← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وَقت هجمه وروسل صَاحبهَا بِأَنَّهُ كشف لَهُ الخذلان حَتَّى بصر على شكه بِعِلْمِهِ فَأَعَادَ الرَّسُول مستكنفا بحجب النجَاة بإرسال ذَوَات الْحجاب وإبرازهن ومستكفا ليد الْقَتْل بِمن لم يكن جَوَابه غير إحرازه وإحرازهن وَلم يُعَارض فِي نَفسه وَلَا فِي قومه وَلَا فِي أَمْوَاله وَهِي مَا هِيَ ذخائر موفرة ومكاسب من أرباح مخسرة كَانَت الْحُقُوق عَنْهَا مذودة والآمال دونهَا مطرودة وغض الْخَادِم كل عين عَن عينه وورقه وصانه فِي مخيمه من الْفقر صيانته فِي ذَات سوره وخندقه وَاسْتوْفى شَرط الْوَفَاء بِمَا أعطَاهُ من موثقه وَهَذِه آمد فَهِيَ مَدِينَة ذكرهَا بَين الْعَالم متعالم وطالما صادم جَانبهَا من تقادم فَرجع مقدوعا أَنفه وَإِن كَانَ فحلا وقرعها فريد الهمة واستصحب حفلا وَرَأى حجرها فَقدر أَنه لَا يفك لَهُ حجر وسوادها فَحسب أَنه لَا ينسخه فجر وحمية أنف أنفها فَاعْتقد أَنه لَا يستجيب لزجر من مُلُوك كلهم طوى صَدره على الغليل إِلَى موردها ووقف بهَا وقُوف الْمُحب الْمسَائِل فَلم يفز بِمَا أمل من جَوَاب معهدها ثمَّ ذكر تَسْلِيمهَا إِلَى ابْن قرا أرسلان ثمَّ قَالَ وَلما رأى صَاحب ميافارقين أَن أُخْت صاحبته قد ابتني بهَا خَافَ أَن يجمع لَهُ بَين الْأُخْتَيْنِ

стр. 1052

فراسل ببذل الْخدمَة الَّتِي يكون فِيهَا لنُور الدّين ثَانِي اثْنَيْنِ ثمَّ ذكر اجْتِمَاع المواصلة وشاه أرمن وَصَاحب ماردين وَصَاحب أرزن وبدليس وَغَيرهم على قصد الْخَادِم ونزلوا تَحت الْجَبَل فَلَمَّا صَحَّ عِنْدهم قَصده ظنُّوا أَنه وَاقع بهم فَأخذُوا أَعِنَّة الْفِرَار بِقُوَّة وَذكروا مَا فِي لِقَائِه من عوائد كَانَت عِنْدهم مخوفة وَعِنْده مرجوة وَسَار كل فريق على طَرِيق بنية عَدو وَفعل صديق وَالْخَادِم يَقُول مهما أَرَادَت فِيهِ الآراء الشَّرِيفَة أَتَاهُ وَمهما نَوَت فِيهِ من إِحْسَان قرب عَلَيْهِ مَا نَوَاه فَهَذِهِ آمد لما أرسل إِلَيْهِ مفتاحها وَهُوَ التَّقْلِيد فتحهَا وَهَذِه الْموصل لما تَأَخّر عَنهُ الْمِفْتَاح منعهَا وَمَا منحها وَلَو أعين بِهِ لعظمت على الْإِسْلَام عائدته وَظَهَرت فِي رفع مناره فَائِدَته لِأَن الْيَد كَانَت تكون بِهِ على عَدو الْحق وَاحِدَة والهمة لآلات النَّصْر واجدة فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يُمَيّز بَين أوليائه وَينظر أَيهمْ أبر بأوليائه وَأَشد على أعدائه وأقوم بِحقِّهِ وَحقّ آبَائِهِ وَأثبت رَأيا وروية فِي مَوَاقِف راياته ومجالس آرائه وَأعظم إقداما على ملحدين كلهم كَانَ ينازعه رِدَاء علائه وَكَانَ السَّابِق من وُلَاة الدولة العباسية قَاصِر السَّيْف عَن أَن نسيغ الغصة بمائه وأيهم أترك للْفراش الممهد وأهتك للطراف الممدد وأهجر فِي سَبِيل الله لراحه وأصبر فِي جِهَاد عَدو الله على مضض جراحه وأسلى عَن رَيْحَانَة فؤاد وَأكْثر ممارسة لحية وَاد فيختار لهَذِهِ الْأمة الَّتِي جعله الله لَهَا إِمَامًا وأميرا أسعد من أجْرى فِي طَاعَته ضامرا وملأ بولائه ضميرا فَمن عدله أَن يولي عَلَيْهَا الْعدْل الَّذِي يقر عينهَا وَمن فَضله أَن

стр. 1053

لَا ينسى الْفضل بَينهَا وَقد ورد ذَلِك المنشور بآمد فأورد الميسور بِأَن ورده المنشور الْمشَار إِلَيْهِ بالجزيرة وَمَا وسقت فَإِنَّهُ نور على نور وَمَا يحْسب الْخَادِم أَن كيدا لِلْعَدو الْكَافِر أكيد وَلَا جهدا لأهل الضلال أجهد وَلَا عَائِدَة بغيظ رُؤَسَاء أهل الْإِلْحَاد أَعُود من تفخيم أَمر الْخَادِم بمزيد الِاسْتِخْدَام وَإِلَّا فَلْينْظر هَل يشق على الْكفَّار مزِيد أحد سواهُ من وُلَاة الْإِسْلَام فَكل ذِي سُلْطَان هُوَ الطاعم الكاسي المحمي بالمناصل لَا الحامي المكفي لَا الْكَافِي يقْضِي عمره وَهُوَ لَا يشْهد الطعْن إِلَّا فِي الميدان وَلَا يتَمَثَّل الْهَام طائرا لَوْلَا الكرة فِي الصولجان وَلَا يشقى بسهمه إِلَّا قرطاسه وَلَا يحظى برفده إِلَّا أكياسه فَأَعَادَ الله بأمير الْمُؤمنِينَ هَذَا الدّين إِلَى معالم حَقه الأولى وَأطَال يَد سُلْطَانه الطُّولى إِلَى أَن تَأْخُذ الْأُمُور مآخذها عدلا واعتدالا وسلما وقتالا فتعود إِلَى الْإِسْلَام عوائد ارتياحه وَأَيَّام منصوره وسفاحه وَمن كتاب آخر فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى وَزِير بَغْدَاد أصدر هَذِه الْوَسِيلَة إِلَى الْمجْلس السَّامِي معولا على كرمه فِيمَا حَملته من اللبانة مستغنيا بشهرة الْحَال المتجددة عَن الْإِبَانَة فَإِن آمد قصر الأمد فِي الظفر بهَا وإنقاذها من الْمَظَالِم الَّتِي كَانَت تلبس نَهَارهَا نقبة غيهبها وَسَار إِلَيْهَا بِبَقِيَّة العساكر يعد الَّذين سَارُوا إِلَى الشَّام وَأَقَامُوا قبالة الْكفَّار بعدة اقْتصر عَلَيْهَا أَكْثَرهَا من عَسَاكِر الديار المصرية على بعد تِلْكَ الديار ليظْهر

стр. 1054

لمن نوى المناواة ويتبين لمن كَانَ على مُنَافَاة الملاقاة أَن رجَالًا من مصر فتحُوا آمد بعد سنة من البيكار وَبعد غزوتين قد طولع بهما فِي تواريخهما إِلَى الْكفَّار فَفِي ذَلِك مَا يغص الْحَاسِد ويغض الحاقد وَيعلم أَن فِي أَوْلِيَاء الدولة مَا رد كل مارد فَلَمَّا حل بعقوتها أَرَادَ أَن يجْرِي الْأَمر على صَوَابه ويلج الْأَمر من بَابه وَأَن ينذر المغتر ويوقظه ويعظه بالْقَوْل الَّذِي رأى من الرِّفْق أَلا يغلظه فَبعث إِلَيْهِ أَن يهب من كراه ويعد لضيف التَّقْلِيد قراه وينجو بِنَفسِهِ منجى الذُّبَاب وَلَا يتَعَرَّض لِأَن يكون منتجى للذباب فَإِذا عريكته لَا تلين إِلَّا بالعراك وطريدته لَا تصاد إِلَّا بالأشراك فهناك رأى عَاجلا مَا هُنَاكَ وقوتل حق الْقِتَال فِي يَوْم وَاحِد عرف مَا بعده من الْأَيَّام وَوَقع الإشفاق من روعة الْحَرِيم وَسَفك الدَّم الْحَرَام وَنصب المنجنيقات فَأرْسل عارضها مطره وَفطر السُّور بقدرة الَّذِي فطره وخطب أمامها خطيب خطبه وأغمد الصارم اكْتِفَاء بضربه وترفه أهل الْحَرْب لحسن المناب مِنْهُ عَن حربه فَصَارَ فِي أقرب الْأَوْقَات جبلها كثيبا مهيلا وعفرت الأبرجة وَجها تربا وَنظرت القلعة نظرا كليلا حَتَّى إِذا أمكنت النقوب أَن تُؤْخَذ وكبد السُّور أَن تفلذ رأى الَّذِي لَا يصبر

стр. 1055

على بعضه وَاعْتذر إِلَيْهِ الْبناء الَّذِي بِنَاء الْأَمر إِن لم يقضه فَلَا بُد من نقضه وَسَأَلَ فَأُجِيب إِلَى الْأمان على نَفسه وَخرج مِنْهَا وَإِنَّمَا أخرجه الظُّلم وَسلم وَهُوَ يرى السَّلامَة إِمَّا من الْحلم وَإِمَّا من الْحلم ثمَّ قَالَ وَلَوْلَا تَقْلِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ لما فتح لَهُ الْبَاب الَّذِي قرعه وَلَا أنزل عَلَيْهِ النَّصْر الَّذِي أنزل مَعَه وَلَا ساعد سَيْفا ساعد وَلَا نَالَتْ يَد مدت من مصر فَأخذت آمد وَمن بآمد وَلَو قبلت مَسْأَلته فِي تَقْلِيد الْموصل لَكَانَ ولجها وَلَو بدلجة ادلجها وَأَخذهَا وَلَو بحصاة نبذها وَهُوَ يتَوَقَّع فِي جَوَاب هَذَا الْفَتْح أَن يمد بِجَيْش هُوَ الْكَلَام ورماح هِيَ الأقلام وَنصر هُوَ وَافد الْأَمر وترشيد هُوَ فك الْحجر وَلَيْسَ ذَلِك لوسائل تقدّمت من دولة أَقَامَهَا بعد ميل عروشها وَلَا لدَعْوَة قَامَ فِيهَا بِمَا تصاغرت دونه همم جيوشها وَلَكِن لِأَن هَذِه الجزيرة الصَّغِيرَة مِنْهَا تنبعث الجريرة الْكَبِيرَة وَهِي دَار الْفرْقَة ومدار الشقة وَلَو انتظمت فِي السلك لانتظم جَمِيع عَسْكَر الْإِسْلَام فِي قتال الشّرك ولكان الْكفْر يلقِي بيدَيْهِ وينقلب على عَقِبَيْهِ ويغشاه الْإِسْلَام من خَلفه وَمن بَين يَدَيْهِ ويغزى من مصر برا وبحرا وَمن الشَّام سرا وجهرا وَمن الجزيرة مدا وجزرا وَيكون خادمه قد وَجب أَن يتَمَثَّل بقوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد مننا عَلَيْك مرّة أُخْرَى﴾ وَمن كتاب آخر كتَابنَا هَذَا وَالْمَدينَة قد فتحت أَبْوَابهَا وعذقت بدولتنا أَسبَابهَا وَتكلم لِسَان علمنَا فِي فَم قلعتها وَبعد أَن لبستها دولتنا وَفينَا بموعد خلعتها فَالْحَمْد لله الَّذِي تتمّ النِّعْمَة بِحَمْدِهِ وينجح الأمل

стр. 1056

بِقَصْدِهِ ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده﴾ قَالَ الْعِمَاد ثمَّ دخل السُّلْطَان مَدِينَة آمد وَجلسَ فِي دَار الْإِمَارَة وَحلف نور الدّين بن قرا أرسلان على أَنه يظْهر بهَا الْعدْل ويقمع الْجور وَيكون سَامِعًا مُطيعًا للسُّلْطَان من معاداة الْأَعْدَاء ومصافاة الخلان فِي كل وَقت وزمان وَأَنه مَتى استمده من آمد لقِتَال الفرنج وجده لذَلِك يقظان وَإِلَيْهِ عطشان قَالَ وَكَانَ هَذَا نور الدّين فِي خدمَة السُّلْطَان بِنَفسِهِ وَعَسْكَره مُنْذُ عبر الْفُرَات ثمَّ إِن رسل مُلُوك الْأَطْرَاف اجْتمعت عِنْد السُّلْطَان كل يطْلب لصَاحبه الْأمان وَأَن يَتَّخِذهُ من جملَة الأعوان مِنْهُم صَاحب ماردين وَصَاحب ميافارقين وهما قَرِيبا ابْن قرا أرسلان فَرد السُّلْطَان كل رَسُول بسوله وَأجَاب إقباله بقبوله ثمَّ رَحل السُّلْطَان من آمد وَعبر الْفُرَات لقصد حلب وولاياتها فتسلم فِي طَرِيقه تل خَالِد بِالرُّعْبِ وَلم يكن مِنْهُم بِالْقربِ فَأقر أَهلهَا فِيهَا ثمَّ نزل على عين تَابَ فبادر صَاحبهَا نَاصح الدّين مُحَمَّد بن خمارتكين إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانَهُ بِالْإِحْسَانِ وَقَالَ ابْن أبي طي تسلم السُّلْطَان تل خَالِد فِي رَابِع عشر محرم

стр. 1057

وَسلمهَا إِلَى بدر الدّين دلدرم وَمن كتاب فاضلي نزلنَا تل خَالِد يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشر محرم وَكَانَ قد تقدمنا الْأَجَل تَاج الْمُلُوك إِلَيْهَا وأناخ عَلَيْهَا وقابلها وقاتلها وعالجها وَلَو شَاءَ لعاجلها وَلما أطلت عَلَيْهَا راياتنا ألْقى من فِيهَا بِيَدِهِ وأنجز النَّصْر صَادِق موعده وأرسلتها حلب مُقَدّمَة لفتحها وَقد أنعم الله علينا بنعم لَا نحصيها تعدادا وَلَا نستقصيها اعتدادا وَلَا نستوعبها وَلَو كَانَ النَّهَار طرسا وَالْبَحْر مدادا ورايتنا المنصورة قد صَارَت مغناطيس الْبِلَاد تجذبها بطبعها وسيوفنا قد صَارَت مفاتح الْأَمْصَار تفتحها بنصر الله لَا بحدها وَلَا بقطعها قلت وَمَا أحسن مَا قَالَ التلعفري من قصيدة لَهُ فِي السُّلْطَان (قل للملوك تنحوا عَن ممالككم ... فقد أَتَى آخذ الدُّنْيَا ومعطيها) فصل فِي فتح حلب قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما عَاد السُّلْطَان بَدَأَ بتل خَالِد فَنزل عَلَيْهَا وقاتلها وَأَخذهَا فِي ثَانِي عشر محرم سنة تسع وَسبعين ثمَّ سَار إِلَى حلب

стр. 1058

فَنزل عَلَيْهَا فِي سادس عشري الْمحرم وَكَانَ أول نُزُوله بالميدان الْأَخْضَر وسير الْمُقَاتلَة يُقَاتلُون ويباسطون عَسْكَر حلب ببانقوسا وَبَاب الْجنان غدْوَة وَعَشِيَّة وَفِي يَوْم نُزُوله جرح أَخُوهُ تَاج الْمُلُوك وَكَانَ عماد الدّين زنكي قبل ذَلِك قد خرج وَخرب قلعة عزاز فِي تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَسبعين وَخرب حصن كفرلاثا وَأَخذهَا من بكمش فَإِنَّهُ كَانَ قد صَار مَعَ السُّلْطَان وَقَاتل تل بَاشر فَلم يقدر عَلَيْهَا وَجَرت غارات من الفرنج على الْبِلَاد بِحكم اخْتِلَاف العساكر قَالَ وَلما نزل السُّلْطَان على حلب استدعى العساكر من الجوانب فَاجْتمع خلق كثير وقاتلها قتالا شَدِيدا وَتحقّق عماد الدّين زنكي أَنه لَيْسَ لَهُ بِهِ قبل وَكَانَ قد ضرس من اقتراح الْأُمَرَاء عَلَيْهِ وجبههم فَأَشَارَ إِلَى حسام الدّين طمان أَن يسفر لَهُ مَعَ السُّلْطَان فِي إِعَادَة بِلَاده وَتَسْلِيم حلب إِلَيْهِ واستقرت الْقَاعِدَة وَلم يشْعر أحد من الرّعية وَلَا من الْعَسْكَر حَتَّى تمّ الْأَمر ثمَّ أعلمهم وَأذن لَهُم فِي تَدْبِير أنفسهم فأنفذوا عَنهُ وَعَن الرّعية عز الدّين جرديك وزين الدّين بلك فبقوا عِنْده إِلَى اللَّيْل واستحلفوه على الْعَسْكَر وعَلى أهل الْبَلَد وَذَلِكَ فِي سَابِع عشر صفر وَخرجت العساكر إِلَى خدمته إِلَى الميدان الْأَخْضَر ومقدمو حلب وخلع عَلَيْهِم وَطيب قُلُوبهم وَأقَام عماد الدّين بالقلعة يقْضِي أشغاله وينقل أقمشته وخزائنه إِلَى يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشري صفر

стр. 1059

وَفِيه توفّي تَاج الْمُلُوك أَخُو السُّلْطَان من الْجرْح الَّذِي كَانَ أَصَابَهُ وشق عَلَيْهِ أَمر مَوته وَجلسَ للعزاء قلت وَكَانَ أَصْغَر أَوْلَاد أَيُّوب ذكر ابْن القادسي أَن مولده سنة سِتّ وَخمسين فِي ذِي الْحجَّة فَيكون عمره اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وشيئا وَأنْشد لَهُ شعرًا وَقَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب فِي كتاب الخريدة إِنَّه لم يبلغ الْعشْرين سنة وَله نظم لطيف وَفهم شرِيف ثمَّ قَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن وَفِي ذَلِك الْيَوْم نزل عماد الدّين إِلَى خدمته وَعَزاهُ وَسَار مَعَه بالميدان الْأَخْضَر وتقررت بَينهمَا قَوَاعِد وأنزله عِنْده بالخيمة وَقدم لَهُ تقدمة سنية وخيلا جميلَة وخلع على جمَاعَة من أَصْحَابه وَسَار عماد الدّين من يَوْمه إِلَى قرا حِصَار سائرا إِلَى سنجار وَأقَام السُّلْطَان بالمخيم بعد مسير عماد الدّين غير مكترث بِأَمْر حلب وَلَا مستعظم لشأنها إِلَى يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشري صفر ثمَّ صعد فِي ذَلِك الْيَوْم قلعة حلب مَسْرُورا منصورا وَعمل لَهُ حسام الدّين طمان دَعْوَة سنية وَكَانَ قد تخلف لأخذ مَا تخلف لعماد الدّين من قماش وَغَيره وَقَالَ الْعِمَاد وصل السُّلْطَان إِلَى حلب وفيهَا عماد الدّين زنكي بن

стр. 1060

مودود الَّذِي كَانَ صَاحب سنجار وَقد تحصن بِكَثْرَة الأجناد وَالْعدَد وَأَرَادَ مُقَابلَة السُّلْطَان ومقاتلته وَأَرَادَ السُّلْطَان أَن يظفر بهَا بِدُونِ ذَلِك من الْقِتَال وعداوة الرِّجَال لَكِن الشَّبَاب وجهال الْأَصْحَاب راموا الْقِتَال وأحبوا النزال وتقدموا وأقدموا وَالسُّلْطَان ينهاهم فَلَا ينتهون وَكَانَ فيهم تَاج الْمُلُوك بوري أَخُو السُّلْطَان فطعن فِي فَخذه ثمَّ مَاتَ بعد ذَلِك بأيام بعد فتح الْبَلَد وَكَانَ السُّلْطَان ذَلِك الْيَوْم قد صنع وَلِيمَة لعماد الدّين زنكي وَكَانَ السُّلْطَان أول مَا نزل على حلب نزل فِي صدر الميدان الْأَخْضَر وَذَلِكَ فِي زمن الرّبيع الأنضر ثمَّ رَحل وَنزل على جبل جوشن وَنهى عَن الْقِتَال وَقَالَ نَحن هَاهُنَا نستغل الْبِلَاد وَمَا علينا من الْحصن الَّذِي بلغ مِنْهُ هَذَا العناد وَنفذ رسل التَّرْهِيب إِلَيْهِم ففكر عماد الدّين زنكي فِي أمره وَرَأى أَن الصَّوَاب مصالحة السُّلْطَان فنفذ سرا إِلَيْهِ حسام الدّين طمان وَصَالَحَهُ وحلفه على أَن يسلم إِلَيْهِ حلب وَيرد عَلَيْهِ بَلْدَة سنجار فَفعل وزاده الخابور ونصيبين والرقة وسروج وَاشْترط عَلَيْهِ إرْسَال الْعَسْكَر فِي الْخدمَة للغزاة وَمن كتب فاضلية تسلمنا مَدِينَة حلب وقلعتها بسلم وضعت بِهِ الْحَرْب أَوزَارهَا وَبَلغت بهَا الهمم أوطارها وَعوض صَاحبهَا بِمَا لم يخرج عَن الْيَد لِأَنَّهُ مشترط عَلَيْهِ بِهِ الْخدمَة بِنَفسِهِ وَعَسْكَره ومختلط بِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أحد الْأَوْلِيَاء فِي مغيبه ومحضره عوض عماد الدّين عَنْهَا من بِلَاد الجزيرة

стр. 1061

سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج فَهُوَ صرف بِالْحَقِيقَةِ أَخذنَا فِيهِ الدِّينَار وأعطينا الدَّرَاهِم ونزلنا عَن المبيحات وأحرزنا العواصم وسرنا أَنَّهَا انجلت وَالْكَافِر الْمُحَارب وَالْمُسلم المسالم واشترطنا على عماد الدّين الْخدمَة والمظاهرة والحضور فِي مَوَاقِف الْغَزْو والمصابرة فانتظم الشمل الَّذِي كَانَ نثيرا وَأصْبح الْمُؤمن بأَخيه كثيرا وَزَالَ الشغب وأخمد اللهب واتصل السَّبَب وَأخذت للغزاة الأهب ووصلت إِلَى غايتها همة الطّلب والألفة وَاقعَة والمصلحة جَامِعَة وأشعة أنوار الِاتِّفَاق شائعة فتحنا مَدِينَة حلب بسلم مَا كشفت لحرمتها قناعا وتسلمنا قلعتها الَّتِي ضمنت أَن نتسلم بعْدهَا بِمَشِيئَة الله قلاعا وَعوض صَاحبهَا من بِلَاد الجزيرة مَا اشْترط عَلَيْهِ بِهِ الْخدمَة فِي الْجِهَاد بالعدة الموفورة فَهِيَ بيدنا بِالْحَقِيقَةِ لِأَن مرادنا من الْبِلَاد رجالها لَا أموالها وشوكتها لَا زهرتها ومناظرتها لِلْعَدو لَا نضرتها وَأَن تعظم فِي الْعَدو الْكَافِر نكايتها لَا أَن تعذق بالولي الْمُسلم ولايتها والأوامر بحلب نَافِذَة والرايات بأطراف قلعتها آخذة وَجَاء أهل الْمَدِينَة يستبشرون وَقد بلغُوا مَا كَانُوا يؤملون وأمنوا مَا كَانُوا يحذرون وَعوض صَاحبهَا بِبِلَاد من الجزيرة على أَن تكون

стр. 1062

العساكر مجتمعة على الْأَعْدَاء مرصدة للاستدعاء فالبلاد بِأَيْدِينَا لنا مغنمها ولغيرنا مغرمها وَفِي خدمتنا مَا لَا نسمح بِهِ وَهُوَ عسكرها وَفِي يَده مَا لَا نضن بِهِ وَهُوَ درهمها شرطنا على عماد الدّين النجدة فِي أَوْقَاتهَا والمظاهرة على العداة عِنْد ملاقاتها فَلم يخرج منا بلد إِلَّا إِلَيْنَا عَاد عسكره وَإِنَّمَا استنبنا فِيهِ من يحمل عَنَّا مُؤْنَته ويدبره وَيكون عساكره إِلَى عساكرنا مُضَافَة ونتمثل قَوْله ﴿وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة كَمَا يقاتلونكم كَافَّة﴾ ونشعر الْأَمِير بِمَا من الله بِهِ من فتح مَدِينَة حلب الَّتِي هِيَ مِفْتَاح الْبِلَاد وتسلم قلعتها الَّتِي هِيَ أحد مَا رست بِهِ الأَرْض من الْأَوْتَاد فَللَّه الْحَمد وَأَيْنَ يَقع الْحَمد من هَذِه الْمِنَّة ونسأل الله الْغَايَة الْمَطْلُوبَة بعد هَذِه الْغَايَة وَهِي الْجنَّة وصدرت هَذِه الْبُشْرَى والموارد قد أفضت إِلَى مصادرها وَالْأَحْكَام فِي مَدِينَة حلب نَافِذَة فِي باديها وحاضرها وقلعتها قد أناف لواؤنا على أنفها وقبضت على عقبه بكفها واعتذرت من لِقَائِه أمس برشفها ورأينا أَن نتشاغل بِمَا بورك لنا فِيهِ من الْجِهَاد وَأَن نوسع المجال فِيمَا يضيق بِهِ تقلب الَّذين كفرُوا فِي الْبِلَاد قلت وَلأبي الْحسن بن الساعاتي فِي مدح السُّلْطَان عِنْد إِرَادَة فتح حلب قصيدة مِنْهَا

стр. 1063

(مَا بعد لقياك للعافين من أمل ... ملك الْمُلُوك وهذي دولة الدول) (فانهض إِلَى حلب فِي كل سَابِقَة ... سُرُوجهَا قلل تغني عَن القلل) (مَا فتحهَا غير إقليد الممالك والداعي ... إِلَيْهِ جَمِيع الْخلق والملل) (وَمَا عَصَتْ مَنْعَة لكنه غضب ... علام أهملتها إهمال مبتذل) (غارت وحقك من جاراتها فشكت ... مَا باله باقتضاضي غير محتفل) قلت وَهَذَا معنى حسن يُشِير إِلَى أَنَّهَا كَانَت من آخر الْبِلَاد الإسلامية فتحا على يَدَيْهِ فَلهَذَا غضِبت إِذْ كَانَ من حَقّهَا لجلالة قدرهَا أَن تخْطب أَولا وللقاضي السعيد ابْن سناء الْملك من قصيدة (بدولة التّرْك عزت مِلَّة الْعَرَب ... وبابن أَيُّوب ذلت بيعَة الصلب)

стр. 1064

(إِن العواصم كَانَت أَي عَاصِمَة ... معصومة بتعاليها عَن الرتب) (جليسة النَّجْم فِي أَعلَى مراتبه ... وطالما غَابَ عَنْهَا وَهِي لم تغب) (وَمَا نَعته كمعشوق تَمنعهُ ... أحلى من الشهد أَو أشهى من الضَّرْب) (فَمر عَنْهَا بِلَا غيظ وَلَا حنق ... وَسَار عَنْهَا بِلَا حقد وَلَا غضب) (تطوي الْبِلَاد وأهليها كتائبه ... طيا كَمَا طوت الْكتاب للكتب) (أَرض الجزيرة لم تظفر ممالكها ... بِمَالك فطن أَو سائس درب) (ممالك لم يدبرها مدبرها ... إِلَّا بِرَأْي خصي أَو بعقل صبي) (حَتَّى أَتَاهَا صَلَاح الدّين فانصلحت ... من الْفساد كَمَا صحت من الوصب) (وَقد حواها وَأعْطى بَعْضهَا هبة ... فَهُوَ الَّذِي يهب الدُّنْيَا وَلم يهب) (ومذ رَأَتْ صده عَن ربعهَا حلب ... وَوَصله لبلاد حلوة الخلب) (غارت عَلَيْهِ ومدت كف مفتقر ... مِنْهَا إِلَيْهِ وأبدت وَجه مكتئب) (واستعطفته فوافتها عواطفه ... وأكثب الصُّلْح إِذْ نادته عَن كثب) (وَحل مِنْهَا بأفق غير منخفض ... للصاعدين وبرج غير مُنْقَلب) (فتح الْفتُوح بلامين وَصَاحبه ... ملك الْمُلُوك ومولاها بِلَا كذب) وَقَالَ ابْن أبي طي وَكَانَ كثير من الشُّعَرَاء يحرضون السُّلْطَان على فتح حلب مِنْهُم أَبُو الْفضل بن حميد الْحلَبِي لَهُ من قصيدة (يَا ابْن أَيُّوب لَا بَرحت مدى الدَّهْر ... رفيع الْمَكَان وَالسُّلْطَان) (حلب الشَّام نَحْو مرآك ولهى ... وَله الصب ريع بالهجران)

стр. 1065

وَقَالَ ابْن سَعْدَان الْحلَبِي فِي قصيدة (دُونك والحسناء من أم الْقرى ... وبازها الْأَشْهب والطود الأشم) (واركب إِلَى العلياء كل صعبة ... أَبيت لعنا وخلاك كل ذمّ) (وارم فَكل الصَّيْد فِي جَوف الفرا ... لَا صارد السهْم وَلَا نابي الحكم) (مد إِلَى أُخْت السهاء زورة ... لَا فرق يعقبها وَلَا نَدم) (فيا لَهَا شماء مشمخرة ... تطارح الْبَرْق وساحات الديم) (ايه صَلَاح الدّين شدّ أزرها ... واعزم عَلَيْهَا فالزمان قد عزم) (ودونك المنعة من قبابها ... وبابها المغلق فِي وَجه الْأُمَم) قَالَ وَفِي آخر يَوْم السبت ثامن عشر صفر نشر سنجق السُّلْطَان الْأَصْفَر على سور قلعة حلب وَضربت لَهُ البشائر وَفِي ذَلِك الْوَقْت تخفى عماد الدّين وَخرج من القلعة لَيْلًا إِلَى الخيم وَأخذ فِي إِخْرَاج مَا كَانَ لَهُ فِي القلعة من مَال وَسلَاح وأثاث وَكَانَ استناب الْأَمِير حسام الدّين طمان فِي القلعة حَتَّى توافي رسله بِتَسْلِيم سنجار ونصيبين والخابور إِلَى نوابه وَأعْطى السُّلْطَان طمان الرقة لوساطته فِي أَمر عماد الدّين وَكَانَ السُّلْطَان

стр. 1066

شَرط أَنه مَا يُرِيد من حلب إِلَّا الْحجر فَقَط وَأذن لعماد الدّين فِي أَخذ جَمِيع مَا فِي القلعة وَمَا يُمكنهُ حمله فَلم يتْرك عماد الدّين فِيهَا شَيْئا وَبَاعَ فِي السُّوق كل مَا لم يتَمَكَّن من حمله وَأطلق لَهُ السُّلْطَان بغالا وجمالا وخيلا برسم حمل مَا يحْتَاج إِلَى حمله وَعمل لَهُ يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر صفر دَعْوَة عَظِيمَة فِي الميدان الْأَخْضَر وأحضرها جَمِيع الْأُمَرَاء ومقدمي حلب قَالَ وبينما السُّلْطَان على لذته بالدعوة وَالْأَخْذ وَالعطَاء والإنعام والحباء إِذْ حضر إِلَيْهِ من عَرَفَة وَفَاة أَخِيه تَاج الْمُلُوك بِسَبَب الضَّرْبَة الَّتِي أَصَابَته على حلب فَلم يتَغَيَّر لذَلِك وَلَا اضْطِرَاب وَلَا انْقَطع عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ من البشاشة والفرح وبذل الْإِحْسَان وَأمر بستر ذَلِك وتوعد عَلَيْهِ إِن ظهر وكظم حزنه وأخفى رزيته وصبر على مصيبته وَلم يزل على طلاقته وبشاشته إِلَى وَقت الْعَصْر وَفِي ذَلِك الْوَقْت انْقَضتْ الدعْوَة وتفرق النَّاس فَحِينَئِذٍ قَامَ ﵀ واسترجع وَبكى على أَخِيه ثمَّ أَمر بِهِ فَغسل وكفن وَصلى عَلَيْهِ وَأمر بِهِ فَدفن فِي مقَام إِبْرَاهِيم ﷺ بِظَاهِر حلب ثمَّ حمله بعد ذَلِك إِلَى دمشق وَدَفنه بهَا قَالَ وَكَانَ تَاج الْمُلُوك شَابًّا حسن الشَّبَاب مليح الأعطاف عذب الْعبارَة حُلْو الفكاهة مليح الرَّمْي بِالْقَوْسِ والطعن بِالرُّمْحِ وَكَانَ شجاعا باسلا مقداما على الْأَهْوَال وَكَانَ قد جمع إِلَى ذَلِك الْكَرم والتفنن فِي الْأَدَب وَله ديوَان شعر حسن متوسط فَمِنْهُ (يَا هَذِه وأماني النَّفس قربكم ... يَا ليتها بلغت مِنْكُم أمانيها) (إِن كَانَت الْعين مذ فارقتكم نظرت ... إِلَى سواكم فخانتني أماقيها)

стр. 1067

قَالَ وَلما انْقَضتْ تَعْزِيَة السُّلْطَان بأَخيه خلع على النَّاس فِي الْيَوْم الرَّابِع وَفرق فِي وُجُوه الحلبيين الْأَمْوَال وَفِي سادس عشر صفر ورد أَصْحَاب عماد الدّين وأحضروا إِلَيْهِ العلائم بتسلم سنجار ونصيبين والخابور فَفِي ذَلِك الْيَوْم سلم قلعة حلب وَأنزل مِنْهَا الْأَمِير طمان وَأَصْحَابه وَلما سلمهَا إِلَى نواب السُّلْطَان ركب عماد الدّين فِي وُجُوه أَصْحَابه وأمرائه وَخرج إِلَى خدمَة السُّلْطَان ظَاهرا وَركب السُّلْطَان إِلَى لِقَائِه فاجتمعا عِنْد مشْهد الدُّعَاء الَّذِي بِظَاهِر حلب من جِهَة الشمَال فتسالما وَلم يترجل أحد مِنْهُمَا لصَاحبه ثمَّ جَاءَ بعد عماد الدّين وَلَده قطب الدّين فترجل للسُّلْطَان وترجل السُّلْطَان لَهُ وأعتنقه وعادا فركبا وَسَار هُوَ وَأَبوهُ فِي خدمَة السُّلْطَان إِلَى المخيم بالميدان الْأَخْضَر فأجلس السُّلْطَان عماد الدّين مَعَه على طراحته وَقدم لَهُ تقدمة حَسَنَة عشْرين بقجة صفراء فِيهَا مئة ثوب من العتابي والأطلس وَالْمُعتق والممرش وَغير ذَلِك وَعشرَة جُلُود قندس وَخمْس خلع خَاص برسمه ورسم وَلَده ومئة قبَاء ومئة كمة وحجرتين عربيتين بأداتهما وبغلتين مسروجتين وَعشرَة أكاديش وَخمْس قطر بغال وَثَلَاث قطر جمال عربيات وقطار بخت وَلما فرغ السُّلْطَان من عرض الْهَدِيَّة قدم الطَّعَام فَلَمَّا أصَاب مِنْهُ عماد الدّين نَهَضَ للرُّكُوب وَخرج السُّلْطَان مَعَه وَركب لوداعه وَسَار مَعَه إِلَى قريب من بأبلى وودعه وَعَاد وَسَار عماد الدّين إِلَى بِلَاده

стр. 1068

قَالَ وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشر صفر ركب السُّلْطَان وَصعد إِلَى قلعة حلب وَكَانَ صُعُوده إِلَيْهَا من بَاب الْجَبَل وَسمع وَهُوَ صاعد إِلَى قلعة حلب يقْرَأ ﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك تؤتي الْملك من تشَاء﴾ الْآيَة وَقَالَ وَالله مَا سررت بِفَتْح مَدِينَة كسروري بِفَتْح هَذِه الْمَدِينَة والآن قد تبينت أنني أملك الْبِلَاد وَعلمت أَن ملكي قد اسْتَقر وَثَبت وَقَالَ صعدت يَوْمًا مَعَ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى هَذِه القلعة فَسَمعته يقْرَأ ﴿قل اللَّهُمَّ مَالك الْملك﴾ الْآيَة قَالَ وَلما بلغ السُّلْطَان بَاب دَار عماد الدّين قَرَأَ ﴿وأورثكم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ وأرضا لم تطؤوها﴾ ثمَّ صَار إِلَى الْمقَام فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سجد فَأطَال السُّجُود ثمَّ خرج وَدَار فِي جَمِيع القلعة ثمَّ عَاد إِلَى المخيم وَأطلق المكوس والضرائب وسامح بأموال عَظِيمَة وَجلسَ للهناء بِفَتْح حلب وأنشده جمَاعَة من الشُّعَرَاء مِنْهُم يُوسُف البزاعي لَهُ من قصيدة (شرفت بسامي مجدك الشَّهْبَاء ... وتجللتها بهجة وضياء) (أَلْقَت إِلَيْك قيادها وَبهَا على ... كل الْمُلُوك ترفع وإباء)

стр. 1069

وَمِنْهُم سعيد بن مُحَمَّد الحريري لَهُ من قصيدة تقدم بَعْضهَا (وصبحت شهباء العواصم مُصْلِتًا ... قواضب عزم لَا يفل شهيرها) (فأمطتك مِنْهَا غازيا فِيك رَاغِبًا ... وَعَاد يَسِيرا فِي يَديك عسيرها) (وأوطأت مِنْهَا أخمصيك تنوفة ... يعز على الشعرى العبور عبورها) (ورد إِلَيْهَا روح عدلك روحها ... وَكَانَت رميما لَا يُرْجَى نشورها) قَالَ وَقَالَ وَالِدي أَبُو طي النجار من قصيدة (حلب شامة الشآم وَقد زيدت ... جلالا بِيُوسُف وجمالا) (هِيَ آس الفخار من نَالَ أَعْلَاهَا ... تَعَالَى فخامة وتغالا) (وَمحل الْعَلَاء من حل فِيهَا ... تاه كبرا وَعزة وجلالا) (من حواها مملكا ملك الأَرْض ... اقتسارا سهولة وجبالا) (فافترعها مهنأ بِمحل ... سمق الأنجم الوضاء وطالا) قَالَ وحَدثني جمَاعَة من الحلبيين مِنْهُم الرُّكْن ابْن جهبل الْعدْل قَالَ كَانَ الْفَقِيه مجد الدّين بن جهبل الشَّافِعِي الْحلَبِي قد وَقع إِلَيْهِ تَفْسِير

стр. 1070

الْقُرْآن لأبي الحكم المغربي فَوجدَ فِيهِ عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿الم غلبت الرّوم﴾ الْآيَة أَن أَبَا الحكم قَالَ إِن الرّوم يغلبُونَ فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة وَيفتح الْبَيْت الْمُقَدّس وَيصير دَارا لِلْإِسْلَامِ إِلَى آخر الْأَبَد وَاسْتدلَّ على ذَلِك بأَشْيَاء ذكرهَا فِي كِتَابه فَلَمَّا فتح السُّلْطَان حلب كتب إِلَيْهِ الْمجد بن جهبل ورقة تبشره بِفَتْح الْبَيْت الْمُقَدّس على يَدَيْهِ ويعين فِيهِ الزَّمَان الَّذِي يَفْتَحهُ فِيهِ وَأعْطى الورقة للفقيه عِيسَى فَلَمَّا وقف الْفَقِيه عِيسَى عَلَيْهَا لم يتجاسر على عرضهَا على السُّلْطَان وَحدث بِمَا فِي الورقة لمحيي الدّين بن زكي الدّين القَاضِي الدِّمَشْقِي وَكَانَ ابْن زكي الدّين واثقا بعقل ابْن جهبل وَأَنه لَا يقدم على هَذَا القَوْل حَتَّى يحققه ويثق بِهِ فَعمل قصيدة مدح السُّلْطَان بهَا حِين فتح حلب فِي صفر وَقَالَ فِيهَا (وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر ... قضى لكم بافتتاح الْقُدس فِي رَجَب)

стр. 1071

وَلما سمع السُّلْطَان ذَلِك تعجب من مقَالَته ثمَّ حِين فتح السُّلْطَان الْبَيْت الْمُقَدّس خرج إِلَيْهِ الْمجد بن جهبل مهنئا لَهُ بفتحه وحدثه حَدِيث الورقة فتعجب السُّلْطَان من قَوْله وَقَالَ قد سبق إِلَى ذَلِك محيي الدّين بن زكي الدّين غير أَنِّي أجعَل لَك حظا لَا يزاحمك فِيهِ أحد ثمَّ جمع لَهُ من فِي الْعَسْكَر من الْفُقَهَاء وَأهل الدّين ثمَّ أدخلهُ إِلَى الْقُدس والفرنج بعد مَا خَرجُوا مِنْهُ وَأمره أَن يذكر درسا من الْفِقْه على الصَّخْرَة فَدخل وَذكر درسا هُنَاكَ وحظي بِمَا لم يحظ بِهِ غَيره قلت وَسَيَأْتِي فِي فتح بَيت الْمُقَدّس فِي فصل الْمِنْبَر ذكر مَا قَالَه أَبُو الحكم فِي تَفْسِيره وَغَيره مِمَّا يُنَاسِبه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقَالَ الْعِمَاد تمّ فتح حلب فِي صفر من هَذِه السّنة ومدح القَاضِي محيي الدّين بن الزكي السُّلْطَان بِأَبْيَات مِنْهَا (وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر ... مُبشر بفتوح الْقُدس فِي رَجَب) فَوَافَقَ فتح الْقُدس كَمَا ذكره فَكَأَنَّهُ من الْغَيْب ابتكره قَالَ وَيُشبه هَذَا أنني فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين طلبت من السُّلْطَان جَارِيَة من سبي الأسطول الْمَنْصُور فِي الأبيات وَهِي (يؤمل الْمَمْلُوك مَمْلُوكَة ... تبدل الوحشة بالأنس) (تخرجه من ليل وسواسه ... بطلعة تشرق كَالشَّمْسِ) (فوحدة الْعزبَة قد حركت ... سواكن البلبال والمس)

стр. 1072

(فَلَا تدع يهدم شَيْطَانه ... مَا أحكم التَّقْوَى من الأس) (فَوَقع الْيَوْم بمطلوبه ... مِمَّا سبى الأسطول بالْأَمْس) (لَا زلت وهابا لما حازه ... سَيْفك من حور وَمن لعس) (وإنني آمل من بعْدهَا ... كرائم السَّبي من الْقُدس) قَالَ فجَاء الْأَمر على وفْق الأمل فوهب لي عَام الْقُدس مَا أملت فصل فِيمَا جرى بعد فتح حلب قَالَ ابْن أبي طي كَاتب الْوَالِي بحارم الفرنج واستدعاهم إِلَيْهِ مطمعا لَهُم فِي الِاسْتِيلَاء على حارم بِشَرْط أَن يعصموه من الْملك النَّاصِر وَعلم الأجناد بقلعة حارم بِمَا عزم عَلَيْهِ فتآمروا بَينهم فِي الْقَبْض عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا الْوَالِي ينزل من القلعة ويصعد إِلَيْهَا فِي أُمُوره ولذاته فاتفق أَنه نزل مِنْهَا لبَعض شَأْنه فَوَثَبَ أهل القلعة لما خرج وَأَغْلقُوا بَابهَا وَنَادَوْا بشعار السُّلْطَان وَكَانَ السُّلْطَان راسل وَالِي حارم وبذل لَهُ فِي تَسْلِيم حارم إِلَيْهِ أَشْيَاء كَثِيرَة مِنْهَا ولَايَة بصرى وضيعة فِي دمشق يملكهُ إِيَّاهَا وَدَار العقيقي الَّتِي كَانَ نجم الدّين أَيُّوب وَالِد السُّلْطَان يسكنهَا وحمام العقيقي بِدِمَشْق وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار عينا ولأخيه عشرَة آلَاف دِينَار فاشتط فِي السّوم وتغالى فِي الْعِوَض فأنفذ إِلَيْهِ السُّلْطَان وتوعده وتهدده فكاتب الفرنج يطْلب نجدتهم وَقيل إِن نقيب القلعة أَرَادَ أَن تنْفق سوقه عِنْد السُّلْطَان وَيحصل مِنْهُ شَيْئا فكاتب السُّلْطَان بِالْعَمَلِ على الْوَالِي فَكتب

стр. 1073

إِلَيْهِ السُّلْطَان بتتميم ذَلِك ووعده بأَشْيَاء سكن إِلَيْهَا وَجرى الْأَمر على مَا ذَكرْنَاهُ من إغلاق الْبَاب فِي وَجه الْوَالِي وَقيل إِن النَّقِيب وَأهل القلعة لما أغلقوا الْبَاب فِي وَجهه شنعوا عَلَيْهِ بمكاتبة الفرنج وَلم يكن فعل ذَلِك إِقَامَة لعذرهم وقذفوه بِالْحِجَارَةِ وَنَادَوْا بشعار السُّلْطَان وَلما اتَّصل بالسلطان هَذِه الْأَحْوَال أنفد تَقِيّ الدّين إِلَى حارم ليتسلمها فَامْتنعَ النَّقِيب وَأهل القلعة من تَسْلِيمهَا إِلَيْهِ فَرَحل السُّلْطَان إِلَيْهَا بِنَفسِهِ جَرِيدَة فَلَمَّا أشرف عَلَيْهَا نزل إِلَيْهِ النَّقِيب ووجوه القلعيين وسلموها إِلَيْهِ فِي تَاسِع عشر صفر وَلما حَضَرُوا عِنْد السُّلْطَان حدثوه بكيفية الْحَال وَكَانَ بدر الدّين حسن ابْن الداية حَاضرا فَقَالَ للسُّلْطَان يَا مَوْلَانَا لَا تلْتَفت إِلَى هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم آذوا هَذَا الْوَالِي وكذبوا عَلَيْهِ حَتَّى فوتوه مَا كَانَ السُّلْطَان وعده بِهِ وَمَا قلت هَذَا إِلَّا عَن تجربة فإنني لما كنت مُتَوَلِّيًا لهَذِهِ القلعة جرى عَليّ من كذبهمْ فِي حَقي وتخرصهم عَليّ أمورا كدت بهَا أهلك مَعَ نور الدّين وهم كَانُوا سَبَب خروجي من هَذِه القلعة وَأَنا أرى أَن السُّلْطَان يقرهم فِي القلعة على هَذِه التجربة فَضَحِك السُّلْطَان وَأمر لَهُم بِمَا كَانَ وعدهم بِهِ وَأفضل عَلَيْهِم وَولى القلعة غَيرهم وَقَالَ لِابْنِ الداية إِن بَين أَيْدِينَا أمكنة نُرِيد أَخذهَا وَمَتى لم نف بِمَا نعد ونجزل الْعَطاء لم يَثِق بِنَا أحد وَبَات السُّلْطَان بقلعة حارم لَيْلَتَيْنِ وَعَاد إِلَى حلب فِي ثَالِث ربيع الأول فرتبها وَقرر وَلَده الظَّاهِر سُلْطَانا بهَا وَقرر لَهُ فِي كل شهر أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم وَعشْرين كمة وقباء وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الطَّعَام وَغَيره وَجعل

стр. 1074

مَعَه واليا سيف الدّين أزكش الْأَسدي وَولى حسام الدّين تميرك الخليفتي شحنة حلب وَولى الدِّيوَان نَاصح الدّين إِسْمَاعِيل بن العميد الدِّمَشْقِي وَدَار الضَّرْب فَضرب الدِّرْهَم الناصري الَّذِي سكته خَاتم سُلَيْمَان وَنقل الخطابة من بني العديم إِلَى أبي البركات بن الْخَطِيب هَاشم بسفارة القَاضِي الْفَاضِل وَولى الْقَضَاء لمحيي الدّين بن زكي الدّين الدِّمَشْقِي فاستناب فِيهِ ابْن عمته أَبَا الْبَيَان نبأ بن البانياسي وَولى الْجَامِع وَالْوُقُوف لأبي عَليّ بن العجمي وَقَالَ الْعِمَاد كَانَ فِي قلعة صارم مَمْلُوك من مماليك نور الدّين ﵀ فعصى وتأبى عَن تَسْلِيمهَا فَأخْرجهُ مِنْهَا أَهلهَا لما اتَّهَمُوهُ بمكاتبة الفرنج وَأَرْسلُوا إِلَى السُّلْطَان فتسلمها ودبر أمرهَا وأحكمها وَقَالَ ابْن شَدَّاد أنفذ إِلَى حَازِم من يتسلمها ودافعهم الْوَالِي فأنفذ الأجناد الَّذين بهَا يستحلفونه فوصل خبرهم إِلَيْهِ يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشري صفر فَحلف لَهُم وَسَار من وقته إِلَى حارم فوصلها تَاسِع عشري صفر فتسلمها وَبَات بهَا لَيْلَتَيْنِ وَقرر قواعدها وَولى فِيهَا إِبْرَاهِيم بن شروه وَعَاد إِلَى حلب فَدَخلَهَا ثَالِث ربيع الأول ثمَّ أعْطى العساكر دستورا فَسَار

стр. 1075

كل مِنْهُم إِلَى بَلَده وَأقَام يُقرر قَوَاعِد حلب وَيُدبر أمورها قَالَ الْعِمَاد ورجفت أنطاكية بعد ذَلِك رعْبًا فَأرْسل صَاحبهَا جمَاعَة من أُسَارَى الْمُسلمين وانقاد وسارع إِلَى أَمَان السُّلْطَان وَولى السُّلْطَان الْقَضَاء بحلب محيي الدّين بن الزكي فاستناب فِيهَا زين الدّين نبأ بن الْفضل بن سُلَيْمَان الْمَعْرُوف بِابْن البانياسي وكشف السُّلْطَان عَن حلب الْمَظَالِم وأزال المكوس وَولى قلعتها سيف الدّين يازكوج وَولى الدِّيوَان نَاصح الدّين إِسْمَاعِيل بن العميد وَجعل حلب باسم وَلَده الْملك الظَّاهِر غَازِي وَكَانَ استصحبه من مصر عِنْد وُصُوله إِلَى الشَّام وَأقر عين تَابَ على صَاحبهَا وَأعْطى تل خَالِد وتل بَاشر بدر الدّين دلدرم بن بهاء الدولة بن ياروق وَأعْطى قلعة عزاز علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر قلت وَفِي توقيع إِسْقَاط المكوس عَن حلب من كَلَام الْفَاضِل عَن السُّلْطَان وانْتهى إِلَيْنَا أَن بِمَدِينَة حلب رسوما استمرت الْأَيْدِي على تنَاولهَا والألسنة على تداولها وفيهَا بالرعاة إرفاق وبالرعايا إِضْرَار وَلها مِقْدَار إِلَّا عِنْد من كل شَيْء عِنْده بِمِقْدَار مِنْهَا مَا هُوَ على الأثواب المجلوبة وَمِنْهَا مَا هُوَ على الدَّوَابّ المركوبة وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي المعايش الْمَطْلُوبَة وَقد رَأينَا بِنِعْمَة الله علينا أَن نبطلها ونضعها ونعطلها وندعها ونضرب عَنْهَا فِي أيامنا ونضرب عَلَيْهَا بأقلامنا ونسلك مَا هُوَ

стр. 1076

أهْدى سبلا ونقول مَا هُوَ أقوم قيلا ونكره مَا كرهه الله ونحظر مَا حظره الله ونتاجره سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ من ترك لله شَيْئا عوضه الله أَمْثَاله وأربح متجره فِي الرّعية الْيَوْم بِمَا يوضع عَنْهُم من إصرها وَلنَا غَدا بِمَشِيئَة الله بِمَا يرفع من أجرهَا فعلى كَافَّة أوليائنا وولاتنا وأمرائنا والمتصرفين من قبلنَا أَلا يهووا إِلَيْهَا يدا وَلَا يردوا وَلَو بلغ الظمأ مِنْهَا موردا وَلَا يثقلوا بهَا ميزَان المَال فيخف ميزَان الْأَعْمَال وَلَا يَرْغَبُوا فِي كثير الْحَرَام فَإِن الله يُغني عَنهُ بِقَلِيل الْحَلَال وليعلم أَن ذَلِك من الْأَمر الْمُحكم وَالْقَضَاء المبرم والعزم المتمم وَفِي منشور أهل الرقة بِمثل ذَلِك أَشْقَى الْأُمَرَاء من سمن كيسه وأهزل الْخلق وأبعدهم من الْحق من أَخذ الْبَاطِل من النَّاس وَسَماهُ الْحق وَمن ترك شَيْئا عوضه الله وَمن أقْرض الله قرضا حسنا وفاه مَا أقْرضهُ وَلما انْتهى أمرنَا إِلَى فتح الرقة أَشْرَفنَا مِنْهَا على سحت يُؤْكَل وظلم مِمَّا أَمر الله بِهِ أَن يقطع وَأمر الظَّالِمُونَ أَن يُوصل فأوجبنا على أَنْفُسنَا وعَلى كَافَّة الْوُلَاة من قبلنَا أَن يضعوا هَذِه الرسوم بأسرها ويلقوا الرعايا من بشائر أَيَّام ملكنا بأسرها ونعتق بلد الرقة من رقها وَنثْبت أَحْكَام المعدلة فِيهَا بمحو هَذِه الرسوم ومحقها وَقد أمرنَا بِأَن تسد هَذِه الْأَبْوَاب وتعطل وتنسخ هَذِه الْأَسْبَاب وَتبطل وتستمطر سحائب الخصب بِالْعَدْلِ وتستنزل ويعفى خبر هَذِه الضرائب من الدَّوَاوِين ويسامح بهَا جَمِيعهَا جَمِيع الْأَغْنِيَاء وَالْمَسَاكِين مُسَامَحَة مَاضِيَة الْأَحْكَام مستمرة الْأَيَّام دائمة الخلود خالدة

стр. 1077

الدَّوَام تَامَّة الْبَلَاغ بَالِغَة التَّمام مَوْصُولَة على الأحقاب مسنونة فِي الأعقاب ملعونا من يطمح إِلَيْهَا ناظره وتتناولها يَده أَو يمسك عَنْهَا الْيَوْم على طمع لَا يوصله إِلَيْهِ غده قَالَ الْعِمَاد وَورد على السُّلْطَان وَهُوَ نَازل على حلب بشارتان إحدهما أَن الأسطول الْمصْرِيّ غزا فِي خَامِس عشر محرم وَرجع بعد تِسْعَة أَيَّام وَقد ظفر ببطسة مقلعة من الشَّام فِيهَا ثَلَاث مئة وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ علجا من خيالة وتجار وَالثَّانيَِة أَن فرنج الداروم نهضوا فَنَذر بهم وَالِي الشرقية فَخرج إِلَيْهِم فَالْتَقوا على مَاء يعرف بالعسيلة فاستولى عَلَيْهِم الْمُسلمُونَ بعد أَن كَادُوا يهْلكُونَ عطشا لِأَن الفرنج كَانُوا قد ملكوا المَاء فأرواهم الله بِمَاء السَّمَاء قلت وَكتب الْفَاضِل عَن السُّلْطَان إِلَى بَغْدَاد بِهَاتَيْنِ البشارتين بِفَتْح حلب وحارم كتابا شافيا أَوله أدام الله أَيَّام الدِّيوَان الْعَزِيز وَلَا زَالَت منَازِل مَمْلَكَته منَازِل التَّقْدِيس والتطهير وَالْوُقُوف بأقصى المطارح من أبوابه مُوجبا للتقديم وَالتَّقْدِير وَالْأمة مَجْمُوعَة الشمل بإمامته جمع السَّلامَة لَا جمع التكسير الْخَادِم يُنْهِي أَن الَّذِي يفتتحه من الْبِلَاد ويتسلمه إِمَّا بِسُكُون التغمد أَو بحركة مَا فِي الأغماد إِنَّمَا يعده طَرِيقا إِلَى الاستنفار إِلَى بِلَاد الْكفَّار ويحسبه جنَاحا يُمكنهُ بِهِ المطار إِلَى مَا يلابسه الْكفَّار من الأقطار وعَلى هَذِه الْمُقدمَة فَهُوَ يستفتح بِذكر ظفرين لِلْإِسْلَامِ بري وبحري شَامي ومصري أَحدهمَا وَهُوَ البحري عود أحد الأسطولين اللَّذين أغزاهما أَخُو الْخَادِم

стр. 1078

أَبُو بكر بِمصْر وَكَانَت مُدَّة غيبته من حِين خُرُوجه إِلَى وَقت عوده إِلَى دمياط تِسْعَة أَيَّام فظفر ببطسة مقلعة من الشَّام فِيهَا ثَلَاث مئة وَخَمْسَة وَسَبْعُونَ علجا مِنْهُم خيالة ذَوُو شكة وازعة وتجار ذَوُو ثروة وَاسِعَة وَالثَّانِي وَهُوَ الْبري نهوض فرنج الداروم إِلَى أَطْرَاف بعيدَة فَنَذر بهم وَالِي الشرقية فَركب إِلَيْهِم اللَّيْل فرسا كَمَا ركبوه جملا وسروا ثقيلا وسرى رملا فتوافى الْفَرِيقَانِ إِلَى مَاء يعرف بالعسيلة سبق الفرنج إِلَى موردته وَالسَّابِق إِلَى المَاء محاصر للمسبوق ووردوا أزرقه فتغضب لأزرقهم فَظن الْمُؤمن أَن الْكَافِر مَرْزُوق وَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمين الْعَطش ثمَّ ثابوا إِلَى الفرنج بِقُوَّة إنجاد السَّمَاء بِالْمَاءِ فَلم ينج من الفرنج إِلَّا رجلَانِ أَحدهمَا الدَّلِيل وَالثَّانِي الذَّلِيل وَعَاد الْمُسلمُونَ برؤوس عدوهم فِي رُؤُوس القنا وَقد اجتنوا ثمراتها وبأرواحهم فِي رُؤُوس الظبى وَقد أطفؤوا بِمَائِهَا جمراتها ثمَّ قَالَ ويثني الْخَادِم بِذكر مَا امتثله من الْأَوَامِر الْعلية فِي إغماد سيف مجرده من استدعى تجريده ومورده من عرض لَهُ وريده ثمَّ ذكر تسلمه حلب وَأَنه لَا يُؤثر إِلَّا أَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا لَا غير وثغور الْمُسلمين لَهَا الرعايا وَلَا ضير وَلَا يخْتَار إِلَّا أَن تغدوا جيوش الْمُسلمين متحاشدة على عدوها لَا متحاسدة بعتوها وَلَو أَن أُمُور الْحَرْب تصلحها الشّركَة لما عز عَلَيْهِ أَن يكون كثير المشاركين وَلَا سَاءَهُ أَن تكون الدُّنْيَا كَثِيرَة

стр. 1079

المالكين وَإِنَّمَا أُمُور الْحَرْب لَا تحْتَمل فِي التَّدْبِير إِلَّا الْوحدَة فَإِذا صَحَّ التَّدْبِير لم يحْتَمل فِي اللِّقَاء إِلَّا الْعدة فعوض عماد الدّين من بِلَاد الجزيرة سنجار وخابورها ونصيبين والرقة وسروج على أَن الْمَظَالِم تَمُوت فَلَا ينشر مقبورها والعساكر تنشر راية غزوها فَلَا يطوى منشورها وَأجَاب الْخَادِم عماد الدّين إِلَى مَا سَأَلَ فِيهِ من أَن يُصَالح المواصلة مهما استقاموا لعماد الدّين لِأَنَّهُ لم يَثِق بهم وَإِن كَانَ لَهُم أَخا وَلم يطمئن إِلَى مجاورتهم إِلَى أَن يضْرب بَينه وَبينهمْ من عنايته برزخا فليلح الْآن عذر الْأَجْنَبِيّ إِذا لم يَثِق ولتكن هَذِه مصحية من عوتب فِي سكره حسن الظَّن فَلم يفق وَمن شَرطه على المواصلة المعونة بعسكرهم فِي غَزَوَاته وَالْخُرُوج عَن الْمَظَالِم فَمَا زَاد على أَن قَالَ سالموا مُسلما وحاربوا كَافِرًا واسكنوا لتَكون الرّعية سَاكِنة وأظهروا ليَكُون حزب الله ظَاهرا وَهَذِه الْمَقَاصِد الثَّلَاثَة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله والكف عَن مظالم عباد الله وَالطَّاعَة لخليفة الله هِيَ مُرَاد الْخَادِم من الْبِلَاد إِذا فتحهَا ومغنمه من الدُّنْيَا إِذا منحها وَالله الْعَالم أَنه لَا يُقَاتل لعيش أَلين من عَيْش وَلَا لغضب يمْلَأ الْعَنَان من نزق وطيش وَلَا يُرِيد إِلَّا هَذِه الْأُمُور الَّتِي قد توسم أَنَّهَا تلْزم وَلَا يَنْوِي إِلَّا هَذِه النِّيَّة الَّتِي هِيَ خير مَا يسطر فِي الصَّحِيفَة ويرقم وَكتب الْخَادِم هَذِه الْخدمَة بعد أَن بَات بحلب لَيْلَة وَخرج مِنْهَا إِلَى حارم وَكَانَت استحفظت مَمْلُوكا لَا يملكهُ دين وَلَا عقل غرا مَا هذبته نفس وَلَا أهل فَاعْتقد أَن يُسَلِّمهَا إِلَى صَاحب أنطاكية يسر الله فتحهَا اعتقادا صرح بِفِعْلِهِ وشهره بكتبه وَرُسُله وواطأ على ذَلِك نَفرا من رجال يعْرفُونَ بالشمسية لَا يعْرفُونَ خَالِقًا إِلَّا من عرفوه رازقا وَلَا يَسْجُدُونَ إِلَّا لمن يرونه فِي نهر النَّهَار سابحا وَفِي بَحر الظلام غارقا فشعر بِهِ من فِيهَا

стр. 1080

من الأجناد الْمُسلمين فشردوه وَمن تَابعه على فعله وظفر بِهِ الْمَمْلُوك عمر ابْن أَخِيه فِي ضواحي الْبَلَد فَأَخذه وأرسله إِلَى قلعة حلب وَسَار الْخَادِم إِلَيْهَا فتسلمها ورتب بهَا حامية ورابطة وَلم يعْمل على أَنَّهَا للْعَمَل طرف بل أَنَّهَا للْعقد وَاسِطَة وَالْخَادِم كَمَا طالع بماضيه الَّذِي حازه الأمس الْمَذْكُور يطالع بمستقبله الَّذِي يُنجزهُ بِمَشِيئَة الله الْغَد المشكور فَهُوَ متأهب لِلْخُرُوجِ نَحْو الْكفَّار لَا تسأم رايته النصب وَلَا جِهَة سيره الرّفْع وَلَا جَيْشه الْجَرّ وَلَا يصغي إِلَى قَول خاطر الرَّاحَة المفند لَا تنفرُوا فِي الْحر وَلَا يُجيب دَعْوَة الْفراش الممهد وَلَا يعرج على الظَّن الْمَمْدُود وَلَا دمية الطراف الممدد وَلَا يعْطف على رَيْحَانَة فؤاد يُفَارِقهُ حولا ويلقاه يَوْمًا وَلَا يُقيم على زهرَة ولد اسْتهلّ فَمَتَى ذكره الْفطر على رَاحَته قَالَ ﴿إِنِّي نذرت للرحمن صوما﴾ وَمن كتاب آخر أنفذه من نَصِيبين سنة ثَمَان وَسبعين إِلَى بَغْدَاد سَبِيل الْخَادِم أَن يبْنى وَلَا يهدم ويوفر جَانِبه وَلَا يثلم وَأَن يفرق بَينه وَبَين من يمسكون أَعِنَّة الْجِيَاد المسومة وَلَا يطلقونها ويكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة

стр. 1081

وَلَا يُنْفِقُونَهَا فقد علم أَن الْخَادِم بيُوت أَمْوَاله فِي بيُوت رِجَاله وَأَن مَوَاطِن نُزُوله فِي مَوَاقِف نزاله ومضارب خيامه لَا أكنة ظلاله وَأَنه لَا يدّخر من الدُّنْيَا إِلَّا شكته وَلَا ينَال من الْعَيْش إِلَّا مسكته وعدو الْإِسْلَام شَدِيد على الْإِسْلَام كَلْبه مضطرم على أَهله لهبه زجل إِذا أصغت أسماع التَّأَمُّل لجبه وَلَو أَن أحد من يَدعِي الْملك مِيرَاثا ويعد الْبِلَاد لَهُ تراثا دفع إِلَى مدافعة هَذَا الْعَدو الْكَافِر وَإِلَى منافرة هَذَا الْفَرِيق النافر لعرفته الْأَيَّام مَا هُوَ جاهله ولقلدته الْحَرْب مَا هُوَ قَاتله ولحملته الْأَهْوَال مَا تخور تَحْتَهُ محامله وَفِي كتاب آخر وَإِذا ولاه أَمِير الْمُؤمنِينَ ثغرا لم يبت فِي وَسطه وَأصْبح فِي طرفه وَإِذا سوغه بَلَدا هجر فِي ظلّ خيمه وَلم يقم فِي ظلّ غرفه وَإِذا بَات بَات السَّيْف لَهُ ضجيعا وَإِذا أصبح أصبح ومعترك الْقِتَال لَهُ ربيعا لَا كَالَّذِين يغبون أَبْوَاب الْخلَافَة إغباب الاستبداد وَلَا يؤامرونها فِي تصرفاتهم مُؤَامَرَة الاستعباد وَكَأن الدُّنْيَا لَهُم إقطاع لَا إِيدَاع وَكَأن الْإِمَارَة لَهُم تخليد لَا تَقْلِيد وَكَأن السِّلَاح عِنْدهم زِينَة لحامله ولابسه وَكَأن مَال الْخلق عِنْدهم وَدِيعَة فَلَا عذر عِنْدهم لمانعه وَلَا لحابسه وَكَأَنَّهُم فِي الْبيُوت دمى مصورة فِي لُزُوم جدرها لَا فِي مستحسنات صورها راضين من

стр. 1082

الدّين بالغزوة اللقبية وَمن إعلاء كَلمته بِمَا يسمعونه على الدَّرَجَات الخشبية وَمن جِهَاد الخارجين على الدولة باستحسان الْأَخْبَار المهلبية وَمن قتال الْكفَّار بِأَنَّهُ فرض كِفَايَة تقوم بِهِ طَائِفَة فَيسْقط عَن الْأُخْرَى فِي أخراها وَمن طَاعَة الْخلَافَة بِذكر اسْمهَا وَالْخُرُوج عَن سيماها فَلَا يقنعون بِأَنَّهُم لَا يجاهدون إِلَى أَن يمنعوا من يُجَاهد عَنْهُم ويثاغر وبأنهم لَا يساعدون الْمُسلمين إِلَى أَن يساعدوا عَلَيْهِم عدوهم الْكَافِر فقد توالوا الشَّيْطَان تليدا وطريفا ووطئوا الْإِسْلَام وَأَهله وطأ عنيفا فَإِذا جَاءَ وعد الْآخِرَة جَاءَ الله بهم فِي زمرة الشَّيْطَان لفيفا وَقَالَ فِي هَذَا الْكتاب إِن المواصلة مَا فزعوا إِلَى دَار الْخلَافَة إِلَّا بعد أَن فزعوا وَإِلَّا فطالما طمع أَوَّلهمْ كَمَا طمعوا وقديما دعوا إِلَى طاعتها فَمَا سمعُوا وسمعوا فَمَا اتبعُوا حَتَّى إِن الْأَوَّلين مِنْهُم علمُوا أَوْلِيَاء الدولة من الأتراك ضد مَا جبلت أَخْلَاقهم عَلَيْهِ من عقوقها وسنوا لَهُم إِضَاعَة حُقُوق الله بإضاعة حُقُوقهَا فَأَيْنَ كَانَ التَّعَلُّق بِالدَّار العزيزة وهم يحاصرون دَار السَّلَام بأحزابهم ويرامون التَّاج الشريف بنشابهم ويمدون محاصريها بالأسلحة والمنجنيقات والأزواد والإقامات ويصافون الْخُلَفَاء مصافة المواقف ويكاشفونهم مكاشفة الْمُخَالف ويغرون دزدار تكريت وَهِي من أَهْون بِلَاد الله بجور الْجوَار ويجعلونها سجنا

стр. 1083

لمماليك الْخلَافَة ذَوي الأقدار وَلَو تحرّك الْيَوْم متحرك لكانوا لَهُ كنَانَة ولكانت بِلَادهمْ لَهُ خزانَة ويرجو الْخَادِم بالموصل أَن تكون الْموصل إِلَى الْقُدس وسواحله ومستقر الْكفْر فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة على بعد مراحله وبلاد الكرج فَلَو أَن لَهُم من الْإِسْلَام جارا لاستباح الدَّار وبلاد أَوْلَاد عبد الْمُؤمن فَلَو أَن لَهَا مَاء سيف لأطفأ مَا فِيهَا من النَّار إِلَى أَن تعلو كلمة الله الْعليا وتملأ الْولَايَة العباسية الدُّنْيَا وتعود الْكَنَائِس مَسَاجِد والمذابح المستعبدة معابد والصليب الْمَرْفُوع حطبا فِي المواقد والناقوس الصهل أخرس اللهجة فِي الْمشَاهد ويضيف إِلَى الدِّيوَان بِمَشِيئَة الله مَا يُجَاوز أكنافه ويمد أَطْرَافه مثل تكريت ودقوقا والبوازيج وخوزستان وكيش وعمان وَالَّذِي وَقع أعظم من الَّذِي يتَوَقَّع وَالَّذِي طلع أَكثر من الَّذِي يتطلع وَالَّذِي رئي أمس أكبر من الَّذِي يسمع قلت يَعْنِي أَن مَا فَتحه من الْبِلَاد أعظم من هَذِه الَّتِي يرجوها وَأَشَارَ بِفعل أول المواصلة إِلَى مَا سبق من فعل زنكي فِي حِصَار بَغْدَاد ومساعدته للسلجوقية على الْعَادة فِي ذَلِك الزَّمَان وَالله أعلم وَفِي آخر كتاب فاضلي إِلَى حطَّان بن منقذ بِالْيمن عَن السُّلْطَان فتح الله علينا ممالك وأضافها وبلادا آمنها بِنَا مِمَّا أخافها وبلغنا غرائب صنع لَا نبلغ أوصافها مِنْهَا بِلَاد الشَّام بأسرها ومملكة حلب بجملتها وَالْمَدينَة بقلعتها وبلاد الجزيرة إِلَى دجلتها فَمِنْهَا مَا أُعِيد على من اشْترط عَلَيْهِ اسْتِخْدَام عسكره فِي بيكارنا وَمِنْهَا مَا اسْتمرّ فِي الْيَد وولاته من

стр. 1084

أوليائنا وأنصارنا وَلما لم يبْق فِي الْبِلَاد الإسلامية إِلَّا مَا هُوَ فِي يدنا أَو فِي يَد مُطِيع لنا كَانَ من شكر هَذِه النِّعْمَة أَن نصرف الْقُوَّة ونثني العزمة ونحد الشَّوْكَة ونلبس الشكة للفرنج الملاعين فتنازلهم ونقارعهم ونخاصمهم إِلَى الله وننازعهم فنطهر الأَرْض المقدسة من رجسهم بدمائهم إِلَى أَن ترق السيوف للصخرة الشَّرِيفَة لما مر بهَا من قسوة كفرهم واعتدائهم فَنحْن نرجو أَن نَكُون عين الطَّائِفَة من الْأمة الَّتِي أخبر نَبينَا صلوَات الله عَلَيْهِ أَنَّهَا لَا تزَال على الْحق ظَاهِرَة وبثواب الله وعدوه ظافرة وَالله تَعَالَى يعيننا على مَا يعنينا ويلهمنا الاستجابة لدعوته إِلَى مَا يحيينا فصل فِي رُجُوع السُّلْطَان إِلَى دمشق وَخُرُوجه مِنْهَا للغزاة بمخاضة الْأُرْدُن رَحل السُّلْطَان من حلب فَمر على حماة ثمَّ حمص ثمَّ بعلبك ثمَّ دمشق قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لم يقم السُّلْطَان فِي حلب إِلَّا إِلَى يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الآخر وَأَنْشَأَ عزما على الْغُزَاة فَخرج فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَى الوضيحي مبرزا نَحْو دمشق واستنهض العساكر فَخَرجُوا يتبعونه ثمَّ رَحل فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ إِلَى حماة فوصلها ثمَّ رَحل فِي بَقِيَّة يَوْمه وَلم يزل يواصل بَين الْمنَازل حَتَّى دخل دمشق فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى فَأَقَامَ بهَا متأهبا إِلَى السَّابِع وَالْعِشْرين مِنْهُ ثمَّ برز فِي ذَلِك الْيَوْم وَنزل على جسر الْخشب وتبعته العساكر مبرزة وَأقَام بِهِ تِسْعَة أَيَّام ثمَّ رَحل فِي ثامن جُمَادَى الْآخِرَة حَتَّى أَتَى الفوار وتعبى فِيهِ للحرب وَسَار

стр. 1085

حَتَّى نزل الْقصير فَبَاتَ بِهِ وَأصْبح على الْمَخَاض وَعبر وَسَار حَتَّى أَتَى بيسان فَوجدَ أَهلهَا قد نزحوا عَنْهَا وَتركُوا مَا كَانَ من ثقيل الأقمشة والغلال والأمتعة بهَا فنهبها الْعَسْكَر وغنموا وأحرقوا مَا لم يُمكن أَخذه وَسَار حَتَّى أَتَى الجالوت وَهِي قَرْيَة عامرة وَعِنْدهَا عين جَارِيَة فخيم بهَا وَكَانَ قد قدم عز الدّين جرديك وَجَمَاعَة من المماليك النورية وجاولي مَمْلُوك أَسد الدّين حَتَّى يكشفوا خبر الفرنج فاتفق أَنهم صادفوا عَسْكَر الكرك والشوبك سائرين نجدة للفرنج فَوَقع أَصْحَابنَا عَلَيْهِم وَقتلُوا مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة وأسروا مِنْهُم زهاء مئة نفر وعادوا وَلم يفقد من الْمُسلمين سوى شخص وَاحِد يدعى بهْرَام الشاووش فوصل إِلَيْهِ فِي بَقِيَّة يَوْم الكسرة وَهُوَ الْعَاشِر من جُمَادَى الْآخِرَة وَفِي حادي عشرَة وصل الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان أَن الفرنج قد اجْتَمعُوا فِي صفورية ورحلوا إِلَى الفولة وَهِي قَرْيَة مَعْرُوفَة وَكَانَ غَرَضه المصاف فَلَمَّا سمع بذلك تعبى لِلْقِتَالِ وَسَار للقاء الْعَدو فَالْتَقوا وَجرى قتال عَظِيم وَقتل من الْعَدو جمَاعَة وجرح جمَاعَة وهم يَنْضَم بَعضهم إِلَى بعض يحمي راجلهم فارسهم وَلم يخرجُوا للمصاف وَلم يزَالُوا سائرين حَتَّى أَتَوا الْعين فنزلوا عَلَيْهَا وَنزل السُّلْطَان حَولهمْ وَالْقَتْل وَالْجرْح يعْمل فيهم لِيخْرجُوا إِلَى المصاف وهم لَا يخرجُون لخوفهم من الْمُسلمين فَإِنَّهُم كَانُوا فِي كَثْرَة عَظِيمَة فَرَأى السُّلْطَان الانتزاح عَنْهُم لَعَلَّهُم

стр. 1086

يرحلون فَيضْرب مَعَهم مصَاف فَرَحل نَحْو الطّور سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة فَنزل تَحت الْجَبَل مترقبا رحيلهم ليَأْخُذ مِنْهُم فرْصَة فَأصْبح الفرنج رَاجِعين على أَعْقَابهم ناكصين فَرَحل ﵀ نحوهم وَجرى من رمي النشاب واستنهاضهم للمصاف أُمُور عَظِيمَة فَلم يخرجُوا وَلم يزل السُّلْطَان حَولهمْ حَتَّى نزلُوا الفولة رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ وَعَاد السُّلْطَان منصورا وَقد نَالَ مِنْهُم قتلا وأسرا وَخرب عفربلا وبيسان وزرعين وقرى عدَّة فَنزل الفوار وَأعْطى النَّاس دستورا فَسَار من آثر الْمسير وأتى هُوَ دمشق يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة قَالَ فَانْظُر إِلَى هَذِه الهمة الَّتِي لم يشغلها عَن الْغُزَاة أَخذ حلب وَلَا الظفر بهَا بل كَانَ غَرَضه رَحْمَة الله عَلَيْهِ الِاسْتِعَانَة بالبلاد على الْجِهَاد فَالله يحسن جزاءه فِي الْآخِرَة كَمَا وَفقه للأعمال المرضية فِي الدُّنْيَا وَقَالَ الْعِمَاد خرج السُّلْطَان إِلَى الْغَزْو ورابط الْعَدو بِعَين الجالوت وَعبر المخاضة الحسينية تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة فوصل إِلَى بيسان وَقد أخلاها أَهلهَا فَأطلق النَّاس فِيهَا النيرَان ونهبوا مَا فِيهَا وَكَذَلِكَ فعلوا بأبراج وقلاع غَيرهَا وصادفت مُقَدّمَة العساكر خيلا ورجلا للفرنج عابرين من نابلس ومقدمهم ابْن هنفري فَقتل مِنْهُم وَأسر وتوقل الْبَاقُونَ فِي الْجبَال وَوصل الْخَبَر بِأَن الفرنج قد أَقبلُوا فِي ألف وَخمْس مئة رمح وَمثله تركبلي وَخَمْسَة عشر ألف راجل فَأَتَاهُم الْمُسلمُونَ وَذَلِكَ على عين

стр. 1087

الجالوت فَأَخذهُم الرعب وخاموا عَن الْإِقْدَام عَلَيْهِم فخندقوا حَولهمْ وأسندوا ظُهُورهمْ إِلَى الْجَبَل وَأَقَامُوا كَذَلِك خَمْسَة أَيَّام فَلَمَّا رأى الْمُسلمُونَ مِنْهُم ذَلِك رجعُوا عَنْهُم فتنفس خناقهم ونكصوا على أَعْقَابهم إِلَى الناصرة وَعَاد الْمُسلمُونَ بالغنائم وَالْأسَارَى لم يخلص الْعَدو مِنْهَا شَيْئا وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة وَقد كَانُوا مُدَّة مقامهم يتخطفهم الْمُسلمُونَ من كل جَانب ويرمونهم بِالنَّبلِ وينتظرون أَن يحملوا أَولا كَمَا هُوَ عَادَتهم فَمَا فعلوا وَفِي كتاب فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى بَغْدَاد لما كَانَ بتاريخ الثَّامِن من جُمَادَى الْآخِرَة سَار الْخَادِم من أدنى الْمنَازل من بِلَاد الْإِسْلَام إِلَى بِلَاد الْكفْر وَقد تكاملت جنود الْإِسْلَام وتعينت ميامنه ومياسره وَأخذت أهبه وشحذت قضبه وَبَاعُوا الله مَا اشْتَرَاهُ وَمثل لأعينهم ثَوَابه فَكَأَنَّهَا ترَاهُ وَسَارُوا تَحت ليل عجاج ستر السائر تَحْتَهُ سراه وَأصْبح الْخَادِم وإياهم بِعَين الله فِي سَبيله على مَاء الْأُرْدُن وَهُوَ النَّهر الْفَاصِل بَين الْإِسْلَام وَالْكفْر والمخاضة الْمَضْرُوب مِنْهَا بسور على ذَلِك الْقطر فَخَاضَ ذَلِك الْبَحْر وَذَلِكَ النَّهر وأمدته نطف الْحَدِيد فَإِذا المَاء يَرْمِي بالشرر ويقذف بالجمر وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس ثَانِي يَوْم الْمسير وَهُوَ تَاسِع الشَّهْر وَلما جَازَ المخاضة أَخذ الْبِلَاد ضرب الْمَخَاض وزلزلت أرْضهَا فَهِيَ بالقوم ترض أَو للقيامة ترَاض وَأخذت رجال الْمُسلمين تنقص الأَرْض من أطرافها وتقلع قلاع الْجبَال وَتَطير رؤوسها من أكتافها فَإِذا الْبِلَاد قد انهزم أَهلهَا فألحقها الْمُسلمُونَ

стр. 1088

مساكنها فِي الْهَزِيمَة وعولوا فِيهَا على سيوف المعاول فَإِذا هِيَ رَاحِلَة وَكَأَنَّهَا مُقِيمَة وَهَذِه الْبِلَاد مدن مَا كَانَ غرم قبل مِنْهَا مدنيا وعمارات مَا كَانَ أمل إِلَيْهَا مفضيا بل طالما كَانَ عَنْهَا مغضيا مثل بيسان وعفربلا وزرعين وجينين كلهَا بِلَاد مشاهير لَهَا قرى مغلة وبساتين مظلة وأنهار مقلة وقلاع مطلة وأسوار قد ضربت على جهاتها وأحاطت بجنباتها واتخذتها المدن سياجا على قصباتها فغنم الْمُسلمُونَ مَا فِيهَا من أقوات مختزنة وشفوا مِنْهَا حزازات الْقُلُوب المضطغنة وأحرقوا أوعية كفرها بالنَّار وعذبوها عَذَاب أَهلهَا من الْكفَّار وقتلوها وَكَانَ الضرام لَهَا دَمًا وَكَتَبُوا عَلَيْهَا الخراب وَكَانَ السَّيْف فِيهَا قَلما فأجلوا عَن حماها حمما وتساقطت جدرها فَكَأَنَّمَا أسارت فِيهَا النَّوَى لمما وَلما كَانَ يَوْم السبت الْحَادِي عشر ورد الْخَبَر بِأَن عَسْكَر الْكَافرين قد ركب من مَكَان مجتمعه وزحف بلابسه ومدرعه فَركب الْخَادِم يبوئ الْمُؤمنِينَ مَوَاقِف الْقِتَال ومنازل النزال فَمن متسرع يطوف عَلَيْهِم بصفاح ليطاف عَلَيْهِ بصحاف وَمن متثبت يمشي إِلَى الْمَوْت مشي الْعَرُوس سَاعَة الزفاف وهنالك منظر ود الْمُؤْمِنُونَ لَو أَن أَمِيرهمْ لَهُ نَاظر كَمَا هُوَ بِهِ أَمر وَلَا غرو أَن يصفه الْخَادِم ليسر المخدوم لَا ليوصف الْخَادِم وَمن وصف ضَرْبَة السَّيْف فَإِنَّمَا وصف الضَّارِب وَلم يصف الصارم وَنزل الْعَدو إِلَى الأَرْض منحطا عَن سَرْجه ومنحازا عَن فجه وسالكا نهجا غير نهجه وأحدق بِهِ راجله وَهُوَ زهاء عشْرين ألف راجل وركز صَلِيب صلبوته فَاسْتَوَى فِي الْعَجز الْمَحْمُول وَالْحَامِل وَنزل محصورا وَخَنْدَق فَكَأَنَّمَا

стр. 1089

أصبح الْكَافِر فِي حفر ذَلِك الخَنْدَق مقبورا وَأقَام بإزائه خَمْسَة أَيَّام تماسيه الوقائع وتصاحبه وتماشيه الروائع وتصافحه ويفزع فِيهِ إِلَى الحفير ويتكرر إِلَيْهِ فِي الْيَوْم الْوَاحِد النفير وَيبْعَث إِلَيْهِ السهْم وَهُوَ فِي الْحَرْب السفير فَيقبل تَحِيَّة الضَّرْب مترددة وَلَا يردهَا وتتبسم إِلَيْهِ صفيحة النصل متوددة فَلَا يودها ويجتهد فِي استخراجه وَقد رأى العزائم وَلم يخرج لدعوتها والمكارم وَلم يرحل لبغيتها وَمن كتاب آخر إِلَى وَزِير بَغْدَاد أثاروا على يَوْم الْكفْر لَيْلَة عجاج جعلت ليل من وَرَاءَهُمْ من الْإِسْلَام سكنا وصبروا وَصَابِرُوا فَكَأَنَّمَا كَانَ السَّيْف لَهُم أليفا وَكَانَ المعترك لَهُم وطنا وَأخذت فِي الْبِلَاد النَّار مأخذها ونفذت فِيهَا الْغَيْر منافذها وثلت عروشها وثلت غروسها وجليت فِي مصبغات النيرَان عروسها وأصبحت تناجي الْعُيُون ثواكلها وتصف النَّوَازِل منازلها دمنا على الأطلال مطلولة وصرعى بسيوف الْبلَاء مقتولة وَجَاء الْعَدو فأحدقت بِهِ الْأَبْطَال وتنجزت عَادَة حَملته فمطلت وَمَا كَانَ خلقهَا المطال فَلَمَّا كثر الله الْمُسلمين فِي عيونهم وَرَأَوا بهَا مَا لم يَكُونُوا يرونه قبلهَا بظنوهم وَاسْتَمَدُّوا مغاني الشكوى لتبوح بهَا ألسنتهم إِذا خلوا إِلَى شياطينهم فأخلدوا إِلَى الأَرْض نازلين وقعدوا عَن الحملة ناكلين وَاتَّقَى فارسهم براجله ورامحهم بنابله ولاذ سيفهم بجفنه وَلَا خير فِي حامله ولاذ جفْنه بأطراقه خوفًا من كحله بِسَهْم قَاتله وَأَقَامُوا مَحْصُورين لَا يَسْتَطِيعُونَ وردا وَلَا صَدرا وَلَا يَجدونَ مُتَقَدما وَلَا مُتَأَخِّرًا فَمَا كَانَ للكفر فِئَة ينصرونه من دون الله وَمَا كَانَ منتصرا وعزف النصل فِي لحن

стр. 1090

السَّيْف أَن الشجَاعَة والنكول أَمْرَانِ يقذفهما الله فِي الْقُلُوب فَلَا يقل النَّاس كَيفَ فصل فِي ولَايَة الْملك الْعَادِل حلب وَولَايَة تَقِيّ الدّين مصر وَغير ذَلِك قَالَ الْعِمَاد وَقد كَانَ الْعَادِل نَائِبا بِمصْر فَلَمَّا فتح السُّلْطَان حلب كتب الْعَادِل إِلَيْهِ يطْلبهَا مِنْهُ مَعَ أَعمالهَا ويدع الديار المصرية فَكتب السُّلْطَان إِلَيْهِ أَن يوافيه إِلَى الكرك فَإِنَّهُ سَائِر إِلَى فَتحه فَأَشَارَ القَاضِي الْفَاضِل على السُّلْطَان أَن يَسْتَنِيب فِي الديار المصرية مَوضِع أَخِيه الْعَادِل ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين فاستصحبه السُّلْطَان مَعَه إِلَى الكرك فِي رَجَب من هَذِه السّنة وَحَازَ فِي طَرِيقه قبل وُصُوله إِلَيْهَا غَنَائِم وخيم على الربة ثمَّ حصر الكرك ورماه بالمجانيق صباحا وَمَسَاء وتناوب عَلَيْهِ الْأُمَرَاء حَتَّى خرج شهر رَجَب وَمَا حصل مِنْهُ الطّلب لَكِن عظمت النكاية فِي الْكفَّار بِأخذ أَمْوَالهم وتخريب الديار وَوصل الْخَبَر أَن الفرنج قد استجمعوا وتجمعوا بالموضع الْمَعْرُوف بالواله على قصد الْمُسلمين وخلاص الكرك من أَيْديهم وَرَأى السُّلْطَان أَن أَمر حصره يطول فعول على الرحيل إِلَى دمشق وَوصل الْعَادِل إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بعد على الكرك فَجهز تَقِيّ الدّين إِلَى
следующие страницы →