← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

من أهل الدّين وَالدُّنْيَا مأهولة والرها لَا يعسر أمرهَا والرقة لرقك وَبَعض حَقك والخابور فِي انْتِظَار خبرك ودارا دَارك ونصيبين نصيبك وَملك الْموصل موصلك إِلَى الْملك وَمَا هَذَا أَوَان الونى فادن إِلَيْنَا وكل بعيد قد دنا قَالَ وَوصل الْبَحْر إِلَى الْفُرَات وخيم عَلَيْهَا من غربي البيرة وَمد الجسر وَكَانَت البيرة قد طمع فِيهَا صَاحب ماردين وَاسْتولى على مَوَاضِع من أَعمالهَا فَلَمَّا سمع بالسلطان تخلى عَنْهَا فَأَعَادَ إِلَيْهَا صَاحبهَا شهَاب الدّين مُحَمَّد بن إلْيَاس الأرتقي وَكتب السُّلْطَان بالمثال الفاضلي إِلَى الدِّيوَان عِنْد عبور الْفُرَات كتابا فائقا طَويلا يَقُول فِيهِ خدم الْخَادِم مُتَوَالِيَة إِلَى الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة خلد الله سلطانها شارحا لأحواله ومعتدا بهَا من صَالح أَعماله ومتوقعا من الْأَجْوِبَة عَنْهَا مَا يُهَيِّئ لَهُ من أمره رشدا وَيفرق الْأَعْدَاء إِذْ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا فَإِن الآراء الشَّرِيفَة لَو لم تفصح عَنْهَا الإنشاءات وتتضمنها الإجابات والابتداءات لأفصحت عَنْهَا مُوالَاة الْخَادِم الَّتِي استفتحت الدولة بعقائل الْفتُوح قبل خطبتها وَردت الْأَسْمَاء الشَّرِيفَة إِلَى أوطانها من المنابر

стр. 1017

بعد طول غربتها فَتلك الْأَعْمَال كالهجرة وَلكُل امْرِئ مَا هَاجر إِلَيْهِ وَنِيَّة الْمَرْء ثَوْبه فَلَا يلبس إِلَّا مَا خلعته النِّيَّة عَلَيْهِ وَكتاب الْخَادِم الْآن من البيرة بَعْدَمَا قطع الْفُرَات وَكَانَ من لَا تقرب عَلَيْهِ العزائم مَا هُوَ بعيد وَلَا يلقِي السّمع وَهُوَ شَهِيد يظنّ أَن سَاكن النّيل يحول الْفُرَات بَينه وَبَين قَصده وَأَنه ينسى عَزِيمَة رَأْيه إِذا ذكر طول مدَّته وهول مده وكيفما كَانَ هَذَا الْمخْرج المحرج فقد أَحْسَنت إِلَى الْخَادِم إساءته إِلَيْهِ وقربه من مَحل دَار السَّلَام بل الْإِسْلَام فَمَا أَكثر مَا قَالَ السَّلَام عَلَيْهِ واستشرف جنانه من جنابه أمنا وذعرا أوجبتهما الْمُوَالَاة والمهابة وطالعت عينه أنواء وأنوارا تنْسب إِلَى بركاتها كل سَحَابَة وَكَاد ينزل عَن السُّرُوج والأكوار وَيقبل الثرى لأجل شرف الْجوَار وتستنفد غَلَّته مَاء الْفُرَات لِأَنَّهُ يمر بِتِلْكَ الديار وَيقْرَأ من صفائه صفاء تِلْكَ الخواطر الْعَظِيمَة الأخطار وَمن عذوبته ذَلِك الإنعام الَّذِي هُوَ أَعم وأغمر للأقطار من القطار وتنور دَار الْإِسْلَام من مَنْزِلَته فأدناه النّظر العالي وأسفلته آماله حوز الْفَوْز بِمَا قربه نجيا من قربهَا والآمال أمالي وَالله تَعَالَى

стр. 1018

يشرف أَرضًا هُوَ واطئها ويرعى سروجا هُوَ كالئها ويسعد بِهِ أمة هُوَ بارها طَاعَة لمن هُوَ بارئها وَلما تحقق الْخَادِم أَن المواصلة قد واصلوا الفرنج مُوَاصلَة أَخْلصُوا فِيهَا الضمائر وَلم يستطيعوا فِيهَا كتمان السرائر وخصمتهم خطوط الْأَيْدِي المتمسكة بعصم الكوافر وعقدوا مَعَهم عقدا شهده من هُوَ حاضره وَنَقله إِلَى من سَمعه من هُوَ ناظره وَكَانَ عقدهم إِحْدَى عشرَة سنة والمستقر لَهُم فِي كل سنة عشرَة آلَاف دِينَار على أَن تسلم ثغور الْمُسلمين إِلَى الْكفَّار مِنْهَا بانياس وشقيف تيرون وحبيس جِلْدك وأسارى الفرنج فِي كل بَلْدَة بِأَيْدِيهِم وَفِي كل بلد يسترجعونه من الْخَادِم بمساعدة الفرنج وَلما تمّ لَهُم هَذَا العقد وحملوا إِلَى الفرنج ذَلِك النَّقْد ظنُّوا أَن الْحق يجادله الْبَاطِل فيدحضه وَأَن يَد الْكفْر تنبسط إِلَى الْإِسْلَام فتقبضه وَأَن الْخَادِم لَا يُمكنهُ أَن يتَوَجَّه إِلَيْهِم إِلَّا بِأَن تكون الفرنج سلما وَلَا يَسْتَطِيع أَن يقسم العساكر فَيجْعَل بِإِزَاءِ الفرنج قسما وبإزائهم قسما وَعمِلُوا على هَذَا الْوَهم وبنوا على هَذَا الحكم واستنهضوا الفرنج على تثاقل الخطوة واستخرجوهم على مَا بهم من كلوم الْغَزْوَة بعد الْغَزْوَة فتحاملت أرجل الْكفْر على ظلعها وَخرجت على طمعها إِلَى قرعها وأنفقت فِي رجالها مَالا حملوه إِلَيْهِم

стр. 1019

جما وَجَرت إِلَى الْإِسْلَام جَيْشًا جهزه من يَدعِي الْإِسْلَام لفظا ويفارقه حكما وتواعد المواصلة مَعَ الفرنج ليطلبوا ولَايَة الْخَادِم من جَانب ويطلبها الفرنج من جَانب ونظروا فِيمَا يُوصل المساءة إِلَى الْخَادِم وَلم ينْظرُوا لِلْإِسْلَامِ فِي العواقب فوصل المواصلة إِلَى نَصِيبين مجدين محفلين وحركوا الفرنج لِلْخُرُوجِ إِلَى الشَّام متطرفين ومتوغلين فَلَا جرم أَن أُمَرَاء جانبهم وخواص صَاحبهمْ لم يسعهم المروق من الدّين وَلَا الْخُرُوج عَن زمرة الْمُوَحِّدين فأرضوا الله بإسخاطهم وَأَشْفَقُوا على دينهم إشفاقا دلّ على تحرزهم لَهُ واحتياطهم فاتبعوا الْحق وسلكوا سَبيله وَرفع لَهُم الْهدى مناره فاقتفوا دَلِيله ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله﴾ فاستعان الْخَادِم عَلَيْهِم بِاللَّه الَّذِي استعانوا على دينه بأعدائه وَلما رأى أَنهم قد أملوا النَّصْر من أَرضهم أمله من سمائه فرتب الْخَادِم فِي رَأس المَاء بِدِمَشْق بِإِزَاءِ الفرنج الْمَمْلُوك فرخشاه ابْن أَخِيه وَأبقى عَسْكَر الشَّام وحاميته فِيهِ واستنهض أَخَاهُ من مصر إِلَى مَا يَلِيهِ من بِلَاد الْكفْر فَنَهَضَ وَقَامَ للخادم بِمَا أَقَامَهُ لَهُ وَللَّه بِمَا فرض وَسَار الْخَادِم بالعسكر الْمصْرِيّ إِلَى هَذَا الْجَانِب الَّذِي هُوَ الْآن فِيهِ وَكَانَ أيسره يَكْفِيهِ وتثاقل فِي الطَّرِيق انتظارا لِأَن يَأْتُوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا

стр. 1020

ويفرجوا عَن الْولَايَة أَيدي اغتصابها وتعتذر إِلَى السَّيْف أَلْسِنَة تشفق على رقابها فَأَبَوا إِلَّا الإباء وَرَأَوا الْملك إِرْثا مَا ادعوا فِيهِ تَقْلِيد الْخُلَفَاء بل الْآبَاء وَلما قرب الْخَادِم من الْفُرَات وصل إِلَيْهِ صَاحب حران ابْن زين الدّين عَليّ كوجك مقدم عَسْكَرهمْ وَابْن أَمِير معشرهم وَكَذَلِكَ صَاحب سروج وَصَاحب البيرة وكل بِيَدِهِ مَفَاتِيح بَلَده وأمامه أَمَان الْخَادِم لَهُ قد استبدله من مقلده ووراءه عسكره على كَمَال عدده وعدده وتوالت كتب أمرائهم الَّذين يَأْخُذُونَ إقطاعاتهم خدما ومصانعات ورعاياهم الَّذين يَأْخُذُونَ أَمْوَالهم جنايات ومقاطعات ومكوسا وعشورا واحتكارات يرغبون إِلَى الْخَادِم فِي الإنفاذ ويحثونه فِي الْمسير على الأغذاذ ويشكون أَنهم مَعَ جوَار دَار الْخلَافَة المعظمة لَا يسْلك فيهم سننها وَلَا يقتفى فيهم شرائعها وسننها ونمي إِلَى الْخَادِم من تفاصيل المغارم الَّتِي تلْزم الْفَرِيقَيْنِ ويعدل بهَا عَن أقصد الطَّرِيقَيْنِ مَا يروع السَّامع وَيسمع الرائع ويسجل عَلَيْهِم بِالْخِلَافِ وَيشْهد لَهُم بالانحراف لأَنهم إِن ادعوا تقليدا فقد نقضه كَونهم ابتدعوا وَمَا اتبعُوا وَنَقَضُوا وَمَا افترضوا ومثلوا بِالْحَقِّ وَمَا امتثلوا وَأمرُوا بكف الْأَيْدِي وَقد بسطوها وبأخذ الْأَمْوَال من حلهَا وَقد خلطوها وبرعاية أمة النَّبِي ﷺ وَقد أسخطوه فِيهَا وأسخطوها وَابْن الدعْوَة العباسية من رعاها لَا من ادَّعَاهَا والعهود وَصَايَا وَمَا الأولى بهَا من سَمعهَا بل من وعاها وَأي عهد لمن لَا عهد لَهُ بِالطَّاعَةِ وَأي ولَايَة

стр. 1021

لمأمور بِأَن يجمع أهل الْفرْقَة فَفرق أهل الْجَمَاعَة فالجندي تُؤْكَل الأَرْض باسمه وَلَا شَيْء بيدَيْهِ والعامي يرفع إِلَى السَّمَاء استغاثة مَا لَا يُمْهل الله عَلَيْهِ وَلَقَد تعجب الْخَادِم من إسفاف الْأَنْفس الغنية إِلَّا أَنَّهَا الفقيرة والارتفاق بِتِلْكَ الطّعْم الجليلة وَهِي على الْحَقِيقَة الحقيرة ﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ الْآيَة هَذَا إِلَى طامة أُخْرَى لَا تقر عَلَيْهَا الْجنُوب وَلَا تدر عَلَيْهَا الحلوب وَلَا ينَام على سهر بارقها وَإِن كَانَ الخلوب وَهُوَ أَن الْخَادِم بلغه أَنهم كاتبوا جِهَة من الْجِهَات الَّتِي الدولة منحرفة عَنْهَا وبذلوا الطَّاعَة لَهَا وَقد أمروا بالامتناع مِنْهَا وَهَذَا نَص فِي الْخلاف لَا يدْخلهُ التَّأْوِيل وَقَول قد أحَاط بِهِ الْعلم فَلَا يختلجه التقويل وكل صَغِيرَة من هَذِه الْكَبَائِر وكل وَاحِد من هَذَا الْجمع المتكاثر ينْقض الْولَايَة ويجرح الْعَدَالَة ويسلب الرشد وَيثبت الضَّلَالَة ويمضي نِيَّة الْوَلِيّ فِيمَا هُوَ لَهُ مَاض وَيبْعَث عزمه فَيَقْضِي مَا هُوَ قَاض ويسخطه وَكَيف لَا يسْخط وَالْمولى غير رَاض ويغيظه بِمَا لَا عذر لَهُ لمغتاظ منغاض وَمَا أنهى الْخَادِم مِمَّا اتَّصل بِهِ الْأَوَائِل والأطراف وَمَا عول إِلَّا على مَا صححته النَّفس دون مَا خيله الإرجاف وَإِذ قد سَاق الله إِلَى هَذِه الْولَايَة حظها من معدلة كَانَ الزَّمَان بهَا طَويلا مطله وأنشأها

стр. 1022

سَحَاب إِحْسَان كَانَ بَعيدا عَلَيْهَا هطله فقد كفيت الخواطر الشَّرِيفَة مَا كَانَت بِهِ على اهتمامها كَمَا يجب للْأمة على إمامها وَإِلَيْهِ بتفويض الله يرجع أمرهَا وَبِيَدِهِ يجلب نَفعهَا ويجلى ضرها وَقد تَجَدَّدَتْ للدولة الشَّرِيفَة قُوَّة واستظهار وبسطة واقتدار وَسيف بِهِ يناضل من يسيء الْجوَار ولسان يُجَادِل بِهِ من يُرِيد الدَّار وَكَانَ الْخَادِم طالع بوصول الأسطول الْمصْرِيّ إِلَى الشَّام الفرنجي وَمَا فعله فِي موانيه وسواحله وَمَا غنمه من مراكبه وقوافله وَورد كتاب من مصر بِأَنَّهُ كسب بطسة فرنجية خرج من فِيهَا هَارِبا من الْقُسْطَنْطِينِيَّة لفتنة وَقعت فِيهَا بَين رومها وفرنجها فَقتل مِنْهُم خَمْسُونَ ألف فرنجي وأفلتت مِنْهُم بطس مِنْهَا هَذِه البطسة وفيهَا رجال أكَابِر ومقدمون لَهُم فِيهَا ذكر سَائِر وغنم المجاهدون مِنْهُم مَا مَلأ أَيْديهم من سبي وذخائر وانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل وحازت القبضة من الْأُسَارَى مَا يزِيد على أَربع مئة بعد من درج بِالْقَتْلِ فصل قَالَ الْعِمَاد ثمَّ كَاتب السُّلْطَان الْمُلُوك بالوفود للاتفاق فَمن جَاءَ مستسلما سلمت بِلَاده على أَن يكون من أجناد السُّلْطَان وَأَتْبَاعه فِي جِهَاد الْكفَّار فجَاء رَسُول صَاحب حصن كيفا بالإذعان وَهُوَ نور الدّين

стр. 1023

مُحَمَّد بن قرا أرسلان ثمَّ رَحل السُّلْطَان من البيرة وَنزل على الرها وَكَانَ فِيهَا فَخر الدّين مَسْعُود بن الزّعفراني فأذعن وانقاد وتسلمها مظفر الدّين مُضَافَة لَهُ إِلَى حران ثمَّ وصل السُّلْطَان إِلَى حران فرتبها وانفصل مِنْهَا إِلَى الرقة وفيهَا الْأَمِير قطب الدّين ينَال بن حسان فأذعن أَيْضا وَسلم وَلم يُوَافق مُرَاعَاة لصَاحبه فأصلحها السُّلْطَان ورحل مِنْهَا إِلَى مشْهد الرُّمَّان ثمَّ إِلَى عرابان فتسلمها وَأصْلح من شَأْنهَا وتواصلت أَخْبَار وُصُول السُّلْطَان الخابور وَمَا نشر من الْعدْل فِي الْبِلَاد الَّتِي فتحهَا ففتحت رَأس الْعين ودورين وماكسين والشمسانية والفدين والمجدل وَالْحصين قَالَ وقطعنا نهر الخابور على قنطرة التنينير إِلَى نَصِيبين فاستعصت قلعتها أَيَّامًا ثمَّ فتحت استسلاما وولاها السُّلْطَان حسام الدّين أَبَا الهيجاء السمين وَولى الخابور جمال الدّين خوشترين ثمَّ سرنا إِلَى الْموصل وقطعنا أَعمال بَين النهرين ثمَّ أَعمال الْبقْعَة ثمَّ سرنا إِلَى بلد وأشرفنا على دجلة وَكُنَّا أوردنا خَيْلنَا فِي أشهر من تِلْكَ السّنة نيل

стр. 1024

مصر والفرات ودجلة ثمَّ صممنا على قصد الْموصل فَلَمَّا قربنا من الْوُصُول كبرنا تَكْبِير من ظفر بالسول وَتقدم السُّلْطَان فِي الْأُمَرَاء ذَوي الآراء وَدَار حول السُّور وَعين لكل مقدم مقَاما فَنزل هُوَ وَرَاء الْبَلَد وتقي الدّين من شرقيه وَأَخُوهُ تَاج الْمُلُوك بوري عِنْد بَاب الْعمادِيَّة فحصلت المحاصرة والمضايقة وَتَوَلَّى مُجَاهِد الدّين قايماز حفظ الْبَلَد بِأَحْسَن تَدْبِير وَكَاتب الدِّيوَان الْعَزِيز فِي أَن يشفع لَهُم إِلَى السُّلْطَان فَقدم فِي ذَلِك صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ وشهاب الدّين بشير فِي الشَّفَاعَة فَرَحل السُّلْطَان عَنْهَا فِي شعْبَان وَقصد سنجار وَقدم أَمَامه تَقِيّ الدّين وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد كَانَ نزُول السُّلْطَان على الْموصل فِي هَذِه الدفعة يَوْم الْخَمِيس حادي عشر رَجَب سنة ثَمَان وَسبعين وَكنت إِذْ ذَاك بالموصل فسيرت رَسُولا إِلَى بَغْدَاد قبيل نُزُوله بأيام قَلَائِل فسرت مسرعا فِي دجلة وأتيت بَغْدَاد فِي يَوْمَيْنِ وساعتين من الْيَوْم الثَّالِث مستنجدا بهم فَلم يحصل مِنْهُم سوى الإنفاذ إِلَى شيخ الشُّيُوخ وَكَانَ فِي صحبته رَسُولا من جانبهم يأمرونه بِالْحَدِيثِ مَعَه وتلطف الْحَال مَعَه وسير إِلَى بهلوان رَسُول من الْموصل يستنجده فَلم يحصل من جَانِبه

стр. 1025

سوى تشرط كَانَ الدُّخُول تَحْتَهُ أخطر من حَرْب السُّلْطَان ثمَّ أَقَامَ السُّلْطَان على الْموصل أَيَّامًا وَعلم أَنه بلد عَظِيم لَا يتَحَصَّل مِنْهُ شَيْء بالمحاصرة على هَذَا الْوَجْه وَرَأى أَن طَرِيق أَخذه أَخذ قلاعه وَمَا حوله من الْبِلَاد وإضعافه بطول الزَّمَان فَرَحل عَنهُ وَنزل على سنجار فِي سادس عشر شعْبَان فَأَقَامَ يحاصرها وفيهَا شرف الدّين بن قطب الدّين وَجَمَاعَة وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمر حَتَّى كَانَ ثَانِي شهر رَمَضَان فَأَخذهَا عنْوَة وَخرج شرف الدّين وجماعته محترمين محفوظين إِلَى الْموصل وَأَعْطَاهَا السُّلْطَان ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين ورحل عَنْهَا إِلَى نَصِيبين وَقَالَ الْعِمَاد لما قصد السُّلْطَان سنجار نزل بارنجان فَوجدَ بهَا عسكرا من الْموصل سائرا إِلَيْهَا فأحاط بِهِ وَأخذ خيلهم وعددهم وردهم إِلَى الْموصل رجالة وَوصل إِلَى سنجار وَمَعَهُ رسل دَار الْخلَافَة وَنور الدّين صَاحب حصن كيفا وَكَانَ فِي سنجار شرف الدّين أَخُو صَاحب الْموصل فَامْتنعَ من تَسْلِيمهَا فحوصر ورميت القلعة بالمنجنيق فانهدم مِنْهَا ثلمة من السُّور فَوكل بهَا من يحفظها وَدخل شهر رَمَضَان فَكف السُّلْطَان عَن الْقِتَال ثمَّ جَاءَهُ الْخَبَر لَيْلَة أَن الموكلين بِحِفْظ تِلْكَ الثلمة نيام فَأرْسل إِلَيْهِم من أوثقهم وَحَملهمْ إِلَيْهِ وَكَانَ فيهم جمَاعَة من المقدمين والأعيان فَلَمَّا أصبح صَاحب سنجار أذعن وَسلم ورحل بأَهْله وَمَاله وَدخل السُّلْطَان

стр. 1026

القلعة ورتبها وَأمر بعمارتها وولاها الْأَمِير سعد الدّين مَسْعُود بن أنر وَكَانَ السُّلْطَان يعْتَمد عَلَيْهِ وَأُخْته ابْنة معِين الدّين كَانَت فِي حبالة السُّلْطَان وَكَانَ رُؤَسَاء سنجار بني يَعْقُوب فَتركت الرياسة فيهم وَولى الْقَضَاء مِنْهُم نظام الدّين نصر بن المظفر بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب ثمَّ رَحل السُّلْطَان إِلَى نَصِيبين فَأَقَامَ بهَا لِأَن الْأَيَّام كَانَت بَارِدَة وَمِنْهَا ودع رسل دَار الْخلَافَة وشكا أهل نَصِيبين من أميرها أبي الهيجاء السمين فاستصحبه السُّلْطَان مَعَه وَسَار إِلَى دَارا وأميرها صمصام الدّين بهْرَام الأرتقي فَتلقى السُّلْطَان بِأَحْسَن ملقى فَأكْرمه وَسَار إِلَى حران وَأقَام بهَا للاستراحة وَعَاد كل إِلَى بَلَده وَسَار تَقِيّ الدّين إِلَى حماة هَذَا والمواصلة فِي جد من جمع الجموع وبغاء الغوائل للسُّلْطَان فصل فِي وَفَاة فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة فِي جُمَادَى الأولى توفّي بِدِمَشْق الْملك الْمَنْصُور عز الدّين فرخشاه وَوصل خَبره إِلَى السُّلْطَان عِنْد عبوره

стр. 1027

الْفُرَات فَأقر السُّلْطَان وَلَده الْملك الأمجد بهرامشاه على بعلبك وأعمالها مَكَان أَبِيه وَنفذ شمس الدّين بن الْمُقدم واليا مَكَانَهُ على دمشق وأعمالها قَالَ ابْن أبي طي كَانَ فرخشاه من أكْرم النَّاس يدا وأطهرهم أَخْلَاقًا وأسدهم رَأيا وأشجعهم قلبا وَمِمَّا يحْكى من كرمه أَنه دخل الْحمام يَوْمًا فَرَأى رجلا قد قعد بِهِ الزَّمَان وَكَانَ يعرفهُ من أهل الْيَسَار وَشَاهد عَلَيْهِ ثيابًا رثَّة يبين مِنْهَا بعض جسده فاستدعى بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج الرجل إِلَى لبسه وببغلة مسرجة وبألف دِينَار وَقَالَ لبَعض غلمانه اجْعَل هَذَا كُله فِي مَوضِع ثِيَاب الرجل وَخذ ثِيَابه وَاجعَل هَذَا الْغُلَام وَالْبَغْلَة لَهُ فَفعل فَلَمَّا تغسل الرجل وَخرج رأى مَوضِع ثِيَابه تِلْكَ الثِّيَاب فَسَأَلَ الحمامي عَن ثِيَابه فَقَالَ انبدلت بِهَذِهِ الثِّيَاب فَتقدم إِلَيْهِ الْغُلَام وَأخْبرهُ بِجَمِيعِ مَا صنعه عز الدّين وَأخْبرهُ بِأَنَّهُ قد أجْرى عَلَيْهِ معيشة عشْرين دِينَارا فِي كل شهر فَلبس الثِّيَاب وَخرج من الْحمام وَهُوَ من أغْنى النَّاس قَالَ وَكَانَ فرخشاه ممدحا مدحه ابْن سَعْدَان بعدة قصائد من جُمْلَتهَا الَّتِي يَقُول فِيهَا (تخذ السابري لبدا وعود الزَّمَان ... نابا والهندواني ظفرا)

стр. 1028

(أعجمي الْأَنْسَاب قصرت الْأَعْرَاب ... عَنهُ سجعا ونظما ونثرا) (هزمت كتبه الْكَتَائِب جفلا ... وأعادت دجى الْحَوَادِث فجرا) (فَهُوَ كالمازني علما وكالأحنف ... حلما وكالفرزدق شعرًا) قَالَ وَكَانَ فرخشاه مُضَافا إِلَى شجاعته عَالما متفننا كثير الْأَدَب مطبوع النّظم والنثر فَمن شعره قَوْله (أَنا فِي أسر السقام ... من هوى هَذَا الْغُلَام) (رشأ ترشق عَيناهُ ... فُؤَادِي بسهام) (كلما أرشفني فَاه ... على حر الأوام) (ذقت مِنْهُ الثَّلج فِي الشهد ... الْمُصَفّى فِي المدام) قلت ونبغ ابْنه الأمجد أَيْضا شَاعِرًا وَكَانَ السُّلْطَان كثير الِاعْتِمَاد على فرخشاه

стр. 1029

وَفِي بعض الْكتب الْفَاضِلِيَّةِ عَن السُّلْطَان إِلَيْهِ وصل كِتَابه يتَضَمَّن خُرُوج الفرنج وَمَا دبره من الْأَحْوَال وأعده من مكايد الْقِتَال ولسنا نستبعد أَن يدني الله بِهِ كل بعيد من المُرَاد وَأَن يُقَابل بتدبيره تقلب الَّذين كفرُوا فِي الْبِلَاد وَأَن يجْرِي على يَده أول النَّحْل الَّذِي توعد بِهِ آخر صَاد وَأَن يصب بِهِ على الْمُشْركين سَوط عَذَاب إِن رَبك لبالمرصاد وَقَالَ الْعِمَاد وَكَانَ عز الدّين فرخشاه من أهل الْفضل ويفضل على أَهله ويغني الْكِرَام عَن الابتذال بكرم بذله وَمن أخص خواصه وَذَوي اصطفائه واستخلاصه الصَّدْر الْكَبِير الْعَالم تَاج الدّين أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ أوحد عصره ونسيج وَحده وقريع دهره وعلامة زَمَانه وَحسان إحسانه ووزير دسته ومشير وقته وجليس أنسه ورفيق درسه وشعاع شمسه وحبِيب نَفسه ولي فِي هَذَا الْملك قصائد مِنْهَا قصيدة هائية موسومة مدحته بهَا فِي أول سنة صَحِبت فِيهَا السُّلْطَان إِلَى مصر وَهِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وعارضها تَاج الدّين أَبُو الْيمن بِكَلِمَة بديعة فِي وَزنهَا ورويها وَحسن زيها فَأَما كلمتي فَهِيَ

стр. 1030

(بَين أَمر حلاوة الْعَيْش الشهي ... وَهوى أحَال غضارة الزَّمن الْبَهِي) (وصبابة لَا أستقل بشرحها ... عَن حصرها حصر البليغ المدره) (أأحبتي إِن غبت عَنْكُم فالهوى ... دَان لقلب بالغرام موله) (أنهِي إِلَيْكُم أَن صبري منتئ ... بل منته والشوق لَيْسَ بمنته) (أما عُقُود مدامعي فَلَقَد وهت ... وأبت عُقُود الود مني أَن تهي) (وَلَقَد دهيت ببينكم فاشتقتكم ... يَا من لمشتاق ببينكم دهي) (فِي شوقكم أَبَد الزَّمَان تفكري ... وبذكركم عِنْد الْكِرَام تفكهي) (لَو قيل لي مَا تشْتَهي من هَذِه الدُّنْيَا ... لَقلت سواكم لَا اشتهي) (مَا كَانَ أرفه عيشتي وألذها ... من ذَا الَّذِي يبْقى بعيش أرفه) (وَمن السفاهة أنني فارقتكم ... من أَيْن ذُو الْحلم الَّذِي لم يسفه) وَمِنْهَا (وعقاب أَيْلَة لَا يُفَارق جلقا ... أحد إِلَيْهَا غير غر أبله) (مَالِي ومصر وللمطامع إِنَّمَا ... ملكت قيادي حَيْثُ لم أتنزه) (لَا تنهني يَا عاذلي فَأَنا الَّذِي ... تبع الْهوى وأتى بِمَا عَنهُ نهي) (قد قلت للحادي وَقد ناديته ... فِي مهمه أقصر وصلت مَه مَه) (حتام جذبك للزمام فأرخه ... فَلَقَد أنخت إِلَى ذرى فرخشه) (متكرم بالطبع لَا متكره ... شتان بَين تكرم وَتكره) (إِحْسَان ذِي مجد وهمة محسن ... مجد وتقوى عَابِد متأله)

стр. 1031

وَهِي ثَلَاثَة وَثَمَانُونَ بَيْتا وَالْقَصِيدَة التاجية تِسْعَة وَأَرْبَعُونَ بَيْتا أَولهَا (هَل أَنْت رَاحِم عِبْرَة وتوله ... ومجير صب عِنْد مأمنه دهي) (هَيْهَات يرحم قَاتل مقتوله ... وسنانه فِي الْقلب غير منهنه) (من بل من دَاء الغرام فإنني ... مذ حل بِي مرض الْهوى لم أنقه) (إِنِّي بليت بحب أغيد سَاحر ... بلحاظه رخص البنان برهره) (أبغي شِفَاء تدلهي من دله ... وَمَتى يرق مدلل لمدله) (يَا مُفردا بالْحسنِ إِنَّك منته ... فِيهِ كَمَا أَنا فِي الصبابة منتهي) (قد لَام فِيك معاشر أفأنتهي ... باللوم عَن حب الْحَيَاة وَأَنت هِيَ) (أبْكِي لَدَيْهِ فَإِن أحس بلوعة ... وتشهق أوما بِطرف مقهقه) (أَنا من محاسنه وحالي عِنْده ... حيران بَين تفكه وتفكه) (ضدان قد جمعا بِلَفْظ وَاحِد ... لي فِي هَوَاهُ بمعنيين موجه) قلت يُقَال تفكهت بالشَّيْء أَي تمتعت بِهِ وتفكهت أَي تعجبت وَيُقَال تندمت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فظلتم تفكهون﴾ فَهُوَ فِي تفكه أَي تمتّع بالمحاسن وَفِي تعجب من حَاله وتندم عَلَيْهَا ثمَّ قَالَ (أَنا عبد من شهد الزَّمَان بعجزه ... عَن أَن يَجِيء لَهُ بند مشبه) (عبد لعز الدّين ذِي الشّرف الَّذِي ... ذل الْمُلُوك لعزه فرخشه)

стр. 1032

(طابت موارده فغص فناؤه ... وشدا الحداة بِذكرِهِ فِي المهمه) (يفديك كل مملك متتايه ... أبدا بألسنة الرعاع ممده) (لَا يفقه النَّجْوَى إِذا حدثته ... وَإِذا بدا بحَديثه لم يفقه) قلت وَذكر الْعِمَاد فِي ديوانه أبياتا حَسَنَة فِي مدح الشَّيْخ تَاج الدّين أبي الْيمن رحمهمَا الله (تَذَاكر من وراد مصر عِصَابَة ... حَدِيث فَتى طَابَ الندي بِذكرِهِ) (وَقَالُوا رَأينَا فَاضلا ذَا نباهة ... أديبا يفوق الفاضلين بفخره) (يدين حبيب والوليد لنظمه ... وَيَحْمَدهُ عبد الحميد لنثره) (وَلَو عَاشَ قس فِي زمَان بَيَانه ... لَكَانَ مشيدا فِي الْبَيَان بشكره) (فضائله كَالشَّمْسِ نورا وَلم تزل ... مناقبه فِي الدَّهْر أعداد زهره) (بَيَان هُوَ السحر الْحَلَال وإننا ... نرى معجزا من فَضله حل سحره) (ذَوُو الْفضل هم عِنْد الْحَقِيقَة أبحر ... وَلَكنهُمْ أضحوا جداول بحره)

стр. 1033

(يضوع مهب الْحَمد من عرف عرفه ... وتأرج أرجاء الرَّجَاء بنشره) (فَقلت لَهُم هَذَا الَّذِي تصفونه ... أَبُو الْيمن تَاج الدّين أوحد عصره) قلت وَبَلغنِي أَن أول معرفَة فرخشاه بِهِ أَنه كَانَ فِي مجْلِس القَاضِي الْفَاضِل بِالْقَاهِرَةِ فجَاء فرخشاه إِلَى الْفَاضِل فَجرى ذكر بَيت من شعر أبي الطّيب المتنبي فَتكلم فِيهِ تَاج الدّين بِمَا يَلِيق بِهِ فأعجب فرخشاه وَسَأَلَ القَاضِي الْفَاضِل عَنهُ فَقَالَ هَذَا فلَان وعرفه بفضله فَلَمَّا قَامَ فرخشاه من مجْلِس الْفَاضِل أَخذ بيد الشَّيْخ تَاج الدّين وَخرج بِهِ وَلَزِمَه إِلَى أَن توفّي ﵏ أَجْمَعِينَ فصل فِي أَخذ السالكين الْبَحْر لقصد الْحجاز قَالَ الْعِمَاد وَفِي شَوَّال سنة ثَمَان وَسبعين كَانَت نصْرَة الأسطول المتوجه إِلَى بَحر القلزم والمقدم فِيهِ الْحَاجِب حسام الدّين لُؤْلُؤ

стр. 1034

لطلب الفرنج السالكين بَحر الْحجاز وَذَلِكَ أَن الإبرنس صَاحب الكرك لما صَعب عَلَيْهِ مَا توالى عَلَيْهِ من نكاية أَصْحَابنَا المقيمين بقلعة أَيْلَة وَهِي فِي وسط الْبَحْر لَا سَبِيل عَلَيْهَا لأهل الْكفْر أفكر فِي أَسبَاب احتياله وَفتح أَبْوَاب اغتياله فَبنى سفنا وَنقل أخشابها على الْجمال إِلَى السَّاحِل ثمَّ ركب المراكب وشحنها بِالرِّجَالِ وآلات الْقِتَال ووقف مِنْهَا مركبين على جَزِيرَة القلعة فَمنع أَهلهَا من استقاء المَاء وَمضى الْبَاقُونَ فِي مراكب نَحْو عيذاب فَقطعُوا طَرِيق التُّجَّار وشرعوا فِي الْقَتْل والنهب والإسار ثمَّ توجهوا إِلَى أَرض الْحجاز فَتعذر على النَّاس وَجه الِاحْتِرَاز فَعظم الْبلَاء وأعضل الدَّاء وأشرف أهل الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة مِنْهُم على خطر وَوصل الْخَبَر إِلَى مصر وَبهَا الْعَادِل أَخُو السُّلْطَان فَأمر الْحَاجِب حسام الدّين لُؤْلُؤ فعمر فِي بَحر القلزم مراكب بِالرِّجَالِ البحرية ذَوي التجربة من أهل النخوة للدّين وَالْحمية وَسَار إِلَى أَيْلَة فظفر بالمركب الفرنجي عِنْدهَا فخرق السَّفِينَة وَأخذ جندها ثمَّ عدى إِلَى عيذاب وَشَاهد بِأَهْلِهَا الْعَذَاب وَدلّ على مراكب الْعَدو فتبعها فَوَقع بهَا بعد أَيَّام فأوقع بهَا وواقعها وَأطلق المأسورين من التُّجَّار ورد عَلَيْهِم كل مَا أَخذ لَهُم ثمَّ صعد إِلَى الْبر فَوجدَ أعرابا قد نزلُوا مِنْهُ شعابا فَركب خيلهم وَرَاء الهاربين وَكَانُوا فِي أَرض تِلْكَ الطّرق ضاربين فحصرهم فِي شعب لَا مَاء فِيهِ فأسرهم بأسرهم وَكَانَ ذَلِك فِي أشهر الْحَج فساق مِنْهُم أسيرين إِلَى منى

стр. 1035

كَمَا يساق الْهَدْي وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة وَمَعَهُ الْأُسَارَى فَكتب السُّلْطَان إِلَيْهِ بِضَرْب رقابهم وَقطع أسبابهم بِحَيْثُ لَا تبقى مِنْهُم عين تطرف وَلَا أحد يخبر طَرِيق ذَلِك الْبَحْر أَو يعرف قلت وَلأبي الْحسن بن الذروي فِي الْحَاجِب لُؤْلُؤ بِسَبَب هَذِه الْوَقْعَة أشعار مِنْهَا (مر يَوْم من الزَّمَان عَجِيب ... كَاد يُبْدِي فِيهِ السرُور الجماد) (إِذا أَتَى الْحَاجِب الْأَجَل بأسرى ... قرنتهم فِي طيها الأصفاد) (بِجَمَال كأنهن جبال ... وعلوج كَأَنَّهُمْ أطواد) (قلت بعد التَّكْبِير لما تبدى ... هَكَذَا هَكَذَا يكون الْجِهَاد) (حبذا لُؤْلُؤ يصيد الأعادي ... وسواه من اللآلي يصاد) وَمِنْهَا (قلت وَقد سَافَرت يَا من غَدا ... جهاده يعضد من حجه) (إِذْ قيل سَار الْحَاجِب المرتجى ... فِي الْبَحْر يَا رب السما نجه)

стр. 1036

(الْبَحْر لَا يعدو على لُؤْلُؤ ... لِأَنَّهُ كَون من لجه) وَمِنْهَا (يَا حَاجِب الْمجد الَّذِي مَاله ... لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الندى حجبه) (وَمن دَعوه لؤلؤا عِنْدَمَا ... صحت من الْبَحْر لَهُ نسبه) (لله مَا تعْمل من صَالح ... فِيهِ وَمَا تظهر من حَسبه) (كفيت أهل الْحَرَمَيْنِ العدى ... وذدت عَن أَحْمد والكعبة) وَمِنْهَا (لَئِن كنت من ذَا الْبَحْر يَا لُؤْلُؤ الْعلَا ... نتجت فَإِن الْجُود فِيك وَفِيه) (وَإِن لم تكن مِنْهُ لأجل مذاقه ... فَإنَّك من بَحر السماح أَخِيه) وَمِنْهَا (إِنَّمَا أَنْت لُؤْلُؤ للمعالي ... جَاءَ من أبحر السماح الْعَذَاب) وَكتب السُّلْطَان إِلَى الْعَادِل من كَلَام الْفَاضِل وصل كِتَابه المؤرخ بخامس ذِي الْقعدَة المسفر عَن المسفر من الْأَخْبَار المتبسم عَن المتبسم من الْآثَار وَهِي نعْمَة تَضَمَّنت نعما ونصرة جعلت الْحرم حرما وكفاية مَا كَانَ الله ليؤخر معْجزَة نبيه ﷺ بتأخيرها وعجيبة من عجائب الْبَحْر الَّتِي تحدث عَن تسييرها وتسخيرها وَمَا كَانَ الْحَاجِب لُؤْلُؤ فِيهَا إِلَّا سَهْما أصَاب وَحمد مسدده وسيفا قطع وشكر مجرده ورسولا عَلَيْهِ الْبَلَاغ وَإِن لم يجهل مَا أثرته يَده وَقد غبطناه بِأَجْر جهاده ونجح اجْتِهَاده ركب السَّبِيلَيْنِ برا

стр. 1037

وبحرا وامتطى السَّابِقين مركبا وظهرا وخطا فأوسع الخطو وغزا فأنجح الْغَزْو وحبذا الْعَنَان الَّذِي فِي هَذِه الْغَزْوَة أطلق وَالْمَال الَّذِي فِي هَذِه الكرة أنْفق وَهَؤُلَاء الْأُسَارَى فقد ظَهَرُوا على عَورَة الْإِسْلَام وكشفوها وتطرقوا بِلَاد الْقبْلَة وتطوفوها وَلَو جرى فِي ذَلِك سَبَب وَالْعِيَاذ بِاللَّه لضاقت الْأَعْذَار إِلَى الله والخلق وَانْطَلَقت الألسن بالمذمة فِي الغرب والشرق وَلَا بُد من تَطْهِير الأَرْض من أرجاسهم والهواء من أنفاسهم بِحَيْثُ لَا يعود مِنْهُم مخبر يدل الْكفَّار على عورات الْمُسلمين وَإِن هَذَا الْعدَد الْقَلِيل قد نَالَ ذَلِك المنال الْجَلِيل وَهَذَا مقَام إِن روعي فِيهِ حراسة الظَّاهِر وَالْوَفَاء للْكَافِرِ حدث الفتق الَّذِي لَا يُمكن فِي كل الْأَوْقَات سَده ورتقه ولدغ الْمُؤمن مرَّتَيْنِ وَالْأولَى تَكْفِي لمن لَهُ فِي النّظر تفقه وَفِي كتاب آخر إِلَى الْعَادِل أَيْضا وَنحن نهنئ الْمجْلس السَّامِي بظفره وَلم لَا نكمله وبنصره وَلم لَا نشكره شكرا نعجله وَلَيْسَ فِي قتل هَؤُلَاءِ الْكفَّار مُرَاجعَة وللشرع فِي إبقائهم فسحة وَلَا فِي اسْتِبْقَاء وَاحِد مِنْهُم مصلحَة وَلَا فِي التغاضي عَنْهُم عِنْد الله عذر مَقْبُول وَلَا حكم الله فِي أمثالهم عِنْد أهل الْعلم بمشكل وَلَا مَجْهُول فليمض الْعَزْم فِي قَتلهمْ ليتناهى أمثالهم عَن فعلهم وَقد كَانَت عَظِيمَة مَا طرق الْإِسْلَام بِمِثْلِهَا وَقد أَتَى الله بعْدهَا بلطيفة أجراها على يَد من رَآهُ من أَهلهَا وَفِي كتاب آخر إِلَى الْعَادِل وَقد تكَرر القَوْل فِي معنى أُسَارَى بَحر الْحجاز فَلَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا وَلَا توردهم بعد

стр. 1038

مَاء الْبَحْر إِلَّا نَارا فأقلهم إِذا بَقِي جنى الْأَمر الأصعب وَمَتى لم تعجل الرَّاحَة مِنْهُم وعدت الْعَاقِبَة بالأشق الأتعب وَمن كتاب آخر إِلَى بَغْدَاد وسارت المراكب الإسلامية طالبة شَوْكَة المراكب الحربية المتعرضة للمراكب الحجازية واليمنية وَكَانَت مراكب الْعَدو قد أوغلت فِي الْبَحْر ودلها على عورات الساحلين من الْعَرَب من أشبه ركابهَا فِي الْكفْر فوصلت إِلَى عيذاب فَلم تنَلْ مِنْهَا مرَادا غير أَن مَا وجدته فِي طريقها أَو فِي فرضة عيذاب نَالَتْ مِنْهُ وشعثت وأفسدت فِيهِ وعتت وتمادت فِي السَّاحِل الْحِجَازِي إِلَى رابغ إِلَى سواحل الْحَوْرَاء وَهُنَاكَ وَقع عَلَيْهَا أَصْحَابنَا وأوقعوا بهَا أَشد إِيقَاع وَأخذُوا المراكب الفرنجية على حكم البدار والإسراع وفر فرنجها إِلَى السَّاحِل فَركب أَصْحَابنَا وَرَاءَهُمْ خُيُول العربان الَّتِي وجدوها وَأخذُوا الْكفَّار من شعاب وجبال اعتصموا بهَا وقصدوها وكفي الْمُسلمُونَ أَشد فَسَاد فِي أَرضهم وأقطع قَاطع لفرضهم وانبسطت أمالهم بقبضهم وعميت على الْكفَّار هَذِه الطَّرِيق الَّتِي لَو كشف لَهُم غطاؤها قدما وَلَو أحاطوا بهَا علما لاشتطت نكايتهم واشتدت جنايتهم وَعز على قدماء مُلُوك مصر أَن يصرعوا هَذِه الأقران ويطفؤوا هَذِه النيرَان ويركبوا غوارب اللجج

стр. 1039

ويرخصوا غوالي المهج ويقتنصوا هَذَا الطَّائِر من جوه الَّذِي لَا يُدْرِكهُ لوحه ويدركوا هَذَا الْعَدو الَّذِي لَا يدْرك إِلَّا أَن ينجد عَلَيْهِ مَلَائِكَة الله وروحه وَفِي كتاب آخر إِلَى بَغْدَاد كَانَ الفرنج قد ركبُوا من الْأَمر نكرا وافتضوا من الْبَحْر بكرا وعمروا مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد وضربوا بهَا سواحل الْيمن والحجاز وأثختوا وأوغلوا فِي الْبِلَاد واشتدت مَخَافَة أهل تِلْكَ الجوانب بل أهل الْقبْلَة لما أومض إِلَيْهِم من خلل العواقب وَمَا ظن الْمُسلمُونَ إِلَّا أَنَّهَا السَّاعَة وَقد نشر مطوي أشراطها وَالدُّنْيَا قد طوي منشور بساطها وانتظر غضب الله لفناء بَيته الْمحرم ومقام خَلِيله الأكرم وتراث أنبيائه الأقدم وضريح نبيه الْأَعْظَم ﷺ ورجوا أَن تشحذ البصائر آيَة كآية هَذَا الْبَيْت إِذْ قَصده أَصْحَاب الْفِيل ووكلوا إِلَى الله الْأَمر وَكَانَ حسبهم وَنعم الْوَكِيل وَكَانَ للفرنج مقصدان أَحدهمَا قلعة أَيْلَة الَّتِي هِيَ على فوهة بَحر الْحجاز ومداخله وَالْآخر الْخَوْض فِي هَذَا الْبَحْر الَّذِي تجاوره بِلَادهمْ من ساحله وانقسموا فريقين وسلكوا طَرِيقين فَأَما الْفَرِيق الَّذِي قصد قلعة أَيْلَة فَإِنَّهُ قدر أَن يمْنَع أَهلهَا من مورد المَاء الَّذِي بِهِ قوام الْحَيَاة ويقاتلهم بِنَار الْعَطش المشبوب الشباة وَأما الْفَرِيق القاصد سواحل الْحجاز واليمن فَقدر أَن يمْنَع طَرِيق الْحَاج عَن حجه ويحول بَينه وَبَين فجه وَيَأْخُذ تجار الْيمن وأكارم عدن ويلم بسواحل الْحجاز فيستبيح وَالْعِيَاذ بِاللَّه

стр. 1040

الْمَحَارِم ويهيج جَزِيرَة الْعَرَب بعظيمة دونهَا العظائم وَكَانَ الْأَخ سيف الدّين بِمصْر قد عمر مراكب وفرقها على الْفَرِيقَيْنِ وأمرها بِأَن تطوي وَرَاءَهُمْ الشقتَيْنِ فَأَما السائرة إِلَى قلعة أَيْلَة فَإِنَّهَا انْقَضتْ على مرابطي المَاء انقضاض الْجَوَارِح على بَنَات المَاء وقذفتها قذف شهب السَّمَاء مسترقي سمع الظلماء فَأخذت مراكب الْعَدو برمتها وَقتلت أَكثر مقاتلتها إِلَّا من تعلق بهضبة وَمَا كَاد أَو دخل فِي شعب وَمَا عَاد فَإِن العربان اقتصوا آثَارهم والتزموا إحضارهم فَلم ينج مِنْهُم إِلَّا من ينْهَى عَن المعاودة وَمن قد علم أَن أَمر السَّاعَة وَاحِدَة وَأما السائرة إِلَى بَحر الْحجاز فتمادت فِي السَّاحِل الْحِجَازِي إِلَى رابغ إِلَى سواحل الْحَوْرَاء فَأخذت تجارًا وأخافت رفاقا ودلها على عورات الْبِلَاد من الْأَعْرَاب من هُوَ أَشد كفرا ونفاقا وَهُنَاكَ وَقع عَلَيْهَا أَصْحَابنَا وَأخذت المراكب بأسرها وفر فرنجها بعد إِسْلَام المراكب وسلكوا فِي الْجبَال مهاوي المهالك ومعاطن المعاطب وَركب أَصْحَابنَا وَرَاءَهُمْ خيل الْعَرَب يشلونهم شلا ويقتنصونهم أسرا وقتلا وَمَا زَالُوا يتبعونهم خَمْسَة أَيَّام خيلا ورجلا وَنَهَارًا وليلا حَتَّى لم يتْركُوا عَنْهُم مخبرا وَلم يبقوا لَهُم أثرا ﴿وسيق الَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم زمرا﴾ وَقيد

стр. 1041

مِنْهُم إِلَى مصر مئة وَسَبْعُونَ أسرا وَمن كتاب آخر وَمن جملَة البشائر الْوَاصِلَة من مصر عود الأسطول مرّة ثَانِيَة كاسرا كاسبا غانما غَالِبا بعد نكايته فِي أهل الجزائر وإخراب مَا وجده فِيهَا من الْأَعْمَال والعمائر وَمن جملَة مَا ظفر بِهِ فِي طَرِيقه بطسة من مراكب الفرنج تحمل أخشابا منجورة إِلَى عكا وَمَعَهَا نجارون ليبنوا مِنْهَا شواني فَأسر النجارون وَمن مَعَهم وهم نَيف وَسَبْعُونَ وَأما الأخشاب فقد انْتفع بهَا المجاهدون وكفي شَرها الْمُؤْمِنُونَ وللخادم فِي الْمغرب عَسْكَر قد بلغت أقْصَى أفريقية فتوحه وعاود بِهِ شخص الدّين فِي تِلْكَ الْبِلَاد روحه فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة ثَمَان وَسبعين أنعم السُّلْطَان على نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بأعمال الْهَيْثَم وَكَانَت جَارِيَة فِي عمل الْموصل فَلَمَّا تسلمها جعلهَا من نصِيبه وَقد كَانَ الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ حِين توجه إِلَى الْموصل فِي أَوَائِل سنة سِتّ وَسِتِّينَ عِنْد وَفَاة أَخِيه مودود وعد ابْن قَرَأَ أرسلان بقلعة الْهَيْثَم ثمَّ

стр. 1042

سلمهَا إِلَيْهِ دون أَعمالهَا تَحِلَّة ليمينه ووفاء بوعده الْكَرِيم وَدينه وَلما جَاءَ لمساعدتنا فِي هَذَا الْعَام خصّه السُّلْطَان عَاجلا بِهَذَا الإنعام ثمَّ وهب لَهُ قلعة الجديدة وَهِي قريبَة من نَصِيبين ووعده بِفَتْح آمد لَهُ فوفى بوعده كَمَا سَيَأْتِي قَالَ وَكَانَ شاه أرمن صَاحب خلاط ظهير الدّين سكمان وَهُوَ خَال صَاحب ماردين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش وَصَاحب ماردين هَذَا هُوَ ابْن خَال صَاحب الْموصل عز الدّين مَسْعُود بن مودود بن زنكي فنفذ شاه أرمن يشفع إِلَى السُّلْطَان فِي الْموصل وسنجار وَهُوَ على سنجار وَأرْسل إِلَيْهِ سيف الدّين بكتمر وَهُوَ من أعز أَصْحَابه عَلَيْهِ فَلم يسمع السُّلْطَان شَفَاعَته فَاجْتمع هُوَ وَصَاحب ماردين وَصَاحب الْموصل وَصَاحب أرزن وبدليس وَغَيرهم من عَسْكَر حلب وجمعوا جموعا وعزموا على لِقَاء السُّلْطَان ونزلوا ضَيْعَة من أَعمال ماردين يُقَال لَهَا حرزم فَجمع السُّلْطَان عساكره وجاءه تَقِيّ الدّين من حماة إِلَى حران فِي خمس لَيَال فَسَارُوا إِلَيْهِم بعد الْعِيد الْأَكْبَر فَلَمَّا وصل السُّلْطَان رَأس عين وسمعوا بمجيئه تفَرقُوا وافترقوا وَعَاد الخلاطي إِلَى خلاطه

стр. 1043

باختلاطه وَرجع الْموصِلِي إِلَى موصله لمواصلة احتياطه واعتصم الماردي بحصنه المارد وهتكوا حرز حرزم للصادر والوارد وهاب عَسْكَر حلب الْعود إِلَيْهَا وَنحن على طَرِيقه فآذن جمعه بتفريقه وَمضى معظمهم إِلَى الْموصل فَعبر الْفُرَات عِنْد عانة وَلم يَجدوا إِعَانَة ونسفتهم ريحنا وهم جبال وذهبوا بقلوب النِّسَاء وَقد جاؤوا وهم رجال ثمَّ نزل السُّلْطَان منزلَة الْقَوْم بحرزم وفيهَا قصر لصَاحب ماردين كَانَ يتنزه فِيهِ فَأَقَامَ فِيهِ تَاج الْمُلُوك أَخُو السُّلْطَان قَالَ ابْن أَبى طي وَفِي هَذِه السّنة نزل قراقوش على بلد زالوت وقاتله إِلَى أَن ملكه وَانْهَزَمَ مِنْهُ أَهله وَدخل الْمَدِينَة ليقضي بهَا أَيَّام الشتَاء فَأصْبح يَوْمًا فَإِذا حول الْمَدِينَة عَسْكَر مِقْدَاره خَمْسَة آلَاف رجل فَقَامَ وافتقد أَصْحَابه فَلم يجد إِلَّا جمَاعَة من البوابين والركابدارية وَبَاقِي النَّاس سكارى وَرَأى أحد البوقيه فَأمره أَن يضْرب بالبوق وَفتح الْبَاب وَخرج فَظن الْعَسْكَر أَن قراقوش وَعَسْكَره قد شعروا بهم فَانْهَزَمُوا قَالَ ثمَّ إِنَّه قصد طرابلس فحاصرها وضيق عَلَيْهَا وَكَانَ شيخها عبد الْمجِيد بن مطروح قد راسل قراقوش وَطلب مِنْهُ الْأمان وَسَأَلَهُ أَن ينفذ إِلَيْهِ قوما يُقرر مَعَهم أَمر التَّسْلِيم فأنفذ إِلَيْهِ وزيره وَثَلَاثَة من وُجُوه أَصْحَابه فَأَخذهُم عبد الْمجِيد وأنزلهم فِي دَار أخلاها لَهُم وَأمر لَهُم بِجَمِيعِ مَا

стр. 1044

يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَلَمَّا خلا لَهُم اللَّيْل أخذُوا المخاد وتصافعوا بهَا حَتَّى قطعوها وَقَامَ بَعضهم إِلَى صهريج مَمْلُوء مَاء للشُّرْب فأحدث فِيهِ فَأخْبرت الرقباء عبد الْمجِيد بِمَا كَانَ مِنْهُم فأحضر وُجُوه الْبَلَد وقص عَلَيْهِم مَا كَانَ مِنْهُم وَقَالَ إِذا كَانَ هَؤُلَاءِ خيارهم فَمَا ظنكم بشرارهم وَكَانَ أهل الْبَلَد قد أشاروا على عبد الْمجِيد بِتَسْلِيم الْبَلَد فامتنعوا حِينَئِذٍ وَحضر ابْن مطروح من الْغَد إِلَيْهِم إِلَى الدَّار وَمَعَهُ وُجُوه الْبَلَد فَقَالَ لصَاحب ضيافته لم أحضرت لهَؤُلَاء السَّادة مخاد مقطعَة فَقَالَ مَا أحضرت لَهُم إِلَّا مخاد جددا وَلَكِن الْقَوْم أكلُوا طَعَام الصُّوفِيَّة الَّذِي لَا نعرفه فِي بِلَادنَا فاستحيا الْقَوْم وَعَلمُوا أَنهم قد فطنوا بحالهم وَنزل رجل إِلَى الصهريج فَرَأى الْعذرَة على وَجه المَاء فَقَالَ من فعل هَذَا فَلم يرد وَاحِد مِنْهُم جَوَابا فَقَالَ ابْن مطروح يَا قوم مَا أدخلناكم إِلَيْنَا إِلَّا عازمين على تَسْلِيم الْبَلَد إِلَيْكُم وَأَن نَكُون لكم رعايا وَقد شاهدنا مِنْكُم أفعالا مَا نرضاها فَإِن قُلْتُمْ إِن هَذِه الفعلة من غلماننا وعبيدنا فَمَا أقبح هَذِه الأحدوثة عَن خِيَار أَصْحَاب هَذَا الرجل وَإِن كَانَ عِنْده من هُوَ خير مِنْكُم فَلم بعثكم إِلَيْنَا هَذَا طعن فِي عقله ثمَّ أَمر بإخراجهم فأخرجوا من الْمَدِينَة فَلَمَّا صَارُوا إِلَى قراقوش وَعلم الْقِصَّة عظم عَلَيْهِ الْأَمر وَأَرَادَ الفتك بهم وَعلم أَنهم قد فتقوا عَلَيْهِ فتقا لَا يُمكنهُ رتقه أبدا وتيقن أَنه لَا يملك الْبَلَد أبدا وأنفذ عبد الْمجِيد إِلَى قراقوش إِنَّك لست بِقَادِر على أَخذ هَذَا الْبَلَد لأجل مَا نفر بِهِ أَصْحَابك قُلُوب أَهله فَإِن رَأَيْت أَن نجْعَل

стр. 1045

لَك جعَالَة نحملها إِلَيْك فِي كل سنة وترحل عَنَّا فعلنَا فَأجَاب إِلَى ذَلِك ورحل عَنْهُم بعد أَن احتوى عَلَيْهِم قَالَ وتوافت إِلَيْهِ الفرسان من مصر حَتَّى صَار فِي ثَمَانِي مئة فَارس من الأتراك وَسَار من جبل نفوسة إِلَى قابس فِي يَوْمَيْنِ ثمَّ إِلَى قصر الرّوم وَغَيره من الْمَوَاضِع والقلاع فهجم وَنهب وغنم وَغلب وخافه أهل تِلْكَ النواحي فصل فِي فتح آمد قَالَ الْعِمَاد ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى آمد وَنزل عَلَيْهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر ذِي الْحجَّة بعد أَن اسْتَأْذن الْخَلِيفَة فِي ذَلِك فَأذن لَهُ فنصب السُّلْطَان عَلَيْهَا المجانيق وضايقهم وَطَالَ حصارهم ثمَّ أَخذهَا فِي السّنة الْآتِيَة كَمَا سَيَأْتِي ثمَّ دخلت سنة تسع وَسبعين وَخمْس مئة قَالَ ابْن أبي طي وَالسُّلْطَان منَازِل لآمد وَاشْتَدَّ قتال الْعَامَّة بهَا فَأمر السُّلْطَان بكتب رقاع فِيهَا إبراق وإرعاد ووعد وإيعاد إِن داموا على الْقِتَال ليستأصلن شأفتهم وَإِن اعتزلوا وسلموا الْبَلَد ليحسنن إِلَيْهِم وليضعن مَا عَلَيْهِم من الكلف والضرائب وَأمر أَن تعلق تِلْكَ الرّقاع على السِّهَام

стр. 1046

وترمى إِلَى آمد فَرمي من ذَلِك شَيْء كثير فكفوا عَن الْقِتَال وأشاروا على أبن نيسان بِطَلَب الْأمان فأومن على أَن يخرج بِجَمِيعِ أَمْوَاله دون الذَّخَائِر وَالسِّلَاح وأمهل ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا عول على نقل أَمْوَاله قعد بِهِ أَصْحَابه فَأرْسل إِلَى السُّلْطَان فأنفذ إِلَيْهِ غلمانا ودواب وَضربت لَهُ خيمة بِظَاهِر آمد وَجعل ينْقل مَا يقدر على نَقله من المَال والقماش وآلات الذَّهَب وَالْفِضَّة مُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام بعالم عَظِيم كَانُوا يزِيدُونَ على ثَلَاث مئة إِنْسَان وَلم ينْقل عشر مَا كَانَ لَهُ وسرق من أَمْوَاله أَكثر مِمَّا حصل لَهُ لِأَنَّهُ مَا أخرج أحد شَيْئا إِلَّا وَأخذ نصفه أَو أَكثر وَكَانَ ابْن نيسان قد حصل فِي آمد أَشْيَاء كَثِيرَة لَا يُمكن وصفهَا من الأسلحة وَالْأَمْوَال والغلال والكتب وَلما انْقَضى الْأَجَل أَخذ مَا حصل وَسَار قَاصِدا بِلَاد الرّوم وتسلم السُّلْطَان مَدِينَة آمد بأموالها وذخائرها وَنصب أَعْلَامه على سورها وَذَلِكَ فِي رَابِع عشر محرم وَوجد فِيهَا من الغلال وَالسِّلَاح وآلات الْحصار من المناجيق واللعب والعرادات أَشْيَاء كَثِيرَة لَا يُمكن أَن تُوجد فِي يلد مثلهَا وَوجد فِيهَا برج من أبراجها فِيهِ مئة ألف شمعة وبرج مَمْلُوء نصول النشاب وَأَشْيَاء يطول شرحها وَكَانَ فِيهَا خزانَة كتب كَانَ فِيهَا ألف ألف وَأَرْبَعُونَ ألف كتاب فوهب السُّلْطَان الْكتب للْقَاضِي الْفَاضِل فانتخب مِنْهَا حمل سبعين جمازة وَيُقَال إِن ابْن قرا أرسلان بَاعَ من ذخائر آمد وخزائنها مِمَّا لَا حَاجَة لَهُ بِهِ مُدَّة سبع سِنِين حَتَّى

стр. 1047

امْتَلَأت الأَرْض من ذخائرها وَكَانَ السُّلْطَان لما تسلم آمد وَهبهَا لنُور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بِمَا فِيهَا وَكتب لَهُ بهَا وبأعمالها توقيعا ووفى لَهُ بِمَا وعده بِهِ وَقيل للسُّلْطَان إِنَّك وعدته بآمد وَمَا وعدته بِمَا فِيهَا من الْأَمْوَال والذخائر وفيهَا من الذَّخَائِر مَا يُسَاوِي ثَلَاثَة آلَاف ألف دِينَار فَقَالَ لَا أضن عَلَيْهِ بِمَا فِيهَا من الْأَمْوَال فَإِنَّهُ قد صَار من أتباعنا وأصحابنا قَالَ وَفِي فتح آمد يَقُول سعيد الْحلَبِي من قصيدة فِي السُّلْطَان (رمى آمدا بالصافنات فأذعنت ... لَهُ طَاعَة آكامها ووعورها) (فَمَا عز ناديها وَلَا اعتاص ثغرها ... وَلَا جاش طاميها وَلَا رد سورها) (وأنزلت بالكره ابْن نيسان محرجا ... كَمَا أنزل الزباء كرها قصيرها) (نهدت لَهَا حَتَّى إِذا انْقَادَ صعبها ... وقر على طول الشماس نفورها) (سمحت بهَا جودا لمن ظلّ بُرْهَة ... يغاورها طورا وطورا يغيرها) (وملكت مَا ملكت مِنْهَا تخولا ... وَكَانَ قَلِيلا فِي نداك كثيرها) (وَإِن بلادا تجتديك مُلُوكهَا ... لأجدر أَن يَرْجُو نداك فقيرها) وَقَالَ ابْن سَعْدَان الْحلَبِي يذكر فتح آمد يَقُول

стр. 1048

(فيا سَاكِني الرعناء من سفح آمد ... أرى عارضا ينهل بِالْمَوْتِ هاطله) (لَئِن غضِبت يَوْمًا عَلَيْكُم عروشها ... فَهَذَا ابْن أَيُّوب وهذي معاقله) (وَلَو رامها يَوْمًا سواهُ لَقطعت ... أباهره من دونهَا وأباجله) قلت وَقَالَ آخر (لَو عرفت آمد من جاءها ... يخْطب فِي الْإِسْلَام تَسْلِيمهَا) (لصيرت أَعلَى شراريفها ... لمن على الأَرْض سلاليمها) قَالَ الْعِمَاد وَأما آمد فَحصل فتحهَا يَوْم الْأَحَد فِي الْعشْر الأول من الْمحرم وَكَانَ مُدبر آمد ابْن نيسان فَهُوَ رئيسها والقائم بأمرها وَكَانَ لآمد أَمِير قديم يُقَال لَهُ إيكلدي من أَيَّام السلاطين القدماء وَولده مَحْمُود شيخ كَبِير عِنْده يطعمهُ ويسقيه وَيَدعِي أَنه من غلمانه ومصطنعيه وَأَنه يحفظ الْبَلَد لَهُ وَأَنه لَا يغدر بِهِ وَلَا يُؤثر بدله وَإِذا جَاءَ رَسُول يحضرهُ عِنْد أميره ويسند مَا يدبره إِلَى تَدْبيره وَيَقُول إِنَّه غُلَام وَمَا مَعَه كَلَام وحافظ على سر هَذِه السريرة وَأمن باحتياطه من جور الجيرة بل مَا مِنْهُم إِلَّا من يخَاف مكره ويحفظ مِنْهُ وَكره وينكر عرفه وَيعرف نكره وَلم يزل الْحصار عَلَيْهِم إِلَى أَن أذعنوا للانقياد وَخرجت نِسَاؤُهُم سحرًا إِلَى المخيم الفاضلي يطلبن الْأمان فَأَمنَهُمْ السُّلْطَان على أَنهم

стр. 1049

يخرجُون بعد ثَلَاث ويحملون مَا قدرُوا عَلَيْهِ من المَال والأثاث وَأَعَانَهُمْ السُّلْطَان على نقل الْأَمْوَال بالدواب وَالرِّجَال فَلَمَّا انْقَضتْ مُدَّة الْأمان تسلمها السُّلْطَان وَسلمهَا إِلَى نور الدّين بن قرا أرسلان وأعمالها وَمَا فِيهَا وَكَانَ السُّلْطَان وعده بهَا قبل ذَلِك فأنجز لَهُ الْوَعْد وَقد كَانَ أَبوهُ عاناها مُدَّة وتمناها فَمَا قدر عَلَيْهَا ثمَّ وصف الْعِمَاد مَا كَانَ فِي قلعة آمد من الذَّخَائِر وَالْأَمْوَال والحواصل والأمتعة وَأَن أَصْحَابهَا لم يقدروا فِي تِلْكَ الْأَيَّام الثَّلَاثَة إِلَّا على تَحْويل مَا خف مِنْهَا وَاسْتغْنى المساعدون لَهُم فِي تحويلها إِلَيْهِم وَكتب الْفَاضِل عَن السُّلْطَان إِلَى الدِّيوَان بِبَغْدَاد ورد إِلَى الْخَادِم التَّقْلِيد الشريف بِولَايَة آمد فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقرًّا عِنْده قَالَ هَذَا مفتاحها وَسمع الْوَصَايَا فاستضاء بهَا فِي ظلمات الْقَصْد وَقَالَ هَذَا مصباحها وتناوله فَمَا ظَنّه إِلَّا كتابا أنزل عَلَيْهِ من السَّمَاء فِي قرطاس وَمَا تيقنه إِلَّا نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس فَسَار بِهِ وَلَوْلَا الْعَادة مَا استصحب جنديا وعول عَلَيْهِ وَلَوْلَا الزِّينَة مَا تقلد هنديا وطرق بَابه بإقليده ولولاه مَا اسطاع الْأَوْلِيَاء أَن يظهروه وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نقبا وناشد الْمُقِيم بتقليده ثَلَاثَة أَيَّام بِثَلَاث رسائل فَلَو كَانَ ذَا سمع أصغى وَلَو كَانَ ذَا لب لبّى فَلَمَّا انْقَضتْ ضِيَافَة أَيَّام النذارة واحتقر من بآمد نَار الْحَرْب جَاهِلا أَن وقودها النَّاس

стр. 1050

وَالْحِجَارَة عمد لَهَا فِي الْيَوْم الرَّابِع فزلزل عمدها وقاتلها فأزال جلدهَا وزيل جلمدها ثمَّ رأى أَن الشَّوْكَة رُبمَا أَصَابَت غير ذَات الشَّوْكَة من جندها وَأَن الْمُسلم قد آمنهُ الله من عَذَاب الْحَرِيق وَلَا يَأْمَن أَن تحرقه القسي من السِّهَام بشرار زندها فَعدل إِلَى منجنيقه الَّذِي أمل صَاحبهَا مِنْهُ منجى نيقه وَرَأى أَنه سَوط سطوته يضْرب الْحجر وَيضْرب عَن أَن يُبَاشر الْبشر وَتلك الأبرجة قد شمخت بأنفها ونأت بعطفها وتاهت على وامقها وغضت عين رامقها فَهِيَ فِي عِقَاب لوح الجو كالطائر إِلَّا أَن المنجنيق أغرى بهَا عقابيه وضغمها بمخلبيه وجثم أمامها يخاصمها وَقَامَ إِلَى الْغَيْر يحاكمها وَيضْرب بعصاه الْحجر فتنبجس من النقوب أعين لَا ترسل المَاء وَلَكِن تروي العطاش إِلَى منهل الْمَدِينَة وتنهل الظماء كَذَلِك أَيَّامًا حَتَّى محا من الشرفات شنب ثغرها وتناوبها كأس فتك تبين بهز أبراجها آثَار سكرها وعلت الْأَيْدِي الرامية لَهَا وغلت الْأَيْدِي المحامية عَنْهَا فَلم يبْق على سورها من يفتح جفنا وَشن المنجنيق عَلَيْهَا غارته إِلَى أَن صَارَت شنا وفضت صناديق الْحِجَارَة المقفلة وفصلت مِنْهَا أَعْضَاء السُّور الْمُتَّصِلَة وَوَجَب الْقِتَال لِئَلَّا يظنّ بالخادم أَلا جند لَهُ إِلَّا جندله فأوعز بالتقدم إِلَيْهَا وَدخُول النقابين فِيهَا فأثخنت جراحا بالنقوب وهتك الْحجاب من أضالع الْبَلَد فكاد يُوصل إِلَى مَا وَرَاءَهَا من الْقُلُوب وخشيت معرة الْجَيْش فِي

стр. 1051

وَقت هجمه وروسل صَاحبهَا بِأَنَّهُ كشف لَهُ الخذلان حَتَّى بصر على شكه بِعِلْمِهِ فَأَعَادَ الرَّسُول مستكنفا بحجب النجَاة بإرسال ذَوَات الْحجاب وإبرازهن ومستكفا ليد الْقَتْل بِمن لم يكن جَوَابه غير إحرازه وإحرازهن وَلم يُعَارض فِي نَفسه وَلَا فِي قومه وَلَا فِي أَمْوَاله وَهِي مَا هِيَ ذخائر موفرة ومكاسب من أرباح مخسرة كَانَت الْحُقُوق عَنْهَا مذودة والآمال دونهَا مطرودة وغض الْخَادِم كل عين عَن عينه وورقه وصانه فِي مخيمه من الْفقر صيانته فِي ذَات سوره وخندقه وَاسْتوْفى شَرط الْوَفَاء بِمَا أعطَاهُ من موثقه وَهَذِه آمد فَهِيَ مَدِينَة ذكرهَا بَين الْعَالم متعالم وطالما صادم جَانبهَا من تقادم فَرجع مقدوعا أَنفه وَإِن كَانَ فحلا وقرعها فريد الهمة واستصحب حفلا وَرَأى حجرها فَقدر أَنه لَا يفك لَهُ حجر وسوادها فَحسب أَنه لَا ينسخه فجر وحمية أنف أنفها فَاعْتقد أَنه لَا يستجيب لزجر من مُلُوك كلهم طوى صَدره على الغليل إِلَى موردها ووقف بهَا وقُوف الْمُحب الْمسَائِل فَلم يفز بِمَا أمل من جَوَاب معهدها ثمَّ ذكر تَسْلِيمهَا إِلَى ابْن قرا أرسلان ثمَّ قَالَ وَلما رأى صَاحب ميافارقين أَن أُخْت صاحبته قد ابتني بهَا خَافَ أَن يجمع لَهُ بَين الْأُخْتَيْنِ

стр. 1052

فراسل ببذل الْخدمَة الَّتِي يكون فِيهَا لنُور الدّين ثَانِي اثْنَيْنِ ثمَّ ذكر اجْتِمَاع المواصلة وشاه أرمن وَصَاحب ماردين وَصَاحب أرزن وبدليس وَغَيرهم على قصد الْخَادِم ونزلوا تَحت الْجَبَل فَلَمَّا صَحَّ عِنْدهم قَصده ظنُّوا أَنه وَاقع بهم فَأخذُوا أَعِنَّة الْفِرَار بِقُوَّة وَذكروا مَا فِي لِقَائِه من عوائد كَانَت عِنْدهم مخوفة وَعِنْده مرجوة وَسَار كل فريق على طَرِيق بنية عَدو وَفعل صديق وَالْخَادِم يَقُول مهما أَرَادَت فِيهِ الآراء الشَّرِيفَة أَتَاهُ وَمهما نَوَت فِيهِ من إِحْسَان قرب عَلَيْهِ مَا نَوَاه فَهَذِهِ آمد لما أرسل إِلَيْهِ مفتاحها وَهُوَ التَّقْلِيد فتحهَا وَهَذِه الْموصل لما تَأَخّر عَنهُ الْمِفْتَاح منعهَا وَمَا منحها وَلَو أعين بِهِ لعظمت على الْإِسْلَام عائدته وَظَهَرت فِي رفع مناره فَائِدَته لِأَن الْيَد كَانَت تكون بِهِ على عَدو الْحق وَاحِدَة والهمة لآلات النَّصْر واجدة فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يُمَيّز بَين أوليائه وَينظر أَيهمْ أبر بأوليائه وَأَشد على أعدائه وأقوم بِحقِّهِ وَحقّ آبَائِهِ وَأثبت رَأيا وروية فِي مَوَاقِف راياته ومجالس آرائه وَأعظم إقداما على ملحدين كلهم كَانَ ينازعه رِدَاء علائه وَكَانَ السَّابِق من وُلَاة الدولة العباسية قَاصِر السَّيْف عَن أَن نسيغ الغصة بمائه وأيهم أترك للْفراش الممهد وأهتك للطراف الممدد وأهجر فِي سَبِيل الله لراحه وأصبر فِي جِهَاد عَدو الله على مضض جراحه وأسلى عَن رَيْحَانَة فؤاد وَأكْثر ممارسة لحية وَاد فيختار لهَذِهِ الْأمة الَّتِي جعله الله لَهَا إِمَامًا وأميرا أسعد من أجْرى فِي طَاعَته ضامرا وملأ بولائه ضميرا فَمن عدله أَن يولي عَلَيْهَا الْعدْل الَّذِي يقر عينهَا وَمن فَضله أَن

стр. 1053

لَا ينسى الْفضل بَينهَا وَقد ورد ذَلِك المنشور بآمد فأورد الميسور بِأَن ورده المنشور الْمشَار إِلَيْهِ بالجزيرة وَمَا وسقت فَإِنَّهُ نور على نور وَمَا يحْسب الْخَادِم أَن كيدا لِلْعَدو الْكَافِر أكيد وَلَا جهدا لأهل الضلال أجهد وَلَا عَائِدَة بغيظ رُؤَسَاء أهل الْإِلْحَاد أَعُود من تفخيم أَمر الْخَادِم بمزيد الِاسْتِخْدَام وَإِلَّا فَلْينْظر هَل يشق على الْكفَّار مزِيد أحد سواهُ من وُلَاة الْإِسْلَام فَكل ذِي سُلْطَان هُوَ الطاعم الكاسي المحمي بالمناصل لَا الحامي المكفي لَا الْكَافِي يقْضِي عمره وَهُوَ لَا يشْهد الطعْن إِلَّا فِي الميدان وَلَا يتَمَثَّل الْهَام طائرا لَوْلَا الكرة فِي الصولجان وَلَا يشقى بسهمه إِلَّا قرطاسه وَلَا يحظى برفده إِلَّا أكياسه فَأَعَادَ الله بأمير الْمُؤمنِينَ هَذَا الدّين إِلَى معالم حَقه الأولى وَأطَال يَد سُلْطَانه الطُّولى إِلَى أَن تَأْخُذ الْأُمُور مآخذها عدلا واعتدالا وسلما وقتالا فتعود إِلَى الْإِسْلَام عوائد ارتياحه وَأَيَّام منصوره وسفاحه وَمن كتاب آخر فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى وَزِير بَغْدَاد أصدر هَذِه الْوَسِيلَة إِلَى الْمجْلس السَّامِي معولا على كرمه فِيمَا حَملته من اللبانة مستغنيا بشهرة الْحَال المتجددة عَن الْإِبَانَة فَإِن آمد قصر الأمد فِي الظفر بهَا وإنقاذها من الْمَظَالِم الَّتِي كَانَت تلبس نَهَارهَا نقبة غيهبها وَسَار إِلَيْهَا بِبَقِيَّة العساكر يعد الَّذين سَارُوا إِلَى الشَّام وَأَقَامُوا قبالة الْكفَّار بعدة اقْتصر عَلَيْهَا أَكْثَرهَا من عَسَاكِر الديار المصرية على بعد تِلْكَ الديار ليظْهر

стр. 1054

لمن نوى المناواة ويتبين لمن كَانَ على مُنَافَاة الملاقاة أَن رجَالًا من مصر فتحُوا آمد بعد سنة من البيكار وَبعد غزوتين قد طولع بهما فِي تواريخهما إِلَى الْكفَّار فَفِي ذَلِك مَا يغص الْحَاسِد ويغض الحاقد وَيعلم أَن فِي أَوْلِيَاء الدولة مَا رد كل مارد فَلَمَّا حل بعقوتها أَرَادَ أَن يجْرِي الْأَمر على صَوَابه ويلج الْأَمر من بَابه وَأَن ينذر المغتر ويوقظه ويعظه بالْقَوْل الَّذِي رأى من الرِّفْق أَلا يغلظه فَبعث إِلَيْهِ أَن يهب من كراه ويعد لضيف التَّقْلِيد قراه وينجو بِنَفسِهِ منجى الذُّبَاب وَلَا يتَعَرَّض لِأَن يكون منتجى للذباب فَإِذا عريكته لَا تلين إِلَّا بالعراك وطريدته لَا تصاد إِلَّا بالأشراك فهناك رأى عَاجلا مَا هُنَاكَ وقوتل حق الْقِتَال فِي يَوْم وَاحِد عرف مَا بعده من الْأَيَّام وَوَقع الإشفاق من روعة الْحَرِيم وَسَفك الدَّم الْحَرَام وَنصب المنجنيقات فَأرْسل عارضها مطره وَفطر السُّور بقدرة الَّذِي فطره وخطب أمامها خطيب خطبه وأغمد الصارم اكْتِفَاء بضربه وترفه أهل الْحَرْب لحسن المناب مِنْهُ عَن حربه فَصَارَ فِي أقرب الْأَوْقَات جبلها كثيبا مهيلا وعفرت الأبرجة وَجها تربا وَنظرت القلعة نظرا كليلا حَتَّى إِذا أمكنت النقوب أَن تُؤْخَذ وكبد السُّور أَن تفلذ رأى الَّذِي لَا يصبر

стр. 1055

على بعضه وَاعْتذر إِلَيْهِ الْبناء الَّذِي بِنَاء الْأَمر إِن لم يقضه فَلَا بُد من نقضه وَسَأَلَ فَأُجِيب إِلَى الْأمان على نَفسه وَخرج مِنْهَا وَإِنَّمَا أخرجه الظُّلم وَسلم وَهُوَ يرى السَّلامَة إِمَّا من الْحلم وَإِمَّا من الْحلم ثمَّ قَالَ وَلَوْلَا تَقْلِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ لما فتح لَهُ الْبَاب الَّذِي قرعه وَلَا أنزل عَلَيْهِ النَّصْر الَّذِي أنزل مَعَه وَلَا ساعد سَيْفا ساعد وَلَا نَالَتْ يَد مدت من مصر فَأخذت آمد وَمن بآمد وَلَو قبلت مَسْأَلته فِي تَقْلِيد الْموصل لَكَانَ ولجها وَلَو بدلجة ادلجها وَأَخذهَا وَلَو بحصاة نبذها وَهُوَ يتَوَقَّع فِي جَوَاب هَذَا الْفَتْح أَن يمد بِجَيْش هُوَ الْكَلَام ورماح هِيَ الأقلام وَنصر هُوَ وَافد الْأَمر وترشيد هُوَ فك الْحجر وَلَيْسَ ذَلِك لوسائل تقدّمت من دولة أَقَامَهَا بعد ميل عروشها وَلَا لدَعْوَة قَامَ فِيهَا بِمَا تصاغرت دونه همم جيوشها وَلَكِن لِأَن هَذِه الجزيرة الصَّغِيرَة مِنْهَا تنبعث الجريرة الْكَبِيرَة وَهِي دَار الْفرْقَة ومدار الشقة وَلَو انتظمت فِي السلك لانتظم جَمِيع عَسْكَر الْإِسْلَام فِي قتال الشّرك ولكان الْكفْر يلقِي بيدَيْهِ وينقلب على عَقِبَيْهِ ويغشاه الْإِسْلَام من خَلفه وَمن بَين يَدَيْهِ ويغزى من مصر برا وبحرا وَمن الشَّام سرا وجهرا وَمن الجزيرة مدا وجزرا وَيكون خادمه قد وَجب أَن يتَمَثَّل بقوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد مننا عَلَيْك مرّة أُخْرَى﴾ وَمن كتاب آخر كتَابنَا هَذَا وَالْمَدينَة قد فتحت أَبْوَابهَا وعذقت بدولتنا أَسبَابهَا وَتكلم لِسَان علمنَا فِي فَم قلعتها وَبعد أَن لبستها دولتنا وَفينَا بموعد خلعتها فَالْحَمْد لله الَّذِي تتمّ النِّعْمَة بِحَمْدِهِ وينجح الأمل
следующие страницы →