Полный текст (1 810 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
هَذِه الْجِهَات خرق أَو حيل بيني وَبَينه استعنت على سد الْخرق بِالْمَالِ فِي غَيره
قَالَ وَأما شجاعته وإقدامه فإليه النِّهَايَة فيهمَا وَبِه كَانَ تضرب الْأَمْثَال وَيَكْفِي فِي معرفَة ذَلِك جملَة أَن ولَايَته أحدق بهَا الْأَعْدَاء والمنازعون من كل جَانب الْخَلِيفَة المسترشد وَالسُّلْطَان مَسْعُود وَأَصْحَاب أرمينية وأعمالها بَيت سكمان وركن الدولة دَاوُد صَاحب حصن كيفا وَابْن عَمه صَاحب ماردين ثمَّ الفرنج ثمَّ صَاحب دمشق
وَكَانَ ينتصف مِنْهُم ويغزو كلا مِنْهُم فِي عقر دَاره وَيفتح من بِلَادهمْ مَا عدا السُّلْطَان مَسْعُود فَإِنَّهُ كَانَ لَا يُبَاشر قَصده بل كَانَ يحمل أَصْحَاب الْأَطْرَاف على الْخُرُوج عَلَيْهِ فَإِذا فعلوا عَاد السُّلْطَان مُحْتَاجا إِلَيْهِ وَطلب مِنْهُ أَن يجمعهُمْ على طَاعَته فَيصير كالحاكم على الْجَمِيع وكل يداريه ويخضع لَهُ وَيطْلب مِنْهُ مَا تَسْتَقِر الْقَوَاعِد على يَده
قَالَ وَأَنا غيرته فَكَانَت شَدِيدَة وَلَا سِيمَا على نسَاء الأجناد فَإِن التَّعَرُّض إلَيْهِنَّ كَانَ من الذُّنُوب الَّتِي لَا يغفرها وَكَانَ يَقُول إِن جندي لَا يُفَارِقُونِي فِي أسفاري وقلما يُقِيمُونَ عِنْد أَهْليهمْ فَإِن نَحن لم نمْنَع من التَّعَرُّض إِلَى حرمهم هلكن وفسدن
قلت وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أَبى سعيد الْخُدْرِيّ وَذكر حَدِيث رجم النَّبِي ﷺ ماعزا قَالَ ثمَّ قَامَ رَسُول الله ﷺ خَطِيبًا قَالَ
стр. 142
(أَو كُلَّماَ انطلقنا غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيالنا لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التيس عَليّ أَن لَا أُوتى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلِك إِلَّا نَكَّلْتُ بِهِ)
قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ قد أَقَامَ بقلعة الجزيرة دزدارا اسْمه نور الدّين حسن البربطي وَكَانَ من خواصه وَأقرب النَّاس إِلَيْهِ وَكَانَ غير مرضى السِّيرَة فَبَلغهُ عَنهُ أَنه يتَعَرَّض للحرم فَأمر حَاجِبه صَلَاح الدّين الياغبساني أَن يسير مجدا وَيدخل الجزيرة فَإِذا دَخلهَا أَخذ البربطي وَقطع ذكره وَقلع عَيْنَيْهِ عُقُوبَة لنظره بهما إِلَى الْحرم ثمَّ يصلبه
فَسَار الصّلاح مجدا فَلم يشْعر البربطي إِلَّا وَقد وصل إِلَى الْبَلَد فَخرج إِلَى لِقَائِه فَأكْرمه الصّلاح وَدخل مَعَه الْبَلَد وَقَالَ لَهُ الْمولى أتابك يسلم عَلَيْك وَيُرِيد أَن يعلي قدرك وَيرْفَع منزلتك وَيسلم إِلَيْك قلعة حلب ويوليك جَمِيع الْبِلَاد الْبِلَاد الشامية لتَكون هُنَاكَ مثل نصير الدّين فتجهز وتحدر مَالك فِي المَاء إِلَى الْموصل وتسير إِلَى خدمته
ففرح ذَلِك الْمِسْكِين فَلم يتْرك لَهُ قَلِيلا وَلَا كثيرا إِلَّا نَقله إِلَى السفن ليحدرها إِلَى الْموصل فِي دجلة
فحين فرغ من جَمِيع ذَلِك أَخذه الصّلاح وأمضى فِيهِ مَا أَمر بِهِ وَأخذ جَمِيع مَاله
فَلم يتجاسر بعده أحد على سلوك شَيْء من أَفعاله
قَالَ وَأما صدقاته فقد كَانَ يتَصَدَّق كل جُمُعَة بمئة دِينَار أَمِيري ظَاهرا وَيتَصَدَّق فِيمَا عداهُ من الْأَيَّام سرا مَعَ من يَثِق بِهِ
وَركب يَوْمًا فَعَثَرَتْ بِهِ دَابَّته فكاد يسْقط عَنْهَا فاستدعى أَمِيرا كَانَ مَعَه فَقَالَ لَهُ كلَاما لم يفهمهُ وَلم
стр. 143
يتجاسر على أَن يَسْتَفْهِمهُ مِنْهُ فَعَاد عَنهُ إِلَى بَيته وودع أَهله عَازِمًا على الْهَرَب فَقَالَت لَهُ زَوجته مَا ذَنْبك وَمَا حملك على هَذَا الْهَرَب فَذكر لَهَا الْحَال فَقَالَت لَهُ إِن نصير الدّين لَهُ بك عناية فاذكر لَهُ قصتك وَافْعل مَا يَأْمُرك بِهِ
فَقَالَ أَخَاف أَن يَمْنعنِي من الْهَرَب فَأهْلك
فَلم تزل زَوجته تراجعه وتقوي عزمه فَعرف النصير حَاله فَضَحِك مِنْهُ وَقَالَ لَهُ خُذ هَذِه الصرة الدَّنَانِير واحملها إِلَيْهِ فَهِيَ الَّتِي أَرَادَ
فَقَالَ الله الله فِي دمي وَنَفْسِي
فَقَالَ لَا بَأْس عَلَيْك فَإِنَّهُ مَا أَرَادَ غير هَذِه الصرة
فحملها إِلَيْهِ فحين رَآهُ قَالَ أَمَعَك شَيْء قَالَ نعم
فَأمره أَن يتَصَدَّق بِهِ
فَلَمَّا فرغ من الصَّدَقَة قصد النصير وشكره وَقَالَ من أَيْن علمت أَنه أَرَادَ الصرة فَقَالَ لَهُ إِنَّه يتَصَدَّق هَذَا الْيَوْم بِمثل هَذَا الْقدر وَيُرْسل إِلَيّ يَأْخُذهُ من اللَّيْل وَفِي يَوْمنَا هَذَا لم يَأْخُذهُ ثمَّ بَلغنِي أَن دَابَّته عثرت بِهِ حَتَّى كَاد يسْقط على الأَرْض وأرسلك إِلَيّ فَعلمت أَنه ذكر الصَّدَقَة
قَالَ وَحكي لي من شدَّة هيبته مَا هُوَ أَشد من هَذَا
قَالَ وَالِدي خرج يَوْمًا الشَّهِيد من قلعة الجزيرة من بَاب السّر خلْوَة وملاح لَهُ نَائِم فأيقظه بعض الجاندارية وَقَالَ لَهُ اقعد فحين رأى الشَّهِيد سقط إِلَى الأَرْض فحركوه فوجدوه مَيتا
قَالَ وَكَانَ الشَّهِيد قَلِيل التلون والتنقل بطيء الْملَل والتغير شَدِيد الْعَزْم لم يتَغَيَّر على أحد من أَصْحَابه مُذْ مَلَكَ إِلَى أَن قتل إِلَّا بذنب
стр. 144
يُوجب التَّغَيُّر والأمراء والمقدمون الَّذين كَانُوا مَعَه أَولا هم الَّذين بقوا أخيراً من سلم مِنْهُم من الْمَوْت فَلهَذَا كَانُوا ينصحونه ويبذلون نُفُوسهم لَهُ
وَكَانَ الْإِنْسَان إِذا قدم عسكره لم يكن غَرِيبا إِن كَانَ جنديا اشْتَمَل عَلَيْهِ الأجناد وأضافوه وَإِن كَانَ صَاحب ديوَان قصد أهل الدِّيوَان وَإِن كَانَ عَالما قصد الْقُضَاة بني الشهرزوري فُيحسنون إِلَيْهِ ويؤنسون غربته فَيَعُود كَأَنَّهُ آهل وَسبب ذَلِك جَمِيعه أَنه كَانَ يخْطب الرِّجَال ذَوي الهمم الْعلية والآراء الصائبة والأنفس الأبية ويوسع عَلَيْهِم فِي الأرزاق فيسهل عَلَيْهِم فعل الْجَمِيل واصطناع الْمَعْرُوف
قلت وَمَا أحسن مَا وَصفه بِهِ أَحْمد بن مُنِير من قَوْله فِي قصيدة
(فِي ذرا ملك هُوَ الدَّهْر ... عَطاء واستلابا)
(من لَهُ كف تبذ الْغَيْث ... سَحا وانسكابا)
(فاتح فِي كل وَجه ... أمه للنصر بَابا)
(ترجف الدُّنْيَا إِذا حرك ... للسير الركابا)
(وتخر المشمخرات ... اختلالا واضطرابا)
(وَترى الْأَعْدَاء من هيبته ... تأوي الشعابا)
(وَإِذا مَا لفحتهم ... ناره صَارُوا كبابا)
(يَا عماد الدّين لَا زلت ... على الدّين سحابا)
(جاعلا من دونه سَيْفك ... إِن ريع حِجَابا)
стр. 145
(فالبس النعماء فِي الْأَمْن ... الَّذِي طبت وطابا)
(واصف عَيْشًا إِن أعداءك ... قد صَارُوا تُرَابا)
وَقَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب استولى زنكي على الشَّام من سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين إِلَى أَن قتل فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين
وَهُوَ الَّذِي فتح الرها عنْوَة واحتل بهَا من السَّعَادَة ذرْوَة فتسنى بِفَتْح الرها للْمُسلمين جوس بِلَاد جوسلين وَعَاد جَمِيعهَا إِلَى الْإِسْلَام فِي عهد ولد زنكي نور الدّين وَصَارَت عُقُود الفرنج من ذَلِك الْحِين تَنْفَسِخ وأمورها تنتسخ ومعاقلها تفرع وعقائلها تفترع
وَقَالَ الرئيس أَبُو يعلى التَّمِيمِي كَانَت الْأَعْمَال بعد قتل زنكي قد اضْطَرَبَتْ والمسالك قد اختلت بعد الهيبة الْمَشْهُورَة والأمنة المشكورة وَانْطَلَقت أَيدي التركمان والحرامية فِي الْإِفْسَاد فِي الْأَطْرَاف والعيث فِي سَائِر النواحي والأكناف ونظمت فِي صفة هَذَا الْحَال أبياتا من قصيدة
(كَذَاك عماد الدّين زنكي تنافرت ... سعادته عَنهُ وخرت دعائمه)
(وَكم بَيت مَال من نضار وجوهر ... وأنواع ديباج حوتها مخاتمه)
(وأضحت بِأَعْلَى كل حصن مصونة ... يُحامى عَلَيْهَا جنده وخوادمه)
(وَمن صافنات الْخَيل كل مطهم ... يروع الأعادي حليه وبراجمه)
(فَلَو رامت الْكتاب وصف شياتها ... بأقلامها مَا أدْرك الْوَصْف ناظمه)
стр. 146
(وَكم معقل قد رامه بسيوفه ... وشامخ حصن لم تفته غنائمه)
(ودانت وُلَاة الأَرْض فِيهَا لأَمره ... وَقد أمنتهم كتبه وخواتمه)
(وَأمن من فِي كل قطر بهيبة ... يراع بهَا أعرابه وأعاجمه)
(وظالم قوم حِين يذكر عدله ... فقد زَالَ عَنْهُم ظلمه وخصائمه)
(وَأصْبح سُلْطَان الْبِلَاد بِسَيْفِهِ ... وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا نَظِير يزاحمه)
(وَزَاد على الْأَمْلَاك بَأْسا وسطوة ... وَلم يبْق فِي الْأَمْلَاك ملك يقاومه)
(فَلَمَّا تناهي ملكه وجلاله ... وراعت وُلَاة الأَرْض مِنْهُ لوائمه)
(أَتَاهُ قَضَاء لَا ترد سهامه ... فَلم تنجه أَمْوَاله ومغانمه)
(وأدركه للحين فِيهَا حمامه ... وحامت عَلَيْهِ بالمنون حوائمه)
(وأضحى على ظهر الْفراش مُجدلا ... صَرِيعًا تولى ذبحه فِيهِ خادمه)
(وَقد كَانَ فِي الْجَيْش اللهام مبيته ... وَمن حوله أبطاله وصوارمه)
(
(وَسمر العوالي حوله بأكفهم ... تذود الردى عَنهُ وَقد نَام نائمه)
(وَمن دون هَذَا عصبَة قد ترتَّبَت ... بأسهمها يُرْدى من الطير حائمه)
(وَكم رام فِي الْأَيَّام رَاحَة سره ... وهمته تعلو وتقوى شكائمه)
(وَكم مَسْلَك للسَّفر أَمن سبله ... ومسرح حَيّ أَن تراع سوائمه)
(وَكم ثغر إِسْلَام حماه بِسَيْفِهِ ... من الرّوم لما أَدْرَكته مراحمه)
(فَمن ذَا الَّذِي يَأْتِي بهيبة مثله ... وتنفذ فِي أقْصَى الْبِلَاد مراسمه)
(فَلَو رقيت فِي كل مصر بِذكرِهِ ... أراقمه ذلت هُنَاكَ أراقمه)
(فَمن ذَا الَّذِي ينجو من الدَّهْر سالما ... إِذا مَا أَتَاهُ الْأَمر وَالله حاتمه)
стр. 147
(وَمن رام صفواً فِي الْحَيَاة فَمَا يرى ... لَهُ صفو عَيْش وَالْحمام يحاومه)
(فإياك لَا تغبط مليكا بِملكه ... ودعه فَإِن الدَّهْر لَا شكّ قاصمه)
(وَقل للَّذي يَبْنِي الْحُصُون لحفظه ... رويدك مَا تبني فدهرك هادمه)
(وَفِي مثل هَذَا عِبْرَة ومواعظ ... بهَا يَتَناسى الْمَرْء مَا هُوَ عازمه)
قَالَ وَفِي ثامن عشر جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة وصل الْخَادِم يرنقش الْقَاتِل لعماد الدّين زنكي وانفصل من قلعة جعبر لخوف صَاحبهَا من طلبه مِنْهُ فوصل دمشق متيقنا أَنه قد أَمن بهَا ومدلا بِمَا فعله وظنا مِنْهُ أَن الْحَال على مَا توهمه فَقبض عَلَيْهِ وأنفذ إِلَى حلب صُحْبَة من حفظه وأوصله إِلَيْهَا فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ حمل إِلَى الْموصل وَذكر أَنه قتل بهَا
قلت وللحكيم أَبى الحكم المغربي قصيدة فِي مرثية الشَّهِيد عماد الدّين زنكي ﵀ مِنْهَا
стр. 148
(عين لَا تذخري الدُّمُوع وبكي ... واستهلي دَمًا على فقد زنكي)
(لم يهب شخصه الردى بعد أَن كَانَت ... لَهُ هَيْبَة على كل تركي)
(خيرُ ملك ذِي هَيْبَة وبهاء ... وعظيم بَين الْأَنَام بزرك)
(يهب المَال والجياد لمن يممه مادحا بِغَيْر تلكي)
(إِن دَارا تمدنا بالرزايا ... هِيَ عِنْدِي أَحَق دارٍ بِتَرْك)
(فاسكبوا فَوق قَبره مَاء ورد ... وانضحوه بزعفران ومسك)
(أَي فتك جرى لَهُ فِي الأعادي ... بعد مَا استفتح الرُّها أَي فتك)
(كل خطب أَتَت بِهِ نوب الدَّهْر ... يسير فِي جنب مصْرع زنكي)
(بعد مَا كَاد أَن تدين لَهُ الرّوم ... ويحوي الْبِلَاد من غير شكّ)
فصل فِيمَا جرى بعد زنكي من تفرق أَصْحَابه وتملك ولديه غَازِي ومحمود
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى توجه الْملك ولد السُّلْطَان الْمُقِيم كَانَ مَعَه فِيمَن صَحبه وانضم إِلَيْهِ إِلَى نَاحيَة الْموصل وَمَعَهُ سيف الدّين غَازِي بن عماد الدّين أتابك وَامْتنع عَلَيْهِم الْوَالِي بالموصل على كوجك أَيَّامًا إِلَى حِين تقررت الْحَال بَينهم
ثمَّ فتح الْبَاب وَدخل وَلَده واستقام لَهُ الْأَمر وانتصب منصبه
وَعَاد الْأَمِير سيف الدولة سوار وَصَلَاح الدّين يَعْنِي
стр. 149
مُحَمَّد بن أَيُّوب الياغبساني فِي تِلْكَ الْحَال إِلَى نَاحيَة حلب ومعهما الْأَمِير نور الدّين مَحْمُود بن زنكي وَحصل بهَا وَشرع فِي جمع العساكر وإنفاق المَال فِيهَا واستقام لَهُ الْأَمر وسكنت الدهماء
وَفصل عَنهُ الْأَمِير صَلَاح الدّين وَحصل بحماة ولَايَته على سَبِيل الاستيحاش وَالْخَوْف على نَفسه من أَمر يدبر عَلَيْهِ
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم لما راهق نور الدّين لزم خدمَة وَالِده إِلَى ان انْتَهَت مدَّته على قلعة جعبر وسير فِي صَبِيحَة الْأَحَد الْملك ألب أرسلان بن السُّلْطَان مَحْمُود إِلَى الْموصل مَعَ جمَاعَة من أكَابِر دولة أَبِيه وَقَالَ لَهُم إِن وصل أخي سيف الدّين غَازِي إِلَى الْموصل فَهِيَ لَهُ وَأَنْتُم فِي خدمته وَإِن تَأَخّر فَأَنا أقرر أُمُور الشَّام وأتوجه إِلَيْكُم
ثمَّ قصد حلب وَدخل قلعتها يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع ربيع الآخر ورتب النواب فِي القلعة وَالْمَدينَة
وَقَالَ ابْن أَبى طي الْحلَبِي لما اتَّصل قتل أتابك بأسد الدّين شيركوه ركب من سَاعَته وَقصد خيمة نور الدّين وَقَالَ لَهُ اعْلَم ان الْوَزير جمال الدّين قد أَخذ عَسْكَر الْموصل وعزم على تَقْدِيم أَخِيك سيف الدّين وقصده إِلَى الْموصل وَقد انضوى إِلَيْهِ جلّ الْعَسْكَر وَقد أنفذ إِلَيّ جمال الدّين وأرادني على اللحاق بِهِ فَلم أعرج عَلَيْهِ وَقد رَأَيْت أَن أصيرك إِلَى حلب وتجعلها كرْسِي ملكك وتجتمع فِي خدمتك عَسَاكِر الشَّام ووأنا أعلم أَن الْأَمر يصير جميعُه إِلَيْك لِأَن ملك الشَّام يحصل
стр. 150
بحلب وَمن ملك حلب استظهر على بِلَاد الشرق
فَركب وَأمر أَن يُنَادى فِي اللَّيْل فِي عَسَاكِر الشَّام بالاجتماع فَاجْتمعُوا وَسَارُوا فِي خدمَة نور الدّين إِلَى حلب ودخلوها سَابِع ربيع الأول
وَلما دخلُوا حلب جَاءَ أَسد الدّين إِلَى تَحت القلعة ونادى واليها وأصعد نور الدّين إِلَيْهَا وَقرر أمره وَمَشى أَحْوَاله فَكَانَ نور الدّين يرى لَهُ ذَلِك وَأسد الدّين يمت بِأَنَّهُ كَانَ السَّبَب فِي تَوليته
وَقَالَ ابْن الْأَثِير لما قتل أتابك الشَّهِيد ركب الْملك ألب أرسلان بن السُّلْطَان مَحْمُود وَكَانَ مَعَ الشَّهِيد وَاجْتمعت العساكر عَلَيْهِ وخدموه فَأرْسل جمال الدّين الْوَزير إِلَى الصّلاح يَقُول لَهُ الْمصلحَة أَن نَتْرُك مَا كَانَ بَيْننَا وَرَاء ظُهُورنَا ونسلك طَرِيقا نبقي بِهِ الْملك فِي أَوْلَاد صاحبنا ونعمر بَيته جَزَاء لإحسانه إِلَيْنَا فَإِن الْملك قد طمع فِي الْبِلَاد وَاجْتمعت عَلَيْهِ العساكر وَلَئِن لم نتلاف هَذَا الْأَمر فِي أَوله ونتداركه فِي بدايته لَيَتَّسِعَنَّ الْخرق وَلَا يُمكن رقعه فَأَجَابَهُ الصّلاح إِلَى ذَلِك وَحلف كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه
فَركب الْجمال إِلَى الْملك فخدمه وَضمن لَهُ فتح الْبِلَاد وأطعمه فِيهَا وَمَعَهُ الصّلاح وَقَالا لَهُ إِن أتابك كَانَ نَائِبا عَنْك فِي الْبِلَاد وباسمك كُنَّا نطيعه
فَقبل قَوْلهمَا وظنه حَقًا وقربهما طَمَعا أَن يَكُونَا عونا لَهُ على تَحْصِيل غَرَضه
وأرسلا إِلَى زين الدّين بالموصل يعرفانه قتل الشَّهِيد ويأمرانه بِالْإِرْسَال إِلَى سيف الدّين غَازِي وَهُوَ ولد عماد الدّين زنكي الْأَكْبَر وإحضاره إِلَى الْموصل وَكَانَ بشهرزور وَهِي إقطاعُه من أَبِيه
فَفعل زين الدّين ذَلِك وَكَانَ نور الدّين مَحْمُود بن الشَّهِيد قد سَار لما قتل وَالِده إِلَى حلب فملكها وَذَلِكَ بِإِشَارَة أَسد الدّين شيركوه عَلَيْهِ بذلك وَقَالَ الْجمال
стр. 151
للْملك إِن من الرَّأْي أَن تسير الصّلاح إِلَى مملوكك نور الدّين بحلب يدبر أمره وَكَانَت حماة إقطاع الصّلاح فَأمره فَسَار وَبَقِي الْجمال وَحده مَعَ الْملك فَأَخذه وَقصد الرقة
فاشتغل بِشرب الْخمر وَالْخلْوَة بِالنسَاء وَأَرَادَ أَن يُعْطي الْأُمَرَاء شَيْئا فَمَنعه خوفًا من أَن تميل قُلُوبهم إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُم الإقطاع الجزيل وَالنعَم الوافرة
وَشرع الْجمال يستميل الْعَسْكَر وَيحلف المراء لسيف الدّين بن أتابك الشَّهِيد وَاحِدًا بعد وَاحِد وكل من حلف يَأْمُرهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْموصل هَارِبا من الْملك
وَأقَام بِالْملكِ فِي الرقة عدَّة أَيَّام ثمَّ سَار بِهِ إِلَى ماكسين فَتَركه بهَا عدَّة أَيَّام أَيْضا قد اشْتغل بلذاته عَن طلب الْملك ثمَّ سَار بِهِ نَحْو سنجار
وَكَانَ سيف الدّين غَازِي قد دخل الْموصل وَاسْتقر بهَا فقوى حِينَئِذٍ جنان جمال الدّين وَوصل هُوَ وَالْملك إِلَى سنجار فَأرْسل إِلَى دُزدارها وَقَالَ لَهُ لَا تسلم الْبَلَد وَلَا تمكن أحدا من دُخُوله وَلَكِن أرسل إِلَى الْملك وَقل لَهُ إِنَّا تبع الْموصل فَمَتَى دخلت الْموصل سلمت إِلَيْك الْبَلَد
فَفعل الدزدار ذَلِك
فَقَالَ الْجمال للْملك الْمصلحَة أَنا نسير إِلَى الْموصل فَإِن مملوكك غَازِي إِذا سمع بقربنا مِنْهُ خرج إِلَى الْخدمَة فَحِينَئِذٍ نقبض عَلَيْهِ ونتسلم الْبِلَاد
فَسَارُوا عَن سنجار وَكثر رحيل الْعَسْكَر إِلَى الْموصل هاربين من الْملك فبقى فِي قلَّة من الْعَسْكَر فَسَارُوا إِلَى مَدِينَة بلد وَعبر الْملك دجلة من هُنَاكَ فَلَمَّا عبرها دخل الْجمال الْموصل وَأرْسل الْأَمِير عز الدّين أَبَا بكر الدبيسي فِي عَسْكَر إِلَى الْملك وَهُوَ فِي نفر يسير فَأَخذه وَأدْخلهُ الْموصل فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ
وَاسْتقر أَمر سيف الدّين
стр. 152
واقر زين الدّين على مَا كَانَ عَلَيْهِ من ولَايَة الْموصل وَجعل وزيره الْجمال وَأَرْسلُوا إِلَى السُّلْطَان مَسْعُود فاستحلفوه لسيف الدّين فَحلف لَهُ وَأقرهُ على الْبِلَاد وَأرْسل لَهُ الْخلْع
وَكَانَ هَذَا سيف الدّين قد لَازم خدمَة السُّلْطَان مَسْعُود فِي أَيَّام أَبِيه سفرا وحضرا وَكَانَ السُّلْطَان يُحِبهُ كثيرا ويأنس بِهِ ويبسطه
فَلَمَّا خُوطِبَ فِي الْيَمين وَتَقْرِير الْبِلَاد لم يتَوَقَّف
قَالَ ابْن الْأَثِير فانظروا إِلَى فعل جمال الدّين وَحسن عَهده وَكَمَال مروءته ورعايته لحقوق مخدومه وَهَذَا الْمقَام الَّذِي ثَبت فِيهِ يعجز عَنهُ عشرَة آلَاف فَارس وَلَقَد قلل من قَالَ من النَّاس ألف مِنْهُم كواحد
وَهُوَ مَعْذُور لِأَنَّهُ لم ير مثل جمال الدّين
قَالَ وَلما اسْتَقر سيف الدّين فِي الْملك أطاعه جَمِيع الْبِلَاد مَا عدا مَا كَانَ بديار بكر كالمعدن وحيزان وإسعرد وَغير ذَلِك فَإِن المجاورين لَهَا تغلبُوا عَلَيْهَا
قَالَ وَلما فرغ سيف الدّين من إصْلَاح أَمر السلطنة وتحليفه وَتَقْرِير أَمر الْبِلَاد عبر إِلَى الشَّام لينْظر فِي تِلْكَ النواحي ويقرر الْقَاعِدَة بَينه وَبَين أَخِيه نور الدّين وَهُوَ بحلب وَقد تَأَخّر عَن الْحُضُور عِنْد أَخِيه وخافه فَلم يزل يراسله ويستميله فَكلما طلب نور الدّين شَيْئا أَجَابَهُ إِلَيْهِ استمالة لِقَلْبِهِ
واستقرت الْحَال بَينهمَا على أَن يجتمعا خَارج الْعَسْكَر السيفي وَمَعَ كل
стр. 153
وَاحِد مِنْهُمَا خمس مئة فَارس فَلَمَّا كَانَ يَوْم الميعاد بَينهمَا سَار نور الدّين من حلب فِي خمس مئة فَارس وَسَار سيف الدّين من مُعَسْكَره فِي خَمْسَة فوارس فَلم يعرف نور الدّين أَخَاهُ سيف الدّين حَتَّى قرب مِنْهُ فحين رَآهُ عرفه فترجل لَهُ وَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَأمر أَصْحَابه بِالْعودِ عَنهُ فعادوا
وَقعد سيف الدّين وَنور الدّين بعد أَن اعتنقا وبكيا فَقَالَ لَهُ سيف الدّين لم امْتنعت من الْمَجِيء إِلَيّ أَكنت تخافني على نَفسك وَالله مَا خطر ببالي مَا تنكره فَلِمَنْ أُرِيد الْبِلَاد وَمَعَ من أعيش وبمن أعتضد إِذا فعلت السوء مَعَ أخي وَأحب النَّاس إِلَيّ فاطمأن نور الدّين وَسكن روعه وَعَاد إِلَى حلب فتجهز وَعَاد بعسكره إِلَى خدمَة أَخِيه سيف الدّين فَأمره سيف الدّين بِالْعودِ وَترك عسكره عِنْده وَقَالَ لَا غَرَض لي فِي مقامك عِنْدِي وَإِنَّمَا غرضي أَن يعلم الْمُلُوك والفرنج اتفاقنا فَمن يُرِيد السوء بِنَا يكف عَنهُ
فَلم يرجع نور الدّين وَلَزِمَه إِلَى أَن قضيا مَا كَانَا عَلَيْهِ وَعَاد كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى بَلَده
قلت وَمن قصيدة لِابْنِ مُنِير فِي نور الدّين
(أيا خير الْمُلُوك أَبَا وجدا ... وأنقعهم حَيا لغليل صَاد)
(علوا وغلوا وَقَالَ النَّاس فيهم ... شوارد من ثَنَاء أَو أحاد)
(وَمَا اقتسموا وَمَا عَمدُوا بناهم ... بمنصبك القسيمي الْعِمَادِيّ)
стр. 154
(وَهل حلب سوى نفس شُعَاع ... تقسمها التَّمَادِي والتعادي)
(نفى ابْن عماد دين الله عَنْهَا الشكاة ... فَأَصْبَحت ذَات الْعِمَاد)
(تبختر فِي كسا عدل وبذل ... مدبجة التهائم والنجاد)
(وَفِي مِحْرَابهَا دَاوُد مِنْهُ ... يهذب حِكْمَة آيَات صَاد)
(تجاوزت النُّجُوم فَأَيْنَ تبغي ... ترق فَلَا خلوت من ازدياد)
فصل فِيمَا جرى بعد وَفَاة زنكي من صَاحب دمشق والإفرنج المخذولين
قَالَ ابْن أَبى طي فِي سَابِع يَوْم من اسْتِقْرَار نور الدّين بحلب اتَّصل خبر مقتل أتابك بِصَاحِب انطاكية أنطاكية البيمند فَخرج ليومه فِي عَسَاكِر أنطاكية وَقسم عسكره قسمَيْنِ قسما نفذه إِلَى جِهَة حماة وقسما أغار بِهِ على جِهَة حلب وعاث فِي بلادها وَكَانَ النَّاس آمِنين فَقتل وسبى عَالما عَظِيما وَتَمَادَى حَتَّى وصل إِلَى صلدى ونهبها
وَوصل الْخَبَر إِلَى حلب فَخرج أَسد الدّين شيركوه فِيمَن كَانَ بحلب من العساكر وجد فِي السّير ففاته الفرنج وَأدْركَ جمَاعَة من الرجالة يسوقون الأسرى فَقَتلهُمْ واستنقذ كثيرا مِمَّا كَانَت الفرنج أَخَذته وَسَار مجنبا عَن طَرِيق الفرنج إِلَى أَن شن الْغَارة على بلد أرتاح وَاسْتَاقَ جَمِيع مَا كَانَ للفرنج فِيهِ وَعَاد إِلَى حلب مظفرا
стр. 155
وَقَالَ ابْن الْأَثِير لما قتل الشَّهِيد سَار مجير الدّين صَاحب دمشق فِي عَسْكَر إِلَى بعلبك وحاصرهم وَبهَا نجم الدّين أَيُّوب وَالِد السُّلْطَان صَلَاح الدّين فسلمها إِلَيْهِ وَأخذ مِنْهُ مَالا وَملكه قرايا من أَعمال دمشق وانتقل أَيُّوب إِلَى دمشق وَأقَام بهَا
وَقَالَ ابْن أَبى طي اشْتَدَّ صَاحب دمشق فِي الْقِتَال وصبر نجم الدّين أَيُّوب أحسن صَبر فاتفق أَن المَاء لما شَاءَ الله من حصن بعلبك غَار حَتَّى لم يبْق مِنْهُ شَيْء فَصَارَ أهل القلعة يستمدون من الْبَلَد فَلَمَّا ملك الْبَلَد منع من يُرِيد المَاء من القلعة فَاشْتَدَّ الْأَمر فطلبوا الْأمان والمصالحة فاستخلف صَاحب دمشق نجم الدّين وَأقر لَهُ الثُّلُث الَّذِي كَانَ أتابك قد جعله لَهُ فِيهَا وَأقرهُ فِيهَا
وَلما بلغ ذَلِك نور الدّين خَافَ أَن يفْسد عَلَيْهِ أَسد الدّين إِلَى صَاحب دمشق لحُصُول أَخِيه نجم الدّين عِنْده وَمَال نور الدّين إِلَى مجد الدّين أَبى بكر بن الداية حَتَّى ولاه جَمِيع أُمُوره وَجَمِيع مَمْلَكَته فشق ذَلِك على أَسد الدّين
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى لما اتَّصل خبر موت زنكي بِمعين الدّين أنر شرع فِي التأهب والاستعداد لقصد بعلبك وانتهاز الفرصة فِيهَا بآلات الْحَرْب والمنجنيقات
فَنزل عَلَيْهَا وضايقها وَلم يمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى قل المَاء فِيهَا قلَّة دعتهم إِلَى النُّزُول على حكمه
وَكَانَ الْوَالِي بهَا ذَا حزم وعقل وَمَعْرِفَة بالأمور فَاشْترط مَا قَامَ لَهُ بِهِ من إقطاع وَغَيره وَسلم الْبَلَد والقلعة إِلَيْهِ ووفى لَهُ بِمَا قرر الْأَمر عَلَيْهِ وتسلم مَا فِيهِ من غلَّة وَآلَة فِي أَيَّام من جُمَادَى الأولى من السّنة
وراسل معِين الدّين الْوَالِي بحمص وتقررت بَينه وَبَينه مهادنة وموادعة يعودان بصلاح الْأَحْوَال وَعمارَة الْأَعْمَال
وَوَقعت
стр. 156
المراسلة فِيمَا بَينه وَبَين صَلَاح الدّين بحماة وتقرر بَينهمَا مثل ذَلِك
ثمَّ انكفأ بعد ذَلِك إِلَى الْبَلَد عقيب فَرَاغه من بعلبك وترتيب من رتبه لحفظها وَالْإِقَامَة فِيهَا
قَالَ ووردت الْأَخْبَار فِي أَيَّام من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة بِأَن ابْن جوسلين جمع الإفرنج من كل نَاحيَة وَقصد مَدِينَة الرها على غَفلَة بموافقة من النَّصَارَى المقيمين فِيهَا فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا وَقتل من فِيهَا من الْمُسلمين
فَنَهَضَ نور الدّين صَاحب حلب فِي عسكره وَمن انضاف إِلَيْهِ من التركمان وَغَيرهم فِي زهاء عشرَة آلَاف فَارس ووقفت الدَّوَابّ فِي الطرقات من شدَّة السّير ووافوا الْبَلَد وَقد حصل ابْن جوسلين وَأَصْحَابه فِيهِ فَهَجَمُوا عَلَيْهِم وَوَقع السَّيْف فيهم
وَقتل من أرمن الرها وَالنَّصَارَى من قتل وَانْهَزَمَ إِلَى برج يُقَال لَهُ برج المَاء فَحصل فِيهِ ابْن جوسلين فِي تَقْدِير عشْرين فَارِسًا من وُجُوه أَصْحَابه وأحدق بهم الْمُسلمُونَ وشرعوا فِي النقب عَلَيْهِم حَتَّى تعرقب البرج فَانْهَزَمَ ابْن جوسلين فِي الْخفية من اصحابه وَأخذ الْبَاقُونَ ومحق السَّيْف كل من ظفر بِهِ من نَصَارَى الرها واستخلص من كَانَ فِيهِ أَسِيرًا من الْمُسلمين وَنهب مِنْهَا شَيْء كثير من المَال والأثاث والسبي وانكفأ الْمُسلمُونَ بالغنائم إِلَى حلب وَسَائِر الْأَطْرَاف
قَالَ ابْن الْأَثِير لما قتل زنكي كَانَ جوسلين الفرنجي الَّذِي كَانَ صَاحب الرها فِي ولَايَته غرب الْفُرَات فِي تل بَاشر وَمَا جاورها فراسل أهل الرها وَكَانَ عامتهم من الأرمن وواعدهم يَوْمًا يصل إِلَيْهِم فِيهِ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك فَسَار فِي عساكره إِلَيْهَا وملكها وامتنعت عَلَيْهِ القلعة بِمن فِيهَا من الْمُسلمين فَقَاتلهُمْ وجد فِي قِتَالهمْ فَبلغ الْخَبَر نور الدّين وَهُوَ يَوْمئِذٍ
стр. 157
بحلب فَسَار إِلَيْهَا بعسكره فهرب جوسلين وَدخل نور الدّين مَدِينَة الرها ونهبها وسبى أَهلهَا
وَفِي هَذِه الدفعة نهبت وَخَربَتْ وخلت من أَهلهَا وَلم يبْق مِنْهُم بهَا إِلَّا الْقَلِيل
وَوصل خبر الفرنج إِلَى سيف الدّين غَازِي بالموصل فَجهز العساكر إِلَى الرها فوصلت وَقد ملكهَا نور الدّين فَبَقيت بِيَدِهِ وَلم يُعَارضهُ فِيهَا أَخُوهُ سيف الدّين
قَالَ وَمن عَجِيب مَا جرى أَن نور الدّين أرسل من غنائمها إِلَى الْأُمَرَاء وَأرْسل إِلَى زين الدّين عَليّ جملَة من الْجَوَارِي فحملن إِلَى دَاره وَدخل لينْظر إلَيْهِنَّ فَخرج وَقد اغْتسل وَهُوَ يضْحك فسُئل عَن ذَلِك فَقَالَ لما فتحنا الرها مَعَ الشَّهِيد كَانَ فِي جملَة مَا غنمت جَارِيَة مَالَتْ نَفسِي إِلَيْهَا فعزمت على أَن أَبيت مَعهَا فَسمِعت مُنَادِي الشَّهِيد وَهُوَ يَأْمر بِإِعَادَة السَّبي والغنائم وَكَانَ مهيبا مخوفا فَلم أجسر على إتيانها وأطلقتها
فَلَمَّا كَانَ الْآن أرسل إِلَى نور الدّين سهمي من الْغَنِيمَة وَفِيه تِلْكَ الْجَارِيَة فوطئتها خوفًا من الْعود
قلت وللقيسراني قصيدة مدح بهَا جمال الدّين وَزِير الْموصل ذكر فِيهَا فتح الرها أَولهَا
(أما آن أَن يزهق الْبَاطِل ... وَأَن ينجز الْعدة الماطل)
(إِلَى كم يغب مُلُوك الضلال ... سيف بأعناقها كافل)
(فَلَا تحفلن بصول الذئاب ... وَقد زأر الْأسد الباسل)
(وَهل يمْنَع الدّين إِلَّا إِلَى فَتى ... يصول انتقاماً فيستاصل)
(أَبَا جَعْفَر أشرقت دولة ... أَضَاء لَهَا بدرك الْكَامِل)
(فإمَّا نصبت لرفع اسْمهَا ... فإنكما الْفِعْل وَالْفَاعِل)
стр. 158
لِيَهنك مَا أفرج النَّصْر عَنهُ ... وَمَا ناله الْملك الْعَادِل)
(فَقل للحقاق الطَّرِيق الطَّرِيق ... فقد دلف المقرم البازل)
(وجاهد فِي الله حق الْجِهَاد ... محتسب بالعلا قافل)
(وَهل يمْنَع السُّور من طالع ... يُشايِعُه الْقدر النارل)
(فَإِن يَك فتح الرها لُجَّة ... فساحلها الْقُدس والساحل)
(فَهَل علمت علم تِلْكَ الديار ... أَن الْمُقِيم بهَا راحل)
(أرى القمص يأمل فَوت الرماح ... وَلَا بُد أَن تضرب الشائل)
(يُقَوي معاقله جاهدا ... وَهل عَاقل بعْدهَا عَاقل)
(وَكَيف بضبط بواقي الْجِهَات ... لمن فَاتَ حسبته الْحَاصِل)
وَلابْن مُنِير من قصيدة فِي نور الدّين
ملك مَا أذلّ بِالْفَتْح أَرضًا ... قطّ إِلَّا أعزها إغلاقه)
(والوهى فِي الرهاء أزجي إِلَيْهَا ... عارضاً شيب الدجى إبراقه)
(جارت جأرة إِلَيْهِ فحلى ... عطلا من إعناقها إعناقه)
(تِلْكَ بكر الْفتُوح فالشام مِنْهَا ... شامه وَالْعراق بعد عراقه)
(أَيْن كَانَ الْمُلُوك عَن وَجههَا الطلق ... يُرينا إضاءة إِطْلَاقه)
стр. 159
(سنة سنّهَا أَبوهُ بكلب الرّوم ... لما أظلهُ إرهاقه)
(خافقا قلبه إِلَى أمل عاجله ... دون نيله إخفاقه)
(قسمت راية المواضي القسيميات ... وابتز من لهاه عراقه)
(وَكَذَا أَنْت يَا بْنَه مَا عدا من ... خلقه فِيك خصْلَة خلاقه)
(وَكفى الْبَحْر أَنه ابْن سَحَاب ... مَا وَنَى سَحُّه وَلَا إصْعَاقه)
(لم يمت من سددت ثلمته يَا ... من على الدّين كظه إشفاقه)
(رهبة لم تدع على الأَرْض قلبا ... خلف صدر ينشق عَنهُ شقاقه)
(كلما طن ذكرهَا مِنْهُ فِي السّمع ... تكمى فِي النافقاء نفَاقه)
(وَجِهَاد عَن حوزة الدّين لم يأل ... لَهُ ركضه وَلَا إِنْفَاقه)
وَله فِيهِ من قصيدة أُخْرَى
(بِنور الدّين روض كل مَحل ... من الدُّنْيَا وجدد كل بَال)
(أَقَامَ على ثنية كل خوف ... سهادا بَات يكلأ كل كال)
(وَصوب عدله فِي كل أَوب ... فعوض عاطلا مِنْهُ بِحَال)
(ينكس رايه راي المحامي ... وَيقتل خَوفه قبل الْقِتَال)
(لقد أحصدت لِلْإِسْلَامِ عزا ... يفوت سنامه يَد كل قَالَ)
(وأصبحت العواصم ملحفات ... عصاما غير منتكث الحبال)
стр. 160
فصل
وقفت على توقيع كتب فِي ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين عَن خَليفَة مصر يَوْمئِذٍ وَهُوَ الملقب بِالْحَافِظِ وَعَلِيهِ علامته الْحَمد لله رب الْعَالمين
إِلَى القَاضِي الْأَشْرَف أَبى الْمجد عَليّ بن الْحسن بن الْحُسَيْن بن أَحْمد البيساني وَهُوَ وَالِد القَاضِي الْفَاضِل وَكَانَ يَوْمئِذٍ مُتَوَلِّي الْقَضَاء وَالْحكم بِمَدِينَة عسقلان يَقُول فِيهِ انْتهى إِلَى حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن قوما من أهل ثغر عسقلان حماه الله قد صَارُوا يؤدون توقيعات بِقبُول أَقْوَالهم من غير تَزْكِيَة من شُهُوده المعروفين بالتزكية لَهُم مَعَ كَونهم غير مستوجبين للشَّهَادَة وَلَا مستحقين لسَمَاع القَوْل أنكر أَمِير الْمُؤمنِينَ ذَلِك من فعلهم وَخرج عالي أمره بِأَن لَا يسمع قَول شَاهد وَلَا من تقدم لخطابة وَلَا لصَلَاة بِالنَّاسِ وَلَا لتلاوة فِي مَوضِع شرِيف إِلَّا من زَكَّاهُ أَعْيَان شُهُود الثغر المحروس وهم فلَان وَفُلَان فعد ثَمَانِيَة أنفس عبد السَّاتِر بن عبد الرَّحْمَن عبد الْعَزِيز بن مفضل عَليّ بن قُرَيْش أَحْمد بن حسن أَحْمد بن عَليّ عبد الرَّحْمَن بن محسن أُسَامَة بن عبد الصَّمد عَليّ بن عبد الله
قلت وَهَذَا من أحسن مَا يؤرخ عَن أَيَّام تِلْكَ الدولة المبانية للشريعة على مَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 161
وَقَالَ الرئيس أَبُو يعلى وَفِي شَوَّال من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين ترددت المراسلات بَين نور الدّين ومعين الدّين أنر إِلَى أَن اسْتَقَرَّتْ الْحَال بَينهمَا على أجمل صفة وَأحسن قَضِيَّة وانعقدت الوصلة بَين نور الدّين وَبَين ابْنة معِين الدّين وتأكدت الْأُمُور على مَا اقترح كل مِنْهُمَا وَكتب كتاب العقد فِي دمشق بِمحضر من رسل نور الدّين فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال وَشرع فِي تَحْصِيل الجهاز وَعند الْفَرَاغ مِنْهُ تَوَجَّهت الرُّسُل عَائِدَة إِلَى حلب وَفِي صحبتهم ابْنة معِين الدّين وَمن فِي جُمْلَتهَا من خَواص الْأَصْحَاب فِي النّصْف من ذِي الْقعدَة
قَالَ وَتوجه معِين الدّين إِلَى نَاحيَة صرخد وَبصرى بِالْخَيْلِ وَالرجل وآلات الْحَرْب وَنزل على صرخد وَبهَا الْمَعْرُوف بالتونتاش غُلَام أَمِين الدولة كمشتكين الأتابكي الَّذِي كَانَ واليها أَولا
قلت هُوَ الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ الْمدرسَة الأمينية قبلي الْجَامِع بِدِمَشْق
قَالَ وَكَانَت نفس ألتونتاش قد حدثته بجهله أَنه يُقَاوم من يكون مستولياً على دمشق وَأَن الإفرنج يعينونه على مُرَاده وَكَانَ قد خرج من حصن صرخد إِلَى نَاحيَة الفرنج للاستنصار بهم وَتَقْرِير أَحْوَال الْفساد مَعَهم فحال معِين الدولة بَينه وَبَين الْعود إِلَى أحد الحصنين
وراسل نور الدّين فِي إنجاده على الْكفْر فَأَجَابَهُ وَكَانَ مبرزاً بِظَاهِر حلب فِي عسكره فَثنى إِلَيْهِ الأعنة وأغذ الْمسير فوصل دمشق فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة فَأَقَامَ أَيَّامًا يسيرَة
стр. 162
وَدخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
فَتوجه نور الدّين نَحْو صرخد وَلم يُشَاهد أحسن من عسكره وهيئته وعدته ووفور عدته
وَاجْتمعَ العسكران وَأرْسل من بصرخد إِلَيْهِمَا يَلْتَمِسُونَ الْأمان والمهلة أَيَّامًا وتسلم الْمَكَان وَكَانَ ذَلِك مِنْهُم على سَبِيل المغالطة والمخاتلة إِلَى أَن يصل عَسْكَر الإفرنج لترحيلهم
وَقضى الله تَعَالَى وُصُول من أخبر بتجمع الفرنج واحتشادهم ونهوضهم فِي فارسهم وراجلهم مجدين السّير إِلَى نَاحيَة بصرى وَعَلَيْهَا فرقة وافرة من الْعَسْكَر محاصرة لَهَا
فَنَهَضَ الْعَسْكَر فِي الْحَال إِلَى نَاحيَة بصرى فسبقوا الفرنج إِلَيْهَا فحالوا بَينهم وَبَينهَا
وَوَقعت الْعين على الْعين فَانْهَزَمَ الْكفَّار وولوا الأدبار وتسلم معِين الدّين بصرى وَعَاد إِلَى صرخد فتسلمها وَعَاد العسكران إِلَى دمشق فوصلاها يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم
وَفِي هَذَا الْوَقْت وصل ألتونتاش الَّذِي خرج من صرخد إِلَى الفرنج بجهله وسخافة عقله إِلَى دمشق من بِلَاد الفرنج من غير أَمَان وَلَا تَقْرِير واستئذان توهما مِنْهُ أَنه يكرم ويصطنع بعد الْإِسَاءَة القبيحة والارتداد عَن الْإِسْلَام فاعتقل فِي الْحَال وطالبه أَخُوهُ خطلخ بِمَا جناه عَلَيْهِ من سمل عَيْنَيْهِ وَعقد لَهما مجْلِس حَضَره الْفُقَهَاء والقضاة وأوجبوا عَلَيْهِ الْقصاص فسمل كَمَا سمل أَخَاهُ وَأطلق إِلَى دَار لَهُ بِدِمَشْق فَأَقَامَ بهَا
قلت وَقد ذكر ابْن مُنِير وقْعَة بصرى هَذِه وَغَيرهَا من الوقعات الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا فِي قصيدة قد تقدم بَعْضهَا مِنْهَا
(أَي شأو أدْركْت يَا نور دين الله ... أعيا على الْمُلُوك لحاقه)
стр. 163
(نطق الحاسدون بِالْعَجزِ عَن ملك ... محلى بالنيرات نطاقه)
(غض أَبْصَارهم لحاق جواد ... لَيْسَ إِلَّا إِلَى الْمَعَالِي سباقه)
(سل بَصيرًا كم أعتقت يَوْم بصرى ... من أسار الْمَوْت الزؤام عتاقه)
(كم عرام على العريمة شبت ... ضَاقَ مِنْهُ على الصَّلِيب خناقه)
(وَلكم هبوة بهاب وأختيها ... لَهَا صكت الْأُسَارَى رباقه)
(بسط الذل فَوق بسطة باسوطا ... وَلَكِن طواه عَنهُ ارتفاقه)
وَفِي هَذِه السّنة ولد ببعلبك الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبُو بكر بن أَيُّوب وَقيل فِي سنة فتح زنكي الرها
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّالِث من ربيع الأول توفى الْفَقِيه شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْفَتْح نصر الله بن مُحَمَّد بن عبد الْقوي المصِّيصِي بِدِمَشْق وَكَانَ بَقِيَّة الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء الْمُفْتِينَ على مَذْهَب الشَّافِعِي وَلم يخلف بعده مثله
قَالَ وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة تقررت ولَايَة حصن صرخد للأمير مُجَاهِد الدّين بزان بن مامين على مبلغ من المَال وَالْغلَّة وشروط وأيمان دخل فِيهَا وَقَامَ بهَا واستبشر أهل تِلْكَ النَّاحِيَة بِهِ لما هُوَ عَلَيْهِ من حب الْخَيْر وَالصَّلَاح والتدين والعفاف
стр. 164
قَالَ وَفِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال وَهُوَ مستهل نيسان أظلم الجو وَنزل غيث سَاكن ثمَّ أظلمت الأَرْض فِي وَقت الْعَصْر ظلاما شَدِيدا بِحَيْثُ كَانَ ذَلِك كالغدرة بَين العشاءين وَبقيت السَّمَاء فِي عين النَّاظر إِلَيْهَا كصفرة الورس وَكَذَلِكَ الْجبَال وأشجار الغوطة وكل مَا ينظر إِلَيْهِ من حَيَوَان وجماد ونبات
ثمَّ جَاءَ فِي أثر ذَلِك من الرَّعْد القاصف والبرق الخاطف والهدات المزعجة والرجفات المفزعة مَا ارتاع لَهَا الشيب والشبان فَكيف الْولدَان والنسوان وقلقت لذَلِك الْخُيُول فِي مرابطها وَبَقِي الْأَمر على هَذِه الْحَال إِلَى وَقت الْعشَاء الْآخِرَة ثمَّ سكن بقدرة الله تَعَالَى واصبح على الأَرْض وَالْأَشْجَار وَسَائِر النَّبَات غُبَار فِي رقة الْهَوَاء بَين الْبيَاض والغبرة
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين فتح نور الدّين أرتاح بِالسَّيْفِ وحصن باراة وبصرفوث وكفرلاثا وَكَانَ الفرنج قد طمعوا وظنوا أَنهم بعد قتل الشَّهِيد يستردون مَا أَخذ مِنْهُم فَلَمَّا رَأَوْا من نور الدّين هَذَا الْجد علمُوا أَن مَا أَملوهُ بعيد
стр. 165
فصل فِي نزُول الفرنج على دمشق ورجوعهم وَقد خذلهم الله تَعَالَى عَنْهَا
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى وَفِي هَذِه السّنة تواصلت الْأَخْبَار من نَاحيَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وبلاد الفرنج وَالروم وَمَا والاها بِظُهُور مُلُوك الإفرنج من بِلَادهمْ مِنْهُم الألمان والفنش وَجَمَاعَة من كبارهم فِي الْعدَد الَّذِي لَا يحصر لقصد بِلَاد الْإِسْلَام بعد أَن نادوا فِي سَائِر بِلَادهمْ ومعاقلهم النفير النفير إِلَيْهَا والإسراع نَحْوهَا
وخلوا بِلَادهمْ وأعمالهم خَالِيَة شاغرة من حماتها والحفظة لَهَا ثمَّ استصحبوا من ذخائرهم وَأَمْوَالهمْ وعددهم الشَّيْء الْكثير الَّذِي لَا يُحْصى بِحَيْثُ يُقَال إِن عدتهمْ ألف ألف من الرجالة والفرسان وَيُقَال أَكثر من ذَلِك
وغلبوا على أَعمال قسطنطينية وَاحْتَاجَ ملكهَا إِلَى الدُّخُول فِي مداراتهم ومسالمتهم وَالنُّزُول على أحكامهم
وَحين شاع خبرهم واشتهر أَمرهم شرعت وُلَاة الْأَعْمَال المصاقبة لَهُم والأطراف الإسلامية الْقَرِيبَة مِنْهُم فِي التأهب للمدافعة لَهُم والاحتشاد على المجاهدة فيهم وقصدوا منافذهم ودروب معابرهم لكَي يمنعوهم من العبور والنفوذ إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وواصلوا شن الغارات على أَطْرَافهم واستحر الْقَتْل فيهم والفتك بهم إِلَى أَن هلك مِنْهُم الْعدَد الْكثير وَحل بهم من عدم الْقُوت والعلوفات والمير وَغَلَاء السّعر إِذا وجدوه مَا أفنى الْكثير مِنْهُم بِالْجُوعِ وَالْمَرَض
стр. 166
وَلم تزل أخبارهم تتواصل بهلاكهم وفناء أعدادهم إِلَى أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين بِحَيْثُ سكنت النُّفُوس بعض السّكُون
وَدخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين
وتواترت الْأَخْبَار بوصول مراكب الفرنج وحصولهم على سواحل الثغور الساحلية صور وعكا واجتماعهم مَعَ من بهَا من الفرنج
وَيُقَال إِنَّهُم بعد مَا فني مِنْهُم بِالْقَتْلِ وَالْمَرَض والجوع وصل تَقْدِير من مئة ألف وقصدوا الْبَيْت الْمُقَدّس فقضوا حجهم وَعَاد من عَاد مِنْهُم إِلَى بِلَادهمْ فِي الْبَحْر وَقد هلك مِنْهُم بِالْمَوْتِ وَالْمَرَض الْخلق الْعَظِيم وَهلك من مُلُوكهمْ من هلك وَبَقِي الألمان أكبر مُلُوكهمْ وَمن هُوَ دونه
وَاخْتلفت الآراء بَينهم فِيمَا يقصدون منازلته من الْبِلَاد الإسلامية إِلَى أَن اسْتَقَرَّتْ الْحَال على منازلتهم دمشق وَبلغ ذَلِك معِين الدّين فاستعد لحربهم فجاؤوا فِي تَقْدِير خمسين ألفا ودنوا من الْبَلَد وقصدوا المنزله الْمَعْرُوفَة بنزول العساكر فِيهَا فصادفوا المَاء مَقْطُوعًا فقصدوا نَاحيَة المزة فخيموا عَلَيْهَا لقربها من المَاء وزحفوا إِلَى الْبَلَد بخيلهم ورجلهم ووقف الْمُسلمُونَ بازائهم فِي يَوْم السبت سادس ربيع الأول ونشبت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ وَاجْتمعَ عَلَيْهِم من الْأَعْمَال والأجناد والأتراك والفتاك وأحداث الْبَلَد والمطوعة والغزاة الجم
стр. 167
الْغَفِير وَاسْتظْهر الْكفَّار على الْمُسلمين بِكَثْرَة الْأَعْدَاد وغلبوا على المَاء وانتشروا فِي الْبَسَاتِين وخيموا فِيهَا وقربوا من الْبَلَد وحصلوا مِنْهُ بمَكَان لم يتَمَكَّن أحد من العساكر قَدِيما وحديثا مِنْهُ وَاسْتشْهدَ فِي هَذَا الْيَوْم الْفَقِيه الإِمَام يُوسُف الفندلاوي الْمَالِكِي ﵀ قريب الربوة على المَاء لوقوفه فِي وُجُوههم وَترك الرُّجُوع عَنْهُم اتبع أوَامِر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم وَقَالَ بعنا وَاشْترى وَكَذَلِكَ عبد الرَّحْمَن الحلحولي الزَّاهِد ﵀ جرى أمره هَذَا المجرى
قلت وَذكر الْأَمِير أُسَامَة بن منقذ فِي = كتاب الِاعْتِبَار = أَن ملك الألمان الفرنجي لما وصل إِلَى الشَّام اجْتمع إِلَيْهِ كل من بِالشَّام من الإفرنج وَقصد
стр. 168
دمشق فَخرج عسكرها وَأَهْلهَا لقتالهم وَفِي جُمْلَتهمْ الْفَقِيه الفندلاوي الْمَالِكِي وَالشَّيْخ الزَّاهِد عبد الرَّحْمَن الحلحولي رحمهمَا الله وَكَانَا من خِيَار الْمُسلمين فَلَمَّا قاربوهم قَالَ الْفَقِيه يَا عبد الرَّحْمَن أما هَؤُلَاءِ الرّوم قَالَ بلَى قَالَ فَإلَى مَتى نَحن وقُوف قَالَ سر على اسْم الله فَتَقَدما فَقَاتلا حَتَّى قتلا فِي مَكَان وَاحِد رحمهمَا الله تَعَالَى
ثمَّ قَالَ أَبُو يعلى وشرعوا فِي قطع الْأَشْجَار والتحصن بهَا وهدوا الفطائر وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة على هَذِه الْحَال وَقد لحق النَّاس من الارتياع لهول مَا شاهدوه والروع بِمَا عاينوه مَا ضعفت بِهِ الْقُلُوب وحرجت مَعَه الصُّدُور وباكروا الظُّهُور إِلَيْهِم فِي غَد ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ الْأَحَد تاليه وزحفوا إِلَيْهِم وَوَقع الطراد بَينهم وَاسْتظْهر الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم وَأَكْثرُوا الْقَتْل والجراح فيهم وأبلى الْأَمِير معِين الدّين فِي حربهم بلَاء حسنا وَظهر من شجاعته وَصَبره وبسالته مَا لم يُشَاهد فِي غَيره بِحَيْثُ لَا يني فِي جهادهم
стр. 169
وَلَا ينثني عَن ذيادهم
وَلم تزل رَحا الْحَرْب دَائِرَة بَينهم وخيل الْكفَّار محجمة عَن الحملة الْمَعْرُوفَة لَهُم حَتَّى تتهيأ الفرصة لَهُم إِلَى أَن مَالَتْ الشَّمْس إِلَى الْغُرُوب وَأَقْبل اللَّيْل وَطلبت النُّفُوس الرَّاحَة وَعَاد كل مِنْهُم إِلَى مَكَانَهُ وأبت الْجند بإزائهم وَأهل الْبَلَد على أسوارهم للحرس وَالِاحْتِيَاط وهم يشاهدون أعداءهم بِالْقربِ مِنْهُم
وَكَانَت المكاتبات قد نفذت إِلَى وُلَاة الْأَطْرَاف بالاستصراخ والاستنجاد وَجعلت خيل التركمان تتواصل ورجالة الْأَطْرَاف تتتابع
وباكرهم الْمُسلمُونَ وَقد قويت نُفُوسهم وَزَالَ عَنْهُم روعهم وثبتوا بإزائهم وأطلقوا فيهم السِّهَام ونبل الجرخ بِحَيْثُ يَقع فِي مخّيمهم فِي راجل أَو فَارس أَو فرس أَو جمل
وَوصل فِي هَذَا الْيَوْم من نَاحيَة الْبِقَاع وَغَيرهَا رجالة كَثِيرَة من الرُّمَاة فزادت بهم الْعدة وتضاعفت الْعدة وانفصل كل فريق إِلَى مستقره فِي هَذَا الْيَوْم وباكروهم من غده يَوْم الثُّلَاثَاء وَأَحَاطُوا بهم فِي مخيمهم وَقد تحَصَّنُوا بأشجار الْبَسَاتِين وأفسدوها رشقا بالنشاب وحذفا بالأحجار وَقد أحجموا عَن البروز وخافوا وفشلوا وَلم يظْهر مِنْهُم أحد وَظن أَنهم يعْملُونَ مكيدة أَو يدبرون حِيلَة وَلم يظْهر مِنْهُم إِلَّا النَّفر الْيَسِير من الْخَيل وَالرجل على سَبِيل المطاردة والمناوشة خوفًا من المهاجمة إِلَى أَن يَجدوا لحملتهم مجالا
وَلَيْسَ يدنو مِنْهُم أحد إِلَّا صُرع برشقة أَو طعنة
وطمع فيهم نفر كثير من رجالة الْأَحْدَاث والضياع وَجعلُوا يقصدونهم فِي المسالك وَقد أمنُوا فيقتلون من ظفروا بِهِ ويحضرون رؤوسهم لطلب الجوائز عَنْهَا
وَحصل من رؤوسهم الْعدَد الْكثير
وتواترت إِلَيْهِم أَخْبَار العساكر الإسلامية بالمسارعة إِلَى جهادهم واستئصال
стр. 170
شأفتهم فَأَيْقنُوا بِالْهَلَاكِ والبوار وحلول الدمار وأعملوا الآراء بَينهم فَلم يَجدوا لنفوسهم خلاصا من الشبكة الَّتِي حصلوا فِيهَا غير الرحيل فرحلوا سحر يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّالِي مفلولين
وَحين عرف الْمُسلمُونَ ذَلِك برزوا إِلَيْهِم فِي بكرَة هَذَا الْيَوْم وسارعوا فِي آثَارهم بِالسِّهَامِ بِحَيْثُ قتلوا فِي أَعْقَابهم من الرِّجَال والخيول وَالدَّوَاب الْعدَد الْكثير
ووجدوا فِي آثَار مَنَازِلهمْ وطرقاتهم من دفائن قتلاهم وخيولهم مَا لَا عدد لَهُ وَلَا حصر يلْحقهُ بِحَيْثُ لَهَا أراييح من جيفتهم تكَاد تصرع فِي الجو
وَكَانُوا قد أحرقوا الربوة والقبة الممدودية فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
واستبشر النَّاس بِهَذِهِ النِّعْمَة الَّتِي أسبغها الله عَلَيْهِم وَأَكْثرُوا من الشُّكْر لَهُ تَعَالَى على مَا أولاهم من إِجَابَة دُعَائِهِمْ الَّذِي واصلوه فِي أَيَّام هَذِه الشدَّة
فَللَّه الْحَمد على ذَلِك وَالشُّكْر
وَاتفقَ عقيب هَذِه الرَّحْمَة اجْتِمَاع معِين الدّين مَعَ نور الدّين عِنْد قربه من دمشق للإنجاد لَهَا
وَقَالَ ابْن الْأَثِير خرج ملك الألمان من بِلَاد الفرنج فِي جيوش كَبِيرَة عَظِيمَة لَا تحصى كَثْرَة من الفرنج إِلَى بِلَاد الشَّام فاتفق هُوَ وَمن بساحل الشَّام من الفرنج فَاجْتمعُوا وقصدوا مَدِينَة دمشق ونازلوها وَلَا يشك ملك الألمان إِلَّا أَنه يملكهَا وَغَيرهَا لِكَثْرَة جموعه وعساكره
قَالَ وَهَذَا النَّوْع من الفرنج هُوَ أَكْثَرهم عددا وأوسعهم بلادا وملكهم أَكثر عددا وعددا وَإِن كَانَ غير ملكهم أشرف مِنْهُ عِنْدهم وَأعظم محلا
فَلَمَّا حاصروا دمشق وَبهَا صَاحبهَا مجير الدّين آبق بن مُحَمَّد بن بورى بن طغتكين وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمر إِلَى مَمْلُوك جده طغتكين وَهُوَ معِين الدّين أنر فَهُوَ كَانَ الْحَاكِم وَالْمُدبر للبلد والعسكر وَكَانَ عَاقِلا دينا خيرا حسن السِّيرَة
стр. 171
فَجمع الْعَسْكَر وَحفظ الْبَلَد وحصرهم الفرنج وزحفوا إِلَيْهِم سادس ربيع الأول فَخرج الْعَسْكَر وَأهل الْبَلَد لمنعهم
وَكَانَ فِيمَن خرج الشَّيْخ الْفَقِيه حجَّة الدّين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن ذوناس المغربي الفندلاوي شيخ الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق وَكَانَ شَيخا كَبِيرا زاهدا عابدا خرج رَاجِلا فَرَآهُ معِين الدّين فقصده وَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا شيخ أَنْت مَعْذُور وَنحن نكفيك وَلَيْسَ بك قُوَّة على الْقِتَال فَقَالَ قد بِعْت وَاشْترى فَلَا نُقيله وَلَا نَسْتَقِيلهُ
يعْنى قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ الْآيَة
وَتقدم فقاتل الفرنج حَتَّى قتل ﵀ عِنْد النيرب شَهِيدا
وَقَوي أَمر الفرنج وتقدموا فنزلوا بالميدان الْأَخْضَر وَضعف أهل الْبَلَد عَن ردهم عَنهُ
وَكَانَ معِين الدّين قد أرسل إِلَى سيف الدّين يستغيث بِهِ ويستنجده ويسأله الْقدوم عَلَيْهِ ويعلمه شدَّة الْأَمر
فَجمع سيف الدّين عساكره وَسَار مجدا إِلَى مَدِينَة حمص وَأرْسل إِلَى معِين الدّين يَقُول لَهُ قد حضرت وَمَعِي كل من يُطيق حمل السِّلَاح من بلادي فَإِن أَنا جِئْت إِلَيْك ولقينا الفرنج وَلَيْسَت دمشق بيد نوابي وأصحابي وَكَانَت الْهَزِيمَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه علينا لَا يسلم منا أحد لبعد بِلَادنَا عَنَّا وَحِينَئِذٍ يملك الفرنج دمشق وَغَيرهَا فَإِن أردتم أَن ألقاهم وأقاتلهم فتسلم الْبَلَد إِلَى من أَثِق إِلَيْهِ وَأَنا أَحْلف لَك إِن كَانَت النُّصْرَة لنا على الفرنج أنني لَا آخذ دمشق وَلَا أقيم لَهَا إِلَّا مِقْدَار مَا يرحل الْعَدو عَنْهَا وأعود إِلَى بلادي
فماطله معِين الدّين لينْظر مَا يكون من الفرنج
فَأرْسل سيف الدّين إِلَى الفرنج
стр. 172
الغرباء يتهددهم وَيُعلمهُم أَنه على قصدهم إِن لم يرحلوا
وَأرْسل معِين الدّين إِلَيْهِم أَيْضا يَقُول لَهُم قد حضر ملك الشرق وَمَعَهُ من العساكر مَا لَا طَاقَة لكم بِهِ فَإِن أَنْتُم رحلتم عنّا وَإِلَّا سلمت الْبَلَد إِلَيْهِ وَحِينَئِذٍ لَا تطمعون فِي السَّلامَة مِنْهُ
وَأرْسل إِلَى فرنج الشَّام يخوفهم من أُولَئِكَ الفرنج الخارجين إِلَى بِلَادهمْ وَيَقُول لَهُم أَنْتُم بَين أَمريْن مذمومين إِن ملك هَؤُلَاءِ الفرنج الغرباء دمشق لَا يبقون عَلَيْكُم مَا بِأَيْدِيكُمْ من الْبِلَاد وَإِن سلمت أَنا دمشق إِلَى سيف الدّين فَأنْتم تعلمُونَ أَنكُمْ لَا تقدرون على مَنعه من الْبَيْت الْمُقَدّس
وبذل لَهُم أَن يسلم إِلَيْهِم بانياًس أَن رحلوا ملك الألمان عَن دمشق فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وَعَلمُوا صدقه واجتمعوا بِملك الألمان وخوفوه من سيف الدّين وَكَثْرَة عساكره وتتابع أمداده وَأَنه رُبمَا ملك دمشق فَلَا يبْقى لَهُم مَعَه مقَام بالسَّاحل
فأجابهم إِلَى الرحيل عَن دمشق فَرَحل ورحل فرنج السَّاحِل وتسلموا حصن بانياس من معِين الدّين وَبَقِي مَعَهم حَتَّى فَتحه نور الدّين مَحْمُود ﵀ كَمَا سَنذكرُهُ
قلت وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر رَحْمَة الله فِي تَارِيخه أَن الْفَقِيه الفندلاوي رُؤِيَ فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ أَيْن انت قَالَ فِي جنَّات عدن على سُرُرٍ مُتَقَابلين
وقبره الْآن يزار بمقابر الْبَاب الصَّغِير من نَاحيَة حَائِط الْمصلى وَعَلِيهِ بلاطة كَبِيرَة منقورة فِيهَا شرح حَاله
стр. 173
وَأما عبد الرَّحْمَن الحلحولي فقبره فِي بُسْتَان الشَّعْبَانِي فِي جِهَة شرقه وَهُوَ الْبُسْتَان المحاذي لمَسْجِد شعْبَان الْمَعْرُوف الْآن بِمَسْجِد طالوت
وَكَانَ مقَامه فِي حَيَاته فِي ذَلِك الْمَكَان رَحْمَة الله
وقرأت قصيدة فِي شعر أَبى الحكم الأندلسي شرح فِيهَا هَذِه الْقِصَّة مِنْهَا
(بشطى نهر داريا ... أُمُور مَا تواتينا)
(وأقوام رَأَوْا سفك الدَّم ... مَا فِي جلق دينا)
(أَتَانَا مئتا ألف ... عديدا أَو يزيدونا)
(فبعضهم من أندلس ... وَبَعض من فلسطينا)
(وَمن عكا وَمن صور ... وَمن صيدا وتبنينا)
(إِذا أبصرتهم أَبْصرت ... أَقْوَامًا مجانينا)
(وَلَكِن حرقوا فِي عَاجل ... الْحَال البساتينا)
(وجازوا المرج وَالتَّعْدِيل ... أَيْضا والميادينا)
(تخالهم وَقد ركبُوا ... فطائرها حراذينا)
(وَبَين خيامهم ضمُّوا الخنازر ... والقرابينا)
(ورايات وصلبانا ... على مَسْجِد خاتونا)
стр. 174
(وَقُلْنَا إِذْ رأيناهم ... لَعَلَّ الله يكفينا)
(سَمَا لَهُم معِين قد ... أعَان الْخلق والدينا)
(وفتيان تخالهم ... لَدَى الهيجا شياطينا)
(فَوَلوا يطْلبُونَ المرج ... من شَرْقي جسرينا)
(وَلَكِن غادروا إلْيَاس ... تَحت الترب مَدْفُونا)
(وشيخا فندلاويا ... فَقِيها يعضد الدِّينَا)
(وفتيانا تفانوا من ... دمشق نَحْو سبعينا)
(وَمِنْهُم مئتا علج ... وخيل نَحْو تسعينا)
(وباقيهم إِلَى الْآن ... من الْقَتْل يفرونا)
وللعرقلة حسان فِي مدح مجير الدّين صَاحب دمشق حِينَئِذٍ قصيدة ذكر فِيهَا هَؤُلَاءِ الفرنج أَولهَا
(عرّج على نجد لَعَلَّك منجدى ... بنسيمها وبذكر سعدي مسعدى)
يَقُول فِيهَا
(من قَاتل الأفرنج دينا غَيره ... وَالْخَيْل مثلُ السّيل عِنْد المشهد)
(رد الْأمان بِكُل ندب باسل ... وَمن الْجِيَاد بِكُل نهد أجرد)
(وَمن السيوف بِكُل عضب أَبيض ... وَمن العجاج بِكُل نقع أسود)
(حَتَّى لوى الْإِسْلَام تَحت لوائه ... وَغدا بِحَمْد من شَرِيعَة أَحْمد)
стр. 175
وقرأت فِي ديوَان مُحَمَّد بن نصر القيسراني قصيدة فِي مدح تَاج الْمُلُوك بورى جد مجير الدّين أنْشدهُ إِيَّاهَا عِنْد كسرة الفرنج على دمشق فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَخمْس مئة وَهِي وَاقعَة تشبه الْوَاقِعَة فِي زمن مجير الدّين
أول القصيدة
(الْحق مبتهج وَالسيف مبتسم ... وَمَال أَعدَاء فَخر الدّين مقتسم)
يَقُول فِيهَا
(قدت الْجِيَاد وحصنت الْبِلَاد وَأمنت ... الْعباد فَأَنت الْحل وَالْحرم)
(وَجئْت بِالْخَيْلِ من أقْصَى مرابطها ... معاقد الحزم فِي أوساًطها الحُزُم)
(حَتَّى إِذا مَا أحَاط الْمُشْركُونَ بِنَا ... كالليل يلتهم الدُّنْيَا لَهُ ظلم)
(واقبلوا لَا من الإقبال فِي عدد ... يؤود حَاسبه الإعياء والسأم)
(أجريت بحرا من الماذي معتكرا ... أمواجه بأواسى الْبَأْس تلتطم)
(وسست جندك والرحمن يكلؤه ... سياسة مَا يُعْفَى إثْرهَا نَدم)
(وقفت فِي الْجَيْش والأعلام خافقة ... بالنصر كل قناة فَوْقهَا علم)
(يحوطك الله صونا عَن عيونهم ... وَالله يعْصم من بِاللَّه بعتصم)
(حَتَّى إِذا بَدَت الآراء ضاحكة ... وَأَقْبَلت أوجه الإقبال تبتسم)
(أتبعت جن سراياهم مضمرة ... فِيهَا نُجُوم إِذا وجد الوغى رجموا)
стр. 176
(والنصر دَان وخيل الله مقبلة ... ترجو الشَّهَادَة فِي الهيجا وتغتنم)
(صاب الْغَمَام عَلَيْهِم والسهام مَعًا ... فَمَا دروا أيُّما الهطالة الدّيم)
(سروا لينتهبوا الْأَعْمَار فانتهبوا ... قتلا ويغتنموا الْأَمْوَال فاغتنموا)
(وَأَقْبَلت خَيْلنَا تردي بخيلهم ... مَجْنُونَة وعَلى أرماحنا القمم)
(وَأدبر الْملك الطاغي يزعزعه ... حر الأسنة وَهُوَ البادر الشبم)
(وافوا دمشق وظنوا أَنَّهَا جدة ... ففارقوها وَفِي أَيْديهم الْعَدَم)
(وأيقنوا مَعَ ضِيَاء الصُّبْح أَنهم ... إِن لم يزولوا سرَاعًا زَالَت الخيم)
(فغادروا أَكثر القربان وانجفلوا ... وخلفوا أكبر الصلبان وانهزموا)
(وحاولوا الْمَسْجِد الأدْنى فَمَا عبرت ... عَن مَسْجِد الْقدَم الْأَقْصَى لَهَا قدم)
(مستسلمين لأيدي الْمُسلمين وَقد ... أغرى القنا بتمادي خطفهم نهم)
(لَا يملك الجسُم دفعا عَن مقاتله ... كَأَنَّهُ حِين يغشاهُ الردى صنم)
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير لما رَحل الفرنج عَن دمشق سَار معِين الدّين أنر إِلَى بعلبك وَأرْسل إِلَى نور الدّين وَهُوَ مَعَ أَخِيه سيف الدّين يسْأَله أَن يحضر عِنْده فاجتمعا فوصل إِلَيْهِمَا = كتاب القمص = صَاحب طرابلس يُشِير عَلَيْهِمَا
стр. 177
بِقصد حصن العريمة وَأَخذه مِمَّن فِيهِ من الفرنج
وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن ولد الفنش صَاحب جَزِيرَة صقلية خرج مَعَ ملك الألمان إِلَى الشَّام وتغلب على العريمة وَأَخذهَا من القمص وَأظْهر أَنه يُرِيد أَخذ طرابلس مِنْهُ أَيْضا وجد هَذَا الَّذِي ملك العُريمة هُوَ الَّذِي غزا إفريقية وَفتح مَدِينَة طرابلس الغرب فَلَمَّا استولى هَذَا على العريمة كَاتب القومص نور الدّين ومعين الدّين فِي قَصده فسارا إِلَيْهِ مجدين فصبحاه وكتبا إِلَى سيف الدّين يستنجدانه ويطلبان مِنْهُ المدد فأمدهما
فحصروا الْحصن وَبِه ابْن الفنش ونقبوا السُّور فأذعن الفرنج واستسلموا وألقوا بِأَيْدِيهِم
فَملك الْمُسلمُونَ الْحصن وَأخذُوا كل من بِهِ من رجل وَصبي وَامْرَأَة وَفِيهِمْ ابْن الفنش وأخربوا الْحصن وعادوا إِلَى سيف الدّين
وافتتح نور الدّين أَيْضا باسوطا وهاب
وَقَالَ الرئيس أَبُو يعلى قتل أَكثر من كَانَ فِيهِ يَعْنِي فِي حصن العريمة واسروا وَأخذُوا ولد الْملك وَأمه وَنهب مَا فِيهِ من الْعدَد والخيول والأثاث
وَعَاد عَسْكَر سيف الدّين إِلَى مخيمه بحمص وَنور الدّين عَاد إِلَى حلب وَمَعَهُ ولد الْملك وَأمه وَمن اسر مَعَهُمَا وانكفأ معِين الدّين إِلَى دمشق
стр. 178
قَالَ ووردت الْأَخْبَار فِي رَجَب من نَاحيَة حلب بِأَن نور الدّين صَاحبهَا كَانَ قد توجه فِي عسكره إِلَى نَاحيَة الْأَعْمَال الإفرنجية وَقصد فامية وظفر بعدة من الْحُصُون والمعاقل الإفرنجية وبعدة وافرة من الإفرنج وان صَاحب أنطاكية جمع الفرنج وقصده على حِين غَفلَة مِنْهُ فَنَال من عسكره وأثقاله وكراعه مَا أوجبته الأقدار النَّازِلَة وَانْهَزَمَ بِنَفسِهِ وَعَسْكَره وَعَاد إِلَى حلب سالما فِي عسكره لم يفقد مِنْهُ إِلَّا النَّفر الْيَسِير بعد قتل جمَاعَة وافرة من الإفرنج
وَأقَام بحلب أَيَّامًا بِحَيْثُ جدد مَا ذهب لَهُ من البرك وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من آلَات الْعَسْكَر وَعَاد إِلَى منزله وَقيل لم يعد
وَذكر ابْن أَبى طي أَن أَسد الدّين لما كَانَ فِي نَفسه على نور الدّين من تَقْدِيم ابْن الداية عَلَيْهِ لم ينصح يَوْمئِذٍ وَهِي وَاقعَة يغرا وَمر بِهِ نور الدّين فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الْوُقُوف والغفلة فِي مثل هَذَا الْوَقْت والمسلمون قد انكسروا فَقَالَ يَا خوند إيش ننفع نَحن إِنَّمَا ينفع مجد الدّين أَبُو بكر فَهُوَ صَاحب الْأَمر
فاستدرك نور الدّين ذَلِك وَطيب قلب أَسد الدّين بعد ذَلِك والزم مجد الدّين أَن يعرف لأسد الدّين حَقه واصلح بَينهمَا
قَالَ وَقتل فِي هَذِه الكسرة شاهنشاه بن أَيُّوب أَخُو الْملك النَّاصِر وَقيل فِي كسرة البقيعة
стр. 179
قلت وَهُوَ وَالِد عز الدّين فرخشاه وتقي الدّين عمر والست عذرا الْمَنْسُوب إِلَيْهَا الْمدرسَة الْمدرسَة العذراوية دَاخل بَاب النَّصْر بِدِمَشْق وقبره الْآن بالتربة النجمية جوَار الْمدرسَة الحسامية بمقبرة العوينة ظَاهر دمشق رَحِمهم الله تَعَالَى
قلت وَلابْن مُنِير من قصيدة تقدّمت اعتذارا عَمَّا جرى فِي هَذِه الْغُزَاة قَالَ
(لم يشنه من مَاء يغراء أَن فر ... الأشابات ذاد عَنْهَا انذلاقه)
(كَانَ فِيهَا لَيْث العرين حمى الأشبال ... مِنْهُ غَضْبَان كالنار ماقه)
(وشبيه النَّبِي يَوْم حُنيْن ... إِذْ تلافى أدواءهم درْيَاقه)
(وَهِي الْحَرْب فَحلهَا يحسن الكرة ... إِن عض بأسها لَا نياقه)
وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين أَيْضا سَار نور الدّين إِلَى يغرى وَقد اجْتمع بهَا الفرنج فِي قضهم وقضيضهم وَقد عزموا على قصد بِلَاد الْإِسْلَام فَالتقى بهم هُنَالك واقتتلوا أَشد قتال ثمَّ أنزل الله
стр. 180
نَصره على الْمُسلمين وَانْهَزَمَ الفرنج وَكَانُوا بَين قَتِيل وأسير وَفِي هَذِه الْوَقْعَة يَقُول القيسراني من قصيدة أَولهَا
(يَا لَيْت أَن الصد مصدود ... أَو لَا فليت النّوم مَرْدُود)
(إِلَى مَتى تعرض عَن مغرم ... فِي خَدّه للدمع أخدُود)
(قَالُوا عُيُون الْبيض بيض الظبي ... قلت وَلَكِن هَذِه سود)
(يخَاف مِنْهَا وَهِي فِي جفنها ... وَالسيف يخْشَى وَهُوَ مغمود)
ثمَّ خرج إِلَى الْمَدْح فَقَالَ
(وَكَيف لَا نثني على عيشنا الْمَحْمُود ... وَالسُّلْطَان مَحْمُود)
(فليشكر النَّاس ظلال المنى ... إِن رواق الْعدْل مَمْدُود)
(ونيرات الْملك وهاجة ... وطالع الدولة مَسْعُود)
(وصارم الْإِسْلَام لَا ينثني ... إِلَّا وشْلوُ الْكفْر مقدود)
(مَنَاقِب لم تَكُ مَوْجُودَة ... إِلَّا وَنور الدّين مَوْجُود)
(مظفر فِي درعه ضيغم ... عَلَيْهِ تَاج الْملك مَعْقُود)
(نَالَ الْمَعَالِي حَاكما مَالِكًا ... فَهُوَ سُلَيْمَان وَدَاوُد)
(ترتشف الأفواه أسيافه ... أَن رُضاب الْعِزّ مورود)
(وَكم لَهُ من وقعةٍ يَوْمهَا ... عِنْد مُلُوك الشّرك مشهود)
(وَالْقَوْم إِمَّا مُرهق صرعة ... أَو موثق بالقد مشدود)
(حَتَّى إِذا عَادوا إِلَى مثلهَا ... قَالَت لَهُم هيبته عودوا)
(طَالب بثأر ضمنته الظبي ... فَكل مَا تضمن مَرْدُود)
(وَالْكر والفر سِجَال الوغى ... فطارد طورا ومطرود)
следующие страницы →