَد فِي التأمر عَلَيْهِم فَأبى وَقَالَ اخْتَارُوا من شيوخكم من تقدّمونه فاتفقوا على بعض اللّمتونيين البَاقِينَ ببلنسية بعد فرار عبد الله ابْن مُحَمَّد وتمشّت الْحَال على هَذَا أَيَّامًا
وَأَرَادَ هذاا لمجتمع عَلَيْهِ من لمتونة أَن يقبض على ابْن عبد الْعَزِيز فَلم يسْتَطع ثمَّ خامره الروع فلحق بشاطبة هُوَ وَالْبَاقُونَ مَعَه من أشياعه وَحِينَئِذٍ وَقع الْإِجْمَاع على ابْن عبد الْعَزِيز فاستخفى إِلَى أَن انْفَرد بِهِ أَبُو مُحَمَّد عبد الله ابْن عِيَاض قَائِد الثغر وَعبد الله بن مردنيش وَقَالا لَهُ هَذَا الْأَمر لابد لَك مِنْهُ والرأي الْمُبَادرَة فَقبل ذَلِك وَتمّ أمره والبيعة لَهُ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث من شَوَّال وولّى عبد الله بن عِيَاض الثغر وَمَا وَالَاهُ وَضم إِلَى نظره مَا كَانَ بأيدي أصهاره بني مردنيش قبل ظُهُورهمْ والملثمون أثْنَاء ذَلِك يغيرون على جِهَات ويعيثون فِيمَا يجاورهم من البسائط والمعاقل فاستدعى ابْن عبد الْعَزِيز أجناد الثغر ونهض بهم إِلَى منازلة شاطبة فانحدر الملثمون من قصبتها إِلَى الْمَدِينَة
стр. 519
ونبهوا الديار وَسبوا النِّسَاء وَقدم ابْن عبد الْعَزِيز على هَذِه الْحَال يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن عشر من شهرشوال فَكَانَت بَينه وَبينهمْ مواقفات ظهر فِيهَا عَلَيْهِم حَتَّى لجأوا إِلَى القصبة منهزمين
وَوصل أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي جَعْفَر بعسكر مرسية فِي آخر شَوَّال فأقاما على حِصَار شاطبة متفقين فِي الظَّاهِر مُخْتَلفين فِي الْبَاطِن وكل وَاحِد مِنْهُمَا يرى أَنه أولى بهَا
واضطربت مرسية إِثْر ذَلِك فَتوجه إِلَيْهَا ابْن أبي جَعْفَر مصلحاً ومسكّناً ثمَّ عَاد إِلَى حِصَار شاطبة وَوصل ابْن عِيَاض بِأَهْل الثغر معينا لأميره ابْن عبد الْعَزِيز فَلم يجد عبد الله بن مُحَمَّد بداًّ من الْفِرَار وَلحق بالمريّة فِي خبر طَوِيل وَمِنْهَا ركب الْبَحْر إِلَى أَبِيه مُحَمَّد بن عَليّ وَهُوَ بميورقة قد ملكهَا وَاسْتقر فِيهَا بِرَأْي أَخِيه أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عَليّ عِنْد ثورة الْعَامَّة بإشبيلية منصرفة من حِصَار لبلة
وَلما هرب عبد الله من قَصَبَة شاطبة استولى عَلَيْهَا ابْن عبد الْعَزِيز صلحا فحصّنها وعيّن لَهَا ضابطاً وَصدر إِلَى بلنسية فَيُقَال إِنَّه دَخلهَا رَاكِبًا على جمل فِي زِيّ الْجند وجددت لَهُ الْبيعَة يَوْم قدومه وَذَلِكَ فِي صفر سنة أَرْبَعِينَ وَانْصَرف ابْن أبي جَعْفَر إِلَى مرسية ثمَّ قتل على إِثْر ذَلِك بِجِهَة غرناطة فانضافت لقنت وأعمال شاطبة إِلَى ابْن عبد الْعَزِيز
стр. 520
وَعند استقلاله بالرئاسة خانه الْجند وَلم تف الجباية بالواجبات فتعللوا عَلَيْهِ بذلك وعزموا على خلعه وخاطبوا ابْن عِيَاض يستعجلونه فِي الْوُصُول إِلَيْهِم من مرسية وَكَانَ قد ملكهَا بمداخلة أَهلهَا وخلع أَبَا عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر مِنْهَا فِي الْعَاشِر من جمادي الأول من سنة أَرْبَعِينَ الْمَذْكُورَة فَلم يرع ابْن عبد الْعَزِيز إِلَّا إحداق الْجند بقصره يَوْم الثُّلَاثَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر جُمَادَى الأولى الْمَذْكُور وَحكى ابْن صَاحب الصَّلَاة أَن ذَلِك كَانَ فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهُ فَخرج رَاجِلا متنكراً وتدلّى من سور بلنسية لَيْلًا واعتسف الطَّرِيق دون دَلِيل حَتَّى لحق بجبال المريّة وَاجْتمعَ بالقائد مُحَمَّد بن مَيْمُون فَقبض عَلَيْهِ وَقَيده وَفَاء لبني غانية وَأقَام عِنْده إِلَى أَن دَفعه إِلَى عبد الله بن مُحَمَّد عدوّ ابْن عبد الْعَزِيز وطريده من بلنسية وشاطبة وَقد ورد على المرية فِي قطع
стр. 521
ميورقة برسم اتّباع الْعَدو فعفّ عبد الله عَن دَمه واحتمله مَعَه مُقَيّدا ونقم النَّاس على ابْن مَيْمُون فعله
وَيُقَال إِن عبد الْعَزِيز لما غدر بِهِ الْجند فر إِلَى قلييرة ثمَّ رَجَعَ إِلَى بلنسية مستتراً وَدخل دَاره الْقَدِيمَة فعثر على خَبره وَطلب حَتَّى أحرق بعض دوره فَخرج ثَانِيَة مستخفياً إِلَى مرسية واقتفى أَثَره يُوسُف بن هِلَال إِلَى مقربة مِنْهَا ففاته وَأقَام هُوَ بمرسية ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ خرج مِنْهَا إِلَى المرية فَقبض عَلَيْهِ ابْن مَيْمُون
وَلما خلعه الْجند قدّموا عبد الله بن مُحَمَّد بن سعد بن مردنيش نَائِبا عَن ابْن عِيَاض وأسكنوه قصر بلنسية وَقدم ابْن عِيَاض فِي آخر جُمَادَى الأولى وَقد وافته بيعَة أَهلهَا فِي طَرِيقه إِلَيْهَا فَأَقَامَ بهَا نَاظرا فِي أمورها ومصلحاً لثغورها ثمَّ عَاد إِلَى مرسية وَترك صهره أَبَا مُحَمَّد بن سعد ببلنسية أَمِيرا عَلَيْهَا من قبله وَهُوَ عمّ أبي عبد الله بن سعد أَمِير الشرق بعد ذَلِك وَالْمَعْرُوف
стр. 522
بِصَاحِب الْبَسِيط لِأَنَّهُ اسْتشْهد فِيهِ مَعَ سيف الدولة بن هود وَقبض أهل
стр. 523
الثغر على أبي جَعْفَر أَحْمد بن جُبَير وَهُوَ وَالِد أبي الْحُسَيْن الأديب الزَّاهِد وَاحْتَمَلُوهُ مُقَيّدا إِلَى حصن مطرنيش وَهُوَ من أمنع معاقل بلنسية وسجن فِيهِ إِلَى أَن فدى نَفسه بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار إِلَى مَا نهب لَهُ من دفاتر وذخائر فسرّح وَتوجه إِلَى شاطبة واتخذها دَارا
стр. 524
واستطالت الْأَيْدِي على سَائِر أَصْحَاب ابْن عبد الْعَزِيز وانتهب الْقصر أَيَّامًا وَعند إشخاصه مَقْبُوضا عَلَيْهِ إِلَى ميورقة سجن فِي بَيت مظلم مطبق كَانَ لَا يعرف النَّهَار فِيهِ من اللَّيْل وَترك أوقاتاً دون غذَاء وَلَا مَاء وَأقَام مسجوناً نَحوا من عشرَة أَعْوَام وَقيل اثْنَي عشر عَاما وَفِي سجنه ذَلِك قَالَ قصيدة يُعَارض بهَا أَبَا مَرْوَان الجزيري أَولهَا
(يَا نفس دُونك فاجزعي أَو فاصبري ... طلع الزَّمَان بِوَجْهِهِ المتنمّر)
وَهِي طَوِيلَة ضَعِيفَة لم يمر لَهُ فِيهَا كَبِير إِحْسَان فَلذَلِك تركتهَا ثمَّ إِنَّه تخلص من معتقله بسعي أبي جَعْفَر بن عَطِيَّة الْوَزير فِي ذَلِك حَتَّى خُوطِبَ إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عَليّ بتسريحه وَقد ولى ميورقة بعد قتل أَبِيه مُحَمَّد وأخيه عبد الله فِي سنة سِتّ بل سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وجنح إِلَى الْمُوَحِّدين أعزهم الله فامتثل إِسْحَاق ذَلِك ووجّه بِهِ إِلَى بجاية وَمِنْهَا توجّه إِلَى مراكش
стр. 525
فسعى لَهُ ابْن عَطِيَّة فِي حُضُور الْمجْلس السلطاني وَلما طُولِبَ قَالَ يغري بِهِ ويحرض عَلَيْهِ غامطاً حقّه وكافراً يَده
(قل للْإِمَام أَطَالَ الله مدَّته ... قولا تبين لذِي لبّ حقائقه)
(إِن الزّراجين قوم قد وثرتهم ... وطالب الثأر لَا تؤمن بوائقه)
(وللوزير إِلَى أربابهم ميل ... لذاك مَا كثرت فيهم علائقه)
(فبادر الحزم فِي إخماد نارهم ... فَرُبمَا عَاق عَن أَمر عوائقه)
(الله يعلم أَنِّي نَاصح لكم ... وَالْحق أَبْلَج لَا تخفي طرائقه)
(هم العدوّ وَمن ولاهم كهم ... فاحذر عدوّك وَاحْذَرْ من يصادفه)
فَكَانَت هَذِه الأبيات من أقوى الْأَسْبَاب فِي قتل ابْن عَطِيَّة ﵀ وَله أَيَّام خموله بالمغرب يصف حَاله
(أفّ لدُنْيَا تقلّبت بِي ... تقلّب المسي والغدوّ)
(قد كنت فِيمَا مضى عَزِيزًا ... مسامي النَّجْم فِي العلوّ)
(فحالي الْآن لَو رَآهَا ... بَكَى لَهَا رَحْمَة عدوّي)
وَتُوفِّي بمراكش سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة ومولده سنة خمس وَخَمْسمِائة
стр. 526
١٤٦ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن ابْن طَاهِر الْقَيْسِي أَبُو عبد الرَّحْمَن
لأهل بَيته فِي قدم الرِّئَاسَة وكرم السياسة ذكر مأثور وَأثر مَذْكُور وَقد أوردت كَلَام أبي مَرْوَان بن حيّان فِي أوّليتهم وَكَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الأول مِنْهُم فِي الرسائل كَأبي عبد الرَّحْمَن الْأَخير فِي عُلُوم الْأَوَائِل ذَلِك للْبَيَان والتشقيق وَهَذَا للنَّظَر وَالتَّحْقِيق
وَأول من ثار بمرسية بعد انْقِرَاض الدولة اللمتونية أَبُو مُحَمَّد بن الْحَاج اللورقي وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر بن إِبْرَاهِيم قدّمه أهل مرسية فَدَعَا لِابْنِ حمدين أَيَّامًا من شَهْري رَمَضَان وشوال سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَهِي السّنة الَّتِي كثر فِيهَا الثوار بشرق الأندلس وغربها من الْقُضَاة وَغَيرهم ثمَّ أظهر التبرم بِمَا حمّل وَأحب الانخلاع مِمَّا قلّد
وَاتفقَ أَن وجّه سيف الدولة بن هود قائداً من قواده يعرف بِعَبْد الله بن فتوح الثّغري إِلَى مرسية فَأخْرج ابْن الْحَاج مِنْهَا لِلنِّصْفِ من شَوَّال الْمَذْكُور ودعا لِابْنِ هود ثمَّ أخرج
стр. 527
وقدّم أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي جَعْفَر الْخُشَنِي الْفَقِيه فِي آخر شَوَّال هَذَا فَتَوَلّى بِالتَّدْبِيرِ بَقِيَّة الْعَام وأشهراً من سنة أَرْبَعِينَ وَكَانَ يَقُول فِي قِيَامه بالإمارة لَيست تصلح لي وَلست لَهَا بِأَهْل وَلَكِنِّي أُرِيد أَن أمسك النَّاس بَعضهم عَن بعض حَتَّى يَجِيء من يكون لَهَا أَهلا وَتوجه إِلَى شاطبة يعين أَبَا عبد الْملك مَرْوَان بن عبد الْعَزِيز على محاصرة من بهَا من الملثمين ثمَّ خرج غازياً إِلَى غرناطة ومعيناً للْقَاضِي أبي الْحسن بن أضحى فِي جَيش ضخم وَجمع كثيف يحْكى أَنه بلغ اثْنَي عشر ألفا من خيل وَرجل وَقد اشتدت شَوْكَة الملثمين بقصبتها وانضاف إِلَيْهِم من قَومهمْ خلق كثير فبالغوا فِي التَّضْيِيق على مدينتها وَأَكْثرُوا الْقَتْل فِي أَهلهَا وَلما سمعُوا بمسير ابْن جَعْفَر نحوهم تأهبوا لَهُ وبرزوا لدفاعه وَيُقَال إِن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن غانية كَانَ فيهم قبل لحاقه بِأَبِيهِ وقدومه عَلَيْهِ ميورقة إِلَى أَمْثَاله من الْأَعْيَان ولاتهم ومشاهير حماتهم فهزموا ذَلِك الْجمع بمقربة من غرناطة وَقتل ابْن أبي جَعْفَر
وَذكر ابْن صَاحب الصَّلَاة أَن عبد الله الثّغري كَانَ قائداً بكونكة فَلَمَّا سمع بِقِيَام ابْن حمدين خرج إِلَيْهِ وَأقَام لَدَيْهِ وَاتفقَ أَن وصلته مُخَاطبَة أهل
стр. 528
مرسية يذكرُونَ تقديمهم أَبَا مُحَمَّد بن الْحَاج وَأَنه استعفى من ذَلِك فأنفذ إِلَيْهِم الثّغري والياً وقدّم أَبَا جَعْفَر بن أبي جَعْفَر قَاضِيا قَالَ فورد يَوْم الثُّلَاثَاء منتصف شَوَّال سنة تسع وَثَلَاثِينَ
وَظهر من أبي جَعْفَر حبّ الرِّئَاسَة فحشد النَّاس لقِتَال الملثمين بأوريولة وغدر بهم عِنْد نزولهم على الْأمان فَقَتلهُمْ ثمَّ دَاخل أهل بَلَده مرسية فِي أَن يؤمّروه ويتقدم للْقَضَاء أَبُو الْعَبَّاس بن الحلاّل ولقيادة الْخَيل عبد الله الثغري فَلم يخالفوه
وَبعد انْعِقَاد الْبيعَة لَهُ نبذ طَاعَة ابْن حمدين ودعا لنَفسِهِ وَاقْتصر لقبه على الْأَمِير النَّاصِر لدين الله وَأسْقط مِنْهُ الدَّاعِي لإِمَام الْمُسلمين وَقبض على الثغري فسجنه وصهريه ابْني مسلوقة وصيّر قيادة الْخَيل لزعنون أحد وُجُوه الْجند
стр. 529
ثمَّ توجّه إِلَى شاطبة معينا لِابْنِ عبد الْعَزِيز فِي حِصَار الملثمين الممتنعين بقصبتها وَرَئِيسهمْ إِذْ ذَاك عبد الله بن مُحَمَّد بن غانية فثارت الْعَامَّة بمرسية عِنْد مغيب ابْن أبي جَعْفَر عَنْهَا وسرّحوا الثّغري وصهريه من معتقلهم فلحق بهَا وأطفأ تِلْكَ النائرة وهرب الثّغري إِلَى كونكة وَعَاد هُوَ إِلَى حِصَار شاطبة إِلَى أَن هرب عبد الله بن غانية مِنْهَا فَأتبعهُ ابْن أبي جَعْفَر خيلاً سلبت مَا تجمّل من المَال وأفلت هُوَ فلحق بالمرية
وَلما تغلب ابْن عبد الْعَزِيز على شاطبة عَاد ابْن أبي جَعْفَر إِلَى مرسية وَذَلِكَ فِي صفر سنة أَرْبَعِينَ ثمَّ توجه بعد ذَلِك إِلَى غرناطة مغيثاً أَهلهَا فَلَقِيَهُ الملثمون بخارجها فهزموا جموعه وقتلوه
وَعند انصراف الفلّ إِلَى مرسية أجمع أَهلهَا على تأمير أبي عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر هَذَا وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فانتقل إِلَى الْقصر ودعا لِابْنِ هود ثمَّ لنَفسِهِ بعده وقدّم أَخَاهُ أَبَا بكر على الْخَيل وَكَانَ ابْن حمدين قد وجّه ابْن أَخِيه وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْن أم الْعِمَاد بعسكر فَرد خائباً ثمَّ أعَاد تَوْجِيه عَسْكَر آخر مَعَ ابْن عَمه الْمَعْرُوف بالفلفلي صُحْبَة أبي مُحَمَّد ابْن الْحَاج وَابْن سوّار وَغَيرهمَا من الواصلين من أهل مرسية إِلَيْهِ فصد عَن دُخُولهَا وطولب المائلون إِلَيْهِ
وَأقَام ابْن طَاهِر فِي إمرته أَيَّامًا ريمثا خُوطِبَ أَبُو مُحَمَّد بن عِيَاض بتعجيل الْوُصُول إِلَيْهِم فَعجل الْمسير نحوهم وتلقاه زعنون وَهُوَ وَال على أوريولة
стр. 530
فبرىء مِنْهَا إِلَيْهِ وملّكه إِيَّاهَا وَلحق بِهِ الَّذين خاطبوه من مرسية يحرضونه على قَصدهَا وَلَا علم لِابْنِ طَاهِر بذلك بل تَمَادى على تَحْسِين الظَّن بالذين قدمُوا من لِقَاء ابْن عِيَاض وَقد برز النَّاس إِلَى لِقَائِه ثمَّ دخل الْقصر الْكَبِير لَا يدافعه عَنهُ أحد وَذَلِكَ فِي الْعَاشِر من جُمَادَى الأولى من السّنة وانتقل ابْن طَاهِر إِلَى الدَّار الصُّغْرَى ثمَّ خَافَ على نَفسه فَتَركهَا وانتقل إِلَى دَاره وعفّ ابْن عِيَاض عَن دَمه لعلمه بضعفه وَكَانَ مَعَ شهامته حسن السِّيرَة
وَفِي هَذَا الشَّهْر خلع الْجند مَرْوَان بن عبد الْعَزِيز ببلنسية واستدعوا ابْن عِيَاض فأمّروه وَأقَام أَمِيرا على شَرق الأندلس دَاعيا لِابْنِ هود إِلَى أَن قتل بالبسيط وداعياً بعد ذَلِك لنَفسِهِ
وَخَالفهُ عبد الله الثّغري إِلَى مرسية فِي بعض أَسْفَاره مِنْهَا فَدَخلَهَا وانتزى فِيهَا وَكَانَ قد أنفذه رَسُولا إِلَى الطاغية أذفونش ليعقد مَعَه السّلم ويمالئه على صَاحب برشلونة فَعَاد من سفارته هَذِه وَزعم أَن أذفونش أمّره على مرسية واستعان على دُخُولهَا بطَائفَة من أهل الْفساد كَانُوا يشايعونه فتم ذَلِك وهرب مُحَمَّد بن
следующие страницы →