Полный текст (687 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
١٤٦ - مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن ابْن طَاهِر الْقَيْسِي أَبُو عبد الرَّحْمَن
لأهل بَيته فِي قدم الرِّئَاسَة وكرم السياسة ذكر مأثور وَأثر مَذْكُور وَقد أوردت كَلَام أبي مَرْوَان بن حيّان فِي أوّليتهم وَكَانَ أَبُو عبد الرَّحْمَن الأول مِنْهُم فِي الرسائل كَأبي عبد الرَّحْمَن الْأَخير فِي عُلُوم الْأَوَائِل ذَلِك للْبَيَان والتشقيق وَهَذَا للنَّظَر وَالتَّحْقِيق
وَأول من ثار بمرسية بعد انْقِرَاض الدولة اللمتونية أَبُو مُحَمَّد بن الْحَاج اللورقي وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن جَعْفَر بن إِبْرَاهِيم قدّمه أهل مرسية فَدَعَا لِابْنِ حمدين أَيَّامًا من شَهْري رَمَضَان وشوال سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة وَهِي السّنة الَّتِي كثر فِيهَا الثوار بشرق الأندلس وغربها من الْقُضَاة وَغَيرهم ثمَّ أظهر التبرم بِمَا حمّل وَأحب الانخلاع مِمَّا قلّد
وَاتفقَ أَن وجّه سيف الدولة بن هود قائداً من قواده يعرف بِعَبْد الله بن فتوح الثّغري إِلَى مرسية فَأخْرج ابْن الْحَاج مِنْهَا لِلنِّصْفِ من شَوَّال الْمَذْكُور ودعا لِابْنِ هود ثمَّ أخرج
стр. 527
وقدّم أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي جَعْفَر الْخُشَنِي الْفَقِيه فِي آخر شَوَّال هَذَا فَتَوَلّى بِالتَّدْبِيرِ بَقِيَّة الْعَام وأشهراً من سنة أَرْبَعِينَ وَكَانَ يَقُول فِي قِيَامه بالإمارة لَيست تصلح لي وَلست لَهَا بِأَهْل وَلَكِنِّي أُرِيد أَن أمسك النَّاس بَعضهم عَن بعض حَتَّى يَجِيء من يكون لَهَا أَهلا وَتوجه إِلَى شاطبة يعين أَبَا عبد الْملك مَرْوَان بن عبد الْعَزِيز على محاصرة من بهَا من الملثمين ثمَّ خرج غازياً إِلَى غرناطة ومعيناً للْقَاضِي أبي الْحسن بن أضحى فِي جَيش ضخم وَجمع كثيف يحْكى أَنه بلغ اثْنَي عشر ألفا من خيل وَرجل وَقد اشتدت شَوْكَة الملثمين بقصبتها وانضاف إِلَيْهِم من قَومهمْ خلق كثير فبالغوا فِي التَّضْيِيق على مدينتها وَأَكْثرُوا الْقَتْل فِي أَهلهَا وَلما سمعُوا بمسير ابْن جَعْفَر نحوهم تأهبوا لَهُ وبرزوا لدفاعه وَيُقَال إِن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن غانية كَانَ فيهم قبل لحاقه بِأَبِيهِ وقدومه عَلَيْهِ ميورقة إِلَى أَمْثَاله من الْأَعْيَان ولاتهم ومشاهير حماتهم فهزموا ذَلِك الْجمع بمقربة من غرناطة وَقتل ابْن أبي جَعْفَر
وَذكر ابْن صَاحب الصَّلَاة أَن عبد الله الثّغري كَانَ قائداً بكونكة فَلَمَّا سمع بِقِيَام ابْن حمدين خرج إِلَيْهِ وَأقَام لَدَيْهِ وَاتفقَ أَن وصلته مُخَاطبَة أهل
стр. 528
مرسية يذكرُونَ تقديمهم أَبَا مُحَمَّد بن الْحَاج وَأَنه استعفى من ذَلِك فأنفذ إِلَيْهِم الثّغري والياً وقدّم أَبَا جَعْفَر بن أبي جَعْفَر قَاضِيا قَالَ فورد يَوْم الثُّلَاثَاء منتصف شَوَّال سنة تسع وَثَلَاثِينَ
وَظهر من أبي جَعْفَر حبّ الرِّئَاسَة فحشد النَّاس لقِتَال الملثمين بأوريولة وغدر بهم عِنْد نزولهم على الْأمان فَقَتلهُمْ ثمَّ دَاخل أهل بَلَده مرسية فِي أَن يؤمّروه ويتقدم للْقَضَاء أَبُو الْعَبَّاس بن الحلاّل ولقيادة الْخَيل عبد الله الثغري فَلم يخالفوه
وَبعد انْعِقَاد الْبيعَة لَهُ نبذ طَاعَة ابْن حمدين ودعا لنَفسِهِ وَاقْتصر لقبه على الْأَمِير النَّاصِر لدين الله وَأسْقط مِنْهُ الدَّاعِي لإِمَام الْمُسلمين وَقبض على الثغري فسجنه وصهريه ابْني مسلوقة وصيّر قيادة الْخَيل لزعنون أحد وُجُوه الْجند
стр. 529
ثمَّ توجّه إِلَى شاطبة معينا لِابْنِ عبد الْعَزِيز فِي حِصَار الملثمين الممتنعين بقصبتها وَرَئِيسهمْ إِذْ ذَاك عبد الله بن مُحَمَّد بن غانية فثارت الْعَامَّة بمرسية عِنْد مغيب ابْن أبي جَعْفَر عَنْهَا وسرّحوا الثّغري وصهريه من معتقلهم فلحق بهَا وأطفأ تِلْكَ النائرة وهرب الثّغري إِلَى كونكة وَعَاد هُوَ إِلَى حِصَار شاطبة إِلَى أَن هرب عبد الله بن غانية مِنْهَا فَأتبعهُ ابْن أبي جَعْفَر خيلاً سلبت مَا تجمّل من المَال وأفلت هُوَ فلحق بالمرية
وَلما تغلب ابْن عبد الْعَزِيز على شاطبة عَاد ابْن أبي جَعْفَر إِلَى مرسية وَذَلِكَ فِي صفر سنة أَرْبَعِينَ ثمَّ توجه بعد ذَلِك إِلَى غرناطة مغيثاً أَهلهَا فَلَقِيَهُ الملثمون بخارجها فهزموا جموعه وقتلوه
وَعند انصراف الفلّ إِلَى مرسية أجمع أَهلهَا على تأمير أبي عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر هَذَا وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر شهر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فانتقل إِلَى الْقصر ودعا لِابْنِ هود ثمَّ لنَفسِهِ بعده وقدّم أَخَاهُ أَبَا بكر على الْخَيل وَكَانَ ابْن حمدين قد وجّه ابْن أَخِيه وَهُوَ الْمَعْرُوف بِابْن أم الْعِمَاد بعسكر فَرد خائباً ثمَّ أعَاد تَوْجِيه عَسْكَر آخر مَعَ ابْن عَمه الْمَعْرُوف بالفلفلي صُحْبَة أبي مُحَمَّد ابْن الْحَاج وَابْن سوّار وَغَيرهمَا من الواصلين من أهل مرسية إِلَيْهِ فصد عَن دُخُولهَا وطولب المائلون إِلَيْهِ
وَأقَام ابْن طَاهِر فِي إمرته أَيَّامًا ريمثا خُوطِبَ أَبُو مُحَمَّد بن عِيَاض بتعجيل الْوُصُول إِلَيْهِم فَعجل الْمسير نحوهم وتلقاه زعنون وَهُوَ وَال على أوريولة
стр. 530
فبرىء مِنْهَا إِلَيْهِ وملّكه إِيَّاهَا وَلحق بِهِ الَّذين خاطبوه من مرسية يحرضونه على قَصدهَا وَلَا علم لِابْنِ طَاهِر بذلك بل تَمَادى على تَحْسِين الظَّن بالذين قدمُوا من لِقَاء ابْن عِيَاض وَقد برز النَّاس إِلَى لِقَائِه ثمَّ دخل الْقصر الْكَبِير لَا يدافعه عَنهُ أحد وَذَلِكَ فِي الْعَاشِر من جُمَادَى الأولى من السّنة وانتقل ابْن طَاهِر إِلَى الدَّار الصُّغْرَى ثمَّ خَافَ على نَفسه فَتَركهَا وانتقل إِلَى دَاره وعفّ ابْن عِيَاض عَن دَمه لعلمه بضعفه وَكَانَ مَعَ شهامته حسن السِّيرَة
وَفِي هَذَا الشَّهْر خلع الْجند مَرْوَان بن عبد الْعَزِيز ببلنسية واستدعوا ابْن عِيَاض فأمّروه وَأقَام أَمِيرا على شَرق الأندلس دَاعيا لِابْنِ هود إِلَى أَن قتل بالبسيط وداعياً بعد ذَلِك لنَفسِهِ
وَخَالفهُ عبد الله الثّغري إِلَى مرسية فِي بعض أَسْفَاره مِنْهَا فَدَخلَهَا وانتزى فِيهَا وَكَانَ قد أنفذه رَسُولا إِلَى الطاغية أذفونش ليعقد مَعَه السّلم ويمالئه على صَاحب برشلونة فَعَاد من سفارته هَذِه وَزعم أَن أذفونش أمّره على مرسية واستعان على دُخُولهَا بطَائفَة من أهل الْفساد كَانُوا يشايعونه فتم ذَلِك وهرب مُحَمَّد بن
стр. 531
سعد بن مردنيش نَائِب بني عِيَاض فِيهَا فلحق بلقنت وَذَلِكَ فِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة من سنة أَرْبَعِينَ
ثمَّ قتل الثّغري سَابِع رَجَب سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَاسْتولى ابْن عِيَاض ثَانِيَة على مرسية وَسَائِر بِلَاد الشرق إِلَى أَن قضى نحبه من سهم رمي بِهِ فِي بعض حروبه مَعَ الرّوم يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين فَكَانَت ولَايَته عَاما وَتِسْعَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا وَحمل إِلَى بلنسية فَدفن بهَا وَمُحَمّد بن سعد إِذْ ذَاك وَال عَلَيْهَا فَقَامَ بمواراته وَعلم أَهلهَا بِعَهْد ابْن عِيَاض إِلَيْهِ بالإمارة من بعده فَبَايعُوا لَهُ وَيُقَال بل نَصبه أَهلهَا لذَلِك دون عهد
وَأما أهل مرسية فأمضوا نِيَابَة عليّ بن عبيد عَن ابْن عِيَاض بعد وَفَاته إِلَى أَن تخلى هُوَ فِي أَوَاخِر جُمَادَى الأولى من السّنة عَمَّا بِيَدِهِ لأبي عبد الله مُحَمَّد بن سعد ابْن مُحَمَّد بن سعد الجذامى بن مرذنيش وجدّه هُوَ الْمَعْرُوف بذلك
стр. 532
فقوى سُلْطَانه وَعظم شَأْنه وَاشْتَدَّ حذر ابْن طَاهِر هَذَا مِنْهُ لما كَانَ يسمع ويبصر من شهامته وحزامته وَرُبمَا عرض لَهُ ابْن سعد بِمَا يزِيدهُ حذرا مِنْهُ وانقباضاً عَنهُ فَأخذ فِي التلون وَأَقْبل على الانهماك والإدمان وزهد فِي الْإِمَارَة وَطلب السَّلامَة من غائلتها وَقطع مَعَه مدَّته خَائفًا إِلَى أَن توفّي ابْن سعد منسلخ رَجَب سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فأفرخ روعه ورسخ بِالدُّخُولِ فِي الدعْوَة المهدية أَمَنَة وَتُوفِّي بمراكش سنة أَربع وَسبعين أَكثر هَذَا الْخَبَر المنسوق عَن ابْن صَاحب الصَّلَاة وجلّه مَعَ مَا اندرج فِيهِ زِيَادَة عَن غَيره مستفادة
стр. 533
وَمن شعر ابْن طَاهِر
(تأيّد على الشطرنج إِن كنت لاعباً ... )
(فَمَا أمره مِمَّا يعز وَإِنَّمَا ... يعزّ علينا فِيهِ نقض القرائح)
وَله وَقد جرى ذكر سُلْطَان الْمغرب بَينه وَبَين قينة فِي مَجْلِسه فَقَالَ
(إِمَام تناهى فِي الْأَئِمَّة فَضله ... فَأصْبح منا النَّوْع يفخر بالشخص)
وَقَالَت الْقَيْنَة
(تَكَامل حَتَّى جلّ عَن وصف واصف ... وَأبْدى لنا مَا فِي الْأَنَام من النَّقْص)
ولابنه أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن أبي عبد الرَّحْمَن وهولبنت القَاضِي أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن غَالب بن عَطِيَّة الْمحَاربي وباسمه وكنيته سمى وكنى
(اختر مَكَان الْعِزّ فاحلله وَلَو ... عوّضت مِنْهُ شقاوة بنعيم)
(هَذَا الحبيب وَفِيه أفضل أُسْوَة ... وَهُوَ المفدّى عِنْد كل كريم)
(لم يرض عضوا للمحب يحله ... غير الْفُؤَاد وَفِيه نَار جحيم)
وَله يمدح
(لما وجدت الْعَالمين تقسموا ... قسمَيْنِ من حزب وَمن أَعدَاء)
(قسّمت عدلك فيهمو قسمَيْنِ قد ... شملاهم من نعْمَة وشقاء)
(لِلْأجرِ جاهدتم عداة الدّين لَا ... أَن العداة لكم من الْأَكفاء)
وَله من قصيدة
стр. 534
(هجرت من الدُّنْيَا لذيذ نعيمها ... لِأَنَّك لَا ترضاه إِلَّا مخلّدا)
(وقضّيت شهر الصَّوْم بِالنِّيَّةِ الَّتِي ... رقيت بهَا فِي رُتْبَة الْقُدس مصعدا)
(وودّع عَن شوق إِلَيْك مبرّح ... فَلَو كَانَ ذَا جفن لبات مسهّدا)
يَقُول فِيهَا
(تفقّد بِحسن الرَّأْي عبدا مؤمّلا ... دَعَاهُ رَجَاء الْفَوْز أَن يتعبدا)
(وَإِن كَانَ عظم الذَّنب صغّر قدره ... فَإِن سليماناً تفقد هدهدا)
وَهَذَا نَحْو مَا أنشدنا الْأُسْتَاذ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْجَبَّار بن مُحَمَّد الرعيني بِحَضْرَة تونس حرسها الله قَالَ أنشدنا أَبُو البركات الْوَاعِظ الْمصْرِيّ الْمَعْرُوف بالزيزاري وَقد رَأَيْت أَنا أَبَا البركات هَذَا وَسمعت وعظه بِجَامِع بلنسية فِي سنة ثَمَان وسِتمِائَة
(وَمن عَادَة السادات أَن يتفقدوا ... أصاغرهم والمكرمات مصائد)
(سُلَيْمَان فِي ملك تفقد هدهداً ... وأصغر مَا فِي الطائرات الهداهد)
وكل مَا عثرت عَلَيْهِ من منظوم عبد الْحق هَذَا ومنثوره مَنْصُوص فِي كتابي المترجم ب إيماض الْبَرْق فِي أدباء الشرق
١٤٧ - عبد الله بن خِيَار الجياني أَبُو مُحَمَّد
عداده فِي المتوثبين وَكَانَ عَاملا على مَدِينَة فاس فِي دولة الملثمين ثمَّ استبد بهَا يَسِيرا فِي قِيَامه عَلَيْهِم بالدعوة المهدية وعَلى يَدَيْهِ كَانَ فتحهَا والموحدون
стр. 535
أعزهم الله إِذْ ذَاك بمكناسة فَأَسْرعُوا الْوُصُول إِلَيْهَا وأمنوا أَهلهَا عِنْد دُخُولهَا عصر يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع عشر من ذِي قعدة سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة وَقيل عِنْد الْفجْر مِنْهُ
وَذَلِكَ أَن واليها يحيى بن أبي بكر بن عَليّ بن يُوسُف الْمَعْرُوف بِابْن الصحراوية أعرس تِلْكَ اللَّيْلَة بِامْرَأَة من قومه فَشَغلهُ ابْن خِيَار بِكَثْرَة مَا أهْدى إِلَيْهِ عَن النّظر لنَفسِهِ وَقد وَاعد الْمُوَحِّدين تمكينهم من الْبَلَد لما أمكنته الفرصة فَدَخَلُوا عِنْد الْفجْر وَلم يكن ليحيى محيص عَن الْفِرَار والنجاة بِنَفسِهِ فِيمَن خفّ مَعَه من أَصْحَابه وانتهوا إِلَى طنجة ثمَّ أَجَازُوا الْبَحْر مِنْهَا إِلَى الأندلس
стр. 536
وجلّت حَال ابْن خِيَار هَذَا بعد وَكَانَت لَهُ من الدولة الْعلية مكانة سنية وَهُوَ الْقَائِل فِي محاولته
(لنا فِي جناب الدّين وَالْخَيْر أمال ... تكنّفها سعد عتيد وإقبال)
(نحوز بهَا فوزاً ونحرز غِبْطَة ... فَعِنْدَ الإِمَام الْعدْل صفح وإفضال)
(وَإِنِّي لأرجو أَن أفوز بليلة ... فيشرق عسّال ويشبع عَسَّال)
وَفِيه يَقُول أَبُو بكر يحيى بن سهل اليكّي عِنْد تناهي حَاله فِي الحظوة والوجاهة
(أيا ابْن خِيَار بلغت المدى ... وَقد يكسف الْبَدْر عِنْد التَّمام)
(فَأَيْنَ الْوَزير أَبُو جَعْفَر ... وَأَيْنَ المقرّب عبد السَّلَام)
стр. 537
يُرِيد أَبَا جَعْفَر أَحْمد بن جَعْفَر بن عَطِيَّة الْوَزير الْكَاتِب ونكب فِي صفر من سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة وَفِيه قتل هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو عقيل عَطِيَّة بِخَارِج مراكش وَلأبي جَعْفَر إِذا ذَاك سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة مولده سنة سبع عشرَة وَخَمْسمِائة ولأخيه ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وأصلهما من قمرلة قَرْيَة بطرطوشة من شَرق الأندلس ونسبهما فِي قضاعة
وَيُرِيد بالمقرّب عبد السَّلَام بن مُحَمَّد الكومي وَهُوَ أَخُو بندة لأمها وتقلد الوزارة بعد أبي جَعْفَر بن عَطِيَّة وَكَانَ كثير السّعَايَة بِهِ شَدِيد الْحَسَد لَهُ لَا يُطيق الصَّبْر عَلَيْهِ وَلَا إمهاله فِيمَا وصل إِلَيْهِ فَلَمَّا صَارَت إِلَيْهِ الوزارة أدل بِقُرْبِهِ وقرابته واستبد بالأموال وَكثر التظلم من عماله فسجن بتلمسان
стр. 538
عِنْد الِانْصِرَاف من غَزْوَة المهدية فِي سنة خمس وَخمسين إِلَى أَن سم فِي طَعَامه فَهَلَك وَقيل إِنَّه قتل بالأرجل
وَمن بَين مَا قَرَأت فِي بعض المعلقات أَن عبد السَّلَام هَذَا قَصده جمَاعَة من أهل سلا فِي وزارته فَقعدَ عَن برّهم وَلم يقْض حَاجتهم فَكتب إِلَيْهِ أحدهم
(يَا من يرى خيبة الراجين تكرمة ... ونيل مَا أمّلوا عَجزا وتقصيرا)
(مهلا فَإنَّك خام فِي يَدي زمن ... وَقد أعدّ لَهُ كمداً وتقصيرا)
فَقتل فِي الْيَوْم الثَّانِي من دفع الرقعة إِلَيْهِ بالأرجل
وَاتفقَ أَيْضا مثل هَذَا لأبي الْعلَا إِدْرِيس بن أبي إِسْحَاق بن جَامع فِي
стр. 539
وزارته قَصده بعض معارفه الناشئين مَعَه فَلم يرفع بِهِ رَأْسا فَكتب إِلَيْهِ
(شغلت بِخِدْمَة السُّلْطَان عَنَّا ... وَلم تدر العدوّ من الصّديق)
(رويدك عَن طَرِيق أَنْت فِيهَا ... فَإِن النائبات على الطَّرِيق)
فنكب بعد ذَلِك بِيَوْم وَهَذَا من طريف مُوَافقَة الشُّعَرَاء فِي زجرهم للْقَضَاء
وَكَانَت نكبة أبي الْعلَا هَذَا فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة بعد أَن
стр. 540
اسْتكْمل فِي وزارته خمس عشرَة سنة وشهراً وَعشْرين يَوْمًا واعتقل هُوَ وَابْنه يحيى وَأَقَامَا مغرّبين بِجِهَة إشبيلية سِتَّة أَعْوَام وَثَلَاثَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا إِلَى أَن صفح عَنْهُمَا وَقت الِانْصِرَاف من غَزْوَة شنترين سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
١٤٨ - أخيل بن إِدْرِيس الرّندي الْكَاتِب أَبُو الْقَاسِم
كتب فِي أول أمره للملثمين ثمَّ اسْتَكْتَبَهُ أَبُو جَعْفَر حمدين بن مُحَمَّد بن حمدين فِي إمارته ورعى لَهُ صحبته إِيَّاه أَيَّام قَضَائِهِ فَلَمَّا دخل ابْن غانية قرطبة وَأخرج ابْن حمدين لحق أخيل برندة بَلَده واستبد بضبطها مديدة
стр. 541
فحسده أَهلهَا وداخلوا أَبَا الْغمر بن السَّائِب بن غرّون فِي التَّمْكِين مِنْهَا وَهُوَ يَوْمئِذٍ قَائِم بدعوة ابْن حمدين فِي شريش وأركش فتم ذَلِك وَاسْتولى أَبُو الْغمر على قَصَبَة رندة الشهيرة المنعة دون قتال وَلَا نزال لركون أخيل إِلَيْهِ وثقته بِهِ فنجا بِنَفسِهِ وَمَا كَاد وَنهب أَبُو الْغمر ديار أَصْحَابه وخلع طَاعَة ابْن حمدين ودانت لَهُ المعاقل الْمُتَّصِلَة بِهِ فأمن أمره وَقيل بل سجن أخيل ثمَّ سرّحه فَكَانَ عِنْد أبي الحكم بن حسّون بمالقة وَمِنْهَا توجه إِلَى مراكش فأوطها واتصل بِأبي جَعْفَر بن عَطِيَّة الْوَزير وعَلى يَدَيْهِ أُعِيد مَاله وَلم يزل هُنَاكَ مكرماً وَفِي طبقته مقدما إِلَى أَن ولى قَضَاء قرطبة ثمَّ قَضَاء إشبيلية وَكَانَ سَمحا جواداً بليغاً مدْركا
وَحكى لي أَنه لما أَرَادَ الِانْفِصَال من مراكش لقى أَبَا جَعْفَر بن عَطِيَّة فأنشده
(يَا من يعز علينا أَن نفارقهم ... وجداننا كلّ شَيْء بعدكم عدم)
стр. 542
فَأَجَابَهُ أخيل
(إِذا ترحّلت عَن قوم وَقد قدرُوا ... أَلا تفارقهم فالراحلون هم)
وَتُوفِّي بإشبيلية سنة سِتِّينَ أَو إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَمن يُرَاجع بعض الأدباء
(وفاؤك قد رضيت بِهِ حبيباً ... ورأيك قد قنعت بِهِ نَصِيبا)
(وودّك لَا أُرِيد بِهِ بديلاً ... وبرّك لَا أقوم بِهِ مثيبا)
(مَكَارِم مِنْك قد عبّت عبابا ... على العافين وانهالت كثيبا)
(وطبعك لَو نفحت بِهِ هشيما ... لعاد الرَّوْض مطلولا خصيبا)
(وعهدك كالشباب وَلَيْسَ مِمَّا ... يكون مآل نضرته المشيبا)
(وَذَاكَ الشّعر أم سحر حَلَال ... فتنت بِهِ المساكت والمجيبا)
وَله أَيْضا
(إِلَيْك أخذت حبال الذّمام ... وفيك تعلمت نظم الْكَلَام)
(فأرسلته جائلاً كالرماح ... وصلت بِهِ ثائراً كالحسام)
(وَمَا كنت مِنْهُ وَلكنهَا ... أياد تفجّر صمّ السَّلَام)
(تروم الإصارة فِي كل يَوْم ... فنلت الْإِصَابَة من كل رام)
стр. 543
(وتثنى الغصون على هزة ... كَأَن بهَا سَكَرَات المدام)
(وكلّ تهنّأ إقباله ... وَلَا كإياب الْأَمِير الْهمام)
(فَتى المكرمات تصدّى لَهَا ... بِحكم الكهول وَسن الْغُلَام)
(فأغنى تعشر مَضَت من سنيه ... وأبلغ فِي النائبات العقام)
(وسَاق إِلَى الْمُسلمين الَّتِي ... أنارت لَهُم فِي اعتكار الظلام)
(وشوّق أَضْعَاف مَا اشتاقه ... وَلَوْلَا التصبر كَانَ الغرام)
(وقاسي ليتّدع الْمُسلمُونَ ... وأنكى ليهلك أهل اللثام)
(ونافر مِنْهُم أفاعي الرِّجَال ... تبْعَث من ضغنها بالسّمام)
(وجاراهم طلق المكرمات ... فَكَانَ على الرغم مِنْهُم إِمَام)
(وأعشاهم فِي سَمَاء الْعلَا ... بِنور هِلَال كبدر التَّمام)
وَوجدت مَنْسُوبا إِلَيْهِ وَالصَّحِيح أَن ذَلِك لأبي جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد ابْن جرج الْقُرْطُبِيّ وَهُوَ عِنْدِي بِالْإِسْنَادِ إِلَيْهِ
(أما ذكاء فَلم تصفرّ إِذْ جنحت ... إِلَّا لفرقة ذَاك المنظر الْحسن)
(ربى تروق وقيعان مزخرفة ... وسائح مدّ بالهطّالة الهتن)
(وللنسيم على أرجائه حبب ... يكَاد من رقة يجلى على الْغُصْن)
стр. 544
١٤٩ - أَحْمد بن يُوسُف بن هود الجذامي أَبُو جَعْفَر
هُوَ أَحْمد بن حسام الدولة أبي عَامر يُوسُف بن عضد الدولة أبي أَيُّوب سُلَيْمَان ابْن المؤتمن أبي عَامر وَيُقَال فِي كنيته أَبُو عمر يُوسُف بن المقتدر بِاللَّه أبي جَعْفَر أَحْمد بن المستعين بِاللَّه أبي أَيُّوب سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن هود الجذامي
стр. 545
وَكَانَ آباؤه وَأهل بَيته أُمَرَاء سرقسطة والثغر الشَّرْقِي غلبت عَلَيْهِم دون مُلُوك الطوائف الشجَاعَة والشهامة وقبضوا أَيْديهم فقلّت أمداحهم وَترك الشُّعَرَاء انتجاعهم إِلَّا فِي الغبّ والنادر على سَعَة مملكتهم ووفور جبايتهم
وَأول مُلُوكهمْ أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن مُحَمَّد المتلقّب من الألقاب السُّلْطَانِيَّة بالمستعين بِاللَّه صَاحب لاردة وَصَارَ إِلَيْهِ ملك سرقسطة وَمَا مَعهَا بعد مقتل مُنْذر بن يحيى بن مُنْذر بن يحيى التجِيبِي الْأَخير فتك بِهِ ابْن عَم لَهُ يُسمى عبد الله بن حكم وحز رَأسه وسط قصره وَذَلِكَ غرَّة ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة ودعا لِابْنِ هود أول أمره ثمَّ ثار بِهِ أهل سرقسطة فلحق بحصن روطة الْيَهُود أحد معاقلها المنيعة وَقد كَانَ أعده لنَفسِهِ وَنَجَا بفاخر مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ من ذخائر آل مُنْذر وَنهب الْعَوام قصر سرقسطة إِثْر خُرُوجه حَتَّى قلعوا مرمره
стр. 546
وطمسوا أَثَره لَوْلَا تَعْجِيل سُلَيْمَان بن هود فَملك الْبَلَد فِي الْمحرم سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وأورثه بنيه حِين توفّي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ
وحظي بولايته دون إخْوَته ابْنه أَبُو جَعْفَر أَحْمد الملقب بالمقتدر وَكَانَ أقواهم سُلْطَانا وَهُوَ الَّذِي اسْترْجع مَدِينَة بربشتر وافتتحها على النَّصَارَى
стр. 547
عنْوَة وخلع إقبال الدولة عليّ بن مُجَاهِد من دانية وسيّره إِلَى سرقسطة دَار ملكه وهنالك هلك سنة أَربع وَسبعين وفيهَا توفّي المقتدر
وَولى بعده ابْنه أَبُو عَامر يُوسُف بن أَحْمد الملقب بالمؤتمن فَلم تطل مدَّته وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَسبعين
وَولى بعده ابْنه أَبُو جَعْفَر أَحْمد الملقب بالمستعين بِاللَّه وَاسْتشْهدَ على مقربة من تطيلة يَوْم الِاثْنَيْنِ أول رَجَب من سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة
وَولى بعده ابْنه الْحَاجِب عماد الدولة أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن أَحْمد وَشرط عَلَيْهِ أهل سرقسطة أَلا يستخدم الرّوم وَلَا يلابسهم فنقض بعد أَيَّام يسيرَة ذَلِك لما استشعر من ميل النَّاس إِلَى الملثمين وَأقَام بحصن روطة واستدعى أهل سرقسطة مُحَمَّد بن الْحَاج اللمتوني وَالِي بلنسية فوافاهم صَبِيحَة يَوْم السبت الْعَاشِر من ذِي قعدة سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة فأمكنوه من الْبَلَد وَجَرت قصَص طَوِيلَة أفضت إِلَى تغلب الرّوم على سرقسطة فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع من شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْ عشرَة
وَقد كَانَ عبد الْملك هَذَا وجّهه أَبوهُ المستعين أَحْمد بن يُوسُف المؤتمن إِلَى يُوسُف بن تاشفين فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة بهدية سنية من جُمْلَتهَا أَرْبَعَة عشر ربعا من آنِية الْفضة مطرزة باسم جدّه المقتدر وَالِد جدّه المؤتمن فقبلها
стр. 548
ابْن تاشفين وَأمر بضربها قراريط فرقت لَيْلَة عيد النَّحْر فِي أطباق على رُؤَسَاء قومه وَهُوَ إِذْ ذَاك بقرطبة وَقد أَشَارَ إِلَى بيعَة ابْنه عَليّ بن يُوسُف بالعهد فَحَضَرَ عبد الْملك ذَلِك
وَلما توفّي بروطة فِي شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة ولى بعده ابْنه أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن عبد الْملك سيف الدولة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه ويلقب أَيْضا بالمستعين بِاللَّه وَهُوَ آخر بني هود ملكا فَأَقَامَ بروطة إِلَى أَن تخلى عَنْهَا للطاغية أذفونش بن رمند الْمَعْرُوف بالسّليطين وعوضه مِنْهَا بِنصْف مَدِينَة
стр. 549
طليطلة وَذَلِكَ فِي شهر ذِي قعدة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَار مَعَه فأنزله بهَا
وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ أخذت دولة الملثمين فِي الانتقاض والانقراض
стр. 550
فَخرج سيف الدولة هَذَا تأثرا بالثغور الجوفيّة وَمِنْهَا ورد على قرطبة فَدَخلَهَا بمداخلة أَهلهَا إِيَّاه وممالأة ملإها على ذَلِك وانزعج ابْن حمدين أَمَامه فلحق بالمعقل الْمَعْرُوف بفرنجولش ثمَّ خرج مِنْهَا بعد اثْنَي عشر يَوْمًا ناجياً بِنَفسِهِ وَقد ثارت بِهِ الْعَامَّة وَقتلت وزيره ابْن شمّاخ وَطَائِفَة من أَصْحَابه
فقصد جيان وَقد ثار بهَا قاضيها ابْن جزيّ فتغلب عَلَيْهِ وملكها ثمَّ سَار إِلَى غرناطة فملكها واضطربت عَلَيْهِ بهَا الْأُمُور فأسلمها وَعَاد إِلَى جيّان فداخله أهل مرسية واستدعوه فورد عَلَيْهِم ودخلها يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن عشر من رَجَب سنة أَرْبَعِينَ وَلم يستكمل فِي جَمِيعهَا حولا وَاحِدًا
وَقد كَانَ ابْن عِيَاض تأمّر بمرسية ودعا لِابْنِ هود هَذَا فوجّه إِلَيْهِ ابْنه أَبَا بكر فبرز للقائه وَأظْهر الاحتفاء بمقدمه وَسَار بِهِ إِلَى بلنسية حِين أمّره أَهلهَا وخلعوا مَرْوَان بن عبد الْعَزِيز قاضيها ثمَّ ولاه دانية وَبلغ ابْن عِيَاض وُرُود ابْن هود وحلوله بقصر مرسية فَعجل بِهِ اللحاق وَقدم يَوْم الْأَحَد الموفّى عشْرين من رَجَب مظْهرا طَاعَته وممتثلاً أمره وَنزل الْقصر الصَّغِير فَألْقى إِلَيْهِ ابْن هود بالأمور كلهَا وَخَصه باسم الرِّئَاسَة وَبعد لَيَال قَلَائِل توجها جَمِيعًا إِلَى شاطبة وَقد سبقهما إِلَيْهَا عبد الله بن سعد بعسكر بلنسية فِي اتّباع الرّوم المغيرين على نَوَاحِيهَا أَصْحَاب الطاغية أذفونش فاستشهد ابْن هود وَابْن سعد لما التقى الْجَمْعَانِ وَنَجَا ابْن عِيَاض وَكَانَت هَذِه الوقيعة الْكُبْرَى على الْمُسلمين بالموضع الْمَعْرُوف
стр. 551
باللّجّ وبالبسيط على مقربة من جنجالة يَوْم الْجُمُعَة الموفّى عشْرين لشعبان من سنة أَرْبَعِينَ وَقيل يَوْم السبت بعده
وَأَبُو جَعْفَر بن حسام الدولة هُوَ الْقَائِل يمدح من قصيدة
(عَلَوْت فَمَا تسمو لمقدارك الشّهب ... وَقد قصّرت فِي مَا تسطّره الْكتب)
(وَأَنت إِذا وجهت جيشك رائداً ... تقدّمه من بعض أنصارك الرعب)
(أَقمت لنا الدّين الحنيفيّ ماثلاً ... كأنّا نرى المهديّ مَا ضمّه التّرب)
(إِذا خلصت نفس الوليّ لربّه ... فَغير عَجِيب أَن يوفقه الربّ)
وَله
(يَا باكياً عمر الطلول بدمعه ... أسفا على ذَاك الدَّم المطلول)
(أودت بلبّك لوعة صديت لَهَا ... صفحات ذَاك الخاطر المصقول)
وَله
(لَيْت شعري وَنحن بالمغرب الْأَقْصَى ... مَتى تزجر الفلاة الأمون)
(بفلاة ترى الرِّيَاح بهَا الهوج ... عرتهنّ فَتْرَة وَسُكُون)
(وتلوح البروق مثل سيوف الْهِنْد ... فِيهَا أجفانهن الجفون)
(والسراب الرقراق فِي صفحة الْبَيْدَاء ... يغشى الهضاب مَاء معِين)
(تتبدّى لَك الظعائن فِيهِنَّ ... فَقل أينق بهَا أَو سفين)
(خطرت خطرة الغرام عَليّ الْقلب ... وَحسب الْفَتى لَهَا يستكين)
(أذكرتني بلجاء ورق تجاوبن ... بِنَجْد حديثهن شجون)
(أطربتني أصواتهن على الأيكة ... قد يطرب الحزين الحزين)
стр. 552
وَمِنْهَا
(يامة الْقَوْم والمنى يطْمع الْمَرْء ... إِذا مَا اسْتَقل يَوْمًا قطين)
(إِن تَكُونِي قد اسْتَقر بك الرّبع ... فقلبي مَعَ الرفاق رهين)
(أَو تَكُونِي سلوت عَنَّا فَلَا وَالله ... لم تسلك الظباء الْعين)
(أَيْن للشمس أَن تنَال محياك ... وتعزي لمعطفيك الغصون)
(غرر لحن من دجي الشّعر بيض ... مَا تجلّت عَن مِثْلهنَّ الدّجون)
١٥٠ - أَحْمد بن قَامَ الْكَاتِب أَبُو الْعَبَّاس
دَار سلفه بياسة وَكَانَت لَهُم بهَا فِي الْفِتْنَة رئاسة وَذكر أَبُو عَمْرو بن
стр. 553
الإِمَام فِي كتاب سمط الجمان وَسقط الأذهان من تأليفه أَن أَبَا الْعَبَّاس هَذَا رَحل عَن الأندلس لبأو كَانَ فِيهِ استهواه وزهو جَاوز بِهِ غَايَته ومداه
قَالَ وَكَثِيرًا مَا كَانَ يلحظ الجزيرة بِعَين الاحتقار وينزلها وَأَهْلهَا منزلَة الصّغار ويأنف أَن تكون لَهُ دَار قَرَار فَلَا يمتثل إِلَّا
(أَنا فِي أمة تداركها الله ... غَرِيب كصالح فِي ثَمُود)
حَتَّى قوّض عَنْهَا خيامه وَمَشى مَا مَشى ظلّه أَمَامه فَمَا عرف أَيْن صقع وَلَا فِي أَي الْبَوَار وَقع وَهُوَ الْقَائِل من أَبْيَات
(هم وصلوا لبلي بلَيْل ابْن حندج ... وَقد كَانَ لَوْلَا بَينهم ليل متبج)
(ليَالِي لَا نجم الزجاجة آفل ... هُنَاكَ وَلَا بدر النّديّ بمدلج)
(أردد طرفِي بَين برق مدامة ... وبرقة ثغر مِنْهُ تحمى بأدعج)
(فأرشفة من تياك ريقة سلسل ... وأرشف من ذياك ريقة أفلج)
(وَلَا شدو إِلَّا صَوت حلي بلبّة ... وَلَا نقل إِلَّا ورد خدّ مضرج)
(ووجنة تفاح وألحاظ نرجس ... وأصداغ ريحَان وخال بنفسج)
أَرَادَ بلَيْل ابْن حندج ليل امْرِئ الْقَيْس حَيْثُ يَقُول
(وليل كموج الْبَحْر أرْخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي)
стр. 554
وَأَشَارَ بلَيْل منبج إِلَى قَول عبد الْملك بن صَالح الْهَاشِمِي حَيْثُ سَأَلَهُ الرشيد عَن دارة منبج فَكَانَ من وَصفه لَهَا أَن قَالَ لَيْلهَا سحر كُله
وَله فِي الْمَدْح
(رصانة حلم سفهت كلّ أحنف ... وديمة جود بخّلت كلّ حَاتِم)
(وفطنة علم تحتهَا إِن دجا الوغى ... جَهَالَة رمح أَو سفاهة صارم)
١٥١ - مُحَمَّد بن حمدين بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ابْن حمدين التغلبي أَبُو الْحسن
هُوَ ابْن عَم أبي جَعْفَر حمدين بن مُحَمَّد بن عَليّ بن حمدين الثائر بقرطبة والمدعوّ لَهُ بِأَكْثَرَ قَوَاعِد الأندلس
وَيعرف مُحَمَّد هَذَا بالفلفلي فِي أهل بَيته وللمنصور مُحَمَّد بن أبي عَامر عَلَيْهِ ولادَة وَكَانَ ابْن عَمه قد ولاه مرسية بعد مقتل ابْن أبي جَعْفَر بِنَاحِيَة غرناطة وَبَعثه بعسكر مَعَ طَائِفَة من أَعْيَان مرسية فَلَمَّا دنا مِنْهَا صدّ عَنْهَا وقاتله الْعَرَب الَّذين كَانُوا بهَا فَانْهَزَمَ جمعه وَانْصَرف مفلولا وأمير مرسية حِينَئِذٍ أَبُو عبد الرَّحْمَن بن طَاهِر مخلوع أبي مُحَمَّد بن عِيَاض بعد خمسين يَوْمًا أَو نَحْوهَا من ولَايَته وَذَلِكَ كلّه فِي سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة
ثمَّ سكن ابْن حمدين هَذَا مراكش مجاوراً لأبي عبد الْملك مَرْوَان بن
стр. 555
عبد الْعَزِيز وَبني سيدراي بن وَزِير رُؤَسَاء الغرب قَالَه ابْن صَاحب الصَّلَاة
وَحكى أَنهم باتوا لَيْلَة فِي أنس جمعهم فِيهَا انقلاب الزَّمَان وَابْن حمدين غَائِب عَنْهُم فَلَمَّا حضر كتبُوا إِلَيْهِ معرّفين بذلك فجاوب ابْن وَزِير مِنْهُم بِأَبْيَات مِنْهَا
(يَا وَاحِد الْفضل والسماح ... وَيَا فَتى الجدّ والمزاح)
(سَأَلت مستفهماً رَسُولا ... فهزّ مني عطف ارتياح)
(وَلَيْلَة الْأنس لَو أُعِيدَت ... أصبح عِنْدِي من الصَّباح)
(شربت فِيهَا السرُور صرفا ... وَأَنت ريحانتي وراحي)
(فهاج حبي ولذّ شربي ... بِغَيْر إِثْم وَلَا جنَاح)
(إيه وقلتم فِي وصف ظَبْي ... يبسم عَن درّ أَو أفاح)
(جديب خصر خصيب ردف ... ينْهض عَن مثقل رداح)
(شَكَوْت مِنْهُ وَرب شكوى ... أليمة من هوى الملاح)
(وَمن رأى اللَّيْث فِي محلّ ... يَقُودهُ جائل الوشاح)
(يَا فَارس الْخَيل إِذْ تلاقى ... فِي مأزق الْبَأْس والكفاح)
(إنّ صفاح الحسان أنكى ... فِي الْقلب قرحاً من الصّفاح)
(أشفار ألحاظها شفار ... تندقّ مِنْهَا سمر الرماح)
стр. 556
(أيّ الْقُلُوب الصّحاح يبْقى ... على جفون مرضى صِحَاح)
(أفديك من عاشق عفيف ... غير مُبِيح سوى الْمُبَاح)
(ينقاد للبر والمراضي ... وَهُوَ عَن النكر ذُو جماح)
(فانعم هَنِيئًا قرير عين ... مَا اهتزت القضب بالرياح)
١٥٢ - أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الوقّشيّ الْوَزير أَبُو جَعْفَر
أحد الكفاة الأمجاد والدهاة الأنجاد وَهُوَ من بَيت القَاضِي أبي الْوَلِيد هِشَام بن أَحْمد الوقّشيّ وَهِي قَرْيَة بنواحي طلبيرة مُشَدّدَة الْقَاف
стр. 557
وَأرَاهُ ابْن أَخِيه ونسبهم فِي كنَانَة قَامَ بِأَمْر أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن همشك ضابطاً لأعماله ومصلحاً لأحواله وَلما هزم ابْن سعد وَابْن همشك مَعَه بغرناطة صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين لرجب سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَهِي وقيعة السّبيكة إِثْر هزيمَة مرج الرقاد
стр. 558
عزم على استئصال ابْن همشك ومنازلة بِلَاده فلاذ بالفرار وَأسلم جيّان لوزيره الأخصّ أبي جَعْفَر هَذَا فنازلها الموحدون أعزهم الله وَهُوَ بضبطها مستبد وَإِلَى مؤمّره عَلَيْهَا مُسْتَند إِلَى أَن صدورا عَنْهَا لعمارة قرطبة ودخلوها ضحوة يَوْم الْأَحَد الثَّانِي عشر من شَوَّال من السّنة وَبهَا إِذْ ذَاك فِيمَا حكى نَحْو من ثَمَانِينَ رجلا قد أكلتهم الْفِتْنَة وشردتهم المجاعة من طول إلحاح ابْن همشك عَلَيْهِم بالحروب وَشن الغارات مَعَ الشروق والغروب رَجَاء انتظامها مَعَ جيّان وَسَائِر بِلَاده فنفّس عَن أبي جَعْفَر وَقد نَاب أحسن مناب وَحل من صَاحبه آثر مَحل
стр. 559
وَلم يزل بعد ذَلِك يحسن الضَّبْط لبلاده وَيظْهر الْكِفَايَة فِي كَافَّة محاولاته إِلَى أَن اعتلق ابْن همشك بالدعوة المهدية خلدها الله ونابذ صهره مُحَمَّد بن سعد وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ بعد الوقيعة الْعُظْمَى بفحص الجلاّب على مقربة من مرسية وَكَانَت يَوْم الْجُمُعَة سَابِع ذِي الْحجَّة من سنة سِتِّينَ ووجّه وزيره أَبَا جَعْفَر هَذَا وافداً عَنهُ إِلَى مراكش ومستصرخاً على صهره ابْن سعد وَكَانَ قد وطئ أَعماله ودوخها وتغلب على كثير من معاقله وَكَانَت تَحْتَهُ بنت ابْن همشك فَطلقهَا ثمَّ نَدم وَهدم رحى الوقّشيّ بولجة بلنسية فَقَالَ فِي ذَلِك
(أَلا أبلغا عني الشّريق وَأَهله ... بِأَنِّي لَا أثني عناناً عَن الغرب)
(لأجلبها خزر الْعُيُون ضوامراً ... وأوطئها أجسادكم بدل التّرب)
(هدمتم رحى من لَا يزَال بسعيه ... وأفكاره يحني عَلَيْكُم رحى الْحَرْب)
стр. 560
(رحى شدّ مَا يفني الرِّجَال بطحنها ... وَلَيْسَ لَهَا قطب سوى الطعْن وَالضَّرْب)
(ألم أجلب الْجَيْش العرمرم نحوكم ... وصيّرتكم فِي مَا علمْتُم من الكرب)
(وَإِنِّي مليّ أَن أكدّر مَا صفا ... لكم بعد هَذَا فِي الْبِلَاد من الشّرب)
(فَإِن يَك عَن أوطانكم عمر نأى ... فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ على قرب)
وَله فِي وفادته على مراكش سنة أَربع وَسِتِّينَ يهنىء بعيد الْفطر من قصيدة طَوِيلَة
(تحنّ إِلَيْكُم وافدات المواسم ... فتهدى إِلَى كفيّكم ثغر باسم)
(ومنهن عيد الْفطر جَاءَ مسلّماً ... عَلَيْك فحيّا مِنْك أفضل طاعم)
(وَمن قبله وافي الصّيام بشهره ... على خير أواب وَأفضل صَائِم)
يَقُول فِيهَا
(تقبّلت أَخْلَاق الكهولة ناشئاً ... فَلم تدر يَوْمًا مَا منَاط التمائم)
(وَلَو لم تشأ وَطْء التُّرَاب بإخمس ... لسرت على هام الْمُلُوك الخضارم)
وَله وَقد أحضر لمعاينة قتل أَسد هائل المنظر يصفه من كلمة
(جهم المحيّا إِن تبسّم هِبته ... وَمن الْعَجَائِب هَيْبَة المتبسّم)
(وَيُقَال كل الصَّيْد فِي جَوف الفرا ... وَأرى الْفراء لَدَيْهِ بعض الْمطعم)
(وكأنما هُوَ نَاظر عَن زئبق ... وكأنما هُوَ كاشر عَن مخدم)
(وَكَأن لبدته بَقِيَّة فَرْوَة ... قصرت على طول الزَّمَان الأقدم)
(لما تمرد فِي العرينة فتّحت ... أَبْوَابهَا فانساب مثل الأرقم)
(وَعلا زئير مِنْهُ حَتَّى خلته ... كالفحل يهدر عِنْد شول هيّم)
стр. 561
(وظننت أَن الرَّعْد من حَيْثُ الحيا ... حَتَّى سَمِعت الْيَوْم رعداً من فَم)
(وتناولت زرق الأسنة زرقه ... حَتَّى بدا فِي شكله كالشيهم)
ولي فِي هَذَا الْمَعْنى من كلمة قلتهَا عِنْد وفادتي على حَضْرَة تونس أيدها الله رَسُولا عَن وَالِي بلنسية ودانية أبي جميل بن سعد وَقد أحضرت لمثل ذَلِك فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
(تحنّ إِلَى ملعب للظباء ... بكثبان رامة أَو غرّب)
(فهلاّ إِلَى ملعب للأسود ... سعدت بمنظره المعجب)
(يُقَام الْجِهَاد بِهِ والجلاد ... لكلّ فَتى مدره محرب)
(ويضري على الفتك بالضاريات ... فَإِن غَالب الْقرن لم يغلب)
(ضوار ضوارب أظفارها ... تعير الظّبي رقة المضرب)
(فَمن أَسد شرس محنق ... وَمن نمر حرد مغضب)
(أثيرت حفائظها فانبرت ... تسابق فِي شأوها الأرحب)
(تصم المسامع من زأرها ... عوادي كالضّمّر الشّزّب)
(وتنبو الْعُيُون لإقدامها ... مذربة الناب والمخلب)
(كواشر عَن مرهفات حداد ... مَتى تصدع الْهَام لَا تنشب)
(نيوب نبتن من النائبات ... وأزرين بالصارم المقضب)
(تنوء ثقالاً وَلكنهَا ... أخفّ وثوباً من الجندب)
وَمِنْهَا فِي وصف ملاعب لَهَا من أهل الثقافة وَكَانَت فِي ذَلِك الْيَوْم الْمُبَارك أَرْبَعَة آساد ونمرين يدحرج إِلَيْهَا كرة مُتَّصِلَة من خشب محكمَة الصَّنْعَة تحجبه
стр. 562
من بأسها وَهِي رابضة وَبِيَدِهِ حدائد طوال فِي نِهَايَة الإرهاف معدة لَهَا فَإِذا أحسّت بِهِ وَثَبت على الكرة فألقم أفواهها تِلْكَ الحدائد ودحرج الكرة فتباعدت عَنهُ تمجّ الدَّم وَأَحْيَانا يُجهز بهَا عَلَيْهَا إِذا لم يَأْمَن عاديتها وَقد حفر بمجالها الرحب لآخرين مهاو تسع جثثهم وَلها أَبْوَاب صغَار يطبقونها عَلَيْهِم فَإِذا ربضت على بعد صِيحَ بأحدهم فَفتح بَاب تِلْكَ الهوة وهجهج بهَا وَرُبمَا ألمع لَهَا بِمَا يكون فِي يَده فَمَا هُوَ إِلَّا أَن ترَاهُ فيكاد وثوبها إِلَيْهِ يعجله عَن إطباق الْبَاب عَلَيْهِ ثمَّ تَنْصَرِف عَنهُ يائسة مِنْهُ وَقد اشْتَدَّ حنقها وَعظم زئيرها فيعاين من ذَلِك آنق منظر وأبدع مرأى
(ومقتحم غَمَرَات الرّدى ... إِذا مَا ادّعى الباس لم يكذب)
(يلاعبها حَيْثُ جد الْحمام ... فتفرغ مِنْهُ إِلَى مهرب)
(يكرّ عَلَيْهَا وَلَا جنّة ... سوى كرة سهلة المجذب)
(يدحرجها مَاشِيا ثنيها ... على حذر مشْيَة الأنكب)
(عجبت لَهَا أحجمت رهبة ... وأقدم بَأْسا وَلم يرهب)
(وقته الأواقي على أنّه ... تسنّمها صعبة الْمركب)
(وثاو بمطبقة فَوْقه ... مَتى تطف هامته ترسب)
(يهجهج بالليث كَمَا يهيج ... ويأوي إِلَى الْكَهْف كالثعلب)
(كَذَلِك حَتَّى هوت نَحْوهَا ... عِقَاب الْمنية من مرقب)
(وعاجت عَلَيْهَا قواسي القسيّ ... فعبّت من الْحِين فِي مشرب)
(وشالت هُنَاكَ بأذنابها ... لياذاً من الْعقر كالعقرب)
(فيا لقساور قد صيّرت ... فرائس للأسهم الصيب)
стр. 563
وللوقّشيّ تحقق بِالْإِحْسَانِ وَتصرف فِي أفانين الْبَيَان وكتابي الْمُؤلف فِي أدباء الشرق المترجم بإيماض الْبَرْق مُشْتَمل على كثير من شعره ومدحه أَبُو عبد الله الرّصافي بِمَا ثَبت فِي ديوانه وأعرب عَن جلالة شانه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ وَأَبُو جَعْفَر بن عَطِيَّة من مفاخر الأندلس وَكَانَا متعاصرين وَفِي الْكِفَايَة متكافئين وَلذَلِك فِي النثر مزية هَذَا فِي الشّعْر وَله يصف الزرافة من أَبْيَات
(لبست من الصّفر الأنيق ملاءة ... مرقومة الجنبات بالعقيان)
(وَكَأَنَّهَا قد قسّمت فِي خلقهَا ... فأتتك بَين الْخَيل والبقران)
(وَكَأن قرينها إِذا شالتهما ... قلمان قلّم مِنْهُمَا الطرفان)
(طَالَتْ قَوَائِمهَا وَطَالَ تليلها ... حَتَّى لقد أوفى على الجدران)
(وتفاوتت فِي سمكها فوارؤها ... ثلث لَهَا وأمامها ثلثان)
وَله فِي حفظ السِّرّ
(ومستودع عِنْدِي حَدِيثا يخَاف من ... إذاعته فِي السّر أَن ينْفد الْعُمر)
(فَقلت لَهُ لَا تخش مني فضيحة ... لسرّ غَدا مَيتا وصدري لَهُ قبر)
стр. 564
(على أَن من فِي الْقَبْر يُرْجَى نشوره ... وسرّك مَا يُرْجَى لَهُ أبدا نشر)
وَله مِمَّا استفدته من أبي ﵀ وأنشدنيه
(أَلا قرّب الله الديار وَأَهْلهَا ... وَمن حلّ فِي شقّ من الغرب نازح)
(أعانق صَدْرِي فِي الْخَلَاء تشوّقاً ... لكَوْنهم مَا بَين طيّ الجوانح)
وَبَينهمَا بَيت ثَالِث ذهب من حفظي
وَله فِي النسيب أَيْضا
(لعلّ فِي الظاعنين سارا ... من كَانَ لي بالعقيق جارا)
(إِن صَحَّ هَذَا خُذُوا بذحلي ... من بَينهم حادي المهارى)
يَقُول فِيهَا
(مَا بَال عينيّ مُنْذُ بنتم ... لم تطعما للكرى غرارا)
(وَمَا لورد بوجنتيكم ... أنبت فِي وجنتي بهارا)
(أيا نديميّ أخبراني ... فَإِن فِيمَا أرى اعْتِبَارا)
(أبصرتما قبلهَا قَضِيبًا ... قد أثمر اللَّيْل والنهارا)
(أَو وجنة وَهِي جسم مَاء ... تعود إِثْر الْحيَاء نَارا)
وَله فِي الشقائق
(وشقائق لاحت على الأغصان ... مثل الخدود تزان بالخيلان)
(يهفو النسيم مَعَ الأصائل وَالضُّحَى ... فيهز مِنْهَا معطف النّشوان) فَكَأَنَّهَا قضب الزّمرّد ألصقت ... بالمسك فِيهَا أكؤس العقيان)
стр. 565
وَله فِي غُصْن منّور بيد حبشِي طلع بِهِ وَهُوَ فِي مجْلِس أنسه مَعَ ندمائه
(وزنجيّ ألمّ بِغُصْن نور ... وَقد زفّت لنا بنت الكروم)
(فَقَالَ فَتى من الندماء صفه ... فَقلت اللَّيْل أقبل بالنجوم)
وَقد أنشدنيهما صاحبنا أَبُو عَليّ بن سُلَيْمَان الْأمين الشّريشي بمنزلي من حَضْرَة تونس قَالَ أنشدنيهما الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ عمر بن عبد الْمجِيد الرّندي بمالقة لأبي عبد الله الرّصافي وَحكى لي عَنهُ أَنه كَانَ بِظَاهِر مالقة مَعَ طَائِفَة من أَصْحَابه على أنس فَصَعدَ غُلَام أحدهم إِلَى شَجَرَة لوز منورّة فاقتطع غصناً مِنْهَا وأتاهم بِهِ فَسَأَلُوهُ وَصفه فَقَالَ بديهاً
(وزنجيّ ألمّ بِنور لوز ... وَفِي كاساتنا بنت الكروم)
وَمَا بعده كَمَا تقدم إِلَّا أَنه قَالَ من الفتيان مَكَان قَوْله من الندماء وَغلط أَبُو مَرْوَان بن صَاحب الصَّلَاة الإشبيلي فنسبها فِي تَارِيخه إِلَى بعض الْأُمَرَاء وَزعم أَنه قَالَهَا فِي حبشيّ بِيَدِهِ شمعة وَلَا يَلِيق هَذَا التَّشْبِيه بذلك
وَتُوفِّي أَبُو جَعْفَر الوقّشيّ بمالقة صادراً عَن مراكش فِي سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة
следующие страницы →