← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(أَقَامَ يطوف الْآفَاق حينا ... وَأَنت على معاقله مُقيم) (فَسَار وَمَا يعادله مليك ... وَعَاد وَمَا يعادله سقيم) (إِذا خطرت سيوفك فِي نفوس ... فَأول مَا تفارقها الجسوم) وَله أَيْضا من قصيدة يمدح بهَا صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن أَيُّوب الْعِمَادِيّ التوتان صَاحب حماة (وَمَا جَاءَ كلب الرّوم إِلَّا ليحتوي ... حماة وَمَا يَسْطُو على الْأسد الْكَلْب) (أَرَادَ بهَا أَن يملك الشَّام عنْوَة ... وَقد غلبت عَنهُ الضراغمة الغلب) (وَمَا ذمّ فِيهَا الْعَيْش حَتَّى صدمته ... فَمَال جنَاح الْجَيْش وانكسر الْقلب) (فولى وأطراف الرماح كَأَنَّهَا ... نُجُوم عَلَيْهِ بالمنية تنصب) وَلابْن مُنِير من قصيدة فِي مدح أتابك زنكي ﵀ سَيَأْتِي بَعْضهَا عِنْد ذكر فَتحه لمدينة الرها إِن شَاءَ الله تَعَالَى (وَمَا يَوْم كلب الرّوم إِلَّا أَخُو الَّذِي ... أزحت بِهِ مَا فِي الجناجن من تبل) (أَتَاك بِمثل الرمل حشدا وَإنَّهُ ... ليفضل أضعافا كثيرا عَن الرمل) (فقاتلته بِاللَّه ثمَّ بعزمة ... تعل قُلُوب العاشقين بِمَا يسلي)

стр. 107

(توهم أَن الشَّام مرعى وَمَا درى ... بأنك أمضى مِنْهُ فِي الشزر والسحل) (فطار وَخير المغنمين ذماؤه ... إِذا رد عَنهُ مغنم المَال والأهل) قَالَ ابْن الْأَثِير وَمن عَجِيب مَا يحْكى فِي هَذِه الْحَادِثَة أَن الْخَبَر لما وصل بِقصد الرّوم شيزر قَالَ الْأَمِير مرشد بن عَليّ أَخُو صَاحبهَا وَهُوَ ينْسَخ مُصحفا فرفعه بِيَدِهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ بِحَق من أنزلته عَلَيْهِ إِن قضيت بمجيء الرّوم فاقبضني إِلَيْك فتوفى بعد أَيَّام وَنزل الرّوم بعد وَفَاته وَلما عَاد الرّوم إِلَى بِلَادهمْ نزل أتابك إِلَى حصن عرقة وَهُوَ من أَعمال طرابلس فحصره وفتحه عنْوَة وَنهب مَا فِيهِ واسر من بِهِ من الفرنج وأخربه وَعَاد سالما غانما وفيهَا ملك قلعة دَارا من حسام الدّين تمرتاش وفيهَا توفى بهاء الدّين عَليّ بن الْقَاسِم الشهرزوري قَاضِي الممالك الأتابكية وَكَانَ أعظم النَّاس منزلَة عِنْده وفيهَا ولد صَلَاح الدّين يُوسُف بن ايوب بتكريت

стр. 108

فصل فِي فتح شهرزور وبعلبك وحصار دمشق قَالَ ابْن الْأَثِير كَانَت شهرزور وأعمالها وَمَا يجاورها من الْبِلَاد وَالْجِبَال فِي يَد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني وَكَانَ مَالِكهَا نَافِذ الحكم على قاصي التركمان ودانيهم يرَوْنَ طَاعَته فرضا حتما فتحامى الْمُلُوك قصد ولَايَته وَلم يتَعَرَّضُوا لَهَا لحصانتها فَعظم شَأْنه وازداد جمعه فَلَمَّا كَانَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ بلغ الشَّهِيد أتابك عَنهُ مَا اقْتضى أَن يقْصد بِلَاده فَهزمَ عسكره وَملك بِلَاد شهرزور وَغَيرهَا فأضافها إِلَى بِلَاده واصلح أَحْوَال أَهلهَا وخفف عَنْهُم مَا كَانُوا يلقونه من التركمان وَعَاد إِلَى الْموصل عَازِمًا على الْمسير إِلَى الشَّام فَإِنَّهُ كَانَ لَا يرى الْمقَام بل لَا يزَال ظَاعِنًا إِمَّا لرد عَدو يَقْصِدهُ وَإِمَّا لقصد بِلَاد عَدو وَإِمَّا لغزو الفرنج وسد الثغور وَكَانَت مياثر السُّرُوج آثر عِنْده من وثير المهاد والسهر فِي حراسة المملكة أحب إِلَيْهِ من عرض الوساد وأصوات السِّلَاح ألذ فِي مسمعه من الْغناء لَا يجد لذَلِك كُله عناء وَفِي هَذِه السّنة وَهِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ ولد تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب بن شاذي وفيهَا سَار الشَّهِيد فِي جُنُوده بعد ملك شَهْرَزَوْرَ إِلَى مَدِينَة دمشق

стр. 109

فحصرها وصاحبها حِينَئِذٍ جمال الدّين مُحَمَّد بن بورى بن طغتكين وَكَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ وَالْغَالِب على أمره معِين الدّين أنر مَمْلُوك جده طغتكين وَكَانَ أتابك قد أَمر كَمَال الدّين أَبَا الْفضل بن الشهرزوري بمكاتبة جمَاعَة من مقدمي أحداثها وزناطرتها واستمالتهم وإطماعهم فِي الرغائب والصلات فَفعل ذَلِك فَأَجَابَهُ مِنْهُم خلق كثير إِلَى تَسْلِيم الْبَلَد وَخَرجُوا مُتَفَرّقين إِلَى كَمَال الدّين وجدد عَلَيْهِم العهود وتواعدوا يَوْمًا يزحف فِيهِ الشَّهِيد إِلَى الْبَلَد ليفتحوا لَهُ الْبَاب ويسلموا الْبَلَد إِلَيْهِ فَأعْلم كَمَال الدّين الشَّهِيد أتابك بذلك فَقَالَ لَا أرى هَذَا رَأيا فَإِن الْبَلَد ضيق الطرُق والشوارع وَمَتى دخل الْعَسْكَر إِلَيْهِ لَا يتمكنون من الْقِتَال فِيهِ لضيقه وَرُبمَا كثر الْمُقَاتِلُونَ لنا فنعجز عَن مقاومتهم لأَنهم يُقَاتلُون على الأَرْض والسطوحات وَإِذا دَخَلنَا الْبَلَد اضطررنا إِلَى التَّفَرُّق لضيق المسالك فيطمع فِينَا أَهله وَعَاد عَن ذَلِك الْعَزْم بحزمه وحذره وَمن الْعجب أَن مُحَمَّد بن بورى صَاحب دمشق توفّي وأتابك يحصره فضبط أنر الْأُمُور وساس الْبَلَد فَلم يتَغَيَّر بِالنَّاسِ حَال وَأرْسل إِلَى بعلبك فأحضر وَلَده مجير الدّين آبق بن مُحَمَّد بن بورى ورتبه فِي الْملك مَكَان أَبِيه فَمشى الْحَال بتمكين معِين الدّين أنر وَحسن تَدْبيره وَهَذَا مجير الدّين آبق هُوَ الَّذِي مِنْهُ أَخذ نور الدّين بن زنكي دمشق كَمَا سَيَأْتِي

стр. 110

وَلما دخل مجير الدّين دمشق أقطع بعلبك معِين الدّين أنر فَأرْسل إِلَيْهَا نَائِبه وتسلمها فَلَمَّا علم الشَّهِيد ذَلِك سَار إِلَى بعلبك وحصرها عدَّة شهور فملكها عنْوَة وَترك بهَا نجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين دزدارا وعزم على الْعود عَنْهَا إِلَى دمشق فَجَاءَتْهُ رسل صَاحبهَا ببذل الطَّاعَة وَالْخطْبَة فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَعَاد عَن قصد دمشق وَقد خطب لَهُ فِيهَا وَصَارَ أَصْحَابهَا فِي طَاعَته وَتَحْت حكمه قَالَ يحيى بن أَبى طي الْحلَبِي وَاتفقَ أَن الْأُمَرَاء لما نزلُوا من بعلبك أفسدوا ذخائرها فَقبض عَلَيْهِم أتابك زنكي وَقتل بَعضهم وصلبهم وَكَانَ ولى قَتلهمْ صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن أَيُّوب الياغبساني فَحكى أَنه أحضر إِلَيْهِ فِي جملَة الامراء شيخ مليح الشيبة وَمَعَهُ ولد لَهُ أَمْرَد كَأَنَّهُ فلقَة قمر فَقَالَ الشَّيْخ لصلاح الدّين سَأَلتك بحياة الْمولى أتابك إِلَّا صلبتني قبل وَلَدي لِئَلَّا أرَاهُ يعالج سَكَرَات الْمَوْت وَبكى وَكَانَ نجم الدّين أَيُّوب وَاقِفًا فرحم الشَّيْخ وَبكى وَسَأَلَ صَلَاح الدّين فِي إِطْلَاقه فَقَالَ مَا أفعل خوفًا من الْمولى أتابك فَذهب نجم الدّين إِلَى أتابك وَسَأَلَهُ فِي الشَّيْخ وَولده وقص عَلَيْهِ مَا قَالَه فَأذن بِإِطْلَاقِهِ وَإِطْلَاق من بَقِي من الْجَمَاعَة ووهبه نصف بعلبك وَقيل إِن نجم الدّين ورد على أتابك وَهُوَ قد ملك بعلبك فَسَأَلَهُ فِي الْأُمَرَاء فَأَطْلَقَهُمْ لَهُ وولاه بعلبك وَكتب لَهُ ثلثهَا ملكا وَاسْتقر فِيهَا هُوَ وَأَهله وَلم يزل بهَا إِلَى أَيَّام نور الدّين مَحْمُود بن زنكي فَأخْرجهُ مِنْهَا على مَا سَنذكرُهُ

стр. 111

ثمَّ إِن أتابك بعد ملكة بعلبك سَار إِلَى دمشق فَنزل الْبِقَاع فوردت هَدِيَّة صَاحب دمشق وَطلب الْعود وَيُعْطِيه خمسين ألف دِينَار وَيُعْطِيه حمص فَأَشَارَ نجم الدّين على زنكي بِقبُول ذَلِك وَقَالَ هَذَا مَال كثير وَقد حصل بِلَا تَعب وبلد كَبِير بِلَا عناء ودمشق بلد عَظِيم وَقد ألف أَهله هَذَا الْبَيْت وتمرنوا على سياستهم وَقد بلغتهم الْأَحْوَال الَّتِي جرت ببعلبك فَامْتنعَ زنكي من قبُول مَا أَشَارَ بِهِ ففاته ذَلِك وَلم يظفر بغرضه فصل ثمَّ سَار أتابك الشَّهِيد فِي هَذِه السّنة وَهِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ إِلَى بِلَاد الفرنج فَأَغَارَ عَلَيْهَا وَاجْتمعَ مُلُوك الفرنج وَسَارُوا إِلَيْهِ فَلَقِيَهُمْ بِالْقربِ من حصن بارين وَهُوَ للفرنج فَصَبر الْفَرِيقَانِ صبرا لم يسمع بِمثلِهِ إِلَّا مَا يحْكى عَن لَيْلَة الهرير وَنصر الله الْمُسلمين وهرب مُلُوك الفرنج وفرسانهم فَدَخَلُوا حصن بارين وَفِيهِمْ ملك الْقُدس لِأَنَّهُ كَانَ أقرب حصونهم واسلموا عدتهمْ وعتادهم وَكثر فيهم الْجراح ثمَّ سَار الشَّهِيد إِلَى حصن بارين فحصره حصرا شَدِيدا فراسلوه فِي طلب الْأمان ليسلموا ويسلموا الْحصن فَأبى إِلَّا أَخذهم قهرا فَبَلغهُ أَن من بالسَّاحل من الفرنج قد سَارُوا إِلَى الرّوم والفرنج يستنجدونهم وَينْهَوْنَ إِلَيْهِم مَا فِيهِ مُلُوكهمْ من الْحصْر فَجمعُوا وحشدوا وَأَقْبلُوا إِلَى السَّاحِل وَمن بالحصن لَا يعلمُونَ شَيْئا من ذَلِك لقُوَّة الْحصْر عَلَيْهِم فَأَعَادُوا مراسلته فِي طلب الْأمان

стр. 112

فأجابهم وتسلم الْحصن وَسَارُوا فلقيتهم أَمْدَاد النَّصَارَى فَسَأَلُوهُمْ عَن حَالهم فَأَخْبرُوهُمْ بِتَسْلِيم الْحصن فلاموهم وَقَالُوا عجزتم عَن حفظه يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ فَحَلَفُوا لَهُم إِنَّا لم نعلم بوصولكم وَلم يبلغنَا عَنْكُم خبر مُنْذُ حصرنا وَإِلَى الْآن فَلَمَّا عميت الْأَخْبَار عَنَّا ظننا أَنكُمْ قد أهملتم أمرنَا فحقنا دماءنا بِتَسْلِيم الْحصن قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ حصن بارين من أضرّ بِلَاد الفرنج على الْمُسلمين فَأن أَهله كَانُوا قد أخربوا مَا بَين حماة وحلب من الْبِلَاد ونهبوها وتقطعت السبل فأزال الله تَعَالَى بالشهيد ﵀ هَذَا الضَّرَر الْعَظِيم وَفِي مُدَّة مقَامه على حصن بارين سير جنده إِلَى المعرة وكفرطاب وَتلك الْولَايَة جَمِيعهَا فاستولى عَلَيْهَا وملكها وَهِي بِلَاد كَثِيرَة وقرايا عَظِيمَة قلت وَقد قَالَ القيسراني يذكر هزيمَة الفرنج ويمدح زنكي قصيدة أَولهَا (حذار منا وأنى ينفع الحذر ... وَهِي الصوارم لَا تبقي وَلَا تذر) (واين تنجو مُلُوك الشّرك من ملك ... من خيُله النَصُر لَا بل جُندُه الْقدر) (سلُّوا سيوفا كأغماد السيوف بهَا ... صالوا فماَ غمدوا نصلا وَلَا شهروا) (حَتَّى إِذا مَا عمادُ الدّين أرهقهم ... فِي مأزق من سناه يَبْرق الْبَصَر) (ولوا تضيق بهم ذرعا مسالكهم ... وَالْمَوْت لَا ملْجأ مِنْهُ وَلَا وزر) (وَفِي الْمسَافَة من دون النجَاة بهم ... طول وَإِن كَانَ فِي أقطارها قصر) (وَأصْبح الدّين لَا عينا وَلَا أثرا ... يخَاف وَالْكفْر لَا عين وَلَا أثر)

стр. 113

(فَلَا تخف بعْدهَا الإفرنج قاطبة ... فالقوم إِن نفروا ألوى بهم نفر) (إِن قَاتلُوا قُتِلوا أَو حَاربُوا حربوا ... أَو طاردوا طردوا أَو حاصروا حصروا) (وطالما استفحل الْخطب البهيم بهم ... حَتَّى أَتَى ملك آراؤه غرر) (وَالسيف مفترع أبكار أنفسهم ... وَمن هُنَالك قيل الصارم الذّكر) (لَا فَارَقت ظِلَّ محيى الْعدْل لامعة ... كالصبح تطوى من الْأَعْدَاء مَا نشرُوا) (ولآ انثنى النّصْرُ عَن أنصار دولته ... بِحَيْثُ كَانَ وَإِن كَانُوا بِهِ نصروا) (حَتَّى تعود ثغور الشَّام ضاحكة ... كَأَنَّمَا حل فِي أكنافها عمر) وَقَالَ ابْن مُنِير (فدتك الْمُلُوك وأيامها ... ودان لنقضك إبرامها) (وزلت لعينك أَقْدَامهَا ... وَزَالَ لبطشك إقدامها) (وَلَو لم تُسلم إِلَيْك الْقُلُوب ... هَواهَا لما صَحَّ إسْلَامهَا) (أيا محيى الْعدْل لما نعاه ... أيامي البرايا وأيتامها) (ومستنقذ الدّين من أمة ... أذال المحاريب أصنامها) (دلفت لَهَا تقتفيك الْأسود ... وَالْبيض والسمر آجامها) (جزرت جزيرتها بِالسُّيُوفِ ... حَتَّى تشاءمها شامها) (وَصَارَت عوارى أكنافه ... مَتى شِئْت أرخص مستامها) قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما وصل الرّوم والفرنج إِلَى الشَّام وَرَأَوا الْأَمر قد فَاتَ أَرَادوا جبر مصيبتهم بمنازلة بعض بِلَاد الْمُسلمين فنازلوا حلب وحصروها فَلم ير الشَّهِيد أَن يخاطر بِالْمُسْلِمين ويلقاهم لأَنهم كَانُوا فِي جمع عَظِيم فانحاز عَنْهُم وَنزل قَرِيبا مِنْهُم يمْنَع عَنْهُم الْميرَة ويحفظ أَطْرَاف

стр. 114

الْبِلَاد من انتشار الْعَدو فِيهَا والإغارة عَلَيْهَا وَأرْسل القَاضِي كَمَال الدّين بن الشهرزوري إِلَى السُّلْطَان مَسْعُود يُنْهِي إِلَيْهِ حَال الْبِلَاد وَكَثْرَة الْعَدو وَيطْلب مِنْهُ النجدة وإرسال العساكر فَقَالَ لَهُ كَمَال الدّين أَخَاف أَن تخرج الْبِلَاد من أَيْدِينَا وَيجْعَل السُّلْطَان هَذَا حجَّة وَينفذ العساكر فَإِذا توسطوا الْبِلَاد ملكوها فَقَالَ الشَّهِيد إِن هَذَا الْعَدو قد طمع فِي الْبِلَاد وَإِن أَخذ حلب لم يبْق بِالشَّام إِسْلَام وعَلى كل حَال فالمسلمون أولى بهَا من الْكفَّار قَالَ فَلَمَّا وصلت إِلَى بَغْدَاد وَأديت الرسَالَة وَعَدَني السُّلْطَان بإنفاذ العساكر ثمَّ أهمل ذَلِك وَلم يَتَحَرَّك فِيهِ بِشَيْء وَكتب الشَّهِيد إِلَى مُتَّصِلَة يحثني على الْمُبَادرَة بإنفاذ العساكر وَأَنا أخاطب فَلَا أزاد على الْوَعْد قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت قلَّة اهتمام السُّلْطَان بِهَذَا الْأَمر الْعَظِيم أحضرت فلَانا وَهُوَ فَقِيه كَانَ يَنُوب عَنهُ فِي الْقَضَاء فَقلت خُذ هَذِه الدَّنَانِير وفرقها فِي جمَاعَة من أوباش بَغْدَاد والأعاجم وَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وَصعد الْخَطِيب الْمِنْبَر بِجَامِع الْقصر قَامُوا وَأَنت مَعَهم واستغاثوا بِصَوْت وَاحِد وَا إسْلاماه وَا دين مُحمّدَاه وَيخرجُونَ من الْجَامِع ويقصدون دَار السلطنة مستغيثين ثمَّ وضعت إنْسَانا آخر يفعل مثل ذَلِك فِي جَامع السُّلْطَان فَلَمَّا كَانَت الْجُمُعَة وَصعد الْخَطِيب الْمِنْبَر قَامَ ذَلِك الْفَقِيه وشق ثَوْبه وَألقى عمَامَته عَن رَأسه وَصَاح وَتَبعهُ أُولَئِكَ النَّفر بالصياح والبكاء فَلم يبْق بالجامع إِلَّا من قَامَ يبكي وَبَطلَت الْجُمُعَة وَسَار النَّاس كلهم إِلَى دَار السُّلْطَان وَقد فعل أُولَئِكَ الَّذين بِجَامِع السُّلْطَان مثلهم فَاجْتمع أهل بَغْدَاد وكل من بالعسكر عِنْد دَار السُّلْطَان يَبْكُونَ ويصرخون ويستغيثون وَخرج الْأَمر عَن الضَّبْط وَخَافَ السُّلْطَان فِي دَاره وَقَالَ مَا الْخَبَر فَقيل لَهُ إِن النَّاس قد ثَارُوا حَيْثُ لم ترسل

стр. 115

العساكر إِلَى الْغُزَاة فَقَالَ أحضروا ابْن الشهرزوري قَالَ فَحَضَرت عِنْده وَأَنا خَائِف مِنْهُ إِلَّا أنني قد عزمت على صدقه وَقَول الْحق فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ قَالَ يَا قَاضِي مَا هَذِه الْفِتْنَة فَقلت إِن النَّاس قد فعلوا هَذَا خوفًا من الْفِتْنَة وَالشَّر وَلَا شكّ أَن السُّلْطَان مَا يعلم كم بَينه وَبَين الْعَدو وَإِنَّمَا بَيْنكُم نَحْو أُسْبُوع وَلَئِن أخذُوا حلب انحدروا إِلَيْك فِي الْفُرَات وَفِي الْبر وَلَيْسَ بَيْنكُم بلد يمنعهُم عَن بَغْدَاد وعظمت الْأَمر عَلَيْهِ حَتَّى جعلته كَأَنَّهُ ينظر إِلَيْهِم فَقَالَ ارْدُدْ هَؤُلَاءِ الْعَامَّة عَنَّا وَخذ من العساكر مَا شِئْت وسر بهم والأمداد تلحقك قَالَ فَخرجت إِلَى الْعَامَّة وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم وعرفتهم الْحَال وأمرتهم بِالْعودِ فعادوا وَتَفَرَّقُوا وانتخبت من عسكره عشرَة آلَاف فَارس وكتبت إِلَى الشَّهِيد أعرفهُ الْخَبَر وَأَنه لم يبْق غير الْمسير وأجدد اسْتِئْذَانه فِي ذَلِك فَأمرنِي بتسييرهم والحث على ذَلِك فعبرت العساكر الْجَانِب الغربي فَبَيْنَمَا نَحن نتجهز للحركة وَإِذا قد وصل نجاب من الشَّهِيد يخبر أَن الرّوم والفرنج قد رحلوا عَن حلب خائبين لم ينالوا مِنْهَا غَرضا ويأمرني بترك اسْتِصْحَاب العساكر فَلَمَّا خُوطِبَ السُّلْطَان فِي ذَلِك أصر على إِنْفَاذ العساكر إِلَى الْجِهَاد وَقصد بِلَاد الفرنج وَأَخذهَا وَكَانَ قَصده أَن تطَأ عساكره الْبِلَاد بِهَذِهِ الْحجَّة فيملكها قَالَ فَلم أزل أتوصل مَعَ الْوَزير وأكابر الدولة حَتَّى أعدت العساكر إِلَى الْجَانِب الشَّرْقِي وسرت إِلَى الشَّهِيد

стр. 116

قَالَ ابْن الْأَثِير فَانْظُر إِلَى هَذَا الرجل الَّذِي هُوَ خير من عشرَة آلَاف فَارس يعْنى كَمَال الدّين رحم الله الشَّهِيد فَلَقَد كَانَ ذَا همة عالية ورغبة فِي الرِّجَال ذَوي الرَّأْي وَالْعقل يرغبهم ويخطبهم من الْبِلَاد ويوفر لَهُم الْعَطاء حكى لي وَالِدي قَالَ قيل للشهيد إِن هَذَا كَمَال الدّين يحصل لَهُ فِي كل سنة مِنْك مَا يزِيد على عشرَة آلَاف دِينَار أميرية وَغَيره يقنع مِنْك بِخمْس مئة دِينَار فَقَالَ لَهُم بِهَذَا الْعقل والرأي تدبرون دَوْلَتِي إِن كَمَال الدّين يقل لَهُ هَذَا الْقدر وَغَيره يكثر لَهُ خمس مئة دِينَار فَإِن شغلا وَاحِدًا يقوم فِيهِ كَمَال الدّين خير من مئة ألف دِينَار وَكَانَ كَمَا قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى فصل قَالَ وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة سَار الشَّهِيد إِلَى بلد الهكارية وَكَانَ بيد الأكراد وَقد أَكْثرُوا فِي الْبِلَاد الْفساد إِلَّا إِن نصير الدّين جقر نَائِب السُّلْطَان الشَّهِيد بالموصل كَانَ قد ملك كثيرا من بِلَادهمْ فَلَمَّا بلغَهَا الشَّهِيد حصر قلعة الشَّعْبَانِي وَهِي من أعظم قلاعهم وأحصنها فملكها وأخربها وَأمر بِبِنَاء قلعة الْعمادِيَّة عوضا عَنْهَا وَكَانَت هَذِه الْعمادِيَّة حصنا كَبِيرا عَظِيما فأخربه الأكراد لعجزهم عَن حفظه لكبره فَلَمَّا

стр. 117

ملك أتابك الشَّهِيد الْبِلَاد الَّتِي لَهُم قَالَ إِذا عجز الأكراد عَن هَذَا الْحصن فَأَنا بحول الله لَا أعجز عَنهُ فَأمر ببنائه وَكَانَ ﵀ ذَا عزم ونفاذ أَمر فَبنِي وَسَماهُ القلعة الْعمادِيَّة نِسْبَة إِلَى لقبه عماد الدّين وَفِي هَذِه السّنة خطب لأتابك بآمد وَكَانَ قد أرسل إِلَى صَاحبهَا يطْلب مِنْهُ الِانْفِصَال عَن مُوَافقَة ركن الدولة دَاوُد صَاحب الْحصن والانتماء إِلَى خدمته وَالْخطْبَة لَهُ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وفيهَا ملك الشَّهِيد مَدِينَة عانة وفيهَا حصر مَدِينَة حمص مرّة أُخْرَى وَفتحهَا فِي شَوَّال وَقصد ولَايَة دمشق فشتى بهَا وَفِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ عزم السُّلْطَان مَسْعُود على قصد الْموصل بعساكره وَكَانَ قد وَقع بَينه وَبَين الشَّهِيد وَحْشَة فترددت الرُّسُل بَينهمَا حَتَّى اسْتَقَرَّتْ الْحَال على مئة ألف دِينَار أمامية يحملهَا الشَّهِيد إِلَى السُّلْطَان وَطلب أَن يحضر الشَّهِيد فِي خدمته فَامْتنعَ وَاعْتذر باشتغاله بالفرنج فعذره وَشرط عَلَيْهِ فتح الرها وَكَانَ من أعظم الْأَسْبَاب فِي تَأَخّر السُّلْطَان عَن قصد الْموصل أَنه قيل لَهُ إِن تِلْكَ الْبِلَاد لَا يقدر على حفظهَا من

стр. 118

الفرنج غير أتابك عماد الدّين فَإِنَّهَا قد وَليهَا قبله مثل جاولي سقاوه ومودودو وجيوش بك والبرسقي وَغَيرهم من الأكابر وَكَانَ السلاطين يمُدونهم بالعساكر الْكَثِيرَة وَلَا يقدرُونَ على حفظهَا وَلَا يزَال الفرنج يَأْخُذُونَ مِنْهَا الْبَلَد بعد الْبَلَد إِلَى أَن وَليهَا أتابك فَلم يمده أحد من السلاطين بِفَارِس وَاحِد لَا بِمَال وَمَعَ هَذَا فقد فتح من بِلَاد الْعَدو عدَّة حصون وولايات وَهَزَمَهُمْ غير مرّة واستضعفهم وَعز الْإِسْلَام بِهِ وَمن الْأَسْبَاب الْمَانِعَة لَهُ أَيْضا أَن الشَّهِيد كَانَ لَا يزَال وَلَده الْأَكْبَر سيف الدّين غَازِي فِي خدمَة السُّلْطَان مَسْعُود بِأَمْر وَالِده وَكَانَ السُّلْطَان يُحِبهُ ويقربه ويعتمد عَلَيْهِ ويثق بِهِ فَأرْسل إِلَيْهِ الشَّهِيد يَأْمُرهُ بالهرب والمجيء إِلَى الْموصل وَأرْسل إِلَى نَائِبه بالموصل يَأْمُرهُ أَن يمنعهُ من دُخُول الْموصل وَمن الْمسير إِلَيْهِ أَيْضا فَفعل ذَلِك وَقَالَ لَهُ ترسل إِلَى والدك تستأذنه فِي الَّذِي تَفْعَلهُ فَأرْسل إِلَيْهِ فَعَاد الْجَواب إِنَّنِي لَا أريدك مهما السُّلْطَان ساخط عَلَيْك وألزمه بِالْعودِ إِلَيْهِ فَعَاد وَمَعَهُ رَسُول إِلَى السُّلْطَان يَقُول لَهُ إِنَّنِي لما بَلغنِي أَن وَلَدي فَارق الْخدمَة بِغَيْر إِذن لم أجتمع بِهِ ورَدَدْته إِلَى بابك فَحل هَذَا عِنْد السُّلْطَان محلا كَبِيرا وَأجَاب إِلَى مَا أَرَادَ الشَّهِيد وَلما اسْتَقر المَال حمل مِنْهُ نَحْو عشْرين ألف دِينَار ثمَّ إِن الْأُمُور تقلبت وَعَاد أَصْحَاب الْأَطْرَاف خَرجُوا على السُّلْطَان فَاحْتَاجَ إِلَى مداراة الشَّهِيد فَأطلق لَهُ الْبَاقِي استمالة لَهُ

стр. 119

وَفِي هَذِه السّنة سَار الشَّهِيد إِلَى ديار بكر فَفتح عدَّة بِلَاد مِنْهَا طنزة وإسعرد وَملك مَدِينَة الْمَعْدن الَّذِي يعْمل مِنْهُ النّحاس من إرمينية ومدينة حيزان وَأخذ من أَعمال مادرين عدَّة مَوَاضِع ورتب أُمُور الْجَمِيع وَملك مَدِينَة حاني وحاصر آمد وَأرْسل عسكرا إِلَى مَدِينَة عانة فملكها لَهُ وَقد تقدم ذكرهَا فِي السّنة قبلهَا فصل فِي فتح الشَّهِيد الرها فِي جُمَادَى الْآخِرَة من سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة وَكَانَت لجوسلين وَهُوَ عاتي الفرنج وشيطانهم والمقدم على رِجَالهمْ وفرسانهم وَكَانَ مُدَّة حصاره لَهَا ثَمَانِيَة وَعشْرين يَوْمًا وأعادها إِلَى حكم الْإِسْلَام وَهَذِه الرها من أشرف المدن عِنْد النَّصَارَى وَأَعْظَمهَا محلا وَهِي إِحْدَى الكراسي عِنْدهم فأشرفها الْبَيْت الْمُقَدّس ثمَّ أنطاكية ثمَّ رُومِية وقسطنطينية والرها وَكَانَ على الْمُسلمين من الفرنج الَّذين بالرها شَرّ عَظِيم وملكوا من نواحي ماردين إِلَى الْفُرَات على طَرِيق شبختان عدَّة حصون كسروج والبيرة وجملين والموزر وَكَانَت غاراتهم تبلغ مَدِينَة آمد من ديار بكر وماردين ونصيبين وَرَأس عين والرقة وَأما حران فَكَانَت مَعَهم فِي الخزي كل يَوْم قد صبحوها بالغارة فَلَمَّا رأى الشَّهِيد الْحَال هَكَذَا أنف مِنْهُم وَعلم أنة لَا ينَال مِنْهَا غَرضا مَا دَامَ جوسلين بهَا فَأخذ فِي إِعْمَال الْحِيَل وَالْخداع لَعَلَّ

стр. 120

جوسلين يخرج مِنْهَا إِلَى بعض الْبِقَاع فتشاغل عَنْهَا بِقصد مَا جاورها من ديار بكر الَّتِي بيد الْإِسْلَام كحاني وجبل جور وآمد فَكَانَ يُقَاتل من بهَا قتالا فِيهِ إبْقَاء وَهُوَ يسر حسوا فِي ارتغاء فَهُوَ يخطبها وعَلى غَيرهم يحوم ويطلبها وسواها يروم ووكل بهَا من يُخبرهُ بخلو عرينها من آساده وفراغ حصنها من أنصاره وأجناده فَلَمَّا رأى جوسلين اشْتِغَال الشَّهِيد بِحَرب أهل ديار بكر ظن أَنه لَا فرَاغ لَهُ إِلَيْهِ وَأَنه لَا يُمكنهُ الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَفَارَقَ الرها إِلَى بِلَاده الشامية ليلاحظ أَعماله ويتعهد ذخائره وأمواله فَأقبل الشَّهِيد مسرعا بعساكره إِلَى الرها ثمَّ وصف ابْن الْأَثِير الْجَيْش وَأنْشد (بجيشٍ جاش بالفرسان حَتَّى ... ظَنَنْت الْبر بحرا من سلَاح) (وألسنة من العذبات حمر ... تخاطبنا بأفواه الرِّيَاح) (وأروع جَيْشه ليل بهيم ... وغرته عَمُود للصباح) (صفوح عِنْد قدرته وَلَكِن ... قَلِيل الصفح مَا بَين الصفاح) (فَكَانَ ثباته للقلب قلبا ... وهيبته جنَاحا للجناح) وألح الشَّهِيد فِي حصارها فملكها عنْوَة فاستباحها ونكس صلبانها وأباد قسوسها ورهبانها وَقتل شجعانها وفرسانها وملأ النَّاس أَيْديهم من النهب والسبي ثمَّ إِنَّه دخل الْبَلَد فِرَاقه فَأَنف لمثله من الخراب فَأمر بِإِعَادَة مَا أَخذ مِنْهُ من أثاث وَمَال وَسبي وَرِجَال وَجوَار وَأَطْفَال فَردُّوا عَن أخرهم لم يفقد مِنْهُم إِلَّا الشاذ والنادر فَعَاد الْبَلَد عَامِرًا بعد أَن كَانَ داثراً ثمَّ رتب الْبَلَد وَأصْلح من شَأْنه وَسَار عَنهُ فاستولى على مَا كَانَ بيد الفرنج من المدن والحصون والقرايا كسروج وَغَيرهَا وأخلى

стр. 121

ديار الجزيرة من معرة الفرنج وشرهم واصبح أَهلهَا بعد الْخَوْف آمِنين وَكَانَ فتحا عَظِيما طَار فِي الْآفَاق ذكره وطاب بهَا نشره وشهده خلق كثير من الصَّالِحين والأولياء قَالَ ابْن الْأَثِير حكى لي جمَاعَة أعرف صَلَاحهمْ أَنهم رَأَوْا يَوْم فتح الرها الشَّيْخ أَبَا عبد الله بن عَليّ بن مهْرَان الْفَقِيه الشَّافِعِي وَكَانَ من الْعلمَاء العاملين والزاهدين فِي الدُّنْيَا المنقطعين عَنْهَا وَله الكرامات الظَّاهِرَة ذكرُوا عَنهُ أَنه غَابَ عَنْهُم فِي زاويته يَوْمه ذَلِك ثمَّ خرج عَلَيْهِم وَهُوَ مُسْتَبشر مسرور عِنْده من الارتياح مَا لم يروه أبدا فَلَمَّا قعد مَعَهم قَالَ حَدثنِي بعض إِخْوَاننَا أَن أتابك زنكي فتح مَدِينَة الرها وَأَنه شهد مَعَه فتحهَا يَوْمنَا هَذَا ثمَّ قَالَ مَا يَضرك يَا زنكي مَا فعلت بعد الْيَوْم يرُدد هَذَا القَوْل مرَارًا فضبطوا ذَلِك الْيَوْم فَكَانَ يَوْم الْفَتْح ثمَّ إِن نَفرا من الأجناد حَضَرُوا عِنْد هَذَا الشَّيْخ وَقَالُوا لَهُ مُنْذُ رَأَيْنَاك على السُّور تكبر أيقنا بِالْفَتْح وَهُوَ يُنكر حُضُوره وهم يقسمون أَنهم رَأَوْهُ عيَانًا قَالَ وَحكى لي بعض الْعلمَاء بالأخبار والأنساب وَهُوَ أعلم من رَأَيْت بهَا قَالَ كَانَ ملك جَزِيرَة صقلية من الفرنج لما فتحت الرها وَكَانَ بهَا بعض الصَّالِحين من المغاربة الْمُسلمين وَكَانَ الْملك يحضرهُ ويكرمه وَيرجع إِلَى قَوْله ويقدمه على من عِنْده من الرهبان والقسيسين فَلَمَّا كَانَ الْوَقْت الَّذِي فتحت فِيهِ الرها سير هَذَا ملك الإفرنج جَيْشًا فِي الْبَحْر إِلَى إفريقية فنهبوا وأغاروا واسروا وَجَاءَت الْأَخْبَار إِلَى الْملك وَهُوَ جَالس وَعِنْده هَذَا الْعَالم المغربي وَقد نعس وَهُوَ شَبيه النَّائِم فأيقظه الْملك وَقَالَ يَا فَقِيه

стр. 122

قد فعل أَصْحَابنَا بِالْمُسْلِمين كَيْت وَكَيْت أَيْن كَانَ مُحَمَّد عَن نَصرهم فَقَالَ لَهُ كَانَ قد حضر فتح الرها فتضاحك من عِنْده من الفرنج فَقَالَ لَهُم الْملك لَا تَضْحَكُوا فوَاللَّه مَا قَالَ عَن غير علم وَاشْتَدَّ هَذَا على الْملك فَلم يمض غير قَلِيل حَتَّى أَتَاهُم الْخَبَر بِفَتْحِهَا على الْمُسلمين فأنساهم شدَّة هَذَا الوهن رخاء ذَلِك الْخَبَر لعلو منزلَة الرها عِنْد النَّصْرَانِيَّة قَالَ وَحكى لي أَيْضا غير وَاحِد مِمَّن أَثِق إِلَيْهِم أَن رجلا من الصَّالِحين قَالَ رايت الشَّهِيد بعد قَتله فِي الْمَنَام فِي أحسن حَال فَقلت لَهُ مَا فعل الله بك فَقَالَ غفر لي قلت بِمَاذَا قَالَ بِفَتْح الرها قلت وهنأه القيسراني عِنْد فتح الرها بقصيدة أَولهَا (هُوَ السَّيْف لَا يُغْنِيك إِلَّا جلاده ... وَهل طوق الْأَمْلَاك إِلَّا نجاده) (وَعَن ثغر هَذَا النَّصْر فلتأخذ الظبى ... سناها وَإِن فَاتَ الْعُيُون اتقاده) (سمت قبَّة الْإِسْلَام فخرا بِطُولِهِ ... وَلم يَك يسمو الدّين لَوْلَا عماده) (وَذَادَ قسيم الدولة ابْن قسيمها ... عَن الله مَا لَا يُسْتَطَاع ذياده) (لِيهن بنى الْإِيمَان أَمن ترفعت ... رواسيه عزا وَاطْمَأَنَّ مهاده) (وَفتح حَدِيث فِي السماع حَدِيثه ... شهىٌّ إِلَى يَوْم الْمعَاد مُعادُه) (أراح قلوباً طرن من وُكُناتها ... عَلَيْهَا فَوَافى كل صدر فُؤَاده) (لقد كَانَ فِي فتح الرُّهاء دلَالَة ... على غير مَا عِنْد العلوج اعْتِقَاده)

стр. 123

(يرجون مِيلَاد ابْن مَرْيَم نصْرَة ... وَلم يغن عِنْد الْقَوْم عَنْهُم ولاده) (مَدِينَة إفْك مُنْذُ خمسين حجَّة ... يفل حَدِيد الْهِنْد عَنْهَا حداده) (تفوت مدى الْأَبْصَار حَتَّى لَو أَنَّهَا ... ترقت إِلَيْهِ خَان طرفا سوَاده) (وجامحة عز الْمُلُوك قيادُها ... إِلَى أَن ثناها من يعز قياده) (فأوسعها حر القراع مؤيد ... بَصِير بتمرين الألد لداده) (كَأَن سنا لمع الأسنة حوله ... شرار وَلَكِن فِي يَدَيْهِ زناده) (فأضرمها نارين حَربًا وخدعة ... فَمَا رَاع إِلَّا سورها وانهداده) (فصدت صدود الْبكر عِنْد افتضاضها ... وهيهات كَانَ السَّيْف حتما سفاده) (فيا ظفراً عَم الْبِلَاد صلاحُه ... بِمن كَانَ قد عَم الْبِلَاد فَسَاده) (فَلَا مُطلق إِلَّا وَشد وثَاقه ... وَلَا موثق إِلَّا وَحل صفاده) (وَلَا مِنْبَر إِلَّا ترنح عوده ... وَلَا مصحف إِلَّا أنار مداده) (فَإِن يثكل الإبرنز فِيهَا حَيَاته ... وَإِلَّا فَقل للنجم كَيفَ سهاده) (وباتت سَرَايَا القمص تقمص دونهَا ... كَمَا يتنزى عَن حريق جراده) (إِلَى أَيْن يَا أسرى الضَّلَالَة بعْدهَا ... لقد ذل غاويكم وَعز رشاده) (رويدكم لَا مَانع من مظفر ... يعاند أَسبَاب الْقَضَاء عناده) (مُصيبُ سِهَام الرَّأْي لَو أَن عزمه ... رمى سد ذِي القرنين أصمي سداده) (وَقل لملوك الْكفْر تُسِلمُ بعْدهَا ... ممالكها إِن الْبِلَاد بِلَاده) (كَذَا عَن طَرِيق الصُّبْح أيتها الدُّجى ... فيا طالما غال الظلام امتداده)

стр. 124

(وَمن كَانَ أَمْلَاك السَّموات جنده ... فأية أَرض لم تَرضهَا جياده) (وَللَّه عزم مَاء سيحان ورده ... وروضه قسطنطينة مستراده) وَله من قصيدة هَنأ بهَا القَاضِي كَمَال الدّين بن الشهرزوري أَولهَا هِيَ جنَّة المأوى فَهَل من خَاطب يَقُول فِيهَا (إِن الصفائح يَوْم صافحت الرها ... عطفت عَلَيْهَا كل أشوس ناكب) (فتح الفُتوح مبشراً بِتَمَامِهِ ... كالفجر فِي صدر النَّهَار الآيب) (لله أَيَّة وقفةٍ بدرّيةِ ... نصرت صحابتها بأيمن صَاحب) (ظفر كَمَال الدّين كنت لقاحه ... كم ناهض بِالْحَرْبِ غير محَارب) (وأمدكم جَيش الملائك نصْرَة ... بكتائب محفوفة بكتائب) (جَنبُوا الدبور وقدتم ريح الصِّبَا ... جندُ النُّبُوَّة هَل لَهَا من غَالب)

стр. 125

(أَتَرَى الرها الورهاء يَوْم تمنعت ... ظنت وجوب السُّور سُورَة لاعب) (لَا أَيْن يَا أسرى المهالك بعْدهَا ... ضَاقَ الفضاء على نجاة الهارب) (شدا إِلَى أَرض الفرنجة بعْدهَا ... إِن الدُّرُوب على الطَّرِيق اللاحب) (أفغركم والثار رهن دمائكم ... مَا كَانَ من إطراق لحظ الطَّالِب) (وَإِذا رَأَيْت اللَّيْث يجمع نَفسه ... دون الفريسة فَهُوَ عين الواثب) وَقَالَ ابْن مُنِير (صِفَات مجدك لفظ جلّ مَعْنَاهُ ... فَلَا اسْتردَّ الَّذِي أعطاكهُ الله) (يَا صَارِمًا بِيَمِين الله قائمه ... وَفِي أعالي أعادي الله حداه) (أصْبَحْتَ دْون مُلُوك الأَرْض مُنْفَردا ... بِلَا شَبيه إِذْ الْأَمْلَاك أشباه) (فدَاك من حاولت مسعاك همته ... جهلا وَقصر عَن مسعاك مسعاه) (قل للأعادي أَلا موتوا بِهِ كمدا ... فَللَّه خيبكم وَالله أعطَاهُ) (ملك تنام عَن الْفَحْشَاء همته ... تقى وتسهر للمعروف عَيناهُ) (مَا زَالَ يسمك وَالْأَيَّام تخدمه ... فِيمَا ابتلاه وتدني مَا توخاه) (حَتَّى تعالت عَن الشعري مشاعره ... قدرا وجاوزت الجوزاء نعلاه) (وَقد روى النَّاس أَخْبَار الْكِرَام مضوا ... وَأَيْنَ مِمَّا رَوَوْهُ مَا رَأينَا) (أَيْن الخلائف عَن فتح أتيح لَهُ ... مظلل أفق الدُّنْيَا جناحاه)

стр. 126

(على المنابر من انبائه أرج ... مقطوبة بفتيق الْمسك رياه) (فتح أعَاد على الْإِسْلَام بهجته ... فافتر مبسمه واهتز عطفاه) (يهدى بمعتصم بِاللَّه فتكته ... حَدِيثهَا نسخ الْمَاضِي وأنساه) (إِن الرها غير عمورية وَكَذَا ... من رامها لَيْسَ مغزاه كمغزاه) (أُخْت الْكَوَاكِب عزا مَا بغى أحدٌ ... من الْمُلُوك لَهَا وقما فواتاه) (حَتَّى دلفت لَهَا بالعزم يشحذه ... رأى يبيت فويق النَّجْم مسراه) (مشمرا وَبَنُو الْإِسْلَام فِي شُغُل ... عَن بَدْء غرس لَهُم أثمار عقباه) (يَا مُحيي الْعدْل إِذْ قَامَت نوادبه ... وعامر الْجُود لما مح مَعْنَاهُ) (يَا نعْمَة الله يستصفى الْمَزِيد بهَا ... للشاكرين ويستقني صفاياه) (أبقاك للدّين وَالدُّنْيَا تحوطهما ... من لم يتوجك هَذَا التَّاج إِلَّا هُوَ) وَلابْن مُنِير أَيْضا من قصيدة تقدم بَعْضهَا وَهِي (أيا ملكا ألْقى على الشّرك كلكلا ... أَنَاخَ على أَمَاتَهُ كلكل الثكل) (جمعت إِلَى فتح الرها سد بَابه ... بجمعك بَين النهب والأسر وَالْقَتْل) (هُوَ الْفَتْح أنسى كل فتح حَدِيثه ... وتوج مسطور الرِّوَايَة وَالنَّقْل)

стр. 127

(فضضت بِهِ نقش الْخَوَاتِم بعده ... جزيت جَزَاء الصدْق عَن خَاتم الرّسْل) (تجردت لِلْإِسْلَامِ دون ملوكه ... تبتك أَسبَاب المذلة والخذل) (أَخُو الْحَرْب غذته القراع مفطًّما ... يشوب بإقدام الْفَتى حنكة الكهل) وَله من قصيدة أُخْرَى (بعماد الدّين أضحت عُرْوَة الدّين ... معصوبا بهَا الْفَتْح الْمُبين) (واستزادت بقسيم الدولة الْقسم ... من إدْحاض كيدْ المارقين) (ملك أسْهَر عينا لم يزل ... همها تشريد هم الرّاقدين) (لَا خَلتْ من كَحَل النَّصْر فقد ... فقأت غيظا عُيُون الحاسدين) (كلُّ يَوْم مر من أَيَّامه ... فَهُوَ عيدٌ عَائِد للْمُسلمين) (لَو جرى الْإِنْصَاف فِي أَوْصَافه ... كَانَ أولاها أَمِير الْمُؤمنِينَ) (مَا روى الرّاوُون بل مَا سطّروا ... مثل مَا خطت لَهُ أَيدي السنين) (إِذْ أَنَاخَ الشّرك فِي أكنافه ... بمئي ألفٍ تَلَاهَا بمئين) (وقْعَة طاحت بكلب الرّوم من ... قِطْعَة التِّين إِلَى قطع الوتين) (إِن حمت مصر فقد قَامَ لَهَا ... وَاضح الْبُرْهَان أَن الصّين صين) (والرها لَو لم تكن إِلَّا الرها ... لكفت حسما لشك الممترين) (درج الدَّهْر عَلَيْهَا معصرا ... لم تدنس بمرام اللامسين)

стр. 128

(هم قسطنطين أَن بفرعها ... وَمضى لم يحو مِنْهَا قسط طين) (وَلكم من ملك حاولها ... فتحلى الْحِين وسما فِي الجبين) (هِيَ أختُ النّجم إِلَّا أَنَّهَا ... مِنْهُ كالنجم لرَأى المُبْصرين) (مُنِيَتْ مِنْهُ بليثٍ قَائِد ... بعران الذل أساد العرين) (زارها يزأر فِي أَسد وغى ... تبدل الْأسد من الزأر الأنين) (صولجوا الْبيض بِضَرْب نثر الْهَام ... فِي ساحاتها نثر الكرين) (يَا لَهَا هِمّةُ ثغرِ أضحكت ... من بنى القلف ثغور الشامتين) (برنست رَأس برنس ذلة ... بَعْدَمَا جاست حوايا جوسلين) (وسروج مذ وعت أسراجه ... فرقت جِمَاعهَا عَنْهَا عضين) (تِلْكَ أقفال رَمَاهَا الله من ... عزمه الْمَاضِي بِخَير الفاتحين) (شام مِنْهُ الشَّام برقاً ودْقُه ... مُؤمن الْخَوْف مخيف الْآمنينَ) (كم كنيس كنست آرامها ... مِنْهُ بعد الرّوح فِي ظلّ السفين)

стр. 129

(دنت الْآجَال من آجالها ... فأحلّتها القطا بعدَ القطين) (ومنار يجتلى صلبانه ... بَين بيض تتبارى فى البرين) (قرعته الْبيض حَتَّى بدلت ... قرعَة الناقوس تثويب الأذين) (بالقسيميّات مقسوما لَهَا الدَّهْر ... فِي علك لجين أَو لجين) (سل بهَا حران كم حرى سقت ... بردا يَوْم ردَّتْ من ماردين) (سمطت أمس سُمَيْسَاط بهَا ... نظم جَيش مبهج للناظرين) (وَغدا يلقِي على الْقُدس لَهَا ... كلكل يدرسها درس الدرين) (همة تمسي وتضحي عَزمَة ... لَيْسَ حصن إِن نحته بحصين) (قل لقوم غرهم إمهاله ... ستذوقون شذاه بعد حِين) (إِنَّه الْمَوْت الَّذِي يدْرك من ... فر مِنْهُ فشجا للغافلين) (وَهُوَ يُحيى مُمْسكى عروته ... إِنَّهَا حَبل لمن تَابَ متين) (من يطع ينج وَمن يعْص يكن ... من غَدَاة عِبْرَة للآخرين) (بك يَا شمس الْمَعَالِي ردَّتْ الرّوح ... فِي المَيْتَيْن من دنيا وَدين) (أقسم الْجد بِأَن تبقى لكَي ... تملك الأَرْض يَمِينا لَا يَمِين)

стр. 130

(وَتفِيض الْعدْل فِي أقطارها ... منسيا مؤلم عسف الجائرين) (لَا تزل دَارك كَيفَ انْتَقَلت ... كعبة محفوفة بالطائفين) (كل يَوْم يتحلى جيدها ... من نظيم الْمَدْح بالدر الثمين) (كلما أخْلص فِيهَا دَعْوَة ... لَك قَالَت ألْسُنُ الْخلق أَمِين) فصل لما فرغ الشَّهِيد من أَخذ الرها وَإِصْلَاح حَالهَا والاستيلاء على مَا وَرَاءَهَا من الْبِلَاد والولايات سَار إِلَى قلعة البيرة وَهِي حصن حُصَيْن مطل على الْفُرَات وَهُوَ لجوسلين أَيْضا فحصره وضايقه فَأَتَاهُ الْخَبَر بقتل نَائِبه بالموصل والبلاد الشرقية نصير الدّين جقر بن يَعْقُوب فَرَحل عَنْهَا خوفًا من أَن يحدث بعده فِي الْبِلَاد فتق يحْتَاج إِلَى الْمسير إِلَيْهَا فَلَمَّا رَحل عَنْهَا سير إِلَيْهَا حسام الدّين تمرتاش بن إيلغازي صَاحب ماردين عسكراً فسلمها الفرنج إِلَيْهِم خوفًا من الشَّهِيد أَن يعود إِلَيْهِم فيأخذها وَكَانَ قتل النصير فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَببه أَن الْملك ألب أرسلان الْمَعْرُوف بالخفاجي ولد السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد كَانَ عِنْد الشَّهِيد وَهُوَ أتابكه ومربيه وَكَانَ هُوَ يظْهر للخلفاء وللسلطان مَسْعُود وَأَصْحَاب الْأَطْرَاف أَن الْبِلَاد الَّتِي بِيَدِهِ للْملك ألب أرسلان وَأَنه نَائِبه فِيهَا وَكَانَ إِذا أرسل رَسُولا أَو أجَاب عَن رِسَالَة فَإِنَّمَا يَقُول قَالَ الْملك كَذَا وَكَذَا

стр. 131

وَكَانَ ينْتَظر وَفَاة السُّلْطَان مَسْعُود ليجمع العساكر باسمه وَيخرج الْأَمْوَال وَيطْلب السلطنة فعاجلته الْمنية قبل ذَلِك وَكَانَ هَذَا الْملك بالموصل هَذِه السّنة وَبهَا نصير الدّين وَهُوَ ينزل إِلَيْهِ كل يَوْم يَخْدمه وَيقف عِنْده سَاعَة ثمَّ يعود فَحسن المفسدون للْملك قَتله وَقَالُوا لَهُ إِنَّك إِن قتلته ملكت الْموصل وَغَيرهَا ويعجز أتابك أَن يُقيم بَين يَديك وَلَا يجْتَمع مَعَه فارسان عَلَيْك فَوَقع هَذَا فِي نَفسه وظنه صَحِيحا فَلَمَّا دخل نصير الدّين إِلَيْهِ على عَادَته وثب عَلَيْهِ جمَاعَة فِي خدمَة الْملك فَقَتَلُوهُ وألقوا رَأسه إِلَى أَصْحَابه ظنا مِنْهُم أَن أَصْحَابه إِذا رَأَوْا رَأسه تفَرقُوا وَيملك الْملك الْبِلَاد وَكَانَ الْأَمر بِخِلَاف مَا ظنُّوا فَإِن أَصْحَابه وَأَصْحَاب أتابك الَّذين مَعَه لما رَأَوْا رَأسه قَاتلُوا من بِالدَّار مَعَ الْملك وَاجْتمعَ مَعَهم الْخلق الْكثير وَكَانَت دولة الشَّهِيد مَمْلُوءَة بِالرِّجَالِ الأجلاد ذوى الرَّأْي والتجربة فَلم يتَغَيَّر عَلَيْهِ بِهَذَا الفتق شَيْء وَكَانَ فِي جملَة من حضر القَاضِي تَاج الدّين يحيى بن عبد الله بن الْقَاسِم الشهرزوري أَخُو كَمَال الدّين فَدخل إِلَى السُّلْطَان وخدعه حَتَّى أصعده إِلَى القلعة وَهُوَ يحسن لَهُ الصعُود إِلَيْهَا وَحِينَئِذٍ يسْتَقرّ لَهُ ملك الْبَلَد فَلَمَّا صعد القلعة سجنوه بهَا وَقتل الغلمان الَّذين قتلوا النصير وَأَرْسلُوا إِلَى أتابك يعرفونه الْحَال فسكن جأشه وَاطْمَأَنَّ قلبه وَأرْسل زين الدّين على بن بكتكين واليا على قلعة الْموصل وَكَانَ كثير الثِّقَة بِهِ والاعتماد عَلَيْهِ فسلك بِالنَّاسِ غير الطَّرِيق الَّتِي سلكها النصير وَسَهل الْأَمر فاطمأن النَّاس وأمنوا وازدادت الْبِلَاد مَعَه عمَارَة وَلما رأى الشَّهِيد

стр. 132

صَلَاح أَمر الْموصل سَار إِلَى حلب فَجهز مِنْهَا جَيْشًا إِلَى قلعة شيزر وَبَينهَا وَبَين حماة نَحْو أَرْبَعَة فراسخ فحصرها قلت كَذَا وَقع فِي كتاب ابْن الْأَثِير وَقد وهم فِي قَوْله ألب أرسلان الْمَعْرُوف بالخفاجي فالخفاجي غير ألب أرسلان على مَا ذكره الْعِمَاد الْكَاتِب فِي = كتاب السلجوقية = فَإِنَّهُ قَالَ كَانَ مَعَ زنكي ملكان من أَوْلَاد السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه أَحدهمَا يُسمى ألب أرسلان وَهُوَ فِي معقل من معاقل سنجار وَالْآخر يُسمى فرخشاه وَيعرف بالخفاجي الْملك وَهُوَ بالموصل وَكَانَ هَذَا الْملك مُسلما إِلَى الْأَمِير دبيس بن صَدَقَة فانتزعه مِنْهُ زنكي فِي حَرْب جرت فَكَانَت زَوْجَة زنكي خاتون السكمانية تربيه حَتَّى بلغ وَكَانَ النصير يقبض عنانه ويبسط فِيهِ لِسَانه وَيَقُول إِن عقل وَإِلَّا عقلته وَإِن نقل طبعه وَإِلَّا نقلته فدبر فِي قَتله مَعَ اصحابه فقطعوه فِي دهليز دَاره لما دخل للسلام على الْملك ثمَّ أصعد القَاضِي تَاج الدّين الْملك إِلَى القلعة فَلم ير لَهُ اثر والتقط مماليكه ثمَّ عطف زنكي على الْملك الآخر ألب أرسلان فاستخرجه من معقله وعني بتفاصيل أمره وجمله وَضرب لَهُ نوبتية ونوبا ورتب لَهُ فِي حالتي ركُوبه وجلوسه رتبا وأغري بتولي إكرامه وتوخيه وغرضه خَفَاء مَا جرى من هَلَاك أَخِيه ثمَّ ذكر قصَّة موت زنكي على قلعة جعبر كَمَا سَيَأْتِي وَفِي سنة أَرْبَعِينَ وَخمْس مئة أرسل أتابك إِلَى زين الدّين عَليّ يَأْمُرهُ

стр. 133

بإرسال عَسْكَر إِلَى حصن فنك يحصره فسير خلقا كثيرا من الفرسان والرجالة فأقاموا عَلَيْهِ يحصرونه إِلَى أَن أَتَاهُم الْخَبَر بقتل الشَّهِيد أتابك وَهَذَا الْحصن هُوَ مجاور جَزِيرَة ابْن عمر وَهُوَ للأكراد البشنوية وَله مَعَهم مُدَّة طَوِيلَة يَقُولُونَ نَحْو ثَلَاث مئة سنة وَهُوَ من أمنع الْحُصُون مطل على دجلة وَله سرب إِلَى عين مَاء لَا يُمكن أَن يُحَال بَين أَهله وَبَينهَا قلت وَفِي هَذِه السّنة أنْشد ابْن مُنِير بالرقة عماد الدّين زنكي يهنئه بالعافية من مرض عرض لَهُ فِي يَده وَرجله قصيدة أَولهَا (يَا بدر لَا أفل وَلَا محاق ... وَلَا يرم مشرقك الْإِشْرَاق) (بِالدّينِ وَالدُّنْيَا الَّذِي تَشْكُو وَهل ... يَهْتَز فرع لم يقمه سَاق) (لن تورق القضب وَيجْرِي مَاؤُهَا ... فِيهَا إِذا مَا التاثت الأعراق) (إِن الرعايا مَا سلمت فِي حمى ... للخطب عَن طروقه إطراق) (غرست بِالْعَدْلِ لَهُم خمائلا ... ترتع فِي حديقها الحداق) (يَا هضبة الدّين الَّتِي عاذ بهَا ... فَعَاد لَا بَغت وَلَا إرهاق) (لَو لم تحطه راحلا وقافلا ... أصبح لَا شام وَلَا عراق) (عماد دين مذ أَقَامَ زيغه ... حَيّ وَمَات الشّرك والنفاق) (يَا محيي الْعدْل الَّذِي فِي ظله ... تسربلت زينتها الْآفَاق) (يفديك من لاَنَ مِهاد جنبه ... لما نبا بجنبك الإقلاق) (من بِشَبَا سَيْفك أنبطْت لَهُ العذب ... وَمَاء عيشه زعاق)

стр. 134

(تجرع السم وَلَو لم تحمه ... بحده لَعزّهُ الدرياق) (مُلُوك أَطْرَاف حمى أطرافها ... عزمك هَذَا اللَّاحِق السّبّاق) (لَو لم ترق مَاء كرى الْعين لما ... ساغت بأفواههم الأرْياق) (شققت من دونهم موج الردى ... وشق أكبادهم الشقاق) (أقسم لَو كلفتهم أَن يسمعوا ... حَدِيث أيامك مَا أطاقوا) (لما اشتكيت دب فِي أهوائهم ... توجس للسمع واستراق) (تطاولوا لَا عدمت آمالهم ... قصرا وَلَا جَانبهَا الإخفاق) (توهموها غسقا ثمَّ انجلت ... والصفو من مشربهم غساق) (لَئِن ألم ألم بقدم ... خد السها لنعلها طراق) (أَو كَانَ مدَّ يَده إِلَى يَد ... تجْرِي بهَا ألاجال والأرزاق) (فالنصل يعلى صدأ وَتَحْته ... حد حسام وسنا رقراق) (رمى الصَّليبَ بصليب الرَّأي عَن ... زوراءَ أوفى نَزعهَا الإغراق) (ونوم من خلف الخليج سهر ... والعيش فِي فرنجة سِيَاق) (مَاتُوا فَلَا همسٌ وَلَا إِشَارَة ... خوف هموس زأره إزهاق) (لَا سلبت مِنْك اللَّيَالِي مَا كست ... وَلَا عرا جدتك الإخلاق)

стр. 135

فصل فِي وَفَاة زنكي ﵀ قَالَ ابْن الْأَثِير كَانَت قلعة جعبر قد سلمهَا السُّلْطَان ملكشاه إِلَى الْأَمِير سَالم بن مَالك الْعقيلِيّ لما ملك قسيم الدولة مَدِينَة حلب فَلم تزل بِيَدِهِ وَيَد أَوْلَاده إِلَى سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين فَسَار الشَّهِيد إِلَيْهَا فحصرها وَكَانَ الْبَاعِث لَهُ على حصرها وَحصر فنك أَلا يبْقى فِي وسط بِلَاده مَا هُوَ لغيره وَإِن قل للحزم الَّذِي كَانَ عِنْده وَالِاحْتِيَاط وَأقَام عَلَيْهِ يحصره بِنَفسِهِ إِلَى أَن مضى من شهر ربيع خمس لَيَال فَبينا هُوَ نَائِم دخل عَلَيْهِ نفر من مماليكه فَقَتَلُوهُ غيلَة وَلم يجهزوا عَلَيْهِ وهربوا من ليلتهم إِلَى القلعة وَلم يشْعر أَصْحَابه بقتْله فَلَمَّا صعد أُولَئِكَ النَّفر إِلَى القلعة صَاح من بهَا إِلَى الْعَسْكَر يعلمهُمْ بقتْله فبادر أَصْحَابه إِلَيْهِ فأدركه أوائلهم وَبِه رَمق ثمَّ ختم الله بِالشَّهَادَةِ أَعماله (لَاقَى الْحمام وَلم أكن مُسْتَيْقنًا ... أَن الْحمام سيبتلى بحمام) فأضحى وَقد خانه الأمل وأدركه الْأَجَل وتخلى عَنهُ العبيد والخول فَأَي نجم لِلْإِسْلَامِ أفل وَأي نَاصِر للْإيمَان رَحل وَأي بَحر ندى نضب وَأي بدر مَكَارِم غرب وَأي أَسد افترس وَلم ينجه قلَّة حصن وَلَا صهوة فرس فكم أجهد نَفسه لتمهيد الْملك وسياسته وَكم أدبها فِي حفظه وحراسته فَأَتَاهُ مبيد الْأُمَم ومفنيها فِي الْحَدث والقدم فأصاره بعد الْقَهْر لِلْخَلَائِقِ

стр. 136

مقهورا وَبعد وثير الْمضَاجِع فِي التُّرَاب معفراً مقبوراً رهين جدث لَا يَنْفَعهُ إِلَّا مَا قدم قد طويت صحيفَة عمله فَهُوَ موثوق فِي صُورَة مستسلم ثمَّ دفن بصفين عِنْد أَصْحَاب على أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵁ قلت وَذكر الْعِمَاد الْكَاتِب فِي = كتاب السلجوقية = قَالَ قصد زنكي حِصَار قلعة جعبر فنازلها وَكَانَ إِذا نَام ينَام حوله عدَّة من خُدَّامه الصَّباح وَهُوَ يُحِبهُمْ ويحبوهم وَلكنه مَعَ الْوَفَاء مِنْهُم يجفوهم وهم أَبنَاء الفحول القروم من التّرْك والأرمن وَالروم وَكَانَ من دأبه أَنه إِذا نقم على كَبِير أرداه وأقصاه واستبقى وَلَده عِنْده وخصاه فَنَامَ لَيْلَة مَوته وَهُوَ سَكرَان فشرع الخُدام فِي اللّعب فزجرهم وزبرهم وتوعدهم فخافوا من سطوته فَلَمَّا نَام رَكبه كَبِيرهمْ واسْمه يرنقش فذبحه وَخرج وَمَعَهُ خَاتمه فَركب فرس النّوبَة مُوِهماً أَنه يمْضِي فِي مُهِمّ وَهُوَ لَا يرتاب بِهِ لِأَنَّهُ خَاص زنكي فَأتي الْخَادِم أهل القلعة فَأخْبرهُم وَذكر الحَدِيث قلت ثمَّ نقل إِلَى الرّقة فَدفن بهَا وقبره الْآن فِيهَا قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ حسن الصُّورَة اسمر مليح الْعَينَيْنِ قد وخطه الشيب طَويلا وَلَيْسَ بالطويل الْبَائِن وَخلف من الْأَوْلَاد سيف الدّين غازيا وَهُوَ الَّذِي ولى بعده وَنور الدّين مَحْمُودًا الْملك الْعَادِل وقطب الدّين مودودا وَهُوَ أَبُو الْمُلُوك بالموصل ونصرة الدّين أَمِير أميران وبنتا فانقرض عقب سيف الدّين من الذُّكُور وَالْإِنَاث وَنور الدّين من الذُّكُور وَلم يبْق الْملك إِلَّا فِي عقب قطب الدّين وَلَقَد أَنْجَب ﵀ فَإِن أَوْلَاده الْمُلُوك لم يكن مثلهم

стр. 137

قلت وَمن عَجِيب مَا حكى أَنه لما اشْتَدَّ حِصَار قلعة جعبر جَاءَ فِي اللَّيْل ابْن حسان المنبجي ووقف تَحت القلعة ونادى صَاحبهَا فَأَجَابَهُ فَقَالَ لَهُ هَذَا الْمولى أتابك صَاحب الْبِلَاد وَقد نزل عَلَيْك بعساكر الدُّنْيَا وَأَنت بِلَا وزر وَلَا معِين وَأَنا أرى أَن أَدخل فِي قضيتك وآخذ لَك من الْمولى أتابك مَكَانا عوض هَذَا الْمَكَان وَإِن لم تفعل فَأَي شَيْء تنْتَظر فَقَالَ لَهُ صَاحب القلعة أنْتَظر الَّذِي انْتظر أَبوك وَكَانَ بلك بن بَهرام صَاحب حلب قد نزل على أَبِيه حسان وحاصره فِي منبج أَشد حِصَار وَنصب عَلَيْهِ عدَّة مجانيق وَقَالَ يَوْمًا لحسان وَقد أحرقه بحجارة المنجنيق أَي شَيْء تنْتَظر مَا تسلم الْحصن فَقَالَ لَهُ حسان أنْتَظر سَهْما من سِهَام الله فَلَمَّا كَانَ من الْغَد بَينا بلك يرتب المنجنيق إِذْ أَصَابَهُ سهم غرب وَقع فِي لبته فَخر مَيتا وَلم يكن من جسده شَيْء ظَاهر إِلَّا ذَلِك الْمَكَان لِأَنَّهُ كَانَ قد لبس الدرْع وَلم يزرها على صَدره فَلَمَّا سمع ابْن حسان ذَلِك من مقَالَة صَاحب قلعة جعبر رَجَعَ عَنهُ وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة قتل أتابك فَكَانَ هَذَا من الاتفاقات العجيبة والعبر الغريبة ذكر ذَلِك يحيى بن أَبى طي فِي = كتاب السِّيرَة الصلاحية =

стр. 138

فصل فِي ذكر بعض سيرة الشَّهِيد أتابك زنكي وَكَانَت من أحسن سير الْمُلُوك وأكثرها حزما وضبطا للأمور وَكَانَت رَعيته فِي أَمن شَامِل يعجز القوى عَن التَّعَدِّي على الضَّعِيف قَالَ أبن الْأَثِير حَدثنِي وَالِدي قَالَ قدم الشَّهِيد أتابك زنكي إِلَيْنَا بِجَزِيرَة ابْن عمر فِي بعض السنين وَكَانَ زمن الشتَاء فَنزل بالقلعة وَنزل الْعَسْكَر فِي الْخيام وَكَانَ فِي جملَة أمرائه الْأَمِير عز الدّين أَبُو بكر الدبيسي وَهُوَ من أكَابِر أمرائه وَمن ذَوي الرَّأْي عِنْده فَدخل الدبيسي الْبَلَد وَنزل بدار إِنْسَان يَهُودِيّ وَأخرجه مِنْهَا فاستغاث الْيَهُودِيّ إِلَى الشَّهِيد وَهُوَ رَاكب فَسَأَلَ عَن حَاله فَأخْبر بِهِ وَكَانَ الشَّهِيد وَاقِفًا والدبيسي إِلَى جَانِبه لَيْسَ فَوْقه أحد فَلَمَّا سمع أتابك الْخَبَر نظر إِلَى الدبيسي نظر مغضب وَلم يكلمهُ كلمة وَاحِدَة فَتَأَخر الْقَهْقَرَى وَدخل الْبَلَد فَأخْرج خيامه وَأمر بنصبها وَلم تكن الأَرْض تحْتَمل وضع الْخيام عَلَيْهَا لِكَثْرَة الوحل والطين قَالَ فَلَقَد رَأَيْت الفراشين وَهُوَ ينقلون الطين لينصبوا خيمته فَلَمَّا رَأَوْا كثرته جعلُوا على الأَرْض تبنا ليقيموها ونصبوا الْخيام وَخرج إِلَيْهَا من سَاعَته قَالَ وَكَانَ ينْهَى أَصْحَابه عَن اقتناء الْأَمْلَاك وَيَقُول مهما كَانَت الْبِلَاد لنا فَأَي حَاجَة لكم إِلَى الْأَمْلَاك فَإِن الاقطاعات تغني عَنْهَا وَإِن خرجت الْبِلَاد عَن أَيْدِينَا فَإِن الْأَمْلَاك تذْهب مَعهَا وَمَتى صَارَت الْأَمْلَاك لأَصْحَاب السُّلْطَان ظلمُوا الرّعية وتعدوا عَلَيْهِم وغصبوهم أملاكهم ثمَّ ذكر مَا تجدّد فِي أَيَّامه من عمَارَة الْبِلَاد لَا سِيمَا بالموصل وَذَلِكَ

стр. 139

لحسن سيرته فَكَانَ يَقْصِدهُ النَّاس ويتخذون بِلَاده دَار إِقَامَة وَهُوَ الَّذِي أَمر بِبِنَاء دور المملكة بالموصل وَلم يكن بهَا للسُّلْطَان غير الدَّار الْمَعْرُوفَة بدار الْملك مُقَابل الميدان ثمَّ رفع سورها وعمق خندقها وَهُوَ الَّذِي فتح الْبَاب الْعِمَادِيّ وَإِلَيْهِ ينْسب قَالَ وَكَانَت الْموصل اقل بِلَاد الله فَاكِهَة وَكَانَ الَّذِي يَبِيع الْفَوَاكِه يكون عِنْده مقراض يقص بِهِ الْعِنَب لقلته إِذا أَرَادَ أَن يزنه فَلَمَّا عمرت الْبِلَاد عملت الْبَسَاتِين بِظَاهِر الْموصل وَفِي ولايتها قَالَ وَمن حسن آرائه أَنه كَانَ شَدِيد الْعِنَايَة بأخبار الْأَطْرَاف وَمَا يجرى لأصحابها حَتَّى فِي خلواتهم وَلَا سِيمَا دركاه السُّلْطَان وَكَانَ يغرم على ذَلِك المَال الجزيل فَكَانَ يطالع وَيكْتب إِلَيْهِ بِكُل مَا يَفْعَله السُّلْطَان فِي ليله ونهاره من حَرْب وَسلم وهزل وجد وَغير ذَلِك فَكَانَ يصل إِلَيْهِ كل يَوْم من عيونه عدَّة قَاصِدين وَكَانَ مَعَ اشْتِغَاله بالأمور الْكِبَار من أُمُور الدولة لَا يهمل الِاطِّلَاع على الصَّغِير وَكَانَ يَقُول إِذا لم يعرف الصَّغِير ليمنع صَار كَبِيرا وَكَانَ لَا يُمكن رَسُول ملك يعبر فِي بِلَاده بِغَيْر أمره وَإِذا استأذنه رَسُول فِي العبور فِي بِلَاده أذن لَهُ وَأرْسل إِلَيْهِ من يسيره وَلَا يتْركهُ يجْتَمع بِأحد من الرّعية وَلَا غَيرهم فَكَانَ الرَّسُول يدْخل بِلَاده وَيخرج مِنْهَا وَلَا يعلم من أحوالها شَيْئا الْبَتَّةَ

стр. 140

وَكَانَ يتعهد أَصْحَابه ويمتحنهم سلم يَوْمًا خشكنانكة إِلَى طشت دَار لَهُ وَقَالَ احفظ هَذِه فبقى نَحْو سنة لَا تُفَارِقهُ الخشكنانكة خوفًا أَن يطْلبهَا مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك قَالَ لَهُ أَيْن الخشكنانكة فأخرجها من منديل وقدمها بَين يَدَيْهِ فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ وَقَالَ مثلك يَنْبَغِي أَن يكون مستحفظا لحصن وَأمر لَهُ بدُزْدَاريةَّ قلعة كواشي فبقى فِيهَا إِلَى أَن قتل أتابك وَكَانَ لَا يُمكن أحدا من خدمه من مُفَارقَة بِلَاده وَكَانَ يَقُول إِن الْبِلَاد كبستان عَلَيْهِ سياج فَمن هُوَ خَارج السياج يهاب الدُّخُول فَإِذا خرج مِنْهَا من يدل على عورتها ويطمع الْعَدو فِيهَا زَالَت الهيبة وتطرق الْخُصُوم إِلَيْهَا قَالَ وَمن صائب رَأْيه وجيده أَن سير طَائِفَة من التركمان الإيوانية مَعَ الْأَمِير اليارق إِلَى الشَّام وأسكنهم بِولَايَة حلب وَأمرهمْ بجهاد الفرنج وملكهم كل مَا استنقذوه من الْبِلَاد الَّتِي للفرنج وَجعله ملكا لَهُم فَكَانُوا يغادون الفرنج بِالْقِتَالِ ويراوحونهم وَأخذُوا كثيرا من السوَاد وسدوا ذَلِك الثغر الْعَظِيم وَلم يزل جَمِيع مَا فتحوه فِي أَيْديهم إِلَى نَحْو سنة سِتّ مئة قَالَ وَمن آرائه أَنه لما اجْتمع لَهُ الْأَمْوَال الْكَثِيرَة أودع بَعْضهَا بالموصل وَبَعضهَا بسنجار وَبَعضهَا بحلب وَقَالَ إِن جرى على بعض

стр. 141

هَذِه الْجِهَات خرق أَو حيل بيني وَبَينه استعنت على سد الْخرق بِالْمَالِ فِي غَيره قَالَ وَأما شجاعته وإقدامه فإليه النِّهَايَة فيهمَا وَبِه كَانَ تضرب الْأَمْثَال وَيَكْفِي فِي معرفَة ذَلِك جملَة أَن ولَايَته أحدق بهَا الْأَعْدَاء والمنازعون من كل جَانب الْخَلِيفَة المسترشد وَالسُّلْطَان مَسْعُود وَأَصْحَاب أرمينية وأعمالها بَيت سكمان وركن الدولة دَاوُد صَاحب حصن كيفا وَابْن عَمه صَاحب ماردين ثمَّ الفرنج ثمَّ صَاحب دمشق وَكَانَ ينتصف مِنْهُم ويغزو كلا مِنْهُم فِي عقر دَاره وَيفتح من بِلَادهمْ مَا عدا السُّلْطَان مَسْعُود فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُبَاشر قَصده بل كَانَ يحمل أَصْحَاب الْأَطْرَاف على الْخُرُوج عَلَيْهِ فَإِذا فعلوا عَاد السُّلْطَان مُحْتَاجا إِلَيْهِ وَطلب مِنْهُ أَن يجمعهُمْ على طَاعَته فَيصير كالحاكم على الْجَمِيع وكل يداريه ويخضع لَهُ وَيطْلب مِنْهُ مَا تَسْتَقِر الْقَوَاعِد على يَده قَالَ وَأَنا غيرته فَكَانَت شَدِيدَة وَلَا سِيمَا على نسَاء الأجناد فَإِن التَّعَرُّض إلَيْهِنَّ كَانَ من الذُّنُوب الَّتِي لَا يغفرها وَكَانَ يَقُول إِن جندي لَا يُفَارِقُونِي فِي أسفاري وقلما يُقِيمُونَ عِنْد أَهْليهمْ فَإِن نَحن لم نمْنَع من التَّعَرُّض إِلَى حرمهم هلكن وفسدن قلت وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أَبى سعيد الْخُدْرِيّ وَذكر حَدِيث رجم النَّبِي ﷺ ماعزا قَالَ ثمَّ قَامَ رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا قَالَ

стр. 142

(أَو كُلَّماَ انطلقنا غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيالنا لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التيس عَليّ أَن لَا أُوتى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِك إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ) قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ قد أَقَامَ بقلعة الجزيرة دزدارا اسْمه نور الدّين حسن البربطي وَكَانَ من خواصه وَأقرب النَّاس إِلَيْهِ وَكَانَ غير مرضى السِّيرَة فَبَلغهُ عَنهُ أَنه يتَعَرَّض للحرم فَأمر حَاجِبه صَلَاح الدّين الياغبساني أَن يسير مجدا وَيدخل الجزيرة فَإِذا دَخلهَا أَخذ البربطي وَقطع ذكره وَقلع عَيْنَيْهِ عُقُوبَة لنظره بهما إِلَى الْحرم ثمَّ يصلبه فَسَار الصّلاح مجدا فَلم يشْعر البربطي إِلَّا وَقد وصل إِلَى الْبَلَد فَخرج إِلَى لِقَائِه فَأكْرمه الصّلاح وَدخل مَعَه الْبَلَد وَقَالَ لَهُ الْمولى أتابك يسلم عَلَيْك وَيُرِيد أَن يعلي قدرك وَيرْفَع منزلتك وَيسلم إِلَيْك قلعة حلب ويوليك جَمِيع الْبِلَاد الْبِلَاد الشامية لتَكون هُنَاكَ مثل نصير الدّين فتجهز وتحدر مَالك فِي المَاء إِلَى الْموصل وتسير إِلَى خدمته ففرح ذَلِك الْمِسْكِين فَلم يتْرك لَهُ قَلِيلا وَلَا كثيرا إِلَّا نَقله إِلَى السفن ليحدرها إِلَى الْموصل فِي دجلة فحين فرغ من جَمِيع ذَلِك أَخذه الصّلاح وأمضى فِيهِ مَا أَمر بِهِ وَأخذ جَمِيع مَاله فَلم يتجاسر بعده أحد على سلوك شَيْء من أَفعاله قَالَ وَأما صدقاته فقد كَانَ يتَصَدَّق كل جُمُعَة بمئة دِينَار أَمِيري ظَاهرا وَيتَصَدَّق فِيمَا عداهُ من الْأَيَّام سرا مَعَ من يَثِق بِهِ وَركب يَوْمًا فَعَثَرَتْ بِهِ دَابَّته فكاد يسْقط عَنْهَا فاستدعى أَمِيرا كَانَ مَعَه فَقَالَ لَهُ كلَاما لم يفهمهُ وَلم

стр. 143

يتجاسر على أَن يَسْتَفْهِمهُ مِنْهُ فَعَاد عَنهُ إِلَى بَيته وودع أَهله عَازِمًا على الْهَرَب فَقَالَت لَهُ زَوجته مَا ذَنْبك وَمَا حملك على هَذَا الْهَرَب فَذكر لَهَا الْحَال فَقَالَت لَهُ إِن نصير الدّين لَهُ بك عناية فاذكر لَهُ قصتك وَافْعل مَا يَأْمُرك بِهِ فَقَالَ أَخَاف أَن يَمْنعنِي من الْهَرَب فَأهْلك فَلم تزل زَوجته تراجعه وتقوي عزمه فَعرف النصير حَاله فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ لَهُ خُذ هَذِه الصرة الدَّنَانِير واحملها إِلَيْهِ فَهِيَ الَّتِي أَرَادَ فَقَالَ الله الله فِي دمي وَنَفْسِي فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْك فَإِنَّهُ مَا أَرَادَ غير هَذِه الصرة فحملها إِلَيْهِ فحين رَآهُ قَالَ أَمَعَك شَيْء قَالَ نعم فَأمره أَن يتَصَدَّق بِهِ فَلَمَّا فرغ من الصَّدَقَة قصد النصير وشكره وَقَالَ من أَيْن علمت أَنه أَرَادَ الصرة فَقَالَ لَهُ إِنَّه يتَصَدَّق هَذَا الْيَوْم بِمثل هَذَا الْقدر وَيُرْسل إِلَيّ يَأْخُذهُ من اللَّيْل وَفِي يَوْمنَا هَذَا لم يَأْخُذهُ ثمَّ بَلغنِي أَن دَابَّته عثرت بِهِ حَتَّى كَاد يسْقط على الأَرْض وأرسلك إِلَيّ فَعلمت أَنه ذكر الصَّدَقَة قَالَ وَحكي لي من شدَّة هيبته مَا هُوَ أَشد من هَذَا قَالَ وَالِدي خرج يَوْمًا الشَّهِيد من قلعة الجزيرة من بَاب السّر خلْوَة وملاح لَهُ نَائِم فأيقظه بعض الجاندارية وَقَالَ لَهُ اقعد فحين رأى الشَّهِيد سقط إِلَى الأَرْض فحركوه فوجدوه مَيتا قَالَ وَكَانَ الشَّهِيد قَلِيل التلون والتنقل بطيء الْملَل والتغير شَدِيد الْعَزْم لم يتَغَيَّر على أحد من أَصْحَابه مُذْ مَلَكَ إِلَى أَن قتل إِلَّا بذنب

стр. 144

يُوجب التَّغَيُّر والأمراء والمقدمون الَّذين كَانُوا مَعَه أَولا هم الَّذين بقوا أخيراً من سلم مِنْهُم من الْمَوْت فَلهَذَا كَانُوا ينصحونه ويبذلون نُفُوسهم لَهُ وَكَانَ الْإِنْسَان إِذا قدم عسكره لم يكن غَرِيبا إِن كَانَ جنديا اشْتَمَل عَلَيْهِ الأجناد وأضافوه وَإِن كَانَ صَاحب ديوَان قصد أهل الدِّيوَان وَإِن كَانَ عَالما قصد الْقُضَاة بني الشهرزوري فُيحسنون إِلَيْهِ ويؤنسون غربته فَيَعُود كَأَنَّهُ آهل وَسبب ذَلِك جَمِيعه أَنه كَانَ يخْطب الرِّجَال ذَوي الهمم الْعلية والآراء الصائبة والأنفس الأبية ويوسع عَلَيْهِم فِي الأرزاق فيسهل عَلَيْهِم فعل الْجَمِيل واصطناع الْمَعْرُوف قلت وَمَا أحسن مَا وَصفه بِهِ أَحْمد بن مُنِير من قَوْله فِي قصيدة (فِي ذرا ملك هُوَ الدَّهْر ... عَطاء واستلابا) (من لَهُ كف تبذ الْغَيْث ... سَحا وانسكابا) (فاتح فِي كل وَجه ... أمه للنصر بَابا) (ترجف الدُّنْيَا إِذا حرك ... للسير الركابا) (وتخر المشمخرات ... اختلالا واضطرابا) (وَترى الْأَعْدَاء من هيبته ... تأوي الشعابا) (وَإِذا مَا لفحتهم ... ناره صَارُوا كبابا) (يَا عماد الدّين لَا زلت ... على الدّين سحابا) (جاعلا من دونه سَيْفك ... إِن ريع حِجَابا)

стр. 145

(فالبس النعماء فِي الْأَمْن ... الَّذِي طبت وطابا) (واصف عَيْشًا إِن أعداءك ... قد صَارُوا تُرَابا) وَقَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب استولى زنكي على الشَّام من سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين إِلَى أَن قتل فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَهُوَ الَّذِي فتح الرها عنْوَة واحتل بهَا من السَّعَادَة ذرْوَة فتسنى بِفَتْح الرها للْمُسلمين جوس بِلَاد جوسلين وَعَاد جَمِيعهَا إِلَى الْإِسْلَام فِي عهد ولد زنكي نور الدّين وَصَارَت عُقُود الفرنج من ذَلِك الْحِين تَنْفَسِخ وأمورها تنتسخ ومعاقلها تفرع وعقائلها تفترع وَقَالَ الرئيس أَبُو يعلى التَّمِيمِي كَانَت الْأَعْمَال بعد قتل زنكي قد اضْطَرَبَتْ والمسالك قد اختلت بعد الهيبة الْمَشْهُورَة والأمنة المشكورة وَانْطَلَقت أَيدي التركمان والحرامية فِي الْإِفْسَاد فِي الْأَطْرَاف والعيث فِي سَائِر النواحي والأكناف ونظمت فِي صفة هَذَا الْحَال أبياتا من قصيدة (كَذَاك عماد الدّين زنكي تنافرت ... سعادته عَنهُ وخرت دعائمه) (وَكم بَيت مَال من نضار وجوهر ... وأنواع ديباج حوتها مخاتمه) (وأضحت بِأَعْلَى كل حصن مصونة ... يُحامى عَلَيْهَا جنده وخوادمه) (وَمن صافنات الْخَيل كل مطهم ... يروع الأعادي حليه وبراجمه) (فَلَو رامت الْكتاب وصف شياتها ... بأقلامها مَا أدْرك الْوَصْف ناظمه)
следующие страницы →