← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(وظننت أَن الرَّعْد من حَيْثُ الحيا ... حَتَّى سَمِعت الْيَوْم رعداً من فَم) (وتناولت زرق الأسنة زرقه ... حَتَّى بدا فِي شكله كالشيهم) ولي فِي هَذَا الْمَعْنى من كلمة قلتهَا عِنْد وفادتي على حَضْرَة تونس أيدها الله رَسُولا عَن وَالِي بلنسية ودانية أبي جميل بن سعد وَقد أحضرت لمثل ذَلِك فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة (تحنّ إِلَى ملعب للظباء ... بكثبان رامة أَو غرّب) (فهلاّ إِلَى ملعب للأسود ... سعدت بمنظره المعجب) (يُقَام الْجِهَاد بِهِ والجلاد ... لكلّ فَتى مدره محرب) (ويضري على الفتك بالضاريات ... فَإِن غَالب الْقرن لم يغلب) (ضوار ضوارب أظفارها ... تعير الظّبي رقة المضرب) (فَمن أَسد شرس محنق ... وَمن نمر حرد مغضب) (أثيرت حفائظها فانبرت ... تسابق فِي شأوها الأرحب) (تصم المسامع من زأرها ... عوادي كالضّمّر الشّزّب) (وتنبو الْعُيُون لإقدامها ... مذربة الناب والمخلب) (كواشر عَن مرهفات حداد ... مَتى تصدع الْهَام لَا تنشب) (نيوب نبتن من النائبات ... وأزرين بالصارم المقضب) (تنوء ثقالاً وَلكنهَا ... أخفّ وثوباً من الجندب) وَمِنْهَا فِي وصف ملاعب لَهَا من أهل الثقافة وَكَانَت فِي ذَلِك الْيَوْم الْمُبَارك أَرْبَعَة آساد ونمرين يدحرج إِلَيْهَا كرة مُتَّصِلَة من خشب محكمَة الصَّنْعَة تحجبه

стр. 562

من بأسها وَهِي رابضة وَبِيَدِهِ حدائد طوال فِي نِهَايَة الإرهاف معدة لَهَا فَإِذا أحسّت بِهِ وَثَبت على الكرة فألقم أفواهها تِلْكَ الحدائد ودحرج الكرة فتباعدت عَنهُ تمجّ الدَّم وَأَحْيَانا يُجهز بهَا عَلَيْهَا إِذا لم يَأْمَن عاديتها وَقد حفر بمجالها الرحب لآخرين مهاو تسع جثثهم وَلها أَبْوَاب صغَار يطبقونها عَلَيْهِم فَإِذا ربضت على بعد صِيحَ بأحدهم فَفتح بَاب تِلْكَ الهوة وهجهج بهَا وَرُبمَا ألمع لَهَا بِمَا يكون فِي يَده فَمَا هُوَ إِلَّا أَن ترَاهُ فيكاد وثوبها إِلَيْهِ يعجله عَن إطباق الْبَاب عَلَيْهِ ثمَّ تَنْصَرِف عَنهُ يائسة مِنْهُ وَقد اشْتَدَّ حنقها وَعظم زئيرها فيعاين من ذَلِك آنق منظر وأبدع مرأى (ومقتحم غَمَرَات الرّدى ... إِذا مَا ادّعى الباس لم يكذب) (يلاعبها حَيْثُ جد الْحمام ... فتفرغ مِنْهُ إِلَى مهرب) (يكرّ عَلَيْهَا وَلَا جنّة ... سوى كرة سهلة المجذب) (يدحرجها مَاشِيا ثنيها ... على حذر مشْيَة الأنكب) (عجبت لَهَا أحجمت رهبة ... وأقدم بَأْسا وَلم يرهب) (وقته الأواقي على أنّه ... تسنّمها صعبة الْمركب) (وثاو بمطبقة فَوْقه ... مَتى تطف هامته ترسب) (يهجهج بالليث كَمَا يهيج ... ويأوي إِلَى الْكَهْف كالثعلب) (كَذَلِك حَتَّى هوت نَحْوهَا ... عِقَاب الْمنية من مرقب) (وعاجت عَلَيْهَا قواسي القسيّ ... فعبّت من الْحِين فِي مشرب) (وشالت هُنَاكَ بأذنابها ... لياذاً من الْعقر كالعقرب) (فيا لقساور قد صيّرت ... فرائس للأسهم الصيب)

стр. 563

وللوقّشيّ تحقق بِالْإِحْسَانِ وَتصرف فِي أفانين الْبَيَان وكتابي الْمُؤلف فِي أدباء الشرق المترجم بإيماض الْبَرْق مُشْتَمل على كثير من شعره ومدحه أَبُو عبد الله الرّصافي بِمَا ثَبت فِي ديوانه وأعرب عَن جلالة شانه وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ وَأَبُو جَعْفَر بن عَطِيَّة من مفاخر الأندلس وَكَانَا متعاصرين وَفِي الْكِفَايَة متكافئين وَلذَلِك فِي النثر مزية هَذَا فِي الشّعْر وَله يصف الزرافة من أَبْيَات (لبست من الصّفر الأنيق ملاءة ... مرقومة الجنبات بالعقيان) (وَكَأَنَّهَا قد قسّمت فِي خلقهَا ... فأتتك بَين الْخَيل والبقران) (وَكَأن قرينها إِذا شالتهما ... قلمان قلّم مِنْهُمَا الطرفان) (طَالَتْ قَوَائِمهَا وَطَالَ تليلها ... حَتَّى لقد أوفى على الجدران) (وتفاوتت فِي سمكها فوارؤها ... ثلث لَهَا وأمامها ثلثان) وَله فِي حفظ السِّرّ (ومستودع عِنْدِي حَدِيثا يخَاف من ... إذاعته فِي السّر أَن ينْفد الْعُمر) (فَقلت لَهُ لَا تخش مني فضيحة ... لسرّ غَدا مَيتا وصدري لَهُ قبر)

стр. 564

(على أَن من فِي الْقَبْر يُرْجَى نشوره ... وسرّك مَا يُرْجَى لَهُ أبدا نشر) وَله مِمَّا استفدته من أبي ﵀ وأنشدنيه (أَلا قرّب الله الديار وَأَهْلهَا ... وَمن حلّ فِي شقّ من الغرب نازح) (أعانق صَدْرِي فِي الْخَلَاء تشوّقاً ... لكَوْنهم مَا بَين طيّ الجوانح) وَبَينهمَا بَيت ثَالِث ذهب من حفظي وَله فِي النسيب أَيْضا (لعلّ فِي الظاعنين سارا ... من كَانَ لي بالعقيق جارا) (إِن صَحَّ هَذَا خُذُوا بذحلي ... من بَينهم حادي المهارى) يَقُول فِيهَا (مَا بَال عينيّ مُنْذُ بنتم ... لم تطعما للكرى غرارا) (وَمَا لورد بوجنتيكم ... أنبت فِي وجنتي بهارا) (أيا نديميّ أخبراني ... فَإِن فِيمَا أرى اعْتِبَارا) (أبصرتما قبلهَا قَضِيبًا ... قد أثمر اللَّيْل والنهارا) (أَو وجنة وَهِي جسم مَاء ... تعود إِثْر الْحيَاء نَارا) وَله فِي الشقائق (وشقائق لاحت على الأغصان ... مثل الخدود تزان بالخيلان) (يهفو النسيم مَعَ الأصائل وَالضُّحَى ... فيهز مِنْهَا معطف النّشوان) فَكَأَنَّهَا قضب الزّمرّد ألصقت ... بالمسك فِيهَا أكؤس العقيان)

стр. 565

وَله فِي غُصْن منّور بيد حبشِي طلع بِهِ وَهُوَ فِي مجْلِس أنسه مَعَ ندمائه (وزنجيّ ألمّ بِغُصْن نور ... وَقد زفّت لنا بنت الكروم) (فَقَالَ فَتى من الندماء صفه ... فَقلت اللَّيْل أقبل بالنجوم) وَقد أنشدنيهما صاحبنا أَبُو عَليّ بن سُلَيْمَان الْأمين الشّريشي بمنزلي من حَضْرَة تونس قَالَ أنشدنيهما الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ عمر بن عبد الْمجِيد الرّندي بمالقة لأبي عبد الله الرّصافي وَحكى لي عَنهُ أَنه كَانَ بِظَاهِر مالقة مَعَ طَائِفَة من أَصْحَابه على أنس فَصَعدَ غُلَام أحدهم إِلَى شَجَرَة لوز منورّة فاقتطع غصناً مِنْهَا وأتاهم بِهِ فَسَأَلُوهُ وَصفه فَقَالَ بديهاً (وزنجيّ ألمّ بِنور لوز ... وَفِي كاساتنا بنت الكروم) وَمَا بعده كَمَا تقدم إِلَّا أَنه قَالَ من الفتيان مَكَان قَوْله من الندماء وَغلط أَبُو مَرْوَان بن صَاحب الصَّلَاة الإشبيلي فنسبها فِي تَارِيخه إِلَى بعض الْأُمَرَاء وَزعم أَنه قَالَهَا فِي حبشيّ بِيَدِهِ شمعة وَلَا يَلِيق هَذَا التَّشْبِيه بذلك وَتُوفِّي أَبُو جَعْفَر الوقّشيّ بمالقة صادراً عَن مراكش فِي سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة

стр. 566

وحَدثني شَيخنَا أَبُو الرّبيع بن سَالم أَنه اجتاز ببقيع مالقة فَاسْتحْسن مَا رأى من زخرفة الْقُبُور بِهِ واغتراس الْأَشْجَار ذَات النواوير والأزهار أثناءها فتمنى أَن يدْفن هُنَالك فوفت الأقدار بأمنيته عِنْد موافاة منيته وَكَانَت وَفَاة أبي إِسْحَاق بن همشك قبله بمكناسة فِي صفر سنة ثِنْتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة ١٥٣ - أَحْمد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن سُفْيَان المَخْزُومِي أَبُو بكر صحب أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن معدّ الأقليشيّ الزَّاهِد وَمَال إِلَى طَرِيقَته وَأنْفق فِي أَبْوَاب الْخَيْر وَالْمَعْرُوف أَمْوَالًا جليلة سَمِعت شَيخنَا أَبَا الْخطاب بن وَاجِب وَغَيره يذكرُونَ ذَلِك وَكَانَ يعرف بالعابد لِكَثْرَة إيثاره وَطول صحبته الْفُقَرَاء وإكبابه على الْأَعْمَال الصَّالِحَة وداره جَزِيرَة شقر من أَعمال بلنسية وبيته شهير النباهة

стр. 567

وَلما ضعف أَمر أبي عبد الله مُحَمَّد بن سعد بشرق الأندلس وانسلخ من طَاعَته أَبُو إِسْحَاق بن همشك صهره بجيّان وَمَا إِلَيْهَا ثمَّ ابْن عَمه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سعد بالمريّة واستوحش حَتَّى من نَفسه أخرج أهل بلنسية مِنْهَا وأسكنهم ظَاهرهَا وشحنها بالروم وأتباعهم وَنوى ذَلِك فِي غَيرهَا فخاف أَبُو بكر بن سُفْيَان هَذَا أَن يُخرجهُ من بَلَده وَكَانَ فِيهَا متّبعاً فَدَعَا للموحدين أعزهم الله وخلع ابْن سعد وَرَأس بموضعه ومالأ جِيرَانه فأنفذ إِلَيْهِ الرئيس أَبُو الحجاح يُوسُف بن سعد قائداً من كبار أَصْحَابه فِي جملَة من خيله ورسم لَهُ حصاره والتضييق عَلَيْهِ فَبَدَأَ بمنازلة منتصف شَوَّال من سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَأقَام على ذَلِك إِلَى منتصف ذِي الْحجَّة وَابْن سُفْيَان يقاومه وَيقوم بتدبير بَلَده والأمداد تتلاحق فِي كل حِين وتحدق بِهِ وَابْن سعد وَأَخُوهُ أَبُو الْحجَّاج قد اكتنفاه فِي الجموع الكثيفة حَتَّى خيف من الوهن فاقتحم الْبَلَد ذُو الوزارتين أَبُو أَيُّوب بن هِلَال مقوياً عزائم أَهله وضامناً لَهُم الِاسْتِقْلَال بضبطه فتخلى ابْن سُفْيَان لَهُ عَنهُ رَاضِيا فِي الظَّاهِر متبرماً فِي الْبَاطِن وَتَوَلَّى ابْن هِلَال من المصابرة فِي تِلْكَ المحاصرة والمحاولة لتِلْك المصاولة مَا أبقاه أثرا مَشْهُورا وخبراً تداولته الألسن دهوراً واعتل ابْن سعد خلال ذَلِك فلحق بمرسية وألزم أَخَاهُ مُلَازمَة الْبَلَد فتنفس الخناق ثمَّ انتعشت بوفاته الأرماق وَلابْن سُفْيَان حَظّ من النّظم قصره على الزّهْد وَهُوَ الْقَائِل من أَبْيَات (كلّ عَطاء فَإلَى عِلّة ... لَا شكّ يُفْضِي ولوجه السّقم) (إِلَّا الَّذِي مِنْك بِلَا عِلّة ... يَا خَالق الْعَرْش ومجري الْقَلَم)

стр. 568

(كلّ الورى لابس ثوب الدجى ... لَوْلَا سنا مِنْك يجلّي الظّلم) وَأما ابْنه أَبُو الْمطرف مُحَمَّد فقويّ الْعَارِضَة معِين الطَّبْع حسن التَّصَرُّف وَله عَن أَبِيه وَسَائِر أهل بَلَده عِنْد اشتداد الْحصار وتمادي المضايقة رِسَالَة حَسَنَة فِي الاستصراخ والاستنصار أودعها أبياتاً مِنْهَا (تدارك أَمِير الْمُؤمنِينَ دماءنا ... فَإنَّك لِلْإِسْلَامِ وَالدّين نَاصِر) (ووجّه إِلَى استنقاذنا بكتيبة ... يهاب الردى مِنْهَا العدوّ المحاصر) (تنفّس من ضيق الخناق بقطرنا ... فتدرك آمال وترعى أواصر) (إِذا مَا انكفى بالخزي وارتد خائباً ... فمطمحه عَن نيلها متقاصر) (فليت ابْن سعد إِذْ تألف مَا نعت ... فَلم تتمخص عَن قواه العناصر) (ستذهب أنوار الْخلَافَة ظلمه ... وتلفظه بعد الْخُيُول المقاصر) (ويهدم مَا قد أسس الْكفْر عِنْده ... كريم السّنا تثني عَلَيْهِ الخناصر) (فَهَذَا الَّذِي يَبْنِي الْمَسَاجِد أمره ... وَأمر ابْن سعد أَن تشاد المعاصر) (وَذَا الْملك آيَات المثاني تهزّه ... وَذَاكَ بِأَصْوَات المثاني البناصر) (بقيت أَمِير الْمُؤمنِينَ مخلّداً ... وكلّ الورى عَن كنه وصفك قَاصِر) وَمَاله عِنْدِي ولأخويه أبي مُحَمَّد عبد الله وَأبي جَعْفَر أَحْمد وَكَانُوا جَمِيعًا أدباء نجباء فِي كتاب إيماض الْبَرْق من تأليفي مُسْتَوْفِي وَالْحَمْد لله

стр. 569

١٥٤ - نَفِيس بن مُحَمَّد الرّبعي الْبَغْدَادِيّ أَبُو الْفضل يعرف بِابْن قمّونة وَنسبه صَرِيح فِي ربيعَة وَقدم على الْمغرب فَتلقى بِالْقبُولِ وَولى الجزيرة الخضراء وَكَانَ أديباً فصيحاً وَهُوَ الْقَائِل فِي مقتل عمر الْمَعْرُوف بالرشيد سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة (فَللَّه درّك من عَادل ... أقرّ عيُونا وأذكى عيُونا) (سَطَا بالرشيد فَكَانَ الرشيد ... وَلَو فَاتَهُ الحزم كَانَ الأمينا) وَله (لَوْلَا خِيَانَة حيّون لَقلت لكم ... هُوَ الْأَمَانَة مِمَّا فِيهِ من ثقل) (هُوَ الطَّوِيل وَفِي معروفه قصر ... كَأَنَّهُ ليل مشتاق بِلَا أمل) ١٥٥ - عبد الرَّحِيم بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الخزرجي الغرناطي أَبُو الْقَاسِم الْمَعْرُوف بِابْن الْفرس ثار بِنَاحِيَة مرّاكش من الْمغرب واشتملت عَلَيْهِ طوائف من البربر ثمَّ غدر بِهِ بَعضهم فَقتل وحز رَأسه وسيق إِلَى مراكش وَذَلِكَ فِي نَحْو الستمائة وَهُوَ الْقَائِل فِي ثورته وَكَانَ شَاعِرًا مطبوعاً (قُولُوا لأبناء عبد الْمُؤمن بن عَليّ ... تأهبوا لوُقُوع الْحَادِث الجلل) (أَتَاكُم خير قحطان وعالمها ... وَصَاحب الْوَقْت والغلاّب للدول)

стр. 570

(وَالنَّاس طوع عَصَاهُ وَهُوَ قائدهم ... بِالْأَمر وَالنَّهْي نَحْو الْعلم وَالْعَمَل) (فبادروا أمره فَالله ناصره ... وَالله خاذل أهل الزّيغ والزلل) وَهِي طَوِيلَة وَله أَيْضا (عَسى عطفة من جَانب الْقُدس تسمح ... وبارقة من جَانب اللطف تلمح) (عَسى الله يدنيني إِلَى ساحة الرِّضَا ... فأقرع أَبْوَاب الغيوب فتفتح) (وَمَا زَالَ فضل الله يغمر ساحتي ... وَيظْهر لي من حَيْثُمَا أتلمّح) (إِلَى الملإ الْأَعْلَى سموت بهمتي ... كَذَلِك شَأْن الشّكل للشكل يجنح) ١٥٦ - مُحَمَّد بن سيدراي بن عبد الْوَهَّاب ابْن وَزِير الْقَيْسِي أَبُو بكر كَانَ أَبوهُ أَبُو مُحَمَّد سيدراي أَمِيرا بغرب الأندلس فِي الْفِتْنَة وتغلب على أبي الْقَاسِم بن قسيّ فِي شعْبَان سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ نظمته الدعْوَة المهدية مَعَ رُؤَسَاء الأندلس وَحضر حِصَار إشبيلية هُوَ وَابْن قسيّ فِي العساكر المحيطة بهَا مَعَ الأساطيل براًّ وبحراً إِلَى أَن فتحت يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّانِي عشر من شعْبَان سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وفر الملثمون عصر ذَلِك الْيَوْم إِلَى قرمونة وتخلى أَبُو مُحَمَّد الْمَذْكُور عَن شلب سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين فملكت مَعَ قلعة ميرتلة وَكَانَ من رجالات الأندلس رجامه وشهامة وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنه أَبُو بكر

стр. 571

هَذَا وَولى قصر الْفَتْح الْمَنْسُوب إِلَى أبي دانس عِنْد استرجاعه من أَيدي

стр. 572

الرّوم فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَكَانُوا قد تغلبُوا عَلَيْهِ سنة خمس وَخمسين وَأقَام والياً عَلَيْهِ سامي الرُّتْبَة نامي الحظوة إِلَى أَن توفّي فِي صدر الْمِائَة السَّابِعَة بعد حُضُوره بوقيعة الْعقَاب وَكَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ منتصف صفر سنة تسع وسِتمِائَة وَهُوَ الْقَائِل فِي حَرْب ظهر فِيهَا على الرّوم (وَلما تلاقينا جرى الطعْن بَيْننَا ... فمنا وَمِنْهُم طائحون عديد) (وجال غرار الْهِنْد فِينَا وَفِيهِمْ ... فمنا وَمِنْهُم قَائِم وحصيد) (فَلَا صدر إِلَّا فِيهِ صدر مثقّف ... كِلَانَا على حرّ الطعان جليد) (وَلَكِن شددنا شدَّة فتبلّدوا ... وَمن يتبلّد لَا يزَال يحيد) (فولّوا وللبيض الرقَاق بهامهم ... صليل وللسّمر الطوَال وُرُود) وَله فِي النسيب (ومرنّح الأعطاف تحسب أَنه ... متعلّل أبدا بِصَرْف مدامه) (خنث المحاجر والجفون كَأَنَّمَا ... يسري فتور جفونه لكَلَامه) (فَضَح الْهلَال بِوَجْهِهِ ولربما ... فَضَح الْقَضِيب بلينه وقوامه) (وَغدا شَقِيق سميّه فِي حسنه ... وَغدا العنا وَقفا على لوّامه) وَله (وبتنا جَمِيعًا مثل مَا لّفت الصّبا ... قضيبين من نَوْعَيْنِ ذاو وناضر) (فطوراً أمصّ الشهد من جَوْهَر اللّمى ... وَيَا عجبا للشهد بَين الْجَوَاهِر) (وطوراً عنَاقًا لَا تنفس بَيْننَا ... وَلَكِن نتاجينا بسر الضمائر)

стр. 573

(أَقُول أما للصبح من متنفّس ... وَعِنْدِي أنّ اللَّيْل لمحة نَاظر) وَله وَقد فصدت أم وَلَده وَكَانَت غالبة عَلَيْهِ (يَا من علا فحلا فِي النَّفس موقعه ... وَمن هُوَ الْقلب أوفى الْقلب مرتعه) (لم تملإ الطّست لما أَن فصدت دَمًا ... وَإِنَّمَا الصّبّ ذَابَتْ فِيهِ أدمعه) (فَلَا تخف بعْدهَا من حَادث نبأ ... فَالله والفلك الْمَأْمُور يَدْفَعهُ) وَمَا أحسن قَول الْحُسَيْن بن عبد السَّلَام فِي هَذَا الْمَعْنى وَقد فصدت محبوبته (مَا أَنْت شاكية حَقًا أَنا الشاكي ... عافاني الله مِمَّا بِي وعافاك) (حللت مني فؤاداً حشوه لَهب ... فَإِن حممت فَهَذَا أصل حماك) (قَالُوا مددت إِلَى الحجّام جارحة ... وَمَوْضِع الفصد مِنْهَا عين مضناك) (أسأَل من فضَّة بَيْضَاء فِي ذهب ... ياقوتة هِيَ دمع المشفق الباكي) وَلأبي بكر فِي كلب صيد وَطئه فرس لَهُ حول خبائه فَهَلَك وَهُوَ من جيد شعره (يَا مجهد النَّفس فِي إِدْرَاك مطلوبي ... ومسعدي حِين إدلاجي وتأويبي) (وحارسي ورداء اللَّيْل مُشْتَمل ... من كل مستلب فِي زيّ مسلوب) (وَيَا وفياًّ بِمَا خَان الرِّجَال بِهِ ... وراثة عَن مطاويع مناجيب) (كنت المصيخ لأمري والمطيع لَهُ ... وَإِن تعرّض فِيهِ كلّ مرهوب) (ففاجأتك المنايا حَيْثُ تأمنها ... من طَالب لم تفته عين مَطْلُوب) (لَئِن طوتك اللَّيَالِي طيّ بردتها ... لقد طوت فِيك أنسي طيّ مَكْتُوب) (وأودعتني سراًّ من سجيّتها ... بأنّ رغبتها نكل لمرغوب)

стр. 574

(فكم غنينا وَقد رحنا إِلَى قنص ... بِبَعْض حضرك عَن قرع الظنابيب) (وناب نابك فِي مَا كنت تفرسه ... من الظباء عَن الصمّ الأنابيب) (قد كنت تولي الرّدى من حَان موعده ... حَتَّى أَتَاك لوعد غير مَكْذُوب) وَمِمَّنْ كَانَ بإفريقية فِي آخر هَذِه الْمِائَة من رجال الدعْوَة المهدية خلّدها الله ١٥٧ - عمر بن جَامع أَبُو عَليّ هُوَ ابْن أخي أبي العلى إِدْرِيس بن أبي إِسْحَاق بن جَامع الْوَزير وَكَانَ بإفريقية فطال مكثه بهَا وحنّ إِلَى بنيه فاستدعاهم من مراكش وَقَالَ فِي ذَلِك شعرًا خطه فِي رقْعَة ثمَّ نشأت لَهُ قبل وصولهم غزَاة إِلَى سليم من الْعَرَب فَقتل فِيهَا وَوجدت الرقعة فِي جيبه وَمن أبياتها (سقتنا بعدكم أَيدي الْفِرَاق ... كؤوساً طعمها مرّ المذاق) (فأضرمت الحشا نَارا وأجرت ... دموعاً تستهلّ من المآقي) (فلولا النَّار متّ غريق دمع ... وَلَوْلَا الدمع متّ من احتراق) (وَلَكِن حِين حمّ النأى عَنْكُم ... وَأَعْلَى صَوته حادي الرفاق) (خشيت خُرُوج قلبِي من ضلوعي ... وَخفت بُلُوغ نَفسِي للتراقي) (وَلَكِن لَا احتكام على اللَّيَالِي ... وَهل مِمَّا قَضَاهُ الله واق)

стр. 575

١٥٨ - عبد الْوَاحِد بن عبد الله أَبُو مُحَمَّد الْمَعْرُوف بوامجور ولى تونس وَكَانَ شهماً صَارِمًا سفاكاً للدماء ونكب بعد محاصرة قفصة وَالظفر بهَا وبالثائرين فِيهَا بدعوة عليّ بن غانية وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَمَات بنواحي بجاية فِي طَرِيقه إِلَى الْمغرب مسخوطاً عَلَيْهِ وينسب إِلَيْهِ أَنه قَالَ فِي محبسه (نصحت فَلم أَفْلح وخانوا فأفلحوا ... فأنزلني نصحي بدار هوان) (فَإِن عِشْت لم أنصح وَإِن متّ فالعنوا ... ذَوي النصح من بعدِي بكلّ لِسَان) وَهَذَا عِنْدِي كَمَا ينْسب إِلَى أبي بكر بن إِبْرَاهِيم المسّوفي الْمَعْرُوف بِابْن تافلويت وَالِي سرقسطة فِي صدر هَذِه الْمِائَة سنة ثَمَان والمتوفى بهَا فِي رَجَب

стр. 576

سنة إِحْدَى عشرَة مِنْهَا أَنه قَالَ فِي سيف ووقفت على ذَلِك من وُجُوه (هززت حساماً فشبهّته ... غديراً من المَاء لَكِن جمد) (وَمهما بدا لي مِنْهُ فرند ... لهيباً من النَّار لَكِن خمد) (فلولا الجمود وَلَوْلَا الخمود ... لَسَالَ لَدَى الهز أَو لاتقد) وكما ينْسب أَيْضا إِلَى يحيى بن إِسْحَاق بن غانية المسّوفي أَنه قَالَ (وَإِذا تجيش النَّفس قلت لَهَا قرى ... فموت يريحك أَو ركُوب الْمِنْبَر) (مَا قد قضى لابد أَن تلقينه ... وَلَك الْأمان من الَّذِي لم يقدر) وَهَذَا الشّعْر الْأَخير إِنَّمَا هُوَ لأبي الْحسن التّهامي وَهُوَ مَوْجُود فِي ديوانه وَالَّذِي قبله يروي لِابْنِ المعتز وَلغيره وَالظَّاهِر أَنهم يتمثلون بِمَا يحفظون فيتوهم سامعهم أَن ذَلِك لَهُم وَإِلَّا فرفعة الْحَال تنزههم عَن الانتحال وَلَو أَنِّي اجْتنبت مَا اجتلبت من هَذَا وَشبهه لأوجدت للمعترض سَبِيلا إِلَى الْمقَال

стр. 577

الْمِائَة السَّابِعَة نبدأ بالذين يبْدَأ بهم الذّكر الْجَمِيل أَو يخْتم وَمن منثور حكمهم ومنظومها ينثر فِي أوصافهم وينظم أهل الْبَيْت الْمُبَارك الحفصي المستولي بِأَدْنَى السَّعْي على الأمد القصيّ بَيت الْخلَافَة السعيدة والإمارة التليدة ذَات المحاتد

стр. 578

الظَّاهِرَة والمحامد المتظاهرة لَا زَالَت منحها صوراً مجلوة ومدحها سوراً متلوة فأوّلهم وأولاهم بالتقديم للاشتراك فِي شرف الْأُبُوَّة والانفراد بكرم الأخوّة ١٥٩ - أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن الشَّيْخ الْمُجَاهِد المقدّس أبي مُحَمَّد ولى بعد أَبِيه رضوَان الله عَلَيْهِ إفريقية فِي غرَّة الْمحرم سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة وإثر دَفنه فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي فِيهِ وَذَلِكَ ضحى يَوْم الْخَمِيس منسلخ شهر ذِي الْحجَّة من السّنة قبلهَا فَكَانَ لَهُ الْأَثر الحميد والصيت الْبعيد وَبلغ فِي السماح والبأس مَا لَيْسَ عَلَيْهِ مزِيد ثمَّ صرف وانتقل إِلَى الْمغرب وَولى بطليوس وثغورها بالأندلس وَلحق بمرّاكش بعد ذَلِك فاستشهد هُنَالك سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَهُوَ الْقَائِل من قصيدة فِي شكاية أَصَابَت أَبَاهُ لَا زَالَ صوب الْغَمَام يسْقِي ثراه (يَا دهر مَالك ضَاحِكا وعبوساً ... أتعيرنا بعد النَّعيم البوسا) (وَلَقَد عهدتك ضَاحِكا متهللاً ... تهدي الْقبُول وتبذل التأنيسا) (أتراك تجزع من شكاية ماجد ... أضحى لزهر النيّرات جَلِيسا) (ملك تدرّع من عناية ربّه ... درعاً غَدَتْ للْعَالمين لبوسا) (لَو جَاءَهُ عِيسَى بزيّ معالج ... قصدا لأفحم بالتوكّل عِيسَى) (سَاس الزَّمَان فَكَانَ من عبدانه ... والصعب منقاد إِذا مَا سيسا)

стр. 579

(ناهيك من متبرّع متورّع ... كسر الصَّلِيب وأفحم الناقوسا) (ملك حمى إفريقية وذمارها ... لما غَدا ليثاً وتونس خيسا) (لَا يرتضي العضب المهنّد خَادِمًا ... إِلَّا إِذا اقتحم الكماة وطيسا) (فإليه تستبق الْجَوَارِي شرعا ... وَإِلَيْهِ تحتث الحداة العيسا) وَله أَيْضا من قصيدة (هَل الْمجد إِلَّا مَا تجرّ العزائم ... وَإِن ريع يَوْمًا فالسيوف تمائم) (وَإِن لَاحَ من وَجه الزَّمَان تجهم ... فوجهك وضاح وثغرك باسم) وَمِنْهَا (سأفري أَدِيم الأَرْض فِي طلب الْعلَا ... وأركب عزماً لم تقده العزائم) (وأخطب آمالي بِمَا هُوَ مطلبي ... وَلَو منعتني الفاتكات الصوارم) (وحسبي عضب صَادِق الْعَزْم صارم ... ألدّ إِذا كَانَ الزَّمَان يُخَاصم) (أَشْيَم بِهِ الْبَرْق اليمانيّ موهناً ... وأهدي بِهِ السارين وَاللَّيْل عاتم) وَله أَيْضا (أيا حمام هَل لَك من ضلوعي ... زفير أَو لَك الدمع السّفوح) (فقد أشبهتني مَاء وَنَارًا ... وهيهات المعنّى والسريح)

стр. 580

١٦٠ - أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن الشَّيْخ المكرّم أبي مُوسَى كَانَ بقرطبة فِي إياله عَمه الشَّيْخ المكرّم أبي الْعَبَّاس وَبعد ذَلِك صَار إِلَى مرّاكش عِنْد انبعاث الْفِتْنَة المبيرة بالمغرب فَهَلَك هُنَالك وَكَانَ لِدَة أَخِيه الْمَذْكُور بعده ولدا جَمِيعًا سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ الْقَائِل فِي وسيم شاكّ السِّلَاح وأجاد مَا أَرَادَ (يَكْفِيك يَا معتقل السّمهري ... مَا نالنا من طرفك الأحور) (إِن كنت من جندك فِي قلَّة ... فَأَنت من لحظك فِي عَسْكَر) ١٦١ - أَخُوهُ أَبُو عَليّ عمر ولى بالأندلس جيّان وَغَيرهَا وَكَانَ فِي سنتي ثَمَان عشرَة وتسع عشرَة وسِتمِائَة على خيل بلنسية فِي إيالة عَمه الشَّيْخ المكرّم أبي سعيد رضوَان الله على جَمِيعهم ثمَّ ولى فِي هَذِه الدولة الْمُبَارَكَة الَّتِي بهَا انتصار الْإِسْلَام وافتخار الْأَيَّام مَدِينَة بجاية وقتا وَهُوَ على قَاعِدَة المهدية من شهر الله الْأَصَم رَجَب سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة إِلَى وقتنا هَذَا وَهُوَ شهر الله الْمحرم من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَفِي شهر ولَايَته ثمَّ فِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي مِنْهُ كَانَت الْبيعَة الْمُبَارَكَة بِولَايَة الْعَهْد الْكَرِيم لمولانا الْأَمِير الْأَجَل الأسعد الْمُبَارك الأرصي الأمجد أبي يحيى أيد الله مقَامه وَقصر على نظم الْفتُوح ونثر المنوح ظعنه ومقامه وَكَانَ لأبي عليّ هَذَا وصل الله علاءه فِي ذَلِك الْيَوْم الْأَعَز الْأَغَر مقَام مَحْمُود ومقال مَحْمُول

стр. 581

ولعبدهم المقتصر على خدمَة مجدهم بِمَا لَا يقصّر فِيهِ من تحبير مدحهم وتحرير حمدهم كلمة إِذْ ذَاك يَرْجُو لِأَن يَتَجَدَّد لَهُ بهَا قبُول ويسعد مأمول بمأمول أَولهَا (أشاد بهَا الدَّاعِي المهيب إِلَى الرّشد ... فهبّ لَهَا أهل السَّعَادَة بالخلد) (ولَايَة عهد أنْجز الحقّ وعده ... بتقليدها من أَهله الصَّادِق الْوَعْد) (وبيعة رضوَان تبلّج صبحها ... عَن الْقَمَر الوضّاح فِي أفق الْمجد) (تجلّت وجلّت عزة فليومها ... من الدَّهْر تفويف الطّراز من الْبرد) (وحلّت بِسَعْد الأسعد الشَّمْس عِنْدهَا ... فأيّد فِي أَثْنَائِهَا السعد بالسعد) (وَلما أَتَت بَين التهاني فريدة ... تخيّرها التَّوْفِيق فِي رَجَب الْفَرد) وَمِنْهَا (أَبى الدّين وَالدُّنْيَا وُلَاة سوى بني ... أبي حَفْص الأقمار والسّحب والأسد) (وَإِن ضايقت فِيهَا الْمُلُوك وعّددت ... مَنَاقِب تحكي الشّهب فِي الظّلم الرّبد) (فَإِن كتاب الله يفضل كلّه ... وَقد فضلته بَينهَا سُورَة الْحَمد) (وَفِي شجرات الرَّوْض طيب معطّر ... صباه وللأترجّ مَا لَيْسَ للرّند) (وكلّ سلَاح الْحَرْب باد غناؤه ... وَلَكِن لِمَعْنى أوثر الصارم الْهِنْدِيّ) (على زكريّاء بن يحيى التقى الرّضا ... كَمَا الْتَقت الأنداء صبحاً على الْورْد) (على المرتضى بن المرتضى فِي أرومة ... نمت صعداً بالنّجل وَالْأَب والجدّ) (على المكتفي والمقتفي نهج قَصده ... ومشبهه فِي الْبَأْس والجود والجدّ)

стр. 582

وَشعر أبي عليّ أعزه الله كثير وَقد وقفت على ديوانه وَسمعت مِنْهُ غير قصيدة وَقطعَة بِلَفْظِهِ وَمن ذَلِك كلمة بعث بهَا إِلَى قبر النَّبِي ﷺ صُحْبَة الْحَاج أبي بكر بن الْعَرَبِيّ الإشبيلي أوّلها وأنشدني جَمِيعهَا (أصبح من صبره على أمل ... قسّم بَين الْوُجُود والعدم) (إِلَيْك ألْقى بِعُذْر محتشم ... مرتحل الْقلب سَاكن الْقدَم) (يتبع ركب الْهوى إِلَيْك أسى ... مَا شَاءَ من حسرة وَمن نَدم) (برح شوق بِهِ إِلَيْك فَمَا ... يَنْفَكّ مَا لم يزرك فِي ضرم) (ألوي بِهِ عَن بُلُوغ نِيَّته ... حكم زمَان عَلَيْهِ محتكم) (فعزمة تلتوي على عقب ... وهمة ترتمي إِلَى أُمَم) وَمِنْهَا (يَا خير من تعْمل المطيّ لَهُ ... عُذْري فِي اللّّبْث غير متّهم) (عَبدك لَو يَسْتَطِيع جاب إِلَيْك ... القفر فِي غيهب من الظّلم) (يمسح مَا بَين حمص مِنْهُ إِلَى ... يثرب مرّاً بوجنة وفم) (ولي ذنُوب وقصنني ثقلاً ... لَوْلَا أَذَى ثقلهن لم أقِم) (يرجوك يَا شَافِع الْبَريَّة أَن ... تشفع فِيهَا لبارئ النّسم) (عَسى قبُول لديك يلحقني ... بقبرك المستنير وَالْحرم) (وصاحبيك اللَّذين خصّهما ... بِنِعْمَة الْقرب مِنْك ذُو النعم) (فقد توسلت بِالَّذِي لَك عِنْد ... الله من رفْعَة وَمن عظم)

стр. 583

(صلى عَلَيْهِ الْإِلَه مَا اتصفت ... أَوْصَافه بالجلال وَالْكَرم) وَله فِي وصف سيف (يسيل إِذا مَا سلّ مَاء ويلتظي ... لهيباً على الْإِتْلَاف يأتلفان) (كَأَن جدولاً مُسْتَقْبلا شفق الدجى ... فَلَا يققٌ مِنْهُ الْعباب وقان) وَله فِي صناب أهْدى إِلَيْهِ وألغز بوصفه من أَبْيَات (بعثت بِمَا يَشْتَهِي يَا ابْن عمّ ... فدمت ودامت عَلَيْك النّعم) (بأبيض كالمخض لكنه ... بِهِ شدَّة تستثير القرم) (طفاوته تحتهَا لجة ... بِلَا ضرم دهرها تضطرم) (كثير الحرافة مستعذب ... عَلَيْهَا وللملح فضل علم) (لسورته سطوة بالأنوف ... وَلَيْسَ لعمرك مِمَّا يشمّ) (شِفَاء ولكنّ نعم الشِّفَاء ... لمن ظلّ يشكو بداء البشم) (وَقد يجتزي الجفلى باليسير ... مِنْهُ وَلَيْسَ لأمر يذمّ) وَكتب إليّ مَعَ تمر أهداه حرس الله سناه وسنّاه (أتتك خليقات بِحسن الْخَلَائق ... بهَا غنية عَن كل مَا فِي الحدائق) (سليلات جَبَّار حكى وسط دوحه ... خوافق بالمرّان فَوق الفيالق) (حوامل لم تعلم مَوَاقِيت حملهَا ... وَلَا حمّلت من فَم حكم طَالِق) (تجود إِذا مَا الْجُود عمّ بعزّه ... وسحّ من الخضراء سحّ بوادق) (ممنّعة فِي سامق مَا ارتقت لَهَا ... بنان وَلَا بَانَتْ بهَا يَد سَارِق)

стр. 584

(عثاكلها مثل الشذور تذلّلت ... بسالفة الغيداء أَو كالقراطق) (فللنضر مِنْهَا حسن لون لناظر ... وللزّهو مِنْهَا طيب طعم لذائق) (كَأَن بِمَا تبدي وتضمر أنسبت ... شمائلها من مُؤمن ومنافق) (لَهَا جسم أوّاه شحوباً وَمن نوى ... فؤاد حكى من قسوة قلب فَاسق) (وَمَا ضرّها إِذْ قد أَبَاحَتْ لطاعم ... حلاوتها أَلا تفوح لناشق) وَمِنْهَا (فصفحاً عَن الْمهْدي ومهدي ورقعة ... أتتك بعجز لَا بإعجاز خارق) (وَيَرْمِي إِذا يَرْمِي القوافي بصائب ... من الْفِكر لم يصحب بفوق مُوَافق) (وَقد كَانَ يصمي حِين يَرْمِي كَأَنَّمَا ... لَهُ خاطر أفكاره من جلاهق) (سري دهره فِي نشره فتفرقت ... شبيبته إِذْ لَاحَ شيب المفارق) فراجعته بِأَبْيَات مِنْهَا (أمولاي حق العَبْد تَقْرِير عذره ... إِذا هُوَ لم يلق الْحُقُوق بلائق) (منائح أسدتها مناح كَرِيمَة ... تفوّف للأحداق مثل الحدائق) (وتبريّة الأكمام شهديّة الجنى ... حلت وتحلّت زاكيات الْخَلَائق) (لَهَا عجم فِي الْعَرَب ولّد منجباً ... وحسبك مِنْهَا بالسّوامي السّوامق) كأنّ بِأَعْلَاهَا إِذا احمرّ بشرها ... مشاعل تهدي فِي الدجى كلّ طَارق (كَأَن بهَا الماذي يجمد تَارَة ... ويقطر من راقي المكانة رائق) (كأنّ الَّذِي تهديه من تمرها اغتذى ... بريقة موموق ورقة وامق)

стр. 585

(مننت بهَا منثورة وشفعتها ... بمنظومة كالعقد فِي نحر عاتق) (من الْكَلم اللائي انتمين إِلَى الْعلَا ... وشرّفن بالتسديد بيض المهارق) فَكتب مجاوباً وللتشريف المنيف واهباً (أَتَت فخبا من نورها نور شارق ... ولاحت فَلم يلمح وميض لبارق) (وَجَاءَت موشاة من أقلامك الَّتِي ... بريقتها راقت صفاح المهارق) (فَمَا شِئْت من لفظ لمعناه حَافظ ... وخطّ لَهُ حظّ من الْحسن فائق) (فروض بنان فاتن حسن زهره ... وَروض بَيَان مثمر بالحقائق) (جلوتهما فِي رقْعَة فأرت لنا ... محلّ محلاّة وأوراق رائق) (وكالخمر إطراباً ولكنّ سكرها ... تحوّل شكرا للمدير الْمُوَافق) (كأنّ بريق الحبر فِي صفحاتها ... يريق على رأد الضّحى ريق عاشق) (غَدَتْ باحورار تستبي كلّ مقلة ... وتغري بتبريح الْهوى كلّ رامق) (تميس برِيح الْحسن زهواً سطورها ... كَمَا مَاس خوط البان وسط الحدائق) (من اللُّؤْلُؤ المنظوم لفظا تعطلت ... بلألائه لألاء درّ المخانق) (تبدّت فأسلت عَن هوى كلّ عاشق ... وأغرى بصمت قَوْلهَا كلّ نَاطِق) (مطرزة مَا الْبرد مِنْهَا وَإِنَّهَا ... لمنه وَمَا سبق العصور بلائق) (لَهَا نَغمَة تهدي بهَا أكؤس الطّلا ... وتحدي المهاري بَين سَاق وسائق) (كَأَن بهَا نَارا تشعشع للقرى ... فيعشو إِلَيْهَا كلّ سَار وطارق) (أهبت بهَا سراًّ فلبّت مجيبة ... بهزّة معشوق وَطَاعَة عاشق)

стр. 586

(فَجَاءَت كَمَا شَاءَت وشئت مُقِيمَة ... وخافقة بالْحسنِ فِي كلّ خافق) (وَجئْت بهذي مثل هاد وصائد ... وَقد شاف أظلال الْعقَاب بباشق) (وَمن يقتحم مَا لَا يُطيق اقتحامه ... يلاق الَّذِي بِالْحرِّ لَيْسَ بلائق) فَكتبت إِلَيْهِ ممتدحا مستمنحاً (لمن كلم كَاللُّؤْلُؤِ المتناسق ... لَهَا فضل موصوفاتهنّ البواسق) (نفائس كالأعلاق تجتذب النّهى ... لفتنتها من حسنها بعلائق) (جلائل أَلْفَاظ إِذا مَا قرأتها ... قريت معينا من معَان دقائق) (يَجِيش بهَا بَحر من الْعلم والندى ... حبا كلّ أفق من حلاه بفائق) (ملاكيّة سيقت لتشريف سوقة ... وَحسب الْأَمَانِي من مسوق وسائق) (مطهرة الأعراق لَيْسَ لمعبد ... بأبياتها شدو وَلَا لمخارق) (نمتها الْمَعَالِي وَالْهِدَايَة والتّقى ... فَجَاءَت لعادات القريض بخارق) (أَلا بِأبي مِنْهَا هديّ بلاغة ... تناغى المهى محجوبة فِي المهارق) (شَقِيقَة روض الْحزن باكره الحيا ... فحيّا بغضّى نرجس وشقائق) (أطالع من قرطاسها كلّ غارب ... محَاسِن تَلقانِي بطلعة شارق) (وألثم من أسطارها كلّ فاتن ... بِمَا يجتلي من رقمها كلّ رامق) (ولوعاً بيمنى نمنمتها حديقة ... تزهّد أحداق الورى فِي الحدائق) (كَأَنِّي مِنْهَا فِي نسيم نوافح ... تهبّ أصيلاً أَو شميم نوافق) (تدانت رحيباً شأوها وَتَبَاعَدَتْ ... فَضَاقَ نطاقاً عِنْدهَا كل نَاطِق)

стр. 587

(رشفت بهَا مثل الثغور عذوبة ... فأقصرت عَن ذكر العذيب وبارق) (وملت إِلَيْهَا والفصاحة ملؤُهَا ... صحيفَة ضخم السّرو ضخم السّرادق) (يشقق أَطْرَاف الْكَلَام لِسَانه ... فيثني الفحول اللّسن خرس الشّقاشق) (وقور فَإِن هزّته نَغمَة صادح ... رَأَيْت قَضِيبًا مِنْهُ أثْنَاء شَاهِق) (سما بِأَبِيهِ حِين سمّوه باسمه ... فَللَّه من سامي الْمَرَاتِب سامق) (ميمّم مرضاة الإِمَام بِسَيْفِهِ ... وموضح خافي الْهدى فِي كلّ خافق) (سميّ الَّذِي استسقى بعم نبيه ... فأخمد برد الودق حرّ الودائق) (وَوَافَقَ فِي عهد الرسَالَة ربّه ... وناهيك من توفيق ذَاك الْمُوَافق) (من الصفوة الْأَبْرَار صيغوا وصوروا ... لمَوْت أعَاد أَو حَيَاة أصادق) (إِذا حقّ أَو حاف اضطهاد بِأمة ... تخلصها مِنْهُم حماة الْحَقَائِق) (أمولاي إغضاء فللفكر نبوة ... وَلَا نبو إِلَّا لاعتراض الْعَوَائِق) (على أَنَّهَا الغايات أعيا لحاقها ... فَلَا سبق فِيهَا للوجيه وَلَا حق) (إِلَى الْعَجز يلوي بعد لأي عنانه ... وَإِن عدّ صَدرا فِي الْعتاق السوابق) (وأنّي لمثلي أَن يساوق مثلهَا ... وَمَا قس البراسا من مسَاوٍ مساوق) (ولكنني فِيهَا على نهج خدمَة ... لأنعم من أرفاقها بمرافق) (سَلام عَلَيْهَا ساحة مولوية ... ملم لهاها الْبيض غير مفارق) (تجود بِوَضْع الدّين من سَعَة الندى ... وتضرب صفحاً عَن تقاضي المضايق)

стр. 588

فراجع مشرّفاً عَنْهَا بقصيدة مباركة مِنْهَا (أَتَت كَثْرَة كالجحفل المتضايق ... وَقد سَالَ مِنْهَا كلّ شعب وشاهق) (وفاض على شهب المهارق سيبها ... كَمَا فاض بعد الْفجْر نور الْمَشَارِق) (كأنّ بصيص الحبر فَوق اسوداده ... مذاب زجاج إثمديّ المعالق) (جرى فَوْقه دهن فخطّت بِمَا جرى ... وَمَا ذاب فِي القرطاس أَقْلَام ماشق) (وَلَا عيب فِيهِ غير أَن رقومه ... تلوح احوراراً فِي لحاظ المهارق) (وتبلغ سرّ العاشقين وَلم يغب ... رَقِيب فيشقى من تنعم عاشق) (غَدَتْ كغصون الشوك شعثاً سطوره ... وَفِي ضمنهَا مَا ضم زهر الحدائق) (وَمَا هِيَ إِلَّا معجزات تظاهرت ... لتعجيز ذِي دَعْوَى وتصديق صَادِق) (أتيت بِمَا لَا يُسْتَطَاع تحدياً ... وَجئْت ببدع للعوائد خارق) (فتبنا من الدَّعْوَى وَلَا من معاند ... وثبنا لإيمان وَمَا من مُنَافِق) وَله أعزه الله وَكتب إليّ بِهِ مُلْتَزما فِيهِ مَا لَا يلْزم (أنفذت نظمي قبل تَنْقِيح لَهُ ... فئوت بِهِ أَذَى مليّاً تعرك) (وأخو البديهة لَيْسَ يَخْلُو قَوْله ... مِمَّا يعوّض عَنهُ أَو يسْتَدرك) (وأصحّ حَال فِيهِ مَا روّيته ... وَرَأَيْت وقتا فِيهِ وقتا يُشْرك) (فلئن كَفَفْت عَن القريض فَصَالح ... وَلَئِن تركت الكفّ عَنهُ لأنرك) (وَأرى الْإِصَابَة كالهديّ وروحها ... طوراً تهيم بِهِ وطوراً تفرك) (إِن البديع لمدرك لكنه ... مَعَ ذَاك مَا فِي كلّ وَقت يدْرك)

стр. 589

وَله فِي حلواء (خُذْهَا إِلَيْك شَقِيقَة لسجية ... لَك طالما سرّت فِرَاق فريقها) (تتحلب الأفواه عِنْد مذاقها ... طيبا تحلّبها لرشف رحيقها) (وافتك فِي أفق الخوان وَقد حكت ... للشمس عِنْد غُرُوبهَا وشروقها) (تعزى إِلَى عذب المجاجة مِثْلَمَا ... نفث البلاغة قَائِم بحقوقها) (من كل خافقة الْجنَاح لتجتني ... زهر الخمائل من أعالي نيقها) (تنمي لآل الْوَحْي آيَة سنخها ... فتسلّم اللهوات فِي تصديقها) (لَا غرو فِي بشر الطباع لوقدها ... فَالنَّفْس تأنس بالتماح رفيقها) (وترقّ إِذْ يشدي لَهَا بنسيمها ... كالنحل تلهج إِذْ يجاء بريقها) وَله من أَبْيَات فِي المجبّنات (وربّ زائرة معسولة الْخلق ... تعزى لزهر الرّبى والوابل الغدق) (جَاءَت وَفصل الرّبيع الطلق يحفزها ... كالطيف يطْرق من أغفى على قلق) (محمرة اللَّوْن وَالْفضل الْمُبين لَهَا ... على الغرالة إِذْ تبدو على الْأُفق) (كَأَنَّهَا هِيَ إِلَّا أَن بَينهمَا ... مَا بَين مَحْض النَّعيم العذب والحرق)

стр. 590

(كَأَنَّهَا وبنان الْقَوْم يغمزها ... بدر تشقّق عَنهُ حمرَة الشَّفق) وَهَؤُلَاء خَاتِمَة الشُّعَرَاء من الْأُمَرَاء وَأَبْنَائِهِمْ على الشَّرْط الَّذِي لَا يسوغ معنى الْتِزَامه لفظ أسمائهم وَلَو نسئت بالأندلس إيالة الْإِسْلَام لنسقت على الْعَادة محَاسِن الْكَلَام وَلَكِن فِي هَذِه الْمِائَة الْأَخِيرَة أدْرك مرامهم الرّوم فِي الجزيرة واستحكمت إبارتهم لَهَا بِحكم الْفِتْنَة المبيرة حَتَّى ملكوها وجزائرها بَين الصُّلْح والعنوة وَغَايَة أَهلهَا إِلَى هَذِه الْغَايَة أَن يتساقطوا على العدوة وكل مِنْهُم مفلت بجريعة الذّقن ومسلّم لعَدوه الْكَافِر مَحْبُوب الوطن كم تركُوا من جنّات يدوسون غلالها وديار يجوسون خلالها وعيون يفجر تغويرها الْعُيُون دَمًا وزروع مَا عدا وجودهَا أَن عَاد عدماً ثمَّ لَا انتصار بِغَيْر العبرات وَلَا اقْتِصَار إِلَّا على الزفرات والحسرات وَلم يبْق الْآن إِلَّا إشبيلية أمّ الْقَوَاعِد والمدائن ومأمّ الركائب والسّفائن وَقد أشفت على الذّهاب واستوفت على الخراب فِي حسن المصابرة ورزؤها خَاتم الأرزاء وثكلها الدَّافِع فِي صدر العزاء نَعُوذ بِاللَّه من بأسه وتنكيله ونعود إِلَى مَا كُنَّا بسبيله

стр. 591

١٦٢ - إِبْرَاهِيم بن إِدْرِيس بن أبي إِسْحَاق ابْن جَامع أَبُو إِسْحَاق ولى سبتة إِلَى أشغال بحرها فِي آخر وزارة أَخِيه أبي الْحسن عَليّ بن أبي الْعلَا وَأول الْفِتْنَة المنبعثة صدر سنة إِحْدَى وَعشْرين وَفِي ذَلِك الْعَام صرفا جَمِيعًا وَقتل عليّ مِنْهُمَا بِجَزِيرَة طريف فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَعشْرين وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم فِيمَا أَحسب قبل ذَلِك وَكَانَ فِي بَيته الْمَخْصُوص بالوزارة مَوْصُوفا بِحسن الإدارة على أَن جَمِيعهم لأشتات السّرو جَامع وَمَا مِنْهُم إِلَّا لَهُ حلم أصمّ وجود

стр. 592

سامع أبقت على بقاياهم الدولة الحفصية فَأَصْبَحت أيامهم العصية وأكثبت آمالهم القصية وَهَا هم قد نهضوا بالأعباء وانفردوا بالمحاباة فِي الأحبّاء حَتَّى جرى الْأَبْنَاء مجْرى الْآبَاء وَلأبي إِسْحَاق هَذَا امتياز بِفضل أدب واعتلاق مِنْهُ بِسَبَب وَهُوَ الْقَائِل يُخَاطب أَبَا بكر بن يزِيد بن مُحَمَّد بن صقْلَابٍ عَامل المريّة (يَا نازحاً حبّه وَكيد ... وَمن تراعى لَهُ العهود) (حللت مني مَحل نَفسِي ... فَأَنت دَان مني بعيد) (إِن قَالَ إلْف قد ملّ إلفي ... وودّه نَاقص يبيد) (قلت لَهُ زارياً عَلَيْهِ ... يزِيد فِي حبّه يزِيد) فَكتب إِلَيْهِ مَعَ نثر بِأَبْيَات مِنْهَا (قدك اتّئب أَيهَا الحسود ... دارت على راحتي السُّعُود) (واهتز عطف الزَّمَان لينًا ... وَكم عسا للزمان عود) (أجني يَدي بعد مَا تجنّى ... زهر الْأَمَانِي كَمَا أُرِيد) (فمسرحي ممرع جميم ... ومشرعي سلسل برود) (وكل ليل عليّ صبح ... وكل يَوْم لدىّ عيد)

стр. 593

١٦٣ - سُلَيْمَان بن الْحَاج عبد الله ابْن ويفتن أَبُو الرّبيع عَامل إفريقية وَكَانَ قبل ذَلِك والياً على قابس وَغَيرهَا واستنيب على حَضْرَة تونس أيدها الله وَمن شعره يُخَاطب بعض الْمُلُوك وَقد قَصده فحجبه وأنشدني ذَلِك لَهُ من سَمعه مِنْهُ (يَا أَيهَا الْملك الَّذِي ... ضنّت بِهِ حجب الجلاله) (جد لي بِإِحْدَى الحسنيين ... من الرَّسُول أَو الرسَالَة) ١٦٤ - عبد الله بن مُحَمَّد بن وَزِير أَبُو مُحَمَّد قد تقدم ذكر أَبِيه أبي بكر فِي آخر الْمِائَة السَّادِسَة وَأَنه كَانَ والياً على قصر الْفَتْح وَمَا إِلَيْهِ من الثغر الغربي وَبعد وَفَاته ولى عبد الله ذَلِك وَكَانَ أكبر بنيه وَالْوَارِث دون إخْوَته أدبه ورتبه وَلم تطل ولَايَته وَلَا كَادَت تتبين كِفَايَته حَتَّى نازله الإفرنج وتغلبوا عَلَيْهِ فِي جُمَادَى الأولى سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة بعد وقيعة هُنَالك فقد فِيهَا آلَاف من الْمُسلمين بتخاذل رُؤَسَائِهِمْ يَوْم التقى الْجَمْعَانِ وَهِي إِحْدَى الكوائن المنذرة حِينَئِذٍ بِمَا آل إِلَيْهِ أَمر الأندلس الْآن وَأسر عبد الله هَذَا وَمن كَانَ مَعَه ثمَّ تخلص من تِلْكَ الْحَال بحيلة تَوَجَّهت لَهُ

стр. 594

وَاسْتعْمل بعد وفادته على مرّاكش إِثْر خلاصه وقبضت عَلَيْهِ الْعَامَّة بإشبيلية بَلَده بتحريك مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود الملقب بالمتوكل إِيَّاهَا عَلَيْهِ وعَلى أهل بَيته وسيق إِلَيْهِ فَقتله وأخاه أَبَا عَمْرو عبد الرَّحْمَن مُنْصَرفه من الوقيعة الْعُظْمَى عَلَيْهِ بماردة من الثغر الجوفيّ فِي سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة وَهُوَ الْقَائِل فِي عُثْمَان بن نصر أَمِير قومه الرّياحييّن عِنْد الصفح عَنهُ بعد الْقَبْض عَلَيْهِ

стр. 595

(قَالُوا عَفا الْأَمِير عَن عُثْمَان قلت لَهُم ... سيوسع الْملك الْإِحْسَان والصّفدا) (مَا كَانَ أولاه من عَفْو وأوقعه ... لَو أَن ذَلِك فِي الْيَوْم الَّذِي وردا) (لكِنهمْ لحظوا لحظ الرءوف أما ... يُؤَدب الْوَالِد المستصلح الولدا) (كالبحر لَا تقذف المرجان لجته ... إِلَّا إِذا قذفت أمواجه الزبدا) وحدّثت أَن أَبَاهُ أَبَا بكر مرّ فِي بعض أَسْفَاره بوادي الْحمام وَهُوَ مَا بَين أركش وَبَين مَدِينَة ابْن السّليم فَسمع غناء حمامة فَقَالَ (أحمامة ناحت على وَادي الْحمام ... خلّى ادّعاء جوى المشوق المستهام) (أَيْن الدُّمُوع وَأَيْنَ لبس الْحزن أم ... أَيْن التلذّذ بَين أثْنَاء الْخيام) (أحللت أَنْضَرُ أيكة تهفو على ... وَاد تصفّق إِذْ خلوت من الغرام) (وصدحت بالكف الخضيب كموقع ... ببنانه يَتْلُو بهَا نغم الْكَلَام) وَزَعَمت أَنَّك هَامة لليوم أَو ... غده وشأنك يَا حمام سوى الْحمام) (أَنا ذَاك لي جسم عَفا بالسّقم إِذْ ... وفّى لعلوة غير مَذْمُوم الذمام) (مَا كنت أعلم قبله أنّ الجوى ... يبري الجسوم كَمثل مَا يبري الحسام)

стр. 596

ثمَّ إِن عبد الله ابْنه هَذَا مرّ بِهِ بعد حِين فَتذكر قَول أَبِيه فِيهِ فَقَالَ (أحمامة الْوَادي أخفت من الْحمام ... فشكوت مَا تلقين شكوى المستهام) (كذب الْحمام فَأَيْنَ دَعْوَى مظهر ... أشجانه من ذِي خَفَاء واكتتام) (شهِدت دموعي والجوى وَلَو أنني ... خَاصَمت بالجسم السقيم كفى السّقام) (بل قد عذرتك يَا حمام فَلم تطق ... عوناً يبين عَن الَّذِي بك من أوام) (مَا باختيارك خضّبت كف وَلَا ... قلّدت طوقاً مَا لَهُ عَنْك انفصام) (أَو مَا ترى الكحلاء طبعا تَشْتَكِي ... ثكلاً وناظرها يدل على اتهام) (ردي الهديل فإنني أشجي بِهِ ... يَا لَيْتَني لم أدر يَوْمًا مَا الغرام) وَوجدت مَنْسُوبا إِلَيْهِ (بدا محيّا جَابر ... وَاللَّيْل ملق أزره) (والبدر قد قابله ... وَالْمُشْتَرِي والزّهره) (فَقلت ذَا أَضْوَأ من ... تِلْكَ الثَّلَاث النيّرة) (فَقَالَ صحبي كلّهم ... إِي وَالَّذِي قد صورّه) وَهَذِه الأبيات قد أنشدنيها أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحَاج أبي عَامر مُحَمَّد بن حسن ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الفِهري ببلنسيّة بعد سنة عشر وسِتمِائَة لشَيْخِنَا أبي الْحسن بن حريق وحَدثني أَنه سَمعهَا مِنْهُ عِنْد ارتجاله إِيَّاهَا فِي شبيبة أبي

стр. 597

الْحسن قَالَ وَكَانَ يمِيل إِلَى وسيم يعرف بِجَعْفَر الخضري فَقعدَ وَأَنا مَعَه فِي إِحْدَى اللَّيَالِي المقمرة بَين العشاءين ومعنا طَائِفَة من أترابنا ترتقب وُصُول جَعْفَر هَذَا فَلَمَّا أطل قَالَ ذَلِك وَأول الأبيات (بدا محيا جَعْفَر ... ) إِلَى آخرهَا إِلَّا أَنه قَالَ فَقلت ذَا أجمل مَكَان أَضْوَأ وَهِي بِابْن حريق أولى مَعَ أَنِّي لم أَجدهَا فِي ديوَان شعره إِذْ قرأته عَلَيْهِ وَلَا أَدْرِي كَيفَ نسبت إِلَى ابْن وَزِير ١٦٥ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن صنانيد الْأنْصَارِيّ أَبُو إِسْحَاق كَانَ أَبوهُ والياً على جيّان وَقد وَليهَا هُوَ بِآخِرهِ وَتصرف قبل ذَلِك بثغر بطليوس وهنالك صاحبته وَمِنْه خاطبني وخاطبته وأصل أوّليتّه من شقورة

стр. 598

وَكَانَت لِأَبِيهِ نكايات فِي العداة وعنايات بالعفاة حَتَّى لدوّنت أمداحه وَشهر بأسه وسماحه وَأما ابْنه هَذَا فغلب الْأَدَب عَلَيْهِ وانتسب السّرو إِلَيْهِ وَإِلَّا يكن مَعَه بَأْس أَبِيه ومضاؤه فمعه معروفه الْمَعْرُوف وسخاؤه حَدثنِي شَيخنَا أَبُو الْحسن بن حريق أَنه أَيَّام اشْتِغَاله بِجِهَة جيّان وتردده عَلَيْهَا فِي صدر هَذِه الْمِائَة لقى أَبَا إِسْحَاق هَذَا فأفهمه بِمُقْتَضى سروه الْحِرْص على مدحه ثمَّ بعث قريحته على ذَلِك بجزيل من منحه فَقَالَ فِيهِ قصيدته الفريدة الَّتِي أَولهَا وأنشدني جَمِيعهَا (أعرى من الْمَدْح الطّرف الَّذِي ركبا ... لماجرى فِي ميادين الصبّا فكبا) (تمرّ وثباً بِهِ خيل الشَّبَاب فَلَا ... يسطيع من مربط الْخمسين أَن يثبا) (وَرُبمَا شقّ أسداف الظلام بِهِ ... ركضاً وشقّ بِهِ الأستار والحجبا) يَقُول فِيهَا (يلقى الغواني بإنكار معارفه ... وهنّ أقرب خلق مِنْهُ منتسبا) (إِن كنّ سّمينه عصر الشَّبَاب أَخا ... لَهُنَّ فاليوم أَحْرَى أَن يكون أَبَا) (رعينه خضرًا رطبا فحين عسا ... أتين يرعين ذَاك الإل والنسبا)

стр. 599

وَفِي مدحها (لَا بُد أَن ينصر الْآدَاب مشترط ... للمجد أَن ينصر العلياء والحسبا) (ندب لآل صنانيد بِهِ رتب ... فَاتَت برفعتها الأقدار والرتبا) (تقدّمت بهم من فَضله قدم ... داسوا بإخمصها الأقمار والشهبا) (نالوا بسعي أبي إِسْحَاق مَا طلبُوا ... ونال عفوا أَبُو إِسْحَاق مَا طلبا) (يَا ضَاحِكا للمنى من مبسم لقطت ... من لَفظه الدرّ واشتارت بِهِ الضّربا) (ومفصحاً بنعم فِي كل مَسْأَلَة ... إِلَّا لمن لامه فِي الْجُود أَو عتبا) (كن لي كَمَا أَنْت فِي نَفسِي فقد عقدت ... بيني وَبَيْنك أَسبَاب الْعلَا قربا) (وَذَاكَ أَنَّك تهدي البرّ منتخباً ... نحوي وأهدي إِلَيْك الْحَمد منتخبا) وَمِنْهَا (وسامع بك فِي أقْصَى مَنَازِله ... أَفَادَ من رفدك الْأَمْوَال والنشبا) (رجاك فامتلأت أرجاؤه بَدْرًا ... وَلم يشدّ لَهَا رحلاً وَلَا قتبا) (سوى قصائد والاها منقحة ... أدَّت إِلَى راحتيه ثروة عجبا) (صاغت لَهُ كيمياء الْجُود إِذْ وَردت ... مِنْهَا نضاراً وَكَانَت قبلهَا كتبا) (فَأَشْبَهت حَال بنت الْكَرم إِذْ خلصت ... فِي الدّنّ خمرًا وَكَانَت قبله عنبا) وَمن شعر أبي إِسْحَاق يعْتَذر إِلَى بعض الرؤساء من ترك زيارته لنقرس كَانَ يلازمه (كم رام كاتبها زِيَارَة مجدكم ... فتفوق عَن آماله آلامه)

стр. 600

(يَا ماجداً عذرا إِلَيْك فَإِنَّهُ ... لَا تستقلّ بِحمْلِهِ أقدامه) وَكتب إليّ مجاوباً فِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة (أَتَتْنِي فَقلت لَهَا مرْحَبًا ... تَحِيَّة صدق تحلّ الحبا) (يسير بهَا الْعَهْد مستحفظاً ... ويسري النسيم بهَا طيّبا) (يهبّ الْوَفَاء بهَا بارقاً ... فيلثمني ثغره أشنبا) (تأرّج لما سرى موهناً ... يُؤَدِّي أمانات زهر الرّبى) (وَقد نضح الطلّ أعطافه ... فأنساك حسنا عهود الصّبا) (تحمّل عَن ذِي الْهوى لوعة ... يضيق عَلَيْهَا النَّوَى مذهبا) (وزار فأدنى بعيد النَّوَى ... وبعّد بالشوق مَا قرّبا) (وَأهْدى من الود عرفا بليلاً ... عليلاً يصحّ بِهِ من صبا) (وذكّرني بالسّري مخلصاً ... أسامر وجدا بِهِ الكوكبا) (وَمَا كنت عَنهُ لبعد المزار ... ذهولاً فأطلب مستعتبا) (وَكَيف التناسي لمن قد غَدا ... طرازاً بكمّ الْعلَا مذهبا) (وقرطا عَليّ مسمعي ذكره ... ، معني على الْقلب مستعذبا) (فبلّغه عني سَلاما جزيلاً ... يسير مَعَ الْقلب مستصحبا) (وَلَو كنت فِي ودّه منصفاً ... لما نَاب عني نسيم الصّبا)
следующие страницы →