Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
يرحلون فَيضْرب مَعَهم مصَاف فَرَحل نَحْو الطّور سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة فَنزل تَحت الْجَبَل مترقبا رحيلهم ليَأْخُذ مِنْهُم فرْصَة فَأصْبح الفرنج رَاجِعين على أَعْقَابهم ناكصين فَرَحل ﵀ نحوهم وَجرى من رمي النشاب واستنهاضهم للمصاف أُمُور عَظِيمَة فَلم يخرجُوا وَلم يزل السُّلْطَان حَولهمْ حَتَّى نزلُوا الفولة رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ وَعَاد السُّلْطَان منصورا وَقد نَالَ مِنْهُم قتلا وأسرا وَخرب عفربلا وبيسان وزرعين وقرى عدَّة فَنزل الفوار وَأعْطى النَّاس دستورا فَسَار من آثر الْمسير وأتى هُوَ دمشق يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة
قَالَ فَانْظُر إِلَى هَذِه الهمة الَّتِي لم يشغلها عَن الْغُزَاة أَخذ حلب وَلَا الظفر بهَا بل كَانَ غَرَضه رَحْمَة الله عَلَيْهِ الِاسْتِعَانَة بالبلاد على الْجِهَاد فَالله يحسن جزاءه فِي الْآخِرَة كَمَا وَفقه للأعمال المرضية فِي الدُّنْيَا
وَقَالَ الْعِمَاد خرج السُّلْطَان إِلَى الْغَزْو ورابط الْعَدو بِعَين الجالوت وَعبر المخاضة الحسينية تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة فوصل إِلَى بيسان وَقد أخلاها أَهلهَا فَأطلق النَّاس فِيهَا النيرَان ونهبوا مَا فِيهَا وَكَذَلِكَ فعلوا بأبراج وقلاع غَيرهَا
وصادفت مُقَدّمَة العساكر خيلا ورجلا للفرنج عابرين من نابلس ومقدمهم ابْن هنفري فَقتل مِنْهُم وَأسر وتوقل الْبَاقُونَ فِي الْجبَال وَوصل الْخَبَر بِأَن الفرنج قد أَقبلُوا فِي ألف وَخمْس مئة رمح وَمثله تركبلي وَخَمْسَة عشر ألف راجل فَأَتَاهُم الْمُسلمُونَ وَذَلِكَ على عين
стр. 1087
الجالوت فَأَخذهُم الرعب وخاموا عَن الْإِقْدَام عَلَيْهِم فخندقوا حَولهمْ وأسندوا ظُهُورهمْ إِلَى الْجَبَل وَأَقَامُوا كَذَلِك خَمْسَة أَيَّام
فَلَمَّا رأى الْمُسلمُونَ مِنْهُم ذَلِك رجعُوا عَنْهُم فتنفس خناقهم ونكصوا على أَعْقَابهم إِلَى الناصرة وَعَاد الْمُسلمُونَ بالغنائم وَالْأسَارَى لم يخلص الْعَدو مِنْهَا شَيْئا وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة
وَقد كَانُوا مُدَّة مقامهم يتخطفهم الْمُسلمُونَ من كل جَانب ويرمونهم بِالنَّبلِ وينتظرون أَن يحملوا أَولا كَمَا هُوَ عَادَتهم فَمَا فعلوا
وَفِي كتاب فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى بَغْدَاد لما كَانَ بتاريخ الثَّامِن من جُمَادَى الْآخِرَة سَار الْخَادِم من أدنى الْمنَازل من بِلَاد الْإِسْلَام إِلَى بِلَاد الْكفْر وَقد تكاملت جنود الْإِسْلَام وتعينت ميامنه ومياسره وَأخذت أهبه وشحذت قضبه وَبَاعُوا الله مَا اشْتَرَاهُ وَمثل لأعينهم ثَوَابه فَكَأَنَّهَا ترَاهُ وَسَارُوا تَحت ليل عجاج ستر السائر تَحْتَهُ سراه وَأصْبح الْخَادِم وإياهم بِعَين الله فِي سَبيله على مَاء الْأُرْدُن وَهُوَ النَّهر الْفَاصِل بَين الْإِسْلَام وَالْكفْر والمخاضة الْمَضْرُوب مِنْهَا بسور على ذَلِك الْقطر فَخَاضَ ذَلِك الْبَحْر وَذَلِكَ النَّهر وأمدته نطف الْحَدِيد فَإِذا المَاء يَرْمِي بالشرر ويقذف بالجمر وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس ثَانِي يَوْم الْمسير وَهُوَ تَاسِع الشَّهْر
وَلما جَازَ المخاضة أَخذ الْبِلَاد ضرب الْمَخَاض وزلزلت أرْضهَا فَهِيَ بالقوم ترض أَو للقيامة ترَاض وَأخذت رجال الْمُسلمين تنقص الأَرْض من أطرافها وتقلع قلاع الْجبَال وَتَطير رؤوسها من أكتافها فَإِذا الْبِلَاد قد انهزم أَهلهَا فألحقها الْمُسلمُونَ
стр. 1088
مساكنها فِي الْهَزِيمَة وعولوا فِيهَا على سيوف المعاول فَإِذا هِيَ رَاحِلَة وَكَأَنَّهَا مُقِيمَة وَهَذِه الْبِلَاد مدن مَا كَانَ غرم قبل مِنْهَا مدنيا وعمارات مَا كَانَ أمل إِلَيْهَا مفضيا بل طالما كَانَ عَنْهَا مغضيا مثل بيسان وعفربلا وزرعين وجينين كلهَا بِلَاد مشاهير لَهَا قرى مغلة وبساتين مظلة وأنهار مقلة وقلاع مطلة وأسوار قد ضربت على جهاتها وأحاطت بجنباتها واتخذتها المدن سياجا على قصباتها فغنم الْمُسلمُونَ مَا فِيهَا من أقوات مختزنة وشفوا مِنْهَا حزازات الْقُلُوب المضطغنة وأحرقوا أوعية كفرها بالنَّار وعذبوها عَذَاب أَهلهَا من الْكفَّار وقتلوها وَكَانَ الضرام لَهَا دَمًا وَكَتَبُوا عَلَيْهَا الخراب وَكَانَ السَّيْف فِيهَا قَلما فأجلوا عَن حماها حمما وتساقطت جدرها فَكَأَنَّمَا أسارت فِيهَا النَّوَى لمما
وَلما كَانَ يَوْم السبت الْحَادِي عشر ورد الْخَبَر بِأَن عَسْكَر الْكَافرين قد ركب من مَكَان مجتمعه وزحف بلابسه ومدرعه فَركب الْخَادِم يبوئ الْمُؤمنِينَ مَوَاقِف الْقِتَال ومنازل النزال فَمن متسرع يطوف عَلَيْهِم بصفاح ليطاف عَلَيْهِ بصحاف وَمن متثبت يمشي إِلَى الْمَوْت مشي الْعَرُوس سَاعَة الزفاف وهنالك منظر ود الْمُؤْمِنُونَ لَو أَن أَمِيرهمْ لَهُ نَاظر كَمَا هُوَ بِهِ أَمر وَلَا غرو أَن يصفه الْخَادِم ليسر المخدوم لَا ليوصف الْخَادِم وَمن وصف ضَرْبَة السَّيْف فَإِنَّمَا وصف الضَّارِب وَلم يصف الصارم وَنزل الْعَدو إِلَى الأَرْض منحطا عَن سَرْجه ومنحازا عَن فجه وسالكا نهجا غير نهجه وأحدق بِهِ راجله وَهُوَ زهاء عشْرين ألف راجل وركز صَلِيب صلبوته فَاسْتَوَى فِي الْعَجز الْمَحْمُول وَالْحَامِل وَنزل محصورا وَخَنْدَق فَكَأَنَّمَا
стр. 1089
أصبح الْكَافِر فِي حفر ذَلِك الخَنْدَق مقبورا وَأقَام بإزائه خَمْسَة أَيَّام تماسيه الوقائع وتصاحبه وتماشيه الروائع وتصافحه ويفزع فِيهِ إِلَى الحفير ويتكرر إِلَيْهِ فِي الْيَوْم الْوَاحِد النفير وَيبْعَث إِلَيْهِ السهْم وَهُوَ فِي الْحَرْب السفير فَيقبل تَحِيَّة الضَّرْب مترددة وَلَا يردهَا وتتبسم إِلَيْهِ صفيحة النصل متوددة فَلَا يودها ويجتهد فِي استخراجه وَقد رأى العزائم وَلم يخرج لدعوتها والمكارم وَلم يرحل لبغيتها
وَمن كتاب آخر إِلَى وَزِير بَغْدَاد أثاروا على يَوْم الْكفْر لَيْلَة عجاج جعلت ليل من وَرَاءَهُمْ من الْإِسْلَام سكنا وصبروا وَصَابِرُوا فَكَأَنَّمَا كَانَ السَّيْف لَهُم أليفا وَكَانَ المعترك لَهُم وطنا وَأخذت فِي الْبِلَاد النَّار مأخذها ونفذت فِيهَا الْغَيْر منافذها وثلت عروشها وثلت غروسها وجليت فِي مصبغات النيرَان عروسها وأصبحت تناجي الْعُيُون ثواكلها وتصف النَّوَازِل منازلها دمنا على الأطلال مطلولة وصرعى بسيوف الْبلَاء مقتولة
وَجَاء الْعَدو فأحدقت بِهِ الْأَبْطَال وتنجزت عَادَة حَملته فمطلت وَمَا كَانَ خلقهَا المطال فَلَمَّا كثر الله الْمُسلمين فِي عيونهم وَرَأَوا بهَا مَا لم يَكُونُوا يرونه قبلهَا بظنوهم وَاسْتَمَدُّوا مغاني الشكوى لتبوح بهَا ألسنتهم إِذا خلوا إِلَى شياطينهم فأخلدوا إِلَى الأَرْض نازلين وقعدوا عَن الحملة ناكلين وَاتَّقَى فارسهم براجله ورامحهم بنابله ولاذ سيفهم بجفنه وَلَا خير فِي حامله ولاذ جفْنه بأطراقه خوفًا من كحله بِسَهْم قَاتله
وَأَقَامُوا مَحْصُورين لَا يَسْتَطِيعُونَ وردا وَلَا صَدرا وَلَا يَجدونَ مُتَقَدما وَلَا مُتَأَخِّرًا فَمَا كَانَ للكفر فِئَة ينصرونه من دون الله وَمَا كَانَ منتصرا وعزف النصل فِي لحن
стр. 1090
السَّيْف أَن الشجَاعَة والنكول أَمْرَانِ يقذفهما الله فِي الْقُلُوب فَلَا يقل النَّاس كَيفَ
فصل فِي ولَايَة الْملك الْعَادِل حلب وَولَايَة تَقِيّ الدّين مصر وَغير ذَلِك
قَالَ الْعِمَاد وَقد كَانَ الْعَادِل نَائِبا بِمصْر فَلَمَّا فتح السُّلْطَان حلب كتب الْعَادِل إِلَيْهِ يطْلبهَا مِنْهُ مَعَ أَعمالهَا ويدع الديار المصرية فَكتب السُّلْطَان إِلَيْهِ أَن يوافيه إِلَى الكرك فَإِنَّهُ سَائِر إِلَى فَتحه فَأَشَارَ القَاضِي الْفَاضِل على السُّلْطَان أَن يَسْتَنِيب فِي الديار المصرية مَوضِع أَخِيه الْعَادِل ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين فاستصحبه السُّلْطَان مَعَه إِلَى الكرك فِي رَجَب من هَذِه السّنة وَحَازَ فِي طَرِيقه قبل وُصُوله إِلَيْهَا غَنَائِم وخيم على الربة ثمَّ حصر الكرك ورماه بالمجانيق صباحا وَمَسَاء وتناوب عَلَيْهِ الْأُمَرَاء حَتَّى خرج شهر رَجَب وَمَا حصل مِنْهُ الطّلب لَكِن عظمت النكاية فِي الْكفَّار بِأخذ أَمْوَالهم وتخريب الديار
وَوصل الْخَبَر أَن الفرنج قد استجمعوا وتجمعوا بالموضع الْمَعْرُوف بالواله على قصد الْمُسلمين وخلاص الكرك من أَيْديهم وَرَأى السُّلْطَان أَن أَمر حصره يطول فعول على الرحيل إِلَى دمشق وَوصل الْعَادِل إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بعد على الكرك فَجهز تَقِيّ الدّين إِلَى
стр. 1091
الديار المصرية واليا عَلَيْهَا وقوى عضده بِصُحْبَة القَاضِي الْفَاضِل لَهُ وَتَوَلَّى الْعَادِل حلب وأعمالها ومنبج وَجَمِيع قلاعها وَسَار إِلَيْهَا فِي رَمَضَان وَرجع مِنْهَا إِلَى دمشق الْملك الظَّاهِر ونواب السُّلْطَان
قلت وَكتب الْعَادِل إِلَى الْفَاضِل يستشيره فِي التعوض عَن مصر بحلب
فَكتب إِلَيْهِ الْفَاضِل كتابا فِيهِ
(إِنَّمَا أَنْت كغيث ماطر ... حَيْثُمَا صرفه الله انْصَرف)
وَالْمولى أعلم وبسياسة الدُّنْيَا أقوم وَقد تكَرر الْكتاب الناصري إِلَيْهِ بِمَا نَص عَلَيْهِ وكشف لَهُ الغطاء وسنى لَهُ الْعَطاء وَقَالَت لَهُ المخطوبة هيت لَك
وَأدّى إِلَيْهِ مَالك الْأَمر مَا قد ملك فَلَا زَالَت سعادته أنور من شمس وأدور من فلك وَلَا زَالَ رابحا على الدَّهْر إِن امْرُؤ خسر وباقيا إِن امْرُؤ هلك
وَمن كتاب آخر إِلَيْهِ أدام الله دولة حامي الْحمى وَثَبت الدولة الناصرية الَّتِي يقوم بهَا ملكان همامان هما هَذَا صَلَاح يمْنَع فَسَادًا وَهَذَا سيف يحقن دَمًا
قَالَ ابْن أبي طي كَانَ السُّلْطَان يعظم الْملك الْعَادِل وَيعْمل بِرَأْيهِ فِي
стр. 1092
جَمِيع أُمُوره ويتيمن بمشورته وَلَا يعلم بِأَنَّهُ أَشَارَ على السُّلْطَان بِأَمْر فخالفه
حَدثنِي قَاضِي الْيمن جمال الدّين قَالَ كَانَ السُّلْطَان يجمع الْأُمَرَاء للمشورة فَإِن كَانَ الْعَادِل حَاضرا سمع من رَأْيه وَإِن لم يكن حَاضرا لم يقطع أمرا فِي الْمُهِمَّات حَتَّى يكاتبه بجلية الْأَحْوَال ثمَّ يسمع رَأْيه فِيهَا
قَالَ وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي جمَاعَة قَالُوا كَانَ السُّلْطَان لَيْسَ لَهُ غناء عَن الْعَادِل وَلَا عَن رَأْيه فَلَمَّا حصل الْعَادِل بِمصْر وَبعد عَن السُّلْطَان هُنَاكَ صَار السُّلْطَان يتَكَلَّف فِي مُكَاتبَته بالأخبار وَيُؤَخر الْأُمُور إِلَى أَن يرد عَلَيْهِ جَوَابه فيفوته بذلك كثير من الْمَنَافِع الْحَاصِلَة للدولة وللجهاد
فَلَمَّا حصر الكرك فِي هَذِه السّنة كَاتبه بالحضور إِلَيْهِ بعياله وأمواله وَجَمِيع أَصْحَابه وَولى مصر تَقِيّ الدّين وَلما حصل الْعَادِل عِنْد السُّلْطَان وَقع فِي نَفسه أَن يعوضه عَن ولَايَة مصر ثمَّ حَار فِي أَي ولَايَة يوليه
قَالَ وحَدثني علم الدّين قَيْصر الصلاحي قَالَ إِنَّمَا أقدم السُّلْطَان الْعَادِل من مصر لأجل ولَايَة حلب وَبِذَلِك كَاتبه وَلأَجل هَذَا خرج الْعَادِل بأمواله وَعِيَاله وأثقاله
قَالَ وحَدثني غَيره قَالَ لما حصل الْعَادِل عِنْد السُّلْطَان بأمواله وأثقاله كَانَت الْأَمْوَال قد قلت على السُّلْطَان وَقد حصلت عِنْده عَسَاكِر عَظِيمَة فأحضر الْعَادِل لَيْلًا وَقَالَ أُرِيد أَن تقرضني مئة وَخمسين ألف دِينَار إِلَى الميسور فَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة
ثمَّ قَامَ وَخرج من عِنْده وَكتب إِلَيْهِ يَقُول أَمْوَالِي جَمِيعهَا بَين يَديك وَأَنا مملوكك وأشتهي أَن أحمل هَذَا
стр. 1093
المَال إِلَى خدمَة السُّلْطَان وَيكون عوضا عَنهُ مَدِينَة حلب وقلعتها
فَأَجَابَهُ السُّلْطَان إِنَّنِي وَالله مَا أقدمتك إِلَّا لأوليك حلب وَإِذ قد اقترحت ذَلِك فقد وَافق مَا عِنْدِي
فَلَمَّا أصبح الْعَادِل أنفذ وَسَأَلَ السُّلْطَان أَن يكْتب لَهُ بِمَدِينَة حلب كتابا ويجعله ككتاب البيع والشرى
فَامْتنعَ السُّلْطَان وَقَالَ إِنَّمَا تكون حلب إقطاعا وَالْمَال عَليّ لَهُ
فَاعْتَذر الْعَادِل إِلَى السُّلْطَان وَلما اجْتمعَا قَالَ لَهُ السُّلْطَان أظننت أَن الْبِلَاد تبَاع أَو مَا علمت أَن الْبِلَاد لأَهْلهَا المرابطين بهَا وَنحن خَزَنَة للْمُسلمين ورعاة للدّين وحراس لأموالهم أَو مَا علمت أَن السُّلْطَان ملكشاه السلجوقي لما وقف طبرية على جَامع خُرَاسَان لم يحكم بِهِ أحد من الْقُضَاة وَلَا من الْفُقَهَاء ثمَّ قرر السُّلْطَان ولَايَة الْعَادِل بحلب وأعمالها إِلَى رعبان إِلَى الْفُرَات إِلَى حماة وَكتب لَهُ التوقيع وَقرر عَلَيْهِ مَالا يحملهُ برسم الزردخاناه وخزانة الْجِهَاد ورجالة من الحلبيين
ورحل السُّلْطَان إِلَى دمشق واستدعى وَلَده الظَّاهِر من حلب فَلَمَّا حضر أمره بِالْعودِ إِلَى حلب وتسليمها إِلَى عَمه الْعَادِل فَفعل وَعَاد إِلَى دمشق وَسَار الْعَادِل إِلَى حلب فَالْتَقَيَا بالرستن وباتا فِيهِ
فَكَانَت مُدَّة ولَايَة الظَّاهِر بحلب فِي هَذِه النّوبَة نَحْو سِتَّة أشهر وَلما وصل الظَّاهِر إِلَى دمشق أقبل على خدمَة وَالِده والتقرب إِلَيْهِ إِلَّا أَن الانكسار
стр. 1094
لخُرُوج حلب من يَده ظَاهر عَلَيْهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يظْهر شَيْئا إِلَّا الطَّاعَة لوالده والانقياد لمرضاته
حَدثنِي أبي عَن مجد الدّين بن الخشاب قَالَ حَدثنِي الْملك الظَّاهِر قَالَ لما بَلغنِي أَن السُّلْطَان أعْطى حلب للْملك الْعَادِل جرى عَليّ مَا قدم وَمَا حدث وأصابني من الْهم مَا لم أقدر على النهوض بِهِ ووددت أَنِّي لم أكن رَأَيْتهَا وَلَا دخلت إِلَيْهَا لِأَن قلبِي أحبها وَقبلهَا وطاب لي هواؤها وَلما فارقتها كنت أحن إِلَيْهَا واشتاقها
قَالَ وَدخل الْعَادِل حلب فِي رَمَضَان وخلع على المقدمين والأعيان وَكَانَ قد قدم بَين يَدَيْهِ كَاتبه الْمَعْرُوف بالصنيعة ليسلم حلب وقلعتها من الْملك الظَّاهِر وَولى القلعة صارم الدّين بزغش وَولى الدِّيوَان والإقطاعات شُجَاع الدّين بن الْبَيْضَاوِيّ صباغ دقنه وَولى الْإِنْشَاء وَمَا يتَعَلَّق بِأُمُور السِّرّ للصنيعة ابْن النحال وَكَانَ نَصْرَانِيّا ثمَّ أسلم على يَد الْعَادِل فولى ابْن النحال الْوَظَائِف لجَماعَة من النَّصَارَى
وَفِي ذَلِك يَقُول الشَّاعِر
(فاق دين الْمَسِيح فِي دولة الْعَادِل ... حَتَّى علا على الْأَدْيَان)
(ذَا أَمِير وَذَا وَزِير وَذَا وَال ... وَذَا مشرف على الدِّيوَان)
قَالَ وَلم يزل الْعَادِل يهذب أُمُور حلب إِلَى سادس عشر ذِي الْقعدَة ثمَّ خرج مُتَوَجها إِلَى دمشق بِسَبَب أَن السُّلْطَان اجْتمع عِنْده فِي ذِي الْقعدَة
стр. 1095
عدَّة رسل مِنْهُم رسل الْخَلِيفَة ورسل طغرل بن البهلوان ورسل قزل أخي البهلوان ورسل شاه آرمن صَاحب خلاط ورسل المواصلة ورسل عماد الدّين صَاحب سنجار ورسل قليج أرسلان صَاحب الشمَال فَأَرَادَ السُّلْطَان إِحْضَار الْعَادِل لسَمَاع الرسائل ولحضور الْأَجْوِبَة عَنْهَا ولتقرير أُمُور الفرنج وَيَوْم وصل الْعَادِل إِلَى دمشق أحضرهُ السُّلْطَان لسَمَاع الرسائل وَسمع مَا عِنْده من الْأَجْوِبَة وَلما قضى أجوبة الرُّسُل ودع السُّلْطَان وَعَاد إِلَى حلب
قَالَ وَلما بلغ سيف الْإِسْلَام أَن السُّلْطَان كتب لتقي الدّين عهدا بِولَايَة مصر عتب لأجل ذَلِك فَكتب السُّلْطَان لَهُ عهدا بِبِلَاد الْيمن جَمِيعهَا
قَالَ وأقطع السُّلْطَان تَقِيّ الدّين الْإسْكَنْدَريَّة ودمياط وَجعل لخاصته الْبحيرَة والفيوم وبوش ثمَّ عوضه عَن بوش سمنود وحوف رمسيس وَذكر غير ذَلِك
قَالَ الْعِمَاد أنعم السُّلْطَان على تَقِيّ الدّين بِالْأَعْمَالِ الفيومية وَسَائِر نَوَاحِيهَا بِجَمِيعِ جهاتها وجواليها وزاده القايات وبوش وَأبقى عَلَيْهِ بالبلاد الشامية مَدِينَة حماة وقلعتها وَجَمِيع أَعمالهَا
وَلما وصل تَقِيّ الدّين إِلَى مصر اقْتدى بِالتَّدْبِيرِ الفاضلي وَكَانَ السُّلْطَان لَا يُؤثر مُفَارقَته فَلَمَّا لم يجد من تَوْجِيه تَقِيّ الدّين إِلَى مصر بدا وَكَانَت فِيهِ حِدة لم تكن فِي الْعَادِل احْتَاجَ فِي تقويمه إِلَى تَدْبِير الْأَجَل الْفَاضِل
стр. 1096
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَقتل على الكرك فِي هَذِه الكرة شرف الدّين بزغش النوري شَهِيدا ﵀ ثمَّ رَحل السُّلْطَان عَنْهَا مستصحبا أَخَاهُ الْعَادِل إِلَى دمشق فَدخل دمشق فِي رَابِع عشري شعْبَان وَأعْطى الْعَادِل حلب فِي ثَانِي شهر رَمَضَان فَسَار فِي ذَلِك الْيَوْم نَحْوهَا فوصلها وَصعد القلعة فِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَكَانَ بهَا ولد السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر وَمَعَهُ سيف الدّين يازكوج يدبر أمره وأبن العميد فِي الْبَلَد وَكَانَ الظَّاهِر أحب أَوْلَاده إِلَى قلبه لما قد خصّه الله بِهِ من الشهامة والفطنة وَالْعقل وَحسن السمت والشغف بِالْملكِ وَظُهُور ذَلِك عَلَيْهِ وَكَانَ من أبر النَّاس بوالده وأطوعهم لَهُ وَلَكِن أَخذ مِنْهُ حلب لمصْلحَة رَآهَا فَخرج من حلب لما دَخلهَا عَمه الْعَادِل هُوَ ويازكوج سائرين إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَدخل دمشق يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن عشري شَوَّال فَأَقَامَ فِي خدمَة وَالِده لَا يظْهر لَهُ إِلَّا الطَّاعَة والانقياد مَعَ انكسار فِي بَاطِنه لَا يخفى عَن نظر وَالِده
قَالَ وَفِي ذَلِك الشَّهْر وردنا على السُّلْطَان رسلًا من جَانب الْموصل وَكُنَّا قد ترسلنا إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله فِي إِنْفَاذ شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين رَسُولا وشفيعا إِلَى السُّلْطَان فسيره مَعنا من بَغْدَاد وَكَانَ غزير الْمُرُوءَة عَظِيم الْحُرْمَة فِي دولة الْخلَافَة وَفِي سَائِر الْبِلَاد وَكَانَت
стр. 1097
مكانته عِنْد السُّلْطَان بِحَيْثُ يتَرَدَّد إِلَيْهِ إِذا كَانَ عِنْده فِي مُعظم الْأَيَّام
قَالَ وَكَانَ الشَّيْخ قد وصل إِلَى الْموصل وَسَار مِنْهَا بعد أَن سَار فِي صحبته القَاضِي محيي الدّين بن كَمَال الدّين وَكَانَ بَينهمَا صُحْبَة من الصِّبَا وَكنت مَعَ الْقَوْم وسرنا حَتَّى أَتَيْنَا دمشق وَخرج السُّلْطَان إِلَى لِقَاء الشَّيْخ وَنحن فِي خدمته وأقمنا أَيَّامًا نراجع فِي فصل حَال فَلم يتَّفق صلح فِي تِلْكَ الدفعة وَخَرجْنَا رَاجِعين إِلَى الْموصل وَخرج السُّلْطَان إِلَى وداع الشَّيْخ إِلَى الْقصير واجتهدوا فِي ذَلِك الْيَوْم أَن يَنْقَضِي شغل فَلم يتَّفق
وَكَانَ الْوُقُوف من جَانب محيي الدّين فَإِن السُّلْطَان اشْترط أَن يكون صَاحب إربل والجزيرة على خيرتهما فِي الانتماء إِلَيْهِ أَو إِلَى صَاحب الْموصل فَقَالَ محيي الدّين لَا بُد من ذكرهمَا فِي النُّسْخَة
فَوقف الْحَال
وَكَانَ مسيرنا يَوْم الْخَمِيس سَابِع ذِي الْحجَّة
قَالَ وَفِي تِلْكَ الدفعة عرض عَليّ السُّلْطَان مَوَاضِع الْبَهَاء الدِّمَشْقِي بِمصْر على لِسَان الشَّيْخ فاعتذرت وَلم أفعل خوفًا من أَن يُحَال توقف الْحَال عَليّ وَمن تِلْكَ الدفعة ثَبت فِي نَفسه الشَّرِيفَة مني أَمر لم أعرفهُ إِلَّا بعد خدمتي لَهُ
وَأقَام السُّلْطَان بِدِمَشْق ترد عَلَيْهِ الرُّسُل من الجوانب فوصله رَسُول سنجر شاه صَاحب الجزيرة فاستحلفه لنَفسِهِ وانتمى إِلَيْهِ ورسل
стр. 1098
إربل وَحلف لَهُم وَسَارُوا وَوصل إِلَيْهِ أَخُوهُ الْعَادِل يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع ذِي الْحجَّة فَأَقَامَ عِنْده
وَعِيد وَعَاد إِلَى حلب
قَالَ الْعِمَاد ووصلت رسل صَاحب الجزيرة معز الدّين سنجر شاه بن سيف الدّين غَازِي بن مودود بن زنكي ورسل صَاحب إربل زين الدّين يُوسُف بن عَليّ كوجك بن بكتكين ورسل صَاحِبي الحديثة وتكريت يَشكونَ من صَاحب الْموصل وَيطْلبُونَ أَن يَكُونُوا من أَوْلِيَاء السُّلْطَان المنتمين إِلَيْهِ فَفعل السُّلْطَان ذَلِك
وَكَانَ أَبُو سنجر شاه سيف الدّين غَازِي هُوَ صَاحب الْموصل بعد وَالِده مودود كَمَا تقدم ذكره فعهد إِلَى ابْنه سنجرشاه بهَا فغلبه عَلَيْهَا عَمه عز الدّين مَسْعُود بن مودود فَبَقيت الجزيرة بيد سنجرشاه وَهُوَ تَحت يَد عَمه وَفِي قلبه مِنْهُ مَا فِيهِ وَكَانَت إربل وأعمالها وَمَا يَليهَا كلهَا مُضَافَة إِلَى الْموصل وَصَاحب الْموصل هُوَ الْحَاكِم على جَمِيعهَا فَمن ثمَّ طلب هَؤُلَاءِ الانحياز إِلَى خدمَة السُّلْطَان فأجابهم وَسمع بذلك صَاحب الْموصل فاستشفع بدار الْخلَافَة إِلَى أَن أرسل مِنْهَا شيخ الشُّيُوخ وشهاب الدّين بشير إِلَى السُّلْطَان أَن يجدد لصَاحب الْموصل الْأَيْمَان وَيكون لَهُ من جملَة الأعوان حَربًا لمن حاربه سلما لمن سالمه
وَجَاء رَسُول صَاحب الْموصل قَاضِي الْقُضَاة محيي الدّين أَبُو
стр. 1099
حَامِد مُحَمَّد بن قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم الشَّهْرَزَوْرِي وترفع فِي أَدَاء الرسَالَة وَأَغْلظ فِي الْكَلَام فألان لَهُ السُّلْطَان وَقَالَ أَنا أَقْْضِي حَاجته على مَا أَرَادَ وَلَكِن قد سبق مني يَمِين لأولئك السلاطين فَأَنا أستثنيهم وأردهم إِلَى اختيارهم لي أَو لَهُ
فَأبى ذَلِك وَأَرَادَ أَن تكون الصداقة لَهُ دون سَائِر ذَوي الممالك وَأَشَارَ إِلَى أَن لَهُم من ينصرهم من جِهَة البهلوان ملك الْعَجم
فَعظم ذَلِك على السُّلْطَان وَكَانَ ذَلِك محركا لَهُ إِلَى أَن يعود إِلَى الْموصل وَرجعت الرُّسُل على ذَلِك غير ظافرين بطائل
وَكَانَ منزل شيخ الشُّيُوخ بالرباط على المنيبع ومنزل القَاضِي محيي الدّين فِي جوسق بُسْتَان الخلخال وشهاب الدّين بشير بجوسق الميدان وَتُوفِّي ولد شيخ الشُّيُوخ بِدِمَشْق وَكَانَ فِي صحبته فدفنه فِي الْمقْبرَة المحاذية للرباط وَحضر عِنْده السُّلْطَان وَجَمَاعَة الْأُمَرَاء للعزاء
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَت شتوة هَذِه السّنة كَثِيرَة الأمطار
وَكَثُرت مكاتبات الْعِمَاد للفاضل وَأورد فِي بَعْضهَا أبياتا مِنْهَا
(عذر الزَّمَان بِأَيّ وَجه يقبل ... ومحبكم بالصد فِيهِ يقتل)
стр. 1100
(مَا لي سوى إِنْسَان عَيْني مسعدا ... بالدمع إِنْسَان عَلَيْهِ أعول)
(الدَّهْر ليل كُله فِي ناظري ... لَا صبح إِلَّا وَجهك المتهلل)
(خيرتم بَين الْمنية والمنى ... لَا تهجروا فالموت عِنْدِي أسهل)
(يَا غائبين وهم بفكري حضر ... يَا راحلين وهم بقلبي نزل)
(مَا للسلو إِلَى فُؤَادِي مَنْهَج ... مَا للصبابة غير قلبِي منهل)
(لَا تعدلوا عني فَمَالِي معدل ... عَنْكُم وَلَيْسَ سواكم لي موئل)
(كل الخطوب دَفعته بتجلدي ... إِلَّا التَّفَرُّق فَهُوَ خطب معضل)
(إِن لم يجدني طيفكم فِي زورة ... فلأنني مِنْهُ أدق وأنحل)
(لَا صَبر لي لَا قلب لي لَا غمض لي ... لَا علم لي بالبين مَاذَا أفعل)
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي جُمَادَى الأولى من سنة تسع وَسبعين قبض عز الدّين اتابك على مُجَاهِد الدّين قايماز وَهُوَ حِينَئِذٍ نَائِبه فِي بِلَاده وابتع فِي ذَلِك هوى من أَرَادَ الْمصلحَة لنَفسِهِ وَلم ينظر فِي مضرَّة صَاحبه
وَكَانَ الَّذِي أَشَارَ بِهِ عز الدّين مَحْمُود زلفندار وَشرف الدّين أَحْمد بن أبي الْخَيْر الَّذِي كَانَ أَبوهُ صَاحب بلد الغراف وهما من أكَابِر الْأُمَرَاء فَلَمَّا قَبضه كَانَ بِيَدِهِ إربل وشهرزور ودقوقا وجزيرة ابْن عمر وَكَانَ بهَا معز الدّين سنجرشاه بن سيف الدّين صَغِيرا وَالْحكم فِيهَا إِلَى مُجَاهِد الدّين
стр. 1101
وَلَهُم أَيْضا قلعة الْعقر فحين قبض امْتنع زين الدّين يُوسُف بن زين الدّين عَليّ بإربل وَكَانَ فِيهَا لَا حكم لَهُ مَعَ مُجَاهِد الدّين وَامْتنع معز الدّين بالجزيرة وَأرْسل الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله عسكرا حصر دقوقا فملكها وَلم يحصل لعز الدّين من جَمِيع مَا كَانَ لمجاهد الدّين إِلَّا شهرزور وَصَارَت هَذِه الْبِلَاد الَّتِي كَانَت بِيَدِهِ أضرّ شَيْء على الْموصل وَبَقِي مَقْبُوضا نَحْو عشرَة أشهر وَنَدم أتابك على قَبضه فَأخْرجهُ وَأَعَادَهُ إِلَى ولَايَة قلعة الْموصل إِلَّا أَن الَّذِي أَخذ من الْبِلَاد لم يعد إِلَى طَاعَته وَقبض عز الدّين على من كَانَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَبض مُجَاهِد الدّين
قَالَ ابْن الْأَثِير وعَلى الْحَقِيقَة فَلَيْسَ على الدول شَيْء أضرّ من إِزَالَة مُدبر لَهَا وَإِقَامَة غَيره فَإِن الأول يكون كالطبيب الحاذق الْعَارِف بمزاج الْإِنْسَان ومرضه وعلاجه وَمَا يُوَافقهُ ويؤذيه وَيكون الثَّانِي وَإِن كَانَ كَافِيا بِمَنْزِلَة الطَّبِيب الَّذِي لَا يعرف مزاج الْإِنْسَان وَمَا يُوَافقهُ ويؤذيه فَإلَى أَن يعرف حَاله ينفسد أَكثر مِمَّا ينصلح
قَالَ ابْن القادسي وَفِي هَذِه السّنة فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الأبله
стр. 1102
الشَّاعِر وَهُوَ من أَسمَاء الأضداد واسْمه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن بختيار بن عبد الله وَكَانَ فصيحا هجاء وَله أشعار رقيقَة مِنْهَا
(زار من أَحْيَا بزورته ... والدجى فِي لون طرته)
(يَا لَهَا من زورة قصرت ... فأماتت طول جفوته)
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَقد تقوض الْبرد فَلَمَّا طَابَ الزَّمَان تجهز السُّلْطَان بالعساكر المنصورة إِلَى الكرك مرّة أُخْرَى وَأرْسل إِلَى تَقِيّ الدّين فجَاء بالعساكر المصرية وَالْأَجَل الْفَاضِل وَتَتَابَعَتْ العساكر المشرقية وَالْملك الْعَادِل وَجَاء نور الدّين بن قرا أرسلان صَاحب الْحصن وآمد وَصَاحب
стр. 1103
دَارا وأخو صَاحب سنجار وعسكر ماردين فاجتمعت العساكر بِرَأْس المَاء وأشفق السُّلْطَان على ابْن قرا أرسلان من اقتحام المشاق فأقامه بِرَأْس المَاء بحوران إِلَى حِين الْعود وَأمر الْعَادِل بِالْإِقَامَةِ مَعَه
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد سير السُّلْطَان إِلَى العساكر يطْلبهَا فوصل ابْن قرا أرسلان نور الدّين إِلَى حلب ثامن عشر صفر فَأكْرمه الْعَادِل إِكْرَاما عَظِيما وأصعده القلعة وباسطه ورحل مَعَه طَالبا دمشق
وَكَانَ السُّلْطَان قد مرض أَيَّامًا ثمَّ شفَاه الله تَعَالَى وَلما بلغه وُصُول ابْن قرا أرسلان خرج إِلَى لِقَائِه وَكَانَ ﵀ يكارم النَّاس مكارمة عَظِيمَة فالتقاه على الجسر بالبقاع فِي تَاسِع ربيع الأول ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَخلف نور الدّين واصلا مَعَ الْعَادِل فتأهب للغزاة وَخرج مبرزا إِلَى جسر الْخشب وَوصل الْعَادِل وَابْن قرا أرسلان دمشق فأقاموا بهَا أَيَّامًا ثمَّ رحلوا يلتحقون بالسلطان ورحل السُّلْطَان من رَأس المَاء ثَانِي ربيع الآخر طَالبا للكرك فَأَقَامَ قَرِيبا مِنْهَا أَيَّامًا ينْتَظر وُصُول الْملك المظفر من مصر إِلَى تَاسِع عشر الشَّهْر فوصل تَقِيّ الدّين وَاجْتمعَ بِهِ وَمَعَهُ بَيت الْعَادِل وخزائنه فسيرهم إِلَيْهِ وَتقدم إِلَيْهِ وَإِلَى بَقِيَّة العساكر بالوصول إِلَيْهِ إِلَى الكرك فتتابعت العساكر إِلَى خدمته حَتَّى أَحدقُوا بالكرك فِي رَابِع عشر جُمَادَى الأولى وَركب المجانيق عَلَيْهِ وَقد الْتَقت العساكر المصرية والشامية والجزرية
وَلما بلغ الفرنج ذَلِك خَرجُوا براجلهم وفارسهم إِلَى الذب عَن الكرك وَكَانَ على الْمُسلمين فِيهِ ضَرَر عَظِيم فَإِنَّهُ كَانَ يقطع عَن قصد مصر بِحَيْثُ كَانَت القوافل لَا يُمكنهَا الْخُرُوج إِلَّا مَعَ العساكر الجمة فاهتم السُّلْطَان بأَمْره
стр. 1104
لتَكون الطَّرِيق سابلة وَيسر الله ذَلِك وَله الْحَمد والْمنَّة وَلَكِن كَانَ فتحهَا بعد ذَلِك وَلما بلغ السُّلْطَان خبر خُرُوج الفرنج تعبى لِلْقِتَالِ وَأمر العساكر أَن تخرج إِلَى ظهر الكرك وسير الثّقل نَحْو الْبِلَاد وَبَقِي الْعَسْكَر جَرِيدَة ثمَّ سَار السُّلْطَان يقْصد الْعَدو
وَكَانَ الفرنج قد نزلُوا بِموضع يُقَال لَهُ الواله وَسَار حَتَّى نزل بالبلقاء على قَرْيَة يُقَال لَهَا حسبان قبالة الفرنج فِي طريقهم ورحل مِنْهَا إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ ماعين والفرنج مقيمون بالواله إِلَى السَّادِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة ثمَّ رحلوا قَاصِدين الكرك فَسَار بعض العساكر وَرَاءَهُمْ فقاتلوهم إِلَى آخر النَّهَار
وَلما رأى ﵀ تصميم الفرنج على الكرك أَمر الْعَسْكَر أَن يدْخل السَّاحِل لخلوه عَن العساكر فَهَجَمُوا نابلس ونهبوها وغنموا مَا فِيهَا وَلم يبْق فِيهَا إِلَّا حصناها وَأخذُوا جينين والتحقوا بالسلطان بِرَأْس المَاء
قلت وَقد وصف القَاضِي الْفَاضِل حصن الكرك فِي بعض كتبه فَقَالَ هُوَ شجا فِي الْحَنَاجِر وقذى فِي المحاجر قد أَخذ من الآمال بمخنقها وَقعد بأرصاد العزائم وطرقها وَصَارَ ذئبا للدهر فِي ذَلِك الْفَج وعذرا لتارك فَرِيضَة الله من الْحَج وَهُوَ وحصن الشوبك يسر الله الآخر كبيت الواصف للأسدين
(مَا مر يَوْم إِلَّا وَعِنْدَهُمَا ... لحم رجال أَو يولغان دَمًا)
стр. 1105
وَفِي كتاب آخر وَأما الكرك فكفات المنجنيقات عَلَيْهِ متضافرة وحجارتها على من فِيهِ حاجرة وَقد جدعت أنوف الأبرجة وأسبلت قناع الستائر وجوهها المتبرجة وكل جوانبها وعرة المرتقى صعبة المختطى وَالسُّلْطَان يستعذب المشقات الَّتِي تتفادى مِنْهَا الهمم ويباشر جمرات الشتَاء الكالح بِوَجْهِهِ المبتسم
وَمن كتاب آخر وَقد جمعت الْحِجَارَة فِي الْإِسْقَاط بَين رُؤُوس الأبراج ورؤوس الأعلاج فرمت الشراريف والواقفين عَلَيْهَا لحمايتها وأرت الفرنج باهتدائها إِلَى أردائها غَايَة غوايتها فَمَا أخرج أحد مِنْهُم رَأْسا إِلَّا دخل فِي عينه نصل وَمَا هجر قرَاب الْإِسْلَام إِلَّا سيف وَله مَعَ رِقَاب الْكفْر عِنْد قطعهَا وصل وَمَا على الْحجر فِي الْإِسْرَاف والتبذير حجر وَلكُل لَيْلَة من نقع الحوافر من سنا الأسنة فجر وَلَقَد أَخذنَا من الْعَدو بالمخنق وشرعنا فِي طم الخَنْدَق والحائط وَاقع والواقعة بهم مُحِيطَة والمدرع بِالسُّيُوفِ مفصلة وبالجروخ مخيطة
وَمن كتاب آخر عَذَاب الله بالحصن وَأَهله وَاقع مَا لَهُ من دَافع وَإِن دَلِيل النَّصْر قد ظهر وَمَا دونه من مَانع وَأما المنجنيقات فقد نكأت فِي الأبراج بالهدم وَفِي الأعلاج بالهتك فَلم تبْق لَهَا الْحِجَارَة الطائرة إِلَيْهَا حِجَارَة قَائِمَة وَإِن لَهَا من إمطارها عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا دِيمَة دائمة وأطفنا عَلَيْهَا بالزرجون حَتَّى وَقعت الأسوار من سكرها وضربنا دونهَا
стр. 1106
الستائر حَتَّى ترنمت لصخرها وعاطتها كفة المنجنيق عقار عقرهَا فالسور الْمُقَابل للمنجنيقات قد انْهَدَمت أبراجه وأبدانه وانهدت قَوَاعِده وأركانه وَلَوْلَا الخَنْدَق الَّذِي هُوَ وَاد من الأودية وَاسع عميق لما تعذر إِلَى الزَّحْف إِلَيْهِم والهجم عَلَيْهِم طَرِيق
وَمن كتاب آخر الْحصن الَّذِي نَحن حاضروه وحاصروه فِي حصانة الحصانة قد هدت الْحِجَارَة مِنْهُ مَا أحكموه بِالْحِجَارَةِ وَغدا عَلَيْهِ بالتخريب مَا أعدوه للعمارة فقسي المنجنيقات ترمي وَلَا ترنم سهامها ويستديم من أَعدَاء الله ومعقلهم بِالْقَتْلِ وَالْهدم انتقامها فَمَا قَابل المنجنيقات من الأبراج والأبدان قد أَتَى التخريب على مَا فِيهِ من الْعمرَان فَلم يبْق إِلَّا طم الخَنْدَق وَالْأَخْذ بعد ذَلِك من الْعَدو بالمخنق والقلوب واثقة بِحُصُول الْفَتْح وَقد علم كل وَاحِد منا أَن متجره قد فَازَ بِالرِّبْحِ فَمَا يسمع منا بِحَمْد الله من أحد ملل وَلَا ضجر وَلَا تسفر هَذِه النّوبَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى إِلَّا عَن نصر وظفر
قَالَ الْعِمَاد ورحل السُّلْطَان من رَأس المَاء على طَرِيق الظليل والزرقاء وعمان والبلقاء ثمَّ الرقيم وزيزاء والنقوب واللجون ثمَّ أدر ثمَّ الربة وَذَلِكَ فِي بلد مآب فَلَمَّا تلاحقت العساكر نزل على وَادي الكرك وَنصب عَلَيْهَا تِسْعَة مجانيق صفا قُدَّام الْبَاب فهدمت السُّور الْمُقَابل لَهَا وَلم يبْق مَانع إِلَّا الخَنْدَق الْوَاسِع العميق وَهُوَ من الأودية الهائلة والمهاوي الحائلة والمهالك الغائرة الغائلة وَلم يكن فِي الرَّأْي إِلَّا طمه وملؤه بِكُل مُمكن وردمه فعد ذَلِك من الْأُمُور الصعاب وَتعذر لحزونة
стр. 1107
الأَرْض وتحجرها حفر الأسراب فَأمر السُّلْطَان بِضَرْب اللَّبن وَجمع الأخشاب وَبِنَاء الْحِيطَان الْمُقَابلَة من الربض إِلَى الخَنْدَق وتسقيفها وتلفيق ستائرها وتأليفها فتمت دروبا وَاسِعَة لَا يزحم فِيهَا الجائي الذَّاهِب وتوافدت رجال الْعَسْكَر وَأَتْبَاعه وغلمانه وأشياعه على نقل مَا يرْمى فِي الخَنْدَق وَهَان طم الخَنْدَق بالدبابات الَّتِي قدمت والأسراب الَّتِي بنيت وأحكمت فَوجدَ النَّاس إِلَى الخَنْدَق طَرِيقا مهيعا فهم يزدحمون آمِنين من الْجراح عاملين بانشراح وَالنَّاس تَحت القلعة على شَفير الخَنْدَق لَا يستشعرون حذرا وَلَا يَخْشونَ سَهْما وَلَا حجرا وَقد امْتَلَأَ الخَنْدَق حَتَّى إِن أَسِيرًا مُقَيّدا رمى بِنَفسِهِ إِلَيْهِ وَنَجَا بَعْدَمَا توالى من الفرنج رمي الْحِجَارَة عَلَيْهِ
وَفِي بعض الْكتب الْعمادِيَّة وَلَوْلَا الخَنْدَق الْمَانِع من الْإِرَادَة وَأَنه لَيْسَ من الْخَنَادِق الْمُعْتَادَة بل هُوَ وَاد من الأودية وَاسع الأفنية لسهل المشرع وهجم الْموضع فَلم يبْق إِلَّا تَدْبِير طم الخَنْدَق وَالْأَخْذ بعد ذَلِك من الْعَدو بالمخنق فعملنا دبابات قدمناها وبنينا إِلَى شَفير الخَنْدَق ثَلَاثَة أسراب بِاللَّبنِ سقفناها وأحكمناها فَصَارَت مِنْهَا إِلَى طرف الخَنْدَق طرق آمِنَة وَشرع النَّاس فِي طم الخَنْدَق مِنْهَا ونفوسهم مطمئنة وَقُلُوبهمْ سَاكِنة
وَكَانَ الشُّرُوع فِيهِ يَوْم الْخَمِيس سَابِع جُمَادَى الأولى وَقد تسنى طمه وتهيأ ردمه وتسارع النَّاس إِلَيْهِ وازدحموا عَلَيْهِ وَلم يبْق صَغِير وَلَا كَبِير
стр. 1108
إِلَّا وَهُوَ مُسْتَبْشِرٍ بِالْعَمَلِ منتظر لبشرى نجح الأمل وَقد تجاسروا حَتَّى ازدحموا تَحت القلعة نَهَارا كازدحامهم فِي الْمصلى يَوْم الْعِيد وليلا كحضورهم فِي جَامع دمشق لَيْلَة النّصْف السعيد وهم بِحَمْد الله من الْجراح سَالِمُونَ وبنصر الله موقنون عالمون وَإِن أَبْطَأَ الْعَدو عَن النجدة فالنصر سريع والحصن وَمن فِيهِ صريع وَقد خرقت الْحِجَارَة حجابه وَقطعت بهم أَسبَابه وناولته من الْأَجَل كِتَابه وحسرت لثام سوره وحلت نقابه فآناف الأبرجة مجدوعة وثنايا الشرفات مقلوعة ورؤوس الْأَبدَان محزوزة وحروف العوامل مَهْمُوزَة وبطون السقوف مبقورة وأعضاء الأساقف معقورة ووجوه الْجدر مسلوخة وجلود البواشير منشورة
(والنصر أشهر من نَار على علم ... وَالْحَرب أقوم من سَاق على قدم)
قَالَ وأشرف السُّلْطَان على أَخذهَا فوصل الْخَبَر أَن الفرنج قد تجمعُوا وجاؤوا منجدين لأهل الكرك ليزحزحوه عَن حصارها فَثنى السُّلْطَان عنان الْعَزْم إِلَيْهِم وَكَانُوا فِي منزلَة الواله وَتلك الْمَوَاضِع ضيقَة صعبة المسلك فانتظر السُّلْطَان أَن يخرجُوا إِلَى أَرض البلقاء وَتقدم عَنْهُم بأميال فَرَجَعُوا وَتَفَرَّقُوا وَلم يقدموا وعَلى قصد الكرك عزموا وَلما رأى السُّلْطَان أَن الفرصة من الفئتين فَاتَت مر على نابلس فَأَغَارَ وغنم وَفِي طَرِيق عوده نزل على سبسطية وفيهَا مشْهد زَكَرِيَّا ﵇ وَقد اتَّخذهُ الفرنج كَنِيسَة وأودعوها أَمْتعَة نفيسة وَبهَا من الفرنج سكان وأقساء
стр. 1109
وَرُهْبَان فقدوها بِأسَارَى الْمُسلمين ولاذوا بالأمان معتصمين ثمَّ أَنَاخَ على جينين فأهبط أوجها وَهدم برجها وآب بالنهاب والسبايا والمرباع والصفايا وَاجْتمعَ بِأَصْحَابِهِ على الفوار وتحدث بالإنجاد لحوادث الْغَوْر فِي الغوار
فصل
ثمَّ رَحل السُّلْطَان إِلَى دمشق للاجتماع برسل الْخلَافَة شيخ الشُّيُوخ وَبشير وَكَانُوا وصلوا وَالسُّلْطَان محاصر الكرك فَاجْتمع بهم وَأكْرمهمْ وَكَانُوا قد مرضوا وَمَات جمَاعَة من أَصْحَابهم وَعَاد السُّلْطَان شيخ الشُّيُوخ كل يَوْم وَلَيْلَة فِي الرِّبَاط بالمنيبع وَاسْتَأْذَنُوا فِي الْعود قبل الشِّفَاء فضاقت الصُّدُور بصدر ذَلِك الصَّدْر على تِلْكَ الْحَالة وعجزت تِلْكَ العثرة كَمَا شَاءَ الله عَن الْإِقَالَة ثمَّ اسْتَقل مودعا وداع الْأَبَد
وَكَانَ حسام الدّين طمان مقدم عَسْكَر سنجار مَعَ السُّلْطَان حَاضرا فِي الْجِهَاد فَأذن لَهُ فِي الْعود وَأمره بمرافقة صدر الدّين وَالرسل مَعَه والرفق بهم فِي مَسِيرهمْ فَسَارُوا على سمت الرحبة فاغتنم الْأَمِير طمان بركَة تِلْكَ الصُّحْبَة فأدركت الْمنية شهَاب الدّين بشيرا بالسخنة ووصلوا بشيخ الشُّيُوخ إِلَى الرحبة وَهُنَاكَ لَقِي ربه
قَالَ وَلَقَد توفاه الله على الْوَفَاء بعهده والوفاق لعقده مشيم الْكَرم كريم الشيم صَالح الْعَمَل ناجح الأمل مفارقا للدنيا فِي حَيَاته مُقبلا على الْآخِرَة قبل وَفَاته فَهُوَ مِمَّن رفعت سَرِيره الملائك وَوضعت لَهُ فِي عليين
стр. 1110
الأرائك وَكَانَت وَفَاته فِي شعْبَان بوأه الله الْجنان
قلت كَانَ صدر الدّين هَذَا أحد السَّادة وَأَبوهُ وجده من أكَابِر الْأَعْيَان وشيوخ مَشَايِخ الزَّمَان وَهُوَ عبد الرَّحِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي سعد أَحْمد بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي وَقد ذكرت تَرْجَمَة وَالِده فِي تَارِيخ دمشق وألحقتها من أَخْبَار جده مِمَّا ذكره أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي تَارِيخه
وَقَالَ ابْن القادسي توفّي صدر الدّين فِي رَجَب برحبة مَالك بن طوق وَدفن فِي قبَّة إِلَى جَانب قبر الشَّيْخ موفق الدّين مُحَمَّد بن المتقنة الرَّحبِي وَكَانَ مولده فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَخمْس مئة وَكَانَ شَيخا ماثلا فِي الْعلم وَالدّين والسداد ثَابت الْجنان فِي الْحَوَادِث المزعجة والوقائع الباغتة المجلجلة سديد البديهة صافي الفكرة وَجمع بَين نظم الشّعْر ونثر الترسل وَكَانَ يُرْسل إِلَى الْأَطْرَاف ورتب فِي مشيخة الشُّيُوخ مُنْذُ توفّي وَالِده فِي جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخمْس مئة وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَتَوَلَّى بعده مشيخة الرِّبَاط صفي الدّين إِسْمَاعِيل
وَمن شعره يَعْنِي صدر الدّين
(وَلم أخضب مشيبي وَهُوَ زين ... لإيثاري جهالات التصابي)
стр. 1111
(وَلَكِن كي يراني من أعادي ... فأرهبه بوثبات الشَّبَاب)
قلت ووقفت على كتاب فاضلي إِلَيْهِ جَوَابا عَن كتاب عتب فِيهِ وقف على التَّحِيَّة الطّيبَة والكرامة الصيبة والألفاظ الْعَذَاب إِلَّا أَنَّهَا الغضاب وَالنَّعِيم إِلَّا أَنه الْعَذَاب والمسامحة إِلَّا أَنَّهَا الْحساب والمتشابهات اللواتي تأولها أحسن تَأْوِيلهَا والمحكمات اللواتي هن أُمَّهَات الْكتاب وَيَكْفِي أَنه مزج الصاب بعسله وأرعف قلمه بِمَا لَا يرعفه الشجاع من أنوف أسله
وَهَذَا بَاب قد آن سَده وسبيل قد وَجب صده وَعين دهر أَصَابَت هَذِه الْمَوَدَّة وَقد آن لَهَا أَن تنطرف وتنصرف وبادرة هم قد حَان أَن تنكشف وتنكشف فَلَا نظر بعْدهَا للعين الَّتِي أَصَابَت وَلَا خطرات فِي أَثَرهَا للخطرة الَّتِي رابت وَلَا كَانَ للأيام فِي فضل سيدنَا على عَبده نصيب وَلَا عدا أبدا على شباب الرضى عَنهُ مشيب وَلَا تمكن من حبيب وده إِلَى الْقلب رَقِيب وَلَا ملك رقّه غير تِلْكَ الْيَد الْكَرِيمَة وَلَا سَمِعت حَدِيث الْحَوَادِث تِلْكَ الْمَوَدَّة الْقَدِيمَة
قَالَ الْعِمَاد وَخَرجْنَا من دمشق فِي شعْبَان وخيمنا على سعسع ودعا تَقِيّ الدّين فَأمره أَن يرجع بالعسكر إِلَى مصر فَسَار فِي منتصف الشَّهْر ثمَّ رَجعْنَا من فرض الْجِهَاد إِلَى فرض الصّيام بِدِمَشْق وَرجع كل عَسْكَر إِلَى مركزه
стр. 1112
ومدح الْعِمَاد تَقِيّ الدّين فِي هَذِه الْمرة بقصيدة ثائية نَحْو خَمْسَة وَثَمَانِينَ بَيْتا أَولهَا
(إِذا شئتما عَن غير قلبِي تحدثا ... فَمَا حل فِيهِ الْهم إِلَّا ليلبثا)
(خذا شَاهِدي صدق على صِحَة الْهوى ... ضنى ساكتا مني ودمعا مُحدثا)
(مريضكما أشفى على الْيَأْس سقمه ... فَلَا تعجلا فِي أمره وتريثا)
(رثى لي عدوي من جفَاء أحبتي ... وناهيك من حَال عدوي لَهَا رثى)
وَمِنْهَا
(عهودكم بعد النَّوَى مَا تشعثت ... وحاشى لذاك الْعَهْد أَن يتشعثا)
(وأملك بِالْملكِ المظفر ظافرا ... من الْجد والجدوى قَدِيما ومحدثا)
(مخوف السطا صَعب الإبا حسن الثنا ... مرجى الندى سهل الرضى طيب النثا)
(صفا آخر العمرين من عمر الَّذِي ... بِهِ الْعمرَان الْيَوْم فِي الْعدْل ثلثا)
(هم أَحْدَثُوا قمع الضَّلَالَة بِالْهدى ... فمذ ملكوا لم تلق فِي الدّين مُحدثا)
(غثائي وغثي أَنْت حَامِل نَقصه ... بِفَضْلِك إِن الْبَحْر يحْتَمل الغثا)
وَمِنْهَا فِي وصف القصيدة
(وَقد سهلت والثاء أوعر مرتقى ... فَلَا فرق عِنْدِي بَين رَاء وَبَين ثا)
стр. 1113
فصل يحتوي على ذكر المفاضلة بَين مصر وَالشَّام والتعريف بِحَال زين الدّين الْوَاعِظ
الَّذِي كَانَ صَلَاح الدّين يكاتبه بوقائعه وَهُوَ الَّذِي نم على عمَارَة وَأَصْحَابه بِمَا كَانُوا عزموا عَلَيْهِ من قلب الدولة الناصرية مصرية كَمَا سبق
وَسبب ذكره هُنَا أَنه هُوَ الَّذِي شرع فِي تَفْضِيل مصر بِكِتَاب كتبه إِلَى السُّلْطَان فِي هَذَا الْعَام وَقد تقدم للْقَاضِي الْفَاضِل كَلَام فِي تَفْضِيل مصر وذم الشَّام فِي أَوَائِل أَخْبَار سنة أَربع وَسبعين
وَله من كتاب آخر فدعونا من بعلبك الْبَلَد الأعسر وَمن رَأس عينهَا الضيقة المحجر وَمن ثلجها الَّذِي تنفش الْجبَال بعهنه وَمن بردهَا الَّذِي لَا يشفع الْجَمْر عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ وعودوا إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم فَإِنَّهَا قد علتها وَحْشَة لقطينها فَسَأَلت مطالع دسوتها عَن أقمار سلاطينها واذْكُرُوا النّيل الَّذِي وفى لكم فِي هَذِه السّنة بنقصه وأبى أَن يكون مَاؤُهُ ذخيرة لغير جودكم الَّذِي أَحْصَاهُ الله وَلم نحصه واذْكُرُوا قُرْطهَا وَمَاء طوبتها فقد كَاد يُقيم الْحجَّة على ثلج الشَّام ووخمه ويتغلغل برده فيسري إِلَى قلب الغليل وَكَأَنَّهُ جَار على غير طَرِيق فَمه واذْكُرُوا صِحَة هوائها وتعصبه لأيامكم حَتَّى أنعم الله عَلَيْكُم قبل صِحَة أجسامنا بِصِحَّة أجسامكم
стр. 1114
وَمن كتاب آخر وَأما أحوالي فإنني لم أزل ملتاثا مُنْذُ دخلت دمشق لتغير مَائِهَا وهوائها وأبنيتها وأبنائها وأوديتها وأودائها وقراها وقرنائها
وَمن لي بِمصْر فَإِنِّي أقنع بِمَا تنبته أرْضهَا من بقلها وقثائها وأبيع بردى وَمَا عساه بِشَربَة من مَائِهَا وأمتطي متن السَّيْف فِي هجر سوادها وسودائها فالطلل هائل وَلَا طائل وَمَا كُنَّا نسْمع بِهِ من تِلْكَ الْفَضَائِل متضائل حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا فَهِيَ بِلَاد تستجدي وَلَا تجدي وَفعل المَال بهَا لَازم للتعدي
وَقَالَ الْعِمَاد هَذَا زين الدّين عَليّ بن نجا الْوَاعِظ من أهل دمشق وَمن سَاكِني مصر وَهُوَ ذُو لهجة فِي الْوَعْظ فصيحة وبهجة فِي الْفضل صَبِيحَة وَقبُول من الْقُلُوب وفصول فِي فصل الْخطاب للخطوب وَقد تأثث وتأثل وَقبل وَأَقْبل وَأحسن السُّلْطَان إِلَيْهِ بالأعطيات والإقطاعات وأجمل وَأَعْطَاهُ وأجزل وَأتم لَهُ مُرَاده وأكمل
وَكَانَ السُّلْطَان يستشيره ويروقه تَدْبيره ويميل إِلَيْهِ لقديم مَعْرفَته وكريم سجيته
وَوصل مِنْهُ فِي هَذِه السّنة كتاب يشوق إِلَى مصر ونيلها وَنَعِيمهَا وسلسبيلها وَدَار ملكهَا ودارة فلكها وبحرها وخليجها ونشرها وأريجها ومقسمها ومقياسها وإيناس ناسها وقصور معزها ومنازل عزها وجيزتها وجزيرتها وخيرتها وجيرتها وبركتها وبركتها وعدوتها وعدويتها وَتعلق الْقُلُوب بقليوبها واستلاب نفائس النُّفُوس بأسلوبها وملتقى الْبَحْرين ومرتقى الهرمين وروضة جنانها وجنة رضوانها ومساجدها وجوامعها ومشاهدها ومرابعها ونواظر بساتينها ومناظر ميادينها وساحات سواحلها وآيات فضائلها
стр. 1115
ورحاب شوارعها وحلاب مشارعها وشروق غربيتها وغروب شرقيتها وَطيب طوبتها ومسار مسراها ومجرى فلكها وَمرْسَاهَا وعجائب بناها وغرائب مناها وَبَيَان عيانها بِلِسَان بلسانها وكياسة أخلاقها ونفاسة أعلاقها وشتاؤها فِي الْفَصْل ربيع نضير وغبارها عبير وماؤها كوثري وترابها عنبري
ثمَّ وصف الْعِمَاد غير ذَلِك ثمَّ قَالَ وَذكر زين الدّين الْوَاعِظ فِي كِتَابه مَا دلّ بِهِ على فَضِيلَة تِلْكَ الديار من الْآيَات وَالْأَخْبَار والآداب والْآثَار وَلَو ظَفرت بِهِ لأوردته بِلَفْظِهِ وجلوته بوعظه لكنني فقدته فعرمت مَعَانِيه وأحكمت مبانيه
قَالَ فَكتبت إِلَى زين الدّين الْوَاعِظ فِي جَوَابه عَن السُّلْطَان عرفنَا طيب الديار المصرية ورقة هوائها وَنحن نسلم لَهُ الْمَسْأَلَة فِي طيبها وتوفر نصِيبهَا ورقة نسيمها ورائق نسيبها لَكِن لَا ريب أَن الشَّام أفضل وَأَن أجر ساكنه أجزل وَأَن الْقُلُوب إِلَى قبله أميل وَأَن الزلَال الْبَارِد بِهِ أعل وأنهل وَأَن الْهَوَاء فِي صيفه وشتائه أعدل وان الزهر بِهِ أشب والنبت بِهِ أكهل وَأَن الْجمال فِيهِ أكمل والكمال فِيهِ أجمل وَأَن الْقلب بِهِ أروح وَالروح بِهِ أقبل ودمشق عقيلته الممشوطة وعقلته المنشوطة وحديقته الناضرة وحدقته الناظرة وَهِي عين إنسانه بل إِنْسَان عينه
стр. 1116
وصيرفي نقوده فِي عين نضاره ولجينه فمستامها مستهام وَمَا على محبها ملام وَمَا فِي ربوتها رِيبَة وَفِي كل حبوة مِنْهَا جنيبة وَلكُل شائب من نورها شبيبه وعَلى كل ورقة وَرقا وعَلى كل معانقة من قدود البانات عنقًا وشادياتها على الأعواد تطري وتطرب وساجعاتها بالأوراد تعجم وتعرب وَكم فِيهَا من جوَار ساقيات وسواق جاريات وأثمار بِلَا أَثمَان وروح وَرَيْحَان وَفَاكِهَة ورمان وخيرات حسان وَجَمِيع مَا فِي سُورَة الرَّحْمَن وَنحن نتلو عَلَيْهَا آلاءها إِلَى أَن يرجع إِلَيْنَا فنتلو على منكرها ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وَقد تمسكنا بِالْآيَةِ وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وغنينا بِهَذِهِ الْأَدِلَّة عَن الاختراع والابتداع أما أقسم الله تَعَالَى بِدِمَشْق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿والتين وَالزَّيْتُون﴾ وَالْقسم من الله لَهَا أدل دَلِيل على فَضلهَا المصون أما قاول رَسُول الله ﷺ (الشَّام خيرة الله من أرضه يَسُوق الله إِلَيْهَا خيرته من عباده)
وَهَذَا أوضح برهَان قَاطع على انه خير بِلَاده
أما الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجمعُوا على اخْتِيَار السُّكْنَى بِالشَّام أما فتح دمشق بكر الْإِسْلَام وَمَا ننكر أَن الله تَعَالَى ذكر مصر وسماها أَرضًا فَمَا الذّكر وَالتَّسْمِيَة فِي فَضِيلَة الْقسم وَلَا الْإِخْبَار عَنْهَا دَلِيلا على الْكَرم وَإِنَّمَا اكْتسبت الْفَضِيلَة من الشَّام بِنَقْل يُوسُف الصّديق إِلَيْهَا عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ الْمقَام بِالشَّام أقرب للرباط وَأوجب للنشاط وَأجْمع للعساكر
стр. 1117
السائرة من سَائِر الْجِهَات للْجِهَاد وَأَيْنَ قطوب المقطب من سناء سنير وَأَيْنَ ذرى منف المشرف من ذرْوَة الشّرف المنيف الْمُنِير وَأَيْنَ الْهَرم الْهَرم من الْحرم الْمُحْتَرَم وَبَينهمَا فرق مَا بَين الْفرق والقدم وَهل للنيل مَعَ طول نيله وَطول ذيله واستطالة سيله برد بردى فِي نقع الغليل ونفع العليل وَمَا لذاك الْكثير طلاوة هَذَا الْقَلِيل وسيل هَذَا السلسبيل وَإِذا فاخرنا بالجامع وقبة النسْر ظهر عِنْد ذَلِك قصر الْقصر على أَن بَاب الفراديس فِي الْحَقِيقَة بَاب النَّصْر وَمَا رَأس الطابية كباب الْجَابِيَة وَلَو كَانَ لناسها باناس لم يحتاجوا إِلَى قِيَاس المقياس وَنحن لَا نجفوا الوطن كَمَا جفاه وَلَا نأبى فَضله كَمَا أَبَاهُ وَحب الوطن من الْإِيمَان وَمَعَ هَذَا فَلَا ننكر أَن مصر إقليم عَظِيم الشان وَأَن مغلها كثير وماءها غزير وَأَن عدهَا نمير وَأَن ساكنها ملك أَو أَمِير وَلَكِن نقُول كَمَا قَالَ الْمجْلس السَّامِي الأجلي الفاضلي أسماه الله أَن دمشق تصلح أَن تكون بستانا لمصر
وَلَا شكّ أَن أحسن مَا فِي الْبِلَاد الْبُسْتَان
وزين الدّين وَفقه الله قد تعرض للشام فَلم يرض أَن يكون الْمسَاوِي حَتَّى شرع وعد الْمسَاوِي وَلَعَلَّه
стр. 1118
يرجع إِلَى الْحق وَيُعِيد سعد إسعاده ووفاقه إِلَى الْأُفق إِن شَاءَ الله
قلت وَقد قيل فِي وصف دمشق شَيْء كثير من النّظم والنثر واشتمل مَا جمعته فِي أول تَارِيخ دمشق على قِطْعَة حَسَنَة كَبِيرَة من ذَلِك وصنف شَيخنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد السخاوي ﵀ مقامة تشْتَمل على الْمُفَاخَرَة بَين دمشق ومصر وَوصف كلا من البلدين بِمَا يَلِيق بِهِ وَكَانَ أول مَا قدم دمشق يذمها فِي مكاتباته إِلَى مصر نظما ونثرا حبا للوطن
ثمَّ لما اسْتَقر فِيهَا قرت عينه وفضلها فِي بعض مكاتباته وَقد ذكرت كل ذَلِك فِي جُزْء مُسْتَقل بِهِ
وَأما القَاضِي الْفَاضِل ﵀ فقد قَالَ فِي بعض مكاتباته إِلَى مصر وَمِمَّا أسر بِهِ قلبه الْكَرِيم أنني وصلت إِلَى دمشق المحروسة حِين شرد بردهَا وَورد وردهَا واخضل نبتها وَحسن نعتها وَصفا مَاؤُهَا وضفا رداؤها وتغنت أطيارها وتبسمت أزهارها وافتر زهر أقحوانها فَحكى ثغور غزلانها ومالت قضب بانها فانثنت تثني ولدانها فَلَمَّا قربت من بساتينها ولاح لي فيح ميادينها وتوسطت جنَّة واديها وَرَأَيْت مَا أبدعه الله فِيهَا سَمِعت عِنْد ذَاك حَماما يغرد وهزارا يشدو ويردد وقمريا ينوح
стр. 1119
وبلبلا بأشجانه يبوح فوقفت أثني على باريها وأكاد بالدمع أباريها أسفا على أَيَّام خلت بَعْدَمَا حلت مِنْهَا وفيهَا فَعِنْدَ ذَلِك عَايَنت روحي وَزَالَ أنيني ولوحي
(وَكَانَت النَّفس قد مَاتَت بغصتها ... فَعِنْدَ ذَلِك عَادَتْ روحها فِيهَا)
قلت وَوصف أَيْضا دمشق من أهل مصر من يرجع إِلَى قَوْله ويرضى بِحكمِهِ لفضله وفصله وَهُوَ الْوَزير العادلي صفي الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن شكر فِي كتاب البصائر لَهُ فَقَالَ دمشق نزهة الْأَبْصَار وعروس الْأَمْصَار ومجرى الْأَنْهَار ومغرس الْأَشْجَار ومعرس السفار ومعبد الْأَبْرَار المستغفرين بالأسحار ظلها الْمَمْدُود ومقامها الْمَحْمُود وماؤها المسكوب وعيبها المسلوب ومحاسنها الْمَجْمُوعَة وفضائلها المروية المسموعة ودرجتها المرفوعة وفاكهتها الْكَثِيرَة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة ونسيمها العليل وهجيرها الْأَصِيل وماؤها السلسبيل
وَقد شرفها الله تَعَالَى بِالذكر فِي كِتَابه وآوى إِلَيْهَا من اخْتَار من أنبيائه وأحبابه فَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُبين ﴿وآويناهما إِلَى ربوة ذَات قَرَار ومعين﴾ وَلم تزل مقرّ البركات ومعدن النبوات
ومنزل الرسالات ومسكن أَرْبَاب الكرامات وَورد فِي تَفْضِيل بقعتها من الْأَخْبَار مَا لَا يشك فِي
стр. 1120
صِحَة إِسْنَاده قَالَ رَسُول الله ﷺ (الشَّام صفوة الله من بِلَاده فِيهَا خيرة الله من عباده)
وَنبهَ فِي خبر آخر على عظم فَضله فَقَالَ (إِن الله تكفل لي بِالشَّام وَأَهله) وَركب فِي سكناهَا أهل الْإِسْلَام بقوله ﵇ الْبركَة فِي الشَّام
وَذهب بعض الْمُفَسّرين من أهل الِاجْتِهَاد إِلَى أَنَّهَا ﴿إرم ذَات الْعِمَاد الَّتِي لم يخلق مثلهَا فِي الْبِلَاد﴾
قَالَ وَلما أنعم الله تَعَالَى عَليّ بإسكاني فِي فنائها وتخيري لبنائها ونزهني فِي أفنائها وآنسني بإنسانها مضيت إِلَى جَامعهَا الْجَامِع وشفعت بِإِدْرَاك الْبَصَر مِنْهَا إِدْرَاك المسامع فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ وحللت الحبى لَدَيْهِ رَأَيْت مرأى صغر الرِّوَايَة ورونقا حصل من الْحسن على النِّهَايَة ونورا يجلو الْأَبْصَار وجمعا يفضل على جموع الْأَمْصَار وَعبادَة مَوْصُولَة على الِاسْتِمْرَار وقرآنا يُتْلَى فِي آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار ومنقطعين إِلَيْهِ قد أَنْفقُوا فِي الِاعْتِكَاف بِهِ نفائس الْأَعْمَار
والبركات تحف بجوانبه والعلوم تنشر فِي زواياه ومحاربه وَالْأَحَادِيث عَن رَسُول الله ﷺ تسند وتروى والمصاحف بَين أَيدي التالين تنشر وَلَا تطوى وأعلام الْبر فِيهِ ظَاهِرَة
стр. 1121
فَلَا تخفى وَلَا تزوى والخلق منقسمون إِلَى حلق قد نبذ أَهلهَا مَا وَرَاءَهُمْ من العلق
وَالْإِسْلَام فِيهِ فَاش وَالْجهل بِهِ متلاش وَهُوَ مِمَّا بناه الْأَولونَ لعبادتهم وجعلوه ذخْرا لآخرتهم وَمَا برح معبدًا لكل مِلَّة اتخذته الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى قبل الْإِسْلَام هيكلا وقبلة وَهُوَ بَيت الْمُتَّقِينَ وسوق المتصدقين ليله للمتهجدين ونهاره للْعُلَمَاء الْمُجْتَهدين
قَالَ وعاشرت أَهلهَا وباشرتهم ثمَّ كاشرتهم وكاشفتهم فَرَأَيْت سادة أدباء وعلماء نجباء ورأيتهم يتناظرون فِي الْفِقْه مناظرة الْوَالِد مَعَ وَلَده ويقفون عِنْد كتاب الله فَلَا يعدلُونَ عَن وَاضح جدده ويفسرونه عَن علم واستبصار ويحتاطون فِي علمهمْ بِصَحِيح الْأَخْبَار ويتبعون مَا وَردت بِهِ ثِقَات الْآثَار
وعامتهم مشغولون بالمعاش آخذون من زينتهم عِنْد كل مَسْجِد أفضل الرياش لَا يَخُوضُونَ فِي لغط وَلَا إكثار وَلَا يَجْتَمعُونَ على فَسَاد نِيَّة فِي مُقيم وَلَا بعيد الدَّار
قَالَ فأقمت مِنْهَا فِي أشرف الْبلدَانِ الَّتِي هِيَ أنموذج الْجنان وعنوان الدَّار الَّتِي خازنها رضوَان والقلوب فِيهَا عِنْد ذكر الله حَاضِرَة والنفوس بِالْخَيرِ دون الشَّرّ آمرة
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد كَانَت إربل وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْبِلَاد والقلاع من
стр. 1122
ولايات الْموصل مَعْدُودَة فَأَرَادَ صَاحب إربل أَن ينْفَرد عَنهُ ويستبد بالبلاد فاعتزى إِلَى السُّلْطَان وكاتبه وَطلب مِنْهُ منشورا ببلاده فَكَتبهُ لَهُ وَفِيه إِن الله لما مكن لنا فِي الأَرْض ووفقنا فِي إعزاز الْحق وإظهاره لأَدَاء الْفَرْض رَأينَا أَن نقدم فرض الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فنوضح سَبيله ونقبل على إعلاء الدّين وننصر قبيله وندعو أَوْلِيَاء الله من بِلَاد الْإِسْلَام إِلَى غَزْو أعدائه ونجمع كلمتهم فِي رفع كَلمته الْعليا فِي أرضه على استنزال نَصره من سمائه فَمن ساعدنا على أَدَاء هَذِه الْفَرِيضَة واقتناء هَذِه الْفَضِيلَة يحظى من عوارفنا الجزيلة بِحسن الصنيعة ونجح الْوَسِيلَة وَمن أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ وَأعْرض عَن حق دينه بالإقبال على بَاطِل دُنْيَاهُ فَإِن أناب قبلناه وَإِن أصر على غوايته أزلنا يَده وعزلناه
تَفْصِيل مَا كتب فِي منشوره إربل وقلعتها وأعمالها جَمِيع مَا قطعه الزابي الْكَبِير شهرزور وأعمالها معايش بَيت قفجاق معايش بَيت القرابلي الدشت والزرزارية
قَالَ الْعِمَاد وَفِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة توفّي صَاحب ماردين وَهُوَ قطب الدّين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق والأمراء الأرتقية هم الَّذين رتقوا فتوق الْإِسْلَام أَولا وَكَانُوا يتولون بَيت الْمُقَدّس وحموه من الفرنج قبل المصريين وَإِنَّمَا أَخذه الفرنج سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبع مئة من المصريين فَبَقيَ السَّاحِل كُله مَعَ أهل الشّرك فحمت الأرتقية ديار بكر وَمَا والاها وحلب وأعمالها وتوارثوا ديار بكر كَابِرًا عَن كَابر إِلَى أَن انْتهى إِلَى هَذَا قطب الدّين أَعمال ميافارقين
стр. 1123
وماردين فَلَمَّا مَاتَ بقيت على وَلَده وَله عشر سِنِين وانْتهى إِلَى ابْن عَمه نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن دَاوُد بن سكمان بن أرتق حصن كيفا وخرتبرت والبلاد الَّتِي تناسبها وأضاف السُّلْطَان إِلَيْهِ آمد
وَقد كَانَ قطب الدّين أَولا على مصافاة صَاحب الْموصل لما بَينهمَا من الْقَرَابَة ثمَّ أذعن للسُّلْطَان وَدخل تَحت طَاعَته
قلت وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا توفّي خَليفَة الْمغرب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَولي ابْنه يَعْقُوب
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَبعد عود السُّلْطَان من حِصَار الكرك وصل رسل الْخَلِيفَة وَمَعَهُمْ الْخلْع فلبسها السُّلْطَان وألبس أَخَاهُ الْعَادِل وَابْن أَسد الدّين خلعا جَاءَت لَهما ثمَّ خلع السُّلْطَان خلعة الْخَلِيفَة على نور الدّين بن قرا أرسلان وَأَعْطَاهُ دستورا فَسَار إِلَى بِلَاده ووصلت رسل زين الدّين بن زين الدّين مستصرخا إِلَى السُّلْطَان يخبر أَن عَسْكَر الْموصل وعسكر قزل نزلُوا على إربل مَعَ مُجَاهِد الدّين قايماز وَأَنَّهُمْ نهبوا وأحرقوا وَأَنه نصر عَلَيْهِم وكسرهم
فَلَمَّا سمع ذَلِك سَار من دمشق يطْلب الْبِلَاد وَتقدم إِلَى العساكر فتبعته وَسَار على طَرِيق المغار ويبوس الْبِقَاع إِلَى بعلبك وَمرض الْعِمَاد
стр. 1124
فَانْقَطع بهَا وَسَار السُّلْطَان إِلَى حمص ثمَّ إِلَى حماة فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن شفي الْعِمَاد ولحقه بهَا
وَكَانَ الْأَجَل الْفَاضِل بِدِمَشْق فَأرْسل الْحَكِيم الْمُوفق بن المطران واسْمه أسعد بن إلْيَاس إِلَى الْعِمَاد ببعلبك لما سمع بمرضه فَسَار من دمشق إِلَى بعلبك فِي يَوْم وَلَيْلَة وَعمل مَعَه عمل من طب لمن حب فبرئ بعون الله تَعَالَى فَرجع إِلَى دمشق فَلَمَّا استقام مزاجه رَحل إِلَى السُّلْطَان فوافقه بحماة
وَدخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان مخيم بِظَاهِر حماة فَسَار إِلَى حلب وتلقاه أَخُوهُ الْعَادِل وَاجْتمعت لَهُ بهَا العساكر فَخرج مِنْهَا فِي صفر لقصد الْموصل فَسَار وَقطع الْفُرَات وَأقَام الْعَسْكَر ثَلَاثَة أَيَّام للعبور بهَا وَكَانَ السُّلْطَان قد سير إِلَى معاقل الْفُرَات وقلاعه ونواحيه وضياعه وَأمر أَهلهَا بعمارة كل سفينة فِي الْفُرَات وزورق ومركب وَجَمعهَا من كل مشرق ومغرب
ثمَّ وصل إِلَى حران وفيهَا مظفر الدّين بن زين الدّين وَهُوَ أَخُو زين الدّين يُوسُف صَاحب إربل وَقد كَانَ أول من دخل فِي خدمَة السُّلْطَان أول مَا قصد تِلْكَ الْبِلَاد فِي الْمرة الأولى واقتدى بِهِ أَخُوهُ وَغَيره من أَصْحَاب الْأَطْرَاف فِي الانتماء إِلَى السُّلْطَان وَحضر مَعَه حِصَار عدَّة بِلَاد كالموصل وسنجار وآمد وحلب وَأظْهر من الْمَوَدَّة فَوق مَا كَانَ فِي
стр. 1125
الْحساب وَهُوَ كَانَ كثير الْحَث للسُّلْطَان على الْمسير إِلَى الْموصل هَذِه الْمرة بِرَسُولِهِ وَكتابه وَقَالَ رَسُوله للسُّلْطَان إِن مظفر الدّين إِذا عبرتم الْفُرَات يسْتَدرك كل مَا فَاتَ وَيقوم بِكُل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْبِلَاد من النَّفَقَات والغرامات والأزواد وَيقدم يَوْم الْوُصُول إِلَى حران خمسين ألف دِينَار وَكتب خطه بذلك
فَلَمَّا وصل السُّلْطَان إِلَى حران لم ير مِنْهُ مَا الْتَزمهُ الرَّسُول فارتاب بِهِ وَظن أَنه مَال مَعَ المواصلة ووشت الْأَعْدَاء فِيهِ بذلك وَأَن نِيَّته قد تَغَيَّرت فَحلف للسُّلْطَان أَنه لم يتَغَيَّر وَأَن مَا الْتَزمهُ الرَّسُول لم يكن بأَمْره وَهُوَ ابْن ماهان فانعزل عِنْده عَن مرتبته وَهَان فَقبض السُّلْطَان على مظفر الدّين ليتبين أمره وشاور فِيهِ أَصْحَابه فَأَشَارَ بَعضهم بإتلافه وَبَعْضهمْ باستبقائه واستئلافه فَعَفَا السُّلْطَان عَنهُ على أَن يسلم قلعتي الرها وحران فَفعل ذَلِك وَهُوَ مسرور بِبَقَاء نَفسه ثمَّ أُعِيدَت إِلَيْهِ القلعتان فِي آخر السّنة لما رأى السُّلْطَان من حركاته المستحسنة
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَسَار السُّلْطَان حَتَّى أَتَى حران على طَرِيق البيرة والتقاه مظفر الدّين بالبيرة فِي ثَانِي عشر الْمحرم وَكَانَ قد وصل إِلَيْهِ عز الدّين بن عبد السَّلَام يَعْنِي الْموصِلِي رَسُولا واسْمه إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عبد السَّلَام ويكنى بِأبي الْخَلِيل فَلَقِيَهُ بحماة يعْتَذر مِمَّا جرى فَأعْطَاهُ دستورا بعد أَن أكْرمه وَسَار من غير غَرَض
следующие страницы →