Полный текст (1 810 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
فرخشاه وَهُوَ نَائِبه دمشق وقفنا على كِتَابه وَعلمنَا مَا تجدّد من الْخَبَر بِمَرَض الْملك الصَّالح واشتداد حَاله وَانْقِطَاع الدَّاخِل عَلَيْهِ
ثمَّ أَشَارَ بتنفيذ عَسْكَر إِلَى جِهَة أَخِيه تَقِيّ الدّين على إِظْهَار قَاعِدَة النّظر فِي الْقَضِيَّة يالحادثة بَين أهل ديار بكر وَابْن قرا أرسلان والتوجه لفصلها قَالَ فَيكون ظَاهر حَرَكَة الْعَسْكَر لهَذَا السَّبَب الْمُتَقَدّم وباطنها لهَذَا السَّبَب الْمُتَأَخر
وَقد كُوتِبَ الْوَلَد تَقِيّ الدّين أَن يتَوَجَّه إِلَى منبج على الظَّاهِر وَالْبَاطِن الْمَذْكُورين وَأَن يحفظ الْمَغَازِي ويرابط الْفُرَات وَيمْنَع المعابر وَلنَا بالس وقلعة جعبر ومنبج وتل بَاشر وَهِي جُمْهُور الطّرق بل كلهَا وَقد أوعزنا إِلَى تَقِيّ الدّين بِأَن يكون حمام حماة فِي حلب وحمام دمشق فِي حماة
وَإِلَى الْأَجَل نَاصِر الدّين بِأَن يكون حمام دمشق فِي حمص وحمام حمص فِي حلب
وولدنا عز الدّين يُؤمر بِأَن يكون حمام بصرى فِي دمشق
وَقد بعثنَا نجابين يكونُونَ منبجين ببصرى فَإِن تحققت الْوَفَاة فَنحْن أسبق إأليكم من الْجَواب قولا وفعلا ووعدا ونجحا فالعلة مزاحة والعساكر مستريحة وَالظّهْر قد استعد والمصلحة فِي الْحَرَكَة ظَاهِرَة وحجج انتقاد المنتقدين فِي هَذِه الْقَضِيَّة سَاقِطَة
وَقَالَ الْعِمَاد كَانَ قصد السُّلْطَان إصْلَاح حَال الْملك الصَّالح وَأَنه الْقَائِم مقَام أَبِيه فصده عَنهُ مماليكه فَأخذت بِلَاده بلجاجهم ومرضت دولته لسوء علاجهم فَامْتنعَ بحلب إِلَى أَن توفّي
وَوصل ابْن عَمه عز الدّين
стр. 982
مَسْعُود صَاحب الْموصل إِلَى حلب فَجمع ظَاهره وباطنه وَأخذ خزائنه واستخرج دفائنه وأخلى كنائنه ثمَّ إِنَّه عرف أَنه لَا يسْتَقرّ لَهُ بهَا أَمر فَرغب أَخَاهُ عماد الدّين تزنكي صَاحب سنجار فِي تعويضها لَهُ بحلب فَمَال إِلَى بذله وَرغب
وَلما سمع السُّلْطَان فِي مصر بوفاة الْملك الصَّالح تحرّك عزمه وَنَدم على النزوح من الشَّام مَعَ قرب هَذَا المرام فَكتب إِلَى ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين وَهُوَ يتَوَلَّى لَهُ المعرة وحماة وَأمره بالتأهب والنهوض وَكَذَلِكَ شحذ عزائم نوابه بِالشَّام بتجديد المكاتبات لَهُم وبعثهم على الاستعداد وَحَملهمْ
وَكَانَ نَائِبه بِدِمَشْق ابْن أَخِيه عز الدّين مزخشاه قد نَهَضَ فِي مُقَابلَة الفرنج بالكرك فَإِن الإبرنس الكركي كَانَ يحدث نَفسه بِقصد تيماء فِي الْبَريَّة فَمَا زَالَ فرخشاه فِي مُقَابلَته حَتَّى نكص اللعين على عَقِبَيْهِ ذليلا وَلم يجد إِلَى مَا حدثته بِهِ نَفسه سَبِيلا فَعرف السُّلْطَان اشْتِغَاله بِهَذَا المهم
فَكتب كتابا بشرح الْحَال إِلَى بَغْدَاد بِاللَّفْظِ الْعِمَادِيّ يَقُول فِيهِ وشاع الْخَبَر بغارة فرنج أنطاكية على حارم وَأتوا من السَّبي والنهب بالعظائم وشاع أَيْضا أَن عَسْكَر حلب أغار على الراوندان وَهِي فِي عَملنَا ورسولهم عِنْد الفرنج يستنجد بهم ويغريهم بِنَا وَقد راسلوا الحشيشية وَالْمرَاد من الرسَالَة
стр. 983
غير خَافَ وَالْعلم بالمعتاد مِنْهُ كَاف
وَابْن أخينا غَائِب فِي أقْصَى بِلَاد الفرنج فِي أول بَريَّة الْحجاز فَإِن طاغية مِنْهُم جمع خيله وَرجله وحدثته نَفسه الخبيثة بِقصد تيماء وَهِي دهليز الْمَدِينَة على ساكنها السَّلَام واغتنم كَون الْبَريَّة معشبة مخصبة فِي هَذَا الْعَام
وَالْعجب أَنا نحامي عَن قبر النَّبِي صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه مشتغلين بمهمه وَالْمَذْكُور يَعْنِي صَاحب الْموصل يُنَازع فِي ولَايَة هِيَ لنا ليأخذها بيد ظلمه وَكم بَين من يحارب الْكفْر وَيحمل إِلَيْهِم قواصم الْآجَال وَبَين من يتخذهم بطانة دون الْمُؤمنِينَ وَيحمل إِلَيْهِم كرائم الْأَمْوَال
هَذَا مَعَ مَا نعد فِي الْملَّة الحنيفية والدولة الهادية العباسية من آثَار لَا يعد مثلهَا أَولا لأبي مُسلم لِأَنَّهُ أقدم ثمَّ خام ووالى ثمَّ ولى وَلَا آخرا لطغرلبك فَإِنَّهُ نصر وَنصب ثمَّ حجر وحجب وَقد عرف
стр. 984
مَا فضلنَا الله بِهِ عَلَيْهِمَا فِي نصر الدولة وَقطع من كَانَ يُنَازع الْخلَافَة رداءها وتطهير المنابر من رِجْس الأدعياء وَلم نَفْعل مَا فعلنَا لأجل الدُّنْيَا غير أَن التحدث بِنِعْمَة الله وَاجِب والتبجح بِالْخدمَةِ الشَّرِيفَة والافتخار بالتوفيق فِيهَا على السجية غَالب
وَلَا غنى عَن بروز الْأَوَامِر الشَّرِيفَة إِلَى الْمَذْكُور بِأَن يلْزم حَده وَلَا يتَجَاوَز حَقه فَإِن دُخُول الْأَيْدِي الْمُخْتَلفَة عَن الْأَعْدَاء المتفقة شاغل وَيحْتَاج إِلَى مغرم ينْفق فِيهِ الْعُمر بِغَيْر طائل فَإِن الْأَعْمَال تمر مر السَّحَاب والفرص تمض ومض السراب
وبقاؤنا فِي هَذِه الدَّار الْقَلِيل اللّّبْث الْقصير الْمكْث نؤثر أَنْت نغتنمه فِي مجاهدة الْعَدو الْكَافِر الَّذِي صَار بِهِ الْبَيْت الْمُقَدّس محلا للأرجاس وَمَضَت عَلَيْهِ دهور وملوك لم يحصلوا من رَجَاء تَطْهِيره إِلَّا على الياس وَإِن كَانَ الْقَوْم قد بذلوا للدَّار العزيزة بذولا معارة فقد أسلف الْخَادِم خدمات لَيست بعوار فَإِنَّهُم لَو بذلوا بِلَادهمْ كلهَا مَا وفت بِفَتْح مصر الَّتِي رجل بهَا أسامي الأدعياء الراكبة أعوادها وَأعَاد إِلَى عينهَا بعد بَيَاض عماها من نور الشعار العباسي سوادها فَإِن اقْتَضَت الْأَوَامِر الشَّرِيفَة أَن يوعز للمذكور فِي حلب بتقليد فَالْأولى أَن يُقَلّد الْجَمِيع فَلَا رَغْبَة فِيمَا لَا يُؤمن مَعَه شَرّ الشَّرِيك ولمالك الْأَمر الحكم فِي ممالك المماليك
وَكَانَ فِي الْكتاب أَيْضا مَا مَعْنَاهُ إِن حلب من جملَة الْبِلَاد الَّتِي اشْتَمَل
стр. 985
عَلَيْهَا تَقْلِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ المستضيء بِأَمْر الله لَهُ وَإِنَّمَا تَركهَا فِي يَد ابْن نور الدّين لأجل أَبِيه والآن فَليرْجع كل إِلَى حَقه وليقنع برز قه
وَمن كتاب آخر فاضلي فقد صرف وجهنا فِي هَذَا الْوَقْت عَن جِهَاد لَو كُنَّا بصدده وَعَن فرض لَو وصلنا يَوْمه بغده لَكَانَ الْإِسْلَام قد أعفي من شركَة الشّرك وانفك أَهله من ربقة أهل الْإِفْك
ولكانت الْأَسْمَاء الشَّرِيفَة قد قرعت مَنَابِر طالما عزلت الصلب خطباءها ولكان الدّين الْخَالِص قد خلص إِلَى بِلَاد صَار الْمُشْركُونَ متوطنيها والمسلمون غرباءها
وَفِي كتاب آخر لَهُ وَقد علم الله سُبْحَانَهُ أَنا لهدنتهم كَارِهُون وَفِي مصلحَة أهل الْإِسْلَام وَفِي مصالحهم راغبون وَلَكنَّا قد بلينا بِقوم كالفراش أَو أخف عقولا وكالأنعام أَو أضلّ سَبِيلا إِن بني مَعَهم فعلى غير أساس وَإِن عدد الْغدر مِنْهُم فَهُوَ أَكثر من الأنفاس
وَفِي كتاب آخر وَالْخَادِم وَالْحَمْد لله يعدد سوابق فِي الْإِسْلَام والدولة العباسية لَا تعدها أولية أبي مُسلم لِأَنَّهُ والى ثمَّ وارى وَلَا آخرية طغرلبك لِأَنَّهُ نصر ثمَّ حجر
وَالْخَادِم بِحَمْد الله خلع من كَانَ يُنَازع الْخلَافَة رداءها وأساغ الغصة الَّتِي ذخر الله للإساغة فِي سَيْفه ماءها فَرجل الْأَسْمَاء الكاذبة الراكبة على المنابر وأعز بتأييد إبراهيمي فَكسر الْأَصْنَام
стр. 986
الْبَاطِنَة بِسَيْفِهِ الظَّاهِر لَا السَّاتِر وَفعل وَمَا فعل للدنيا وَلَا معنى للاعتداد بِمَا هُوَ متوقع الْجَزَاء عَنهُ فِي الْيَوْم الآخر
وَمن كتاب آخر عِنْد دُخُول صَاحب الْموصل حلب واستيلائه عَلَيْهَا وَكَانَت دَاخِلَة فِي تَقْلِيد السُّلْطَان السَّابِق فَقَالَ دخل حلب مستوليا وَحصل بهَا معتديا وعقود الْخُلَفَاء لَا تحل وَالسُّيُوف فِي أوجه أَوْلِيَائِهِمْ لَا تسل وَإنَّهُ إِن فتح بَاب الْمُنَازعَة أدني من ندامة وَأبْعد من سَلامَة وخرق مَا يعيي على الراقع وجذب الرِّدَاء فَلم تغن فِيهِ إِلَّا حِيلَة الخالع
وَلَيْسَ الِاسْتِيلَاء بِحجَّة فِي الولايات لطالبها وَلَا الدُّخُول إِلَى الدَّار بِمُوجب ملك غاصبها إِلَّا أَن تكون الْبِلَاد كالديار المصرية حِين فتحهَا الْخَادِم وَأَهله حَيْثُ الْجُمُعَة مستريبة والخلافة فِي غير أَهلهَا غَرِيبَة والعقائد لغير الْحق مستجيبة فَتلك الْولَايَة أولى بهَا مِمَّن منحها من فتحهَا وَكَانَ سلطانها من أَدخل فِي خبر كَانَ شيطانها
وَأما حلب الَّتِي الْكَلِمَة فِيهَا عالية والمنابر فِيهَا بِالِاسْمِ الشريف حَالية فَإِنَّمَا تكون لمن قلدها لَا لمن توردها وَلمن بِالْحَقِّ تسلمها لَا لمن بِالْبَاطِلِ تسنمها وَلَو كَانَت حلب كَمَا كَانَت مصر لدخلها الْخَادِم وَلم يشاور ولولجها وَلم يناظر وَلكنه أَتَى الْبيُوت من أَبْوَابهَا واستمطر القطار من سحابها
ثمَّ ذكر أَن المواصلة راسلوا الْمَلَاحِدَة الحشيشية واتخذوهم بطانة من دون الْمُؤمنِينَ وواسطة بَينهم وَبَين الفرنج الْكَافرين ووعدوهم بقلاع من يَد
стр. 987
الْإِسْلَام تقلع وبضياع من فَيْء الْمُسلمين تُوضَع وبدار دَعْوَة بحلب ينصب فِيهَا علم الضَّلَالَة وَيرْفَع وياللعجب من الْخصم يهدم دولة حق وَهِي تبنيه وَمن العَبْد يَبْنِي ملكهَا بِنَفسِهِ وَمَاله وَذَوِيهِ وَهِي تراقب أعداءه فِيهِ ودعواه فِي رسائلهم وغوائلهم لَيست بِدَعْوَى لَا يقوم شَاهدهَا وَلَا هِيَ بشناعة لَا يَهْتَدِي قائدها بل هَذَا رسولهم عِنْد سِنَان صَاحب الْمَلَاحِدَة ورسولهم عِنْد القومص ملك الفرنج وَهَذِه الْكتب الْوَاصِلَة بذلك قد سيرت ولاستنجاب الْولَايَة طرق أما السَّبق إِلَى التَّقْلِيد فللخادم السَّبق
وَأما الْعَدَالَة وَالْعدْل فَلَو وَقع الْفرق لوقع الْحق
وَأما بالآثار بِالطَّاعَةِ فَلهُ فِيهَا مَا لَوْلَا مَعُونَة الْخَالِق فِيهِ لقصرت عَنهُ أَيدي الْخلق وَمَتى استمرت الْمُشَاركَة فِي الشَّام أفضت إِلَى ضعف التَّوْحِيد وَقُوَّة الْإِشْرَاك وترامت إِلَى أخطار تعجز عَنْهَا خواطر الِاسْتِدْرَاك وأحوجت قَابض الأعنة إِلَى أَن يعليها الجدد ويرسلها العراك
وَطَرِيق الصّلاح والمصالحات الْأَيْمَان والمشار إِلَيْهِم لَا يلتزمون ربقتها وَلَا يوجبون صفقتها فَكفى بالتجريب ناهيا عَن الْغرَّة وَلَا يلْدغ الْمُؤمن إِلَّا مرّة وَإِذا اجْتمعت فِي الشَّام أيد ثَلَاث يَد عادلة وَيَد ملحدة وَيَد كَافِرَة نَهَضَ الْكفْر بتثليثه وَقصرت عَن
стр. 988
الْإِسْلَام يَد مغيثه وَلم ينفع الْخَادِم حِينَئِذٍ تَصْحِيح حسابه وتصديق حَدِيثه وَمَا يُرِيد الْخَادِم إِلَّا من تكون يَد الله عَلَيْهِ وَهِي الْجَمَاعَة وَلَا يُؤثر إِلَّا مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ الطَّاعَة وَلَا يتوخى إِلَّا مَا تقوم بِهِ الْحجَّة الْيَوْم وَيَوْم تقوم السَّاعَة
وَمن كتاب آخر قد أحَاط الْعلم بِمَا طالع بِهِ أَولا عِنْد وَفَاة ولد نور الدّين ﵀ أَن التَّقْلِيد الشريف المستضيء لما وَصله بالبلاد وَكَانَ قد فتح أَكْثَرهَا قلاعا وأمصارا وحصونا وديارا وَلم يبْق إِلَّا قَصَبَة حلب وَهُوَ على أَخذهَا عدل ولد نور الدّين عَن الْقِتَال إِلَى النوال وَعَن النزال إِلَى الإستنزال وَقصد الْقَصْد الَّذِي مَا أوجبت الْمُحَافظَة أَن يتلَقَّى بِالرَّدِّ فأقره على الْولَايَة فرعا لَا أصلا ونائبا لَا مُسْتقِلّا وَسلم إِلَيْهِ الْبِلَاد وَيَده الْغَالِبَة لَا المغلوبة وسيوفه السالبة لَا المسلوبة وَمَشى الْأَمر مَعَه مُسْتَقِيمًا ومائلا وجائرا وعادلا إِلَى أَن قضى نحبه وَلَقي ربه فَبَدَا من المواصلة نقض الْأَيْمَان والابتداء بالعدوان والتعرض للبلاد وَالتَّصَرُّف فِيهَا بِغَيْر حجَّة يكون عَلَيْهَا الِاعْتِمَاد
فطالع الدِّيوَان بالقضية وَاسْتشْهدَ بدلالات قوانينه الجلية فِي هَذَا التَّقْلِيد الَّذِي تهادته المحاضر وأشاعته المنابر وسيرت إِلَى الشرق والغرب نسخه وغلت الْأَيْدِي الَّتِي تحدث أَنْفسهَا أَنَّهَا تفسخه
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَتوجه السُّلْطَان بعد شهر رَمَضَان إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة على
стр. 989
طَرِيق الْبحيرَة وخيم عِنْد السَّوَارِي وَشَاهد الأسوار الَّتِي جددها والعمارات الَّتِي مهدها وَأمر بالإتمام والاهتمام
وَقَالَ السُّلْطَان نغتنم حَيَاة الشَّيْخ الإِمَام أبي طَاهِر بن عَوْف
فحضرنا عِنْده وَسَمعنَا عَلَيْهِ موطأ مَالك ﵁ بروايته عَن الطرطوشي فِي الْعشْر الْأَخير من شَوَّال وَتمّ لَهُ ولأولاده وَلنَا بِهِ السماع والوالي يَوْمئِذٍ بهَا فَخر الدّين قراجا
قلت وَوجدت للْقَاضِي الْفَاضِل كتابا كتبه إِلَى السُّلْطَان تهنئة بِهَذَا السماع يَقُول فِيهِ أدام الله دولة الْمولى الْملك النَّاصِر صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين محيي دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ وأسعده برحلته للْعلم وأثابه عَلَيْهَا وأوصل ذخائر الْخَيْر إِلَيْهِ وأوصله إِلَيْهَا وأوزع الْخلق شكرا لنعمته فِيهِ فَإِنَّهَا نعْمَة لَا يُوصل إِلَى شكرها إِلَّا بإيزاعه وأودع قلبه نور الْيَقِين فَإِنَّهُ مُسْتَقر لَا يودع فِيهِ إِلَّا مَا كَانَ مُسْتَندا إِلَى إيداعه وَللَّه
стр. 990
فِي الله رحلتاه وَفِي سَبِيل الله يوماه وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا أغر محجل وَالْحَمْد لله الَّذِي جعله ذَا يَوْمَيْنِ يَوْم يسفك دم المحابر تَحت قلمه وَيَوْم يسفك دم الْكَافِر تَحت علمه فَفِي الأول يطْلب حَدِيث الْمُصْطَفى ﷺ فَيجْعَل أَثَره عينا لَا تستر وَفِي الثَّانِي يَجْعَل لنصره شَرِيعَته هداه على الضلال فَيجْعَل عينه أثرا لَا يظْهر وَقد اسْتغْرب النَّاس همم الْعلمَاء فِي رحلتهم لنقل الحَدِيث وسماعه والموالاة فِي طلب ثقته وانتجاعه وصنفوا فِي ذَلِك تصانيف قصدُوا بهَا التحريض للهمم والتنبيه وَالرَّفْع من أقدار أَهله والتنويه فَقَالُوا رَحل فلَان لسَمَاع مُسْند فلَان وَسَار زيد إِلَى عَمْرو على بعد الْمَكَان هَذَا وَصَاحب الرحلة قد نصب نَفسه للْعلم وشغل بِهِ دهره ووقف عَلَيْهِ فكره فَلَا تتجاذب عنان همته الْكَبَائِر فَمَا القَوْل فِي ملك خواطره كأبوابه مطروقة وَأُمُور خلق الله كأمور دينه بِهِ معذوقة إِذْ هَاجر إِلَى بَقِيَّة الْخَيْر فِي أضيق أوقاته وَترك للْعلم أَشد ضروراته ووهب لَهُ أَيَّامًا مَعَ أَنه فِي الْغُزَاة يُحَاسب لَهَا نَفسه على لحظاته وساعاته وَمَا يحْسب الْمَمْلُوك أَن كَاتب الْيَمين كتب لملك قطّ رحْلَة فِي طلب الْعلم إِلَّا للرشيد هَارُون رَحْمَة الله عَلَيْهِ على أَنه خلط زِيَارَة نبوية بِطَلَب ورحل بولديه إِلَى مَالك رَحْمَة الله عَلَيْهِ لسَمَاع هَذَا الْمُوَطَّأ الَّذِي اتّفقت الهمتان الرشيدية والناصرية على الرَّغْبَة فِي سَمَاعه والرحلة لانتجاعه
وَقد كَانَ الرشيد سَام مَالِكًا ﵀ أَن يَجْعَل لَهُ ولولديه الْأمين والمأمون مَجْلِسا خَاصّا لإسماع مُصَنفه فَقَالَ لَهُ مَا مَعْنَاهُ إِنَّهَا سنة ابْن عمك ﷺ وَغَيْرك من سترهَا وَمثلك من نشرها
فَهَذِهِ رحْلَة ثَانِيَة فِي الزَّمَان وَأولى فِي الْإِيمَان يَكْتُبهَا الله للْمولى بقلم كَاتب الْيَمين
стр. 991
وَيقوم فِيهَا مقَام الرشيد وَيقوم عَلَيْهِ وعثمانه مقَام ولديه الْمَأْمُون والأمين
وَكَانَ أصل الْمُوَطَّأ بِسَمَاع الرشيد على مَالك رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي خزانَة الْكتب المصرية فَإِن كَانَ قد حصل بالخزانة الناصرية فَهُوَ بركَة عَظِيمَة ومنقبة كَرِيمَة وذخيرة قديمَة وَإِلَّا فليلتمس وَكَذَلِكَ خطّ مُوسَى بن جَعْفَر فِي فتيا الْمَأْمُون رحمهمَا الله كَانَ أَيْضا فِيهَا وَهُوَ مِمَّا يتبرك بِمثلِهِ وَيعلم بِهِ فضل الْعلم لَا خلا الْمولى أبقاه الله من فَضله
وقف الْمَمْلُوك على مَا بشر بِهِ من صنع الْمولى وتوفيقه وَصِحَّة مزاجه فِي طَرِيقه وَانْقِطَاع مَا كَانَ من دم واسترواح الْقلب من كل هم وَقد استفتحت هَذِه الطَّرِيق بِكُل فأل مباركة الْبكر والفأل مأثورة عَن سيد الْبشر فَمن ذَلِك صِحَة جِسْمه فلتهنه الصِّحَّة وفسحة قلبه دَامَت لَهُ الفسحة وَانْقِطَاع الدَّم وَطَرِيقه إِلَى الشَّام يَنْقَطِع بهَا الدَّم ويتصل النَّصْر لَهُ وينتظم السّلم
وَأُخْرَى أَنه رَحل إِلَى الْمُوَطَّأ رحم الله مَالِكه ويرحل فِيمَا يطْلب من الشَّام إِلَى الْمُوَطَّأ أسعد الله بِهِ ممالكه الله تَعَالَى يُحَقّق الْخَيْر وَيصرف الضير ويبارك لمولانا فِي الْمقَام وَالسير إِن شَاءَ الله
قلت هَكَذَا يَقع فِي كتب الْفَاضِل ﵀ كثيرا وَهُوَ أَنه يختمها بالأدعية مُتَّصِلَة بقوله إِن شَاءَ الله
وَالتَّعْلِيق بِالْمَشِيئَةِ غير لَائِق بالأدعية فَفِي الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ
стр. 992
رَسُول الله ﷺ (لَا يقل أحدكُم اللَّهُمَّ اغْفِر لي إِن شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِن شِئْت اللَّهُمَّ ارزقني إِن شِئْت ليعزم مَسْأَلته فَإِنَّهُ يفعل مَا يَشَاء لَا مكره لَهُ)
فصل فِي أُمُور تتَعَلَّق بولاة الْيمن فِي هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد كَانَ الْأَمِير مجد الدّين سيف الدولة مبارك بن كَامِل بن منقذ نَائِبا لشمس الدولة أخي السُّلْطَان بزبيد وَحصل لَهُ من أموالها الطريف والتليد
ثمَّ ابْتَاعَ من السُّلْطَان النَّاحِيَة الْمَعْرُوفَة بالعدوية بِمصْر لما عَاد إِلَيْهَا
стр. 993
وَبَقِي أَخُوهُ حطَّان بزبيد واليا عَلَيْهَا فَصنعَ دَعْوَة عَظِيمَة بهَا ذكر الْعِمَاد أَنه حضرها هُوَ وَغَيره من الْفُضَلَاء الْأَعْيَان فَبَيْنَمَا هم عِنْده فِي أسر حَال إِذْ أحدق بهم الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش فَقبض على سيف الدولة واعتقل بِالْقصرِ
وَكَانَ سَببه أَن أقَارِب السُّلْطَان وخواصه كَثُرُوا عَلَيْهِ عِنْده أَنه استوعب مَال زبيد وَأَن لَهُ كنوزا لَا تبيد وأشاروا عَلَيْهِ بِقَبْضِهِ وَهُوَ يدافع عَنهُ إِلَى أَن أَكْثرُوا وَقيل فِيهِ إِن لم تُدْرِكهُ فَاتَ
فَأمر بِهِ فاعتقل فسمح للسُّلْطَان خَاصَّة من النَّقْد الْمصْرِيّ بِثَمَانِينَ ألف دِينَار لم يظْهر فِيهَا بيع دَار وَلَا مَتَاع وَلَا استدانة من تجار
وَغرم لأخوي السُّلْطَان الْعَادِل وتاج الْمُلُوك مَا حَافظ بِهِ على نهج الْكَرم المسلوك وَخرج مشرفا مكرما مصرفا مُحْتَرما وَزَاد السُّلْطَان فِي تكرمته وَنفذ إِلَيْهِ بِمَا قَبضه مِنْهُ خطّ يَده بِأَن الْمبلغ دين فِي ذمَّته ثمَّ بَاعه أملاكا بِمصْر بِتَقْدِير ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وبذل لَهُ كل مَا طلب عَن إِيثَار وَاخْتِيَار وَزَاد فِي إقطاعه وَبَارك الله لَهُ فِي أشيائه وأشياعه
стр. 994
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ هَذَا الْأَمِير من رجاحة عقله وحصافة فَضله مَا سَمِعت مِنْهُ شكوى وَلَا حِكَايَة فِي بلوى وَقتل أَخُوهُ حطَّان بزبيد وَأخذ مَاله فَلم يظْهر مِنْهُ للسُّلْطَان كَرَاهَة وكل شيمته نزاهة ونباهة
قَالَ وَكَانَ لما توفّي الْملك الْمُعظم شمس الدولة أشْفق السُّلْطَان من نوابه بِالْيمن وَذكر مَا بَين ولاتها من الإحن وَوصل الْخَبَر بِمَا يجْرِي بَين الْأَمِير عُثْمَان بن الزنجيلي وَالِي عدن وَبَين الْأَمِير حطَّان وَالِي زبيد من الْفِتَن فندب إِلَى زبيد عدَّة من الْأُمَرَاء لحفظ الْبِلَاد وَإِصْلَاح الْأُمُور الَّتِي يخْشَى عَلَيْهَا من الْفساد وَمن جُمْلَتهمْ وَالِي مصر صارم الدّين خطلبا وَبقيت الْولَايَة لَهُ بهَا فِي غيبته يقوم بهَا نوابه وَيرجع إِلَى رَأْي أَهله أَصْحَابه فشرعت زَوجته فِي عمَارَة دَار عَظِيمَة سنية
وَذكر الْعِمَاد أَنه حصل لَهُ وَلغيره من الْأَعْيَان بهَا ضِيَافَة جليلة اتفاقية
وَقَالَ ابْن أبي طي كَانَت نفس سيف الْإِسْلَام طغتكين أخي السُّلْطَان تشرئب إِلَى الْيمن من حَيْثُ مَاتَ أَخُوهُ شمس الدولة ويشتهي أَن يصير إِلَيْهَا فَأمر ابْن سَعْدَان الْحلَبِي أَن يعْمل لَهُ قصيدة يعرض فِيهَا بإنفاذ سيف الْإِسْلَام إِلَى الْيمن فَعمل القصيدة الَّتِي يَقُول فِيهَا
стр. 995
(جرد لَهَا السَّيْف الصَّقِيل فتْنَة ... فالسيف لَا يذخر إِلَّا للفتن)
(شدّ بِهِ أزر الْعلَا فَإِنَّهُ ... نعم فَتى من شرع الْجُود وَسن)
(الْقَائِل المسمع فِي مقاله ... والصادق النّدب الْأمين المؤتمن)
(بَادِي الْفُؤَاد كَيْفَمَا سيرته ... حن إِلَى دَار الوغى ثمت أَن)
وفيهَا يَقُول
(يَا ابْن الْكِرَام النجباء وَالَّذِي ... تلقف العلياء فِيهَا ولقن)
(لَا تعد عَيْنَاك عَن الْملك فَمَا ... يُخَاطب العلياء إِلَّا من وَمن)
(قد فسد الْملك وَقد طَال العدى ... واقتسموا بعْدك أَمْوَال الْيمن)
قَالَ فَلَمَّا سمع السُّلْطَان هَذِه القصيدة أذن لسيف الْإِسْلَام فِي الْمسير إِلَى الْيمن
وَقَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة تقرر مَعَ سيف الْإِسْلَام ظهير الدّين طغتكين بن أَيُّوب أَن يمْضِي إِلَى بِلَاد الْيمن وزبيد وعدن وَأَن يقطع بهَا الْفِتَن ويتولاها ويولي ويعزل وَيحسن ويعدل
فَسَار بعد مسيرنا إِلَى الشَّام وَجَرت مَمْلَكَته فِيهَا على أحسن نظام وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان
وَوصل إِلَى زبيد وَحط حطَّان عَن رتبته وأمنه وطمنه ثمَّ أذن لَهُ فِي الِانْفِصَال إِلَى الشَّام فَجمع حطَّان كل مَاله من سبد ولبد ومطرف
стр. 996
ومتلد ولجين وعسجد وَيَاقُوت وَزَبَرْجَد وآلات وَعدد وحصن وحجور عراب وَمَال اعتقده من الْيمن بِغَيْر حِسَاب
ثمَّ أَنَاخَ جماله ورحل عَلَيْهَا أحماله وَقدم قدامه أثقاله وَظن أَنه نجا وفاز وَركب الأوفاز فزده إِلَيْهِ ليودعه ثمَّ يشيعه ويركب مَعَه فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ اعتقله وسير وَرَاء مَاله من أقفله وَإِلَى خزانته نَقله ثمَّ أنفذه إِلَى بعض معاقله فحبسه ثمَّ قَتله
وَفِيمَا ذكر للسُّلْطَان من خبر ذهبه وَمَاله الذَّاهِب مَا يعيي بحصر تفاصيل جمله أنمل الحاسب أَن نيفا وَسبعين غلافا من غلف الزرد كَانَت مَمْلُوءَة بِالذَّهَب الْأَحْمَر المنتقد وَقوم الْمَأْخُوذ بِقِيمَة ألف ألف دِينَار
وَأما صَاحب عدن الْأَمِير عز الدّين عُثْمَان بن الزنجيلي فَإِنَّهُ لما
стр. 997
سمع بِسيف الْإِسْلَام توجه إِلَى الشَّام
قلت وَلِهَذَا الْأَمِير أوقاف وصدقات بِمَكَّة واليمن ودمشق فإليه تنْسب الْمدرسَة والرباط المتقابلات بِبَاب الْعمرَة بِمَكَّة والمدرسة الَّتِي خَارج بَاب توما بِدِمَشْق ﵀
وَمن كتاب فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَيْهِ الْبِلَاد لَك فِيهَا عدَّة سِنِين وَأَنت فِيهَا مؤتمن على مَال الله فأده إِلَى من يُجَاهد بِهِ أَعدَاء الله وَيُقِيم بِهِ كلمة الله ويحفظ بِهِ الْبَيْضَة ويذب بِهِ عَن الْملَّة وَيُقَاتل بِهِ أَعدَاء الْقبْلَة وَيضْرب بالأسداد بَين الْكفْر وَالْإِسْلَام وَينصب وَجهه بَين الهجير والزمهرير عَاما فِي إِثْر عَام وَمَا نطلب مِنْك الْبَاطِل الَّذِي لَا يجوز لنا أَن
стр. 998
نطلبه وَلَا لَك أَن تَدْفَعهُ وَلَا نُرِيد إِلَّا الْحق الَّذِي لَا يحل لنا أَن نتركه وَلَا لَك أَن تَمنعهُ
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة وصل إِلَى السُّلْطَان من دمشق الْعلم خطيب المزة وَكَانَ قد زور على السُّلْطَان مِثَالا يتَضَمَّن لَهُ منالا وَرَفعه إِلَى عز الدّين فرخشاه فَمَا خَفِي تزويره عَلَيْهِ وهم بالإيقاع بِهِ فقصد السُّلْطَان بِمصْر وأطلعه على حَاله فَمَا اكترث بِهِ وَقَالَ نحقق مَا زورت
وَأمر أَن يكْتب لَهُ توقيع بِضعْف ذَلِك الإدرار
قَالَ وَكَانَ لَهُ إِمَام يُصَلِّي بِهِ وَهُوَ يكْتب مثل خطه فَأطلق بِهِ أَمْوَالًا وَأصْلح وأنجح بتزويره لأصدقائه أحوالا وَمَا يشك صَاحب ديوَان وَلَا مُتَوَلِّي خزانَة فِي أَنه صَحِيح فَلَمَّا دَامَ سِنِين انْكَشَفَ وشارف التّلف وَجلسَ إخْوَة السُّلْطَان وأمراؤه عِنْده يغرونه بِهِ فَقلت لَهُ بالعجمية سرا تهبه لِلْقُرْآنِ
فَقَالَ نعم
فَنَفْس من خناقه وَأمر بِإِطْلَاقِهِ وَأبقى عَلَيْهِ خَيره حِين استبدل بِهِ غَيره وَصَارَ بعده للعادل إِمَامًا وَبَقِي شغله مَعَه مستداما
стр. 999
قَالَ وفيهَا غدر الفرنج وَنَقَضُوا عَهدهم واستولوا على تجار فِي الْبَحْر وَغَيرهم وَسَهل الله تَعَالَى بطسة لَهُم عَظِيمَة من المراكب الفرنجية مقلعة من بلد لَهُم يُقَال لَهُ بوليه تحتوي على أَلفَيْنِ وَخمْس مئة نفس من رجال الْقَوْم وأبطالهم وأتباعهم وهم على قصد زِيَارَة الْقُدس فِي السَّاحِل وتكثير حزب الْبَاطِل فألقتهم الرّيح إِلَى ثغر دمياط فغرق مِنْهُم الشّطْر وَشَمل البَاقِينَ الْأسر فَحصل فِي الْأسر مِنْهُم زهاء ألف وست مئة وست وَسبعين نفسا وَاتفقَ ذَلِك أَمَام الاهتمام بِالْمَسِيرِ إِلَى الشَّام
قَالَ ابْن أبي طي وفيهَا ولد للسُّلْطَان الْملك الْمُعظم تورانشاه وَالْملك المحسن أَحْمد بَينهمَا سَبْعَة أَيَّام واتصل الْفَرح بهما أَرْبَعَة عشر يَوْمًا
وفيهَا سَار قراقوش إِلَى إفريقية فأوغل فِي بلادها وانتهب مَا قدر عَلَيْهِ وَحَارب عَسْكَر ابْن عبد الْمُؤمن بالقيروان ثمَّ بلغه أَن إِبْرَاهِيم السِّلَاح دَار احتوى على أهل قراقوش وبلده فَرجع إِلَيْهِ فهرب إِبْرَاهِيم
стр. 1000
وَسَار إِلَى خدمَة ابْن عبد الْمُؤمن وَملك قراقوش مَا كَانَ بيد إِبْرَاهِيم
قَالَ ابْن القادسي وفيهَا عَشِيَّة الْخَمِيس ثامن شعْبَان توفّي الإِمَام كَمَال الدّين أَبُو البركات عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أبي السعادات الْأَنْبَارِي النَّحْوِيّ وَكَانَ فَقِيها نحويا زاهدا عابدا خشن الْعَيْش صبورا على الْفقر وَكَانَ يسْرد الصَّوْم وَلَا يقبل من أحد شَيْئا وَكَانَ يحضر فِي نوبَة الصُّوفِيَّة بدار الْخلَافَة المعظمة فِي الْوَقْت فَينفذ إِلَيْهِ بالتشريف وَالذَّهَب فيعيده وَلَا يقبله وَكَانَ يجْتَهد بِهِ الْوَزير ابْن رَئِيس الرؤساء أَن يقبل لوَلَده شَيْئا فَمَا كَانَ يفعل
وَكَانَ يفْطر على الْخبز الخشكار ويبتاع برغيف أرزا وَمَا شَاءَ
وَكَانَ بَابه مَفْتُوحًا لطالبي الْعلم يعلمهُمْ لوجه الله تَعَالَى وَكَانَ إِذا أحضر أحدهم فِي الصَّيف مروحة يتروح بهَا فَإِذا خرج يَقُول لَهُ خُذ مروحتك مَعَك
فيجتهد بِهِ ذَلِك أَن يَجْعَلهَا عِنْده إِلَى غَد فَمَا يفعل
وصنف تصانيف كَثِيرَة وَدفن فِي تربة أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ
стр. 1001
رَضِي الله عَنهُ
قلت وفيهَا توفّي بِمصْر الشَّاعِر ابْن الذروي وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن يحيى الْمصْرِيّ وسنه حول الْأَرْبَعين وَقد تقدم من شعره فِي حج الْفَاضِل وَفِي مدح ابْن منقذ وَغَيرهمَا
وَمن ظريف شعره قَوْله فِي أحدب
(يَا أخي كَيفَ غيرتنا اللَّيَالِي ... كَيفَ حَالَتْ مَا بَيْننَا بالمحال)
стр. 1002
(حاش لله أَن أصافي خلا ... فيراني فِي وده ذَا اختلال)
(زَعَمُوا أنني أتيت بهجو ... فِيك نمقته بِسم خلال)
(كذبُوا إِنَّمَا وصفت الَّذِي حزت ... من النبل والسنا والكمال)
(لَا تَظنن حدبة الظّهْر عَيْبا ... فَهِيَ لِلْحسنِ من صِفَات الْهلَال)
(وكذاك القسي محدودبات ... وَهِي أنكى من الظبى والعوالي)
(ودناني الْقُضَاة وَهِي كَمَا تعلم ... كَانَت موسومة بالجمال)
(وَإِذا مَا علا السنام فَفِيهِ ... لقروم الْجمال أَي جمال)
(وَأرى الإنحناء فِي منسر الكاسر ... يلفى ومخلب الرئبال)
(وَأَبُو الْغُصْن أَنْت لَا شكّ فِيهِ ... وَهُوَ رب القوام والإعتدال)
(قد تحليت بانحناء فَأَنت الرَّاكِع ... المستمر فِي كل حَال)
(وتعجلت حمل وزرك فِي الظّهْر ... فأمنا فِي موقف من الْأَهْوَال)
(إِن حمل الذُّنُوب أَهْون فِي الدُّنْيَا ... على أَنه من الأثقال)
(كَون الله حدبة فِيك إِن شِئْت ... من الْفضل أَو من الإفضال)
(فَأَتَت ربوة على طود حلم ... مِنْك أَو موجة ببحر نوال)
стр. 1003
(مَا رأتها النِّسَاء إِلَّا تمنت ... لَو غَدَتْ حلية لكل الرِّجَال)
(عد إِلَى ودنا الْقَدِيم وَلَا تصغ ... لقيل من الوشاة وَقَالَ)
فصل فِي عود السُّلْطَان من الديار المصرية إِلَى الشَّام
قَالَ الْعِمَاد وعدنا من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى الْقَاهِرَة فِي ذِي الْقعدَة وَشرع السُّلْطَان فِي الاستعداد لسفر الشَّام فَجمع العساكر وَالسِّلَاح واستصحب نصف الْعَسْكَر وَأبقى النّصْف الآخر لحفظ ثغور مصر وَأمر قراقوش بإتمام الأسوار الدائرة على مصر والقاهرة
قَالَ وَكَانَ السُّلْطَان عَشِيَّة توديعه لأهل مصر جَالِسا فِي سرادقه
стр. 1004
وكل ينشده بَيْتا فِي الْوَدَاع فَأخْرج أحد مؤدبي أَوْلَاده رَأسه وَأنْشد مظْهرا لَهُ فَضله ورافعا بِهِ مَحَله
(تمتّع من شميم عرار نجد ... فَمَا بعد العشية من عرار)
فَلَمَّا سَمعه خمد نشاطه وتبدل بالانقباض انبساطه وَنحن مَا بَين مغضب ومغض ينظر بَعْضنَا إِلَى بعض وَلَا نقضي الْعجب من مؤدب ترك الْأَدَب فَكَأَنَّهُ نطق بِمَا هُوَ كَائِن فِي الْغَيْب فَإِنَّهُ مَا عَاد بعْدهَا إِلَى الديار المصرية حَتَّى اتَّصل بنجح المنى فِي الْمنية
قَالَ وَمن جملَة تسمح المعلمين فِي القَوْل مَا حَكَاهُ لنا شَيخنَا أَبُو مُحَمَّد بن الخشاب قَالَ وصلت إِلَى تبريز فأحضرني يَوْمًا رئيسها فِي دَاره وأجلس وَلَده بَين يَدي ليقرا بعض مَا تلقنه عَليّ فَقلت فرخ
стр. 1005
البط سابح
فَقَالَ معلمه وَكَانَ حَاضرا نعم وجرو الْكَلْب نابح
فخجلت من خطاء خطابه وَإِذا بِهِ على دأبه فِي سوء آدابه ومقصوده أَن يذكر قرينَة وَلَا يُبَالِي بِعَيْنِه قريرة أم سخينة ودأب أدباء أَوْلَاد الْمُلُوك لاجترائهم على أعزة أَوْلَادهم الاجتراء على الْآبَاء وَيحْتَمل مَا يصدر مِنْهُم لعزة الْأَبْنَاء وَإِنَّمَا يصلح لمجالسة الْمُلُوك من يتحفظ فِي كَلَامه ويتيقظ حَتَّى فِي مَنَامه
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسبعين وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَفِي خَامِس الْمحرم مِنْهَا رَحل السُّلْطَان من الْبركَة قَاصِدا إِلَى الشَّام وَلم يعد بعْدهَا إِلَى مصر حَتَّى أدْركهُ الْحمام
وَأخذ على طَرِيق صدر وأيلة فِي المفاوز فَبَاتَ بالبويب ثمَّ كَانَت مَنَازِله على الجسر ووادي مُوسَى وحثا وَصدر وَبعد خمس لَيَال وصل عقبَة أَيْلَة وَهُنَاكَ سمع باجتماع الْكفَّار بالكرك لقصد قطع الطَّرِيق فاحترز بِحِفْظ الْأَطْرَاف وَجَاز بحسمى ثمَّ عقبَة شتار ثمَّ القريتين وأغار فِي تِلْكَ الْأَيَّام على أَطْرَاف بِلَاد الْعَدو ثمَّ تجرد السُّلْطَان فِي كماته وسلك بهم سمت الكرك
стр. 1006
إِلَى الحسا وَأمر أَخَاهُ تَاج الْمُلُوك بوري على النَّاس وَأمره أَن يسير بهم يمنة مِنْهُ ثمَّ اجْتَمعُوا بالسلطان بالأزرق بعد أُسْبُوع
وَوصل الْخَبَر بظفر الْملك الْمَنْصُور عز الدّين فرخشاه قَالَ الْعِمَاد ويلقب أَيْضا معز الدّين بِمَا غنمه أَيْضا من بِلَاد الْعَدو وَذَلِكَ أَن الفرنج لما سمعُوا بمسير السُّلْطَان من مصر وَمَعَهُ خلق من التُّجَّار اجْتَمعُوا بالكرك للقرب من الطَّرِيق لَعَلَّهُم ينتهزون فرْصَة فيقتطعون من الْقَافِلَة قِطْعَة
فَخرج فرخشاه من دمشق واغتنم خلو دِيَارهمْ فَأَغَارَ على بِلَاد طبرية وعكا وَفتح دبورية وَجَاء إِلَى حبيس جِلْدك بِالسَّوَادِ وَهُوَ شقيف يشرف على بِلَاد الْمُسلمين ففتحه وَأَسْكَنَهُ الْمُسلمين فَبَقيَ عينا على الْكفَّار بَعْدَمَا كَانَ لَهُم وَرجع بالغنائم والأسرى مظفرا منصورا وَمَعَهُ ألف أَسِير وَعِشْرُونَ ألف رَأس من الْأَنْعَام
ثمَّ وصل السُّلْطَان بصرى وَدخل دمشق سَابِع عشر صفر
قَالَ وَفِي الْعشْر الأول من ربيع الأول خرج السُّلْطَان وأغار على بِلَاد طبرية وبيسان والتحم بَينهم الْقِتَال تَحت حصن كَوْكَب وَاسْتشْهدَ جمَاعَة
стр. 1007
من الْمُسلمين وَلَكِن كَانَت الدائرة على الْكَافرين وَرجع السُّلْطَان بِحَمْد الله ظافرا
وَكتب بالمثال الفاضلي إِلَى الدِّيوَان كَانَ الْخَادِم طالع بِخُرُوجِهِ من مصر طَالبا للغزاة الْمَفْرُوضَة والمسافة بَين مصر وَالشَّام لمن يرفق فِي الْمسير لَا تقصر عَن ثَلَاثِينَ يَوْمًا فحشد الفرنج ونزلوا بالكرك على إرجاف بالمصاف وَلم يزل الْخَادِم على مداومة الإعمال إِلَى أوساط الْأَعْمَال فَحل بهَا وَشن الْغَارة فأبعد وأذكى النَّار فَأوقد وَطلب المَاء المحمي أزرقه بأزرقهم فأورد وَسَفك دم الخصب بالنَّار وَأخذ فِيهَا عدل السَّيْف الْجَار بالجار وَعلم أَن الفرنج قد تسللوا لِوَاذًا وتعللوا بالحصون احتجازا ولياذا وَأَنَّهُمْ لَا يُقَاتلُون إِلَّا فِي قرى مُحصنَة وَلَا يُقَاتلُون إِلَّا على نجاة متيقنة وسرح الْخَادِم إِلَى تِلْكَ الذَّرَارِي واستنفر لَهَا من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة وَسَارُوا فِي طَرِيق على الْعَدو غير خافية وَمِنْهُم غير خائفة وَركب هُوَ وحمية الْإِسْلَام الحامية الَّتِي تستنهض أَرْوَاح الْكفْر إِلَى نَار الله الحامية
стр. 1008
وسلك الْبِلَاد المؤدية أَوديتهَا إِلَى سيول الشّرك الطامية وسيوف الضلال الدامية فجثموا جثوم الكسير وجدعوا أنوف الْأنف جدعا قصر فِيهِ رَأْي قصير
وَجَاز الْخَادِم الْمسَافَة الْمُقَابلَة لَهُم الَّتِي كَانَت تجاز فِي يَوْم وَاحِد فِي أَيَّام وَأورد عَلَيْهِم طيف الْخَوْف غير لابس ثِيَاب الأحلام وَيسر الله الْوُصُول ورقاب عصبَة الْكفْر تكَاد تتوثب عَلَيْهَا رقاقها وعيون الْأَعْيَان مِنْهُم قد قيدها للذل إطراقها
وَتوجه يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع شهر ربيع الأول وَنزل أَمَام طبرية لَيْلَة الثُّلَاثَاء تَاسِع عشر ربيع الأول فَجَاءَهُ الْخَبَر بِأَن الفرنج رحلوا فِي ليل ركبوه جملا ولبسوه سترا دون اللِّقَاء مسبلا وأصبحت الأطلاب الإسلامية طالبة الْأُرْدُن وأشرف عَلَيْهِم الْمَمْلُوك فرخشاه وَكَانَ على ميسرَة الْإِسْلَام فَمَا خرج مِنْهُم من أخرج كفا وَلَا تطرف مِنْهُم من أجال طرفا وَلَا من ركض طرفا وَلم يزل الْخَادِم مُقيما يُنَادي لِلْخُرُوجِ الصم الَّذين لَا يسمعُونَ الدُّعَاء إِلَى أَن طوى النَّهَار ملاءته وَمد عَلَيْهِم كلاءته فَإِنَّهُ رعى مَا بَينه
стр. 1009
وَبَين مُنَاسبَة وُجُوههم وصحائفهم بسواده وَلِأَن اللَّيْل يدعى كَافِرًا فهداهم وخبأهم فِي فُؤَاده وانبرى لَهُم من المماليك ذَوُو سِهَام كل رمية مِنْهَا طعنة وكل أنة من قوسها تجاوبها للحين أنة فَاسْتَخْرَجُوا ضمائر كنائنهم وقصدوا بهَا ضمائر ضغائنهم فمرت كَأَن التَّوْفِيق يَقُودهَا إِلَى حَيْثُ أمت فأماتت وطارت جَرَادًا ترعى زرع الْحَيَاة فبتت وَمَا أباتت وَلم يرَوا مضاجع ذَوَات حسك كمضاجع حسكها السِّهَام وَلَا لَيْلَة هم ذَات أَحْلَام كليلة حلمها يقظة الْحمام وأصابت خيولهم صوائبها وتعلقت نصالهم بدهمها فكأنهم فِي ظلماتها كواكبها فَلَمَّا انْشَقَّ الصُّبْح غيظا من شقَاق كفرهم شوهدوا نازلين من حصنهمْ الَّذِي كَانُوا إِلَيْهِ آوين وطالبي التباعد عَنهُ إِلَى حصن الطّور الَّذِي كَانُوا إِلَيْهِ ناوين فساقت إِلَيْهِم أطلاب الميسرة صُحْبَة الْمَمْلُوك فرخشاه
وسَاق الْمَمْلُوك عمر من الميمنة طَالبا لحومة الْقِتَال فَرَأَوْا الخطة عَلَيْهِم متضايقة وشهادات الْبلَاء إِلَى فئتهم متناسقة وَأنزل الله النَّصْر من سمائه على مطيعه فِي أرضه ومنح نَافِلَة الموهبة لمن قَامَ فِي الْجِهَاد بفرضه
وتوالت من الفرنج حملات ألجأهم إِلَيْهَا الِاضْطِرَار لَا الِاخْتِيَار وَثَبت من دنا مِنْهُم من الْمُسلمين من الأطلاب ولقوهم وهم الْأَعْدَاء لِقَاء الأحباب وتعانقت لغير الوداد فَصَارَت أيديها أوشحة وطارت إِلَى أقرانها فَصَارَت أرجل الْخَيل لَهَا أَجْنِحَة وصرعت للفرنج أبطال وخيالة وتمت الحملة الإسلامية على من كَانَ وَرَاءَهُمْ من الرجالة فَأخذ الْقَتْل كثيرا وقليلا ترك وفر روح الْكَافِر من الْجَسَد وَعلمت النَّار أَنه سلك وألجأهم
стр. 1010
الْبلَاء إِلَى حصن يعرف بعفربلا وسع الْخَوْف مِنْهُ مَا هُوَ ضيق وَتعلق بِالْحَيَاةِ مِنْهُم من هُوَ بِهِ مُتَعَلق وَلم تَنْصَرِف صُدُور الْخَيل دون أَن اعتقلتهم فِي سجنه وألزمتهم بِهِ فصاروا قرطا فِي أُذُنه وَكَانَ الْيَوْم من الْأَيَّام الَّتِي اضطرمت فِيهَا نيران الْجَحِيم ارتياحا لمن قدمهَا من أَرْوَاح الْكفَّار
وَكَانَ قَائِم الظهيرة فِي الْغَوْر قد منع من استتمام عودة المغار ومورد المَاء بعيد من غَرِيمه والري وَلَو أَنه من حميم أحب إِلَى الْمَرْء من حميمه فمالت الْجنُود إِلَى المناهل مُتَفَرِّقَة عَلَيْهَا ومنصرفة إِلَيْهَا وحافة بهَا من حواليها وأذعن الْكفَّار بالحصر والتفادي من الإصحار والاعتماد على المطاولة والأضجار والاستعصام بِمَا لَا يُطَاق من أنفاس الهجير الْحرار
وَبَات الْخَادِم والمسلمون على الْحصن الْمَذْكُور الَّذِي يَأْتُوا بِهِ نازلين قد حققوا من أَحْوَال اللِّقَاء مَا كَانُوا بِهِ جاهلين وَفعل الله فِي هَذِه النّوبَة مَا عواقبه مسفرة عَن المُرَاد ودلائله مُحَققَة لقَوْله تَعَالَى ﴿لَا يغرنك تقلب الَّذين كفرُوا فِي الْبِلَاد﴾ وَأَن الْكفْر مذ قَامَ قائمه وَالشَّام مذ حلّه ظالمه لم يعبر أحد من وُلَاة الْأَمر هَذَا الْحَد إِلَّا على حِين غَفلَة من أَهله وَلم يواجه الْكفْر وَهُوَ مُجْتَمع فِي خيله فضلا عَن رجله وَلم يهدد الْعَدو بِضَرْب مصَاف إِلَّا واستكانت العزائم لتهديده وَلم يجمع أمره على اللِّقَاء إِلَّا صرفه عَنهُ الْآمِر بصرفه بذهبه لَا بحديده فَأَما الْآن فقد أنس الْمُسلمُونَ بحزبه وتمرنوا بحربه
стр. 1011
فصل فِي مسير السُّلْطَان إِلَى بِلَاد الْمشرق مرّة ثَانِيَة
قَالَ الْعِمَاد ثمَّ إِن السُّلْطَان عزم على الْمسير إِلَى حلب وبلغه أَن المواصلة كاتبوا الفرنج ورغبوهم فِي الْخُرُوج إِلَى الثغور ليشغلوا السُّلْطَان عَن قصدهم
فَتوجه على سمت بعلبك وخيم بالبقاع وَكَانَ قد وَاعد أسطول مصر أَن يتجهز إِلَى بِلَاد السَّاحِل فَبَلغهُ الْخَبَر أَنه وصل إِلَى بيروت فبادره السُّلْطَان بعسكره جَرِيدَة قبل أَن يفوت فَلَمَّا وصل رأى أَن أَمر بيروت يطول وَكَانَ قد سبى الأسطول مِنْهَا وسلب وظفر من غنيمتها بِمَا طلب فَأَغَارَ السُّلْطَان على تِلْكَ الْبِلَاد وَرجع وَأعَاد فرخشاه إِلَى دمشق ورحل إِلَى بعلبك وَمِنْهَا إِلَى حمص فَخرج الْفَقِيه الْمُهَذّب عبد الله بن أسعد بن الدهان وَله فِي السُّلْطَان مدائح مِنْهَا قصيدة أَولهَا
(أعلمت بعْدك وقفتي بالأجرع ... ورضى طلولك عَن دموعي الهمع)
(مطرَت غضى فِي منزليك فذاويا ... فِي أَربع ومؤججا فِي أضلع)
стр. 1012
(هَل يعلم المتحملون لنجعة ... أَن الْمنَازل أخصبت من أدمعي)
(دَعْنِي وَمَا شَاءَ التَّلَذُّذ والأسى ... وأقصد بلومك من يطيعك أَو يعي)
(لَا قلب لي فأعي الملام فإنني ... أودعته بالْأَمْس عِنْد مودعي)
(قل للبخيلة بِالسَّلَامِ تورعا ... كَيفَ استبحت دمي وَلم تتورعي)
(وبديعة الْحسن الَّتِي فِي وَجههَا ... دون الْوُجُوه عناية للمبدع)
(مَا بَال مُعْتَمر بربعك دائبا ... يقْضِي زيارته بِغَيْر تمتّع)
وَمِنْهَا
(ووعدتني إِن عدت عود وصالنا ... هَيْهَات مَا أبقى إِلَى أَن تَرْجِعِي)
(هَل تسمحين ببذل أيسر نائل ... أَن اشتكي وجدي إِلَيْك وتسمعي)
(فتيقني أَنِّي بحبك مغرم ... ثمَّ اصنعي مَا شِئْت بِي أَن تصنعي)
وَمِنْهَا
(فسقى الرّبيع الجون ربعا طالما ... أَبْصرت فِيهِ الْبَدْر لَيْلَة أَربع)
(وَلَو اسْتَطَعْت سقيته سبل الْغنى ... من كف يُوسُف بالأدر الأنقع)
(بيَدي فَتى لَو أَن جود يَمِينه ... للغيث لم يَك ممسكا عَن مَوضِع)
(فَإِذا اتبسم قَالَ يَا جودا ندفق ... فيضا وَيَا سحب الندى لَا تقلعي)
стр. 1013
(وَإِذا تنمر قَالَ يَا أَرض أرجفي ... بالصاهلات وَيَا جبال تزعزعي)
(وَإِذا علا فِي الْمجد أَعلَى غَايَة ... قَالَت لَهُ الهمم الجسام ترفع)
(كم وَقْفَة لَك فِي الوغى محمودة ... أبدا وَكم جود حميد الْموقع)
(وَالنَّاس بعْدك فِي المكارم والندى ... رجلَانِ إِمَّا سَارِق أَو مدعي)
قَالَ ثمَّ رَحل السُّلْطَان إِلَى حماة واستصحب مَعَه ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين فَلَمَّا قرب من حلب أقبل مظفر الدّين كوكبري بن عَليّ كوجك صَاحب حران حِينَئِذٍ فَاجْتمع بالسلطان وَصَارَ فِي خدمته من جملَة الأعوان وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يعبر الْفُرَات وَيجوز مَا وَرَاءَهَا وَيتْرك حلب إِلَى مَا بعد ذَلِك لِئَلَّا تشغله عَن غَيرهَا
فاستصوب السُّلْطَان رَأْيه وَعبر الْفُرَات
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد نزل السُّلْطَان على حلب فِي ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَسبعين فَأَقَامَ ثَلَاثَة أَيَّام ورحل فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين مِنْهُ يطْلب الْفُرَات وَاسْتقر الْحَال بَينه وَبَين مظفر الدّين بن زين
стр. 1014
الدّين وَكَانَ صَاحب حران وَكَانَ قد استوحش من جَانب الْموصل وَخَافَ من مُجَاهِد الدّين فالتجأ إِلَى السُّلْطَان وَعبر إِلَيْهِ إِلَى قَاطع الْفُرَات وقوى عزمه على الْبِلَاد وَسَهل أمرهَا عِنْده فَعبر الْفُرَات وَأخذ الرها والرقة ونصيبين وسروج ثمَّ شحن على الخابور وأقطعه
وَقَالَ ابْن أبي طي فِي أول السّنة أَرَادَ مظفر الدّين بن زين الدّين وَكَانَ إِلَيْهِ شحنكية حلب الِاسْتِيلَاء على قلعة حلب بِأَن يهجمها فَلم يتَمَكَّن وَظهر أمره وَبعد هَذِه الْوَقْعَة اجْتمع الأخوان عز الدّين وعماد الدّين على الرقة وتحالفا على بِسَاط وَاحِد وَسلم عماد الدّين مَا كَانَ بِيَدِهِ من سنجار وَغَيرهَا إِلَى عز الدّين وَسلم عز الدّين إِلَيْهِ حلب فَسَار إِلَيْهَا ودخلها فَخرج مظفر الدّين عَنْهَا وَصَارَ إِلَى الْفُرَات فَلَمَّا اتَّصل بِهِ قصد السُّلْطَان حلب سَار إِلَى خدمته وَاجْتمعَ بِهِ على جباب التركمان وَأَشَارَ على السُّلْطَان بعبور الْفُرَات والاستيلاء على بِلَاد الشرق وَتَأْخِير أَمر حلب فَفعل
ورحل عَن حلب بعد أَن أَقَامَ عَلَيْهَا سِتَّة أَيَّام وَأقَام على تل خَالِد ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ رَحل إِلَى البيرة وفيهَا شهَاب الدّين مُحَمَّد بن الياس الأرتقي فَنزل إِلَيْهِ وَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَسَأَلَهُ الصعُود إِلَى قلعة البيرة فَأَجَابَهُ وَقدم لَهُ مَفَاتِيح القلعة فَردهَا إِلَيْهِ ووعده باستخلاص مَا كَانَ صَاحب ماردين غَلبه عَلَيْهِ
стр. 1015
ورحل السُّلْطَان إِلَى سروج فَنزل إِلَيْهِ صَاحبهَا ابْن مَالك مستأمنا فَأَعَادَهُ إِلَى بَلَده وراسل صَاحب ماردين فِي رد مَا كَانَ تغلب عَلَيْهِ من أَعمال البيرة فَفعل
ثمَّ أَخذ الرها ثمَّ الرقة ثمَّ سلم الرها إِلَى ابْن زين الدّين والرقة إِلَى صَاحب الرها لِأَنَّهُ سَأَلَ أَن يكون فِي خدمَة السُّلْطَان
وَمن كتاب فاضليّ عَن السُّلْطَان إِلَى عز الدّين فرخشاه يُعلمهُ بِالْحَال وَفِي آخِره ولتعجل بِحمْل مَا هُنَاكَ من الْأَمْوَال فَكلما فتحت الْبِلَاد أَبْوَابهَا قد فتحت المطامع أفواهها واستوعبت الخزائن إخراجا وإنفاقا واستنفدت الحواصل إِعْطَاء وإطلاقا وَقدمنَا على بَحر لَا يسده إِلَّا بَحر وعَلى أيد إِن كَانَ بهَا الْغنى فَفِي أَنْفسهَا الْفقر
وَمن كتاب آخر إِلَى الْعَادِل يعلم مِقْدَار الْحَاجة إِلَى الأنفاق وَكَثْرَة الخرج الَّذِي اشْترك فِيهِ أهل الْآفَاق وَأَنه مَتى نضبت الْموَاد وقفت الْأُمُور الَّتِي قد شارفت نهاياتها وَتَفَرَّقَتْ الجموع الَّتِي تناذرت الْأَعْدَاء نكاياتها وَمَا دون تملك الْبِلَاد إِلَّا الْوُصُول إِلَيْهَا وَالنُّزُول عَلَيْهَا
قَالَ الْعِمَاد وَقَالَ مظفر الدّين للسُّلْطَان مازلت شوقا إِلَيْك فِي حران حران وَإِلَى الرّيّ من ورد خدمتك ظمآن وَهِي لَك مبذولة وبأوليائك
стр. 1016
من أهل الدّين وَالدُّنْيَا مأهولة والرها لَا يعسر أمرهَا والرقة لرقك وَبَعض حَقك والخابور فِي انْتِظَار خبرك ودارا دَارك ونصيبين نصيبك وَملك الْموصل موصلك إِلَى الْملك وَمَا هَذَا أَوَان الونى فادن إِلَيْنَا وكل بعيد قد دنا
قَالَ وَوصل الْبَحْر إِلَى الْفُرَات وخيم عَلَيْهَا من غربي البيرة وَمد الجسر وَكَانَت البيرة قد طمع فِيهَا صَاحب ماردين وَاسْتولى على مَوَاضِع من أَعمالهَا فَلَمَّا سمع بالسلطان تخلى عَنْهَا فَأَعَادَ إِلَيْهَا صَاحبهَا شهَاب الدّين مُحَمَّد بن إلْيَاس الأرتقي
وَكتب السُّلْطَان بالمثال الفاضلي إِلَى الدِّيوَان عِنْد عبور الْفُرَات كتابا فائقا طَويلا يَقُول فِيهِ خدم الْخَادِم مُتَوَالِيَة إِلَى الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة خلد الله سلطانها شارحا لأحواله ومعتدا بهَا من صَالح أَعماله ومتوقعا من الْأَجْوِبَة عَنْهَا مَا يُهَيِّئ لَهُ من أمره رشدا وَيفرق الْأَعْدَاء إِذْ كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا فَإِن الآراء الشَّرِيفَة لَو لم تفصح عَنْهَا الإنشاءات وتتضمنها الإجابات والابتداءات لأفصحت عَنْهَا مُوالَاة الْخَادِم الَّتِي استفتحت الدولة بعقائل الْفتُوح قبل خطبتها وَردت الْأَسْمَاء الشَّرِيفَة إِلَى أوطانها من المنابر
стр. 1017
بعد طول غربتها فَتلك الْأَعْمَال كالهجرة وَلكُل امْرِئ مَا هَاجر إِلَيْهِ وَنِيَّة الْمَرْء ثَوْبه فَلَا يلبس إِلَّا مَا خلعته النِّيَّة عَلَيْهِ
وَكتاب الْخَادِم الْآن من البيرة بَعْدَمَا قطع الْفُرَات وَكَانَ من لَا تقرب عَلَيْهِ العزائم مَا هُوَ بعيد وَلَا يلقِي السّمع وَهُوَ شَهِيد يظنّ أَن سَاكن النّيل يحول الْفُرَات بَينه وَبَين قَصده وَأَنه ينسى عَزِيمَة رَأْيه إِذا ذكر طول مدَّته وهول مده وكيفما كَانَ هَذَا الْمخْرج المحرج فقد أَحْسَنت إِلَى الْخَادِم إساءته إِلَيْهِ وقربه من مَحل دَار السَّلَام بل الْإِسْلَام فَمَا أَكثر مَا قَالَ السَّلَام عَلَيْهِ واستشرف جنانه من جنابه أمنا وذعرا أوجبتهما الْمُوَالَاة والمهابة وطالعت عينه أنواء وأنوارا تنْسب إِلَى بركاتها كل سَحَابَة وَكَاد ينزل عَن السُّرُوج والأكوار وَيقبل الثرى لأجل شرف الْجوَار وتستنفد غَلَّته مَاء الْفُرَات لِأَنَّهُ يمر بِتِلْكَ الديار وَيقْرَأ من صفائه صفاء تِلْكَ الخواطر الْعَظِيمَة الأخطار وَمن عذوبته ذَلِك الإنعام الَّذِي هُوَ أَعم وأغمر للأقطار من القطار وتنور دَار الْإِسْلَام من مَنْزِلَته فأدناه النّظر العالي وأسفلته آماله حوز الْفَوْز بِمَا قربه نجيا من قربهَا والآمال أمالي وَالله تَعَالَى
стр. 1018
يشرف أَرضًا هُوَ واطئها ويرعى سروجا هُوَ كالئها ويسعد بِهِ أمة هُوَ بارها طَاعَة لمن هُوَ بارئها
وَلما تحقق الْخَادِم أَن المواصلة قد واصلوا الفرنج مُوَاصلَة أَخْلصُوا فِيهَا الضمائر وَلم يستطيعوا فِيهَا كتمان السرائر وخصمتهم خطوط الْأَيْدِي المتمسكة بعصم الكوافر وعقدوا مَعَهم عقدا شهده من هُوَ حاضره وَنَقله إِلَى من سَمعه من هُوَ ناظره وَكَانَ عقدهم إِحْدَى عشرَة سنة والمستقر لَهُم فِي كل سنة عشرَة آلَاف دِينَار على أَن تسلم ثغور الْمُسلمين إِلَى الْكفَّار مِنْهَا بانياس وشقيف تيرون وحبيس جِلْدك وأسارى الفرنج فِي كل بَلْدَة بِأَيْدِيهِم وَفِي كل بلد يسترجعونه من الْخَادِم بمساعدة الفرنج
وَلما تمّ لَهُم هَذَا العقد وحملوا إِلَى الفرنج ذَلِك النَّقْد ظنُّوا أَن الْحق يجادله الْبَاطِل فيدحضه وَأَن يَد الْكفْر تنبسط إِلَى الْإِسْلَام فتقبضه وَأَن الْخَادِم لَا يُمكنهُ أَن يتَوَجَّه إِلَيْهِم إِلَّا بِأَن تكون الفرنج سلما وَلَا يَسْتَطِيع أَن يقسم العساكر فَيجْعَل بِإِزَاءِ الفرنج قسما وبإزائهم قسما وَعمِلُوا على هَذَا الْوَهم وبنوا على هَذَا الحكم واستنهضوا الفرنج على تثاقل الخطوة واستخرجوهم على مَا بهم من كلوم الْغَزْوَة بعد الْغَزْوَة فتحاملت أرجل الْكفْر على ظلعها وَخرجت على طمعها إِلَى قرعها وأنفقت فِي رجالها مَالا حملوه إِلَيْهِم
стр. 1019
جما وَجَرت إِلَى الْإِسْلَام جَيْشًا جهزه من يَدعِي الْإِسْلَام لفظا ويفارقه حكما وتواعد المواصلة مَعَ الفرنج ليطلبوا ولَايَة الْخَادِم من جَانب ويطلبها الفرنج من جَانب ونظروا فِيمَا يُوصل المساءة إِلَى الْخَادِم وَلم ينْظرُوا لِلْإِسْلَامِ فِي العواقب فوصل المواصلة إِلَى نَصِيبين مجدين محفلين وحركوا الفرنج لِلْخُرُوجِ إِلَى الشَّام متطرفين ومتوغلين فَلَا جرم أَن أُمَرَاء جانبهم وخواص صَاحبهمْ لم يسعهم المروق من الدّين وَلَا الْخُرُوج عَن زمرة الْمُوَحِّدين فأرضوا الله بإسخاطهم وَأَشْفَقُوا على دينهم إشفاقا دلّ على تحرزهم لَهُ واحتياطهم فاتبعوا الْحق وسلكوا سَبيله وَرفع لَهُم الْهدى مناره فاقتفوا دَلِيله ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله﴾ فاستعان الْخَادِم عَلَيْهِم بِاللَّه الَّذِي استعانوا على دينه بأعدائه وَلما رأى أَنهم قد أملوا النَّصْر من أَرضهم أمله من سمائه فرتب الْخَادِم فِي رَأس المَاء بِدِمَشْق بِإِزَاءِ الفرنج الْمَمْلُوك فرخشاه ابْن أَخِيه وَأبقى عَسْكَر الشَّام وحاميته فِيهِ واستنهض أَخَاهُ من مصر إِلَى مَا يَلِيهِ من بِلَاد الْكفْر فَنَهَضَ وَقَامَ للخادم بِمَا أَقَامَهُ لَهُ وَللَّه بِمَا فرض وَسَار الْخَادِم بالعسكر الْمصْرِيّ إِلَى هَذَا الْجَانِب الَّذِي هُوَ الْآن فِيهِ وَكَانَ أيسره يَكْفِيهِ وتثاقل فِي الطَّرِيق انتظارا لِأَن يَأْتُوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا
стр. 1020
ويفرجوا عَن الْولَايَة أَيدي اغتصابها وتعتذر إِلَى السَّيْف أَلْسِنَة تشفق على رقابها فَأَبَوا إِلَّا الإباء وَرَأَوا الْملك إِرْثا مَا ادعوا فِيهِ تَقْلِيد الْخُلَفَاء بل الْآبَاء
وَلما قرب الْخَادِم من الْفُرَات وصل إِلَيْهِ صَاحب حران ابْن زين الدّين عَليّ كوجك مقدم عَسْكَرهمْ وَابْن أَمِير معشرهم وَكَذَلِكَ صَاحب سروج وَصَاحب البيرة وكل بِيَدِهِ مَفَاتِيح بَلَده وأمامه أَمَان الْخَادِم لَهُ قد استبدله من مقلده ووراءه عسكره على كَمَال عدده وعدده وتوالت كتب أمرائهم الَّذين يَأْخُذُونَ إقطاعاتهم خدما ومصانعات ورعاياهم الَّذين يَأْخُذُونَ أَمْوَالهم جنايات ومقاطعات ومكوسا وعشورا واحتكارات يرغبون إِلَى الْخَادِم فِي الإنفاذ ويحثونه فِي الْمسير على الأغذاذ ويشكون أَنهم مَعَ جوَار دَار الْخلَافَة المعظمة لَا يسْلك فيهم سننها وَلَا يقتفى فيهم شرائعها وسننها ونمي إِلَى الْخَادِم من تفاصيل المغارم الَّتِي تلْزم الْفَرِيقَيْنِ ويعدل بهَا عَن أقصد الطَّرِيقَيْنِ مَا يروع السَّامع وَيسمع الرائع ويسجل عَلَيْهِم بِالْخِلَافِ وَيشْهد لَهُم بالانحراف لأَنهم إِن ادعوا تقليدا فقد نقضه كَونهم ابتدعوا وَمَا اتبعُوا وَنَقَضُوا وَمَا افترضوا ومثلوا بِالْحَقِّ وَمَا امتثلوا وَأمرُوا بكف الْأَيْدِي وَقد بسطوها وبأخذ الْأَمْوَال من حلهَا وَقد خلطوها وبرعاية أمة النَّبِي ﷺ وَقد أسخطوه فِيهَا وأسخطوها
وَابْن الدعْوَة العباسية من رعاها لَا من ادَّعَاهَا والعهود وَصَايَا وَمَا الأولى بهَا من سَمعهَا بل من وعاها وَأي عهد لمن لَا عهد لَهُ بِالطَّاعَةِ وَأي ولَايَة
следующие страницы →