Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وَمَعَهُ ولداه الْعَزِيز وَالظَّاهِر وَأَخُوهُ الْعَادِل فالتمس الْعَادِل عوض حلب بلادا عينهَا ونواحي بِمصْر بَينهَا
وَكَانَ قد مَال الْملك الْعَزِيز إِلَيْهِ لإشفاقه عَلَيْهِ فَسَأَلَ أَبَاهُ أَن يسير مَعَه الْعَادِل فَإِنَّهُ نعم الْكَافِي الكافل فَأعْطَاهُ السُّلْطَان بِمصْر الْبِلَاد الْمَعْرُوفَة بالشرقية وَاعْتمد عَلَيْهِ فِي نيابته فِي سَائِر الممالك المصرية
وَلما سمع تَقِيّ الدّين هَذَا الْخَبَر نبا وَنَفر وذم الْغَيْر واستبدل من الصفو الكدر وغار من تغير الرَّأْي فِيهِ وَإِذا تولى أَبُو بكر فَلَا عمر
فَعبر إِلَى الجيزة مظْهرا أَنه يمْضِي إِلَى بِلَاد الْمغرب ليملكها وَكتب وَسَأَلَ السُّلْطَان أَن لَا يمنعهُ من سلوك مسلكها وسمت همته إِلَى مملكة جَدِيدَة وأقاليم ذَات ظلال مديدة وبلاد وَاسِعَة ومدن شاسعة
وَقد كَانَ أحد مماليكه الْمَعْرُوف بقراقوش قد جمع من قبل الجيوش وَسَار إِلَى بِلَاد برقة فملكها وهدته الأمنية إِلَى النفائس من بِلَاد نفوسة فأدركها وَتجَاوز إِلَى إفريقية وَهُوَ يكْتب أبدا إِلَى مَالِكه الْملك المظفر يرغبه فِي تِلْكَ المملكة وَيَقُول إِن الْبِلَاد سائبة
فَلَمَّا تجدّد لتقي الدّين مَا تجدّد وتمهد لِعَمِّهِ الْعَادِل مَا تمهد عَاد لَهُ ذكر الْمغرب فَعبر بعسكره ومالت إِلَيْهِ عَسَاكِر مصر لبذله وَقدم مَمْلُوكه يوزبا فِي الْمُقدمَة
فَلَمَّا انْتهى إِلَى السُّلْطَان خبر عزمه قَالَ لعمري إِن فتح الْمغرب مُهِمّ لَكِن فتح الْبَيْت الْمُقَدّس أهم والفائدة بِهِ أتم والمصلحة مِنْهُ أخص وأعم وَإِذا توجه تَقِيّ الدّين واستصحب مَعَه رجالنا الْمَعْرُوفَة ذهب الْعُمر
стр. 1157
فِي اقتناء الرِّجَال وَإِذا فتحنا الْقُدس والساحل طوينا إِلَى تِلْكَ الممالك المراحل
وَعلم لجاج تَقِيّ الدّين فِي ركُوب تِلْكَ اللجة فَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالقدوم عَلَيْهِ وجهز وَلَده الْعَزِيز إِلَى مصر وَقرر لَهُ قوص وأعمالها وَسَار وَمَعَهُ عَمه الْعَادِل فدخلا الْقَاهِرَة فِي خَامِس شهر رَمَضَان
وَأما الْملك الظَّاهِر فسيره السُّلْطَان إِلَى حلب وأنعم عَلَيْهِ بهَا وبسائر قلاعها وأقاليمها وَندب مَعَه الْحَاجِب شُجَاع الدّين عِيسَى بن بلاشو وَعَاد السُّلْطَان وَمَعَهُ الْأَفْضَل
وَقدم تَقِيّ الدّين فِي آخر شعْبَان وتلقاه السُّلْطَان وخيم على الْمصْرِيّ فَوق قصر أم حَكِيم فَلَمَّا قرب ركب إِلَى موكبه ورحب بِهِ وَدخل دمشق وَعَاد إِلَى مَا كَانَ لَهُ من الْبِلَاد حماة ومنبج والمعرة وَسَائِر أَعمالهَا ثمَّ أضَاف إِلَيْهِ ميافارقين وَجَمِيع مَا فِي ذَلِك الإقليم من المعاقل وَكتب إِلَى مصر باستدعاء رِجَاله وإعلامهم بِتَأْخِير عزم الْمغرب بل إِبْطَاله
فامتثلوا الْأَمر وفارقوا إِلَى الشَّام مصر سوى مَمْلُوكه زين الدّين يوزبا فَإِنَّهُ رتب لَهُ عسكرا إِلَى الْمغرب فَمضى واستصحبه وَغلب على بِلَاد إفريقية ثمَّ قَصده صَاحب الْمغرب فَأَخذه مأسورا ثمَّ أغزاه مَعَ الغز فِي ثغر من الثغور فألفاه مَشْهُورا مشكورا فقدمه عَلَيْهِم
стр. 1158
قلت وَكتب الْفَاضِل إِلَى تَقِيّ الدّين سَبَب هَذِه الْخدمَة مَا اتَّصل بالمملوك من تردد رسائل مَوْلَانَا فِي التمَاس السّفر إِلَى الْمغرب والدستور إِلَيْهِ
(يَكْفِي الزَّمَان فمالنا نستعجل ...)
يَا مَوْلَانَا مَا هَذَا الْوَاقِع الَّذِي وَقع وَمَا هَذَا الْغَرِيم من الْهم الَّذِي مَا انْدفع بالْأَمْس مَا كَانَ لكم من الدُّنْيَا إِلَّا الْبلْغَة وَالْيَوْم قد وهب الله هَذِه النِّعْمَة وَقد كَانَ الشمل مجموعا والهم مَقْطُوعًا مَمْنُوعًا أفتصبح الْآن الدُّنْيَا ضيقَة علينا وَقد وسعت والأسباب بِنَا مَقْطُوعَة وَلَا وَالله مَا انْقَطَعت يَا مَوْلَانَا إِلَى أَيْن وَمَا الْغَايَة وَهل نَحن فِي ضائقة من عَيْش أَو فِي قلَّة من عدد أَو فِي عدم من بِلَاد أَو فِي شكوى من عدم كَيفَ نَخْتَار على الله وَقد اخْتَار لنا وَكَيف ندبر لأنفسنا وَهُوَ دبر لنا وَكَيف ننتجع الجدب وَنحن فِي دَار الخصب وَكَيف نعدل إِلَى حَرْب الْإِسْلَام الْمنْهِي عَنْهَا وَنحن فِي الْمَدْعُو إِلَيْهَا من حزب أهل الْحَرْب معاشر الخدام والجلساء وأرباب الْعُقُول والآراء ﴿أَلَيْسَ مِنْكُم رجل رشيد﴾
(تعقب الرَّأْي وَانْظُر فِي أواخره ... فطالما اتهمت قدما أَوَائِله)
لَا زَالَ مَوْلَانَا يمْضِي الآراء صائبة ويلحظها بادية وعاقبة وَلَا خلت مِنْهُ دَار إِن خلت فهيهات أَن تعمر وَلَا عدمته أَيَّام إِن لم تطلع فِيهَا شمس وَجهه دخلت فِي عداد اللَّيَالِي فَلم تذكر
стр. 1159
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَفِي سَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وصل الْملك الْأَفْضَل إِلَى دمشق وَلم يكن رأى الشَّام قبل ذَلِك وَكَانَ السُّلْطَان رأى رواح الْملك الْعَادِل إِلَى مصر فَإِنَّهُ كَانَ آنس بأحوالها من الْملك المظفر فَمَا زَالَ يفاوضه فِي ذَلِك وَهُوَ على حران مَرِيض وَحصل ذَلِك فِي نفس الْعَادِل فَإِنَّهُ كَانَ يحب الديار المصرية
فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان إِلَى دمشق وَمن الله بعافيته سير يطْلب الْعَادِل إِلَى دمشق فَخرج من حلب جَرِيدَة وَأقَام بِدِمَشْق فِي خدمَة السُّلْطَان يجْرِي بَينهمَا أَحَادِيث ومراجعات فِي قَوَاعِد تقرر إِلَى جُمَادَى الْآخِرَة فاستقر عود الْعَادِل إِلَى مصر وَيسلم بِلَاد حلب إِلَى الْملك الظَّاهِر وَسلم السُّلْطَان إِلَيْهِ وَلَده الْملك الْعَزِيز وَجعله أتابكه
قَالَ وَلَقَد قَالَ لي الْملك الْعَادِل لما اسْتَقَرَّتْ هَذِه الْقَاعِدَة اجْتمعت بِخِدْمَة الْملك الْعَزِيز وَالْملك الظَّاهِر وَجَلَست بَينهمَا وَقلت للعزيز اعْلَم يَا مولَايَ أَن السُّلْطَان قد أَمرنِي أَن أَسِير فِي خدمتك إِلَى مصر وَأَنا أعلم أَن المفسدين كثير وَغدا فَمَا يَخْلُو مِمَّن يَقُول عني مَا لَا يجوز ويخوفك مني فَإِن كَانَ لَك عزم تسمع فَقل لي حَتَّى لَا أجيء
فَقَالَ لَا أسمع وَكَيف يكون ذَلِك ثمَّ الْتفت وَقلت للْملك الظَّاهِر أَنا أعرف أَن أَخَاك رُبمَا سمع فِي أَقْوَال المفسدين وَأَنا فَمَالِي إِلَّا أَنْت وَقد قنعت مِنْك بمنبج مَتى ضَاقَ صَدْرِي من جَانِبه
فَقَالَ مبارك
وَذكر كل خير
ثمَّ إِن السُّلْطَان سير وَلَده الظَّاهِر إِلَى حلب وأعادها إِلَيْهِ وَكَانَ ﵀ يعلم أَن حلب هِيَ أصل الْملك وجرثومته وقاعدته وَلِهَذَا دَاب
стр. 1160
فِي طلبَهَا ذَلِك الدأب وَلما حصلت أعرض عَمَّا عَداهَا من بِلَاد الشرق وقنع مِنْهُم بِالطَّاعَةِ والمعونة على الْجِهَاد فسلمها إِلَيْهِ علما مِنْهُ بحذاقته وحزمه وَحفظه فَسَار إِلَيْهَا حَتَّى أَتَى الْعين الْمُبَارَكَة وسير فِي خدمته شحنة حسام الدّين بِشَارَة وواليا شُجَاع الدّين عِيسَى بن بلاشو وَنزل يَوْم الْجُمُعَة بِالْعينِ الْمُبَارَكَة وَخرج النَّاس إِلَى لِقَائِه بكرَة يَوْم السبت تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة وَصعد القلعة ضاحي نَهَاره وَفَرح النَّاس بِهِ فَرحا شَدِيدا وَمد على النَّاس جنَاح عدله وأفاض عَلَيْهِم وابل فَضله
وَأما الْملك الْعَزِيز والعادل فَإِن السُّلْطَان قرر حَالهمَا وَكتب إِلَى الْملك المظفر يُخبرهُ بمسيرهما إِلَى مصر ويأمره بالوصول إِلَى الشَّام
فشق ذَلِك عَلَيْهِ حَتَّى ظهر للنَّاس وعزم على الْمسير إِلَى ديار الغرب إِلَى برقة فقبح ذَلِك عَلَيْهِ جمَاعَة من أكَابِر الدولة وعرفوه أَن عَمه السُّلْطَان يخرج من يَده فِي الْحَال وَالله يعلم مَا يكون مِنْهُ بعد ذَلِك فَرَأى الْحق يعين البصيرة وَأجَاب بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَسلم الْبِلَاد ورحل واصلا إِلَى خدمَة السُّلْطَان فَسَار السُّلْطَان إِلَى لِقَائِه فَلَقِيَهُ بمرج الصفر وَفَرح بوصوله فَرحا شَدِيدا وَذَلِكَ فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان وَأَعْطَاهُ حماة وَسَار إِلَيْهَا وَكَانَ عقد بَين الظَّاهِر وَبَعض بَنَات الْعَادِل عقد نِكَاح فتمم ذَلِك وَدخل بهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان وَدخل الْملك الْأَفْضَل على زَوجته بنت نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه فِي شَوَّال من هَذِه السّنة
وَمن كتاب فاضلي إِلَى السُّلْطَان الْملك الْعَادِل وَالْملك المظفر
стр. 1161
الْمَذْكُورَان مَا هما أَخ وَلَا ابْن أَخ بل هما ولدان لَا يعرفان إِلَّا الْمولى والدا ومنعما وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَهُ عش كثير الْفِرَاخ وَبَيت كرقعة الشطرنج فِيهِ صغَار وكبار كالبياذق والرخاخ فَلَا يقنع كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَّا طرف يملكهُ وإقليم ينْفَرد بِهِ فيدبر مَوْلَانَا فِي ذَلِك بِمَا يَقْتَضِيهِ صَدره الْوَاسِع وجوده الَّذِي مَا نظر مثله النَّاظر وَلَا سمع السَّامع وَلَا ينس قَول عمر بن الْخطاب ﵁ مرو الْقَرَابَة أَن يتزاوروا وَلَا يتجاوروا
وَمَا على مَوْلَانَا عجلة فِي تَدْبِير يدبره وَلَا فِي أَمر يبته
وستبدي لَك الْأَيَّام مَا كنت عَارِفًا وَفِي غَد مَا لَيْسَ فِي الْيَوْم وَللَّه أقدار وَلها أمد وَقد رزق الله مَوْلَانَا ذُرِّيَّة تود لَو قدمت أَنْفسهَا بَين يَدَيْهِ وَلَو اكتحلت أجفانها بغبار قَدَمَيْهِ مَا فِيهَا من يشتكى مِنْهُ إِلَّا التزيد فِي الطّلب وَهُوَ من بَاب الثِّقَة بكرم الْمُنعم وَلَهُم أَوْلَاد وَالْمولى مد الآمال لَهُم كَمَا قَالَ مولى الْأمة لَهَا تناكحوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِر بكم الْأُمَم طالما قَالَ لَهُم الْمولى لدوا وَعلي تجهيز الْإِنَاث وغنى الذُّكُور وَسَوَاء على أفق هَذَا الْبَيْت طُلُوع الشموس والبدور
قَالَ الْعِمَاد ومدحت تَقِيّ الدّين بقصيدة سينية سنية قطوفها دانية جنية تشْتَمل على مئة وَأَرْبَعين بَيْتا أنشدته إِيَّاهَا فِي ثَالِث شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة بِدِمَشْق وأوردت بَعْضهَا ومطلعها
стр. 1162
(عَفا الله عَن ذَوي الشوق نفسوا ... فقد تلفت منا قُلُوب وأنفس)
وَمِنْهَا
(ألم تعلمُوا أَنِّي من الشوق مُوسر ... ألم تعلمُوا أَنِّي من الصَّبْر مُفلس)
(ظننتم بعيني أَنَّهَا تألف الْكرَى ... فَهَلا بعثتم طيفكم يتجسس)
(وَلَيْسَ لقلبي فِي السرُور تصرف ... فقلبي على الأحزان وقف محبس) وَمِنْهَا
(لفتك محبيه تيقظ طرفه ... وتحسبه من سقم عَيْنَيْهِ يَنْعس)
(لَهُ نَاظر عِنْد الْخلاف مناظر ... يَقُول دَلِيل الدل عِنْدِي أَقيس)
(إِذا درست ألحاظه السحر أَصبَحت ... رسوم اصْطِبَارِي حِين تدرس تدرس)
(وَلم أنس أنسي بالحمى رعي الْحمى ... عَشِيَّة لي مجنى ومجلى ومجلس)
(لحا الله أَبنَاء الزَّمَان فكلهم ... صَحِيفَته أودى بهَا المتلمس)
(وَلَوْلَا ابتسامات المظفر بالندى ... لما راق نَفسِي صبحه المتنفس)
(جلت شمس لقيَاهُ الحنادس بَعْدَمَا ... عرتنا وَهل يبْقى مَعَ الشَّمْس حندس)
(وَصَارَ بِهِ هَذَا الزَّمَان جَمِيعه ... نَهَارا فَمَا للنَّاس ليل معسعس)
(إِذا صال فالمغلول ألف مدرع ... وَإِن جاد فالمبذول ألف مكيس)
(وَلَيْسَ بمغبون على فضل رَأْيه ... ويغبن فِي الْأَمْوَال مِنْهُ ويبخس)
(إِذا أطلق الْملك المظفر فِي الوغى ... أعنته فالشمس بالنقع تحبس)
(فدَاك مُلُوك لَا يلبون دَاعيا ... وَكلهمْ عَن دَعْوَة الْحق يخنس)
стр. 1163
(تشكى إِلَيْك الغرب جور ملوكه ... فأشكيته والجور بِالْعَدْلِ يعكس)
(سيهدى إِلَى المهدية النَّصْر وَالْهدى ... بهديكم فِيهَا وتونس تؤنس)
(رددت كراديس الفرنج وَكلهمْ ... لَدَى الْأسر فِي غل الصغار مكردس)
(وبيضت وَجه الدّين يَوْم لقيتهم ... وأبيضكم من أسود الْقصر أشوس)
(أَفَادَ دم الأنجاس طهر سُيُوفكُمْ ... وَمَا تستفيد الطُّهْر لَوْلَا التنجس)
(شموس ظبى تَغْدُو لَهَا الْهَام سجدا ... فَللَّه نَصْرَانِيَّة تتمجس)
(وَكم كفي الْإِسْلَام سوءا بملككم ... كفيتم على رغم المعادين كل سو)
(وَلَا يفتح الْبَيْت الْمُقَدّس غَيْركُمْ ... وبيتكم من كل عَابَ مقدس)
(لَهُم كل يَوْم فِي جِهَاد مثلث ... إِذا نصروا التَّوْحِيد فَيْء مخمس)
(إِذا مَا تَقِيّ الدّين صال تساقطت ... لأقدامه من عصبَة الشّرك أرؤس)
(وَمَا عمر إِلَّا شَبيه سميه ... شَدِيد على اللأواء ثَبت عمرس)
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد كَانَ المنجمون فِي جَمِيع الْبِلَاد يحكمون بخراب الْعَالم فِي هَذِه السّنة فِي شعْبَان عِنْد اجْتِمَاع الْكَوَاكِب السِّتَّة فِي الْمِيزَان بطوفان الرّيح فِي سَائِر الْبلدَانِ وخوفوا من ذَلِك من لَا وثوق لَهُ بِالْيَقِينِ وَلَا إحكام لَهُ فِي الدّين من مُلُوك الْأَعَاجِم وَالروم وأشعروهم من تأثيرات النُّجُوم فشرعوا فِي حفر مغارات فِي التخوم وتعميق بيُوت فِي الأسراب
стр. 1164
وتوثيقها وسد منافسها على الرّيح وَقطع طريقها ونقلوا إِلَيْهَا المَاء والأزواد وانتقلوا إِلَيْهَا وَانْتَظرُوا الميعاد وَكلما سمعنَا بأخبارهم استغربنا فِي الضحك من عُقُولهمْ وسلطاننا متنمر من أباطيل المنجمين موقن أَن قَوْلهم مَبْنِيّ على الْكَذِب والتخمين فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي عينهَا المنجمون لمثل ريح عَاد وَقد شارفنا الميعاد وَنحن جُلُوس عِنْد السُّلْطَان فِي فضاء وَاسع وناد للشموع الزاهرات جَامع وَمَا يَتَحَرَّك لنا نسيم وَلَا لسرح الْهَوَاء فِي رعي منابت الْأَنْوَار مسيم وَمَا رَأينَا لَيْلَة مثلهَا فِي ركودها وركونها وهدوها وهدونها
قَالَ ابْن القادسي وَحكم أَصْحَاب النُّجُوم أَن فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة تقترن الْكَوَاكِب السيارة الْخَمْسَة وَالشَّمْس وَالْقَمَر فِي برج الْمِيزَان ويؤثر ذَلِك هَوَاء عَظِيما وخيما سموميا
وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين تهْلك الْبِلَاد وَيحمل الرمل ونسبوا ذَلِك إِلَى الخازمي وَقَالُوا يكون أَشد ذَلِك من لَيْلَة الثُّلَاثَاء إِلَى نصف لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فاستعد لذَلِك أَقوام فِي الْبِلَاد وجمعوا الكعك وحفروا السراديب فَأهل رَجَب وَمَا جرى مِمَّا قَالُوا شَيْء فخزي أهل التنجيم لذَلِك وَلم يهب فِي ذَلِك الْيَوْم هَوَاء الْبَتَّةَ وَكَانَ الزَّمَان حارا وَاشْتَدَّ الْحر
стр. 1165
فِي ذَلِك الْيَوْم وَبعده وَلم يظْهر مِمَّا قَالُوا شَيْء
وَعمل الشُّعَرَاء فِي ذَلِك شعرًا يزرون عَلَيْهِم فِي حكمهم مِنْهُم أَبُو الْغَنَائِم مُحَمَّد بن عَليّ بن الْمعلم الهرثي وفخر الدّين عِيسَى بن مودود دزدار قلعة تكريت وَأَبُو الْفَتْح سبط ابْن التعاويذي
قَالَ أَبُو الْغَنَائِم بن الْمعلم
(قل لأبي الْفضل قَول معترف ... مضى جُمَادَى وجاءنا رَجَب)
(وَمَا جرت زعزعا كَمَا حكمُوا ... وَلَا بدا كَوْكَب لَهُ ذَنْب)
(كلا وَلَا أظلمت ذكاء وَلَا ... أبدت أَذَى فِي قرانها الشهب)
(يقْضِي عَلَيْهَا من لَيْسَ يعلم مَا ... يقْضى عَلَيْهِ هَذَا هُوَ الْعجب)
(فارم بتقويمك الْفُرَات والإصطرلاب ... خير من صفره الْخشب)
(قد بَان كذب المنجمين وَفِي ... أَي مقَال قَالُوا فَمَا كذبُوا)
(مُدبر الْأَمر وَاحِد لَيْسَ للسبعة ... فِي كل حَادث سَبَب)
(لَا المُشْتَرِي سَالم وَلَا زحل ... بَاقٍ وَلَا زهرَة وَلَا قطب)
(تبَارك الله حصحص الْحق وانجاب ... التَّمَادِي وزالت الريب)
стр. 1166
(فليبطل المدعون مَا وضعُوا ... فِي كتبهمْ ولتخرق الْكتب)
وَقَالَ عِيسَى بن مودود
(مزق التَّقْوِيم والزيج ... فقد بَان الخفاء)
(إِنَّمَا التَّقْوِيم والزيج ... هباء وهواء)
(قلت للسبعة إبرام ... وَمنع وَعَطَاء)
(وَمَتى ينزلن فِي الْمِيزَان ... يستولي الْهَوَاء)
(وتثير الرمل حَتَّى ... يمتلي مِنْهُ الفضاء)
(ويعم الأَرْض خسف ... وخراب وبلاء)
(وَيصير القاع كالقف ... وكالطود العراء)
(وحكمتم فَأبى الْحَاكِم ... إِلَّا مَا يَشَاء)
(مَا أَتَى الشَّرْع وَلَا جَاءَت ... بِهَذَا الْأَنْبِيَاء)
(فبقيتم ضحكة تضحك ... مِنْهَا الْعلمَاء)
(حسبكم خزيا وعارا ... مَا يَقُول الشُّعَرَاء)
(ثمَّ مَا أطمعكم فِي الحكم ... إِلَّا الْأُمَرَاء)
(لَيْت إِذْ لم يحسنوا فِي الدّين ... ظنا مَا أساؤوا)
(فعلى اصطرلاب بطليموس ... والزيج العفاء)
(وَعَلِيهِ الخزي مَا جَادَتْ ... على الأَرْض السَّمَاء)
وَلم يذكر شعر سبط ابْن التعاويذي
стр. 1167
قَالَ وَفِي السَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال توفّي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بري بن عبد الْجَبَّار النَّحْوِيّ وَكَانَ آيَة فِي النَّحْو ثِقَة عَالما صَالحا وَكَانَ مبلدا فِي أَمر دُنْيَاهُ حدث عَن ابْن الْحطاب ومرشد أبي صَادِق وَغَيرهمَا
стр. 1168
قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة جَاءَ نعي أتابك شمس الدّين مُحَمَّد بن أتابك الدكز الْمَعْرُوف بالبهلوان وَهُوَ الَّذِي كَانَ نزل على خلاط فِي الْعَام الْمَاضِي وَكَانَت حَيَاته مُتَّصِلَة الْجد والجدا واضطربت من بعده تِلْكَ الممالك واحتربت أصفهان وَإِلَى الْيَوْم من سنة أَربع وَتِسْعين مَا وضعت أَوزَارهَا وَتَوَلَّى بعده أَخُوهُ قزل أرسلان فأزال مهابة الْملك السلجقي وسلك السعيد نهج الشقي إِلَى أَن ذهب فاتضع الْملك وَانْقطع السلك واتسع الهلك وطمعت خُرَاسَان فِي الْعرَاق وعدمت الْإِفَاقَة من الْآفَاق وأظلمت مطالع الْإِشْرَاق
قَالَ واشتغل السُّلْطَان فِي بَقِيَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بِدِمَشْق بالصيد والقنص والانتهاز فِيهِ لبوادر الفرص وَكَانَ يركب إِلَى تل راهط للصَّيْد بالبزاة والشواهين مَعَ مماليكه الْخَواص الميامين وَله شاهين بحري كَأَنَّهُ بَحر إِذا حلق فشرار وَإِن أحرق فجمر فكم صَاد ليوسف يعقوبا وعقر بإنجاز وعد صَيْده عرقوبا فطلبته من السُّلْطَان فَقَالَ أَنْت للقلم والدواوين فَمَا لَك وللبزاة والشواهين فَقلت يكون فِي ملكي وكل مَا يقنصه يَأْمر لي
стр. 1169
بِهِ الْمولى وَهَذَا أربح لي وأنفع وَأولى
فَقَالَ نعم
فَلَمَّا أصبح سير لي سبع عشرَة قِطْعَة من طير وحجل وَقَالَ هَذَا صيد شاهينك فِي طلق وَاحِد على عجل
فملكت ذَلِك الشاهين خمس سِتّ سِنِين وَالسُّلْطَان يصطاد بِهِ ولي قنصه لَهُ مطلعه ولي مخلصه فَمَا زَالَ لي على هَذَا الْحق محافظا ولهذه النُّكْتَة ملاحظا إِلَى أَن أودى الْجَارِح وانقطعت تِلْكَ المنايح فيالله دره من سُلْطَان لم ينس ذكر هَذِه الْقَضِيَّة الَّتِي أعَاد مزحها جدا واعتده لي حَقًا معدا فدون حَقه على مثله أَن يؤسف وَمن حَقنا بعده أَن نتلو ﴿يَا أسفى على يُوسُف﴾
قَالَ وَلما دخل شهر رَمَضَان نوع أَقسَام الإنعام وَاتفقَ أَن بعض التُّجَّار كَانَت بضاعته بقايير رفيعة وَمَا لَهَا نفاق وَهِي أَكثر من مئة قِطْعَة فحملها إِلَى الخزانة السُّلْطَانِيَّة فِي بضاعات وَقَالَ خذوها واكتبوا لي بأثمانها فِي مصر على بعض الْجِهَات
فاشتريت مِنْهُ بِمَا كَانَ يرجوه من الرِّبْح
وَكَانَ من كرم شيم السُّلْطَان إِذا عرف فِي خزانته مَوْجُودا أَنه لَا يَسْتَطِيب تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى يفرقه جودا
فَقَالَ لي قد اجْتمعت لنا بقايير وعمائم وَقد تقاضتني بخلعها على أهل الْفضل المكارم فنبدأ بِأَهْل الدّين وَالتَّقوى ونجعل لَهُم أوفر حَظّ من الجدوى
وَكَانَ فِي الوافدين وَمن أهل الْبَلَد وعاظ وعلماء وحفاظ فَيكون كل يَوْم بكرَة نوبَة لمن يتَكَلَّم
стр. 1170
على الْمِنْبَر ويذكرنا بالحلال وَالْحرَام والبعث والمحشر ثمَّ يخلع عَلَيْهِم وعَلى الْقُرَّاء
فاشتغل مُدَّة أسبوعين بالمواعظ وَوضع الْمِنْبَر فِي إيوَان القلعة فَقلت بَقِي إِحْضَار الْفُقَهَاء فِي الْمدَّة الْبَاقِيَة من الشَّهْر فَقَالَ إِنَّهُم يُفْضِي بهم الْخلاف إِلَى التشاحن والتضاغن
فَقلت أَنا أضمنهم وَلَا يحضر إِلَّا أوقرهم وأوزنهم
فاستدل أول يَوْم برهَان الدّين مَسْعُود مدرس الْحَنَفِيَّة فِي الْمدرسَة المعمورة النورية وَاعْترض عَلَيْهِ الْعِمَاد الْكَاتِب وَفِي الْيَوْم الثَّانِي اسْتدلَّ أكبر مَشَايِخ الْحَنَفِيَّة بدر الدّين عَسْكَر وَاعْترض عَلَيْهِ قَاضِي الْقُضَاة محيي الدّين بن الزكي فَكَانَ السُّلْطَان يجلس فِي كل يَوْم لطائفة فَلَمَّا دنا الْعِيد أَمر بابتياع العمائم وَغَيرهَا وصرفها إِلَيْهِم
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَفِي شهر ربيع الأول من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَقعت وقعات كَثِيرَة بَين التركمان والأكراد بِأَرْض نَصِيبين وَغَيرهَا وَقتل من الفئتين خلق عَظِيم
وَبلغ السُّلْطَان أَن معِين الدّين بن معِين الدّين قد عصى بالراوندان فَكتب إِلَى عَسْكَر حلب أَن حاصروه
وَكَانَ نزولهم عَلَيْهِ فِي الْعشْر الأول من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأعْطى برج الرصاص لتميرك فِي
стр. 1171
بَقِيَّة ذَلِك الشَّهْر وَفِي ثامن جُمَادَى الأولى وصل معِين الدّين من الراوندان وَقد سلمهَا إِلَى علم الدّين سُلَيْمَان ثمَّ مضى إِلَى خدمَة السُّلْطَان
قَالَ ابْن القادسي وَقدم الْحَاج فِي عَاشر صفر فَأخْبرُوا أَن سيف الْإِسْلَام أَخا صَلَاح الدّين ملك مَكَّة وَضرب الدَّنَانِير فِيهَا باسم أَخِيه وَمنع من قَوْلهم حَيّ على خير الْعَمَل وَشرط على العبيد أَن لَا يؤذوا الْحَاج
وَأخْبر الْحَاج أَن قفل بَاب الْكَعْبَة تعسر حَتَّى فتح وَلما فتح مَاتَ فِي الدوسة أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ شخصا من بَين رجل وَامْرَأَة
قَالَ وَوصل الْخَبَر أَن ريحًا هبت بِالْبَصْرَةِ فَكسرت نخيلا كثيرا وَمَاتَتْ بهائم كَثِيرَة وَوصل الْخَبَر إِلَى بَغْدَاد بقتل البهلوان وَأَن الْقِتَال وَقع هُنَاكَ وأحرقت الْمحَال ونهبت الْأَمْوَال واقتتل أهل الْمذَاهب واحترقت مدارس وَبَقِي الْأَمر على ذَلِك من سَابِع محرم إِلَى ربيع الآخر فأحصوا من الْقَتْلَى أَرْبَعَة آلَاف رجل وَسبع عشرَة امْرَأَة بعد أَن أحترق أَطْفَال فِي المهود بِاللَّيْلِ وَقَامَ قزل أَخُو البهلوان فَكف النَّاس وَكَانَ قزل قد رتب شحنة فِي أصفهان بعد الْفِتْنَة الَّتِي وَقعت بهَا وَمَعَهُ ألف فَارس فَمَا زَالَ يهذب الْبَلَد والرساتيق بِالْقَتْلِ والصلب وصادرهم وأشير على قزل بِأَن يلْزم أهل الْبَلَد سبعين ألف دِينَار فَقَالَ لَهُ الشّحْنَة أهل الْبَلَد فُقَرَاء
فَقَالَ بعض الْمُصَالحَة لقزل مَا نَأْخُذ إِلَّا من الْأَغْنِيَاء
فَوَثَبَ عيار فَقتل المصلحي وَكَانَ الْعيار مُتَعَلقا على قَاضِي الْبَلَد فَوكل الشّحْنَة بدار القَاضِي فجَاء ابْن الخجندي إِلَى دَار القَاضِي فَحسن لَهُ إِخْرَاج الموكلين بهَا وتحالفا على إِخْرَاج الشّحْنَة من الْبَلَد وَأَن يقطعوا خطْبَة السُّلْطَان الَّذِي نَصبه قزل
فَفعل ذَلِك
стр. 1172
فِي سَابِع شَوَّال ثمَّ كثر الْقَتْل فِي الْبَلَد فَكل من فِي قلبه على أحد شَرّ وثب عَلَيْهِ فَقتله من رجل أَو امْرَأَة وَكَانَ الْقَتْل الْكثير فِي أَصْحَاب ابْن الخجندي وَكَانَ الْحَرِيق والنهب وإحراق الدّور فِي أَصْحَاب القَاضِي وَجرى الْقِتَال يَوْم عَرَفَة وَيَوْم الْعِيد ودام وَبَطل النَّاس من المعايش وَخَربَتْ الْأَسْوَاق وَوَقع الغلاء وَمَات النَّاس من الْجُوع وَبَقِي أهل أصفهان على قدم الْخَوْف وَأخذت ثِيَاب النَّاس فَلَا يتجاسر أحد أَن يلبس ثوبا جَدِيدا والعيارون يَأْخُذُونَ أَمْوَال النَّاس مقاواة وهرب النَّاس من أصفهان
فصل
قَالَ الْعِمَاد مِمَّا قدره الله تَعَالَى من أَسبَاب نصْرَة الْإِسْلَام ووهن الْكفْر أَن قومص طرابلس رغب فِي مصافاة السُّلْطَان والالتجاء إِلَيْهِ والمساعدة لَهُ على أهل مِلَّته بِسَبَب أَنه كَانَ تزوج بالقومصية صَاحِبَة طبرية وَكَانَ أَخُوهَا الْملك المجذوم لما هلك أوصى بِالْملكِ لِابْنِ أُخْته هَذِه وَهُوَ صَغِير فَتزَوج القومص أمه ورباه فَمَاتَ الصَّغِير وانتقل الْملك إِلَى
стр. 1173
أمه ثمَّ إِنَّهَا مدت عينهَا إِلَى بعض المقدمين من الغرب فتزوجته وفوضت الْملك إِلَيْهِ فشرع يطْلب حِسَاب الْبِلَاد من القومص فَوَقع الِاخْتِلَاف بَينهم لذَلِك فالتجأ القومص إِلَى ظلّ السُّلْطَان فَصَارَ لَهُ من جملَة الأتباع فَقبله السُّلْطَان وَقواهُ وَشد عضده بِإِطْلَاق من كَانَ فِي الْأسر من أَصْحَابه فَقَوِيت مناصحته للْمُسلمين حَتَّى كَاد لَوْلَا خوف أهل مِلَّته يسلم وَصَارَ بدولة السُّلْطَان وَملكه يقسم وَمَال إِلَيْهِ من الفرنج جمَاعَة وَظَهَرت لَهُ مِنْهُم للطماعية طَاعَة وَدخلت إِلَى بِلَادهمْ من جَانِبه السَّرَايَا وَخرجت بالغنائم والسبايا وَأعْطى الدنية فِي دينه بِمَا استدناه من العطايا فَصَارَ الفرنج يدْفَعُونَ شَره ويحذرون مكره فَتَارَة يدارونه وآونة يمارونه وللقومص قوم صدق يساعدونه فِي كل حق وباطل فبلي مِنْهُم أهل السَّاحِل بشغل شاغل وَهَذَا الْملك المجذوم هُوَ ابْن الْملك أماري بن فلك وَهُوَ مري الَّذِي تقدم ذكره وَتُوفِّي أماري فِي آخر سنة تسع وَسِتِّينَ سنة مَاتَ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَخلف الملعون هَذَا الْوَلَد المجذوم فَبَقيَ
стр. 1174
بَينهم زهاء عشر سِنِين ملكا مُطَاعًا فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت أوصى لِابْنِ أُخْته بِالْملكِ
قَالَ وَكَانَ إبرنس الكرك أرناط أغدر الفرنجية وأخبثها وأفحصها عَن الردى والرداءة وأبحثها وأنقضها للمواثيق المحكمة والأيمان المبرمة وأنكثها وأحنثها وَمَعَهُ شرذمة لَهَا شَرّ ذمَّة وَهِي من شَرّ أمة وهم على طَرِيق الْحجاز وَمن نهج الْحَج على الْمجَاز وَكُنَّا فِي كل سنة نغزوه وبالبوائق نعروه ويصيبه منا الْمَكْرُوه فأظهر أَنه على الْهُدْنَة وجنح للسلم وَأخذ الْأمان لبلده وَأَهله وَقَومه وروحه وَبَقِي الْأَمْن لَهُ شَامِلًا والقفل من مصر فِي طَرِيق بَلَده متواصلا وَهُوَ يمكس الجائي والذاهب حَتَّى لاحت لَهُ فرْصَة فِي الْغدر فَقطع الطَّرِيق وأخاف السَّبِيل وَوَقع فِي قافلة ثَقيلَة مَعهَا نعم جليلة فَأَخذهَا بأسرها وَكَانَ مَعهَا جمَاعَة من الأجناد فأوقعهم فِي الشّرك وَحَملهمْ إِلَى الكرك وَأخذ خيلهم وَالْعدة وسامهم الشد والشدة فَأَرْسَلنَا إِلَيْهِ وذممنا فعاله وقبحنا احتياله واغتياله فَأبى إِلَّا الْإِصْرَار والإضرار فَنَذر السُّلْطَان دَمه ووفى فِي إِرَاقَة دَمه بِمَا الْتَزمهُ وَذَلِكَ فِي السّنة الْآتِيَة كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأقَام السُّلْطَان بِدِمَشْق بَقِيَّة هَذِه السّنة وَهُوَ فِي الاستعداد للْجِهَاد وَقد أرسل فِي طلب العساكر من الْبِلَاد المشرقية والمصرية فانتظمت أُمُوره على أحسن قَضِيَّة
стр. 1175
وَمن كتاب فاضلي إِلَى بعض إخوانه كتبت هَذِه الْمُكَاتبَة من جسر الْخشب ظَاهر دمشق وَقد ورد السُّلْطَان أعز الله أنصاره للغزاة إِلَى بِلَاد الْكفْر فِي عَسْكَر فِيهِ عَسَاكِر وَفِي جمع البادي فِيهِ كَأَنَّهُ حَاضر وَفِي حشد يتَجَاوَز أَن يحصله النَّاظر إِلَى أَن لَا يحصله الخاطر وَقد نهضت بِهِ همة لَا يُرْجَى غير الله لإنهاضها ونجحت بِهِ عَزمَة الله المسؤول فِي حسم عوارض اعتراضها وَبَاعَ الله نفسا يسْتَمْتع أهل الْإِسْلَام بهيئتها وَيذْهب الله الشّرك بهيبتها وَأَرْجُو أَن يتمخض عَن زبدة تستريح الْأَيْدِي بعْدهَا عَن المخض وَأَن يكون الله قد بعث سفتجة نصْرَة الْإِسْلَام وسلطانه قد نَهَضَ للقبض
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
وَهِي سنة كسرة حطين وَفتح السَّاحِل وَالْأَرْض المقدسة للْمُسلمين
قَالَ الْعِمَاد فِي كتاب الْبَرْق وَهِي السّنة الْحَسَنَة المحسنة وَالزَّمَان الَّذِي تقضت على انْتِظَار إحسانه الْأَزْمِنَة وطهر فِيهِ الْمَكَان الْمُقَدّس الَّذِي سلمت بسلامته الْأَمْكِنَة وخلصت بمنحة الله من المحنة الأَرْض المقدسة الممتحنة وَكفى الله شَرّ الشّرك وَحكم على دِمَاء الْكَفَرَة بالسفك ونصرت الدولة الناصرية وخذلت الْملَّة النَّصْرَانِيَّة وانتقم التَّوْحِيد من التَّثْلِيث وشاع فِي الدُّنْيَا بمحاسن الْأَيَّام الصلاحية حسن الْأَحَادِيث
стр. 1176
ثمَّ ذكر فِي كتابي الْفَتْح والبرق مَا جملَته أَن قَالَ فبرز السُّلْطَان من دمشق يَوْم السبت أول الْمحرم فِي الْعَسْكَر العرمرم وَمضى بِأَهْل الْجنَّة لجهاد أهل جَهَنَّم فَلَمَّا وصل إِلَى رَأس المَاء أَمر وَلَده الْملك الْأَفْضَل بِالْإِقَامَةِ هُنَاكَ ليستدني إِلَيْهِ الْأُمَرَاء الواصلين والأملاك وَيجمع الْأَعْرَاب والأعاجم والأتراك وَسَار السُّلْطَان إِلَى بصرى وخيم على قصر السَّلامَة وَأقَام على ارتقاب اقتراب الْحجَّاج وَكَانَ فيهم حسام الدّين مُحَمَّد بن عمر بن لاجين ووالدته أُخْت السُّلْطَان مَعَ جمَاعَة من الْخَواص وَقد تقدم ذكر غدر إبرنس الكرك وَهُوَ على طريقي الْعَسْكَر الْمصْرِيّ وَالْحجاج
وَوصل الْحَاج فِي آخر صفر وخلا سر السُّلْطَان من شغلهمْ ثمَّ سَار وَنزل على الكرك وأخاف أَهله وَأخذ مَا كَانَ حوله ورعى زرعهم وَقطع أَشْجَارهم وكرمهم ثمَّ سَار إِلَى الشوبك وَفعل بِهِ مثل ذَلِك وَوصل عَسْكَر مصر فَتَلقاهُ بالقريتين وفرقه على أَعمال القلعتين وَأقَام على هَذِه الْحَالة فِي ذَلِك الْجَانِب شَهْرَيْن وَالْملك الْأَفْضَل وَلَده مُقيم بِرَأْس المَاء فِي جمع عَظِيم من العظماء وَعِنْده الجحافل الحافلة والحواصل الْحَاصِلَة والعساكر الكاسرة والقساور القاسرة وَهُوَ ينْتَظر أمرا من أَبِيه وَيكْتب إِلَيْهِ ويقتضيه وانقضى من السّنة شَهْرَان وَطَالَ بهم انْتِظَار السُّلْطَان فأنهض مِنْهُم سَرِيَّة سَرِيَّة وأمرها بالغارة على أَعمال طبرية ورتب على خيل الجزيرة وَمن جَاءَ من الشرق وديار بكر مظفر الدّين كوكبري صَاحب حران وعَلى عَسْكَر حلب والبلاد الشامية بدر الدّين دلدرم بن ياروق وعَلى عَسْكَر
стр. 1177
دمشق وبلادها صارم الدّين قايماز النجمي فَسَارُوا مدججين وسروا مدلجين وصبحوا صفورية وساء صباح الْمُنْذرين فَخرج إِلَيْهِم الفرنج فِي حشدهم فآتاهم الله النَّصْر الهني وَالظفر السّني وشفوا مِنْهُم حنين الحنايا وأدركوا فيهم منى المنايا وفازوا وظفروا وَقتلُوا وأسروا وَهلك مقدم الإسبتار وَحصل جمَاعَة من فرسانهم فِي قَبْضَة الإسار وأفلت مقدم الداوية وَله حصاص وَوَقع الْبَاقُونَ وَلم يكن لَهُم من الْهَلَاك خلاص وعادوا سَالِمين سالبين غَانِمِينَ غَالِبين فَكَانَت هَذِه النّوبَة باكورة البركات ومقدمة مَا بعْدهَا من ميامن الحركات
وجاءتنا الْبُشْرَى وَنحن فِي نواحي الكرك والشوبك فَسَار السُّلْطَان وَوصل السّير بالسرى وخيم بعشترا وَالْقدر يَقُول لَهُ تعيش وَترى
وَقد غصت بخيل الله الوهاد والذرى وامتد الْعَسْكَر فراسخ عرضا وطولا وملأ بالملأ حزونا وسهولا وَمَا رَأَيْت عسكرا أبرك مِنْهُ وَلَا أكبر وَلَا أكرث للكفر وَلَا أَكثر وَكَانَ يَوْم عرضه مذكرا بِيَوْم الْعرض وَمَا شَاهده إِلَّا من تَلا ﴿وَللَّه جنود السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَعرض الْعَسْكَر فِي اثْنَي عشر ألف مدجج فِي ليل العجاج مُدْلِج وَلما تمّ الْعرض وحم الْفَرْض وسالت بأفلاك السَّمَاء الأَرْض وَتعين الْجِهَاد وَتبين الِاجْتِهَاد ثمَّ رتب السُّلْطَان الْعَسْكَر أطلابا وَحزبه أحزابا وَسَار يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر ربيع الآخر عَازِمًا على دُخُول السَّاحِل فَأَنَاخَ لَيْلَة السبت على خسفين ثمَّ سَار فِي الْأُرْدُن إِلَى ثغر الأقحوانة وَأقَام هُنَاكَ
стр. 1178
خَمْسَة أَيَّام وَقد عين مَوَاقِف الْأُمَرَاء وشعارهم وأحاط ببحيرة طبرية بحره الْمُحِيط وضاق ببسائط خيامه ذَلِك الْبَسِيط
وَلما سمع الفرنج باجتماع كلمة الْإِسْلَام عَلَيْهِم وسير تِلْكَ العساكر إِلَيْهِم علمُوا أَنه قد جَاءَهُم مَا لَا عهد لَهُم بِمثلِهِ وَأَن الْإِيمَان كُله قد برز إِلَى الشّرك كُله فَاجْتمعُوا واصطلحوا وحشدوا وجمعوا وانتخوا وَدخل القومص مَعَهم بعد أَن دخل عَلَيْهِ الْملك وَرمى بِنَفسِهِ عَلَيْهِ وصفوا راياتهم بصفورية ولووا الألوية وحشدوا الْفَارِس والراجل والرامح والنابل وَرفعُوا صَلِيب الصلبوت فَاجْتمع إِلَيْهِ عباد الطاغوت وضلال الناسوت واللاهوت وَنَادَوْا فِي نوادي أهل أقاليم أهل الأقانيم وصلبوا للصليب الْأَعْظَم بالتعظيم وَمَا عصاهم من لَهُ عَصا وَخَرجُوا عَن الْعد والإحصا وَكَانُوا عدد الْحَصَى وصاروا فِي زهاء خمسين ألفا وَيزِيدُونَ ويكيدون مَا يكيدون قد توافوا على صَعِيد ووافوا من قريب وبعيد وهم هُنَاكَ مقيمون لَا يريمون وَالسُّلْطَان فِي كل صباح يسير إِلَيْهِم ويشرف عَلَيْهِم ويراميهم وينكي فيهم ويتعرض لَهُم ليتعرضوا لَهُ ويردوا عَن رقابهم سيوفه وَعَن شعابهم سيوله فربضوا مَا نبضوا وقعدوا وَمَا نهضوا فَلَو برزوا للمصاف لطالت عَلَيْهِم يَد الانتصاف
فَلَمَّا رأى السُّلْطَان أَنهم لَا يبرحون وَمن قرب صفورية وَلَا ينزحون أَمر أمراءه أَن يقيموا فِي مقابلتهم ويدوموا على عزم مُقَاتلَتهمْ وَنزل هُوَ فِي خواصه العبسية على
стр. 1179
مَدِينَة طبرية وَعلم أَنهم إِذا علمُوا بنزوله عَلَيْهَا بَادرُوا للوصول إِلَيْهَا فَحِينَئِذٍ يتَمَكَّن من قِتَالهمْ ويجهد فِي استئصالهم ثمَّ أحضر الجاندارية والنقابين والخراسانية والحجارين وأطاف بسورها وَشرع فِي تخريب معمورها وَأخذ النقابون النقب فِي برج فهدوه وهدموه وتسلقوا فِيهِ وتسلموه وَدخل اللَّيْل وصباح الْفَتْح مُسْفِر وليل الويل على الْعَدو معتكر وامتنعت القلعة بِمن فِيهَا من القومصية صَاحِبَة طبرية وبنيها
وَلما سمع القومص بِفَتْح طبرية وَأخذ بَلَده سقط فِي يَده وَخرج عَن جلد جلده وسمح للفرنج بسبده ولبده وَقَالَ لَهُم لَا قعُود بعد الْيَوْم وَلَا بُد لنا من لِقَاء الْقَوْم وَإِذا أخذت طبرية أخذت الْبِلَاد وَذَهَبت الطراف والتلاد وَمَا بَقِي لي صَبر وَمَا بعد هَذَا الْكسر من جبر
وَكَانَ الْملك قد حالفه فَمَا خَالفه وَوَافَقَهُ فَمَا نافقه ورحل بجمعه وَأَتْبَاعه وشياطينه وأشياعه فمادت الأَرْض بحركته وغامت السَّمَاء من غبرته وَوصل الْخَبَر بِأَن الفرنج ركبُوا ووثبوا ففرح السُّلْطَان وَقَالَ جَاءَنَا مَا نُرِيد وَنحن أولُوا بَأْس شَدِيد وَإِذا صحت كسرتهم فطبرية وَجَمِيع السَّاحِل مَا دونه مَانع وَلَا عَن فَتحه وازع
стр. 1180
واستخار الله تَعَالَى وَسَار وَعدم الْقَرار وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشري ربيع الآخر والفرنج سائرون إِلَى طبرية بقضهم وقضيضهم وهم كالجبال السائرة والبحار الزاخرة أمواجها ملتطمة وأفواجها مزدحمة فرتب السُّلْطَان فِي مقابلتهم أطلابه وَحصل بعسكره قدامهم وحجز بَينهم وَبَين المَاء وَالْيَوْم قيظ وَلِلْقَوْمِ غيظ وحجز اللَّيْل بَين الْفَرِيقَيْنِ وحجرت الْخَيل على الطَّرِيقَيْنِ وهيئت دركات النيرَان وهنئت دَرَجَات الْجنان وانتظر مَالك واستبشر رضوَان فَهِيَ لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر تنزل فِيهَا الْمَلَائِكَة وَالروح وَفِي سحرها نشر الظفر يفوح وَفِي صباحها الْفتُوح فَمَا أبهجنا بِتِلْكَ اللَّيْلَة الفاخرة فقد كُنَّا مِمَّن قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا وَحسن ثَوَاب الْآخِرَة﴾ وبتنا وَالْجنَّة معروضة وَالسّنة مَفْرُوضَة والكوثر واقفة سقاته والخلد قاطفة جناته والسلسبيل وَاضح سَبيله والإقبال ظَاهر قبيله والظهور قَائِم دَلِيله وَالله نَاصِر الْإِسْلَام ومديله
وسهر السُّلْطَان تِلْكَ اللَّيْلَة حَتَّى عين الجاليشية من كل طلب وملأ جعابها وكنائنها بالنبال وَكَانَ مَا فرقه من النشاب أَربع مئة حمل ووقف سبعين جمازة فِي حومة الوغى يَأْخُذ مِنْهَا من خلت جعابه وَفرغ نشابه حَتَّى إِذا أَسْفر الصَّباح خرج الجاليشية تحرق بنيران النصال أهل النَّار ورنت القسي وغنت الأوتار ذَاك وَالْيَوْم ذَاك والجيش شَاك وللقيظ عَلَيْهِم فيض وَمَا للغيظ مِنْهُم غيض وَقد وَقد الْحر واستشرى الشَّرّ وَوَقع
стр. 1181
الْكر والفر والسراب طافح والظمأ لافح والجو محرق والجوى مقلق ولأولئك الْكلاب من اللهب لهث وبالغيث عَبث وَفِي ظنهم أَنهم يردون المَاء فاستقبلتهم جَهَنَّم بشرارها واستظهرت عَلَيْهِم الظهيرة بنارها وَذَلِكَ فِي يَوْم الْجُمُعَة بجموع أَهلهَا المجتمعة ووراء عسكرنا بحيرة طبرية والورد عد وَمَا مِنْهُ بعد
وَقد قطعت على الفرنج طَرِيق الْوُرُود وبلوا من الْعَطش بالنَّار ذَات الْوقُود فوقفوا صابرين مصابرين مكابرين مضابرين فكلبوا على ضراوتهم وَشَرِبُوا مَا فِي إداوتهم وشفهوا مَا حَولهمْ من موارد المصانع واستنزفوا حَتَّى مَاء المدامع وأشرفوا على الْمصير إِلَى المصارع وَدخل اللَّيْل وَسكن السَّيْل وَبَاتُوا حيارى وَمن الْعَطش سكارى وهم على شعف الْبحيرَة بحيرة وقووا أنفسهم على الشدَّة واستعدوا بالعزائم المحتدة وَقَالُوا غَدا نصب عَلَيْهِم مَاء المواضي ونقاضيهم إِلَى القواضب القواضي فأحدوا عزم الْبلَاء وطلبوا الْبَقَاء بالتورط فِي الفناء
وَأما عسكرنا فَإِنَّهَا اجترأت وَمن كل مَا يعوقها بَرِئت فَهَذَا لسنانه شاحذ وَهَذَا لعنانه آخذ وَهَذَا سهم مفوق وَهَذَا شهم موفق وَهَذَا مكثر للتكبير ومنتظر للتبكير وَهَذَا نَاجٍ للسعادة وَهَذَا راج للشَّهَادَة فيالله تِلْكَ من لَيْلَة حراسها الْمَلَائِكَة وَمن سحرة أنفاسها ألطاف الله المتداركة
стр. 1182
وَالسُّلْطَان ﵀ قد وثق بنصر الله فَهُوَ يمْضِي بِنَفسِهِ على الصُّفُوف ويحضهم ويعدهم من الله بنصره المألوف ويغري المئين بالألوف وهم بمشاهدته إيَّاهُم يجيدون ويجدون ويصدون الْعَدو ويردون
وَكَانَ للسُّلْطَان مَمْلُوك اسْمه منكورس حمل فِي أول النَّاس وَكَانَ حصانه قوي الراس فأبعد عَن إخوانه وَلم يُتَابِعه أحد من أقرانه فَانْفَرد بِهِ الفرنج فَأثْبت فِي مستنقع الْمَوْت رجله وَقَاتل إِلَى أَن بلغُوا قَتله فَلَمَّا أخذُوا رَأسه ظنُّوا أَنه أحد أَوْلَاد السُّلْطَان وانتقل الشَّهِيد إِلَى جوَار الرَّحْمَن
وَلما شَاهد الْمُسلمُونَ استشهاده وَجلده وجلاده حميت حميتهم وخلصت لله نيتهم وَأصْبح الْجَيْش على تعبئته والنصر على تلبيته وَذَلِكَ يَوْم السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الآخر وَهُوَ يَوْم النُّصْرَة وَوُقُوع الكسرة وبرح بالفرنج الْعَطش وأبت عثرتها تنتعش وَكَانَ النسيم من أمامها والحشيش تَحت أَقْدَامهَا فَرمى بعض مطوعة الْمُجَاهدين النَّار فِي الْحَشِيش فتأجج عَلَيْهِم استعارها وتوهج أوارها فبلوا وهم أهل التَّثْلِيث من الدُّنْيَا بِثَلَاثَة الْأَقْسَام فِي الاصطلاء والاصطلام نَار الضرام ونار الأوام ونار السِّهَام فرجا الفرنج فرجا وَطلب طَلَبهمْ المحرج مخرجا فَكلما خَرجُوا جرحوا وبرح بهم حر الْحَرْب فَمَا برحوا وهم ظماء وَمَا لَهُم مَاء سوى مَا بِأَيْدِيهِم من مَاء الفرند مَاء فشوتهم نَار السِّهَام وأشوتهم وصممت عَلَيْهِم قُلُوب القسي القاسية وأصمتهم وأعجزوا وأزعجوا وأحرجوا وأخرجوا وَكلما حملُوا ردوا وأردوا وَكلما سَارُوا وشدوا أَسرُّوا
стр. 1183
وشدوا وَمَا ذبت مِنْهُم نملة وَلَا ذبت عَنْهُم حَملَة واضطرموا واضطربوا والتهفوا والتهبوا وناشبهم النشاب فَعَادَت أسودهم قنافذ وضايقتهم السِّهَام فوسعت فيهم الْخرق النَّافِذ فآووا إِلَى جبل حطين يعصمهم من طوفان الدمار فأحاطت بحطين بوارق الْبَوَار ورشفتهم الظبى وفرشتهم على الربى ورشقتهم الحنايا وقشرتهم المنايا وقرشتهم البلايا ورقشتهم الرزايا
وَلما أحس القومص بالكسرة حسر عَن ذِرَاع الْحَسْرَة واقتال من الْعَزِيمَة واحتال فِي الْهَزِيمَة وَكَانَ ذَلِك قبل اضْطِرَاب الْجمع واضطرام الْجَمْر فَخرج بِطَلَبِهِ يطْلب الْخُرُوج واعوج إِلَى الْوَادي وَمَا ود أَن يعوج وَمضى كومض الْبَرْق ووسع خطى خرقه قبل اتساع الْخرق وأفلت فِي عدَّة مَعْدُودَة وَلم يلْتَفت إِلَى ردة مَرْدُودَة وَكَانَ قَالَ لأَصْحَابه أَنا أسبق بالحملة وأفصلهم من الْجُمْلَة
فَاجْتمع هُوَ ومؤازروه وَجَمَاعَة من المقدمين هم مضافروه وَصَحبه صَاحب صيدا وباليان بن بارزان وَتَآمَرُوا على أَنهم يحملون ويبلغون الطعان
فَحمل القومص وَمن مَعَه على الْجَانِب الَّذِي فِيهِ الْملك المظفر تَقِيّ الدّين وَهُوَ مؤيد من الله بالتوفيق والتمكين فَفتح لَهُم طَرِيقا وَرمى من أتباعهم فريقا فَمَضَوْا على رؤوسهم ونجوا بنفوسهم
وَلما عرف الفرنج أَن القومص أَخذ بالعزيمة وَنفذ فِي الْهَزِيمَة وهنوا وهانوا ثمَّ اشتدوا وَمَا لانوا وثبتوا على مَا كَانُوا واستقبلوا واستقتلوا واستلحموا وحملوا ووقعنا عَلَيْهِم وُقُوع النَّار فِي
стр. 1184
الحلفاء وصببنا مَاء الْحَدِيد للإطفاء فَزَاد فِي الإذكاء فحطوا خيامهم على غارب حطين حِين رأونا بهم محيطين فأعجلناهم عَن ضرب الْخيام بِضَرْب الْهَام ثمَّ استحرت الْحَرْب واشتجر الطعْن وَالضَّرْب وأحيط بالفرنج من حواليهم ودارت الدَّوَائِر عَلَيْهِم وترجوا خيرا فترجلوا عَن الْخَيل وجرفهم السَّيْف جرف السَّيْل وَملك عَلَيْهِم الصَّلِيب الْأَعْظَم وَذَاكَ مصابهم الْأَعْظَم
وَلما شاهدوا الصَّلِيب سليبا ورقيب الردى قَرِيبا أيقنوا بِالْهَلَاكِ وأثخنوا بِالضَّرْبِ الدراك فَمَا برحوا يؤسرون وَيقْتلُونَ ويخمدون ويخملون وللوثوب يخفون وبالجراح يثقلون وَمن مصَارِع الْقَتْل إِلَى معاصر الْأسر ينقلون
ووصلنا إِلَى مقدمهم وملكهم وإبرنسهم فتم أسر الْملك وإبرنس الكرك وَأخي الْملك جفري وأوك صَاحب جبيل وهنفري بن هنفري وَابْن صَاحب إسكندرونة وَصَاحب مرقية وَأسر من نجا من الْقَتْل من الداوية ومقدمها وَمن الإسبتارية ومعظمها وَمن البارونية وَمن أخطأه الْبَوَار فَأَصَابَهُ وسآءه الإسار وَأسر الشَّيْطَان وَجُنُوده وَملك الْملك وكنوده وجبر الْإِسْلَام بكسرتهم وَقتلُوا وأسروا بأسرهم فَمن شَاهد الْقَتْلَى قَالَ مَا هُنَاكَ أَسِير وَمن عاين الأسرى قَالَ مَا هُنَاكَ قَتِيل ومذ استولى الفرنج على سَاحل الشَّام مَا شفي للْمُسلمين كَيَوْم حطين غليل
فَالله سلط السُّلْطَان وأقدره على مَا أعجز عَنهُ الْمُلُوك وهداه من التَّوْفِيق لامتثال أمره وَإِقَامَة فَرْضه النهج المسلوك ونظم لَهُ فِي حتوف أعدائه والفتوح لأوليائه السلوك وَخَصه بِهَذَا الْيَوْم الْأَغَر والنصر الأبر واليمن الْأسر والنجح الأدر وَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا فَضِيلَة هَذَا الْيَوْم لَكَانَ
стр. 1185
متفردا على الْمُلُوك السالفة فَكيف مُلُوك الْعَصْر فِي السمو والسوم غير أَن هَذِه النّوبَة الْمُبَارَكَة كَانَت لِلْفَتْحِ الْقُدسِي مُقَدّمَة ولمعاقد النَّصْر وقواعده مبرمة محكمَة
وَمن عجائب هَذِه الْوَقْعَة وغرائب هَذِه الدفعة أَن فارسهم مَا دَامَ فرسه سالما لم يدل للصرعة فَإِنَّهُ من لبسه الزردي من قرنه إِلَى قدمه كَأَنَّهُ قِطْعَة حَدِيد ودراك الضَّرْب وَالرَّمْي إِلَيْهِ غير مُفِيد لَكِن فرسه إِذا هلك فرس وَملك فَلم يغنم من خيلهم ودوابهم وَكَانَت ألوفا مَا هُوَ سَالم وَمَا ترجل فَارس إِلَّا والطعن وَالرَّمْي لمركوبه كالم وغنمنا مَا لَا يحصر من بيض مَكْنُون وزغف موضون وبلاد وحصون وسهول وحزون وابتذلنا مِنْهُم بِهَذَا الْفَتْح كل إقليم مصون وَذَلِكَ سوى مَا استبيح من مَال مخزون واستخرج من كنز مدفون
وَصحت هَذِه الكسرة وتمت هَذِه النُّصْرَة يَوْم السبت وَضربت ذلة أهل السبت على أهل الْأَحَد وَكَانُوا أسودا فعادوا من النَّقْد فَمَا أفلت من تِلْكَ الآلاف إِلَّا آحَاد وَمَا نجا من أُولَئِكَ الْأَعْدَاء إِلَّا أعداد وامتلأ الملا بالأسرى والقتلى وانجلى الْغُبَار عَنْهُم بالنصر الَّذِي تجلى وقيدت الْأُسَارَى فِي الحبال وَاجِبَة الْقُلُوب وفرشت الْقَتْلَى فِي الوهاد وَالْجِبَال وَاجِبَة الْجنُوب وحطت حطين تِلْكَ الْجِيَف عَن
стр. 1186
متنها وطاب نشر النَّصْر بنتنها وعبرت بهَا فألفيتها مَحل الِاعْتِبَار وشاهدت مَا فعل أهل الإقبال بِأَهْل الإدبار وعاينت أعيانهم خَبرا من الْأَخْبَار وَرَأَيْت الرؤوس طائرة والنفوس بائرة والعيون غائرة والجسوم رمستها السوافي والرسوم درستها العوافي وأشلاء المشلولين فِي الْمُلْتَقى ملقاة بالعراء عُرَاة ممزقة بالمآزق مفصلة المفاصل مفرقة الْمرَافِق مفلقة المفارق محذوفة الرّقاب مقصوفة الأصلاب مقطعَة الْهَام موزعة الْأَقْدَام مجدوعة الآناف منزوعة الْأَطْرَاف مفقوءة الْعُيُون مبعوجة الْبُطُون منصفة الأجساد مقصفة الأعضاد مقلصة الشفاه مخلصة الجباه سَائِلَة الأحداق مائلة الْأَعْنَاق عديمة الْأَرْوَاح هشيمة الأشباح كالأحجار بَين الْأَحْجَار عِبْرَة لأولي الْأَبْصَار
وَلما أَبْصرت خدودهم ملصقة بِالتُّرَابِ وَقد قطعُوا آرابا تلوث قَول الله تَعَالَى ﴿وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا﴾ فَمَا أطيب نفحات الظفر من ذَلِك الْخبث وَمَا ألهب عذبات الْعَذَاب فِي تِلْكَ الجثث وَمَا أحسن عمارات الْقُلُوب بقبح ذَلِك الشعث وَمَا أَجْزَأَ صلوَات البشائر بِوُقُوع ذَلِك الْحَدث هَذَا حِسَاب من قتل فقد حصرت أَلْسِنَة الْأُمَم عَن حصره وعده وَأما من أسر فَلم تكف أطناب الخيم لقيده وشده وَلَقَد رَأَيْت فِي حَبل وَاحِد ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعين يقودهم فَارس وَفِي بقْعَة وَاحِدَة مئة ومئتين يحميهم حارس وهنالك العتاة عناة والعداة عُرَاة وذوو الأسرة أسرى وَأولُوا الأثرة عثرى والقوامص قنائص والفوارس فرائس وغوالي الْأَرْوَاح رخائص ووجوه الداوية عوابس والرؤوس تَحت الأخامص فكم أصيد صيد
стр. 1187
وقائد قيد وَقيد وَملك مَمْلُوك وهاتك مهتوك وحر فِي الرّقّ ومبطل فِي يَد المحق وَلم يؤسر الْملك حَتَّى أَخذ صَلِيب الصلبوت وَأهْلك دونه الطاغوت وَهُوَ الَّذِي إِذا نصب وأقيم وَرفع سجد لَهُ كل نَصْرَانِيّ وَركع وهم يَزْعمُونَ أَنه من الْخَشَبَة الَّتِي يَزْعمُونَ أَنه صلب عَلَيْهَا معبودهم وَقد غلفوه بِالذَّهَب الْأَحْمَر وكللوه بالدر والجوهر وأعدوه ليَوْم الروع الْمَشْهُود ولموسم عَلَيْهِم الْمَوْعُود فَإِذا أخرجته القسوس وَحَمَلته الرؤوس تبَادرُوا إِلَيْهِ وانثالوا عَلَيْهِ وَلَا يسع أحدهم عَنهُ التَّخَلُّف وَلَا يسوغ للمتخلف عَن اتِّبَاعه فِي نَفسه التَّصَرُّف وَأَخذه عِنْدهم أعظم من أسر الْملك وَهُوَ أَشد مصاب لَهُم فِي ذَلِك المعترك فَإِن الصَّلِيب السليب مَا لَهُ عوض وَلَا لَهُم فِي سواهُ غَرَض والتأله لَهُ عَلَيْهِم مفترض فَهُوَ إلههم وتعفر لَهُ جباههم وتسبح لَهُ أَفْوَاههم يتغاشون عِنْد أحضاره ويتعاشون لإبصاره ويتلاشون لإظهاره ويتغاضون إِذا شاهدوه ويتواجدون إِذا وجدوه ويبذلون دونه المهج وَيطْلبُونَ بِهِ الْفرج بل صاغوا على مثله صلبانا يعبدونها ويخشعون لَهَا فِي بُيُوتهم ويشهدونها
فَلَمَّا أَخذ هَذَا الصَّلِيب عظم مصابهم ووهت أصلابهم وَكَانَ الْجمع المكسور عَظِيما والموقف الْمَنْصُور كَرِيمًا فكأنهم لما عرفُوا إِخْرَاج هَذَا الصَّلِيب لم يتَخَلَّف أحد عَن يومهم العصيب فهلكوا قتلا وأسرا وملكوا قهرا وقسرا
وَلما صَحَّ الْكسر وَقضي الْأَمر وَتمكن النَّصْر وَسكن الْبَحْر ضرب السُّلْطَان فِي تِلْكَ الحومة دهليز السرادق وتوافت إِلَيْهِ حماة الْحَقَائِق وَنزل السُّلْطَان وَصلى للشكر وَسجد وجدد الاستبشار بِمَا وجد وأحضر
стр. 1188
عِنْده من الْأُسَارَى الْملك والبرنس وأجلس الْملك بجنبه
وَقَالَ فِي كتاب الْفَتْح وَجلسَ السُّلْطَان لعرض أكَابِر الْأُسَارَى وهم يتهادون فِي الْقُيُود تهادي السكارى فَقدم بداية مقدم الداوية وعدة كَثِيرَة مِنْهُم وَمن الاسبتارية وأحضر الْملك كي وَأَخُوهُ جفري وأوك صَاحب جبيل وهنفري والإبرنس أرناط صَاحب الكرك وَهُوَ أول من وَقع فِي الشّرك وَكَانَ السُّلْطَان نذر دَمه وَقَالَ لأعجلن عِنْد وجدانه عَدمه
فَلَمَّا حضر بَين يَدَيْهِ أجلسه إِلَى جنب الْملك وَالْملك بجنبه وقرعه على غدره وَذكره بِذَنبِهِ وَقَالَ لَهُ كم تحلف وتحنث وتعهد وتنكث وتبرم الْمِيثَاق وتنقض وَتقبل على الْوِفَاق ثمَّ تعرض فَقَالَ الترجمان عَنهُ إِنَّه يَقُول قد جرت بذلك عَادَة الْمُلُوك وَمَا سلكت غير السّنَن المسلوك
وَكَانَ الْملك يَلْهَث ظمأ ويميل من سكرة الرعب منتشيا فآنسه السُّلْطَان وحاوره وفثأ سُورَة الوجل الَّذِي ساوره وَسكن رعبه وَأمن قلبه وَأمر لَهُ بِمَاء مثلوج فشربه وأطفأ بِهِ لهبه ثمَّ ناول الْملك الإبرنس الْقدح فاستشفه وَبرد بِهِ لهفه فَقَالَ السُّلْطَان للْملك لم تَأْخُذ فِي سقيه مني إِذْنا فَلَا يُوجب ذَلِك لَهُ مني أمنا
ثمَّ ركب وخلاهما وبنار الوهل أصلاهما وَلم ينزل إِلَى أَن ضرب سرادقه وركزت أَعْلَامه وبيارقه وعادت إِلَى الْحمى عَن الحومة فيالقه
فَلَمَّا دخل سرادقه استحضر الإبرنس فَقَامَ إِلَيْهِ وتلقاه بِالسَّيْفِ فَحل عَاتِقه وَحين صرع أَمر بِرَأْسِهِ فَقطع وجر بِرجلِهِ قُدَّام الْملك حِين أخرج
стр. 1189
فارتاع الْملك وانزعج فَعرف السُّلْطَان أَنه خامره الْفَزع وساوره الْهَلَع وسامره الْجزع فاستدعاه واستدناه وأمنه وطمنه ومكنه من قربه وسكنه وَقَالَ لَهُ وَذَاكَ رداءته أردته وغدرته كَمَا ترَاهُ غادرته وَقد هلك بغيه وبغيه
ونبا زند حَيَاته ووردها عَن ريه ووريه
ثمَّ جمع الْأُسَارَى المعروفين وسلمهم إِلَى وَالِي قلعة دمشق الناصح الغيدي فَقَالَ لَهُم أَنْتُم تَحت قيدي
وسلمهم إِلَى أَصْحَابه فتسلمتهم الْأَيْدِي وَأمرهمْ أَن يَأْخُذُوا خطّ الصفي بن الْقَابِض فِي دمشق بوصولهم ويحتاط عَلَيْهِم فِي أغلالهم وكبولهم
فَتفرق الْعَسْكَر بِمن ضمته أَيدي السَّبي أَيدي سبا وهادتهم الوهاد والربى
قَالَ وَلما أصبح السُّلْطَان يَوْم الْأَحَد استقام على الجدد وخيم على طبرية وراسل القومصية وأخرجها من حصنها بالأمان ووفى لَهَا وللفرسان بنيها بِشُرُوط الْأمان فَخرجت بمالها ورحالها ونسائها ورجالها وسارت إِلَى طرابلس بلد زَوجهَا القومص بمالها وحالها
وَولى طبرية قايماز النجمي
وَكَانَت طبرية فِي عهد الفرنج تقاسم على نصف مغل الْبِلَاد من الصَّلْت والبلقاء وجبل عَوْف والحيانية والسواد وتناصف الجولان وَمَا يقربهَا إِلَى بلد حوران فخلصت المناصفات وصفت الصفاة وَأمنت الْآفَات هَذَا وَالسُّلْطَان نَازل ظَاهر طبرية وَقد طب الْبَريَّة وَعَسْكَره قد طبق الْبَريَّة
стр. 1190
فَلَمَّا أصبح يَوْم الِاثْنَيْنِ بعد الْفَتْح بيومين طلب الْأُسَارَى من الداوية والاستبارية وَقَالَ أَنا أطهر الأَرْض من هَذِه الجنسين النجسين فَمَا جرت عَادَتهمَا بالمفاداة وَلَا يقلعان عَن المعاداة وَلَا يخدمان فِي الْأسر وهما أَخبث أهل الْكفْر
فَتقدم بإحضار كل أَسِير داوي واسبتاري ليمضي فِيهِ حكم السَّيْف وَرَأى البقيا عَلَيْهِم عين الحيف ثمَّ علم أَن كل من عِنْده أَسِير لَا يسمح بِهِ وَأَنه يضن بعطبه فَجعل لكل من يَأْتِيهِ بأسير مِنْهُمَا من الدَّنَانِير الْحمر خمسين فَأتوهُ فِي الْحَال بمئين فَأمر بإعطابهم وَضرب رقابهم ومحو حسابهم وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ جمَاعَة من المتطوعة المتورعة والمتصونة المتصوفة والمتعممة المتصرفة وَمن يمت بالزهد والمعرفة فَسَأَلَ كل وَاحِد فِي قتل وَاحِد وسل سَيْفه وحسر عَن ساعد وَالسُّلْطَان جَالس وَوَجهه بَاشر وَالْكفْر عَابس والعساكر صُفُوف والأمراء فِي السماطين وقُوف فَمنهمْ من فرى وبرى وشكر وَمِنْهُم من أَبى ونبا وَعذر وَمِنْهُم من يضْحك مِنْهُ وينوب سواهُ عَنهُ وشاهدت هُنَاكَ الضحوك الْقِتَال وَرَأَيْت مِنْهُ القوال الفعال فكم وعد أنجزه وَحمد أحرزه وَأجر استدامه بِدَم أجراه وبر أعنق إِلَيْهِ بعنق براه
وسير ملك الفرنج وأخاه وهنفري وَصَاحب جبيل ومقدم الداوية وَجَمِيع أكابرهم المأسورين إِلَى دمشق ليودعوا السجون وتستبدل حركاتهم السّكُون وَتَفَرَّقَتْ العساكر بِمَا حوت أَيْديهم من السَّبي وَسبق بهم إِلَى الْبِلَاد النَّاس وَلم يَقع على عَددهمْ الْقيَاس فَكتب إِلَى الصفي بن الْقَابِض نَائِبه بِدِمَشْق أَن يضْرب عنق من يجد من الداوية والاسبتارية فامتثل الْأَمر فِي إزهاقهم وَضرب أَعْنَاقهم فَمَا قتل إِلَّا من عرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام
стр. 1191
فَأبى أَن يسلم وَمَا أسلم إِلَّا آحَاد حسن إسْلَامهمْ وتأكد بِالدّينِ غرامهم
قَالَ الْعِمَاد وَمَا زلت أبحث عَن سَبَب نذر السُّلْطَان إِرَاقَة دم الإبرنس حَتَّى حَدثنِي الْأَمِير الْعَزِيز عبد الْعَزِيز بن شَدَّاد بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس وَهُوَ ذُو الْبَيْت الْكَبِير والحسب الْجَلِيل وَكَانَ جده صَاحب إفريقية والقيروان وَكَانُوا يتوارثون ملكه إِلَى قريب من هَذَا الزَّمَان ذكر أَن الْأَجَل الْفَاضِل حَدثهُ أَن السُّلْطَان لما عَاد إِلَى دمشق من حران بعد المرضة الَّتِي صَار بهَا كل قلب عَلَيْهِ حران وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَهُوَ من عقابيل سقمه لَا يُفَارق الأنين فَقلت لَهُ مَا مَعْنَاهُ قد أيقظك الله وَمَا يعيذك من هَذَا السوء سواهُ فانذر أَنَّك إِذا أبللت من هَذَا الْمَرَض تقوم بِكُل مالله من المفترض وَأَنَّك لَا تقَاتل من الْمُسلمين أحدا أبدا وَتَكون فِي جِهَاد أَعدَاء الله مُجْتَهدا وَأَنَّك إِذا نصرك الله فِي المعترك وظفرت بالقومص وإبرنس الكرك تتقرب إِلَى الله بإراقة دمهما فَمَا يتم وجود النَّصْر إِلَّا بعدمهما
فَأعْطَاهُ يَده على هَذَا النّذر ونجاه الله ببركة هَذَا الْعذر من الذعر وخلصه إخلاصه فِي مرضاة الله فأبل من مرضته واستقل بنهضته واستقبل السّنة الْقَابِلَة بِسنة الْغَزْو وفريضته ثمَّ جرى من مُقَدمَات الْجِهَاد ونتائجها مَا جرى وخيم السُّلْطَان فِي جموع الْإِسْلَام بعشترا وَركب يَوْمًا فِي عسكره وعزم على نشر القساطل وطي المراحل وَدخُول السَّاحِل وَالْقَذْف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فَبَدَأَ بلقاء الطلعة الْمُبَارَكَة من الْأَجَل الْفَاضِل فَقَالَ لَهُ ليكن نذرك على ذكرك واستزد نعْمَة الله عِنْده بمزيد شكرك وَلَا تخطر غير قمع أهل الْكفْر بفكرك فَمَا أنقذك الله من تِلْكَ الورطة ونعشك من تِلْكَ
стр. 1192
السقطة إِلَّا ليوفر حظك من هَذِه الْغِبْطَة
فتوكل على الله عَازِمًا وَجَاز الْأُرْدُن حازما وأرعب جأش الْكفْر وَكسر جيوشه وثل عروشه وَوَقع فِي الشّرك إبرنس الكرك فوفى بِضَرْب عُنُقه نَذره
وَأما القومص فَإِنَّهُ أَخذ فِي الْمُلْتَقى بالهزيمة حذره وَلما وصل إِلَى طرابلس أخافه فِي مأمنه الْقدر وفجأة فِي صَفوه الكدر وتسلمه مَالك إِلَى سقر
فصل
هَذَا الَّذِي تقدم من وصف كسرة حطين هُوَ عين مَا ذكره عماد الدّين ﵀ فِي كِتَابيه الْفَتْح والبرق اختصرته مِنْهُمَا وَهُوَ مطول فيهمَا وَقد وقفت على كَلَام لغيره فِي ذَلِك فَأَحْبَبْت إِيرَاده على وَجهه لما فِيهِ من شرح مَا تقدم وتقويته وَرُبمَا اشْتَمَل على زيادات من فَوَائِد تتَعَلَّق بذلك لم يتَعَرَّض لَهَا أَو مُخَالفَة لبَعض مَا ذكره
قَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن بن شَدَّاد لما كَانَ الْمحرم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ عزم السُّلْطَان على قصد الكرك فسير إِلَى حلب من يستحضر الْعَسْكَر وبرز من دمشق فِي منتصف الْمحرم فَسَار حَتَّى نزل بِأَرْض الكرك منتظرا لِاجْتِمَاع العساكر المصرية والشامية وَأمر العساكر المتواصلة إِلَيْهِ بشن الْغَارة على مَا فِي طريقهم من الْبِلَاد الساحلية فَفَعَلُوا ذَلِك وَأقَام ﵀ بِأَرْض الكرك حَتَّى وصل الْحَاج الشَّامي إِلَى الشَّام وأمنوا
стр. 1193
غائلة الْعَدو
وَوصل قفل مصر وَمَعَهُ بنت الْملك المظفر وَمَا كَانَ لَهُ بالديار المصرية وتأخرت عَنهُ العساكر الحلبية بِسَبَب اشتغالها بالفرنج بِأَرْض أنطاكية وبلاد ابْن لاون وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد مَاتَ ووصى لِابْنِ أَخِيه لاون بِالْملكِ وَكَانَ الْملك المظفر بحماة وَبلغ الْخَبَر السُّلْطَان فَأمره بِالدُّخُولِ إِلَى بِلَاد الْعَدو وإخماد نائرته
فوصل تَقِيّ الدّين حلب وَنزل فِي دَار الْعَفِيف ابْن زُرَيْق وانتقل إِلَى دَار طمان وَفِي تَاسِع صفر خرج بعسكر حلب إِلَى حارم ليعلم الْعَدو أَن هَذَا الْجَانِب لَيْسَ بمهمل
وَعَاد السُّلْطَان فوصل إِلَى السوَاد وَنزل بعشترا سَابِع عشر ربيع الأول ولقيه وَلَده الْأَفْضَل ومظفر الدّين وَجَمِيع العساكر وَكَانَ تقدم إِلَى الْملك المظفر بمصالحة الْجَانِب الْحلَبِي مَعَ الفرنج ليتفرغ البال مَعَ الْعَدو فِي جَانب وَاحِد فَصَالحهُمْ وَتوجه إِلَى حماة يطْلب خدمَة السُّلْطَان للغزاة فسارت العساكر الشرقية فِي خدمته وهم عَسْكَر الْموصل مقدمهم مَسْعُود بن الزَّعْفَرَانِي وعسكر ماردين إِلَى أَن أَتَوا عشترا فَلَقِيَهُمْ السُّلْطَان وَأكْرمهمْ
ثمَّ عرض السُّلْطَان العساكر منتصف ربيع الآخر على تل يعرف بتل تسيل ورتبهم واندفع قَاصِدا إِلَى بِلَاد الْعَدو فِي وسط نَهَار الْجُمُعَة وَكَانَ أبدا يقْصد بوقعاته الْجمع لَا سِيمَا أَوْقَات صَلَاة الْجُمُعَة تبركا بِدُعَاء الخطباء على المنابر فَرُبمَا كَانَت أقرب إِلَى الْإِجَابَة
وبلغه أَن الفرنج اجْتَمعُوا فِي مرج صفورية بِأَرْض عكا فقصد
стр. 1194
نحوهم للمصاف مَعَهم فَسَار وَنزل على بحيرة طبرية عِنْد قَرْيَة تسمى الصنبرة ورحل من هُنَاكَ وَنزل على غربي طبرية على سطح الْجَبَل لتعبئة الْحَرْب منتظرا أَن الفرنج إِذا بَلغهُمْ ذَلِك قصدوه فَلم يتحركوا من مَنْزِلَتهمْ فَنزل جَرِيدَة على طبرية وَترك الأطلاب على حَالهَا قبالة وَجه الْعَدو ونازل طبرية وزحف عَلَيْهَا فهجمها وَأَخذهَا فِي سَاعَة من نَهَار وامتدت الْأَيْدِي إِلَيْهَا بالنهب والأسر والحريق وَالْقَتْل واحتمت القلعة وَحدهَا
فَرَحل الفرنج وقصدوا طبرية للدَّفْع عَنْهَا فَأخْبرت الطَّلَائِع الإسلامية الْأُمَرَاء بحركة الفرنج فسيروا إِلَى السُّلْطَان من عرفه ذَلِك فَترك على طبرية من يحفظ قلعتها وَلحق الْعَسْكَر هُوَ وَمن مَعَه فَالتقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي مِنْهَا وَحَال اللَّيْل بَين الفئتين فباتتا على مصَاف شاكين فِي السِّلَاح إِلَى صَبِيحَة الْجُمُعَة فَركب العسكران وتصادما وَذَلِكَ بِأَرْض قَرْيَة تسمى اللوبيا وَلم تزل الْحَرْب إِلَى أَن حَال بَينهم الظلام
وَجرى فِي ذَلِك الْيَوْم من الوقائع الْعَظِيمَة والأمور الجسيمة مَا لم يحك عَمَّن تقدم وَبَات كل فريق فِي سلاحه ينْتَظر خَصمه فِي كل سَاعَة وَقد أقعده التَّعَب عَن النهوض حَتَّى كَانَ صباح السبت الَّذِي بورك فِيهِ فَطلب كل من الْفَرِيقَيْنِ مقَامه وَعلمت كل طَائِفَة أَن الْمَكْسُورَة مِنْهَا مدحورة الْجِنْس مَعْدُومَة النَّفس وَتحقّق الْمُسلمُونَ أَن من ورائهم الْأُرْدُن وَمن بَين أَيْديهم بِلَاد الْقَوْم وَلَا ينجيهم إِلَّا الله
وَكَانَ الله قد قدر نَصره للْمُسلمين فيسره وأجراه على وفْق مَا قدره
стр. 1195
فَحملت الأطلاب الإسلامية من الجوانب وَحمل الْقلب وصاحوا صَيْحَة الرجل الْوَاحِد فَألْقى الله الرعب فِي قُلُوب الْكَافرين ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾
وَكَانَ القومص ذكي الْقَوْم وألمعيهم فَرَأى أَمَارَات الخذلان قد نزلت بِأَهْل دينه وَلم يشْغلهُ ظن محاسنة جنسه عَن يقينه فهرب فِي أَوَائِل الْأَمر قبل اشتداده وَأخذ طَرِيقه نَحْو صور وَتَبعهُ جمَاعَة من الْمُسلمين فنجا وَحده وَأمن الْإِسْلَام كَيده واحتاط أهل الْإِسْلَام بِأَهْل الْكفْر والطغيان من كل جَانب وانهزمت مِنْهُم طَائِفَة فتبعها أبطال الْمُسلمين فَلم ينج مِنْهَا وَاحِد واعتصمت الطَّائِفَة الْأُخْرَى بتل حطين وَهِي قَرْيَة عِنْده وَعِنْدهَا قبر النَّبِي شُعَيْب ﵇ فضايقهم الْمُسلمُونَ على التل وأشعلوا حَولهمْ النيرَان وقتلهم الْعَطش وضاق بهم الْأَمر حَتَّى كَانُوا يستسلمون للأسر خوفًا من الْقَتْل فَأسر مقدموهم وَقتل الْبَاقُونَ وأسروا وَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم الْعَظِيم يخلد إِلَى الْأسر خوفًا على نَفسه وَلَقَد حكى لي من أَثِق بقوله أَنه لَقِي بحوران شخصا وَاحِدًا وَمَعَهُ طُنب خيمة وَفِيه نَيف وَثَلَاثُونَ أَسِيرًا يجرهم وَحده لخذلان وَقع عَلَيْهِم
وَأما القومص الَّذِي هرب فَإِنَّهُ وصل إِلَى طرابلس وأصابه ذَات الْجنب فَأَهْلَكَهُ الله بهَا
وَأما مقدمو الإسبتارية والداوية فَإِن السُّلْطَان اخْتَار قَتلهمْ فَقتلُوا عَن بكرَة أَبِيهِم
следующие страницы →