← История

История · id 6630

الحلة السيراء

ابن الأبار

Полный текст (687 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ثمَّ إِن عبد الله ابْنه هَذَا مرّ بِهِ بعد حِين فَتذكر قَول أَبِيه فِيهِ فَقَالَ (أحمامة الْوَادي أخفت من الْحمام ... فشكوت مَا تلقين شكوى المستهام) (كذب الْحمام فَأَيْنَ دَعْوَى مظهر ... أشجانه من ذِي خَفَاء واكتتام) (شهِدت دموعي والجوى وَلَو أنني ... خَاصَمت بالجسم السقيم كفى السّقام) (بل قد عذرتك يَا حمام فَلم تطق ... عوناً يبين عَن الَّذِي بك من أوام) (مَا باختيارك خضّبت كف وَلَا ... قلّدت طوقاً مَا لَهُ عَنْك انفصام) (أَو مَا ترى الكحلاء طبعا تَشْتَكِي ... ثكلاً وناظرها يدل على اتهام) (ردي الهديل فإنني أشجي بِهِ ... يَا لَيْتَني لم أدر يَوْمًا مَا الغرام) وَوجدت مَنْسُوبا إِلَيْهِ (بدا محيّا جَابر ... وَاللَّيْل ملق أزره) (والبدر قد قابله ... وَالْمُشْتَرِي والزّهره) (فَقلت ذَا أَضْوَأ من ... تِلْكَ الثَّلَاث النيّرة) (فَقَالَ صحبي كلّهم ... إِي وَالَّذِي قد صورّه) وَهَذِه الأبيات قد أنشدنيها أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحَاج أبي عَامر مُحَمَّد بن حسن ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الفِهري ببلنسيّة بعد سنة عشر وسِتمِائَة لشَيْخِنَا أبي الْحسن بن حريق وحَدثني أَنه سَمعهَا مِنْهُ عِنْد ارتجاله إِيَّاهَا فِي شبيبة أبي

стр. 597

الْحسن قَالَ وَكَانَ يمِيل إِلَى وسيم يعرف بِجَعْفَر الخضري فَقعدَ وَأَنا مَعَه فِي إِحْدَى اللَّيَالِي المقمرة بَين العشاءين ومعنا طَائِفَة من أترابنا ترتقب وُصُول جَعْفَر هَذَا فَلَمَّا أطل قَالَ ذَلِك وَأول الأبيات (بدا محيا جَعْفَر ... ) إِلَى آخرهَا إِلَّا أَنه قَالَ فَقلت ذَا أجمل مَكَان أَضْوَأ وَهِي بِابْن حريق أولى مَعَ أَنِّي لم أَجدهَا فِي ديوَان شعره إِذْ قرأته عَلَيْهِ وَلَا أَدْرِي كَيفَ نسبت إِلَى ابْن وَزِير ١٦٥ - إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن صنانيد الْأنْصَارِيّ أَبُو إِسْحَاق كَانَ أَبوهُ والياً على جيّان وَقد وَليهَا هُوَ بِآخِرهِ وَتصرف قبل ذَلِك بثغر بطليوس وهنالك صاحبته وَمِنْه خاطبني وخاطبته وأصل أوّليتّه من شقورة

стр. 598

وَكَانَت لِأَبِيهِ نكايات فِي العداة وعنايات بالعفاة حَتَّى لدوّنت أمداحه وَشهر بأسه وسماحه وَأما ابْنه هَذَا فغلب الْأَدَب عَلَيْهِ وانتسب السّرو إِلَيْهِ وَإِلَّا يكن مَعَه بَأْس أَبِيه ومضاؤه فمعه معروفه الْمَعْرُوف وسخاؤه حَدثنِي شَيخنَا أَبُو الْحسن بن حريق أَنه أَيَّام اشْتِغَاله بِجِهَة جيّان وتردده عَلَيْهَا فِي صدر هَذِه الْمِائَة لقى أَبَا إِسْحَاق هَذَا فأفهمه بِمُقْتَضى سروه الْحِرْص على مدحه ثمَّ بعث قريحته على ذَلِك بجزيل من منحه فَقَالَ فِيهِ قصيدته الفريدة الَّتِي أَولهَا وأنشدني جَمِيعهَا (أعرى من الْمَدْح الطّرف الَّذِي ركبا ... لماجرى فِي ميادين الصبّا فكبا) (تمرّ وثباً بِهِ خيل الشَّبَاب فَلَا ... يسطيع من مربط الْخمسين أَن يثبا) (وَرُبمَا شقّ أسداف الظلام بِهِ ... ركضاً وشقّ بِهِ الأستار والحجبا) يَقُول فِيهَا (يلقى الغواني بإنكار معارفه ... وهنّ أقرب خلق مِنْهُ منتسبا) (إِن كنّ سّمينه عصر الشَّبَاب أَخا ... لَهُنَّ فاليوم أَحْرَى أَن يكون أَبَا) (رعينه خضرًا رطبا فحين عسا ... أتين يرعين ذَاك الإل والنسبا)

стр. 599

وَفِي مدحها (لَا بُد أَن ينصر الْآدَاب مشترط ... للمجد أَن ينصر العلياء والحسبا) (ندب لآل صنانيد بِهِ رتب ... فَاتَت برفعتها الأقدار والرتبا) (تقدّمت بهم من فَضله قدم ... داسوا بإخمصها الأقمار والشهبا) (نالوا بسعي أبي إِسْحَاق مَا طلبُوا ... ونال عفوا أَبُو إِسْحَاق مَا طلبا) (يَا ضَاحِكا للمنى من مبسم لقطت ... من لَفظه الدرّ واشتارت بِهِ الضّربا) (ومفصحاً بنعم فِي كل مَسْأَلَة ... إِلَّا لمن لامه فِي الْجُود أَو عتبا) (كن لي كَمَا أَنْت فِي نَفسِي فقد عقدت ... بيني وَبَيْنك أَسبَاب الْعلَا قربا) (وَذَاكَ أَنَّك تهدي البرّ منتخباً ... نحوي وأهدي إِلَيْك الْحَمد منتخبا) وَمِنْهَا (وسامع بك فِي أقْصَى مَنَازِله ... أَفَادَ من رفدك الْأَمْوَال والنشبا) (رجاك فامتلأت أرجاؤه بَدْرًا ... وَلم يشدّ لَهَا رحلاً وَلَا قتبا) (سوى قصائد والاها منقحة ... أدَّت إِلَى راحتيه ثروة عجبا) (صاغت لَهُ كيمياء الْجُود إِذْ وَردت ... مِنْهَا نضاراً وَكَانَت قبلهَا كتبا) (فَأَشْبَهت حَال بنت الْكَرم إِذْ خلصت ... فِي الدّنّ خمرًا وَكَانَت قبله عنبا) وَمن شعر أبي إِسْحَاق يعْتَذر إِلَى بعض الرؤساء من ترك زيارته لنقرس كَانَ يلازمه (كم رام كاتبها زِيَارَة مجدكم ... فتفوق عَن آماله آلامه)

стр. 600

(يَا ماجداً عذرا إِلَيْك فَإِنَّهُ ... لَا تستقلّ بِحمْلِهِ أقدامه) وَكتب إليّ مجاوباً فِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة (أَتَتْنِي فَقلت لَهَا مرْحَبًا ... تَحِيَّة صدق تحلّ الحبا) (يسير بهَا الْعَهْد مستحفظاً ... ويسري النسيم بهَا طيّبا) (يهبّ الْوَفَاء بهَا بارقاً ... فيلثمني ثغره أشنبا) (تأرّج لما سرى موهناً ... يُؤَدِّي أمانات زهر الرّبى) (وَقد نضح الطلّ أعطافه ... فأنساك حسنا عهود الصّبا) (تحمّل عَن ذِي الْهوى لوعة ... يضيق عَلَيْهَا النَّوَى مذهبا) (وزار فأدنى بعيد النَّوَى ... وبعّد بالشوق مَا قرّبا) (وَأهْدى من الود عرفا بليلاً ... عليلاً يصحّ بِهِ من صبا) (وذكّرني بالسّري مخلصاً ... أسامر وجدا بِهِ الكوكبا) (وَمَا كنت عَنهُ لبعد المزار ... ذهولاً فأطلب مستعتبا) (وَكَيف التناسي لمن قد غَدا ... طرازاً بكمّ الْعلَا مذهبا) (وقرطا عَليّ مسمعي ذكره ... ، معني على الْقلب مستعذبا) (فبلّغه عني سَلاما جزيلاً ... يسير مَعَ الْقلب مستصحبا) (وَلَو كنت فِي ودّه منصفاً ... لما نَاب عني نسيم الصّبا)

стр. 601

١٦٦ - يحيى بن أَحْمد بن عيسي الخزرجي أبوالحسين منتماه إِلَى قيس بن سعد بن عبَادَة صَرِيح وَحَدِيث نداه عِنْد رُوَاة علاهُ حسن صَحِيح وَولد بدانية دَار آبَائِهِ وَبهَا نَشأ ثمَّ أوطن شاطبة وأصهر بهَا إِلَى شَيخنَا أبي عمر بن عَاتٍ وَمَال إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَمَا زَالَ يرتقي فِي معالي الْأُمُور دَرَجَة بعد أُخْرَى حَتَّى سَاد أَهلهَا ووليها من قبل مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود الملقب بالمتوكّل إِلَى أَن توفّي فِي آخر شعْبَان سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ووليها بعده أبناؤه والرئاسة مِنْهُم لأبي بكر مُحَمَّد وَصَارَت إِلَيْهِ دانية مُدَّة يسيرَة إِلَى أَن تغلب الرّوم عَلَيْهَا مستهلّ ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين ثمَّ تملّك الرّوم أَيْضا شاطبة فِي آخر صفر من سنة أَربع وَأَرْبَعين بعد مهادنة ومداراة لطاغيتهم البرشلوني من حِين تغلبه على بلنسيّة فِي صفر أَيْضا وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع عشر مِنْهُ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَكَانُوا قد شارطوا على سكانها بإتاوة مَعْلُومَة وَفِي وقتنا هَذَا وصل بعض الشاطبيين يخبر أَنه أجلاهم عَنْهَا مَعَ أهل جهاتها وهم أُلُوف من الْمُسلمين فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد وَأَوَى أَبُو بكر هَذَا فِي خاصته إِلَى حصن بمقربة مِنْهَا وَذَلِكَ فِي رَمَضَان من سنة خمس وَأَرْبَعين

стр. 602

وَلأبي الْحُسَيْن فَضَائِل مَذْكُورَة ومآثر مأثورة ورزق قبولا مازال بِهِ مأمولا من رجل يجْرِي على أعراقه فيدع الضّنانة بأعلاقه ويسع النَّاس بأمواله كَمَا يسعهم بِحسن أخلاقه يلقِي الْوُفُود مرْحَبًا ويلفي كَمَا عوّد الْجُود الَّذِي تقيّل فِيهِ الجدود منسحباً (وَكلما لَقِي الدِّينَار صَاحبه ... فِي ملكه افْتَرقَا من قبل يصطحبا) وَأول ظُهُوره فَفِي الْفِتْنَة المنبعثة فِي أول سنة إِحْدَى وَعشْرين وَكَانَت بضاعته الْأَدَب مَعَ مشاركته فِي غَيره ويغلب عَلَيْهِ تحبير النثر أَكثر من تجويد الشّعْر وَهُوَ الْقَائِل معتذراً إِلَى بعض الْأُمَرَاء

стр. 603

(إِن قصّرت فِي خدمَة محسوسة ... فِيمَا مضى من دهري الْمُتَقَدّم) (فلنيّتي مَكْنُون خدمتها الَّتِي ... عقلت وَإِن حجبت لمن لم يفهم) (ولديّ عذر فِي التَّخَلُّف أولاّ ... وَلكم حلوم فَوق جرم المجرم) (وَإِذا محا مَا قد تقدّم عفوكم ... فولاء رقّي ثَابت للمنعم) (وَلَقِيت عِنْد لقائكم مَا أمّلت ... نَفسِي وَلَكِن كَيفَ لي بمسلّم) (وضراعتي فِي أَن يكون قبولكم ... فَوقِي بِمَنْزِلَة الرِّدَاء الْمعلم) وَله يُخَاطب أَبَا عبد الله بن عَيَّاش الْكَاتِب من قصيدة (مَالِي يَد بجزاء مَا أسديته ... والكفّ تقصر عَن محلّ الْكَوْكَب) (إِنِّي وقفت على جنابك همتي ... وَجعلت ربعك كعبتي ومحصّبي) (وَلَئِن سَأَلت عَن الَّذِي أَنا طَالب ... مَالِي سوى نيل الْعلَا من مطلب) وَله (عزاء أَبَا عَامر إِنَّه ... وَإِن كَانَ رزؤك رزءاً جَلِيلًا) (فَإِن الرَّسُول قضى فاجعلن ... عزاءك عَمَّن يَمُوت الرسولا) (وَقدر التصّبر قدر الثَّوَاب ... فصبراً توفّ الثَّنَاء الجميلا) وأنشدني لَهُ ابْن أَخِيه أَبُو الْحُسَيْن عَزِيز بن أبي عَمْرو سعد بن أَحْمد فِي وسيم أسمر أَزْرَق أرمد

стр. 604

(عابوه أسمر ناحلاً ذَا زرقة ... رمداً وظنوا أَن ذَاك يشينه) (جهلوا بِأَن السّمهريّ شبيهه ... وخضابه بِدَم الْقُلُوب يزينه) ١٦٧ - عَزِيز بن عبد الْملك بن مُحَمَّد ابْن خطاب أَبُو بكر كَانَ لَهُ مَعَ شرف الْبَيْت ونباهة السّلف تقدم مَعْلُوم فِي الْعُلُوم وتميز بالمشاركة فِي المنثور والمنظوم وَولى مرسية بَلَده من قبل ابْن هود المتَوَكل وَهُوَ الثائر بِموضع مِنْهُ يعرف بالصخور فِي آخر رَجَب سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَدخل مرسية بمواطأة قاضيها حِينَئِذٍ أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد القسطلّي قتيله بعد وَقبض على واليها وَذَلِكَ فِي أول يَوْم من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَمِنْهَا ملك بِلَاد الأندلس بأسرها إِلَّا بلنسيّة إِلَى أَن هلك بقصبة المريّة لَيْلَة الْخَمِيس السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة خمس

стр. 605

وَثَلَاثِينَ وَكَانَ أمره عجبا لَوْلَا أَنه أورث عطباً وأعقب شجباً وَفِي ولَايَة أبي بكر هَذِه قدم عَلَيْهِ أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن الصَّابُونِي الإشبيلي شَاعِر وقته وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فامتدحه بقصيد فريد أَوله (أَهلا بطيف خيال مِنْك منساب ... أدال عتبك عِنْدِي حِين إعتابي) يَقُول فِيهِ (لَا درّ درّ ليَالِي الْبعد من زمن ... يطول فِيهِ اجتراع الصّبّ للصّاب) (نابت صروف نبا بِي عِنْدهَا وطني ... قرعت نابي لَهَا من رحلي النابي) (جوّابة الأَرْض لَا ألوي على سكن ... تمْضِي الركاب وتجري بِي لتجوابي) (فِي الْفلك أَو فِي ظُهُور العيس منتقلاً ... فِي مذهل اللّب بَين الموج واللاب) (لَا أستكنّ بكانون لقرّته ... وَلست آبي من التهجير فِي آب)

стр. 606

(فَكُن بإدلاج تأويبي على ثِقَة ... من أوبتي شجو أَعدَاء لأحباب) (وَيَا معنّي بريب الدَّهْر يرهبه ... لَا تبتئس بعد من إرهاق إرهاب) (إِن أغريت بك أبكار الخطوب فلذ ... مِنْهَا بمجد أبي بكر بن خطاب) (بالسّيد الأوحد النّدب الَّذِي كملت ... بِهِ الْعلَا بَين أَخْلَاق وأحساب) (يلقِي بِهِ سَائِلًا جود وَمَعْرِفَة ... طبّاً بتلقيح أَحْوَال وألباب) (يحر من الْعلم يسْقِي من يلمّ بِهِ ... وَيُرْسل السّحب للنائي بتسكاب) (وعندما راعت الدُّنْيَا إيالته ... ) (نَام الْأَنَام سكوناً بالمنى وهفت ... بِالْمَالِ هَيْبَة غمر الْجُود وهّاب) وَمِنْه (لَوْلَا اعتناء عَزِيز مَا عززت على ... دهري وَقد بزّ لمّا عزّ أسلابي) (تقلّبت حركات الدَّهْر بِي غيراً ... حَتَّى كَأَنِّي مِنْهَا حرف إِعْرَاب) ثمَّ انْفَرد بتدبير مرسية بعد وَفَاة ابْن هود وطرد عَنْهَا أَخَاهُ عليّ بن يُوسُف الملقب بعضد الدولة ودعا لنَفسِهِ وبويع لَهُ فِي الرَّابِع من الْمحرم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وتغلب عَلَيْهِ أَبُو جميل زيان بن مدافع بن يُوسُف بن سعد الجذامي فِي يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس عشر من شهر رَمَضَان من السّنة واعتقله قَلِيلا ثمَّ قَتله صبرا على أثر ذَلِك لَيْلَة الِاثْنَيْنِ السَّادِس وَالْعِشْرين من الشَّهْر وَكَانَ فِي أول أمره أبعد النَّاس مِمَّا صَار إِلَيْهِ وتورط فِيهِ يؤذّن فِي

стр. 607

الْمَسَاجِد ويحيك الحلفاء ويصحب المتعبدين والرئاسة تهيب بِهِ لاحتيازه إِيَّاهَا من طَرفَيْهِ فَمَا لبث أَن أجابها مُقبلا عَلَيْهَا ومهرولاً إِلَيْهَا ليَكُون فِيهَا حتفه وَالله غَالب على أمره وأخواله بَنو عِيسَى الخولانيون فتيَان الصَّباح وفرسان الكفاح وَأما آباؤه فكفاهم مجداً تالداً وذكراً خَالِدا مَا حكى ابْن حيّان فِي تَارِيخه الْكَبِير وقرأته بِخَط القَاضِي أبي الْقَاسِم بن حُبَيْش أَن أَبَا عمر أَحْمد بن خطاب وَهُوَ الْمَعْرُوف بالخازن ضيّف مُحَمَّد بن أبي عَامر وَرِجَال عسكره فِي اجتيازه إِلَى برشلونة فجَاء فِي الاقتدار على ذَلِك بِمَا صَار حَدِيثا بعده وَكَانَ فِي نِهَايَة من الثراء والسّرو والسماحة مَخْصُوصًا بصداقة ابْن شَهِيد قَالَ وَكَانَ وَلَده أَبُو الْأَصْبَغ مُوسَى يحتذي حذوه فِي الدّهقنة وَهُوَ الَّذِي ضيّف أَيْضا طرفَة الْخَادِم مولى عبد الْملك بن أبي عَامر وَرِجَاله فِي اجتيازه بِهِ غازياً قوم أعانهم على الْحسب الثراء فَلهم فِي الْفضل مقاوم مَذْكُورَة وهم موَالٍ لبني مَرْوَان من ولد عبد الْجَبَّار الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الْبَاب المسدود من أَبْوَاب قرطبة وخلفهم الْيَوْم يدْفَعُونَ ذَلِك ويزعمون أَنهم عرب من الأزد تموّلوا للْقَوْم إيثاراً للدنيا فَالله أعلم بذلك وَحكى ابْن حيّان أَيْضا فِي الدولة العامرية وَذكر غَزْوَة الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن أبي عَامر إِلَى برشلونة فِي سنة خمس وَسبعين وثلاثمائة وَهِي الثَّالِثَة عشْرين من غَزَوَاته فَجعل طَرِيقه على شرقيّ الأندلس وسلك طَرِيق إلبيرة إِلَى بسطة إِلَى تدمير فتضيّف بِمَدِينَة مرسية قَاعِدَة تدمير الْمَعْرُوف بِابْن خطّاب وَلم يسمّه وَكَانَ ذَا نعْمَة ضخمة وصنيعة وَاسِعَة وهمة علية فَمَكثَ عِنْده ثَلَاثَة عشر يَوْمًا يقوم بِهِ وبجنده وبخدمته جَمِيعًا على مقاديرهم

стр. 608

وَينفذ إِلَى بَاب كلّ وَاحِد مِنْهُم كلّ يَوْم وَظِيفَة من الدَّقِيق وَاللَّحم والفاكهة والقضيم وَصَارَ جَمِيعهم فِي كَفَالَة ابْن خطاب مَا بَين الْوَزير والشّرطيّ فَلم ينْفق أحد مِنْهُم لنَفسِهِ طول هَذِه الْمدَّة مِثْقَال ذرة وَكَانَ يجدد للمنصور كل يَوْم نوعا من الْأَطْعِمَة والفواكه لَا يشبه الَّذِي قبله نعم وَزَعَمُوا أَن ظروفه وأوعيته كَانَت تخْتَلف بِحَسب اخْتِلَاف أَنْوَاعه إِلَى أَن رَحل ابْن أبي عَامر مُتَعَجِّبا بِمَا تبرع بِهِ مستغرباً لمذهبه فِي التحدث بِنِعْمَة ربه بعد أَن أثنى عَلَيْهِ وحطّه جملَة من خراج ضيَاعه وَأمر لَهُ بكساً ولجماعة بني أُميَّة قَالَ وَسَأَلَ الْمَنْصُور ابْن خطاب أَن يعْمل لَهُ بقرطبة خبيصاً استجاده من حلوائه فأنفذ إِلَيْهِ جَارِيَة اتخذته فِي قصره فقارب التدميريّ وَلم تكمل صِفَاته فَحكم للهواء فِي تجويده وَكَانَ الْمَنْصُور فِيمَا بعد يصف نعْمَة ابْن خطاب وسروه وَيَقُول هِيَ أَحَق نعْمَة بِالْحِفْظِ وأولاها بِالزِّيَادَةِ لسلامتها من الغمط وَبعدهَا من الْجُحُود وقيامها بِفَرْض التَّزْكِيَة ويوعز إِلَى عماله بتدمير بِحِفْظ أَسبَابه وتحرّي مُوَافَقَته وَالْأَخْبَار عَنهُ فِي ذَلِك طَوِيلَة وَقَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن سعيد بن أبي الفيّاض وَيعرف بِابْن الغشّاء فِي تَارِيخه المترجم بالعبر وَذكر أَيْضا غَزْوَة الْمَنْصُور إِلَى برشلونة خرج إِلَيْهَا من قرطبة يَوْم الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت لذِي الْحجَّة من سنة أَربع وَسبعين وثلاثمائة وَهُوَ الْخَامِس من ماية وَأخذ على إلبيرة إِلَى بسطة إِلَى

стр. 609

لورقة إِلَى مرسية فَأَقَامَ بهَا ثَلَاثًا وَعشْرين يَوْمًا فِي ضِيَافَة أَحْمد بن دُحَيْم ابْن خطاب وَابْنه أبي الْأَصْبَغ مُوسَى بن أَحْمد لم ينْفق أحد من عسكره لنَفسِهِ درهما وَاحِدًا فَمَا فَوْقه من الْوَزير إِلَى الشّرطيّ وَكَانَ يجدد كل يَوْم للمنصور نوعا من الطَّعَام والفواكه بآلات مُخْتَلفَة كاختلاف الْأَطْعِمَة والفواكه حَتَّى صَار خَبرا فِي حَدِيث الْمَنْصُور ومفخراً عِنْده يباهي بِهِ وَبلغ أمره إِلَى أَن صنع لَهُ مَاء الْحمام من مَاء الْورْد وأبلغ فِي الإفراط فِي ضيافته فَكَانَ الْمَنْصُور يصفه فِيمَا بعد وَيَقُول نعْمَة ابْن خطاب أَحَق نعْمَة بِالْحِفْظِ وأحرمها على التَّغْيِير وأولاها بِالزِّيَادَةِ والتثمير لسلامتها وَبعدهَا من الْجُحُود وقيامها بِفَرْض التَّزْكِيَة وَكَانَ يُوصي عماله على تدمير ابْن خطاب وتحريّ مُوَافَقَته فِي كل مَا يرغبه وَمن شعر أبي بكر فِي الطَّرِيقَة الصُّوفِيَّة (لي حبيب أرَاهُ فِي كل آن ... هُوَ أنسي وبغيتي وجناني) (رام قوم أَن يحجبوني عَنهُ ... فاختفى عَن عيونهم وأتاني) (فَأَنا والحبيب متصلان ... وبظنّ الوشاة منفصلان) (فَإِذا مَا سكرت لم أر غَيْرِي ... وَإِذا مَا صحوت فالحب ثَان) (جلّ سكري عَن أَن ترَاهُ عُيُون ... حجبت بالحروف دون الْمعَانِي) وَهَذَا ينحو إِلَى قَول الآخر (أقصروا عَن لومكم يَا لومه ... وذروا الْقلب وَمن قد تيّمه) (إِن من أمرض قلبِي حبّه ... قَادر إِن شَاءَ يَوْمًا رَحمَه) (لي حبيب يتجلّى سحرًا ... وَلأَهل الودّ بعد الْعَتَمَة)

стр. 610

(خَالق الْعَرْش مَعَ الْفرش فقد ... فهم الْمَقْصُود من قد فهمه) وَمَا أحسن قَول أبي الْعَبَّاس بن العريف الزَّاهِد فِي هَذَا المنحى (فاح الندى بمنطقي فتنازعوا ... أبإسحل أستاك أم بأراك) (هَيْهَات عهدي بالسّواك وَإِنَّمَا ... شفة الحبيب جَعلتهَا مسواكي) (ويظن من سمع الحَدِيث بِأَنَّهُ ... حق بلَى ومدبّر الأفلاك) (رُؤْيا رَأَيْت وإنّ من أبصرته ... لمنزه عَن مهنة الْإِدْرَاك) ١٦٨ - مُحَمَّد بن عَليّ بن أحلى أَبُو عبد الله تأمّر بلورقة متنقلاً إِلَى الرِّئَاسَة من الدراسة وَكَانَ يجْتَمع إِلَيْهِ فِي علم الْكَلَام وَيُؤْخَذ عَنهُ وَله فِيهِ تواليف وبيته فِي المولّدين تليد النباهة وَبِذَلِك اسْتَعَانَ على مرامه إِلَى مَا لأهل بَلَده من بَأْس شَدِيد وَكَثْرَة عديد وَلما أمكن أهل مرسية مِنْهَا الرّوم فِي شَوَّال سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة ضلّل رَأْيهمْ وَأبْدى مخالفتهم وَجعل يجادلهم بِلِسَانِهِ ويجالدهم بسنانه فَدَعَا ذَلِك إِلَى قَصده والعيث فِي جِهَته حَتَّى اضْطر إِلَى المسالمة وعَلى ذَلِك بَقِي إِلَى أَن توفّي فِي أول سنة خمس وَأَرْبَعين وَله أشعار بمقصده شاهدة وعَلى معتقده متواردة مِنْهَا قَوْله

стр. 611

(الْمَرْء يعلم بِالضَّرُورَةِ نَفسه ... وَالثَّابِت الْمَوْجُود حيّ وَاحِد) (والخلق بَين حَقِيقَة ومقدّر ... تقضي عَلَيْهِ بالافتقار شَوَاهِد) (فَانْظُر بعقلك إِن بدا لَك شرح ذَاك ... فَأَنت حبر مُسْتَقِيم رَاشد) وأنشدني لَهُ بعض أَصْحَابنَا (تقطعت الْأَسْبَاب ثمَّ بقيت لي ... فَهَل أشتكي يَوْمًا من الذل والفقر) (لَئِن لم يكن مِنْك البعاد فإنني ... سيغبطني أهل الْمَلَامَة فِي أَمْرِي) (فَلَو عرفُوا مِنْك الَّذِي قد عَرفته ... للاح لَهُم تفريطهم وبدا عُذْري) (سَوَاء لعمري ذمهم وثناؤهم ... إِذا كنت تَدْرِي من عبيدك مَا تَدْرِي) وَله (خليليّ قد ضَاقَتْ عليّ مذاهبي ... وكفكفت نَفسِي عَن جَمِيع مطالبي) (وضافت جفون الْعين عَن عبراتها ... لأمر يرَاهُ الْخَبَر ضَرْبَة لازب)

стр. 612

(وشبت وَلم أبلغ ثَلَاثِينَ حجّة ... لحجة جَبَّار على الْخلق غَالب) (دَعَاني وشجوي والأسى وبلابلي ... فَلَا تعذلاني فِي الدُّمُوع السواكب) (أألتذّ بالدنيا وأرنو لحسنها ... وَلست إِلَيْهَا بعد موتِي بآيب) (لعمري لقد أَصبَحت سَكرَان حائراً ... جَدِيرًا بِمَا عِنْدِي وَلست بشارب) ١٦٩ - مُحَمَّد بن سبيع بن يُوسُف بن سعد بن مُحَمَّد بن سعد الجذامي أَبُو عبد الله ولى دانية لِابْنِ عَمه أبي جميل زيّان بن مدافع بن يُوسُف أَمِير بلنسيّة وانتزى عَلَيْهِ فِيهَا ثمَّ هرب وأسلمها وَكَانَ قد انتزى قبل ذَلِك بمرسية فقيّد وَاحْتمل إِلَى مرّاكش وَحبس بهَا مُدَّة وَله مُشَاركَة فِي الْأَدَب ومطالعة لغيره وَمن شعره (لما رَأَيْت الْقرب دون مناله ... عوائق دنيا تلْحق الحرّ بالتّرب) (تَوَجَّهت للمحراب أبغي وجاهة ... لعَلي بهَا أرق إِلَى رُتْبَة الْقرب)

стр. 613

وَتُوفِّي بِحَضْرَة تونس كلأها الله فِي شهر ربيع الآخر سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة ١٧٠ - سعيد بن حكم بن عمر بن حكم الْقرشِي أبوعثمان أَصله من طبيرة بغرب الأندلس وَبهَا ولد وَكَانَ بإفريقية لما خَافَ من وَالِي إشبيلية ثمَّ قدم على ميورقة قبل أَن يدخلهَا الرّوم عنْوَة فِي منتصف صفر سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة بِيَسِير فقدّم مِنْهَا عَاملا على منورقة إِلَى أَن تغلب على قاضيها أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن هِشَام وَقد صَارَت إِلَيْهِ رئاستها فِي قصَّة طَوِيلَة وَانْفَرَدَ بضبطها من ثَانِي عيد الْفطر سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة إِلَى وقتنا هَذَا وَأخرج ابْن هِشَام وَابْنه ثمَّ استرجعهما فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بهما

стр. 614

ودعي بالرئيس وشارط الرّوم على متاركته وبتّ مساكنته بإتاوة لم يخلّ بحملها إِلَيْهِم فِي كل سنة فامتد مهله وحمدت سيرته وَكثر الِانْتِفَاع بِهِ فِي جزيرته حَتَّى يمّمت منتجعاً وَصَارَت للمنقطع بِهِ مفزعاً وَأما العناة فَكَأَنَّمَا فكّهم عَلَيْهِ دين هَذَا وَلَا ورق بنواحيه يَتَّسِع فِيهِ وَلَا عين

стр. 615

وَكثير من الأدباء استرقّهم بإعتاقهم فنوهت بصنيعه أمداحهم وَآخَرُونَ ركبُوا إِلَيْهِ ثبج الْبَحْر ففازت بجميل اصطناعه قداحهم وَبِالْجُمْلَةِ فالجود الْمَحْض صناعته وَالْأَدب الغض بضاعته وَمن شعره (أما الْهوى فسجيتي إضماره ... لَوْلَا الدُّمُوع لما فَشَتْ أسراره) (مَا عيل بِالْكِتْمَانِ صبري إِنَّمَا ... عظم الغرام فَضَاقَ عَنهُ قراره) (ينهلّ دمعي مَا تشبّ جوانحي ... والغصن يندي إِذْ تأجّج ناره) (جمحت جِيَاد الْحبّ بِي حَتَّى أَتَت ... مضمار قيس والردى مضماره) (لله غُصْن ناعم قلبِي لَهُ ... مثوى غَدا بردا عَلَيْهِ أواره) (أظمأته بالعتب ثمَّ سقيته ... دمعي فَأصْبح وَالرِّضَا إثماره) وَله (نقط المداد على برود الْكَاتِب ... كالخال فِي خد الفتاة الكاعب) (لَا شَيْء يحسن بالمداد كثوبه ... إِن المداد لوشي ثوب الْكَاتِب) وَله (إِنِّي لأعجب من مُلُوك أَصْبحُوا ... وهم موَالٍ أعبد الشَّهَوَات) (الأطيبان مُرَادهم ومرادهم ... أرب الْفروج وإربة اللهوات) (لَو وقفُوا وقفُوا اجْتِمَاعهم على ... نفي الْهوى فضلا عَن الخلوات) (مرت سنُون وهم ملاك للورى ... يَا ليتهم مروا مَعَ السنوات) (مَا نَحن إِلَّا فِي فلاة للردى ... فلتحذر الشَّهَوَات فِي الفلوات)

стр. 616

بَاب فِي الَّذين مَا عثرت على أشعارهم فاقتصرت على نخب من أخبارهم الْمِائَة الأولى من الْهِجْرَة دخل إفريقية من أُمَرَاء الصَّحَابَة ﵃ ١٧١ - عبد الله بن سعد بن أبي سرح الْقرشِي العامري وَهُوَ افتتحها فِي خلَافَة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ سنة سبع وَعشْرين

стр. 617

١٧٢ - وَمُعَاوِيَة بن حديج السّكوني وَقيل فِي نسبه غير ذَلِك غزا إفريقية ثَلَاث غزوات أولاها سنة أَربع وَثَلَاثِينَ قبل قتل عُثْمَان وَأعْطى عُثْمَان مَرْوَان الْخمس فِي تِلْكَ الْغَزْوَة وَلَا يعرفهَا كثيرمن النَّاس وَالثَّانيَِة سنة أَرْبَعِينَ وَالثَّالِثَة سنة خمسين كَذَا حكى أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عبد الحكم فِي تَارِيخه عَن يزِيد بن أبي حبيب وَحكى أَيْضا أَن مُعَاوِيَة هَذَا خرج بعد عبد الله بن سعد إِلَى الْمغرب سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمَعَهُ فِي جَيْشه عبد الْملك بن مَرْوَان وَجَمَاعَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار

стр. 618

فَافْتتحَ قصوراً وغنم غَنَائِم عَظِيمَة وَاتخذ قيرواناً فَلم يزل فِيهِ حَتَّى خرج إِلَى مصر وَبعث فِي هَذِه الْغُزَاة عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى جلولا فافتتحها فِي خبر غَرِيب تقدم ذكره وَغير ابْن عبد الحكم يَقُول إِن مُعَاوِيَة بن حديج غزا إفريقية سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَن الْخمس الَّذِي أعطَاهُ عُثْمَان مَرْوَان هُوَ خمس مَا غنم ابْن أبي سرح وَكَانَ عَظِيما وهوأحد الْأَسْبَاب المنعيّة على عُثْمَان ﵁ ١٧٣ - وَعقبَة بن نَافِع الفِهري أغزاه مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان سنة سِتّ وَأَرْبَعين فَخرج إِلَى إفريقية فِي عشرَة آلَاف من الْمُسلمين فاختط مَدِينَة القيروان وأسلف آثاراً كَرِيمَة وَكَانَ من خِيَار الْوُلَاة والأمراء مستجاب الدعْوَة ثمَّ صرف وأعيد ثَانِيَة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فَقتلته البربر وَمن مَعَه بمقربة من تهوذة فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وقبره هُنَاكَ يتبرك بِهِ إِلَى الْيَوْم

стр. 619

١٧٤ - وَبسر بن أَرْطَاة بن أبي أَرْطَاة الْقرشِي العامري غزا طرابلس مَعَ عَمْرو بن العَاصِي فَبَعثه إِلَى ودّان فافتتحها وَفرض على أَهلهَا ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ رَأْسا ثمَّ خرج مَعَ عقبَة بن نَافِع غازياً وافتتح قلعة من القيروان على ثَلَاثَة أَيَّام فَعرفت بقلعة بسر إِلَى الْيَوْم وَقد قيل إِن الَّذِي بعث بسراً إِلَى هَذِه القلعة هُوَ مُوسَى بن نصير وَالْأول أوضح وَأَصَح وَمن أُمَرَاء التَّابِعين ١٧٥ - أَبُو المُهَاجر دِينَار مولى الْأَنْصَار قَالَ ابْن عبد الحكم عزل عقبَة يَعْنِي ابْن نَافِع فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ عَزله مسلمة بن مخلد الْأنْصَارِيّ من قبل مُعَاوِيَة يَعْنِي ابْن أبي سُفْيَان وَهُوَ أول من جمعت لَهُ مصر وَالْمغْرب وَولى أَبَا المُهَاجر دِينَارا

стр. 620

مولى الْأَنْصَار وأوصاه أَن يعْزل عقبَة أحسن الْعَزْل فخالفه فسجنه وأوقره حديداً حَتَّى أَتَاهُ كتاب الْخَلِيفَة بتخلية سَبيله وإشخاصه إِلَيْهِ فَخرج عقبَة حَتَّى أَتَى قصر المَاء فصلى ثمَّ دَعَا وَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تمتني حَتَّى تمكّني من أبي المُهَاجر دِينَار بن أمّ دِينَار فَبلغ ذَلِك أَبَا المُهَاجر فَلم يزل خَائفًا مُنْذُ بلغته دَعوته وَلما قدم عقبَة مصر ركب إِلَيْهِ مسلمة بن مخلّد فأقسم لَهُ بِاللَّه لقد خَالفه أَبُو المُهَاجر فِيمَا صنع وَلَقَد أوصيته بك خَاصَّة ثمَّ قدم عقبَة على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ فتحت الْبِلَاد وبنيت الْمنَازل وَمَسْجِد الْجَمَاعَة ثمَّ أرْسلت عبد الْأَنْصَار فأساء عزلي فَاعْتَذر إِلَيْهِ مُعَاوِيَة وَقَالَ قد عرفت مَكَان مسلمة بن مخلّد من الإِمَام الْمَظْلُوم وتقديمه إِيَّاه وقيامه بدمه وبذل مهجته وَقد رددتك على عَمَلك قَالَ وَيُقَال إِن الَّذِي قدم عَلَيْهِ عقبَة هُوَ يزِيد بن مُعَاوِيَة بعد موت أَبِيه فَرده والياً على إفريقية وَذَلِكَ أصح لِأَن مُعَاوِيَة توفّي سنة سِتِّينَ فَخرج عقبَة سَرِيعا لحنقه على أبي المُهَاجر حَتَّى قدم إفريقية فأوثق أَبَا المُهَاجر وأساء عَزله

стр. 621

وَفِي تَارِيخ أبي إِسْحَاق الرَّقِيق أَن أَبَا المُهَاجر لما قدم إفريقية كره أَن ينزل الْموضع الَّذِي اختطه عقبَة بن نَافِع فَمضى حَتَّى خلّفه بميلين مِمَّا يَلِي طَرِيق تونس فَنزل واختط بهَا مَدِينَة أَرَادَ أَن يكون لَهُ ذكرهَا وَيفْسد عمل عقبَة وَأمر النَّاس أَن يخربوا القيروان ويعمروا مدينته وَذكر ابْن عبد الحكم أَيْضا نَحْو هَذَا وَقَالَ كَانَ النَّاس يغزون إفريقية ثمَّ يقفلون مِنْهَا إِلَى الْفسْطَاط فَأول من أَقَامَ بهَا حِين غَزَاهَا أَبُو المُهَاجر مولى الْأَنْصَار أَقَامَ بهَا الشتَاء والصيف واتخذها منزلا وَعَن غَيره أَن مُعَاوِيَة ترَاخى فِي صرف عقبَة بن نَافِع كَمَا وعده إِلَى عمله حَتَّى توفّي وَولى ابْنه يزِيد بن مُعَاوِيَة فَلَمَّا علم حَال عقبَة غضب وَقَالَ أدْركهَا قبل أَن تهْلك وتفسد فولاّه إفريقية وقطعها عَن مسلمة بن مخلّد وأقرّه على مصر وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فَرَحل عقبَة من الشَّام حَتَّى قدم إفريقية وأوثق أَبَا المُهَاجر فِي الْحَدِيد وَأمر بخراب مدينته ورد النَّاس إِلَى القيروان وَكَانَ عقبَة فِي ولَايَته الأولى لم يُعجبهُ القيروان الَّذِي بناه مُعَاوِيَة بن حديج قبله فَركب وَالنَّاس مَعَه وَيُقَال إِنَّه كَانَ فِي ثَمَانِيَة عشر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وسائرهم من التَّابِعين فَدَعَا الله وَأَصْحَابه يؤمّنون عَلَيْهِ وَقد أَتَى مَوضِع القيروان الْيَوْم وَكَانَ وَاديا كثير الشّجر تأوي إِلَيْهِ الوحوش وَالسِّبَاع والهوام فَنَادَى بِأَعْلَى صَوته يَا أهل الْوَادي ارتحلوا فَإنَّا نازلون نَادَى بذلك ثَلَاثَة أَيَّام وَقيل ثَلَاث مَرَّات فَلم يبْق من السبَاع شَيْء وَلَا الوحوش

стр. 622

وَلَا الْهَوَام إِلَّا خرج وَأمر النَّاس بالخطط وركز رمحه وَقَالَ هَذَا قيروانكم وَلما قبض عقبَة على أبي المُهَاجر غزا إِلَى السوس وَهُوَ مَعَه فِي وثَاقه ثمَّ انْصَرف إِلَى إفريقية وَقد جال فِي بِلَاد البربر وقتلهم كَيفَ شَاءَ فَلَمَّا دنا من القيروان أَمر أَصْحَابه فافترقوا وَبَقِي فِي قلَّة فَأخذ على مَكَان يُقَال لَهُ تهودة فَعرض لَهُم كسيل فِي جمع كَبِير من الرّوم والبربر فَاقْتَتلُوا فَقتل عقبَة وَمن

стр. 623

مَعَه وَقتل أَبُو المُهَاجر فِي الْحَدِيد وَقيل إِن عقبَة لما غشيه البربر نزل فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ وبلغه أَن أَبَا المُهَاجر تمثل بقول أبي محجن الثّقفي (كفى حزنا أَن تقرع الْحِيَل بالقنا ... وأترك مشدوداً عليّ وثاقيا) (إِذا قُمْت عنّاني الْحَدِيد وأغلقت ... مصَارِع من دوني تصمّ المناديا) فَأمر بِإِطْلَاقِهِ وَقَالَ لَهُ الْحق بِالْمُسْلِمين فَقُمْ بأمورهم وَأَنا أغتنم الشَّهَادَة فَقَالَ لَهُ أَبُو المُهَاجر وَأَنا أغتنم مَا اغتنمت فَكسر كل وَاحِد مِنْهُمَا جفن نَفسه وَكسر الْمُسلمُونَ أغماد سيوفهم وَأمرهمْ عقبَة أَن ينزلُوا وَلَا يركبُوا فَقَاتلُوا قتالاً شَدِيدا حَتَّى قتلوا وَلم يفلت مِنْهُم أحد وَأسر مُحَمَّد بن أَوْس الْأنْصَارِيّ وَيزِيد بن خلف الْقَيْسِي وَنَفر مَعَهُمَا ففاداهم ابْن مصاد صَاحب قفصة وَبعث بهم لي زُهَيْر بن قيس

стр. 624

وَقَالَ ابْن عبد الحكم أَن ابْن الكاهنة الْبَرْبَرِي خرج على أثر عقبَة فِي توجهه إِلَى السّوس يغّور الْمِيَاه كلما رَحل عقبَة من منهل دَفنه ابْن الكاهنة فَلَمَّا انْتهى عقبَة إِلَى الْبَحْر أقحم فرسه فِيهِ حَتَّى بلغ نَحره ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أشهدك أَلا مجَاز وَلَو وجدت مجَازًا لجزت وَانْصَرف رَاجعا والمياه قد غورّت فتعاونت عَلَيْهِ البربر فَلم يزل يُقَاتل وَأَبُو المُهَاجر مَعَه فِي الْحَدِيد فَلَمَّا استحر الْأَمر أَمر بِفَتْح الْحَدِيد عَنهُ فَأبى أَبُو المُهَاجر وَقَالَ ألْقى الله فِي حديدي فقتلا وَمن مَعَهُمَا ١٧٦ - وَزُهَيْر بن قيس البلوي كَانَ عقبَة بن نَافِع لما خرج إِلَى السّوس اسْتخْلف على القيروان عمر بن عَليّ الْقرشِي وَزُهَيْر بن قيس البلوي فخالفه رجل من الْعَجم فِي ثَلَاثِينَ ألفا إِلَى عمر وَزُهَيْر وهما فِي سِتَّة آلَاف فَهَزَمَهُ الله

стр. 625

وَلما قتل عقبَة زحف ابْن الكاهنة إِلَى القيروان يُرِيد عمر وَزُهَيْر فقاتلاه فَهزمَ ابْن الكاهنة وَأَصْحَابه ثمَّ خرجا إِلَى مصر بالجيش لِاجْتِمَاع مَلأ البربر وَأقَام ضعفاء أصحابهما وَمن كَانَ خرج مَعَهُمَا من موَالِي إفريقية بإطرابلس وَيُقَال إِن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان لما ولى مصر كتب إِلَى زُهَيْر بن قيس وَهُوَ يَوْمئِذٍ ببرقة يَأْمُرهُ يَغْزُو إفريقية فَخرج فِي جمع كثير فَلَمَّا دنا من قمّونية وَبهَا عَسْكَر كسيل عبأ زُهَيْر لقتاله فَقتل كسيل وَمن مَعَه وَانْصَرف زُهَيْر إِلَى برقة وَذَلِكَ سنة أَربع وَسِتِّينَ

стр. 626

وَيُقَال بل حسان بن النُّعْمَان كَانَ الَّذِي وجّه زُهَيْر بن قيس وَذكر أَبُو إِسْحَاق الرَّقِيق أَن زهيراً هَذَا أَرَادَ الِانْصِرَاف إِلَى مصر بعد قتل عقبَة وَقد رعب هُوَ وَأَصْحَابه فَقيل لَهُ أهزيمة من الْمغرب إِلَى مصر فعزم على الْقِتَال وَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ يَا معشر الْمُسلمين إِن أصحابكم قد دخلُوا الْجنَّة إِن شَاءَ الله وَقد منّ الله عَلَيْهِم بِالشَّهَادَةِ وَهَذِه أَبْوَاب الْجنَّة مفتّحة فاسلكوا سَبِيل أصحابكم أَو يفتح الله لكم دون ذَلِك فخالفه أَبُو شُجَاع حَنش الصَّنْعَانِيّ ورحل وَاتبعهُ النَّاس فَلَمَّا رأى ذَلِك زُهَيْر نَهَضَ فِي إثره وَملك البربر القيروان. وَأقَام زُهَيْر بنواحي برقة مرابطا فَوجه إِلَيْهِ عبد الْملك بن مَرْوَان بغزو البربر واستنقاذ القيروان وأمدّه فَالْتَقوا فَقتل كسيل وَدخل زُهَيْر القيروان ثمَّ زهد فِي الْملك وَكَانَ من رُؤَسَاء العابدين وَعَاد إِلَى برقة فصادف الرّوم قد أَغَارُوا عَلَيْهَا فَقَاتلهُمْ فاستشهد هُوَ وَأَصْحَابه ١٧٧ - وَحسان بن النُّعْمَان الغساني كَانَ بِمصْر لما قتل زُهَيْر بن قيس فَأمره عبد الْملك بغزو إفريقية فَخرج فِي أَرْبَعِينَ ألفا وَلم يدْخل أحد من الْأُمَرَاء قبله إفريقية بِمثل هَذَا الْجَيْش فضيق على قرطاجنّة إِلَى أَن تغلب عَلَيْهَا ودخلها عنْوَة فَهَدمهَا وغزا الكاهنة ملكة

стр. 627

البربر فهزمته ثمَّ عَاد إِلَى غزوها فَقَتلهَا ثمَّ بعث برأسها إِلَى عبد الْملك وعزله عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وَأخذ كل مَا كَانَ مَعَه وَذكر ابْن عبد الحكم أَن حسان رَجَعَ من مصر بعد قدومه على عبد الْملك شاكياً بأَخيه عبد الْعَزِيز لتقديمه على برقة غُلَامه تليداً وَخلف ثقله بِمصْر فَقدم على عبد الْملك وَهُوَ مَرِيض ثمَّ لم يلبث حسان أَن توفّي على إِثْر ذَلِك ١٧٨ - ومُوسَى بن نصير قدم الْمغرب أَمِيرا عَلَيْهِ فِي سنة ثَمَان وَسبعين وَقَالَ اللَّيْث أمّر مُوسَى بن نصير على إفريقية سنة تسع وَسبعين وَكَانَ والياً من قبل عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان فَافْتتحَ عَامَّة الْمغرب وَبعث بغنائمه إِلَى عبد الْعَزِيز فأنهاها إِلَى عبد الْملك فسكن ذَلِك مِنْهُ بعض مَا كَانَ يجد على مُوسَى ثمَّ توفّي عبد الْملك سنة سِتّ وَثَمَانِينَ واستخلف الْوَلِيد بن عبد الْملك فتواترت فتوح الْمغرب عَلَيْهِ من قبل مُوسَى فعظمت مَنْزِلَته عِنْده وَاشْتَدَّ عجبه بِهِ

стр. 628

ووجّه مُوسَى ابْنه مَرْوَان إِلَى طنجة مرابطاً على ساحلها فَانْصَرف وخلّف على جَيْشه طَارق بن زِيَاد وكانو ألفا وَسَبْعمائة فَكَانَ ذَلِك سَبَب فتح الأندلس دَخلهَا طَارق بمداخلة صَاحب طنجة من الرّوم وزحف يُرِيد قرطبة فتلقّته جنودها فَهَزَمَهُمْ وَبلغ ذَلِك لذريق ملك الرّوم فزحف إِلَيْهِ من طليطلة فَالْتَقوا على نهر لكّه من كورة شدونة يَوْم الْأَحَد لليلتين بَقِيَتَا من شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين واتصلت الْحَرْب بَينهم إِلَى يَوْم الْأَحَد لخمس خلون من شَوَّال بعده تَتِمَّة ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ هزم الله الْمُشْركين فَقتل مِنْهُم خلق عَظِيم أَقَامَت عظامهم ملبّسة لتِلْك الأَرْض دهراً طَويلا

стр. 629

وخفي أثر لذريق فَلَا يدْرِي أَيْن صقع وَلَا مَا فعل إِلَّا أَن الْمُسلمين وجدوا فرسه الْأَشْهب الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وسرجه من ذهب مكلل بالياقوت والزبرجد وَقد ساخت قوائمه فِي حمأة وَقع فِيهَا وغرق العلج فَثَبت أحد خفيه فِي الطين فَأخذ وخفي الآخر وَغَابَ شخصه فَمَا وجد حيّاً وَلَا مَيتا ثمَّ تَمَادى طَارق على افْتِتَاح الْبِلَاد وَدخل طليطلة وَكتب إِلَى مُوسَى بن نصير يُعلمهُ فَكتب إِلَيْهِ أَلا يُجَاوز قرطبة حَتَّى يقدم عَلَيْهِ ثمَّ خرج إِلَى الأندلس فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَتِسْعين واستخلف على القيروان ابْنه عبد الله ابْن مُوسَى وَكَانَ أسنّ وَلَده فَفتح الله فتحا لَا كفاء لَهُ وَكتب إِلَى الْوَلِيد إِنَّهَا لَيست بالفتوح وَلكنه الْحَشْر ثمَّ خرج بغنائمه واستخلف على الأندلس ابْنه عبد الْعَزِيز فَلَمَّا قدم إفريقية كتب إِلَيْهِ الْوَلِيد بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ فَخرج واستخلف على إفريقية ابْنه عبد الله وَسَار بِتِلْكَ الْغَنَائِم والهدايا حَتَّى قدم مصر وَمرض الْوَلِيد فَكَانَ يكْتب إِلَى مُوسَى يستعجله وَيكْتب إِلَيْهِ سُلَيْمَان بن عبد الْملك بالمكث وَالْمقَام ليَمُوت الْوَلِيد وَيصير مَا مَعَ مُوسَى إِلَيْهِ فَقدم على الْوَلِيد وَهُوَ مَرِيض مَرضه الَّذِي مَاتَ مِنْهُ فنكبه سُلَيْمَان لأوّل ولَايَته وأغرمه مائَة ألف دِينَار وَأخذ مَا كَانَ لَهُ وأقامه للشمس وَقتل ابْنه عبد الْعَزِيز وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى سُلَيْمَان وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَتِسْعين فَأرَاهُ أَبَاهُ وَقَالَ لَهُ أتعرف هَذَا قَالَ نعم أعلمهُ صوّاماً قوّاماً فَعَلَيهِ لعنة الله إِن كَانَ الَّذِي قَتله خيرا مِنْهُ وَمكث أهل الأندلس بعد ذَلِك لَا يجمعهُمْ وَال وَكَانُوا أمّروا عِنْد قَتله أَيُّوب ابْن أُخْت مُوسَى بن نصير وعزم سُلَيْمَان على الْحَج فَأخْرج مُوسَى مَعَه على قتب فَتوفي فِي طَرِيقه سنة سبع وَتِسْعين

стр. 630

١٧٩ - وَمُحَمّد بن يزِيد مولى قُرَيْش ولاه سُلَيْمَان بن عبد الْملك إفريقية بمشورة رَجَاء بن حَيْوَة سنة سِتّ وَتِسْعين فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن توفّي سُلَيْمَان فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين ١٨٠ - وَإِسْمَاعِيل بن عبيد الله بن أبي المُهَاجر مولى بني مَخْزُوم ولاه عمر بن عبد الْعَزِيز إفريقية وَكَانَ حسن السِّيرَة من خير الْوُلَاة لم يبْق من البربر أحد إِلَّا أسلم على يَدَيْهِ وَأقَام والياً إِلَى أَن توفّي عمر بدير سمْعَان يَوْم الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من رَجَب سنة إِحْدَى وَمِائَة وَهَؤُلَاء كلهم أهل بلاغة وَبَيَان مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ من جلالة شان (خطباء حِين يَقُول قَائِلهمْ ... بيض الْوُجُوه مصاقع لسن) ولبسر بن أَرْطَاة مِنْهُم فِيمَا أَحسب شعر وَمَا أحسن قَول القَاضِي أَحْمد بن أبي دؤاد كل عَرَبِيّ يقدر على قَول الشّعْر حكى ذَلِك أَبُو بكر الصّوليّ فَلَعَلَّ لَهُم مِنْهُ مَا أعيا الْبَحْث عَنهُ

стр. 631

الْمِائَة الثَّانِيَة ١٨١ - يزِيد بن أبي مُسلم مولى الْحجَّاج وكاتبه وَقيل كَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة ولاه يزِيد بن عبد الْملك فِي سنة إِحْدَى وَمِائَة إفريقيّة فَقَدمهَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ بعْدهَا وفيهَا كَانَ مَقْتَله على يَد حرسه ١٨٢ - عبيد الله بن الحبحاب مولى عقبَة بن الحجّاج السّلوليّ القيسيّ كَانَ والياً على مصر لهشام بن عبد الْملك فَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالمصير إِلَى إفريقية وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول وَقيل فِي شهر ربيع الآخر سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة فاستخلف ابْنه الْقَاسِم على مصر وَاسْتعْمل ابْنه إِسْمَاعِيل على السّوس وَاسْتعْمل أَيْضا على الأندلس عقبَة بن الْحجَّاج مَوْلَاهُ وعزل عبد الْملك بن قطن الفِهري

стр. 632

وَيُقَال كَانَ على الأندلس يَوْمئِذٍ عَنْبَسَة بن سحيم الْكَلْبِيّ فَهَلَك عقبَة بالأندلس فَرد عبيد الله عَلَيْهَا عبد الْملك بن قطن وَذكر عبد الله بن وهب الْفَقِيه أَن عبيد الله بن الحبحاب كَانَت مصر من الْعَريش فِي عمله وإفريقية والأندلس وَمَا بَين ذَلِك وقرأت فِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب أَن عبيد الله كَانَ كَاتبا بليغاً حَافِظًا لأيام الْعَرَب ووقائعها وأخبارها ذَا بلاغة فِي لِسَانه وقلمه وَكَانَ يَقُول الشّعْر قَالَ مؤلّفه وَكنت سَمِعت لَهُ أبياتاً لم أحفظ مِنْهَا وَقت تأليفنا هَذَا الْكتاب شَيْئا فنثبته وَهُوَ الَّذِي بنى الْمَسْجِد الْجَامِع بتونس وَدَار الصِّنَاعَة بهَا وروى عبد الله بن أبي حسان اليحصبيّ عَن أَبِيه وَكَانَ بليغاً فصيحاً قَالَ سَمِعت عبيد الله بن الحبحاب يَوْمًا يملّ رِسَالَة ويفكّ اسْما من دفتر الْعَطاء وَيَأْمُر بحاجات فِي نَاحيَة أُخْرَى وَيحكم فِي خلل ذَلِك بَين رجلَيْنِ متنازعين وَقَالَ ابْن غَانِم القَاضِي كَانَ عبيد الله بن الحبحاب رجلا من قيس

стр. 633

ثمَّ من بني سلول مولى وَلَيْسَ بِالصَّرِيحِ فولى من إفريقية إِلَى الخضراء وَكَانَ أوّله كَاتبا ثمَّ تناهت بِهِ الْحَال إِلَى أَن صَار إِلَى الْمنزلَة الَّتِي كَانَ بهَا فَتحدث ذَات يَوْم بالقيروان فَقَالَ إِنَّمَا كنت كويتباً ثمَّ صرت كَاتبا ثمَّ صرت أَمِيرا ثمَّ أَنا الْيَوْم أَمِير كَبِير وَالْحَمْد لله وقفل عبيد الله إِلَى هِشَام فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَعشْرين بعد انقضاض البربر عَلَيْهِ وقتلهم عَامله بطنجة عمر بن عبد الله الْمرَادِي وَانْصَرف إِلَى الْمشرق فيذكر أَنه تولى الْخراج وَكتب فِيهِ لمروان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان آخر مُلُوك بني أُميَّة بِدِمَشْق وَقتل عبيد الله يَوْم قتل ابْن هُبَيْرَة بواسط وَقيل بل عَاشَ خاملاً فِي أَيَّام العباسية ١٨٣ - مَنْصُور بن عبد الله ابْن يزِيد الْحِمْيَرِي ذكره أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أبي سعيد عبد الرَّحْمَن بن عبيد القيرواني الْمَعْرُوف بالوكيل فِي الْكتاب الْمَعْرُوف بالمعرب عَن أَخْبَار الْمغرب من تأليفه فِي طبقَة أولى السُّلْطَان تالياً لِعبيد الله بن الحبحاب وَهُوَ جد مُحَمَّد الْمهْدي بن أبي

стр. 634

جَعْفَر الْمَنْصُور وشقيقه جَعْفَر لِأُمِّهِمَا وَهِي أم مُوسَى بنت مَنْصُور هَذَا وَكَانَ شريفاً فِي قومه مَعْرُوف الْمَكَان فيهم مَذْكُورا بالبلاغة وَالشعر وكرم الْأَخْلَاق وانْتهى وَلَده من الشّرف بعده إِلَى غَايَة لم يَكُونُوا يؤملونها لقرابتهم من الْمهْدي وَتزَوج أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور أمّ مُوسَى هَذِه وَهُوَ إِذْ ذَاك سوقة فِي آخر ولَايَة هِشَام بن عبد الْملك لما نزلت الحميمة من أَرض البلقاء بعد وَفَاة زَوجهَا ثمَّ بَين عبيد الله من ولد الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَقيل بل تزَوجهَا بإفريقية وَهُوَ رَحل بهَا وَكَانَ يطوف الْبلدَانِ فِي زمن بني أُميَّة وَأهل إفريقية يذكرُونَ أَنه طلب مرّة فاستخفى فِي قصر صهره مَنْصُور الْحِمْيَرِي عِنْد قصر بشير بطرِيق سوسة وَكَانَ الْمَنْصُور شرطا لَهَا أَن لَا يتَزَوَّج عَلَيْهَا

стр. 635

وَلَا يتسرّى وكتبت عَلَيْهِ بذلك كتابا فعذب بهَا عشر سِنِين فِي سُلْطَانه ثمَّ أَتَتْهُ وفاتها فأهديت إِلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مائَة بكر وَكَانَت دَار مَنْصُور بالموضع الَّذِي بِهِ دور بني قافذ بالقيروان وَحَفْص صَاحب الْخراج مولى بني مَنْصُور وَإِلَيْهِ ينْسب قصر خفص وَلحق يزِيد بن مَنْصُور بأخته أمّ مُوسَى فَلَمَّا ولى المهديّ ولاه خُرَاسَان وجلّت حَاله حَتَّى صَار الشُّعَرَاء يمدحون من كَانَ من ولد الْمهْدي بولاء مَنْصُور لَهُم وَمن ذَلِك قَول أبي نواس فِي الْعَبَّاس بن جَعْفَر بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور (فجدّاك هَذَا خير قحطان وَاحِدًا ... وَهَذَا إِذا مَا عدّ خير نزار) وَيَعْنِي بالقحطاني منصوراً الْحِمْيَرِي وبالنّزاري أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وَقَوله فِي الْأمين (وَمَا مثل منصوريك مَنْصُور هَاشم ... وَمَنْصُور قحطان إِذا عدّ مفخر) (فَمن ذَا الَّذِي يَرْمِي بسهميك فِي الورى ... وَعبد منَاف والداك وحمير) وَقَالَ سلم بن عَمْرو الْبَصْرِيّ فِي الْمهْدي (أكْرم بقرم أَمِين الله وَالِده ... وأمّه أمّ مُوسَى بنت مَنْصُور)
следующие страницы →