← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

فَلَا تخفى وَلَا تزوى والخلق منقسمون إِلَى حلق قد نبذ أَهلهَا مَا وَرَاءَهُمْ من العلق وَالْإِسْلَام فِيهِ فَاش وَالْجهل بِهِ متلاش وَهُوَ مِمَّا بناه الْأَولونَ لعبادتهم وجعلوه ذخْرا لآخرتهم وَمَا برح معبدًا لكل مِلَّة اتخذته الْمَجُوس وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى قبل الْإِسْلَام هيكلا وقبلة وَهُوَ بَيت الْمُتَّقِينَ وسوق المتصدقين ليله للمتهجدين ونهاره للْعُلَمَاء الْمُجْتَهدين قَالَ وعاشرت أَهلهَا وباشرتهم ثمَّ كاشرتهم وكاشفتهم فَرَأَيْت سادة أدباء وعلماء نجباء ورأيتهم يتناظرون فِي الْفِقْه مناظرة الْوَالِد مَعَ وَلَده ويقفون عِنْد كتاب الله فَلَا يعدلُونَ عَن وَاضح جدده ويفسرونه عَن علم واستبصار ويحتاطون فِي علمهمْ بِصَحِيح الْأَخْبَار ويتبعون مَا وَردت بِهِ ثِقَات الْآثَار وعامتهم مشغولون بالمعاش آخذون من زينتهم عِنْد كل مَسْجِد أفضل الرياش لَا يَخُوضُونَ فِي لغط وَلَا إكثار وَلَا يَجْتَمعُونَ على فَسَاد نِيَّة فِي مُقيم وَلَا بعيد الدَّار قَالَ فأقمت مِنْهَا فِي أشرف الْبلدَانِ الَّتِي هِيَ أنموذج الْجنان وعنوان الدَّار الَّتِي خازنها رضوَان والقلوب فِيهَا عِنْد ذكر الله حَاضِرَة والنفوس بِالْخَيرِ دون الشَّرّ آمرة فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة قَالَ الْعِمَاد كَانَت إربل وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْبِلَاد والقلاع من

стр. 1122

ولايات الْموصل مَعْدُودَة فَأَرَادَ صَاحب إربل أَن ينْفَرد عَنهُ ويستبد بالبلاد فاعتزى إِلَى السُّلْطَان وكاتبه وَطلب مِنْهُ منشورا ببلاده فَكَتبهُ لَهُ وَفِيه إِن الله لما مكن لنا فِي الأَرْض ووفقنا فِي إعزاز الْحق وإظهاره لأَدَاء الْفَرْض رَأينَا أَن نقدم فرض الْجِهَاد فِي سَبِيل الله فنوضح سَبيله ونقبل على إعلاء الدّين وننصر قبيله وندعو أَوْلِيَاء الله من بِلَاد الْإِسْلَام إِلَى غَزْو أعدائه ونجمع كلمتهم فِي رفع كَلمته الْعليا فِي أرضه على استنزال نَصره من سمائه فَمن ساعدنا على أَدَاء هَذِه الْفَرِيضَة واقتناء هَذِه الْفَضِيلَة يحظى من عوارفنا الجزيلة بِحسن الصنيعة ونجح الْوَسِيلَة وَمن أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ وَأعْرض عَن حق دينه بالإقبال على بَاطِل دُنْيَاهُ فَإِن أناب قبلناه وَإِن أصر على غوايته أزلنا يَده وعزلناه تَفْصِيل مَا كتب فِي منشوره إربل وقلعتها وأعمالها جَمِيع مَا قطعه الزابي الْكَبِير شهرزور وأعمالها معايش بَيت قفجاق معايش بَيت القرابلي الدشت والزرزارية قَالَ الْعِمَاد وَفِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة توفّي صَاحب ماردين وَهُوَ قطب الدّين إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق والأمراء الأرتقية هم الَّذين رتقوا فتوق الْإِسْلَام أَولا وَكَانُوا يتولون بَيت الْمُقَدّس وحموه من الفرنج قبل المصريين وَإِنَّمَا أَخذه الفرنج سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبع مئة من المصريين فَبَقيَ السَّاحِل كُله مَعَ أهل الشّرك فحمت الأرتقية ديار بكر وَمَا والاها وحلب وأعمالها وتوارثوا ديار بكر كَابِرًا عَن كَابر إِلَى أَن انْتهى إِلَى هَذَا قطب الدّين أَعمال ميافارقين

стр. 1123

وماردين فَلَمَّا مَاتَ بقيت على وَلَده وَله عشر سِنِين وانْتهى إِلَى ابْن عَمه نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن دَاوُد بن سكمان بن أرتق حصن كيفا وخرتبرت والبلاد الَّتِي تناسبها وأضاف السُّلْطَان إِلَيْهِ آمد وَقد كَانَ قطب الدّين أَولا على مصافاة صَاحب الْموصل لما بَينهمَا من الْقَرَابَة ثمَّ أذعن للسُّلْطَان وَدخل تَحت طَاعَته قلت وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا توفّي خَليفَة الْمغرب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَولي ابْنه يَعْقُوب قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَبعد عود السُّلْطَان من حِصَار الكرك وصل رسل الْخَلِيفَة وَمَعَهُمْ الْخلْع فلبسها السُّلْطَان وألبس أَخَاهُ الْعَادِل وَابْن أَسد الدّين خلعا جَاءَت لَهما ثمَّ خلع السُّلْطَان خلعة الْخَلِيفَة على نور الدّين بن قرا أرسلان وَأَعْطَاهُ دستورا فَسَار إِلَى بِلَاده ووصلت رسل زين الدّين بن زين الدّين مستصرخا إِلَى السُّلْطَان يخبر أَن عَسْكَر الْموصل وعسكر قزل نزلُوا على إربل مَعَ مُجَاهِد الدّين قايماز وَأَنَّهُمْ نهبوا وأحرقوا وَأَنه نصر عَلَيْهِم وكسرهم فَلَمَّا سمع ذَلِك سَار من دمشق يطْلب الْبِلَاد وَتقدم إِلَى العساكر فتبعته وَسَار على طَرِيق المغار ويبوس الْبِقَاع إِلَى بعلبك وَمرض الْعِمَاد

стр. 1124

فَانْقَطع بهَا وَسَار السُّلْطَان إِلَى حمص ثمَّ إِلَى حماة فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن شفي الْعِمَاد ولحقه بهَا وَكَانَ الْأَجَل الْفَاضِل بِدِمَشْق فَأرْسل الْحَكِيم الْمُوفق بن المطران واسْمه أسعد بن إلْيَاس إِلَى الْعِمَاد ببعلبك لما سمع بمرضه فَسَار من دمشق إِلَى بعلبك فِي يَوْم وَلَيْلَة وَعمل مَعَه عمل من طب لمن حب فبرئ بعون الله تَعَالَى فَرجع إِلَى دمشق فَلَمَّا استقام مزاجه رَحل إِلَى السُّلْطَان فوافقه بحماة وَدخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان مخيم بِظَاهِر حماة فَسَار إِلَى حلب وتلقاه أَخُوهُ الْعَادِل وَاجْتمعت لَهُ بهَا العساكر فَخرج مِنْهَا فِي صفر لقصد الْموصل فَسَار وَقطع الْفُرَات وَأقَام الْعَسْكَر ثَلَاثَة أَيَّام للعبور بهَا وَكَانَ السُّلْطَان قد سير إِلَى معاقل الْفُرَات وقلاعه ونواحيه وضياعه وَأمر أَهلهَا بعمارة كل سفينة فِي الْفُرَات وزورق ومركب وَجَمعهَا من كل مشرق ومغرب ثمَّ وصل إِلَى حران وفيهَا مظفر الدّين بن زين الدّين وَهُوَ أَخُو زين الدّين يُوسُف صَاحب إربل وَقد كَانَ أول من دخل فِي خدمَة السُّلْطَان أول مَا قصد تِلْكَ الْبِلَاد فِي الْمرة الأولى واقتدى بِهِ أَخُوهُ وَغَيره من أَصْحَاب الْأَطْرَاف فِي الانتماء إِلَى السُّلْطَان وَحضر مَعَه حِصَار عدَّة بِلَاد كالموصل وسنجار وآمد وحلب وَأظْهر من الْمَوَدَّة فَوق مَا كَانَ فِي

стр. 1125

الْحساب وَهُوَ كَانَ كثير الْحَث للسُّلْطَان على الْمسير إِلَى الْموصل هَذِه الْمرة بِرَسُولِهِ وَكتابه وَقَالَ رَسُوله للسُّلْطَان إِن مظفر الدّين إِذا عبرتم الْفُرَات يسْتَدرك كل مَا فَاتَ وَيقوم بِكُل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْبِلَاد من النَّفَقَات والغرامات والأزواد وَيقدم يَوْم الْوُصُول إِلَى حران خمسين ألف دِينَار وَكتب خطه بذلك فَلَمَّا وصل السُّلْطَان إِلَى حران لم ير مِنْهُ مَا الْتَزمهُ الرَّسُول فارتاب بِهِ وَظن أَنه مَال مَعَ المواصلة ووشت الْأَعْدَاء فِيهِ بذلك وَأَن نِيَّته قد تَغَيَّرت فَحلف للسُّلْطَان أَنه لم يتَغَيَّر وَأَن مَا الْتَزمهُ الرَّسُول لم يكن بأَمْره وَهُوَ ابْن ماهان فانعزل عِنْده عَن مرتبته وَهَان فَقبض السُّلْطَان على مظفر الدّين ليتبين أمره وشاور فِيهِ أَصْحَابه فَأَشَارَ بَعضهم بإتلافه وَبَعْضهمْ باستبقائه واستئلافه فَعَفَا السُّلْطَان عَنهُ على أَن يسلم قلعتي الرها وحران فَفعل ذَلِك وَهُوَ مسرور بِبَقَاء نَفسه ثمَّ أُعِيدَت إِلَيْهِ القلعتان فِي آخر السّنة لما رأى السُّلْطَان من حركاته المستحسنة قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَسَار السُّلْطَان حَتَّى أَتَى حران على طَرِيق البيرة والتقاه مظفر الدّين بالبيرة فِي ثَانِي عشر الْمحرم وَكَانَ قد وصل إِلَيْهِ عز الدّين بن عبد السَّلَام يَعْنِي الْموصِلِي رَسُولا واسْمه إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عبد السَّلَام ويكنى بِأبي الْخَلِيل فَلَقِيَهُ بحماة يعْتَذر مِمَّا جرى فَأعْطَاهُ دستورا بعد أَن أكْرمه وَسَار من غير غَرَض

стр. 1126

قلت وَصَحب ابْن عبد السَّلَام فِي هَذِه السفرة من الْموصل عمر بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الشّحْنَة فمدح السُّلْطَان بقصيدة أَولهَا (سَلام مشوق قد براه التشوق ... على الْحَيّ من وَادي الغضا إِذْ تفَرقُوا) فَلَمَّا بلغ من مديحها إِلَى قَوْله (وَقَالَت لي الآمال إِن كنت لاحقا ... بأبناء أَيُّوب فَأَنت الْمُوفق) قَالَ لَهُ السُّلْطَان لقد وفقت وَأَجَازَهُ جَائِزَة سنية ثمَّ قَالَ القَاضِي وَتقدم السُّلْطَان إِلَى سيف الدّين المشطوب أَن يسير فِي مُقَدّمَة الْعَسْكَر إِلَى رَأس عين وَوصل السُّلْطَان حران فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من صفر وَفِي السَّادِس وَالْعِشْرين مِنْهُ قبض على مظفر الدّين لشَيْء كَانَ جرى مِنْهُ وَحَدِيث بلغه عَنهُ رَسُوله وَلم يقف عَلَيْهِ وَأنْكرهُ وَأخذ مِنْهُ حران والرها ثمَّ أَقَامَ فِي الاعتقال تأديبا إِلَى مستهل ربيع الأول ثمَّ خلع عَلَيْهِ وَطيب قلبه وَأعَاد عَلَيْهِ قلعة حران وبلاده الَّتِي كَانَت بِيَدِهِ وَأَعَادَهُ إِلَى قانونه فِي الاحترام وَالْإِكْرَام وَلم يتَخَلَّف لَهُ سوى قلعة الرها ووعده السُّلْطَان بهَا

стр. 1127

ثمَّ رَحل السُّلْطَان ثَانِي ربيع الأول من حران إِلَى رَأس عين وَوَصله فِي ذَلِك الْيَوْم رَسُول قليج أرسلان يُخبرهُ أَن مُلُوك الشرق بأسرهم قد اتّفقت كلمتهم على قصد السُّلْطَان إِن لم يعد عَن الْموصل وماردين وَأَنَّهُمْ على عزم ضرب المصاف مَعَه إِن أصر على ذَلِك فَرَحل السُّلْطَان يطْلب دنيسر فوصله ثامن ربيع الأول عماد الدّين بن قرا أرسلان وَمَعَهُ عَسْكَر نور الدّين فالتقاهم السُّلْطَان واحترمهم ثمَّ رَحل من دنيسر نَحْو الْموصل حَتَّى نزل بِموضع يعرف بالإسماعيليات قريب الْموصل بِحَيْثُ يصل من الْعَسْكَر كل يَوْم نوبَة جَرِيدَة تحاصر الْموصل فَبلغ عماد الدّين بن قرا أرسلان موت أَخِيه نور الدّين فَطلب من السُّلْطَان دستورا طَمَعا فِي ملك أَخِيه فَأعْطَاهُ دستورا وَقَالَ الْعِمَاد خرج السُّلْطَان من حران فِي ربيع الأول فَمر على رَأس عين ودارا فَخرج أميرها بِأَصْحَابِهِ فِي الْخدمَة وَقدم عماد الدّين أَبُو بكر بن قرا أرسلان بعساكر ديار بكر وآمد نِيَابَة عَن أَخِيه نور الدّين فَإِنَّهُ كَانَ مَرِيضا ثمَّ رَحل إِلَى نَصِيبين وَقدم صَاحب الجزيرة سنجر شاه بن أخي صَاحب الْموصل فَأكْرمه السُّلْطَان ثمَّ سَار من أقرب الطّرق من دجلة وتنكب طَرِيق الدولعية فَنزل على بلد آخر ربيع الأول ثمَّ توجه إِلَى الْموصل وخيم على الإسماعيليات وَقدم على السُّلْطَان زين الدّين صَاحب إربل وَأول مَا بَدَأَ بِهِ السُّلْطَان يَوْم نُزُوله على بلد قبل الإسماعيليات إرْسَال ضِيَاء الدّين أبي الْفَضَائِل الْقَاسِم بن يحيى بن عبد الله بن الشهرزوري إِلَى الْخَلِيفَة بِمَا عزم عَلَيْهِ من حصر الْموصل فَإِن

стр. 1128

أَهلهَا يواصلون الْأَعَاجِم وخاطبون لسلطانهم الْقَائِم وناقشو اسْمه فِي الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم وَأَنَّهُمْ يتعززون بالبهلوان ويعجزون إِلَّا عَن الطَّاعَة لَهُ والإذعان وَأَنَّهُمْ يرسلون إِلَى الفرنج ويقوون نُفُوسهم على قصد الثغور وتفريق الْجُمْهُور وَأَنه مَا جَاءَ طَمَعا فِي استضافة ملك وَلَا استزادة سلك وَلَا قلع بَيت قديم وَلَا قطع أصل كريم وَإِنَّمَا مَقْصُوده الْأَصْلِيّ ومطلوبه الْكُلِّي ردهم إِلَى طَاعَة الإِمَام ونصرة الْإِسْلَام وكشف مَا اعتادوه واعتوروه من الظُّلم والظلام وفطمهم عَن استحلال الْحَرَام وقطعهم عَن مُوَاصلَة الأعجام وإلزامهم بِمَا يجب عَلَيْهِم من حفظ الْجَار وصلَة الْأَرْحَام فَهَذَا صَاحب الجزيرة وَهُوَ ابْن أخي صَاحب الْموصل ولي عهد أَبِيه لم يرع فِيهِ ذمَّة أَخِيه وأبعده عَمَّا اسْتَحَقَّه بِالْإِرْثِ وَالتَّوْلِيَة وَحرمه مَا يستوجبه من التربية والتلبية وأخاف حرمه وَقطع رَحمَه وَلَو تمكن مِنْهُ لأطاح دَمه وَلَوْلَا خَوفه من جَانِبه وتوقيه من دَبِيب عقاربه لما التجأ إِلَى هَذَا الْجَانِب وَلما اخْتَار الْأَجَانِب على الْأَقَارِب وَهَذَا صَاحب إربل جَار الْموصل أَبوهُ زين الدّين عَليّ هُوَ الَّذِي حفظ بَيتهمْ وَخلف فِي إحيائهم ميتهم وَهَذَا وَلَده فِي جوارهم يشكو جَوْرهمْ وَحَدِيث صَاحب الحديثة فِي حَادِثَة لَا تخفى وَعين من بتكريت من مخافتهم وآفتهم لَا تكرى قلت وَفِي بعض الْكتب الْفَاضِلِيَّةِ عَن السُّلْطَان إِلَى الدِّيوَان وَكَانَ قد تحيز إِلَى الْخَادِم فِي وَقت حركته صَاحب تكريت والحديثة وَهُوَ يسْتَأْذن فِي استتباعهما بِحكم التَّقْلِيد الَّذِي تنَاول هَذَا وَغَيره وَلم يسْتَأْذن فِي ذَلِك استئذانا مُخَصّصا إِلَّا لمحلهم من جوَار دَار الْخلَافَة وَلِأَنَّهُمَا مِمَّا يرى الْخَادِم إِضَافَته إِلَى مَا يجْرِي فِي خَاص الدِّيوَان الْعَزِيز مَعَ غَيرهمَا مِمَّا يجْرِي

стр. 1129

مجراهما فِي الْقرب من الْجوَار وَالدُّخُول فِي ذمام شرف تِلْكَ الدَّار فَإِن أذن لَهُ استثناهما فِي صلح إِن تمّ مَعَهم أَو حماهما مَعَ مباينته إِن اخْتَار الْمشَار إِلَيْهِم الْبَقَاء عَلَيْهَا وَهَذَا برد شرف قد أعوزه علمه وتاج إِذا أسلمه الْخط الشريف نظم الفخار منتظمه وَمن كتاب آخر وَمَا كُنَّا بِشَهَادَة الله فِي قتال الْمَذْكُورين إِلَّا كقاطع كَفه ليسلم سَائِر جِسْمه وكراكب حد السنان مُضْطَرّا فِي حكمه وأصحب الْعِمَاد الرَّسُول قصيدة مدح بهَا الصاحب مجد الدّين أَبَا الْفَضَائِل أَولهَا (قضى الوجد لي أَن لَا أفِيق من الوجد ... فيا ضلة اللاحي إِذا ظن أَن يهدي) (محبكم جلد على كل حَادث ... وَلَكِن على هجرانكم لَيْسَ بِالْجلدِ) (بِبَغْدَاد حطوا رحلكم ليخصكم ... أَبُو الْفضل مجد الدّين بِالْفَضْلِ وَالْمجد) (رَآهُ الإِمَام النَّاصِر الدّين ناصرا ... فحاول تعويلا على مجده المجدي) وَمِنْهَا (إِلَيْك صَلَاح الدّين ألجأ أمره ... فحط رُكْنه وَالْعقد بالشد والشد) (مليك على حَرْب الْعَدو مصمم ... وَمَا زَالَ فِيهِ غَالب الْجد والجند) (تساور أَفْوَاه الْجراح رماحه ... مساورة الأميال للأعين الرمد) (يحل المنايا الْحمر بالْكفْر مجريا ... دم الْأَصْفَر الرُّومِي بالأبيض الْهِنْدِيّ)

стр. 1130

(وَمَا لأمير الْمُؤمنِينَ كيوسف ... فَتى فِي مراضيه بمهجته يفْدي) قَالَ وَشرع السُّلْطَان فِي إقطاع الْبِلَاد والتوقيع بهَا على الأجناد وسير الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد الْمَعْرُوف بالمشطوب الهكاري وَمَعَهُ الْأُمَرَاء من قبيلته والأكراد من شيعته إِلَى بلد الهكارية وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء الحميدية إِلَى الْعقر وأعمالها لاستفتاح قلاعها واستغلال ضياعها وَنصب الجسر وَملك الْأَمر وَعبر مظفر الدّين صَاحب حران وَغَيره من الْأُمَرَاء وخيموا بالجانب الغربي وَكَانَ الْحر إِذْ ذَاك شَدِيدا فَأمر السُّلْطَان بِالصبرِ عَن الْقِتَال إِلَى أَن يطيب الزَّمَان وَأهل الْموصل فِي الْحصار وأشير عَلَيْهِ بتحويل دجلة وَكَانَ مَاؤُهَا قد قل بطرِيق ذكره خَبِير بهَا زعم أَنه يُمكن سد دجلة وسكرها وبثق فرضة أُخْرَى وَكسرهَا ونقلها وَتَحْوِيلهَا إِلَى دجلة نِينَوَى وتعطش الْموصل إِذا المَاء عَنْهَا انزوى وَعرض ذَلِك على رَأْي الْفَقِيه الْعَالم فَخر الدّين أبي شُجَاع ابْن الدهان الْبَغْدَادِيّ وَكَانَ مهندس زَمَانه وإنسان عين الْفضل وَعين إنسانه وَكَانَ مُنْذُ عهد قديم سكن الْموصل فِي ظلّ كَبِير من أَصْحَاب زين الدّين عَليّ وَلما سمع بكرم السُّلْطَان تفيأ بظله وتعرف إِلَى فَضله فَصدق المشير بذلك وَقَالَ هَذَا مُمكن وَلَا يتَعَذَّر ويتيسر وَلَا يتعسر وَمن كتاب عمادي إِلَى بَغْدَاد وَذكر المهندسون أهل الْخِبْرَة أَنه يسهل تَحْويل دجلة الْموصل عَنْهَا بِحَيْثُ يبعد مستقى المَاء مِنْهَا وَحِينَئِذٍ يضْطَر أَهلهَا إِلَى تَسْلِيمهَا بِغَيْر قتال وَلَا حُصُول ضَرَر فِي تضييق وَلَا نزال

стр. 1131

فصل فِيمَا فعل السُّلْطَان فِي أَمر خلاط وميافارقين وَغَيرهمَا من الْبِلَاد قَالَ الْعِمَاد ثمَّ وصل خبر وَفَاة شاه أرمن صَاحب خلاط فتحول إِلَيْهَا الْعَزْم وترجح بهَا الحزم وَكَانَ وُرُود مَوته فِي الْعشْرين من ربيع الآخر وَكَانَ مَوته فِي التَّاسِع مِنْهُ وَلم يخلف ولدا ولاذا قرَابَة يكون خلفا لَهُ فِيهَا ووردت كتب الْأَوْلِيَاء من أهل بدليس وَغَيرهَا إِلَى السُّلْطَان يخطبونه لَهَا وهم خائفون من الْعَجم أَن يتولوها فَاخْتلف النَّاس على السُّلْطَان فَمن مشير بِالْإِقَامَةِ إِلَى انْفِصَال أَمر الْموصل وَمن مشير بِالْمَسِيرِ إِلَى بِلَاد الأرمن فَإِن الْموصل غير فَائِتَة وَمن قَائِل بانقسام الْعَسْكَر فِي الْجِهَتَيْنِ فترجح رَأْي السُّلْطَان على الْمسير إِلَيْهَا فَكتب إِلَى الْخَلِيفَة يطْلب مِنْهُ كتاب تَقْلِيد بِبِلَاد الأرمن وديار بكر والموصل فَجَاءَهُ بعد فتح ميافارقين مِثَال شرِيف بتقليده النّظر فِي أَمر ديار بكر وَالنَّظَر فِي مصَالح أَيْتَام مُلُوكهَا ثمَّ رَحل السُّلْطَان عَن الْموصل فِي أَوَاخِر شهر ربيع الآخر وَقدم فِي مقدمته نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه ابْن عَمه ومظفر الدّين صَاحب حران وَأَمرهمَا أَن يَسِيرا إِلَى خلاط من أقرب الطّرق فَلَمَّا وصلا وجدا سيف الدّين بكتمر من مماليك شاه أرمن قد دَخلهَا وحماها وتغلب عَلَيْهَا وَجَاء بهلوان فِي عَسَاكِر الشرق وَهُوَ شمس الدّين أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن إيلدكز مُتَوَلِّي تِلْكَ الْبِلَاد فَنزل من الْجَانِب الآخر وَكَانَ وَزِير خلاط مجد الدّين بن الْمُوفق بن رَشِيق يظْهر للسُّلْطَان الْمَوَدَّة والمناصحة وَهُوَ على خلاف ذَلِك وَكتب إِلَى نَاصِر الدّين أَن يُقيم على الْقرب فَهُوَ أَشد للإرهاب والرعب فَفعل وَلَو خلاه لسبق إِلَيْهَا

стр. 1132

وَقيل إِن هَذَا الْوَزير أنفذ إِلَى بهلوان وَأمره بالإتيان وَأظْهر لَهُ الْمَوَدَّة وَالْإِحْسَان وَلما تَمَادى الزَّمَان وَقرب مِنْهَا البهلوان راسله بكتمر وَحمل إِلَيْهِ مَعَ ابْنَته زَوْجَة شاه أرمن من الْأَمْوَال الَّتِي أودعت المخزن وَندب السُّلْطَان إِلَيْهَا الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى فَدَخلَهَا وتخللها وتأملها وَتكلم مَعَ الْوَزير وشاوره فأحال الْحَال على البهلوان وَأَنه جَاءَ ليتملك الْمَكَان وَلَو استعجلتم لسهل الْأَمر مَا صَعب الْآن وَهَان ثمَّ جرت مراسلة بَين السُّلْطَان والبهلوان وانفصل الْأَمر كَأَنَّهُ مَا كَانَ وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَفِي ربيع الآخر توفّي صَاحب خلاط وَولي بعده غُلَام لَهُ يدعى بكتمر وَهُوَ الَّذِي كَانَ وصل رَسُولا إِلَى خدمَة السُّلْطَان بسنجار فَعدل وَأحسن إِلَى أهل خلاط وَكَانَ متصونا فِي طَرِيقَته فأطاعه النَّاس ومالوا إِلَيْهِ وَلما ملك خلاط امتدت نَحوه الأطماع فَسَار نَحوه البهلوان بن الدكز فَلَمَّا بلغه ذَلِك سير إِلَى خدمَة السُّلْطَان من يُقرر مَعَه تَسْلِيم خلاط إِلَيْهِ واندراجه فِي جملَته فطمع السُّلْطَان بخلاط وارتحل عَن الْموصل مُتَوَجها نَحْوهَا وسير إِلَيْهِ الْفَقِيه عِيسَى وغرس الدّين قليج لتقرير الْقَاعِدَة وتحريرها فوصلت الرُّسُل وبهلوان وَقد قَارب الْبِلَاد جدا فخوف بهلوان من السُّلْطَان وَأَشْعرهُ أَنه إِن قَصده سلم الْبِلَاد إِلَى السُّلْطَان فَطلب بهلوان إِصْلَاحه وزوجه ببنت لَهُم وولاه وَأعَاد الْبِلَاد إِلَيْهِ وَاعْتذر إِلَى رسل السُّلْطَان وعادوا من غير زبدة وَكَانَ السُّلْطَان قد

стр. 1133

نزل على ميافارقين فحاصرها وقاتلها قتالا عَظِيما وَنصب عَلَيْهَا مجانيق وملكها فِي آخر جُمَادَى الأولى قَالَ الْعِمَاد واستشعر مُلُوك ديار بكر من حَرَكَة السُّلْطَان وَكَانَ قد مَاتَ صَاحب ماردين كَمَا تقدم وَبقيت الْولَايَة لوَلَده الْكَبِير وَله عشر سِنِين وَكَانَ الْقَائِم بتدبير ملكه نظام الدّين بن البقش وَمَات أَيْضا صَاحب آمد نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان رَابِع عشر ربيع الأول من هَذِه السّنة وَتَوَلَّى ابْنه قطب الدّين سكمان فاحترزوا من السُّلْطَان وخافوا أَن يسْتَردّ بِلَاد آمد مِنْهُم فنفذ السُّلْطَان إِلَيْهِم شمس الدّين بن الْفراش ليختبر حَالهم فِي الْمُحَاربَة والمسالمة فَوَجَدَهُمْ على الطَّاعَة مقيمين وَإِلَيْهِ راغبين وَمِنْه راهبين وَوصل السُّلْطَان فِي جُمَادَى الأولى إِلَى ميافارقين وَكَانَ قد دَخلهَا من أُمَرَاء صَاحب ماردين أَسد الدّين يرنقش واستعصى فِيهَا على السُّلْطَان فحاصره وقاتله ثمَّ رأى أَن الْقِتَال يطول فراسل أميرها الْأسد ورغبه فِي الْمُوَادَعَة وَنَهَاهُ عَن المقاطعة وَكَانَ فِي الْمَدِينَة خاتون ابْنة قرا أرسلان وَهِي زَوْجَة قطب الدّين صَاحب ماردين الَّذِي توفّي فأحال الْأسد الْأَمر على الخاتون فراسلها السُّلْطَان ورغبها وَضمن لَهَا كل مَا تطلبه مِنْهُ ووعدها أَن يصاهر إِلَيْهَا فَمَا زَالَ بهَا وبالأسد حَتَّى لانا فقرر السُّلْطَان لَهَا كل مَا كَانَ باسمها وَاسم خدامها وَطلبت حصن الهتاخ

стр. 1134

ليَكُون لَهَا عشا للأفراخ وَزوج السُّلْطَان ابْنه معز الدّين إِسْحَاق بِإِحْدَى كرائمها وأبرم الْعَهْد وَأحكم العقد وسارع السُّلْطَان إِلَى بذل كل مَا اقترحوه وَفتحت ميافارقين وَأَقْبل صَاحب آمد قطب الدّين سكمان بن نور الدّين على صغر سنه إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَأكْرمه وَأَعَادَهُ إِلَى منصبه وَكَانَ مَعَه وزيره قوام الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سماقة وَقتل غيلَة فِي رَمَضَان من هَذِه السّنة كَمَا سَيَأْتِي ثمَّ سَار السُّلْطَان لقصد الْموصل وَولى تِلْكَ الديار مَمْلُوكه حسام الدّين سنقر الخلاطي فَنزل السُّلْطَان على دجلة بِكفْر زمار بِقرب الْموصل فِي شعْبَان وعزم على أَن يشتي فِي ذَلِك الْمَكَان فَخرجت من الْموصل نسَاء أتابكيات معرضات للشفاعة فأكرمهن السُّلْطَان ووعدهن بِالْإِحْسَانِ وَقَالَ قد قبلت شفاعتكن لَكِن لَا بُد من مصلحَة تتمّ وَمُصَالَحَة نَفعهَا يعم وَاسْتقر الْأَمر على أَن يكون عماد الدّين زنكي صَاحب سنجار أَخُو صَاحب الْموصل وَسِيطًا فِي الْبَين وَحكما فِيمَا يعود بمصلحة الْجَانِبَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَت شَفَاعَته سَابِقَة وَرَأى بِهَذَا الرَّأْي قَضَاء الْحَقَّيْنِ وَتعطف وتلطف لأجلهن وإجلالهن وأتى من الْكَرَامَة بِمَا يَلِيق بأمثالهن وَكن ظنن أَنه لَا يُقيم لحُرْمَة قصدهن وَيصدق ظنونهن وَأَنه يعرف حقوقهن وَيَقْضِي بمكارمه ديونهن وَلَا يشْتَغل بِأَمْر لَا يُؤذن بمرادهن دونهن فدخلن الْبَلَد متلومات متذممات وبلطف الله لائذات معتصمات

стр. 1135

فصل فِي انتظام الصُّلْح مَعَ أهل الْموصل وَمرض السُّلْطَان المرضة الْمَشْهُورَة بحران قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ السُّلْطَان لما دخل شهر رَمَضَان داوم قِرَاءَة الْقُرْآن وَحفظه واشتغل بالصيام والتقليل من الطَّعَام فَظهر انزعاجه وَتغَير مزاجه وَتعذر علاجه وَطَالَ مَرضه وَنَدم على رد الشوافع وسير إِلَى عماد الدّين صَاحب سنجار فِي إِنْفَاذ رسله ليوعز بِكُل مَا يعود بسؤله فوصل وزيره شمس الدّين بن الْكَافِي وَكَانَ من قبل قد سبق القَوْل فِي تَسْلِيم بِلَاد شهرزور وقلاعها وحصونها وضياعها وَكَذَلِكَ مَا وَرَاء الزابين من البوازيج والرستاق وبلد القرابلية وَبني قفجاق فَدخل شمس الدّين بن الْكَافِي وشمس الدّين قَاضِي الْعَسْكَر من جانبنا إِلَى الْموصل لأخذ الْعَهْد على هَذَا الْمُلْتَزم ورحل السُّلْطَان قبل عيد الْفطر بِيَوْم وَهُوَ من بَحر بحرانه فِي عوم وخيمنا على نَصِيبين فِي شَوَّال وَلم نترقب عود الرَّسُول بنجاز الاشغال بل كَانَ الارتحال على الارتجال ثمَّ اسْتمرّ الصُّلْح وَصلح الْأَمر وخطب فِي جَمِيع بِلَاد الْموصل للسُّلْطَان بعد قطع خطْبَة السلجوقية وَفِي ديار بكر أَيْضا والولايات الأرتقية وَضرب باسمه الدِّينَار وَالدِّرْهَم وانحل الْإِشْكَال وانكشف الْمُبْهم

стр. 1136

وَكتب الْعِمَاد عَن السُّلْطَان كتابا إِلَى أَخِيه سيف الْإِسْلَام بِالْيمن بشرح الْحَال وَفِيه وَنزل لنا صَاحب الْموصل عَن جَمِيع مَا وَرَاء الزاب من الْبِلَاد والقلاع والحصون والضياع وشهرزور ومعاقلها وأعمالها وَولَايَة بني قفجاق وَولَايَة القرابلي والبوازيج وعانة وقررنا عَلَيْهِ الْموصل وأعمالها على أَنه يكون بحكمنا وَينفذ عسكره إِلَى خدمتنا وَتَكون الْخطْبَة وَالسِّكَّة باسمنا وَأَن يُطلق الْمَظَالِم وَلَا يرتكب المآثم وَقد حصل لنا من صَاحب الْموصل وَمن جَمِيع من بالجزيرة وديار بكر الطَّاعَة وَالسِّكَّة وَالْخطْبَة وعمت الهيبة والرهبة والعزائم إِلَى الْجِهَاد فِي سَبِيل الله نوازع وَقد زَالَت الْعَوَائِق وَارْتَفَعت الْمَوَانِع قَالَ وَنفذ السُّلْطَان إِلَى شهرزور مَمْلُوكه مُجَاهِد الدّين أياز سربك فتملا بهَا وتملك ونال الْمَقَاصِد وَأدْركَ وَكَانَ التركمان الإيوانية مستولية بهَا فشتت شملها وَندب للنَّظَر فِي تِلْكَ الْأَعْمَال القَاضِي شمس الدّين بن الْفراش وأقطع البوازيج لبَعض خواصه المماليك وسير إِلَى الْبِلَاد نوابه ورتب فِيهَا لإِقَامَة سنَن الْعدْل وَالْإِحْسَان أَصْحَابه ووقف ضَيْعَة بالبوازيج تعرف ببافيلا على وَرَثَة شيخ الشُّيُوخ بِبَغْدَاد وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما أيس السُّلْطَان من أَمر خلاط وَعَاد إِلَى الْموصل فَنزل بَعيدا عَنْهَا وَهِي الدفعة الثَّالِثَة بِموضع يُقَال لَهُ كفر زمار وَكَانَ الْحر شَدِيدا فَأَقَامَ مُدَّة وَفِي هَذِه الْمنزلَة أَتَاهُ سنجر شاه من الجزيرة وَاجْتمعَ بِهِ وَأَعَادَهُ إِلَى بَلَده وَمرض السُّلْطَان بِكفْر زمار مَرضا

стр. 1137

شَدِيدا خَافَ من غائلته فَرَحل طَالب حران وَهُوَ مَرِيض وَكَانَ يتجلد وَلم يركب فِي محفة وَوصل حران شَدِيد الْمَرَض وَبلغ إِلَى غَايَة الضعْف وأيس مِنْهُ وأرجف بِمَوْتِهِ وَوصل إِلَيْهِ أَخُوهُ الْعَادِل من حلب وَمَعَهُ الْأَطِبَّاء قَالَ وَكَانَ سَبَب صلحه مَعَ المواصلة أَن عز الدّين صَاحب الْموصل سيرني إِلَى الْخَلِيفَة يستنجد بِهِ فَلم يحصل مِنْهُ زبدة وسير إِلَى الْعَجم فَلم يحصل مِنْهُم زبدة فَلَمَّا وصلت من بَغْدَاد وَأديت جَوَاب الرسَالَة أيس من نجدة فَلَمَّا بَلغهُمْ مرض السُّلْطَان رَأَوْا ذَلِك فرْصَة وَعَلمُوا رقة قلبه وَسُرْعَة انقياده فِي ذَلِك الْوَقْت فندبوني لهَذَا الْأَمر وبهاء الدّين الربيب وفوض إِلَيّ أَمر النُّسْخَة وَقَالُوا أمض مَا يصل جهدكم وطاقتكم إِلَيْهِ فسرنا حَتَّى أَتَيْنَا الْعَسْكَر وَالنَّاس كلهم آيسون من السُّلْطَان وَكَانَ وصولنا فِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة فاحترمنا احتراما عَظِيما وَجلسَ لنا وَكَانَ أول جُلُوسه من مَرضه وَحلف فِي يَوْم عَرَفَة وأخذنا مِنْهُ بَين النهرين أَخذهَا من سنجر شاه وَأَعْطَاهَا المواصلة وحلفته يَمِينا تَامَّة وَحلفت أَخَاهُ الْعَادِل وَمَات قدس الله روحه وَهُوَ على ذَلِك الصُّلْح لم يتَغَيَّر عَنهُ وسرنا عَنهُ وَهُوَ بحران قد تماثل وَوَصله خبر موت ابْن أَسد الدّين صَاحب حمص وَكَانَت وَفَاته يَوْم عَرَفَة وَنحن فِي الْعَسْكَر وَجلسَ الْعَادِل فِي العزاء وَفِي تِلْكَ الْأَيَّام كَانَت وقْعَة التركمان والأكراد وَقتل بَينهم خلق عَظِيم وَفِي هَذَا الشَّهْر وصل خبر وَفَاة بهلوان بن الدكز وَكَانَت وَفَاته فِي

стр. 1138

سلخ ذِي الْحجَّة قَالَ الْعِمَاد وَأقَام السُّلْطَان على نَصِيبين أَيَّامًا قَلَائِل ثمَّ رَحل إِلَى حران فألقينا بهَا عَصا النَّوَى والقلوب بِمَرَض السُّلْطَان متخاذلة القوى متواصلة الجوى وَالْفضل خَائِف من كساده آسَف على عتاده مُشفق من انخفاض قدره وانقراض عصره والسماح يَقُول هَذَا أَوَان كسوف سمائي ونضوب مائي وَالدّين ينْدب وَالْملك يصخب وَالْأَيْدِي إِلَى الله تَعَالَى مَرْفُوعَة والنيات بالإخلاص مشفوعة وَالْكفْر فِي أراجيف وَالْقدر فِي تصاريف وَالسُّلْطَان كلما زَاد ألمه زَاد فِي لطف الله أمله وَكلما بَان ضعفه قوي على الله توكله وَأَنا ملازمه لَيْلًا وَنَهَارًا سرا وجهارا وَهُوَ يملي عَليّ فِي كل وَقت وَصَايَاهُ وَيفرق بقلمي على عفاته عطاياه وَمن جملَة ذَلِك أَنه اشتدت بِهِ الْحَال لَيْلَة أيس بهَا مِنْهُ الْأَطِبَّاء وَغلب الْقنُوط وَعدم الرَّجَاء فَلَمَّا أصبح اجْتمع المعتفون والوافدون إِلَى بَابه والقاصدون المرتجون جنى جنابه وضجوا ضجة ارتجت مِنْهَا الدهماء ولانت لسماعها الصَّخْرَة الصماء فَسَأَلَ عَن ذَلِك فَقيل هَؤُلَاءِ وفدك قد اجْتَمعُوا على بابك متأسفين على مابك فدعاني وَأَمرَنِي بكتب اسمائهم وتفريق مَا اجْتمع فِي خزائنه من الْأَمْوَال عَلَيْهِم وأمسينا وَمَا على الْبَاب سَائل وَكُنَّا نظن أَن مَا بِهِ من الْأَلَم شغل شاغل فَوجدَ بِتِلْكَ السماحة رَاحَة وَاسْتمرّ مُدَّة اسْتِمْرَار مَرضه على بذل جَوْهَر مَاله وَعرضه وَكَانَ خلقه أحسن مَا كَانَ فِي حَال الصِّحَّة يخاطبنا بسجاياه السهلة السمحة وَلَا يَخْلُو مَجْلِسه من أولي فضل وَذَوي نباهة ونبل يتجاذبون بِحَضْرَتِهِ أَطْرَاف الْفَوَائِد ويهزون لمكارمه أعطاف المحامد فَتَارَة فِي أَحْكَام شَرْعِيَّة ومسائل فقهية وآونة فِي صناعات

стр. 1139

شعرية وألفاظ عَرَبِيَّة وَمَعَان أدبية وَمرَّة فِي أَحَادِيث الأجواد وشيم الأمجاد ودفعة فِي ذكر فَضَائِل الْجِهَاد وفرائض التأهب لَهُ والاستعداد وينذر أَنه إِن خلصه الله من نبوة هَذِه النّوبَة وأعفاه من كدر هَذِه المرضة ومرارتها بالعافية الصافية الحلوة اشْتغل بِفَتْح الْبَيْت الْمُقَدّس وَلَو ببذل نفائس الْأَمْوَال والأنفس وَأَنه لَا يصرف بَقِيَّة عمره إِلَّا فِي قتال أَعدَاء الله وَالْجهَاد فِي سَبيله وإنجاد أهل الْإِسْلَام والإقبال على قبيله وَأَنه لَا يتْرك شِيمَة الْجُود والسماحة بالموجود وَالْوَفَاء بِالْعُقُودِ والمحافظة على العهود وإنجاز الْمَوْعُود قَالَ وَرُبمَا استروح فِي بعض سَاعَات اللَّيْل أَو النَّهَار إِلَى السماع لإشارة الْأَطِبَّاء بِهِ لأجل التَّفْرِيج والإمتاع وَلَقَد كَانَ ذَلِك الْمَرَض تمحيصا من الله للذنوب وتنزيها وَتَذْكِرَة موقظة من سنة الْغَفْلَة وتنبيها قَالَ وَلما سمع الْعَادِل فِي حلب بِمَرَض أَخِيه السُّلْطَان ووصوله إِلَى حران بَادر بالوصول وصادف وَقت الْقبُول وَقَامَ بضبط الْأُمُور وسياسة الْجُمْهُور وَالْجُلُوس فِي كل يَوْم فِي النوبتية السُّلْطَانِيَّة لتولي مصَالح الرّعية وَإِقَامَة وَظِيفَة السماط وَالْعَمَل فِي كل يَوْم بِالِاحْتِيَاطِ والتصدي لكشف الْمَظَالِم وَبث المكارم وتنفيذ مَا يخرج من المراسم ورقع كل خرق ورتق كل فتق وَحفظ المهابة وَالْقِيَام عَن السُّلْطَان فِي كل مُهِمّ بِحسن النِّيَابَة وَلَقَد نفعنا حُضُوره ورفعنا تَدْبيره فقد كُنَّا على خوف من إرجاف يقوى وانتشار خبر سوء لَا يطوى لَا سِيمَا إِذا خرج الْأَطِبَّاء وَقَالُوا مَا فِيهِ أمل وَلكُل عمر أجل فهناك ترى النَّاس يستشعرون وبإبعاد مَا يعز

стр. 1140

عَلَيْهِم من أعلاقهم ودوابهم يستظهرون فَزَالَ بِحُضُور الْعَادِل كل مَخَافَة وَسلم الله برأفته من كل آفَة وَكَانَ الْملك الْعَزِيز عُثْمَان ولد السُّلْطَان مَعَ أَبِيه مقتد بمعاليه مقتف لمراضيه وَكَانَ من جملَة وَصَايَاهُ عِنْد إشفائه وإرجاء ترجي شفائه إِن أدركني المحتوم ودنا الْيَوْم الْمَعْلُوم فقد خلفت أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وعليا وَكلهمْ أرَاهُ بمرادي فِي إِقَامَة الْجِهَاد مَلِيًّا فعنى بِأبي بكر سيف الدّين أَخَاهُ وبعمر تَقِيّ الدّين ابْن أَخِيه وبعثمان وَعلي ولديه الْملكَيْنِ الْعَزِيز وَالْأَفْضَل وَرَأى عَلَيْهِمَا بكفالة سيف الدّين وتقي الدّين فِي الشَّام ومصر الْمعول وَأقَام الْعَادِل إِلَى أَن وضح الْمِنْهَاج وَصَحَّ المزاج وَطَابَتْ الْقُلُوب وَغَابَتْ الكروب ثمَّ وصل مَعَ أَخِيه إِلَى حلب وَتمّ مَعَه إِلَى حمص ودمشق وهب لَهُ نسيم مصر فاستجد إِلَى نشره النشق وَسَيَأْتِي ذكر مضيه إِلَى مصر مَعَ الْملك الْعَزِيز فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ ووصول الْملك الْأَفْضَل من مصر وَبعده الْملك المظفر تَقِيّ الدّين قَالَ الْعِمَاد وَكَانَت صدقاته الرَّاتِبَة دارة وبالأبرار بارة على أَن جوده مستوعب الْمَوْجُود وَلَا يتْرك فضلا للوفود وَلما مرض وَعرض لَهُ من الْأَلَم مَا عرض قَالَ لي اكْتُبْ إِلَى الْوُلَاة والنواب بالديار المصرية والشامية أَن يتصدقوا على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين من المَال الْمعد للْحَمْل بِمَا نَص على قدره فِي التَّعْيِين فَلم يبْق فِي الممالك إِلَّا من وصل إِلَيْهِ نصيب ودعا بالصالحات من الله لدعائه مُجيب فَدفع بِالصَّدَقَةِ الْبلَاء وَرفع للصدق

стр. 1141

الْوَلَاء وَنظر الله إِلَى النيات وأسنى سناء مننه السنيات وَمن جملَة تِلْكَ الصَّدقَات أَنه أَمرنِي أَن أكتب إِلَى نَائِبه بِدِمَشْق الصفي بن الْقَابِض أَن يتَصَدَّق بِخَمْسَة آلَاف دِينَار صورية فَقلت مَا عِنْده غير دَنَانِير مصرية فَقَالَ يتَصَدَّق بهَا مصرية خَمْسَة آلَاف لنفوز من الثَّوَاب بأضعاف قَالَ وَلما امْتَدَّ زمَان مَرضه أَمر بِبِنَاء دَار عِنْد سرادقه وحمام فبنيت فِي أَرْبَعَة خَمْسَة أَيَّام وَكَانَ قد استحضر من دمشق ولديه الصغيرين تورانشاه وملكشاه وأمهما وأسكنهم فِيهَا مُدَّة مقَامه وسماها دَار الْعَافِيَة للبرء فِيهَا من سقامه ثمَّ خَلاهَا لمن ينزل بهَا ضيفا وَجعلهَا للآوين إِلَيْهَا وَقفا وَبعدهَا اتَّصَلت المواصلة بَين السُّلْطَان والمواصلة وَأهْدى السُّلْطَان لَهُم هَدَايَا عَظِيمَة لصَاحب الْموصل ولوالدته ولصاحبته ولابنة نور الدّين ﵀ وَقوم مَا سيره إِلَيْهِم بِمَا يُربي على عشرَة آلَاف دِينَار سوى الْخَيل وَالطّيب وَالشَّيْء البديع والغريب وَجرى أَمر المواصلة على السداد وتجهزوا فِي النُّصْرَة الناصرية على مَا سَيَأْتِي شَرحه إِلَى الْجِهَاد وَأول بَرَكَات الِاتِّفَاق فتح الْبَيْت الْمُقَدّس وَسَائِر الْبِلَاد وتجددت الْفتُوح وأنجدت الْمَلَائِكَة وَالروح وامتحت باليسر الْعسرَة وَصحت بحطين الكسرة وَخص الله السُّلْطَان بفضيلة فتح الْقُدس وَقضى حاجاته الَّتِي كَانَت فِي النَّفس وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله شرح كل فتح فِي مَوْضِعه وَكَيف أشرق سنا النَّصْر فِي مطلعه وَكتب الْفَاضِل من دمشق إِلَى تَقِيّ الدّين بِمصْر إِن الْعَافِيَة الناصرية قد

стр. 1142

استفاضت أَخْبَارهَا وفاضت أنوارها وآثارها وَوَلَّتْ الْعلَّة وَللَّه الْحَمد وأطفئت نارها وانجلى غبارها وخمد شِرَارهَا وَمَا كَانَت إِلَّا فلتة وقى الله شَرها وعظيمة كفي الْإِسْلَام أمرهَا ونوبة امتحن الله بهَا نفوسنا فَرَأى أقل مَا عندنَا صبرها وَمَا كَانَ الله لِيُضيع الدُّعَاء وَقد أخلصته الْقُلُوب وَلَا ليوقف الْإِجَابَة وَإِن سدت طريقها الذُّنُوب وَلَا ليخلف وعد فرج وَقد أيس الصاحب والمصحوب (نعي زَاد فِيهِ الدَّهْر ميما ... فَأصْبح بعد بؤساه نعيما) (وَمَا صدق النذير بِهِ لِأَنِّي ... رَأَيْت الشَّمْس تطلع والنجوما) وَقد اسْتقْبل مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك النَّاصِر الْعَافِيَة غضة جَدِيدَة والعزمة مَاضِيَة حَدِيدَة والنشاط إِلَى الْجِهَاد وَالْجنَّة مبسوطة الْبسَاط وَقد انْقَضى الْحساب وجزنا الصِّرَاط وعرضنا نَحن على الْأَهْوَال الَّتِي من خوفها كَاد الْجمل يلج فِي سم الْخياط وَمن كتاب آخر الْأَحْوَال بالحضرة مُسْتَقِيمَة وَالنعْمَة بالعافية عَظِيمَة عَظِيمَة والبقية الْمَوْهُوبَة من الْعُمر الناصري كَرِيمَة الْقيمَة عرف وَعرف النَّاس قدرهَا وَلزِمَ ولزموا شكرها فسيوف الْجِهَاد قد كَادَت تهتز فِي أغمادها وخيل الله قد كَادَت تنادي أَهلهَا ارْكَبِي لميعاد طرادها

стр. 1143

وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى مُبشر تأنيسه بِمَا استوحش مِنْهُ من الْقُرْآن وتطهيره مِمَّا استولى عَلَيْهِ من رِجْس الصلبان فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة وَمن توفّي فِيهَا من الْأَعْيَان قَالَ الْعِمَاد فِي هَذِه السّنة توفيت الخاتون العصمية بِدِمَشْق فِي ذِي الْقعدَة وَهِي عصمَة الدّين ابْنة معِين الدّين أنر وَكَانَت فِي عصمَة الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ فَلَمَّا توفّي وَخَلفه السُّلْطَان بِالشَّام فِي حفظ الْبِلَاد ونصرة الْإِسْلَام تزوج بهَا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَهِي من أعف النِّسَاء وأعصمهن وأجلهن فِي الصيانة وأحزمهن مستمسكة من الدّين بالعروة الوثقى وَلها أَمر نَافِذ ومعروف وصدقات ورواتب للْفُقَرَاء وإدرارات وَبنت للفقهاء والصوفية بِدِمَشْق مدرسة ورباطا قلت وَكِلَاهُمَا ينْسب إِلَيْهَا فالمدرسة دَاخل دمشق بمحلة حجر الذَّهَب قريب الْحمام الشركسي والرباط خَارج بَاب النَّصْر رَاكب على نهر باناس فِي أول الشّرف القبلي وَأما مَسْجِد خاتون فِي آخر الشّرف القبلي من الغرب فَهُوَ مَنْسُوب إِلَى خاتون أُخْرَى قديمَة تقدم ذكرهَا

стр. 1144

وَهِي زمرد بنت جاولي أُخْت الْملك دقاق لأمه وَزوج زنكي وَالِد نور الدّين ﵏ قَالَ الْعِمَاد وَذَلِكَ سوى وقوفها على معتقيها وعوارفها وأياديها وَكَانَ السُّلْطَان حِينَئِذٍ بحران فِي بَحر الْمَرَض وبحرانه وعنف الْأَلَم وعنفوانه فَمَا أخبرناه بوفاتها خوفًا من تزايد علته وتوقد غَلَّته وَهُوَ يَسْتَدْعِي فِي كل يَوْم درجا وَيكْتب إِلَيْهَا كتابا طَويلا ويلقي على ضعفه من تَعب الْكِتَابَة والفكر حملا ثقيلا حَتَّى سمع نعي نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه ابْن عَمه فنعيت إِلَيْهِ الخاتون وَقد تعدت عَنهُ إِلَيْهِمَا الْمنون وَكَانَت وَفَاة نَاصِر الدّين بحمص فِي تَاسِع ذِي الْحجَّة فَجْأَة من غير مرض وأجرى السُّلْطَان أَسد الدّين شيركوه وَلَده على مَا كَانَ لوالده ومقابلته بِأَحْسَن عوائده قلت وقبر الخاتون الْمَذْكُورَة فِي التربة المنسوبة إِلَيْهَا بسفح جبل قاسيون قبلي الْمقْبرَة الشركسية وَأما نَاصِر الدّين فنقلته زَوجته ابْنة عَمه سِتّ الشَّام بنت أَيُّوب فدفنته فِي مقبرتها بمدرستها بالعوينة فَهُوَ الْقَبْر الْأَوْسَط بَين قبرها وقبر أَخِيهَا ﵏ وَكَانَت سِتّ الشَّام كَثِيرَة الْمَعْرُوف وَالْبر وَالصَّدقَات وَكتب الْفَاضِل إِلَى تَقِيّ الدّين ورد الْخَبَر عَشِيَّة يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي

стр. 1145

عشر من ذِي الْحجَّة من حمص بِأَنَّهُ لما كَانَ عَشِيَّة يَوْم الْأَحَد وَقت الوقفة انْتقل إِلَى رَحْمَة الله ورضوانه الْمولى الْأَجَل نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الْمولى أَسد الدّين رحمهمَا الله بِمَرَض حاد أعجل من لمح الْبَصَر ومرد النّظر فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَشَاهد الْمَمْلُوك كتابا من وَلَده أَسد الدّين شيركوه أَحْيَاهُ الله إِلَى كَاتب أَبِيه ﵀ يَقُول فِي وكتبته وَقد صَار فِي حفرته وَاسْتقر فِي قَبره فنسأل الله حسن الْمرجع وكفاية هول المطلع والمعونة على سَاعَة هَذَا المصرع ونشكر الله ثمَّ نشكره ونذكره بِأَحْسَن مَا يذكرهُ بِهِ من يذكرهُ إِذْ وقى النَّفس الْكَرِيمَة الْعَالِيَة الشَّرِيفَة الناصرية وَقدم قبلهَا من لَا يسره التَّقَدُّم بَين يَدَيْهِ وَجعل الله أَنْفُسنَا فداها فَإِن تِلْكَ نعْمَة علينا كَمَا هِيَ نعْمَة عَلَيْهِ وَلَا فرق الله لهَذَا الْبَيْت شملا وَلَا قضب لَهُ حبلا وَأعظم الله أجر الْملك المظفر فِي ابْن عَمه وأمتعه بِبَقَاء عَمه وأعاذه من مُقَابلَة مَقْدُور الله بهمه وهمه فَلَيْسَ إِلَّا التَّسْلِيم لما لَا يَسْتَطِيع الْخلق لَهُ دفعا وتفويض أَمر هَذِه الْأَنْفس إِلَيْهِ تَعَالَى فَإنَّا لَا نملك لَهَا ضرا وَلَا نفعا ولخوف الْمَمْلُوك أَن يلتبس الْخَبَر فِي مطالعه ويحرف الْكَلم عَن موَاضعه عجل بالإنهاء والإشعار وَسبق بِمَا لَا يسره السَّبق بِهِ من هَذِه الْأَخْبَار قَالَ الْعِمَاد وفيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي أَخُو الخاتون الْمَذْكُورَة سعد الدّين مَسْعُود بن أنر وَنحن قد فتحنا ميافارقين بهَا وَلَقَد كَانَ من الأكارم الأكابر وَمن ذَوي المآثر والمفاخر وَمَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ خلقا وأزكى عرقا وَلم يزل فِي الدولتين النورية والصلاحية أَمِيرا مقدما وعظيما مكرما ولسفور فضائله ووفور فواضله وجد شهامته وحد صرامته رغب

стр. 1146

السُّلْطَان وَهُوَ زوج أُخْته أَن يكون هُوَ أَيْضا زوج أُخْته فَزَوجهُ بِالَّتِي تزَوجهَا مظفر الدّين كوكبري بعده قلت وَهِي ربيعَة خاتون بنت أَيُّوب عمرت إِلَى أَن توفيت بِدِمَشْق بدار أَبِيهَا وَهِي دَار العقيقي فِي شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وست مئة وَهِي آخر أَوْلَاد أَيُّوب لصلبه موتا وَكَانَ يحترمها الْمُلُوك من أَوْلَاد أخوتها وَأَوْلَادهمْ ويزورونها فِي دارها قَالَ وفيهَا توفّي الْأَمِير عز الدّين جاولي وَهُوَ من أكَابِر الْأُمَرَاء وَله مَوَاقِف حميدة فِي الهيجاء ومقامات فِي الْغُزَاة حَقِيقَة بالثناء وَهُوَ أكبر أَمِير للأسدية وَلم يزل فِي الهيجاء يحسن بلاؤه وَيصدق غناؤه وَلما عدنا بعد فتح ميافارقين إِلَى الْموصل طرقه الْبلَاء فِي طَرِيقه قفز بحصانه بعض السواقي فعثر بِهِ وانكسرت رجله ثمَّ عملت عَلَيْهِ قدمه وَاشْتَدَّ ألمه وَطَالَ بِهِ سقمه وانتقل إِلَى دمشق وَتُوفِّي بهَا فِي آخر هَذِه السّنة أَو فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَلَقَد فجع الْإِسْلَام مِنْهُ بذمر مشيح لذمار الْكفْر مُبِيح قَالَ وفيهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن رَمَضَان قتل بآمد وَزِير ابْن قرا أرسلان وَهُوَ قوام الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن سماقة قتلته مماليك مخدومه غيلَة وتمحلوا لَهُ فِي مباغتته بِالْقَتْلِ حِيلَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ جَالِسا فِي ديوانه

стр. 1147

وإيوانه متصدرا بمكانته فِي مَكَانَهُ وَعِنْده الأكابر والأماثل فَدخل عَلَيْهِ وَاحِد مِنْهُم وَقَالَ لَهُ الْملك يَدْعُوك وَحدك فَقَامَ فَدخل الدهليز وَقد أغلق الْبَاب الَّذِي يصل مِنْهُ إِلَى الْأَمِير وأغلق وَرَاءه الْبَاب الآخر وقتلوه ثمَّ أخرجُوا الصّلاح من حَبسه وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء الأكابر فَقتل أُولَئِكَ القاتلين وَكَانُوا بِهِ واثقين قَالَ وفيهَا توفّي الْفَقِيه مهذب الدّين عبد الله بن أسعد الْموصِلِي بحمص وَكَانَ الْمدرس بهَا وَكَانَ عَلامَة زَمَانه فِي علمه ونسيج وَحده فِي نظمه وَقد أوردت من شعره فِي صدر الْكتاب مَا يسْتَدلّ بِهِ على فَضله وَأَنه مِمَّن عقم الدَّهْر بِمثلِهِ واشتريت كتبه بأغلى الْأَثْمَان وَلكم أخرج بحره قلائد اللُّؤْلُؤ والمرجان قَالَ وَفِي هَذِه السّنة رد السُّلْطَان قلعتي الرها وحران إِلَى مظفر الدّين كوكبوري بن زين الدّين لتوفره فِي الْخدمَة على حفظ القوانين وَظهر مِنْهُ كل مَا حقق بِهِ الِاسْتِظْهَار وَأوجب لأَمره الإمرار وَرغب فِي مصاهرة السُّلْطَان وقلده طوق الامتنان قَالَ وَكَانَ السُّلْطَان قد سكنت نَفسه بالْمقَام وَأَرَادَ أَن تكون حركته بعد استكمال السّكُون وَعِنْده أَوْلَاده الأصاغر وَالْملك الْعَزِيز وَالْملك

стр. 1148

الظَّاهِر بِدِمَشْق وَالْأَفْضَل بِمصْر فَلَمَّا ورد نعي الخاتون وناصر الدّين وخلا شبله أَسد الدّين بعده فِي العرين وَخيف على بِلَاده لصِغَر أَوْلَاده واحتيج أَيْضا إِلَى الِاحْتِيَاط على مَا فِي خزائنه واستخراج دفائنه وَكَذَلِكَ الخاتون خلفت أملاكا وتراثا وأوقافا وأمتعة وأثاثا لم يكن من الْحَرَكَة بُد وَقدم الْكتب إِلَى الْبِلَاد بِمَا صمم عَلَيْهِ عزمه وأجرى بِهِ حكمه وَأمر بالاستعداد لترقب الاستدعاء ووصاهم فِي سَائِر الْمَقَاصِد والأنحاء وَكتب إِلَى ولد نَاصِر الدّين قد عرفنَا الْمُصَاب بوالده ﵀ وَأعظم أجرنا وأجره فِيهِ وَإِن مضى لسبيله فولدنا أَسد الدّين أَحْيَاهُ الله نعم الْخلف الصَّالح وَإِن انْتقل وَالِده إِلَى دَار الْبَقَاء فَهُوَ فِي مَكَانَهُ المستقر من الْمجد والْعَلَاء والولايات والبلاد والمعاقل بَاقِيَة عَلَيْهِ مسلمة إِلَيْهِ مقررة فِي يَدَيْهِ وَمَا مضى من وَالِده ﵀ إِلَّا عينه وولدنا قُرَّة الْعُيُون وَبِه اسْتِقْرَار السّكُون وَالْحَمْد لله الَّذِي جبر بِهِ كسر الْمُصَاب وألبسنا وإياه ثوب الثَّوَاب فليشرح ولدنَا صَدره وَلَا يشغل سره وَيعرف خواصه وَأَصْحَابه وولاته ونوابه بحمص والرحبة وَغَيرهمَا أَنهم باقون على عَادَتهم وَكَانَ الْمَنْدُوب إِلَيْهِ القَاضِي نجم الدّين أَبُو البركات بن الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون وَلم يُفَارق الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة فِي هَذِه السّنة قَالَ وَفِي هَذِه السّنة لما كُنَّا على ميافارقين وَقد فتحناها ورد للسُّلْطَان مِثَال شرِيف إمامي ناصري بتفويض ولَايَة ماردين والحصن وَهُوَ

стр. 1149

حصن كيفا والعلامة الشَّرِيفَة الناصرية فِي ثَانِي سطره بالقلم الشريف النَّاصِر الله قلت وفيهَا فِي جُمَادَى الأولى توفّي الْحَافِظ أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد الْمَدِينِيّ الْأَصْبَهَانِيّ مُحدث مَشْهُور لَهُ تصانيف كَثِيرَة وَفِي هَذِه السّنة توفّي بِمصْر فِي شعْبَان الشَّيْخ جمال الدّين أَبُو الْفَتْح أَبُو الثَّنَاء أَبُو مُحَمَّد مَحْمُود بن أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن المحمودي الْمَعْرُوف بِابْن الصَّابُونِي وَدفن بِسَارِيَة من القرافة ومولده بِبَغْدَاد سنة خمس مئة وجد أَبِيه لأمه شيخ الْإِسْلَام أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن الصَّابُونِي فِيهِ عرف بِابْن الصَّابُونِي وَكَانَ جده صحب السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه ونسبته بالمحمودي إِلَيْهِ وَدخل ابْن الصَّابُونِي هَذَا دمشق زمن الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ وَاجْتمعَ بِهِ وَنزل إِلَى زيارته وَسَأَلَهُ الْإِقَامَة بِدِمَشْق فَذكر لَهُ أَن قَصده زِيَارَة الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ بِمصْر فجهزه وسيره صُحْبَة الْأَمِير نجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين سنة سَار إِلَى وَلَده بِمصْر وَصَارَ بَينه وَبَينه صُحْبَة أكيدة ومحبة عَظِيمَة بِحَيْثُ أَنه مَا كَانَ يصبر عَنهُ سَاعَة وَاحِدَة

стр. 1150

وَأَقْبل عَلَيْهِ وَلما ملك وَلَده الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين ﵀ مصر لم يُمكنهُ من الْعود إِلَى الشَّام ووقف عَلَيْهِ وَقفا بالديار المصرية وعَلى عقبه وَهُوَ بَاقٍ بِأَيْدِيهِم إِلَى الْآن وقرأت بِخَط صَلَاح الدّين ﵀ مَا كتبه فِي حَقه إِلَى أَخِيه الْملك الْعَادِل لما كَانَ نَائِبه بِمصْر الْأَخ الْأَجَل الْملك الْعَادِل أدام الله دولته غير خَافَ عَنهُ قَضِيَّة الْوَقْف الَّذِي أوقفهُ الْوَالِد نجم الدّين تغمده الله برحمته ورضوانه على الشَّيْخ الْفَقِيه ابْن الصَّابُونِي وَأَنه لما جرى لَهُ من الْمُخَاصمَة مَعَ الشَّيْخ الْفَقِيه نجم الدّين يَعْنِي الخبوشاني مَا جرى اقْتَضَت الْمصلحَة لتسكين الْفِتْنَة وَقطع الْكَلَام انْتِقَاله إِلَى مَوضِع غَيره لنقطع الْفِتْنَة وَالْخُصُومَة بَينهم بأمرنا إِلَيْهِ مَعَ بَقَاء الْوَقْف فِي تصرفه وَتصرف من عِنْده من الْفُقَهَاء وَالْأَخ الْأَجَل الْملك الْعَادِل يتَقَدَّم بمراعاته وَحفظ جَانِبه وتمكينه من التَّصَرُّف فِي الْوَقْف الْمشَار إِلَيْهِ وَمنع من يَعْتَرِضهُ فِيهِ بِوَجْه من وُجُوه التأويلات وحسم مَادَّة الشكوى مِنْهُ مِمَّن يتَعَدَّى عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وقرأت بِخَط الشَّيْخ عمر الملاء الْموصِلِي ﵀ كتابا كتبه إِلَى ابْن الصَّابُونِي هَذَا بشيراز يطْلب مِنْهُ فِيهِ الدُّعَاء ويصف حَاله أَوله أَخُوهُ عمر بن مُحَمَّد الملاء يَقُول فِيهِ وَبعد فَالَّذِي يتطلع إِلَيْهِ من معرفَة أحوالي فجملتها خير وسلامة غارق فِي بحار النعماء ومغمور فِي هواطل الآلاء

стр. 1151

غير أَن أَيدي الْبلوى بِالنعَم ترفعني تَارَة إِلَى مقَام الصديقين وتضعني تَارَة أُخْرَى إِلَى مقامات المتخلفين وَمَعَ هَذَا فَطلب النجَاة لَا يفتر وَالْحَرَكَة فِي طلب الْفَوْز لَا تسكن والعمر يَنْقَضِي بالعنا والمنى وَمَا أشبه حَالي بِحَال الْقَائِل (آمل فِي يومي إِدْرَاك المنى ... حَتَّى إِذا ولى تمنيت غَدا) (لَا وطرا أَقْْضِي من الدُّنْيَا وَلَا ... أفعل لِلْأُخْرَى فعال السعدا) (والعمر يمْضِي بَين هَاتين فَلَا ... ضَلَالَة خَالِصَة وَلَا هدى) يَا أخي مَا أَخْبَرتك بأحوالي هَذِه إِلَّا رَجَاء أَن تتحرك همتك لي بالشفقة والرأفة فتدعو الله لي بقلب حَاضر منور بِنور الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة ويؤمن على دعائك من حضر من السَّادة الأخوان وَتقول اللَّهُمَّ عَبدك الضَّعِيف عمر بن مُحَمَّد الملاء يَدْعُوك وَيَقُول (لَا تهني بعد إكرامك لي ... فشديد عَادَة منقطعه) وَقد توسل بِنَا إِلَيْك نَسْأَلك أَن تبلغه آماله وَأَن تحييه حَيَاة السُّعَدَاء وَأَن تميته موت السُّعَدَاء وتحشره فِي زمرة السُّعَدَاء وَأَن تجْعَل خير عمره آخِره وَخير أَعماله خواتيمها وَخير أَيَّامه يَوْمًا يلقاك فِيهِ

стр. 1152

ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة قَالَ الْعِمَاد فَرَحل السُّلْطَان إِلَى الشَّام وودع مظفر الدّين صَاحب حران من الْفُرَات ورحل صوب حلب والعادل صَاحبهَا على الْمُقدمَة وَقد هيأ أَسبَاب التكرمة فوصل حلب فِي الْعشْر الْأَوْسَط من الْمحرم ثمَّ رتب الْعَادِل فِي حلب نوابه وَصَحب السُّلْطَان فوصلوا حماة وفيهَا نَائِب تَقِيّ الدّين نَاصِر الدّين منكورس بن نَاصح الدّين خمارتكين وَهُوَ صَاحب بوقبيس وَقد جمع النهضة وَالْأَمَانَة ثمَّ وصل السُّلْطَان إِلَى حمص وَقرر أَمر الْمُجَاهِد أَسد الدّين أبي الْحَارِث شيركوه بن نَاصِر الدّين وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك ثَلَاث عشرَة سنة سَمَّاهُ أَبوهُ باسم جده ولقبه بلقبه وَكتب لَهُ منشورا بِمَا قرر عَلَيْهِ من الْبِلَاد وَذَلِكَ حمص وسلمية وتدمر ووادي بني حُصَيْن والرحبة وزلبيا وَكتب منشورا آخر بِإِسْقَاط المكوس بالرحبة وَفِيه وَهَذَا دأب السُّلْطَان فِي جَمِيع الْبِلَاد اقْتصر مِنْهَا على الرسوم الَّتِي يبيحها الشَّرْع وَهِي الْخراج والأجور وَالزَّرْع وَاعْتمد على الْأَمِير الْحَاجِب بدر الدّين إِبْرَاهِيم بن شروه الهكاري فِي ولَايَة قلعة حمص ثمَّ نَقله إِلَى قلعة حلب فَبَقيَ واليا بهَا سِتّ سِنِين ورتبه الْعَزِيز فِي آخر عهد السُّلْطَان بقوص قَالَ ورتب السُّلْطَان مَعَ أَسد الدّين بحمص أَمِيرا من الأَسدِية يعرف بأرسلان بوغا فقدمه على أَصْحَابه بتولي مصَالح بَابه حَتَّى تفرد الْأسد

стр. 1153

بِالْأَمر لسداده وَبلغ مدى رشاده ونعت بِالْملكِ الْمُجَاهِد ونهض بمحامل المحامد قَالَ وأقمنا بحمص حَتَّى استعرضنا خَزَائِن نَاصِر الدّين وَقَسمنَا مِيرَاثه وَكَانَت أُخْت السُّلْطَان الحسامية زَوْجَة نَاصِر الدّين وَهِي مُسْتَحقَّة الثّمن وَالْبَاقِي بَين الْبِنْت وَالِابْن وَخلف عينا وورقا مجتمعا ومفترقا ومبلغ التراث فِي الْملك وَالْعين والأثاث عظم أَن يقدر بِمِقْدَار وأناف على ألف ألف دِينَار فَمَا أَعَارَهُ السُّلْطَان طرفه بل تَركه على أهل التَّرِكَة قَالَ وَلما شاع بِدِمَشْق خبر دنونا احتفل أَهلهَا وَاجْتمعَ بالمسار شملها وطلعت أعيانها ونبعت عيونها ووافت أبكارها وعونها وَظهر مكنونها ومخزونها وترامت إِلَيْنَا ثمراتها ومكرماتها سهولها وحزونها ودخلنا الْمَدِينَة وزينة الدُّنْيَا خَارِجَة وسكينة النعمى فارجة ودمشق كالهدي مزفوفة وبالهدى محفوفة وبالحسن مَوْصُوفَة وَكَانَ النَّاس قد ساءهم خبر الْمَرَض فسرهم عيان السَّلامَة وأسهرهم الْهم للإشفاق فراجعوا للشفاء كرى الْكَرَامَة وَمَا ألذ الرَّجَاء بعد الإبلاس والثراء غب الإفلاس والأمل عقيب الياس وَأَنَّهُمْ ظفروا فِي حَالَة الإيحاش بالإيناس وأمنوا بمشاهدة الْأَنْوَار السُّلْطَانِيَّة حنادس الوسواس وَاجْتمعَ السُّلْطَان فِي القلعة بأَهْله وأقلع المرجف عَن جَهله وَحسنت الْأَحْوَال وَأمنت الْأَهْوَال وشاهدنا الْفضل وَالْكَرم بِالْمُشَاهَدَةِ الْفَاضِلِيَّةِ الْكَرِيمَة وعدنا إِلَى

стр. 1154

عَادَة السَّعَادَة الْقَدِيمَة وَاجْتمعَ السُّلْطَان بِهِ فبثه أسراره واستزال بصفو رَأْيه أكداره وَدخل جنته وجنى ثماره وزاره مرّة واستزاره وراجعه فِي مصَالح دولته واستشاره وَجلسَ السُّلْطَان فِي دَار الْعدْل لكشف الْمَظَالِم وَبث المكارم وإحياء المعالم وَإِقَامَة مواسم المراسم وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَلما وجد السُّلْطَان نشاطا من مَرضه رَحل يطْلب جِهَة حلب وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا يَوْم الْأَحَد رَابِع عشر الْمحرم وَكَانَ يَوْمًا مشهودا لشدَّة فَرح النَّاس بعافيته ولقائه فَأَقَامَ بهَا أَرْبَعَة أَيَّام ثمَّ رَحل فِي ثامن عشره نَحْو دمشق فَلَقِيَهُ أَسد الدّين شيركوه بن مُحَمَّد بن شيركوه بتل السُّلْطَان وَمَعَهُ أُخْته وَقد صَحبه خدمَة عَظِيمَة وَقرب زَائِدَة وَمن عَلَيْهِ بحمص وَأقَام أَيَّامًا يعْتَبر تَرِكَة أَبِيه ثمَّ سَار يطْلب جِهَة دمشق وَكَانَ دُخُوله إِلَيْهَا فِي ثَانِي ربيع الأول وَكَانَ يَوْمًا لم ير مثله فَرحا وسرورا فصل فِي ذكر مَا استأنفه السُّلْطَان بِمصْر وَالشَّام من نقل الولايات بَين أَوْلَاده قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ السُّلْطَان لملازمة أَخِيه الْعَادِل لَهُ قد مَال إِلَى رَأْيه

стр. 1155

وَكَانَ الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بِمصْر وَهُوَ وَلَده الْأَكْبَر وَقد بَدَأَ يظْهر وعَلى تجويد الْخط وَالْأَدب وَسَمَاع الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة يتوفر وَقد مَالَتْ إِلَيْهِ بِمصْر جمَاعَة وَله مِنْهُم طَاعَة وَرُبمَا نقم تَقِيّ الدّين النَّائِب هُنَاكَ من أحد أمرا فَوَقَعت مِنْهُ فِيهِ شَفَاعَة فَكتب يشكو من اختلال أمره واشتغال سره وَكَانَ فِي نفس السُّلْطَان أَن ينْقل وَلَده الْملك الْعَزِيز عُثْمَان إِلَى مصر ليَكُون عزيزها وليحرز مملكتها ويحوزها وَهُوَ مفكر فِي طَرِيق تَدْبيره وَوجه تَقْرِيره حَتَّى بدا لَهُ نقل الْأَفْضَل إِلَى الشَّام فَكتب إِلَيْهِ يتشوقه ويستدعيه بِجَمِيعِ أَهله وجماعته ووالدته وحشمه وَأَصْحَابه فَخرج وَوصل دمشق يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى وَخرج السُّلْطَان لاستقباله وأنزله بالقلعة فِي دَار رضوَان وَكتب إِلَى تَقِيّ الدّين أَنه قد اسْتَقل أمره وَزَالَ عذره فابتهج بتفرده وخفي عَنهُ أَنه كَانَ فِي ذمَّة ولد السُّلْطَان وعصمته وَأَن تَمام حرمته بحرمته قَالَ وَلما وصلنا إِلَى دمشق كَانَ بهَا من أَوْلَاد السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر غَازِي غياث الدّين فزاره عَمه الْعَادِل وَهُوَ صهره وَقد اشْتَدَّ بمصاهرته ظَهره فَقَالَ لَهُ قد نزلت عَن حلب لَك وَأَنا قَانِع من أخي بإقطاع أَيْن كَانَ وألزم الْخدمَة وَلَا أُفَارِق السُّلْطَان فاطلبها من أَبِيك إِن كَانَت ترضيك وَجَاء إِلَى السُّلْطَان وَقَالَ هَذِه حلب مَعَ رغبتي فِيهَا ومحبتي لتوليها أرى أَن أحد أولادك بهَا أَحَق وَهَذَا ولدنَا الْملك الظَّاهِر أحب أَن أوثره بهَا فَقَالَ السُّلْطَان المهم الْآن تَدْبِير أَمر وَلَدي الْملك الْعَزِيز فَإِن مصر لَا بُد أَن يكون لي بهَا ولد أعْتَمد عَلَيْهِ وَأسْندَ ملكهَا إِلَيْهِ ورحل إِلَى الزَّرْقَاء

стр. 1156

وَمَعَهُ ولداه الْعَزِيز وَالظَّاهِر وَأَخُوهُ الْعَادِل فالتمس الْعَادِل عوض حلب بلادا عينهَا ونواحي بِمصْر بَينهَا وَكَانَ قد مَال الْملك الْعَزِيز إِلَيْهِ لإشفاقه عَلَيْهِ فَسَأَلَ أَبَاهُ أَن يسير مَعَه الْعَادِل فَإِنَّهُ نعم الْكَافِي الكافل فَأعْطَاهُ السُّلْطَان بِمصْر الْبِلَاد الْمَعْرُوفَة بالشرقية وَاعْتمد عَلَيْهِ فِي نيابته فِي سَائِر الممالك المصرية وَلما سمع تَقِيّ الدّين هَذَا الْخَبَر نبا وَنَفر وذم الْغَيْر واستبدل من الصفو الكدر وغار من تغير الرَّأْي فِيهِ وَإِذا تولى أَبُو بكر فَلَا عمر فَعبر إِلَى الجيزة مظْهرا أَنه يمْضِي إِلَى بِلَاد الْمغرب ليملكها وَكتب وَسَأَلَ السُّلْطَان أَن لَا يمنعهُ من سلوك مسلكها وسمت همته إِلَى مملكة جَدِيدَة وأقاليم ذَات ظلال مديدة وبلاد وَاسِعَة ومدن شاسعة وَقد كَانَ أحد مماليكه الْمَعْرُوف بقراقوش قد جمع من قبل الجيوش وَسَار إِلَى بِلَاد برقة فملكها وهدته الأمنية إِلَى النفائس من بِلَاد نفوسة فأدركها وَتجَاوز إِلَى إفريقية وَهُوَ يكْتب أبدا إِلَى مَالِكه الْملك المظفر يرغبه فِي تِلْكَ المملكة وَيَقُول إِن الْبِلَاد سائبة فَلَمَّا تجدّد لتقي الدّين مَا تجدّد وتمهد لِعَمِّهِ الْعَادِل مَا تمهد عَاد لَهُ ذكر الْمغرب فَعبر بعسكره ومالت إِلَيْهِ عَسَاكِر مصر لبذله وَقدم مَمْلُوكه يوزبا فِي الْمُقدمَة فَلَمَّا انْتهى إِلَى السُّلْطَان خبر عزمه قَالَ لعمري إِن فتح الْمغرب مُهِمّ لَكِن فتح الْبَيْت الْمُقَدّس أهم والفائدة بِهِ أتم والمصلحة مِنْهُ أخص وأعم وَإِذا توجه تَقِيّ الدّين واستصحب مَعَه رجالنا الْمَعْرُوفَة ذهب الْعُمر

стр. 1157

فِي اقتناء الرِّجَال وَإِذا فتحنا الْقُدس والساحل طوينا إِلَى تِلْكَ الممالك المراحل وَعلم لجاج تَقِيّ الدّين فِي ركُوب تِلْكَ اللجة فَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالقدوم عَلَيْهِ وجهز وَلَده الْعَزِيز إِلَى مصر وَقرر لَهُ قوص وأعمالها وَسَار وَمَعَهُ عَمه الْعَادِل فدخلا الْقَاهِرَة فِي خَامِس شهر رَمَضَان وَأما الْملك الظَّاهِر فسيره السُّلْطَان إِلَى حلب وأنعم عَلَيْهِ بهَا وبسائر قلاعها وأقاليمها وَندب مَعَه الْحَاجِب شُجَاع الدّين عِيسَى بن بلاشو وَعَاد السُّلْطَان وَمَعَهُ الْأَفْضَل وَقدم تَقِيّ الدّين فِي آخر شعْبَان وتلقاه السُّلْطَان وخيم على الْمصْرِيّ فَوق قصر أم حَكِيم فَلَمَّا قرب ركب إِلَى موكبه ورحب بِهِ وَدخل دمشق وَعَاد إِلَى مَا كَانَ لَهُ من الْبِلَاد حماة ومنبج والمعرة وَسَائِر أَعمالهَا ثمَّ أضَاف إِلَيْهِ ميافارقين وَجَمِيع مَا فِي ذَلِك الإقليم من المعاقل وَكتب إِلَى مصر باستدعاء رِجَاله وإعلامهم بِتَأْخِير عزم الْمغرب بل إِبْطَاله فامتثلوا الْأَمر وفارقوا إِلَى الشَّام مصر سوى مَمْلُوكه زين الدّين يوزبا فَإِنَّهُ رتب لَهُ عسكرا إِلَى الْمغرب فَمضى واستصحبه وَغلب على بِلَاد إفريقية ثمَّ قَصده صَاحب الْمغرب فَأَخذه مأسورا ثمَّ أغزاه مَعَ الغز فِي ثغر من الثغور فألفاه مَشْهُورا مشكورا فقدمه عَلَيْهِم

стр. 1158

قلت وَكتب الْفَاضِل إِلَى تَقِيّ الدّين سَبَب هَذِه الْخدمَة مَا اتَّصل بالمملوك من تردد رسائل مَوْلَانَا فِي التمَاس السّفر إِلَى الْمغرب والدستور إِلَيْهِ (يَكْفِي الزَّمَان فمالنا نستعجل ...) يَا مَوْلَانَا مَا هَذَا الْوَاقِع الَّذِي وَقع وَمَا هَذَا الْغَرِيم من الْهم الَّذِي مَا انْدفع بالْأَمْس مَا كَانَ لكم من الدُّنْيَا إِلَّا الْبلْغَة وَالْيَوْم قد وهب الله هَذِه النِّعْمَة وَقد كَانَ الشمل مجموعا والهم مَقْطُوعًا مَمْنُوعًا أفتصبح الْآن الدُّنْيَا ضيقَة علينا وَقد وسعت والأسباب بِنَا مَقْطُوعَة وَلَا وَالله مَا انْقَطَعت يَا مَوْلَانَا إِلَى أَيْن وَمَا الْغَايَة وَهل نَحن فِي ضائقة من عَيْش أَو فِي قلَّة من عدد أَو فِي عدم من بِلَاد أَو فِي شكوى من عدم كَيفَ نَخْتَار على الله وَقد اخْتَار لنا وَكَيف ندبر لأنفسنا وَهُوَ دبر لنا وَكَيف ننتجع الجدب وَنحن فِي دَار الخصب وَكَيف نعدل إِلَى حَرْب الْإِسْلَام الْمنْهِي عَنْهَا وَنحن فِي الْمَدْعُو إِلَيْهَا من حزب أهل الْحَرْب معاشر الخدام والجلساء وأرباب الْعُقُول والآراء ﴿أَلَيْسَ مِنْكُم رجل رشيد﴾ (تعقب الرَّأْي وَانْظُر فِي أواخره ... فطالما اتهمت قدما أَوَائِله) لَا زَالَ مَوْلَانَا يمْضِي الآراء صائبة ويلحظها بادية وعاقبة وَلَا خلت مِنْهُ دَار إِن خلت فهيهات أَن تعمر وَلَا عدمته أَيَّام إِن لم تطلع فِيهَا شمس وَجهه دخلت فِي عداد اللَّيَالِي فَلم تذكر

стр. 1159

وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَفِي سَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وصل الْملك الْأَفْضَل إِلَى دمشق وَلم يكن رأى الشَّام قبل ذَلِك وَكَانَ السُّلْطَان رأى رواح الْملك الْعَادِل إِلَى مصر فَإِنَّهُ كَانَ آنس بأحوالها من الْملك المظفر فَمَا زَالَ يفاوضه فِي ذَلِك وَهُوَ على حران مَرِيض وَحصل ذَلِك فِي نفس الْعَادِل فَإِنَّهُ كَانَ يحب الديار المصرية فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان إِلَى دمشق وَمن الله بعافيته سير يطْلب الْعَادِل إِلَى دمشق فَخرج من حلب جَرِيدَة وَأقَام بِدِمَشْق فِي خدمَة السُّلْطَان يجْرِي بَينهمَا أَحَادِيث ومراجعات فِي قَوَاعِد تقرر إِلَى جُمَادَى الْآخِرَة فاستقر عود الْعَادِل إِلَى مصر وَيسلم بِلَاد حلب إِلَى الْملك الظَّاهِر وَسلم السُّلْطَان إِلَيْهِ وَلَده الْملك الْعَزِيز وَجعله أتابكه قَالَ وَلَقَد قَالَ لي الْملك الْعَادِل لما اسْتَقَرَّتْ هَذِه الْقَاعِدَة اجْتمعت بِخِدْمَة الْملك الْعَزِيز وَالْملك الظَّاهِر وَجَلَست بَينهمَا وَقلت للعزيز اعْلَم يَا مولَايَ أَن السُّلْطَان قد أَمرنِي أَن أَسِير فِي خدمتك إِلَى مصر وَأَنا أعلم أَن المفسدين كثير وَغدا فَمَا يَخْلُو مِمَّن يَقُول عني مَا لَا يجوز ويخوفك مني فَإِن كَانَ لَك عزم تسمع فَقل لي حَتَّى لَا أجيء فَقَالَ لَا أسمع وَكَيف يكون ذَلِك ثمَّ الْتفت وَقلت للْملك الظَّاهِر أَنا أعرف أَن أَخَاك رُبمَا سمع فِي أَقْوَال المفسدين وَأَنا فَمَالِي إِلَّا أَنْت وَقد قنعت مِنْك بمنبج مَتى ضَاقَ صَدْرِي من جَانِبه فَقَالَ مبارك وَذكر كل خير ثمَّ إِن السُّلْطَان سير وَلَده الظَّاهِر إِلَى حلب وأعادها إِلَيْهِ وَكَانَ ﵀ يعلم أَن حلب هِيَ أصل الْملك وجرثومته وقاعدته وَلِهَذَا دَاب

стр. 1160

فِي طلبَهَا ذَلِك الدأب وَلما حصلت أعرض عَمَّا عَداهَا من بِلَاد الشرق وقنع مِنْهُم بِالطَّاعَةِ والمعونة على الْجِهَاد فسلمها إِلَيْهِ علما مِنْهُ بحذاقته وحزمه وَحفظه فَسَار إِلَيْهَا حَتَّى أَتَى الْعين الْمُبَارَكَة وسير فِي خدمته شحنة حسام الدّين بِشَارَة وواليا شُجَاع الدّين عِيسَى بن بلاشو وَنزل يَوْم الْجُمُعَة بِالْعينِ الْمُبَارَكَة وَخرج النَّاس إِلَى لِقَائِه بكرَة يَوْم السبت تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة وَصعد القلعة ضاحي نَهَاره وَفَرح النَّاس بِهِ فَرحا شَدِيدا وَمد على النَّاس جنَاح عدله وأفاض عَلَيْهِم وابل فَضله وَأما الْملك الْعَزِيز والعادل فَإِن السُّلْطَان قرر حَالهمَا وَكتب إِلَى الْملك المظفر يُخبرهُ بمسيرهما إِلَى مصر ويأمره بالوصول إِلَى الشَّام فشق ذَلِك عَلَيْهِ حَتَّى ظهر للنَّاس وعزم على الْمسير إِلَى ديار الغرب إِلَى برقة فقبح ذَلِك عَلَيْهِ جمَاعَة من أكَابِر الدولة وعرفوه أَن عَمه السُّلْطَان يخرج من يَده فِي الْحَال وَالله يعلم مَا يكون مِنْهُ بعد ذَلِك فَرَأى الْحق يعين البصيرة وَأجَاب بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَسلم الْبِلَاد ورحل واصلا إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَسَار السُّلْطَان إِلَى لِقَائِه فَلَقِيَهُ بمرج الصفر وَفَرح بوصوله فَرحا شَدِيدا وَذَلِكَ فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان وَأَعْطَاهُ حماة وَسَار إِلَيْهَا وَكَانَ عقد بَين الظَّاهِر وَبَعض بَنَات الْعَادِل عقد نِكَاح فتمم ذَلِك وَدخل بهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان وَدخل الْملك الْأَفْضَل على زَوجته بنت نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه فِي شَوَّال من هَذِه السّنة وَمن كتاب فاضلي إِلَى السُّلْطَان الْملك الْعَادِل وَالْملك المظفر
следующие страницы →