Полный текст (687 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الْمِائَة الثَّانِيَة
١٨١ - يزِيد بن أبي مُسلم
مولى الْحجَّاج وكاتبه وَقيل كَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة ولاه يزِيد بن عبد الْملك فِي سنة إِحْدَى وَمِائَة إفريقيّة فَقَدمهَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ بعْدهَا وفيهَا كَانَ مَقْتَله على يَد حرسه
١٨٢ - عبيد الله بن الحبحاب مولى عقبَة بن الحجّاج السّلوليّ القيسيّ
كَانَ والياً على مصر لهشام بن عبد الْملك فَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالمصير إِلَى إفريقية وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول وَقيل فِي شهر ربيع الآخر سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة فاستخلف ابْنه الْقَاسِم على مصر وَاسْتعْمل ابْنه إِسْمَاعِيل على السّوس وَاسْتعْمل أَيْضا على الأندلس عقبَة بن الْحجَّاج مَوْلَاهُ وعزل عبد الْملك بن قطن الفِهري
стр. 632
وَيُقَال كَانَ على الأندلس يَوْمئِذٍ عَنْبَسَة بن سحيم الْكَلْبِيّ فَهَلَك عقبَة بالأندلس فَرد عبيد الله عَلَيْهَا عبد الْملك بن قطن
وَذكر عبد الله بن وهب الْفَقِيه أَن عبيد الله بن الحبحاب كَانَت مصر من الْعَريش فِي عمله وإفريقية والأندلس وَمَا بَين ذَلِك
وقرأت فِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب أَن عبيد الله كَانَ كَاتبا بليغاً حَافِظًا لأيام الْعَرَب ووقائعها وأخبارها ذَا بلاغة فِي لِسَانه وقلمه وَكَانَ يَقُول الشّعْر قَالَ مؤلّفه وَكنت سَمِعت لَهُ أبياتاً لم أحفظ مِنْهَا وَقت تأليفنا هَذَا الْكتاب شَيْئا فنثبته وَهُوَ الَّذِي بنى الْمَسْجِد الْجَامِع بتونس وَدَار الصِّنَاعَة بهَا
وروى عبد الله بن أبي حسان اليحصبيّ عَن أَبِيه وَكَانَ بليغاً فصيحاً قَالَ سَمِعت عبيد الله بن الحبحاب يَوْمًا يملّ رِسَالَة ويفكّ اسْما من دفتر الْعَطاء وَيَأْمُر بحاجات فِي نَاحيَة أُخْرَى وَيحكم فِي خلل ذَلِك بَين رجلَيْنِ متنازعين
وَقَالَ ابْن غَانِم القَاضِي كَانَ عبيد الله بن الحبحاب رجلا من قيس
стр. 633
ثمَّ من بني سلول مولى وَلَيْسَ بِالصَّرِيحِ فولى من إفريقية إِلَى الخضراء
وَكَانَ أوّله كَاتبا ثمَّ تناهت بِهِ الْحَال إِلَى أَن صَار إِلَى الْمنزلَة الَّتِي كَانَ بهَا فَتحدث ذَات يَوْم بالقيروان فَقَالَ إِنَّمَا كنت كويتباً ثمَّ صرت كَاتبا ثمَّ صرت أَمِيرا ثمَّ أَنا الْيَوْم أَمِير كَبِير وَالْحَمْد لله
وقفل عبيد الله إِلَى هِشَام فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَعشْرين بعد انقضاض البربر عَلَيْهِ وقتلهم عَامله بطنجة عمر بن عبد الله الْمرَادِي وَانْصَرف إِلَى الْمشرق فيذكر أَنه تولى الْخراج وَكتب فِيهِ لمروان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان آخر مُلُوك بني أُميَّة بِدِمَشْق وَقتل عبيد الله يَوْم قتل ابْن هُبَيْرَة بواسط وَقيل بل عَاشَ خاملاً فِي أَيَّام العباسية
١٨٣ - مَنْصُور بن عبد الله ابْن يزِيد الْحِمْيَرِي
ذكره أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أبي سعيد عبد الرَّحْمَن بن عبيد القيرواني الْمَعْرُوف بالوكيل فِي الْكتاب الْمَعْرُوف بالمعرب عَن أَخْبَار الْمغرب من تأليفه فِي طبقَة أولى السُّلْطَان تالياً لِعبيد الله بن الحبحاب وَهُوَ جد مُحَمَّد الْمهْدي بن أبي
стр. 634
جَعْفَر الْمَنْصُور وشقيقه جَعْفَر لِأُمِّهِمَا وَهِي أم مُوسَى بنت مَنْصُور هَذَا
وَكَانَ شريفاً فِي قومه مَعْرُوف الْمَكَان فيهم مَذْكُورا بالبلاغة وَالشعر وكرم الْأَخْلَاق وانْتهى وَلَده من الشّرف بعده إِلَى غَايَة لم يَكُونُوا يؤملونها لقرابتهم من الْمهْدي
وَتزَوج أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور أمّ مُوسَى هَذِه وَهُوَ إِذْ ذَاك سوقة فِي آخر ولَايَة هِشَام بن عبد الْملك لما نزلت الحميمة من أَرض البلقاء بعد وَفَاة زَوجهَا ثمَّ بَين عبيد الله من ولد الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب
وَقيل بل تزَوجهَا بإفريقية وَهُوَ رَحل بهَا وَكَانَ يطوف الْبلدَانِ فِي زمن بني أُميَّة وَأهل إفريقية يذكرُونَ أَنه طلب مرّة فاستخفى فِي قصر صهره مَنْصُور الْحِمْيَرِي عِنْد قصر بشير بطرِيق سوسة وَكَانَ الْمَنْصُور شرطا لَهَا أَن لَا يتَزَوَّج عَلَيْهَا
стр. 635
وَلَا يتسرّى وكتبت عَلَيْهِ بذلك كتابا فعذب بهَا عشر سِنِين فِي سُلْطَانه ثمَّ أَتَتْهُ وفاتها فأهديت إِلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مائَة بكر
وَكَانَت دَار مَنْصُور بالموضع الَّذِي بِهِ دور بني قافذ بالقيروان
وَحَفْص صَاحب الْخراج مولى بني مَنْصُور وَإِلَيْهِ ينْسب قصر خفص
وَلحق يزِيد بن مَنْصُور بأخته أمّ مُوسَى فَلَمَّا ولى المهديّ ولاه خُرَاسَان وجلّت حَاله حَتَّى صَار الشُّعَرَاء يمدحون من كَانَ من ولد الْمهْدي بولاء مَنْصُور لَهُم وَمن ذَلِك قَول أبي نواس فِي الْعَبَّاس بن جَعْفَر بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور
(فجدّاك هَذَا خير قحطان وَاحِدًا ... وَهَذَا إِذا مَا عدّ خير نزار)
وَيَعْنِي بالقحطاني منصوراً الْحِمْيَرِي وبالنّزاري أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور وَقَوله فِي الْأمين
(وَمَا مثل منصوريك مَنْصُور هَاشم ... وَمَنْصُور قحطان إِذا عدّ مفخر)
(فَمن ذَا الَّذِي يَرْمِي بسهميك فِي الورى ... وَعبد منَاف والداك وحمير)
وَقَالَ سلم بن عَمْرو الْبَصْرِيّ فِي الْمهْدي
(أكْرم بقرم أَمِين الله وَالِده ... وأمّه أمّ مُوسَى بنت مَنْصُور)
стр. 636
وَسلم هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف بالخاسر وَقيل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ بَاعَ مُصحفا وَاشْترى بِثمنِهِ شعر امْرِئ الْقَيْس وَقيل شعر الأعشي وَقيل بل ورث من أَبِيه مُصحفا فَبَاعَهُ وَاشْترى بِثمنِهِ طنبوراً فَسمى الخاسر
وَأَبُو مُحَمَّد يحيى بن الْمُبَارك النَّحْوِيّ صَاحب أبي عَمْرو بن الْعَلَاء أحد الْقُرَّاء إِنَّمَا قيل لَهُ اليزيدي لِأَنَّهُ كَانَ يُؤَدب ولد يزِيد بن مَنْصُور فنسب إِلَيْهِ وَكَانَ بعد ذَلِك يُؤَدب الْمَأْمُون
١٨٤ - عبد الرَّحْمَن بن حبيب بن أبي عُبَيْدَة ابْن عقبَة بن نَافِع الفِهري
انحاز إِلَى الأندلس مَعَ بلج بن بشر بن عِيَاض الْقشيرِي وَمن كَانَ مَعَه من وُجُوه أهل الشَّام فِي الْمحرم سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة بعد قتل البربر كُلْثُوم ابْن عِيَاض أَمِير إفريقية عمّ بلج وحبِيب بن أبي عُبَيْدَة وَالِد عبد الرَّحْمَن وَهَؤُلَاء الْجند هم المعروفون بالطالعة البلجية بالأندلس فَلم يزل عبد الرَّحْمَن بهَا يحاول التغلب عَلَيْهَا إِلَى أَن دخل أَبُو الخطّار الحسام بن ضرار الْكَلْبِيّ والياً من قبل حَنْظَلَة بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ أَمِير إفريقية فِي رَجَب سنة خمس وَعشْرين فخافه عبد الرَّحْمَن وَخرج مستتراً فَركب الْبَحْر إِلَى تونس وَأقَام بهَا إِلَى أَن قتل الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك يَوْم الْخَمِيس لثلاث بَقينَ من جُمَادَى الْأَخِيرَة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة فَدَعَا النَّاس فَأَجَابُوهُ وَجمع لقِتَال حَنْظَلَة بن صَفْوَان وإخراجه من إفريقية فتم لَهُ ذَلِك وَانْفَرَدَ بإمارتها فِي قصَّة طَوِيلَة عشرَة أَعْوَام
стр. 637
وأشهارا وَكَانَ مَعَ بأسه وبسالته خَطِيبًا مفوهاً وَهُوَ أحد سَادَات الْعَرَب ورؤسائها بالمغرب
стр. 638
١٨٥ - مُحَمَّد بن عَمْرو الْقرشِي الْعَبدَرِي ابْن حميد الغافقي
ثار بالأربس فِي إِمَارَة عبد الرَّحْمَن بن حبيب بإفريقية وَلم يكن بِدُونِ
стр. 639
أَخِيه سُلَيْمَان الْمُتَقَدّم الذّكر شجاعة وبلاغة وبياناً
وثار مَعَ مُحَمَّد هَذَا رجل من البربر يُقَال لَهُ ثَابت فَخرج عبد الرَّحْمَن بن حبيب لحربهما فانهزما بَين يَدَيْهِ وَسَار مُحَمَّد إِلَى طنجة ثمَّ ظفر بِهِ فسجنه وأخاه سُلَيْمَان وعزم على قَتلهمَا فعوجل عبد الرَّحْمَن قبل ذَلِك وَقَتله أَخُوهُ إلْيَاس بن حبيب فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَأطلقهُمَا من معتقلهما ثمَّ قتل إلْيَاس فِي رَجَب سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ
١٨٦ - عَامر بن عَمْرو الْقرشِي العبدريّ
هُوَ عَامر بن عَمْرو بن وهب بن مُصعب بن أبي عَزِيز بن عُمَيْر بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصيّ ابْن أخي مُصعب بن عُمَيْر صَاحب لِوَاء رَسُول الله ﷺ يَوْم بدر وَأحد وَهُوَ الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ بقرطبة مَقْبرَة عَامر لصق سور الْمَدِينَة الغربي وبابها الْمُعَطل إِلَى أَن ملكهَا الرّوم فِي هَذِه الْمدَّة الْقَرِيبَة
وَكَانَ أحد رجالات قُرَيْش بل مُضر بالأندلس شرفاً ونجدة وأدباً وَكَانَ يَلِي الْمَغَازِي والصوائف قبل يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفهريّ وَمَعَهُ فحسده
стр. 640
وَعمل فِي إِزَالَته فَلَمَّا بدا ذَلِك لعامر راسل أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور يخْطب إِلَيْهِ ولَايَة الأندلس ويسأله أَن يُرْسل إِلَيْهِ بسجلّ مِنْهُ يقوم بِهِ
وَأظْهر التعصب لليمانية والإكبار لما سفك من دِمَائِهِمْ بشقندة فِي أول ولَايَة يُوسُف
ثمَّ فرّ عَن قرطبة وَصَارَ بِنَاحِيَة سرقسطة حَيْثُ الصّميل بن حَاتِم يَبْغِي الْفساد عَلَيْهِ وهنالك رجل من بني زهرَة يُسمى الْحباب فكاتبه عَامر ومتّ إِلَيْهِ بالمضرية وَدعَاهُ إِلَى الْقيام على الصّميل فِي الْيمن بسجلّ أبي جَعْفَر فَاسْتَجَاب لَهُ
وَاجْتمعَ لَهما جمع من الْيمن وَرِجَال من البربر وَغَيرهم كثير فَأَقْبَلُوا حَتَّى حصروا الصّميل بسرقسطة فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة ثمَّ ملكهَا عَامر وَصَاحبه الزهريّ فِي قصَص طَوِيلَة
وغزاهما يُوسُف الفِهري فِي عقب ذِي الْقعدَة سنة سبع وَثَلَاثِينَ فخاف أهل سرقسطة معرّة الْجَيْش وعضّ الْحصار فأسلموا عَامِرًا وَابْنه وهباً والزهريّ فقيّدهم يُوسُف ثمَّ قَتلهمْ فِي طَرِيقه بوادي الرّمل على خمسين ميلًا من طليطلة وَذَلِكَ فِي صدر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ
فَمَا انْقَضى ذَلِك من فعله وَلَا دخل رواقه حَتَّى أَتَاهُ رَسُول يرْكض من وَلَده عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف من قرطبة يطوي البيد فَأعلمهُ أَن فَتى من قُرَيْش من ولد هِشَام بن عبد الْملك يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن بن
стр. 641
مُعَاوِيَة قد عبر الْبَحْر إِلَى الأندلس فَنزل بساحل دمشق يَعْنِي بِنَاحِيَة إلبيرة وَاجْتمعَ إِلَيْهِ موَالِي بني أُميَّة وشيعهم وتشوّف النَّاس إِلَيْهِ فانتشر الْخَبَر فِي الْعَسْكَر لوقته وشمت النَّاس بِيُوسُف فسارعوا إِلَى الرّفض من عسكره وقوّضوا إِلَى كورهم وَأَقْبل إِلَى طليطلة فِي غلمانه وَقيس قوم الصّميل
وَيُقَال إِن كَاتبه خَالِد بن زيد قَالَ لَهُ بِمحضر الصّميل وزيره وَقد فرغ من مؤاكلتهما ذَات يَوْم وَهُوَ بِبَعْض مَنَازِله فِي طَرِيقه هَنِيئًا لَك أَيهَا الْأَمِير اكتمال سعدك
قد قتل الله لَك كاشحك ابْن شهَاب وَفُلَانًا وَفُلَانًا يعد الْأَشْرَاف من الْعَرَب المقتولين فِي غزوهم الرّوم ووفقك لقتل أنغلهم ضميراً هَذَا العبدريّ يَعْنِي عَامِرًا وَابْنه فَمن ذَا يعارضك بعدهمْ هِيَ وَالله لَك ولولدك إِلَى الدّجّال
ثمَّ خرج الصّميل إِلَى قُبَّته واستلقى يُوسُف على فرَاشه وَذَلِكَ وَقت الْعَصْر فَمَا راعهم إِلَّا بريد يرْكض تشوّف إِلَيْهِ أهل الْعَسْكَر وَقَالُوا رَسُول من قرطبة وتطلعوا إِلَى علم خَبره فَإِذا كتاب أمّ ولد يُوسُف مَعَ غُلَام خَاص لَهَا على بغلتها الْمَشْهُورَة بهَا تذكر أَن فَتى من أَبنَاء هِشَام بن عبد الْملك يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة عبر الْبَحْر وَنزل بِسَاحَة إلبيرة على أبي عُثْمَان مَوْلَاهُم بقرية طرّش فشاء الله أَن يكون وَارِث سُلْطَانه وَنَازع ملكه
стр. 642
١٨٧ - يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن الفِهري أَبُو مُحَمَّد
قَالَ ابْن حيّان زعم أَبُو بكر بن القوطيّة أَنه يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن بن حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري قَالَ وَمَا وجدت هِدَايَة إِلَى أَن يُوسُف هَذَا الْوَالِي بالأندلس ولد لَهُ يَعْنِي عبد الرَّحْمَن الْمُتَقَدّم الذّكر فِي هَذَا الْبَاب وَلَا وجدت منتماه فِي جذم قومه فَالله أعلم بِشَأْنِهِ هَكَذَا فِي المقتبس
وَقد قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كتاب جمهرة الْأَنْسَاب من تأليفه وَكَثِيرًا مَا يقلده عقبَة بن نَافِع الفِهري ولد أَبَا عُبَيْدَة فولد أَبُو عُبَيْدَة حبيباً قَاتل عبد الْعَزِيز بن مُوسَى بن نصير وَعبد الرَّحْمَن ونافعاً فولد حبيب عبد الرَّحْمَن ولى إفريقية وإلياس وَعبد الْوَارِث وَلَهُم بإفريقية عقب كثير وَولد عبد الرَّحْمَن بن أبي عُبَيْدَة يُوسُف ولى الأندلس وَله بهَا عقب وبالأندلس من فهر عدد عَظِيم
وَعَن الواقديّ أَن أهل الأندلس اجْتَمعُوا على يُوسُف بن عبد الرَّحْمَن من أجل أَنه قرشي رَضِي بِهِ الحيّان يَعْنِي المضرية واليمانية بعد ثوابة بن
стр. 643
سَلمَة فَرفعُوا الْحَرْب ومالوا إِلَى الدعة فدانت لَهُ الأندلس تسع سِنِين وَتِسْعَة شهور وَكَانَ آخر الْأُمَرَاء بالأندلس وَعنهُ انْتقل سلطانها إِلَى الْخُلَفَاء من بني مَرْوَان أورد ذَلِك ابْن حيّان
وَحكى أَن اجْتِمَاع النَّاس على الْبيعَة ليوسف كَانَ فِي شهر ربيع الآخر سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة وَفِي مثل هَذَا الشَّهْر من سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ حل بمرفأ حصن المنكّب عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فَالتقى هُوَ ويوسف يَوْم الْأَضْحَى فَانْهَزَمَ يُوسُف وَقتل كثير من أَصْحَابه وَغلب عبد الرَّحْمَن يَوْمئِذٍ على الْملك
وَيُقَال إِنَّه تفاءك يَوْم عَرَفَة بِمَا يتَّفق لَهُ فِي غده من صِحَة المشاكلة وَقَالَ يَوْم عيد وَيَوْم جُمُعَة وأموي مَعَ فهري أَبْشِرُوا فَإِنِّي أَرْجُو أَنَّهَا أُخْت وقْعَة مرج راهط فصدّق الله ظن عبد الرَّحْمَن بيومه ذَلِك
وَقيل إِن الْعَلَاء بن جَابر الْعقيلِيّ مَشى إِلَى الصّميل بن حَاتِم وَقد التقى الْجَمْعَانِ فَقَالَ لَهُ أَبَا جوشن اتَّقِ الله فوَاللَّه مَا أشبّه هَذَا الْيَوْم إِلَّا بِيَوْم المرج وإنّ عَار ذَلِك لباق علينا إِلَى الْيَوْم وَإِن الْأُمُور ليهتدي إِلَيْهَا بالأشباه والأمثال أموي وفهريّ وَقيس واليمن ووزير الفهريّ فِي ذَلِك الْيَوْم قيسيّ
стр. 644
وَهُوَ زفر بن الْحَرْث ووزير هَذَا الْيَوْم أَنْت وَأَنت قيسي وَيَوْم عيد فِي يَوْم جُمُعَة أَيْضا وَيَوْم المرج يَوْم عيد فِي يَوْم جُمُعَة الْأَمر وَالله علينا مَا أَشك فِيهِ فَأبى عَلَيْهِ
وَمن شعر زفر بن الْحَرْث فِي يَوْم مرج راهط وَقتل فِيهِ ابناه
стр. 645
(لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... بِمَرْوَان صدعاً بَيْننَا متنائيا)
(فَلم ترمني زلَّة قبل هَذِه ... فراري وتركي صاحبيّ ورائيا)
(أيذهب يَوْم صَالح أَن أُسَامَة ... بِصَالح أيامي وَحسن بلائيا)
(أتترك كلب لم تنلها رماحنا ... وَتذهب قَتْلَى راهط هِيَ ماهيا)
(فَلَا صلح حَتَّى تدعس الْخَيل بالقنا ... وتثأر من نسوان كلب نسائيا)
واضطرب يُوسُف الفِهري بعد هَذِه الْوَقْعَة عَلَيْهِ بالمصارة فجال فِي الْبِلَاد ثمَّ نكث بِعَبْد الرَّحْمَن بعد قبُوله أَمَانه وَخرج عَلَيْهِ منازعاً فظفر بِهِ وَقَتله
واستوسق لعبد الرَّحْمَن ملك الأندلس فَلم يبْق لَهُ مُخَالف من أَهلهَا فطال أمده وتوارث سُلْطَانه عقبه وَعَن الرَّازِيّ أَن يُوسُف تمثل عِنْد دُخُوله عَسْكَر عبد الرَّحْمَن بِبَيْت حرقة بنت النُّعْمَان
(بَينا نسوس النَّاس وَالْأَمر أمرنَا ... إِذا نَحن فيهم سوقة نتنصّف)
وَكَانَ معدوداً فِي فصحاء الْأُمَرَاء وَابْنه أَبُو الْأسود كَذَلِك
وَكَانَ مقتل يُوسُف فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألْحق بِهِ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف وَكَانَ مَحْبُوسًا بقرطبة
стр. 646
١٨٨ - ابْنه مُحَمَّد بن يُوسُف أَبُو الْأسود
هرب عِنْد مقتل أَبِيه يُوسُف هُوَ وَأَخُوهُ خضر إِلَى أَن جىء بهما فحبسا مُدَّة
وَادّعى أَبُو الْأسود هَذَا الْعمي حِيلَة وَهُوَ مبصر فَزعم أَن المَاء نزل بِعَيْنيهِ
وَأحسن التعّمل لذَلِك حَتَّى جَازَت حيلته واشتبهت حركاته بحركات العميان وَوَقع الإشفاق عَلَيْهِ والرثاية لَهُ وهوّن من حَبسه حَتَّى كَانَ يقْعد عَنهُ الموكّل بِهِ اختباراً لهدايته إِذا خرج لوضوئه وَقَضَاء حَاجته فَيبقى حائراً يُنَادي من يَقُود الْأَعْمَى إِلَى محبسه فَيرد وَكَانَ أهل الْحَبْس يَوْمئِذٍ ينزلون إِلَى النَّهر الْأَعْظَم قربهم للطهور وَالْوُضُوء على سرداب اتّخذ لَهُم تَحت الأَرْض إِذْ كَانَ مَكَانَهُ يَوْمئِذٍ لصق الْقصر على الهبط والرقباء عَلَيْهِم
وَقد أهمل ارتقاب أبي الْأسود هَذَا عِنْدَمَا وجد السَّبِيل للأمان مِنْهُ من أجل عماه فتحيل هُنَالك فِي التَّدْبِير مَعَ موَالٍ لَهُ كَانُوا بقرطبة مَعَه وانتهز فرْصَة أجَاز فِيهَا الْوَادي سبحاً إِلَى خيل لَهُ قد أعدت بشاطئه مَعَ ثِقَات أَصْحَابه فَركب وفر ركضاً فنجا وَلحق بطليطلة ودعا إِلَى نَفسه واستمال النَّاس بموضعه وَسَار فِي عَسْكَر جحفل حَتَّى حل بأحواز جيّان فَخرج إِلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فِي جيوشه فلاقاه مرّة بعد مرّة يهزمه فِي كل مِنْهَا وَيقتل لَهُ الْجمع الْكَبِير وَكَانَت بَينهمَا بقسطلونة على مخاضة الْفَتْح حَرْب شَدِيدَة مكر عبد الرَّحْمَن فِيهَا
стр. 647
بِأبي الْأسود فراسل صَاحب ميمنته وواطأه على جر الْهَزِيمَة من جِهَته فَفعل
وَانْهَزَمَ أَبُو الْأسود وَقتل عَامَّة رِجَاله فَلم تقم لَهُ بعد قَائِمَة
وَذكر أَنه تمثل يَوْم قسطلونة
(وموقف مثل حد السَّيْف قُمْت بِهِ ... أحمى الذمار وترميني بِهِ الحدق)
وَعَن الرَّازِيّ أَن هَذِه الوقيعة بمخاضة الْفَتْح كَانَت يَوْم الْأَرْبَعَاء غرَّة شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة بعد مواقفة قبل ذَلِك أَيَّامًا كَثِيرَة قَالَ وَقتل لأبي الْأسود فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف من أَصْحَابه سوى من تردى فِي النَّهر وَوَقع فِي المهاوي وَتلف فِي الشعاب
وَبلغ فِي هزيمته إِلَى قسطلونة على وَادي الْأَحْمَر وَمضى على وَجهه إِلَى نَاحيَة الغرب فَبلغ مَدِينَة قورية وَتَمَادَى فِي شروده وخلافه إِلَى أَن هلك فِي سنة سبعين وَمِائَة
стр. 648
وَقيل إِن عبد الرَّحْمَن غزاه فِي سنة سبعين فَلَمَّا أحس بِهِ فرّ عَن قورية وَانْقطع وَحده وانحاز إِلَى غِيَاض أشبة ثمَّ صَار إِلَى ركَانَة من طليطلة فَمَاتَ هُنَالك
وَقَامَ بعده أَخُوهُ قَاسم بن يُوسُف فغزاه عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فَلَمَّا دنا مِنْهُ خرج إِلَيْهِ بِلَا أَمَان فتقبّله وأمّنه وَنَقله إِلَى قرطبة وَأحسن إِلَيْهِ وَكَانَ آخر الْمُخَالفين عَلَيْهِ
стр. 649
١٨٩ - الْحصين بن الدّجن بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عَمْرو ابْن يحيى بن عَامر من ملك بن خويلد بن سمْعَان ابْن خفاجة بن عَمْرو بن عبيد الْعقيلِيّ
كَانَ مِمَّن اسْتَجَابَ لداعية عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الدَّاخِل إِلَى الأندلس وَمَال إِلَى أنصاره من القحطانية واليمانية للَّذي كَانَ بَينه وَبَين الصّميل بن حَاتِم الْكلابِي من المنافسة الْمَعْلُومَة على الرِّئَاسَة
وَهُوَ مِمَّن أَشَارَ على يُوسُف بن
стр. 650
عبد الرَّحْمَن الفِهري باستبقاء عَامر الْعَبدَرِي وَابْنه وهب والحباب الزّهري بعد قَبضه عَلَيْهِم فَكف عَن قَتلهمْ حِينَئِذٍ وَشد صفادهم
وأغزى طَائِفَة من عسكره إِلَى البشكنس فِي ضعف وَقلة لم يكره عطبهم وَبعث على خيلهم الْحصين هَذَا فَهَزَمَهُمْ الرّوم وَقتلُوا أَمِيرهمْ سُلَيْمَان ابْن شهَاب وَنَجَا الْحصين وَحضر يَوْم المصارة مَعَ عبد الرَّحْمَن فَكَانَ فِيمَا روى على خيله لصِحَّة علمه بالعداوة الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين الصّميل ابْن عَمه
وَكَانَ الْحصين فَارس أهل الشَّام بَأْسا ونجدة وَكَانَ شَاعِرًا
فَلَمَّا استوسق الْأَمر لعبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة عرف لَهُ صَالح بلائه فاختصه وولاه الشرطة
وقرأت اسْمه فِي شُهُود الْأمان الَّذِي عقده عبد الرَّحْمَن ليوسف الفِهري عِنْد اصطلاحهما بإلبيرة وَذَلِكَ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الآخر سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة
١٩٠ - الْمخَارِق بن غفار الطَّائِي
لما وَجه أَبُو الْعَبَّاس السفاح عَمه عبد الله بن عَليّ إِلَى محاربة مَرْوَان بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالجعدي سنة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة ودنا مِنْهُ بالزاب عبره الْمخَارِق
стр. 651
ابْن غفار الطَّائِي هَذَا وَكَانَ من جند عبد الله وَثَبت فِي أَصْحَابه فَأسر وَلم يعرف أَنه الْمخَارِق فَكَانَ مَحْبُوسًا فِي عَسْكَر مَرْوَان إِلَى أَن انهزم وَاسْتولى عبد الله على عسكره وتخلص الْمخَارِق وَكَانَ مِمَّن سعى قبل ذَلِك مَعَ أبي مُسلم
وَلما وَجه أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْأَشْعَث الْخُزَاعِيّ وَهُوَ عَامله على مصر إِلَى إفريقية وجهز الجيوش إِلَيْهِ عهد إِلَيْهِم إِن حدث بِابْن الْأَشْعَث حدث فالأمير الْأَغْلَب بن سَالم فَإِن حدث بِهِ حدث فالأمير الْمخَارِق بن غفار فَإِن حدث بِهِ حدث فالأمير الْمُحَارب بن هِلَال الدَّارمِيّ فَهَلَك الْمُحَارب فِي الطَّرِيق قبل أَن يصلوا إِلَى إفريقية وَولى الْمخَارِق من قبل ابْن الْأَشْعَث طرابلس فِي مقدمه عَلَيْهَا من مصر ثمَّ استدعاه فولاه ظبنة وَعند قيام الْحسن بن حَرْب الْكِنْدِيّ على الْأَغْلَب فِي ولَايَته وإقباله إِلَى القيروان فِي عدَّة عَظِيمَة جمع الْأَغْلَب أهل بَيته وخاصة أَصْحَابه وَتكلم بِكَلَام أعلمهم فِيهِ أَنه يلاقي الْحسن
стр. 652
وَحده إِن لم يعنه أحد وَلَو كَانَ فِي ذَلِك إِتْلَاف نَفسه ثمَّ أنشأ أبياتاً قَالَهَا
(سيّان موت بالقنا وبالسّقم ... وَالْقَتْل فِي الهيجاء أدنى للكرم)
(موتِي غَدا تَحت لِوَائِي وَالْعلم ... )
ثمَّ دَعَا الْمخَارِق بن غفار فَقَالَ لَهُ إِن فِي أهل بَيْتِي من هُوَ أولى بِمَا دعوتك لَهُ مِنْك وأقعد باستخلافي إِيَّاه غير أَنِّي كرهت أَن يَقُول قَائِل انْفَرد بهَا فِي أهل بَيته وَأَن تميل بكم العصبية ثمَّ وصاه بِالطَّاعَةِ وحذره عَاقِبَة الْخلاف فَأَجَابَهُ الْمخَارِق بِكَلَام فِيهِ بلاغة وَبَيَان معترفا لَهُ بِحقِّهِ وَقَامَ بِالْأَمر بعده وَهُوَ الَّذِي صلب الْحسن بن حَرْب بالقيروان وَقد تقدم ذكر ذَلِك
ثمَّ قدم يزِيد ببن حَاتِم والياً على إفريقية من قبل أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَكَانَت لَهُ فِي أَيَّامهَا أَخْبَار وَحكى الْكتاب المعرب عَن الْمغرب أَن الْمخَارِق ركب يَوْمًا فِي بعض الحروب الإفريقية على فرس أُنْثَى وَبِيَدِهِ الْقَنَاة فبرز بَين الصفين وَهُوَ يَقُول متمثلاً
(رائعة تحمل شَيخا رائعاً ... مجرباً قد شهد الوقائعا)
قَالَ وَكَانَ شرِيف الْقدر عَظِيم الْحَال لَا يقايس إِلَّا بِابْن الْأَشْعَث والأغلب بن سَالم وأمثالهما وَأَخُوهُ السّندي بن غفار وَابْنه المهنّا بن الْمخَارِق لاحقان بِهِ
стр. 653
١٩١ - روح بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب ابْن أبي صفرَة الْأَزْدِيّ العكي أَبُو خلف
حجب أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور أول أَيَّامه وَقبل التَّعَلُّق بِهِ نظر إِلَيْهِ رجل وَاقِف فِي الشَّمْس عِنْد بَاب الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ لقد طَال وقوفك فِي الشَّمْس فَقَالَ ليطول قعودي فِي الظل
وَولى الْكُوفَة وَالْبَصْرَة للمهدي وَولى أَيْضا السّند وطبرستان وفلسطين ثمَّ ولى إفريقية وَالْمغْرب لهارون الرشيد وَذَلِكَ لما بلغه موت أَخِيه يزِيد بن حَاتِم فَعَزاهُ الرشيد وَقَالَ أعرف أَن لَهُ صنائع بالمغرب وَلَا آمن عَلَيْهِم مَتى ولّيت غَيْرك وَلَكِن اخْرُج من فورك إِلَى إفريقية وحطّ صنائعه فَخرج من فوره وشيّعه الرشيد وودعه وَانْصَرف ثمَّ لحقه وَصَاح بِهِ يَا وَيْح لَا ترجع وَلَا تنزل أَنْت مُسَافر وَأَنا مُقيم ثمَّ سايره وَقَالَ عَلَيْك بالزاب املأه خيلاً ورجلاً
وَكَانَ لروح رأى وحزم وشجاعة وجود وصرامة وَهُوَ أسنّ من أَخِيه يزِيد وأنبه مِنْهُ ذكرا بالمشرق وَمن عَجِيب الْأَخْبَار وطريف الْآثَار أَن الْمَنْصُور وجّه يزِيد بن حَاتِم إِلَى إفريقية وروحاً أَخَاهُ إِلَى السّند فَقيل لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد باعدت بَين قبريهما فَقضى أَن مَاتَا جَمِيعًا بالقيروان ودفنا بِبَاب سلم وَعَلَيْهِمَا سَارِيَة مَكْتُوب فِيهَا اسماهما
стр. 654
ولروح يَقُول أَبُو دلامة وَقد قَالَ لَهُ لَو خرجت مَعنا فِي خُرُوجه لقِتَال الْخَوَارِج
(إِنِّي أعوذ بِروح أَن يقدّمني ... إِلَى الْقِتَال فتخزي بِي بَنو أَسد)
(إِن الدّنوّ إِلَى الْأَعْدَاء نعلمهُ ... مِمَّا يفرق بَين الرّوح والجسد)
(إِن المهلّب حبّ الْمَوْت أورثكم ... وَلم أرث جلدا للْمَوْت من أحد)
وَأما أنباؤه فِي الْجُود فكثيرة مِنْهَا أَنه كَانَ يَوْمًا جَالِسا فِي منظرة مَعَ جَارِيَته طلّة وَكَانَت بارعة الْجمال إِذْ طلع خَادِم لَهُ بقادوس مَمْلُوء وردا فِي غير أَوَانه فَاسْتَحْسَنَهُ وَأمر بِأَن يمْلَأ دَرَاهِم لمهديه فَقَالَت الْجَارِيَة مَا أنصفته قَالَ وَكَيف وَقد ملأته بَدَلا من ورده دَرَاهِم قَالَت فَإِن ورده أَحْمَر وأبيض فاخلط لَهُ الصِّلَة فَأمر بِدَنَانِير فمزجت مَعَ الدَّرَاهِم
وَمِنْهَا ويستدل بِهِ على بلاغته ورسائله اللاحقة بنمط الكتّاب أَنه وجّه فِي ولَايَته إفريقية إِلَى كَاتبه بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَكتب مَعهَا قد بعثت إِلَيْك بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم لَا أقلّلها تكثّراً وَلَا أكثّرها تمنّناً وَلَا أستثيبك عَلَيْهَا ثَنَاء وَلَا أقطع لَك بهَا رَجَاء وَالسَّلَام
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَؤُلَاءِ المهالبة أخلد الْعَرَب شرفاً والأمداح فِي مقاصدهم قصد إِذا كَانَت سَرفًا
ويحكى أَنه مَاتَ لروح هَذَا ولد فَأقبل الحيّ يعزونه فألفوه رخيّ البال ضَاحِك السن فتوقفوا عَن تعزيته وَعرف ذَلِك فَأَنْشَأَ يَقُول
(وَإِنَّا لقوم مَا تفيض دموعنا ... على هَالك منا وَإِن قَصم الظهرا)
стр. 655
وَهَذَا الْبَيْت فِي شعر لأبي الهيدام عَامر بن عمَارَة بن خريم المرّي يرثي بِهِ أَخَاهُ وَكَانَ قد قَتله عَامل سجستان للرشيد فَجمع أَبُو الهيدام جمعا عَظِيما لطلب ثأر أَخِيه وَقَالَ فِي ذَلِك
(سأبكيك بالبيض الرّقاق وبالقنا ... فإنّ بهَا مَا أدْرك الطَّالِب الوترا)
(وَلست كمن يبكي أَخَاهُ بعبرة ... يعصّرها من جفن مقلته عصرا)
(ولكنني أشفي فُؤَادِي بغارة ... ألهّب فِي قطري جوانبها الجمرا)
(وَإِنَّا أنَاس مَا تفيض دموعنا ... على هَالك منا وَإِن قَصم الظهرا)
١٩٢ - ابْن أَخِيه دَاوُود بن يزِيد بن حَاتِم
اسْتَخْلَفَهُ أَبوهُ يزِيد على إفريقية فِي مَرضه الَّذِي توفّي مِنْهُ فِي شهر رَمَضَان سنة سبعين وَمِائَة فَجعل على شرطته خَالِد بن بشير وَبعث أَخَاهُ المهلّب بن يزِيد والياً على الزاب وَقد كَانَ قبل ذَلِك عَلَيْهَا من قبل أَبِيه حِين عزل الْمخَارِق ابْن غفار الطَّائِي عَنْهَا
وَأقَام دَاوُود والياً تِسْعَة أشهر وَنصف شهر إِلَى أَن قدم عمّه روح بن حَاتِم أَمِيرا على الْمغرب من قبل هَارُون الرشيد وقفل دَاوُود فولاه الرشيد مصر سنة أَربع وَسبعين وَمَات بالسند وَهُوَ أَمِير عَلَيْهَا وَكَانَ جواداً ممدوحاً معدوداً فِي أدباء الْأُمَرَاء وَله يَقُول مُسلم بن الْوَلِيد
(الله أطفأ نَار الْحَرْب إِذْ سعرت ... شرقاً بموقدها فِي الغرب دَاوُود)
(ماضي الْعَزِيمَة لَا تَخْلُو بديهته ... رأى المهلّب أَو رأى الأيازيد)
стр. 656
١٩٣ - نصر بن حبيب المهلبي
كَانَ على شرطة ابْن عَمه يزِيد بن حَاتِم فِي ولَايَته كلهَا بِمصْر وإفريقية وَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة محبباً إِلَى النَّاس ذَا أدب وَمَعْرِفَة فَلَمَّا ولى روح بن حَاتِم بعد أَخِيه يزِيد وَقد أسنّ وَكبر حَتَّى كَانَ إِذا جلس للنَّاس كثيرا مَا يغلبه النّوم من الضعْف كتب أَبُو العنبر الْقَائِد وَصَاحب الْبَرِيد إِلَى هاون الرشيد بِضعْف روح وَكبره وسألا مِنْهُ ولَايَة نصر هَذَا فِي السّر ووصفاه بِحسن السِّيرَة وبأنّ لَهُ سنّاً وَمَعْرِفَة فَكتب الرشيد عَهده وَبعث بِهِ سرا
وَتُوفِّي روح على إِثْر هَذَا فَاجْتمع النَّاس ليبايعوا قبيصَة ابْنه وَقد فرش لَهُ فِي الْجَامِع وَكَانَ أَخُوهُ الْفضل بن روح غَائِبا بالزاب وعاملاً عَلَيْهَا فَركب أَبُو العنبر وَصَاحب الْبَرِيد بِعَهْد الرشيد إِلَى نصر بن حبيب فأوصلاه إِلَيْهِ وسلّما عَلَيْهِ بالإمرة وركبا بِهِ إِلَى الْمَسْجِد فِي من مَعَهُمَا حَتَّى أَتَيَا قبيصَة وَهُوَ جَالس على الْفرش فأقاماه وأقعدا نصرا وأعلما النَّاس بإمرته وَقَرَأَ كتاب الرشيد عَلَيْهِم فَسَمِعُوا وأطاعوا وَذَلِكَ يَوْم الْأَحَد لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة إِلَى أَن صرف بِالْفَضْلِ بن روح بن حَاتِم لعشر بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة فَكَانَت ولَايَته سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر لم يعدل أحد كَانَ قبله عدله فِيهَا
ورسالته الَّتِي كتب إِلَى الْعمَّال بهَا لما ولى مَذْكُورَة فِي الْكتاب المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب وَهِي دَالَّة على مَكَانَهُ من البلاغة وَالْبَيَان
стр. 657
١٩٤ - عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة الْمَعْرُوف بالبلنسي
قَامَ بِالْأَمر لِأَخِيهِ هِشَام بن عبد الرَّحْمَن إِذْ كَانَ غَائِبا عِنْد وَفَاة أَبِيهِمَا بماردة إِلَى أَن ورد قرطبة فبادر لمبايعته وَتَسْلِيم الْقصر إِلَيْهِ وَخرج إِلَى دَاره وَذَلِكَ فِي غرَّة جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة ثمَّ استوحش مِنْهُ فهرب إِلَى أخيهما سُلَيْمَان كَبِير أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن الْمَوْلُود لَهُ بِالشَّام وَكَانَ منازعاً لهشام وَأقَام مَعَه بطليطلة وَبعد ذَلِك ورد قرطبة محكّماً فِي نَفسه بِلَا عهد وَلَا أَمَان فَقبله هِشَام وَطلب الْخُرُوج إِلَى العدوة فأسعفه واتّبعه فِي ذَلِك سُلَيْمَان فاستراح مِنْهُمَا هِشَام إِلَى أَن توفّي سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة
وَولى ابْنه الحكم بن هِشَام الْمَعْرُوف بالربض فوصل عبد الله من العدوة وَنزل بكورة بلنسيّة وَقدم بعده سُلَيْمَان من طنجة فنازعا الحكم وحارباه فَقتل سُلَيْمَان فِي خبر طَوِيل وَرغب عبد الله فِي الْمقَام ببلنسيّة على أَن يُؤَدِّي الطَّاعَة وَلَا يطَأ لَهُ بساطاً فتم ذَلِك
وَأقَام إِلَى أَن توفّي الحكم وَولى عبد الرَّحْمَن ابْنه فأخّر بيعَته والتوى بهَا وَكتب إِلَيْهِ يعتل عَلَيْهِ ويعدد حُقُوقه عِنْده وَعند أَبِيه وجده ويسأله أَن يضم كورة تدمير إِلَيْهِ ويتجافى لَهُ عَن خرجها وَتقدم على تفئة ذَلِك من بلنسية إِلَيْهَا فاحتلها وكشف وَجهه بالمعصية واستنفر إِلَيْهَا من حواليه فَثَابَ إِلَيْهِ مِنْهُم خلق كثير عسكروا مَعَه بِبَاب تدمير وَكَانَ توافيهم إِلَيْهِ فِي يَوْم خَمِيس أَرَادوا الْخُرُوج فِيهِ نَحْو قرطبة فَأَتَاهُم وَقَالَ بل نصلي على بركَة الله
стр. 658
غَدا صَلَاة الْجُمُعَة ونفصل يَوْم السبت بعده فَتَوَلّى الْخطْبَة بِالنَّاسِ يَوْم الْجُمُعَة فأبلغ فِي تذكيرهم وتخريفهم وَكَانَ خَطِيبًا مصقعاً فَلَمَّا شَارف مقطع خطبَته قَالَ معاشر النَّاس رحمكم الله أمّنوا على مَا أَدْعُو الله بِهِ واسألوه مَا أَنا سائله من الْخيرَة فِيمَا أؤمله وَرفع يَده نَحْو السَّمَاء فَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كنت أحقّ بِهَذَا الْأَمر الَّذِي قُمْت فِيهِ من عبد الرَّحْمَن بن هِشَام حفيد أخي فانصرني عَلَيْهِ وَافْتَحْ لي فِيهِ وَإِن كَانَ هُوَ أحقّ مني وَأَنا صنو جده فانصره عليّ فأمّن النَّاس جَمِيعًا عالية أَصْوَاتهم فَلم يكد يستوعب كَلَامه حَتَّى ضَربته الرّيح الْبَارِدَة فَسقط إِلَى الأَرْض مفلوجاً وَاحْتمل إِلَى مَكَان مضطربه فأكمل النَّاس صلَاتهم بِغَيْرِهِ
وَمكث عبد الله مسكتاً أَيَّامًا ثمَّ إِن الله أطلق لِسَانه وَمنعه سَائِر جوارحه فَقَالَ لأتباعه إِن الله تَعَالَى قد أجَاب الدعْوَة وَفصل الْخطاب وحماني الإمرة وَلَا مرد لحكمه فامضوا لسبيلكم فَتفرق جمعه وَصَرفه أَهله إِلَى وَطنه ببلنسيّة فكاتب عبد الرَّحْمَن بِخَبَر علته ويأسه من نَفسه وعهد إِلَيْهِ بِالنّظرِ لأَهله وَولده فأنفذ عَهده وَلم يعرض لَهُ إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ
وَقد كَانَ ابْنه عبيد الله بن عبد الله لحق بالحكم بن هِشَام وَكَانَ من ذَوي مشورته وكبار قواده وأغنى يَوْم الهيج أعظم غناء ثمَّ قاد الصوائف لعبد الرَّحْمَن بن الحكم فَكَانَ يعرف بِصَاحِب الصوائف وَهُوَ أحد رجالات بني أُميَّة
стр. 659
١٩٥ - فطيس بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن زيّان أَبُو سُلَيْمَان الْكَاتِب
باني بَيت الوزراء بني فطيس دخل الأندلس فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة فضمه إِلَى ابْنه هِشَام وَكتب لَهُ حَتَّى إِذا ولى الْخلَافَة ولاه السُّوق وكورة قبرة والوزارة
وأمضاه الحكم بن هِشَام على ذَلِك بعد وَفَاة أَبِيه هِشَام واستكتبه أَيْضا وَكَانَ لَهُ فِي الهيج مقَام مَحْمُود
قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ رَأَيْت اسْم فطيس فِي ديوَان الْأَمِير الحكم أول اسْم أَبُو سُلَيْمَان فطيس خَمْسمِائَة دِينَار
قَالَ وَتُوفِّي فِي أخريات أَيَّامه
وفطيس هَذَا خَاتِمَة الَّذين أبقيت فِي هَذِه الْمِائَة على مَا شرطت وَلم أذكر فِيهَا إِلَّا من كَانَ بالشعر مَذْكُورا أوعلى فن من فنون الْأَدَب مَقْصُورا وَكَذَلِكَ فِيمَا بعد
стр. 660
الْمِائَة الثَّالِثَة
١٩٦ - أبان وَعُثْمَان ابْنا الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم ابْن هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة
كَانَا أديبين شاعرين سمّى أبان فِي أَوْلَاد عبد الرَّحْمَن بن الحكم أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الرَّازِيّ فِي كتاب الِاسْتِيعَاب فِي الْأَنْسَاب من تأليفه وَوَصفه بالشّعر أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كِتَابه أَيْضا فِي الْأَنْسَاب وَذكر عُثْمَان أَخَاهُ أَبُو عبد الله الْحميدِي فِي تَارِيخه عَن أبي عَامر بن مسلمة وَلم يذكرهُ الرَّازِيّ
١٩٧ - مسلمة أَبُو سعيد وَهِشَام أَبُو الْوَلِيد والأصبغ
أَبُو الْقَاسِم وَعبد الرَّحْمَن أَبُو الْمطرف بَنو الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الحكم
كَانُوا أدباء وَولى مسلمة مِنْهُم كورة شذونة فَأَقَامَ بهَا أعواماً جميل السِّيرَة مكتسباً للمحامد يجمع إِلَى تقدمه فِي أساليب الْأَدَب نزاهة النَّفس وسماح الْكَفّ مَعَ الْحلم والدماثة
وَظَهَرت براعة الْأَصْبَغ فِي الْأَدَب لأوّل نشأته وسما لمناغاة إخْوَته فانكدر
стр. 661
سَرِيعا رطيب الْغُصْن بِمَاء شبابه وَتُوفِّي وَهُوَ دون الثَّلَاثِينَ فِي سنه فاشتدت على أَبِيه الْأَمِير مُحَمَّد فجيعته
وَأما عبد الرَّحْمَن فأغزاه أَبوهُ بِجَيْش الصائفة وَمَعَهُ وليد بن عَامر الْوَزير وَكَانَ من سراة ولد الْأَمِير مُحَمَّد وأدبائهم وَتُوفِّي أَيْضا فِي حَيَاة أَبِيه
وَولى هِشَام لِأَخِيهِ الْأَمِير عبد الله جيّان ونوّه بِهِ فِي عسكره وقلده ميسرته فِي غَزَوَاته وَكَانَ من أتم أهل بَيته جمالاً وأكملهم أدباً ثمَّ سعى بِهِ إِلَيْهِ فَقتله
وَكَانَ الْأَمِير مُحَمَّد من مناجيب الخلائف من بني مَرْوَان بسق من أَوْلَاده فِي الْأَدَب عدَّة مِنْهُم عبد الله الْأَمِير الْوَالِي بعد أَخِيه الْمُنْذر والمطرف وَالقَاسِم وَقد تقدم ذكرهم ومسلمة وَأصبغ وَعبد الرَّحْمَن وَهِشَام المذكورون هُنَا
وَأما الْمُنْذر وَهُوَ الْوَارِث سُلْطَان أَبِيه بعده فَكَانَ مَعَ زهده فِي الْأَدَب وعطوله من حليته يعجب بالشعر ويفضل أَهله ويرغب فِي المديح وَفِي أَيَّامه نجم أَبُو عمر بن عبد ربه
١٩٨ - مُحَمَّد ابْن الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم أَبُو الْقَاسِم
وَالِد النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد كَانَ بكر أَوْلَاد أَبِيه وخليفته إِذا غَابَ عَن حَضرته والمرشح لمكانه وَكَانَ من أهل الْعِنَايَة بالآثار وَالرِّوَايَة للْأَخْبَار والتفنن فِي الْآدَاب وَولى لِأَبِيهِ إشبيلية ثمَّ هرب إِلَى عمر بن حفصون فِي قصَّة طَوِيلَة وَحبس بعد ذَلِك بِالْقصرِ إِلَى أَن قَتله أَخُوهُ الْمطرف ابْن عبد الله عِنْد انبلاج الْفجْر من يَوْم الْخَمِيس لَيْلَة عشرَة خلت من شَوَّال
стр. 662
سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ قتل الْمطرف بِهِ بعد ذَلِك وبأمور سوى هَذَا يَوْم الْأَحَد لعشر خلون من رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ ابْن سبع وَعشْرين سنة سنّ أَخِيه قتيله مُحَمَّد إِذْ كَانَ بَينهمَا فِي المولد خَمْسَة أَعْوَام عاشها الْمطرف بعده
١٩٩ - أَحْمد بن مُعَاوِيَة بن مُحَمَّد بن هِشَام بن مُعَاوِيَة ابْن الْأَمِير هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة أَبُو الْقَاسِم الْمَعْرُوف بِابْن القطّ
وَمُحَمّد بن هِشَام جده هُوَ المنبّز بذلك وَكَانَ جميل الْوَجْه فِيهِ يَقُول ابْن أَيُّوب الْقرشِي
(أعجوبة مَا سَمِعت قطّ ... قَالُوا رشاً وَالِده قطّ)
(قد قلدوك السَّيْف يَا سَيِّدي ... والقرط أولى بك وارط)
وَكَانَ أَحْمد هَذَا من أهل الْعِنَايَة بِالْعلمِ والصناعة والنجامة وَمَعْرِفَة الْهَيْئَة وَكَانَت لَهُ حَرَكَة وَفِيه شراسة وَخرج فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد أَوَان ارتجاج الْفِتْنَة يطْلب الدولة وَيظْهر الْحِسْبَة وَالرَّغْبَة فِي الْجِهَاد إِلَّا أَنه كَانَ يتكهن ويموه
стр. 663
وَاجْتمعَ إِلَيْهِ خلق عَظِيم يُقَال إِنَّهُم بلغُوا بَين خيل وَرجل سِتِّينَ ألفا أَكْثَرهم من برابر الْجوف والغرب وَمن أهل طليطلة وطلبيرة قصد بهم سمورة وَكتب إِلَى الطاغية ملك جلّيقية وَمن مَعَه كتابا مغلظاً يَدعُوهُم فِيهِ إِلَى الْإِسْلَام وَيُنْذرهُمْ بالصاعقة وَأمر رَسُوله أَن يستعجل مِنْهُم الْجَواب وَلَا يتَوَقَّف عِنْدهم وَإِن هم أَبُو من مجاوبته أَن يعود بالْخبر إِلَيْهِ ونسخة كِتَابه ذَلِك مَشْهُورَة عِنْد أهل الثغر لبلاغته فحمى الطاغية عِنْد ذَلِك ونشب الْقِتَال فخذله رُؤَسَاء البربر وَثَبت هوفيمن بَقِي مَعَه من أهل البصائر حَتَّى قتل فِي الْيَوْم الرَّابِع واستؤصل أَصْحَابه إِلَّا قَلِيلا وحز رَأسه وَجِيء بِهِ إِلَى الْملك
стр. 664
فنصبه على بَاب سمورة وعظمت الْمُصِيبَة بِكَثْرَة من قتل من الْمُسلمين وَهَذِه الوقيعة تعرف عِنْد أهل الثغر بِيَوْم سمورة وَكَانَت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
٢٠٠ - مَالك بن مُحَمَّد بن مَالك بن عبد الله بن عبد الْملك ابْن عمر بن مَرْوَان بن الحكم أَبُو الْقَاسِم
قَالَ فِيهِ أَبُو الْوَلِيد بن الفرضي قَرَأَ على بقيّ بن مخلد كثيرا وَصَحبه وَسمع من الْخُشَنِي وَكَانَ بليغاً شَاعِرًا وَولى الولايات بعد ذَلِك حَتَّى إِن بقيّ ابْن مخلد قَالَ لَهُ يَا مَالك أوصيك بِوَصِيَّة إِنَّك لَا تَسْتَطِيع كل مَا يجب عَلَيْك وَلَكِن كن أسدّ من غَيْرك قَالَ مَالك فَأَنا وَالله أسدّ من غَيْرِي
وَقَالَ ابْن حيّان فِيهِ أحد رجالات قُرَيْش فِي زَمَانه كَانَ من نبلاء المتأدبين وَمن الشُّعَرَاء المطبوعين وَمِمَّنْ عني على ذَلِك بِرِوَايَة الحَدِيث وَتَقْيِيد الْآثَار والافتنان فِي الْعلم وَالْأَدب أَخذ عَن بقيّ بن مخلد والخشنى وَغَيرهمَا من طبقتهما وَكَانَ مفتنّاً فِي ضروب الْآدَاب بَصيرًا بالنحو حَافِظًا للغة ذَا نصيب وافر من الْإِمْلَاء لَهُ والبلاغة فِي الترسيل صحب السُّلْطَان وَتصرف فِي أَعماله الرفيعة
стр. 665
وَمن موَالِي المروانية وولاتهم بالأندلس
٢٠١ - مُحَمَّد بن عبد السَّلَام بن بسيل الْمَعْرُوف بالشيخ
ولد لِأَبِيهِ عبد السَّلَام بالأندلس بعد دُخُوله إِلَيْهَا مَعَ ابنيه يحيى وَعبد الْوَاحِد أَيَّام عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وبسيل مولى هِشَام بن عبد الْملك
فَاسْتعْمل عبد الرَّحْمَن عبد السَّلَام على إشبيلية وشذونة ومورور والجزيزة جمعهَا لَهُ وَاسْتَعْملهُ أَيْضا على كورة ماردة وَغَيرهَا من الكور
وتصرّف عبد الْوَاحِد ابْنه مَعَه فِي العمالات وَلما أخرج الْأَمِير عبد الرَّحْمَن ابْن الحكم ابْنه مُحَمَّدًا أَمِيرا على جيّان وجّه عبد الْوَاحِد مَعَه وَقد أسنّ فَكَانَ عَامل الكورة تَحت يَد مُحَمَّد
وتصرّف مُحَمَّد بن عبد السَّلَام هَذَا أَيَّام الحكم فِي العمالات ثمَّ فِي الوزارة
стр. 666
وَالْمَدينَة وَالْكِتَابَة وَالْخَيْل وخطط سواهَا أَيَّام عبد الرَّحْمَن بن الحكم كَانَ رزقه عَلَيْهَا فِي كل شهر ثَلَاثمِائَة دِينَار قَالَه الرَّازِيّ
٢٠٢ - مُحَمَّد بن سعيد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن رستم مولى الْغمر بن يزِيد بن عبد الْملك
دخل أَبوهُ إِلَى الأندلس وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا بِنَاحِيَة الجزيرة واصطنعه عبد الرَّحْمَن بن عبد الحكم فِي إمارته على شذونة من قبل أَبِيه الحكم فَكَانَ يأنس بِهِ فِي بعض الأحيان ثمَّ أفضت إِلَيْهِ الْخلَافَة فاستقدمه وصرّفه فِي الحجابة والوزارة وَهُوَ أحد القواد الَّذين كَانَ فتح الْمَجُوس على أَيْديهم بإشبيلية إِلَى فتوحات تعلم لَهُ
стр. 667
وَكَانَ أديباً حكيماً لاعباً بالشطرنج ذكره الرَّازِيّ ولمحمد بن سعيد هَذَا شعر فِي الحدائق لِابْنِ فرج قد كتبت مِنْهُ فِي الْكتاب المحمدي من تأليفي فَنقل من هُنَا اسْمه إِلَى بَاب نظرائه
٢٠٣ - عبد الله بن مُحَمَّد بن أُميَّة بن يزِيد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي حوثرة مولى مُعَاوِيَة بن مَرْوَان بن الحكم
دخل أُميَّة إِلَى الأندلس فِي طالعة بلج وَكتب لعبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ثمَّ كتب ابْنه مُحَمَّد للأمير الحكم بن هِشَام واتهمه بالميل مَعَ عَمه سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وعزله وَمَات خاملاً
وَحكى الرَّازِيّ أَنه ولى الوزارة وَالْكِتَابَة لهشام ثمَّ عزل قَالَ فَأَما عبد الله بن مُحَمَّد يَعْنِي ابْنه هَذَا فولى الوزارة وَالْكِتَابَة للأميرين عبد الرَّحْمَن وَمُحَمّد وَتصرف قبل الوزارة فِي الْولَايَة وَالْعرض
٢٠٤ - ابْنه عبد الْملك بن عبد الله أَبُو مَرْوَان
كَانَ فِي أَيَّام الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن مَخْصُوصًا بِالْكِتَابَةِ الْعليا مَعَ الوزارة ثمَّ ولى الْمُنْذر بن مُحَمَّد فأقره عَلَيْهِمَا وَهُوَ الَّذِي أغراه بهاشم بن عبد الْعَزِيز حَتَّى قَتله
ثمَّ ولى الْأَمِير عبد الله بن مُحَمَّد أَخُو الْمُنْذر فَجمع لَهُ القيادة مَعَ الوزارة
стр. 668
وَقَتله الْمطرف بن عبد الله على ميلين من إشبيلية وَهُوَ يَقُود جَيْشه فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَاسْتعْمل على الْجَيْش أَحْمد بن هَاشم بن عبد الْعَزِيز للعداوة الَّتِي كَانَت بَينهمَا وَفِي شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة قتل الْمطرف وَقد تقدم ذكر ذَلِك
وَكَانَ مَرْوَان بن عبد الْملك يخلف أَبَاهُ على الْكِتَابَة وَولى الشرطة الْعليا ثمَّ قتل بعد حَبسه وعزله عَن الشرطة سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ
٢٠٥ - وليد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الحميد بن غَانِم
ولى للأمير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن خطتي الوزارة وَالْمَدينَة وقاد جَيش الصائفة لِابْنِهِ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَذكر ابْن حيّان من وفور هَذَا الْجَيْش مَا يستغرب
واختص وليد هَذَا بصداقة هَاشم بن عبد الْعَزِيز وإياه خَاطب من مَوضِع أسره دون الوزراء وَهُوَ قَامَ بِعُذْرِهِ عِنْد الْأَمِير مُحَمَّد فَشكر وفاؤه وَكَانَ كَاتبا أديباً مرسّلاً بليغاً وابناه مُحَمَّد وَعبد الرَّحْمَن من أهل الْأَدَب والبلاغة وَالشعر وَمُحَمّد أبعدهُمَا شأواً فِي ذَلِك وَقد عَاشر الْمطرف ابْن الْأَمِير مُحَمَّد على الْأَدَب وكاتبه بالشعر وَولى الْمَدِينَة والوزارة وَالْكِتَابَة وارتفع قدره فِي الدولة
وَقد تقدم ذكر أَخِيه عبد الرَّحْمَن وَتُوفِّي وليد فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ
стр. 669
٢٠٦ - مُحَمَّد بن عبد الْملك بن جهور بن يُوسُف ابْن بخت الْفَارِسِي مولى عبد الْملك بن مَرْوَان
دخل الأندلس جدّ أَبِيه أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن بخت فِي طالعة بلج وَكَانَ أحد القائمين بِأَمْر عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة فاستحجبه واستخلفه وقتا على قرطبة وقاد الْخَيل إِلَى جلّيقية أَيَّام الْأَمِير هِشَام وَبلغ الْفَيْء فِي تِلْكَ الْغُزَاة تِسْعَة وَثَلَاثِينَ ألفا وَتُوفِّي بطليطلة
وَكَانَ ابْنه جهور بن يُوسُف وزيرا للأميرين بن الحكم بن هِشَام وَعبد الرَّحْمَن ابْن الحكم
وَولى ابْن ابْنه مُحَمَّد بن عبد الْملك هَذَا الوزارة والقيادة للأميرين بن مُحَمَّد ابْن عبد الرَّحْمَن وَالْمُنْذر بن مُحَمَّد وَتُوفِّي وَلم يعقب وَكَانَ الْأَمِير مُحَمَّد قد نَصبه إزاء هَاشم بن عبد الْعَزِيز ليكسر مِنْهُ فَكَانَ هَاشم بنصاعة ظرفه ورقة أدبه يكيده ويستذله إِذْ كَانَ مُحَمَّد نَاقص الْأَدَب لحّانة إِلَّا أَنه كَانَ كَاتبا ساذج الصِّنَاعَة مُسْتقِلّا بِالْأَعْمَالِ السُّلْطَانِيَّة متصرفاً فِيهَا بعفة وكفاية قَالَه ابْن حيّان وَحكى أَن هاشماً احتال فِي سمّ ابْن جهور هَذَا وَحضر جنَازَته فَأَنْشد
(يارب عقدَة سوء ... يحلّها الْمَوْت قسرا)
стр. 670
٢٠٧ - إِبْرَاهِيم بن حجاج بن عُمَيْر بن حبيب اللَّخْمِيّ أَبُو إِسْحَاق
بَيته نبيه فِي عرب حمص وثار بهَا عِنْد ارتجاج الْفِتْنَة وَقتل كريب بن عُثْمَان بن خلدون وأخاه خَالِدا وَملك إشبيلية وقرمونة وَاتخذ لنَفسِهِ جنداً يرزقهم طَبَقَات فَكَانَ فِي مصافّه مِنْهُم خَمْسمِائَة فَارس
وَلم يُجَاهر بالمعصية فِي أَكثر أوقاته وَلَا خلع فِي جَمِيع مدَّته وَكَانَ مَال مُفَارقَته يرد على الْأَمِير عبد الله كل سنة ومدده يتوافى إِلَيْهِ لكل صائفة إِلَى سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
وَكَانَ منتجعاً على الْبر وَالْبَحْر جواداً ممدّحاً يرتاح للثناء وَيُعْطِي الشُّعَرَاء عداد الْأَمْوَال وَكَانَ قَصده أَبُو عمر بن عبد ربه من بَين ثوار الأندلس
следующие страницы →