Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
فَأبى أَن يسلم وَمَا أسلم إِلَّا آحَاد حسن إسْلَامهمْ وتأكد بِالدّينِ غرامهم
قَالَ الْعِمَاد وَمَا زلت أبحث عَن سَبَب نذر السُّلْطَان إِرَاقَة دم الإبرنس حَتَّى حَدثنِي الْأَمِير الْعَزِيز عبد الْعَزِيز بن شَدَّاد بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس وَهُوَ ذُو الْبَيْت الْكَبِير والحسب الْجَلِيل وَكَانَ جده صَاحب إفريقية والقيروان وَكَانُوا يتوارثون ملكه إِلَى قريب من هَذَا الزَّمَان ذكر أَن الْأَجَل الْفَاضِل حَدثهُ أَن السُّلْطَان لما عَاد إِلَى دمشق من حران بعد المرضة الَّتِي صَار بهَا كل قلب عَلَيْهِ حران وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَهُوَ من عقابيل سقمه لَا يُفَارق الأنين فَقلت لَهُ مَا مَعْنَاهُ قد أيقظك الله وَمَا يعيذك من هَذَا السوء سواهُ فانذر أَنَّك إِذا أبللت من هَذَا الْمَرَض تقوم بِكُل مالله من المفترض وَأَنَّك لَا تقَاتل من الْمُسلمين أحدا أبدا وَتَكون فِي جِهَاد أَعدَاء الله مُجْتَهدا وَأَنَّك إِذا نصرك الله فِي المعترك وظفرت بالقومص وإبرنس الكرك تتقرب إِلَى الله بإراقة دمهما فَمَا يتم وجود النَّصْر إِلَّا بعدمهما
فَأعْطَاهُ يَده على هَذَا النّذر ونجاه الله ببركة هَذَا الْعذر من الذعر وخلصه إخلاصه فِي مرضاة الله فأبل من مرضته واستقل بنهضته واستقبل السّنة الْقَابِلَة بِسنة الْغَزْو وفريضته ثمَّ جرى من مُقَدمَات الْجِهَاد ونتائجها مَا جرى وخيم السُّلْطَان فِي جموع الْإِسْلَام بعشترا وَركب يَوْمًا فِي عسكره وعزم على نشر القساطل وطي المراحل وَدخُول السَّاحِل وَالْقَذْف بِالْحَقِّ على الْبَاطِل فَبَدَأَ بلقاء الطلعة الْمُبَارَكَة من الْأَجَل الْفَاضِل فَقَالَ لَهُ ليكن نذرك على ذكرك واستزد نعْمَة الله عِنْده بمزيد شكرك وَلَا تخطر غير قمع أهل الْكفْر بفكرك فَمَا أنقذك الله من تِلْكَ الورطة ونعشك من تِلْكَ
стр. 1192
السقطة إِلَّا ليوفر حظك من هَذِه الْغِبْطَة
فتوكل على الله عَازِمًا وَجَاز الْأُرْدُن حازما وأرعب جأش الْكفْر وَكسر جيوشه وثل عروشه وَوَقع فِي الشّرك إبرنس الكرك فوفى بِضَرْب عُنُقه نَذره
وَأما القومص فَإِنَّهُ أَخذ فِي الْمُلْتَقى بالهزيمة حذره وَلما وصل إِلَى طرابلس أخافه فِي مأمنه الْقدر وفجأة فِي صَفوه الكدر وتسلمه مَالك إِلَى سقر
فصل
هَذَا الَّذِي تقدم من وصف كسرة حطين هُوَ عين مَا ذكره عماد الدّين ﵀ فِي كِتَابيه الْفَتْح والبرق اختصرته مِنْهُمَا وَهُوَ مطول فيهمَا وَقد وقفت على كَلَام لغيره فِي ذَلِك فَأَحْبَبْت إِيرَاده على وَجهه لما فِيهِ من شرح مَا تقدم وتقويته وَرُبمَا اشْتَمَل على زيادات من فَوَائِد تتَعَلَّق بذلك لم يتَعَرَّض لَهَا أَو مُخَالفَة لبَعض مَا ذكره
قَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن بن شَدَّاد لما كَانَ الْمحرم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ عزم السُّلْطَان على قصد الكرك فسير إِلَى حلب من يستحضر الْعَسْكَر وبرز من دمشق فِي منتصف الْمحرم فَسَار حَتَّى نزل بِأَرْض الكرك منتظرا لِاجْتِمَاع العساكر المصرية والشامية وَأمر العساكر المتواصلة إِلَيْهِ بشن الْغَارة على مَا فِي طريقهم من الْبِلَاد الساحلية فَفَعَلُوا ذَلِك وَأقَام ﵀ بِأَرْض الكرك حَتَّى وصل الْحَاج الشَّامي إِلَى الشَّام وأمنوا
стр. 1193
غائلة الْعَدو
وَوصل قفل مصر وَمَعَهُ بنت الْملك المظفر وَمَا كَانَ لَهُ بالديار المصرية وتأخرت عَنهُ العساكر الحلبية بِسَبَب اشتغالها بالفرنج بِأَرْض أنطاكية وبلاد ابْن لاون وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد مَاتَ ووصى لِابْنِ أَخِيه لاون بِالْملكِ وَكَانَ الْملك المظفر بحماة وَبلغ الْخَبَر السُّلْطَان فَأمره بِالدُّخُولِ إِلَى بِلَاد الْعَدو وإخماد نائرته
فوصل تَقِيّ الدّين حلب وَنزل فِي دَار الْعَفِيف ابْن زُرَيْق وانتقل إِلَى دَار طمان وَفِي تَاسِع صفر خرج بعسكر حلب إِلَى حارم ليعلم الْعَدو أَن هَذَا الْجَانِب لَيْسَ بمهمل
وَعَاد السُّلْطَان فوصل إِلَى السوَاد وَنزل بعشترا سَابِع عشر ربيع الأول ولقيه وَلَده الْأَفْضَل ومظفر الدّين وَجَمِيع العساكر وَكَانَ تقدم إِلَى الْملك المظفر بمصالحة الْجَانِب الْحلَبِي مَعَ الفرنج ليتفرغ البال مَعَ الْعَدو فِي جَانب وَاحِد فَصَالحهُمْ وَتوجه إِلَى حماة يطْلب خدمَة السُّلْطَان للغزاة فسارت العساكر الشرقية فِي خدمته وهم عَسْكَر الْموصل مقدمهم مَسْعُود بن الزَّعْفَرَانِي وعسكر ماردين إِلَى أَن أَتَوا عشترا فَلَقِيَهُمْ السُّلْطَان وَأكْرمهمْ
ثمَّ عرض السُّلْطَان العساكر منتصف ربيع الآخر على تل يعرف بتل تسيل ورتبهم واندفع قَاصِدا إِلَى بِلَاد الْعَدو فِي وسط نَهَار الْجُمُعَة وَكَانَ أبدا يقْصد بوقعاته الْجمع لَا سِيمَا أَوْقَات صَلَاة الْجُمُعَة تبركا بِدُعَاء الخطباء على المنابر فَرُبمَا كَانَت أقرب إِلَى الْإِجَابَة
وبلغه أَن الفرنج اجْتَمعُوا فِي مرج صفورية بِأَرْض عكا فقصد
стр. 1194
نحوهم للمصاف مَعَهم فَسَار وَنزل على بحيرة طبرية عِنْد قَرْيَة تسمى الصنبرة ورحل من هُنَاكَ وَنزل على غربي طبرية على سطح الْجَبَل لتعبئة الْحَرْب منتظرا أَن الفرنج إِذا بَلغهُمْ ذَلِك قصدوه فَلم يتحركوا من مَنْزِلَتهمْ فَنزل جَرِيدَة على طبرية وَترك الأطلاب على حَالهَا قبالة وَجه الْعَدو ونازل طبرية وزحف عَلَيْهَا فهجمها وَأَخذهَا فِي سَاعَة من نَهَار وامتدت الْأَيْدِي إِلَيْهَا بالنهب والأسر والحريق وَالْقَتْل واحتمت القلعة وَحدهَا
فَرَحل الفرنج وقصدوا طبرية للدَّفْع عَنْهَا فَأخْبرت الطَّلَائِع الإسلامية الْأُمَرَاء بحركة الفرنج فسيروا إِلَى السُّلْطَان من عرفه ذَلِك فَترك على طبرية من يحفظ قلعتها وَلحق الْعَسْكَر هُوَ وَمن مَعَه فَالتقى العسكران على سطح جبل طبرية الغربي مِنْهَا وَحَال اللَّيْل بَين الفئتين فباتتا على مصَاف شاكين فِي السِّلَاح إِلَى صَبِيحَة الْجُمُعَة فَركب العسكران وتصادما وَذَلِكَ بِأَرْض قَرْيَة تسمى اللوبيا وَلم تزل الْحَرْب إِلَى أَن حَال بَينهم الظلام
وَجرى فِي ذَلِك الْيَوْم من الوقائع الْعَظِيمَة والأمور الجسيمة مَا لم يحك عَمَّن تقدم وَبَات كل فريق فِي سلاحه ينْتَظر خَصمه فِي كل سَاعَة وَقد أقعده التَّعَب عَن النهوض حَتَّى كَانَ صباح السبت الَّذِي بورك فِيهِ فَطلب كل من الْفَرِيقَيْنِ مقَامه وَعلمت كل طَائِفَة أَن الْمَكْسُورَة مِنْهَا مدحورة الْجِنْس مَعْدُومَة النَّفس وَتحقّق الْمُسلمُونَ أَن من ورائهم الْأُرْدُن وَمن بَين أَيْديهم بِلَاد الْقَوْم وَلَا ينجيهم إِلَّا الله
وَكَانَ الله قد قدر نَصره للْمُسلمين فيسره وأجراه على وفْق مَا قدره
стр. 1195
فَحملت الأطلاب الإسلامية من الجوانب وَحمل الْقلب وصاحوا صَيْحَة الرجل الْوَاحِد فَألْقى الله الرعب فِي قُلُوب الْكَافرين ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾
وَكَانَ القومص ذكي الْقَوْم وألمعيهم فَرَأى أَمَارَات الخذلان قد نزلت بِأَهْل دينه وَلم يشْغلهُ ظن محاسنة جنسه عَن يقينه فهرب فِي أَوَائِل الْأَمر قبل اشتداده وَأخذ طَرِيقه نَحْو صور وَتَبعهُ جمَاعَة من الْمُسلمين فنجا وَحده وَأمن الْإِسْلَام كَيده واحتاط أهل الْإِسْلَام بِأَهْل الْكفْر والطغيان من كل جَانب وانهزمت مِنْهُم طَائِفَة فتبعها أبطال الْمُسلمين فَلم ينج مِنْهَا وَاحِد واعتصمت الطَّائِفَة الْأُخْرَى بتل حطين وَهِي قَرْيَة عِنْده وَعِنْدهَا قبر النَّبِي شُعَيْب ﵇ فضايقهم الْمُسلمُونَ على التل وأشعلوا حَولهمْ النيرَان وقتلهم الْعَطش وضاق بهم الْأَمر حَتَّى كَانُوا يستسلمون للأسر خوفًا من الْقَتْل فَأسر مقدموهم وَقتل الْبَاقُونَ وأسروا وَكَانَ الْوَاحِد مِنْهُم الْعَظِيم يخلد إِلَى الْأسر خوفًا على نَفسه وَلَقَد حكى لي من أَثِق بقوله أَنه لَقِي بحوران شخصا وَاحِدًا وَمَعَهُ طُنب خيمة وَفِيه نَيف وَثَلَاثُونَ أَسِيرًا يجرهم وَحده لخذلان وَقع عَلَيْهِم
وَأما القومص الَّذِي هرب فَإِنَّهُ وصل إِلَى طرابلس وأصابه ذَات الْجنب فَأَهْلَكَهُ الله بهَا
وَأما مقدمو الإسبتارية والداوية فَإِن السُّلْطَان اخْتَار قَتلهمْ فَقتلُوا عَن بكرَة أَبِيهِم
стр. 1196
وَأما البرنز أرناط فَكَانَ السُّلْطَان قد نذر أَنه إِن ظفر بِهِ قَتله وَذَلِكَ انه كَانَ عبر بِهِ بالشوبك قفل من الديار المصرية فِي حَالَة الصُّلْح فنزلوا عِنْده بالأمان فغدر بهم وقتلهم فناشدوه الله وَالصُّلْح الَّذِي بَينه وَبَين الْمُسلمين فَقَالَ مَا يتَضَمَّن الاستخفاف بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ قُولُوا لمحمدكم يخلصكم
وَبلغ ذَلِك السُّلْطَان فَحَمله الدّين وَالْحمية على أَنه نذر إِن ظفر بِهِ قَتله فَلَمَّا فتح الله عَلَيْهِ بالنصر وَالظفر جلس فِي دهليز الْخَيْمَة فَإِنَّهَا لم تكن نصبت وَالنَّاس يَتَقَرَّبُون إِلَيْهِ بالأسارى وبمن وجدوه من المقدمين ونصبت الْخَيْمَة وَجلسَ فَرحا مَسْرُورا شاكرا لما أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ ثمَّ استحضر الْملك جفري وأخاه والبرنز أرناط وناول الْملك شربة من جلاب بثلج فَشرب مِنْهَا وَكَانَ على أَشد حَال من الْعَطش ثمَّ ناول بَعْضهَا البرنز أرناط فَقَالَ السُّلْطَان للترجمان قل للْملك أَنْت الَّذِي تسقيه وَإِلَّا أَنا ماسقيته وَكَانَ على جميل عَادَة الْعَرَب وكريم أَخْلَاقهم أَن الْأَسير إِذا أكل أَو شرب من مَال من أسره أَمن فقصد بذلك الجري على مَكَارِم الْأَخْلَاق ثمَّ أَمر بمسيرهم إِلَى مَوضِع عين لنزولهم فَمَضَوْا وأكلوا شَيْئا ثمَّ عَاد واستحضرهم وَلم يبْق عِنْده أحد سوى بعض الخدم فَأقْعدَ الْملك فِي الدهليز واستحضر البرنز أرناط وَأَوْقفهُ على مَا قَالَ وَقَالَ لَهُ هَا أَنا أنتصر لمُحَمد ﷺ ثمَّ عرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَلم يفعل ثمَّ سل النمجاة وضربه بهَا فَحل كتفه وتمم عَلَيْهِ من حضر وَعجل الله بِرُوحِهِ إِلَى النَّار فَأخذ وَرمي على بَاب الْخَيْمَة فَلَمَّا رَآهُ الْملك قد أخرج على تِلْكَ الصُّورَة لم
стр. 1197
يشك فِي أَنه يثني بِهِ فَاسْتَحْضرهُ وَطيب قلبه وَقَالَ لم تجر عَادَة الْمُلُوك أَن يقتلُوا الْمُلُوك وَأما هَذَا فَإِنَّهُ جَاوز حَده فَجرى مَا جرى
وَبَات النَّاس تِلْكَ اللَّيْلَة على أتم سرُور وأكمل حبور ترْتَفع أَصْوَاتهم بِالْحَمْد لله وَالشُّكْر لَهُ وَالتَّكْبِير والتهليل حَتَّى طلع الصُّبْح فِي يَوْم الْأَحَد فَنزل ﵀ على طبرية وتسلم فِي بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم قلعتها وَأقَام بهَا إِلَى يَوْم الثُّلَاثَاء
قلت وَذكر مُحَمَّد بن القادسي فِي تَارِيخه أَنه ورد فِي هَذِه السّنة كتب إِلَى بَغْدَاد فِي وصف هَذِه الْوَقْعَة مِنْهَا كتاب من عبد الله بن أَحْمد الْمَقْدِسِي يَقُول فِيهِ كتبت هَذَا الْكتاب من عسقلان يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة وَفِيه
وَلَو حمدنا الله طول أعمارنا مَا وَفينَا بِعشر معشار نعْمَته الَّتِي أنعم بهَا علينا من هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم فَإنَّا خرجنَا إِلَى عَسْكَر صَلَاح الدّين وتلاحق الأجناد حَتَّى جَاءَ النَّاس من الْموصل وديار بكر وإربل فَجمع صَلَاح الدّين الْأُمَرَاء وَقَالَ هَذَا الْيَوْم الَّذِي كنت أنتظره وَقد جمع الله لنا العساكر وَأَنا رجل قد كَبرت وَمَا أَدْرِي مَتى أَجلي فاغتنموا هَذَا الْيَوْم وقاتلوا لله تَعَالَى لَا من أَجلي
فَاخْتَلَفُوا فِي الْجَواب وَكَانَ رَأْي أَكْثَرهم لِقَاء الْكفَّار فَعرض جنده ورتبهم وَجعل تَقِيّ الدّين فِي الميمنة ومظفر الدّين فِي الميسرة وَكَانَ هُوَ فِي الْقلب وَجعل بَقِيَّة الْعَسْكَر فِي الجناحين ثمَّ
стр. 1198
سَارُوا على مَرَاتِبهمْ حَتَّى نزلُوا الأقحوانة فتركوا بهَا أثقالهم وَسَارُوا حَتَّى نزلُوا بِكفْر سبت فأقاموا يَوْمَيْنِ ينتظرون أَن يبرز لَهُم الْكفَّار وَكَانَ عَسْكَر الْكفَّار على صفورية فَلم يبرزوا فَعَاد صَلَاح الدّين حَتَّى نزل على طبرية فَتقدم فرسانه وحماته ورماته والنقابون فَدَخَلُوا حَتَّى الْحصن فَلَمَّا تمكن النقب مِنْهُ انهار من غير وقود نَار وَدخل الْمُسلمُونَ فانتهبوا يَوْم الْخَمِيس وَأَصْبحُوا فِي يَوْم الْجُمُعَة فشرعوا فِي نقب القلعة فَلَمَّا كَانَ وَقت الصَّلَاة جَاءَ الْخَبَر أَن الْكفَّار قد توجهوا إِلَيْنَا فارتحل صَلَاح الدّين على صفوفه فَلَقِيَهُمْ ثمَّ لم يزَالُوا يتقدمون حَتَّى صَار الْمُسلمُونَ محيطين بهم وَصَارَ قلب الْمُسلمين خَلفهم فتراموا سَاعَة وَبَات كل فريق على مَصَافهمْ ثمَّ أَصْبحُوا فَسَار الْكفَّار يقصدون طبرية والمسلمون حَولهمْ يلحون عَلَيْهِم بِالرَّمْي فاقتلع الْمُسلمُونَ مِنْهُم فوارس وَقتلُوا خيالة ورجالة فانحاز الْمُشْركُونَ إِلَى تل حطين فنزلوا عِنْده ونصبوا الْخيام وَأقَام النَّاس حَولهمْ إِلَى أَن انتصف النَّهَار وهبت الرِّيَاح فهجم الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم فَانْهَزَمُوا لَا يلوون على شَيْء وَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا نَحْو من مئتين وَكَانُوا كَمَا قيل اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألفا وَقيل ثَلَاثَة وَعشْرين ألفا لم يتْركُوا فِي بِلَادهمْ من يقدر على الْقِتَال إِلَّا قَلِيلا
وَكَانَ الَّذِي أسر الْملك درباس الْكرْدِي وَغُلَام الْأَمِير إِبْرَاهِيم المهراني أسر الإبرنس وَقتل صَلَاح الدّين الإبرنس بِيَدِهِ لِأَنَّهُ كَانَ قد غدر وَأخذ قافلة من طَرِيق مصر
ثمَّ عَاد صَلَاح الدّين إِلَى طبرية فَأخذ قلعتها بالأمان ثمَّ ضرب أَعْنَاق الأسرى الَّذين كَانُوا فِي الْعَسْكَر وَأرْسل إِلَى دمشق فَضربت أَعْنَاق الَّذين بهَا مِنْهُم
стр. 1199
قَالَ وَورد كتاب آخر فِيهِ هَذِه الْفتُوح الَّتِي مَا سمع بهَا قطّ وَهَذَا ذكر بَعْضهَا مُخْتَصرا مَعَ أَنه لَا يقدر أحد يصف ذَلِك لِأَن الْأَمر أكبر من ذَلِك الَّذِي يبشر بِهِ الْمُسلمُونَ أَن مَدِينَة طبرية فتحت بِالسَّيْفِ وَأخذت قلعتها بالأمان وَاجْتمعَ عَسْكَر الفرنج جَمِيعهم والتقوا بِالْمُسْلِمين عِنْد قبر شُعَيْب النَّبِي ﷺ وَقتل من الإفرنج ثَلَاثُونَ ألفا
وَكَانَ عدد الإفرنج ثَلَاثَة وَسِتِّينَ ألفا بَين فَارس وراجل وَأسر مِنْهُم ثَلَاثُونَ ألفا وَبلغ ثمن الْأَسير بِدِمَشْق ثَلَاثَة دَنَانِير وَاسْتغْنى عَسْكَر الْإِسْلَام من الأسرى وَالْأَمْوَال والغنائم بِحَيْثُ لَا يقدر أحد يصف ذَلِك وَمَا سلم من عَسْكَر الفرنج سوى قومص إطرابلس مَعَ أَرْبَعَة نفر وَهُوَ مَجْرُوح ثَلَاث جراحات
وَأخذ جَمِيع أُمَرَاء الفرنج وَكم قد سبي من النِّسَاء والأطفال يُبَاع الرجل وَزَوجته وَأَوْلَاده فِي المناداة بيعَة وَاحِدَة وَلَقَد بيع بحضوري رجل وَامْرَأَة وَخَمْسَة أَوْلَاد ثَلَاث بَنِينَ وابنتان بِثَمَانِينَ دِينَارا وَأخذ صَلِيب الصلبوت فعلق على قنطارية مُنَكسًا وَدخل بِهِ القَاضِي ابْن أبي عصرون إِلَى دمشق وكل يَوْم يرى من رُؤُوس الفرنج مثل الْبِطِّيخ وَأخذ من الْبَقر وَالْغنم وَالْخَيْل وَالْبِغَال مَا لم يَجِيء من يَشْتَرِيهَا من كَثْرَة السَّبي والغنائم
قَالَ وَفِي كتاب آخر وَكَانَ الفرنج خَمْسَة وَأَرْبَعين ألفا فَلم يسلم مِنْهُم سوى ألف وَقتل الْبَاقُونَ واستأسروهم وَكَذَلِكَ الْمُلُوك
قلت وَبَلغنِي أَن بعض فُقَرَاء الْعَسْكَر وَقع بِيَدِهِ أَسِير وَكَانَ مُحْتَاجا إِلَى نعل فَبَاعَهُ بهَا فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ أردْت أَن يذكر ذَلِك وَيُقَال بلغ من هوان أسرى الفرنج وكثرتهم أَن بيع وَاحِد مِنْهُم بنعل وَللَّه الْحَمد
стр. 1200
وَمَا أحسن مَا قَالَ أَبُو الْحسن بن الذروي الْمصْرِيّ من قصيدة
(شرحت صَلَاح الدّين بالسمر والظبى ... من الْمجد معنى كَانَ من قبل يغمض)
(وَمَا كَاد جَيش الرّوم يبرم كَيده ... إِلَى أَن سرت مِنْك المهابة تنقض)
(حميت ثغور الْمُسلمين فَأَصْبَحت ... ثغورا بأمواه الْحَدِيد تمضمض)
(أسرت مُلُوك الْكفْر حَتَّى تركته ... وَمَا فِيهِ عرق عَن قوى النَّفس ينبض)
وَكَانَ القَاضِي الْفَاضِل غَائِبا عَن هَذِه الكسرة بِدِمَشْق فَلَمَّا بلغته كتب إِلَى السُّلْطَان لِيهن الْمولى أَن الله قد أَقَامَ بِهِ الدّين الْقيم وَأَنه كَمَا قيل أَصبَحت مولَايَ وَمولى كل مُسلم وَأَنه قد أَسْبغ عَلَيْهِ النعمتين الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة وأورثه الْملكَيْنِ ملك الدُّنْيَا وَملك الْآخِرَة
كتب الْمَمْلُوك هَذِه الْخدمَة والرؤوس إِلَى الْآن لم ترفع من سجودها والدموع لم تمسح من خدودها وَكلما فكر الْمَمْلُوك أَن البيع تعود وَهِي مَسَاجِد وَالْمَكَان الَّذِي كَانَ يُقَال فِيهِ إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة يُقَال الْيَوْم فِيهِ إِنَّه وَاحِد جدد لله شكرا تَارَة يفِيض من لِسَانه وَتارَة يفِيض من جفْنه وجزى يُوسُف خيرا عَن إِخْرَاجه من سجنه والمماليك ينتظرون أَمر الْمولى فَكل من أَرَادَ أَن يدْخل الْحمام بِدِمَشْق قد عول على دُخُول حمام طبرية
(تِلْكَ المكارم لَا قعبان من لبن ... وَذَلِكَ الْفَتْح لَا عمان واليمن)
(وَذَلِكَ السَّيْف لَا سيف ابْن ذِي يزن ...)
стр. 1201
وللألسنة بعد فِي هَذَا الْفَتْح سيح طَوِيل وَقَول جليل
وللعماد ﵀ قصائد يذكر فِيهَا وقْعَة حطين لم يذكر مِنْهَا شَيْئا هُنَا بل ذكر بَعْضهَا عِنْد ذكر فتح نابلس وَبَعضهَا عِنْد ذكر فتح الْقُدس فنقلت مِنْهَا إِلَى هَذَا الْمَكَان مَا يتَعَلَّق بِهِ وَالْبَاقِي يذكر فِي مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله قَالَ
(يَا يَوْم حطين والأبطال عابسة ... وبالمعجاجة وَجه الشَّمْس قد عبسا)
(رَأَيْت فِيهِ عَظِيم الْكفْر محتقرا ... معفرا خَدّه وَالْأنف قد تعسا)
(يَا طهر سيف بَرى رَأس الْبُرْنُس فقد ... أصَاب اعظم من بالشرك قد نجسا)
(وغاص إِذْ طَار ذَاك الرَّأْس فِي دَمه ... كَأَنَّهُ ضفدع فِي المَاء قد غطسا)
(مَا زَالَ يعطس مزكوما بغدرته ... وَالْقَتْل تسميت من بالغدر قد عطسا)
(عرى ظباه من الأغماد مهرقة ... دَمًا من الشّرك رداها بِهِ وكسا)
(من سَيْفه فِي دِمَاء الْقَوْم منغمس ... من كل من لم يزل فِي الْكفْر منغمسا)
(أفناهم قَتلهمْ والأسر فانتكسوا ... وَبَيت كفرهم من خبثهمْ كنسا)
وَقَالَ أَيْضا يُخَاطب صَلَاح الدّين ﵀
(سحبت على الْأُرْدُن ردنا من القنا ... ردينية ملدا وخطية ملسا)
(حططت على حطين قدر مُلُوكهمْ ... وَلم تبْق من أَجنَاس كفرهم جِنْسا)
стр. 1202
(وَنعم مجَال الْخَيل حطين لم تكن ... معاركها للجرد ضرسا وَلَا دهسا)
(غَدَاة أسود الْحَرْب تعتقل القنا ... أساود تبغي من نحور العدى نهسا)
(أتواشكس الْأَخْلَاق خشنا فلينت ... حُدُود الرقَاق الخشن أخلاقها الشكسا)
(طردتهم فِي الْمُلْتَقى وعكستهم ... مجيدا بِحكم الْعَزْم طردك والعكسا)
(فَكيف مكست الْمُشْركين رؤوسهم ... ودأبك فِي الْإِحْسَان أَن تطلق المكسا)
(كسرتهم إِذْ صَحَّ عزمك فيهم ... ونكستهم إِذْ صَار سهمهم نكسا)
(بواقعة رجت بهَا الأَرْض تَحْتهم ... دمارا كَمَا بست جبالهم بسا)
(بطُون ذئاب الأَرْض صَارَت قُبُورهم ... وَلم ترض أَرض أَن تكون لَهُم رمسا)
(وطارت على نَار المواضي فراشهم ... ضلالا فزادت من خمودهم قبسا)
(وَقد خَشَعت أصوات أبطالها فَمَا ... يعي السّمع إِلَّا من صليل الظبى همسا)
(تقاد بَدَأَ مَاء الدِّمَاء مُلُوكهمْ ... أُسَارَى كسفن اليم نطت بهَا القلسا)
(سَبَايَا بِلَاد الله مَمْلُوءَة بهَا ... وَقد شريت بخسا وَقد عرضت نخسا)
(يُطَاف بهَا الْأَسْوَاق لَا رَاغِب لَهَا ... لكثرتها كم كَثْرَة توجب الوكسا)
стр. 1203
(شكا يبسا رَأس الْبُرْنُس الَّذِي بِهِ ... تندى حسام حاسم ذَلِك اليبسا)
(حسا دَمه ماضي الغرار لغدره ... وَمَا كَانَ لَوْلَا غدره دَمه يحسى)
(فَللَّه مَا أهْدى يدا فتكت بِهِ ... وأطهر سَيْفا معدما رجسه النجسا)
(نسفت بِهِ رَأس الْبُرْنُس بضربة ... فَأشبه رَأْسِي رَأسه العهن والبرسا)
(تبوغ فِي أوداجه دم بغيه ... فصَال عَلَيْهِ السَّيْف يلحسه لحسا)
(بعثت أَمَام أمة النَّار نَحْوهَا ... إمَامهمْ أرناطها ذَلِك الجبسا)
(وَللَّه نَص النَّصْر جَاءَ لنصله ... فَلَا قونسا أبقى لرأس وَلَا قنسا)
(حكى عنق الداوي صل بضربة ... طرير الشبا عودا بمضرابه حسا)
(أيوم وغى يَدعُوهُ أم يَوْم نائل ... وَأَنت وهبت الْغَانِمين بِهِ الخمسا)
(وَقد طَابَ ريانا على طبرية ... فيا طيبها ريا وَيَا حسنها مرسى)
وللشهاب فتيَان الشاغوري من قصيدة سَيَأْتِي بَعْضهَا فِي مدح صَلَاح الدّين رَحمَه الله
стр. 1204
(جَاشَتْ جيوش الشّرك يَوْم لقيتهم ... يتدامرون على متون الضمر)
(أوردت أَطْرَاف الرماح صُدُورهمْ ... فولغن فِي علق النجيع الْأَحْمَر)
(فهناك لم ير غير نجم مقبل ... فِي إِثْر عفريت رجيم مُدبر)
(فَمن الَّذِي من جيشهم لم يخترم ... وَمن الَّذِي من جَمِيعهم لم يؤسر)
(حَتَّى لقد بِيعَتْ عقائل أرهقت ... بِالسَّبْيِ بِالثّمن الأخس الأحقر)
(سقت المماليك الْكِرَام مُلُوكهمْ ... كأسا بِهِ سقت اللَّئِيم الهنفري)
(وعجمت عود صليبهم فَكَسرته ... وَسوَاك ألفاه صَلِيب المكسر)
(أغْلى الأداهم من أسرت وأرخصت ... بيض الصوارم من نهاب الْعَسْكَر)
(وَجعلت شَرق الأَرْض يحْسد غربها ... بك فَهُوَ دَاع دَعْوَة الْمُسْتَنْصر)
(لَا يعدمنك الْمُسلمُونَ فكم يَد ... أوليتهم معروفها لم يُنكر)
(أمنت سربهم وصنت حريمهم ... ودرأت عَنْهُم قاصمات الْأَظْهر)
(مَا إِن رآك الله إِلَّا آمرا ... فيهم بِمَعْرُوف ومنكر مُنكر)
(متواضعا لله ﷻ ... وَبِك اضمحلت سطوة المتكبر)
(لم تخل سمعا من هناء مهنئ ... للْمُسلمين وَمن سَماع مُبشر)
(واستعظم الْأَخْبَار عَنْك معاشر ... فاستصغروا مَا استعظموا بالمخبر)
(مَضَت الْمُلُوك وَلم تنَلْ عشر الَّذِي ... أُوتِيتهُ من منجح أَو مفخر)
وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الساعاتي فِي فتح طبرية
стр. 1205
(جلت عزماتك الْفَتْح المبينا ... فقد قرت عُيُون المؤمنينا)
(رددت أخيذة الْإِسْلَام لما ... غَدا صرف الْقَضَاء بهَا ضمينا)
(وَهَان بك الصَّلِيب وَكَانَ قدما ... يعز على العوالي أَن يهونا)
(يُقَاتل كل ذِي ملك رِيَاء ... وَأَنت تقَاتل الْأَعْدَاء دينا)
(غَدَتْ فِي وجنة الْأَيَّام خالا ... وَفِي جيد الْعلَا عقدا ثمينا)
(فيالله كم سرت قلوبا ... ويالله كم أبكت عيُونا)
(وَمَا طبرية إِلَّا هدي ... ترفع عَن أكف اللامسينا)
(حصان الذيل لم تقذف بِسوء ... وسل عَنْهَا اللَّيَالِي والسنينا)
(فضضت ختامها قسرا وَمن ذَا ... يصد اللَّيْث أَن يلج العرينا)
(لقد أنكحتها صم العوالي ... فَكَانَ نتاجها الْحَرْب الزبونا)
(منال بذ أهل الأَرْض طرا ... سواك وَمَعْقِل أعيا القرونا)
(قست حَتَّى رَأَتْ كُفؤًا فَلَانَتْ ... وَغَايَة كل قَاس أَن يلينا)
(قضيت فَرِيضَة الْإِسْلَام مِنْهَا ... وصدقت الْأَمَانِي والظنونا)
(تهز معاطف الْقُدس ابتهاجا ... وترضي عَنْك مَكَّة والحجونا)
(فَلَو أَن الجماد يُطيق نطقا ... لنادتك ادخلوها آمنينا)
(جعلت صباح أهليها ظلاما ... وأبدلت الزئير بهَا أنينا)
(تخال حماة حوزتها نسَاء ... بموضون الْحَدِيد مقنعينا)
(لبيضك فِي جماجمهم غناء ... لذيذ علم الطير الحنينا)
(تميل إِلَى المثقفة العوالي ... فَهَل أمست رماحا أم غصونا)
(يكَاد النَّقْع يذهلها فلولا ... بروق القاضبات لما هدينَا)
стр. 1206
(فكم حازت قدود قناك مِنْهَا ... قدودا كالقنا لونا ولينا)
(وغيدا كالجآذر آنسات ... كغيد نداك أَبْكَارًا وعونا)
(وَلما باكرتها مِنْك نعمى ... بنان تفضج الْغَيْث الهتونا)
(أعدت بهَا اللَّيَالِي وَهِي بيض ... وَقد كَانَت بهَا الْأَيَّام جونا)
(فَلَيْسَ بعادم مرعى خصيبا ... أَخُو سغب وَلَا مَاء معينا)
(فَلَا عدم الشَّام وساكنوه ... ظبى تشفي بهَا الدَّاء الدفينا)
(سهاد جفونها فِي كل فتح ... سهاد يمنح الغمض الجفونا)
(فألمم بالسواحل فَهِيَ صور ... إِلَيْك وَألْحق الْهَام المتونا)
(فَقلب الْقُدس مسرور وَلَوْلَا ... سطاك لَكَانَ مكتئبا حَزينًا)
(أدرت على الفرنج وَقد تلاقت ... جموعهم عَلَيْك رحى طحونا)
(فَفِي بيسان ذاقوا مِنْك بؤسا ... وَفِي صفد أتوك مصفدينا)
(لقد جَاءَتْهُم الْأَحْدَاث جمعا ... كَأَن صروفها كَانَت كمينا)
(وخانهم الزَّمَان وَلَا ملام ... فلست بمبغض زَمنا خؤونا)
(لقد جردت عزما ناصريا ... يحدث عَن سناه طور سينا)
(فَكنت كيوسف الصّديق حَقًا ... لَهُ هوت الْكَوَاكِب ساجدينا)
(لقد أَتعبت من طلب الْمَعَالِي ... وحاول أَن يسوس المسلمينا)
стр. 1207
(وَإِن تَكُ آخرا وخلاك ذمّ ... فَإِن مُحَمَّد فِي الآخرينا)
قَالَ ابْن أبي طي حَدثنِي وَالِدي حميد النجار قَالَ كنت بالموصل فِي سنة خمس وَخمسين وَخمْس مئة فزرت الشَّيْخ عمر الملاء فَدخل إِلَيْهِ رجل فَقَالَ أَيهَا الشَّيْخ رَأَيْت البارحة فِي النّوم كَأَنِّي بِأَرْض غَرِيبَة لَا أعرفهَا وَكَأَنَّهَا مَمْلُوءَة بالخنازير وَكَأن رجلا بِيَدِهِ سيف وَهُوَ يقتل الْخَنَازِير وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ
فَقلت لرجل هَذَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَذَا الْمهْدي قَالَ لَا
فَقلت من هَذَا قَالَ هَذَا يُوسُف مَا زادني على ذَلِك
قَالَ فتعجبت الْجَمَاعَة من هَذِه الرُّؤْيَا وَقَالُوا إِنَّه سيقتل النَّصَارَى رجل يُقَال لَهُ يُوسُف
وحدست الْجَمَاعَة أَنه يُوسُف بن عبد الْمُؤمن صَاحب الْمغرب وَكَانَ المستنجد بِاللَّه قد ولي الْخلَافَة تِلْكَ السّنة فحدس بعض الْجَمَاعَة عَلَيْهِ قَالَ وأنسيت أَنا هَذِه الْوَاقِعَة فَلَمَّا كَانَت سنة كسرة حطين ذكرتها وَكَانَ يُوسُف الْملك النَّاصِر ﵀
قَالَ وحَدثني ظئر لي من نسَاء الحلبيين كَانَت تدَاخل أُخْت السُّلْطَان الْملك النَّاصِر قَالَت كَانَت وَالِدَة السُّلْطَان تخبر أَنَّهَا أتيت فِي نومها وَهِي حَامِل بالسلطان فَقيل لَهَا إِن فِي بَطْنك سَيْفا من سيوف الله تَعَالَى
стр. 1208
فصل فِي فتح عكا وَغَيرهَا
وَهِي بِالْألف الممدودة وَيدل على ذَلِك أَنه يُقَال فِي النِّسْبَة إِلَيْهَا عكاوي وَقد وجدت ذَلِك فِي شعر قديم وَمِنْهُم من يَقُول عكه بِالْهَاءِ وَمثل ذَلِك حصن عرقه وَبَعْضهمْ يَقُول عرقا بِالْألف ونهر ثورا وَبَعْضهمْ يَقُول نهر ثوره بِالْهَاءِ
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد ثمَّ رَحل السُّلْطَان طَالبا عكا وَكَانَ نُزُوله عَلَيْهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء سلخ ربيع الآخر وقاتلها بكرَة الْخَمِيس مستهل جُمَادَى الأولى فَأَخذهَا واستنقذ من كَانَ فِيهَا من الْأُسَارَى وَكَانُوا زهاء أَرْبَعَة آلَاف نفر وَاسْتولى على مَا فِيهَا من الْأَمْوَال والذخائر والبضائع والتجائر فَإِنَّهَا كَانَت مَظَنَّة التُّجَّار وَتَفَرَّقَتْ العساكر فِي بِلَاد السَّاحِل يَأْخُذُونَ الْحُصُون والقلاع والأماكن المنيعة فَأخذُوا نابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والناصرة وَكَانَ ذَلِك لخلو الرِّجَال بِالْقَتْلِ والأسر
قَالَ الْعِمَاد ورحل السُّلْطَان ظهر يَوْم الثُّلَاثَاء والتوحيد ظَاهر على التَّثْلِيث وَالطّيب قد امتاز من الْخَبيث وَنزل بِأَرْض لوبية عَشِيَّة وأعادها بأزهار بنوده وأنوار جُنُوده رَوْضَة موشية
ثمَّ أصبح سائرا إِلَى عكا سارا سره وبارا بِأَهْل الدّين بره وَكَانَ أَمِير الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة صلوَات الله على ساكنها فِي موكبه فَكَأَن رَسُول الله ﷺ سير للْفَقِير إِلَى نصرته من يثرى بِهِ
стр. 1209
من يثربه وَهَذَا الْأَمِير عز الدّين أَبُو فليتة الْقَاسِم بن المهنا الْحُسَيْنِي قد وَفد فِي تِلْكَ السّنة أَوَان عود الْحَاج وَهُوَ ذُو شيبَة تقد كالسراج وَمَا برح مَعَ السُّلْطَان ماثور المآثر مَيْمُون الصُّحْبَة مَأْمُون الْمحبَّة مبارك الطلعة مشاركا فِي الْوَقْعَة فَمَا تمّ فتح فِي تِلْكَ السنين إِلَّا بِحُضُورِهِ وَلَا أشرق مطلع من النَّصْر إِلَّا بنوره فرأيته فِي ذَلِك الْيَوْم للسُّلْطَان مسايرا وَرَأَيْت السُّلْطَان لَهُ مشاورا محاورا وَأَنا أَسِير مَعَهُمَا وَقد دَنَوْت مِنْهُمَا ليسمعاني وأسمعهما ولاحت أَعْلَام عكا وَكَأن بيارق الفرنج المركوزة عَلَيْهَا أَلْسِنَة من الْخَوْف تتشكى وَكَأن عذبات النيرَان تصاعدت لعذاب أَهلهَا وَقد توافرت عَسَاكِر الْإِسْلَام إِلَيْهَا من وعرها وسهلها
وَلما أَشْرَفنَا عَلَيْهَا مستبشرين أيقنا بِفَتْحِهَا مسبشرين فَمَا كَانَ فِيهَا من يحميها فَمَا صدقنا كَيفَ نملكها ونحويها
وَظهر على السُّور أَهلهَا لأجل الممانعة والثبات على المدافعة وخفقان ألويتها يشْعر بقلوبها الخافقة وأرواح جلدهمْ الزاهقة
ووقفنا نتأمل طلولها ونؤمل حُصُولهَا وخيم السُّلْطَان بقربها وَرَاء التل وانبثت عساكره فِي الوعث والسهل
وبتنا تِلْكَ اللَّيْلَة وَقد هزتنا الأطراب ونقول مَتى يجْتَمع الصَّباح وَالْأَصْحَاب فَمَا هجدنا وَلَا غرارا وَلَا وجدنَا من الْفَرح قرارا وَالسُّلْطَان جَالس وَنحن عِنْده وَهُوَ يحض جنده ويقدح مَعَهم فِي اقتباس الآراء زنده وَمنا من يستنجز وعده وَمنا من يستميح رفده وَمنا من يواصله بِالدُّعَاءِ وَمنا من يشافهه بالهناء
وَأصْبح يَوْم الْخَمِيس وَركب فِي خميسه ووقف كالأسد فِي عريسه ووقفنا بِإِزَاءِ
стр. 1210
الْبَلَد صُفُوفا وأطللنا على أطلاله وقوفا فَخرج أهل الْبَلَد يطْلبُونَ الْأمان ويبذلون الإذعان فآمنهم وَخَيرهمْ بَين الْمقَام والإنتقال ووهب لَهُم عصمَة الْأَنْفس وَالْأَمْوَال وَكَانَ فِي ظنهم أَنه يستبيح دِمَاءَهُمْ وَيَسْبِي ذُرِّيتهمْ ونساءهم وأمهلهم أَيَّامًا حَتَّى ينْتَقل من يخْتَار النقلَة فاغتنموا تِلْكَ المهلة وَفتح الْبَاب للخاصة وَاسْتغْنى بِالدُّخُولِ إِلَى الْبَلَد جمَاعَة من ذَوي الْخَصَاصَة فَإِن الْقَوْم مَا صدقُوا من الْخَوْف المزعج وَالْفرق المحرج كَيفَ يتركون دُورهمْ بِمَا فِيهَا ويسلمون وَعِنْدهم أَنهم إِذا نَجوا بِأَنْفسِهِم أَنهم يغنمون
فَلَمَّا دخل الْجند ركز كل على دَار رمحه وأسام فِيهَا سرحه فحصلوا على دور أخلاها أَرْبَابهَا وأموال خَلاهَا أَصْحَابهَا وَكُنَّا لأجل الْأمان نهابها فطاب لاولئك نهابها
وَجعل السُّلْطَان للفقيه عِيسَى الهكاري كل مَا كَانَ للداوية من منَازِل وضياع ومواضع وَربَاع فَأَخذهَا بِمَا فِيهَا من غلال ومتاع وَاسْتَخْرَجُوا الدفائن وولجوا المخازن وداروا الْأَمَاكِن وَكَذَلِكَ مماليك الْملك الْأَفْضَل وَأَصْحَابه وولاته ونوابه نبشوا المحارز وفتشوا المراكز واستباحوا الأهراء واجتاحوا الْأَشْيَاء
وَكَانَ السُّلْطَان قد فوض عكا وضياعها ومعاقلها وقلاعها إِلَى وَلَده الْأَكْبَر الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ
ثمَّ ذكر الْعِمَاد أَنْوَاع مَا استولوا عَلَيْهِ من الْأَمْوَال ثمَّ قَالَ وَمن جملَة ذَلِك أَنهم احتاطوا بِغَيْر علمي على دَار باسمي فباعوا مِنْهَا مَتَاعا بِسبع مئة دِينَار وأخلوها مِمَّا كَانَ فِيهَا من آلَات وأدخار وقلدوني الْمِنَّة فِي تَحْصِيل
стр. 1211
تِلْكَ الدَّار فَإِنَّهَا كَانَت من أنفس الْعقار وسلموها إِلَى غُلَام صديق لي ليصونها وَيقوم بحفظها والذب عَنْهَا والدفاع دونهَا
فَذكر أَن الْغُلَام انْتفع من آلاتها بعد خلوها بِمَا قِيمَته سَبْعُونَ دِينَارا وَأَن الْأَوَّلين نقلوا مِنْهَا من الذخر أوقارا
قَالَ وَإِنَّمَا وصفت هَذَا ليعلم مَا غنموه والتهبوا على حيازته والتهموه وَتصرف الْملك المظفر تَقِيّ الدّين فِي دَار السكر فأفنى قنودها واستوعب موجودها وَنقل قدورها وأنقادها وحوى جواهرها وأعراضها
وَقَالَ فِي كتاب الْفَتْح وخلى سكان الْبَلَد دُورهمْ ومخزونهم ومذخورهم وتركوها لمن أَخذهَا ونبذوا مَا حووه لمن حواها وَمَا نبذها وافتقر من الفرنج أَغْنِيَاء وَاسْتغْنى من أجنادنا فُقَرَاء وَلَو ذخرت تِلْكَ الحواصل وحصلت تِلْكَ الذَّخَائِر وَجمع لبيت المَال ذَلِك المَال الْمَجْمُوع الوافر لَكَانَ عدَّة ليَوْم الشدائد وعمدة لنجح الْمَقَاصِد
فرتعت فِي خضرائها بل صفرائها وبيضائها سروح الأطماع وَطَالَ لمستحليها ومستجليها الإمتاع بذلك الْمَتَاع
قَالَ فِي الْبَرْق وقرئ على السُّلْطَان لَيْلَة من كتاب الْفَتْح وَنحن
стр. 1212
بالقدس نعني هَذَا الْمَكَان وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ فَقَالَ السُّلْطَان هَذِه رفيعة على ثَلَاثَة اثْنَان مِنْهُم فِي جوَار الرَّحْمَة وَالْآخر بَاقٍ فِي مقرّ الْعِصْمَة
يَعْنِي بالاثنين الْفَقِيه عِيسَى وتقي الدّين وبالآخر الْبَاقِي وَلَده نور الدّين
قَالَ ولعمري هُوَ كَمَا ذكره لَكِن الْأَفْضَل مَا حصل لَهُ لخاصه بل لِذَوي اخْتِصَاصه واستخلاصه
وفتحوا الْبَلَد يَوْم الْجُمُعَة مستهل جُمَادَى الأولى فَجِئْنَا إِلَى كنيستها الْعُظْمَى فأزحنا عَنْهَا البؤسى بالنعمى وَحضر الْأَجَل الْفَاضِل فرتب بهَا الْمِنْبَر والقبلة وَهِي أول جُمُعَة أُقِيمَت بالسَّاحل بعد يَوْم الْفَتْح وَكَانَ الْخَطِيب وَالْإِمَام فِيهَا الْفَقِيه جمال الدّين عبد اللَّطِيف بن الشَّيْخ أبي النجيب السهروردي وولاه السُّلْطَان مناصب الشَّرِيعَة بعكا تولى الخطابة وَالْقَضَاء والحسبة وَالْوَقْف
وَمن كتاب فاضلي إِلَى بَغْدَاد بعد فتح عكا يصف كسرة حطين
стр. 1213
صبح الْخَادِم طبرية فاقتض عذرتها بِالسَّيْفِ وهجم عَلَيْهَا هجوم الطيف وتفرق أَهلهَا بَين الْأسر وَالْقَتْل وعاجلهم الْأَمر فَلم يقدروا على الخداع والختل وَجَاء الْملك وَمن مَعَه من كفاره وَلم يشْعر أَن ليل الْكفْر قد آن وَقت إسفاره فأضرم الْخَادِم عَلَيْهِم نَارا ذَات شرار أذكرت بِمَا أعد الله لَهُم فِي دَار الْقَرار فترجل هُوَ وَمن مَعَه عَن صهوات الْجِيَاد وتسنموا هضبة رَجَاء أَن تنجيهم من حر السيوف الْحداد ونصبوا للْملك خيمة حَمْرَاء وضعُوا على الشّرك عمادها وتولت الرِّجَال حفظ أطنابها فَكَانُوا أوتادها فَأخذ الْملك أَسِيرًا ﴿وَكَانَ يَوْمًا على الْكَافرين عسيرا﴾ وَأسر الإبرنس لَعنه الله فحصد بذره وَقَتله الْخَادِم بِيَدِهِ ووفى بذلك نَذره وَأسر جمَاعَة من مقدمي دولته وكبراء ضلالته وَكَانَ الْقَتْلَى تزيد على أَرْبَعِينَ ألفا وَلم يبْق أحد من الداوية فَللَّه. هُوَ من يَوْم تصاحب فِيهِ الذِّئْب والنسر وتداول فِيهِ الْقَتْل والأسر
أصدر الْخَادِم هَذِه الْخدمَة من ثغر عكا وَالْإِسْلَام قد اتَّسع مجاله وَتصرف أنصاره وَرِجَاله وَالْكفْر قد ثبتَتْ أوجاله وَدنت آجاله
قَالَ الْعِمَاد وَمن جملَة البشائر بكسرة حطين وَلما أحيط بالقوم آوى ملكهم إِلَى جبل يعصمه من العوم فأسمعه السَّيْف لَا عَاصِم الْيَوْم وَاسْتولى الخذلان عَلَيْهِم بأسرهم وَبَردت أَيدي الْمُؤمنِينَ بَحر قَتلهمْ وأسرهم وَلم يبْق لَهُم بَاقِيَة وغصت بقتلاهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَرض الله الواسعة ونار الله الحامية فَمَا يطَأ من يصل إِلَى خيمنا إِلَّا على رممهم البالية
стр. 1214
وَأسر الْملك وَأَخُوهُ وبارونيته ومقدموه وَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا القومص وَهُوَ مسلوب وَلَا بُد ان ندركه فَهُوَ مَطْلُوب
وَقد كُنَّا نذرنا ضرب رَقَبَة الإبرنس صَاحب الكرك الغدار كَافِر الْكفَّار ونشيدة النَّار فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ ضربنا عُنُقه سَرِيعا وسرنا إِلَى عكا وَهِي بَيْضَة ملكهم وواسطة سلكهم ومركز دَائِرَة كفرهم وَمجمع جمع برهم وبحرهم فتسلمناها بالأمان والصخرة المقدسة الْآن بِنَا تصرخ وتستغيث وَعباد الله الصالحون قد وصلت إِلَيْهِم بوعد الله الصَّادِق الْمَوَارِيث والبشارة بِفَتْح الْقُدس لَا تتأخر والهمم بعد هَذَا الْفَتْح السّني على ذَلِك تتوفر وَالْحَمْد لله الَّذِي تتمّ الصَّالِحَات بِحَمْدِهِ ﴿مَا يفتح الله للنَّاس من رَحْمَة فَلَا مُمْسك لَهَا وَمَا يمسك فَلَا مُرْسل لَهُ من بعده﴾
فصل فِي فتح نابلس وَجُمْلَة من الْبِلَاد الساحلية بعد فتح عكا وطبرية وَذكر بعض كتب البشائر الشاهدة لذَلِك
قَالَ الْعِمَاد أَقَامَ السُّلْطَان أَيَّامًا بِبَاب عكا بعد فتح عكا على التل مخيما وعَلى فتح سَائِر بِلَاد السَّاحِل مصمما
وَكَانَ قد كتب إِلَى أَخِيه الْعَادِل بِمصْر بِمَا فَتحه الله عَلَيْهِ فوصل بعسكره وَفتح فِي طَرِيقه حصن
стр. 1215
مجدل يابا ومدينة يافا عنْوَة فقصده من عسكرنا القصاد ووفد إِلَيْهِ الوفاد وَأمره السُّلْطَان أَن يُقيم فِي ذَلِك الْجَانِب جَامعا للكتائب ليجتمع بِهِ الواصلون من مصر الآملون مَعَه النَّصْر
قَالَ وَتوجه عدَّة من الْأُمَرَاء والعسكرية إِلَى الناصرة وقيسارية والبلاد الْمُجَاورَة لعكا وطبرية وَمضى كل فريق فِي صوب وآبوا بِالْغَنِيمَةِ والسبي خير أَوب
قَالَ فَأَما الفولة فَهِيَ قلعة للداوية حَصِينَة وفيهَا ذخائرهم فَلَمَّا خرج الداوية مِنْهَا وَقتلُوا لم يبْق فِيهَا إِلَّا أَتبَاع وغلمان فسلموها وَجَمِيع مَا يجاورها كدبورية وجينين وزرعين وَالطور
وَزَاد فِي كتاب الْفَتْح واللجون وبيسان والقيمون وَجَمِيع مَا لعكا وطبرية من الولايات والزيب ومعليا والبعنة وإسكندرونة ومنواث
قَالَ وَتوجه مظفر الدّين كوكبري إِلَى الناصرة فاستباحها وصفرت صفورية من سكانها وَتوجه بدر الدّين دلدرم وغرس الدّين قليج وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء إِلَى قيسارية فافتتحوها بِالسَّيْفِ وتسلمت بعْدهَا حيفا وأرسوف وَاسْتولى على تِلْكَ الشموس والأقمار الْكُسُوف والخسوف وحيفا بَين عكا وقيسارية على الْبَحْر
قَالَ وَأما نابلس فَإِن أهل ضياعها ومعظم أَهلهَا كَانُوا مُسلمين وَفِي سلك الرّعية مَعَ الفرنج منتظمين وهم يجبونَ كل عَام مِنْهُم قرارا
стр. 1216
وَلَا يغيرون لَهُم شرعا وَلَا شعارا فَلَمَّا عرفُوا كسرتهم وَأَنَّهُمْ لَا يرجون جبرهم خَافُوا من مساكنة الْمُسلمين فَتَفَرَّقُوا وكبسهم أهل الضّيَاع فِي الدّور والرباع وغنموا مَا وجدوه من الذَّخَائِر وَالْمَتَاع وأوقعوا بضعفائهم وضايقوا الْحُصُون على أقويائهم وطلبها من السُّلْطَان ابْن أُخْته حسام الدّين عمر بن مُحَمَّد بن لاجين وَهُوَ عَزِيز عِنْد خَاله مَلِيء بفضله وأفضاله فأقطعة السُّلْطَان نابلس وأعمالها وضياعها ونواحيها وقلاعها فَتوجه إِلَيْهَا بعسكره فَأول مَا أَنَاخَ على سبسطية وَبهَا مشْهد زَكَرِيَّا ﵇ قد اتَّخذهُ الأقساء كَنِيسَة مُنْذُ فَارقه الْإِسْلَام وَهُوَ متعبدهم الْمُعظم والمشهد المكرم وَقد حجبوه بالأستار وحلوه بِالْفِضَّةِ والنضار وعينوا لَهُ مواسم الزوار وقومته من الرهابين فِيهِ مُقِيمَة وَلَا يُؤذن فِي الزِّيَارَة إِلَّا لمن مَعَه هَدِيَّة لَهَا قيمَة فدخله وحوى مَا فِيهِ وَأبقى مَا لَا يحسن أَن يَخْلُو من مثله الْمَسْجِد وَفتح للْمُسلمين أبوابه وَأظْهر للمصلين محرابه
ثمَّ سَار إِلَى نابلس فَفَتحهَا بالأمان واستمال من سكانها من صرف عَلَيْهِ الْجِزْيَة بعد زمَان وأجراهم على مَالهم من الْعِمَارَة والبنيان وَبقيت بِيَدِهِ إِلَى آخر عَهده وعمرت بعدله ورفده
قَالَ الْعِمَاد وأنشدته يَوْم فتح الْقُدس قصيدة أَولهَا
(استوحش الْقلب مذ غبتم فَمَا أنسا ... وأظلم الْيَوْم مذ بنتم فَمَا شمسا)
(مَا طبت نفسا وَلَا استحسنت بعدكم ... شَيْئا نفيسا وَلَا استعذبت لي نفسا)
(قلبِي وصبري وغمضي والشباب وَمَا ... ألفتم من نشاطي كُله خلسا)
(وَكَيف يصبح أَو يُمْسِي محبكم ... وشوقكم يَتَوَلَّاهُ صباح مسا)
(عَادَتْ معاهدكم بالجزع دارسة ... وَإِن معهدكم فِي الْقلب مَا درسا)
(وَكنت أحدس مِنْكُم كل داهية ... وَمَا دهانا من الهجران مَا حدسا)
стр. 1217
(لما هدت نَار شوقي ضيف طيفكم ... قريته بالكرى إِذْ زار مقتبسا)
(ورمت تأنيسه حَتَّى وهبت لَهُ ... إِنْسَان عَيْني أفديه فَمَا أنسا)
(أَنا الخيال نحولا فالخيال إِذا ... مَا زارني كَيفَ يلقى من بِهِ التبسا)
(لهفي على زمن قَضيته طَربا ... إِذْ لم أكن من صروف الدَّهْر محترسا)
(عَسى يعود شَبَابِي ناضرا وَمَتى ... أَرْجُو نضارة عود للشباب عَسى)
(وشادن يفرس الآساد ناظره ... فديته شادنا للأسد مفترسا)
(فِي الْعَطف لين وَفِي أخلاقه شوس ... يَا لين عطفيه جنب خلقه الشوسا)
وَمِنْهَا
(إِن نَاب لبس مضينا لاجئين إِلَى الْفَتى ... الحسام ابْن لاجين بنابلسا)
(يُمِيت أعداءه بَأْسا ونائله ... يحيي رَجَاء الَّذِي من نجحه أيسا)
(ممزق المازق المنسوج عثيره ... وَقد محا الْيَوْم ليل النَّقْع فانطمسا)
(لَا زلت مستويا فَوق الحصان وَفِي ... حصن الْحفاظ وَمن عاداك منتكسا)
وَهِي طَوِيلَة وَقد تقدّمت مِنْهَا أَبْيَات فِي وصف كسرة حطين وَسَيَأْتِي مِنْهَا أَيْضا أَبْيَات عِنْد فتح الْقُدس فِي مدح السُّلْطَان صَلَاح الدّين ﵀
وَمن كتاب عَن السُّلْطَان إِلَى سيف الْإِسْلَام أَخِيه كاتبنا أخانا الْعَادِل
стр. 1218
أَن يدْخل بالعسكر الْمصْرِيّ من ذَلِك الْجَانِب فَلَمَّا بشر بِكَسْر الفرنج وَفتح عكا وطبرية كَانَ قد وصل إِلَى السوَاد فَجَاز الْعَريش وزار الداروم وأجفلت قدامه الْبِلَاد وَوصل إِلَى يافا فَفَتحهَا عنْوَة ثمَّ حصر مجدل يابا فطلبت مِنْهُ الْأمان
وَقد اشْتَمَل الْفَتْح على الْبِلَاد الْمعينَة وَهِي طبرية عكا الزيب معليا إسكندرونه تبنين هونين الناصرة الطّور صفورية الفولة جينين زرعين دبورية عفربلا بيسان سبسطية نابلس اللجون أرِيحَا سنجل البيرة يافا أرسوف قيسارية حيفا وصرفند صيدا بيروت قلعة أبي الْحسن جبيل مجدل يابا جبل الْجَلِيل مجد حباب الداروم غَزَّة عسقلان تل الصافية التل الْأَحْمَر الأطرون بَيت جِبْرِيل جبل الْخَلِيل بَيت لحم لد الرملة قرتيا الْقُدس صوبا هُرْمُز سلع عفرى الشقيف
قَالَ وَلم نذْكر مَا تخللها من الْقرى والضياع والأبراج الحصينة الْجَارِيَة مجْرى الْحُصُون والقلاع وَلكُل وَاحِدَة من الْبِلَاد الَّتِي ذَكرنَاهَا أَعمال وقرى ومزارع وأماكن ومواضع قد جاس الْمُسلمُونَ خلالها واستوعبوا ثمارها وغلالها
قَالَ الْعِمَاد وَمِمَّا أنشأته فِي هَذَا التَّارِيخ من شرح الْفتُوح وكتبت بِهِ إِلَى الدِّيوَان وبدأت بقوله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ الْحَمد لله على مَا أنْجز من هَذَا
стр. 1219
الْوَعْد وعَلى نصرته لهَذَا الدّين الحنيف من قبل وَمن بعد وَجعل بعد عسر يسرا وَقد أحدث الله بعد ذَلِك أمرا وهون الْأَمر الَّذِي مَا كَانَ الْإِسْلَام يَسْتَطِيع عَلَيْهِ صبرا وخوطب الدّين بقوله ﴿وَلَقَد مننا عَلَيْك مرّة أُخْرَى﴾ فَالْأولى فِي عصر النَّبِي صلى اله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة وَالْأُخْرَى هَذِه الَّتِي عتق فِيهَا من رق الكآبة فَهُوَ قد أصبح حرا رَيَّان الكبد الحرى وَالزَّمَان كَهَيْئَته اسْتَدَارَ وَالْحق ببهجته قد استنار وَالْكفْر قد رد مَا كَانَ عِنْده من الْمُسْتَعَار فَالْحَمْد لله الَّذِي أعَاد الْإِسْلَام جَدِيدا ثَوْبه بعد أَن كَانَ جذيذا حبله مبيضا نَصره مخضرا نصله متسعا فَضله مجتمعا شَمله
وَالْخَادِم يشْرَح من نبأ هَذَا الْفَتْح الْعَظِيم والنصر الْكَرِيم مَا يشْرَح صُدُور الْمُؤمنِينَ ويمنح الحبور لكافة الْمُسلمين ويورد الْبُشْرَى بِمَا أنعم الله بِهِ من يَوْم الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الآخر إِلَى يَوْم الْخَمِيس منسلخه وَتلك سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام حسوما سخرها الله على الْكفَّار ﴿فترى الْقَوْم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية﴾ وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت الْبِلَاد على عروشها خاوية ورأيتها إِلَى الْإِسْلَام ضاحكة كَمَا كَانَت من الْكفْر باكية فَيوم الْخَمِيس الأول فتحت طبرية وَيَوْم الْجُمُعَة والسبت نوزل الفرنج فكسروا الكسرة الَّتِي مَا لَهُم بعْدهَا قَائِمَة وَأخذ الله
стр. 1220
أعدائه بأيدي أوليائه أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة
وَفِي يَوْم الْخَمِيس منسلخ الشَّهْر فتحت عكا بالأمان وَرفعت بهَا أَعْلَام الْإِيمَان وَهِي أم الْبِلَاد وَأُخْت إرم ذَات الْعِمَاد
وَقد اصدر هَذِه المطالعة وصليب الصلبوت مأسور وقلب ملك الْكفْر الْأَسير بجيشه المكسور مكسور وَالْحَدِيد الْكَافِر الَّذِي كَانَ فِي يَد الْكفْر يضْرب وَجه الْإِسْلَام قد صَار حديدا مُسلما يعوق خطوَات الْكفْر عَن الْإِقْدَام وأنصار الصَّلِيب وكباره وكل من المعمودية عمدته والدير دَاره قد أحاطت بِهِ يَد القبضة وغلق رَهنه فَلَا يقبل فِيهِ القناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وطبرية قد رفعت أَعْلَام الْإِسْلَام عَلَيْهَا وَنَكَصت من عكا مِلَّة الْكفْر على عقبيها وعمرت إِلَى أَن شهِدت يَوْم الْإِسْلَام وَهُوَ خير يوميها
وَقد صَارَت البيع مَسَاجِد يعمرها من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَصَارَت المذابح مَوَاقِف لخطباء المنابر واهتزت أرْضهَا لموقف الْمُسلم فِيهَا وطالما ارتجت لموقف الْكَافِر
فَأَما الْقَتْلَى والأسرى فَإِنَّهَا تزيد على ثَلَاثِينَ ألفا وَأما فرسَان الداوية والاسبتار فقد أمضى حكم الله فيهم وَقطع بهم سوق نَار الْجَحِيم ورحل الراحل مِنْهُم إِلَى الشَّقَاء الْمُقِيم وَقتل الإبرنس الْكفَّار ونشيدة النَّار من يَده فِي الْإِسْلَام كَمَا كَانَت يَد الكليم
والبلاد والمعاقل الَّتِي فتحت طبرية عكا الناصرة صفورية قيسارية نابلس حيفا معليا الفولة الطّور الشقيف وقلاع بَين هَذِه كَثِيرَة
وَالْملك المظفر تَقِيّ الدّين ظفره الله مضايق لصور
стр. 1221
وحصن تبنين وَالْأَخ الْعَادِل سيف الدّين نَصره الله قد كُوتِبَ بالوصول بِمن عِنْده من العساكر وَينزل فِي طَرِيقه على غَزَّة وعسقلان ويجهز مراكب الأسطول المنصورة إِلَى عكا وَمَا يتَأَخَّر النهوض إِلَى الْقُدس فَهَذَا هُوَ أَوَان فَتحه وَلَقَد دَامَ عَلَيْهِ ليل الضلال وَقد آن أَن يسفر فِيهِ الْهدى عَن صبحه
فصل فِي فتح تبنين وصيدا وبيروت وجبيل وَغَيرهَا ومجيء المركيس إِلَى صور
قَالَ الْعِمَاد أرسل السُّلْطَان إِلَى تبنين ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين فضايقها وَكتب إِلَى السُّلْطَان أَن يَأْتِيهِ بِنَفسِهِ فوصل إِلَيْهَا فِي ثَلَاث مراحل وَنزل عَلَيْهَا يَوْم الْأَحَد حادي عشر جُمَادَى الأولى فراسلوا السُّلْطَان وسألوا الْأمان واستمهلوا خَمْسَة أَيَّام لينزلوا بِأَمْوَالِهِمْ فأمهلوا وبذلوا رهائن من مقدميهم ووفوا بِمَا بذلوا وتقربوا بِإِطْلَاق الْأُسَارَى من الْمُسلمين فَخرج الْأُسَارَى مسرورين فسر بهم السُّلْطَان وسربهم وأقرهم وقربهم وكساهم وحباهم وآتاهم بعد ردهم إِلَى مغانيهم غناهم وَهَذَا دأبه فِي كل بلد يَفْتَحهُ وَملك يربحه أَنه يبْدَأ بالأسارى فيفك قيودها وَيُعِيد بعد عدمهَا وجودهَا فخلص تِلْكَ السّنة من الْأسر أَكثر من عشْرين ألف أَسِير وَوَقع فِي أسره من الْكفَّار مئة ألف وَلما خلوا القلعة وأخلو الْبقْعَة سيرهم وَمَعَهُمْ
стр. 1222
من الْعَسْكَر الْمَنْصُور من أوصلهم إِلَى صور وتسلمها يَوْم الْأَحَد الثَّامِن عشر من جُمَادَى الأولى وَكَانَ شَرط عَلَيْهِم تَسْلِيم الْعدَد وَالدَّوَاب والخزائن
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد فتحهَا السُّلْطَان عنْوَة وَكَانَ بهَا رجال أبطال شديدون فِي دينهم فاحتاجوا إِلَى معاناة شَدِيدَة وَنَصره الله عَلَيْهِم وَأسر من بَقِي بهَا بعد الْقَتْل ثمَّ رَحل مِنْهَا إِلَى مَدِينَة صيدا فَنزل عَلَيْهَا وَمن الْغَد تسلمها وَهُوَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي وَالْعشْرُونَ
قَالَ الْعِمَاد سنحت لَهُ صيدا فتصدى لصيدها وَكَانَت همته فِي قيدها وبادرها إشفاقا من مكر العداة وكيدها
ووصلنا فِي يَوْمَيْنِ إِلَى صيدا إِلَى منهل فتحهَا صادين وَعَن حمى الْحق دونهَا لأهل الْبَاطِل صادين وَلما نزلنَا من الوعر إِلَى السهل سهل مَا توعر وَصفا من الْأَمر مَا ظن أَنه تكدر فصرفنا الأعنة إِلَى صرفند وَهِي مَدِينَة لَطِيفَة على السَّاحِل مورودة المناهل ذَات بساتين وأشجار ورياحين وأزهار فأخذناها وخيمنا على صيدا وَقد جَاءَت رسل صَاحبهَا بمفاتيحها وَقد طلعت الرَّايَة الصَّفْرَاء على أسوارها وأقيمت بهَا الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة واستديمت بهَا بدل الْعِصْيَان لله الطَّاعَة
ثمَّ سَار فِي يَوْمه على سمت بيروت فَنزل عَلَيْهَا يَوْم الْخَمِيس وضايقها وحاصرها ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ طلبُوا الْأمان فَأَمنَهُمْ
стр. 1223
وتسلمها يَوْم الْخَمِيس التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى
وَمرض الْعِمَاد فأملى كتاب صلح بيروت وَرجع إِلَى دمشق للمداواة ثمَّ وجد الشِّفَاء وَعَاد إِلَى السُّلْطَان يَوْم فتح الْقُدس كَمَا سَيَأْتِي
قَالَ وسلمت بيروت بحضوري فَكَانَ من سَبَب إبلالي سروري بِفَتْحِهَا وحبوري وَخرج مِنْهَا وَمن قلعتها الفرنج وامتلأ بهم إِلَى صور النهج وَعَاد الْإِسْلَام الْغَرِيب فِيهَا إِلَى وَطنه وتوطن الدّين بهَا فِي مأمنه وَسكن فِي مَسْكَنه
وَأما جبيل فَإِن صَاحبهَا أوك كَانَ فِي جملَة من نقل إِلَى دمشق مَعَ الْملك الْأَسير فَضَاقَ ذرعا بسجنه الَّذِي تعجل لَهُ فِيهِ عَذَاب السعير فَتحدث مَعَ الصفي بن الْقَابِض فِي أمره وباح إِلَيْهِ بسره وَقَالَ مالكم فِي اسري فَائِدَة وَلَا غنيمَة على فتح جبيل زَائِدَة وانا أسلمها بِشَرْط سلامتي فخذوها وَلَا تقعدوني فقد قَامَت قيامتي
فأنهى الصفي حَاله واستصوب مَا قَالَه فَأمر بإحضاره فِي قَيده والاحتراز من كَيده فوصل بِهِ وَنحن على بيروت فَسلم جبيل وَسلم وَربح نجاته وغنم وَمضى إِلَيْهَا من تولاها وانسل مِنْهَا صَاحبهَا وسلاها وتبعها فتح بيروت وتلاها فانتظمت هَذِه الْبِلَاد المتناسقة بالسَّاحل فِي سلك من الْفتُوح متسق وَأمر من الاسْتقَامَة مُتَّفق
وَكَانَ مُعظم أهل صيدا وبيروت وجبيل مُسلمين مَسَاكِين لمساكنة الفرنج مستسلمين فذاقوا الْعِزَّة بعد الذلة وفاقوا الْكَثْرَة بعد الْقلَّة وصدقت البشائر وصدحت المنابر وَظهر عيب البيع وَشهر جمع الْجمع وقرئ
стр. 1224
الْقُرْآن واستشاط الشَّيْطَان وخرست النواقيس وَبَطلَت النواميس وَرفع الْمُسلمُونَ رؤوسهم وَعرفُوا نُفُوسهم
وَكَانَ كل من استأمن من الْكفَّار يمْضِي إِلَى صور محمي الذمار فَصَارَت صور عش غشهم ووكر مَكْرهمْ وملجأ طريدهم ومنجى شريدهم وَهِي الَّتِي فر القومص إِلَيْهَا يَوْم كسرتهم بل يَوْم حسرتهم وَلما عرف القومص قرب السُّلْطَان مِنْهَا أخلاها وخلاها وآوى إِلَى طرابلس وثواها فَمَا متع بِمَا ملك وَكَانَ كَمَا قيل
(رَاح يَبْغِي نجوة ... من هَلَاك فَهَلَك)
وتعوضت صور عَن القومص بالمركيس كَمَا يتعوض عَن الشَّيْطَان بإبليس فَأدْرك ذماء الْكفْر بَعْدَمَا أشفى وَأَيْقَظَ روع الروع بَعْدَمَا أغفى وَضبط صور بِمن فِيهَا من مهزومي الفرنج ومنفيها
وَكَانَ المركيس من أكبر طواغيت الْكفْر وأغوى شياطينه وأضرى سراحينه وأخبث ذئابه وانجس كلابه وَهُوَ الطاغية الداهية الَّذِي خلقت لَهُ ولأمثاله الهاوية وَلم يكن وصل إِلَى السَّاحِل قبل هَذَا الْعَام وَاتفقَ وُصُوله إِلَى ميناء عكا وَهُوَ بِفَتْحِهَا جَاهِل وَعَمن فِيهَا من الْمُسلمين ذاهل فعزم على إرساء الشيني بالمينا ثمَّ تعجب وَقَالَ مَا نرى أحدا من أَهلهَا يلتقينا وَرَأى زِيّ النَّاس غير الَّذِي يعرفهُ فارتاب وارتاع وَحدث عَن الدُّخُول توقفه وَبَان تندمه وَتَأَخر تقدمه وَسَأَلَ عَن الْحَال فَأخْبر
стр. 1225
بهَا ففكر فِي النجَاة والهواء راكد وَالْقَضَاء عَنهُ رَاقِد فَإِنَّهُ لَو خرج إِلَيْهِ مركب لأَخذه وَلَو وقف لَهُ قَاصد لوقذه فاحتال كَيفَ يخرج بسفينته وَلَا يدْخل مَعَ فقد سكينته فَسَأَلَ عَن مُتَوَلِّي الْبَلَد وَقَالَ خُذُوا لي مِنْهُ أَمَانًا حَتَّى أَدخل وَأَرْفَع مَا معي من الْمَتَاع وأنقل
فجيء إِلَيْهِ من الْأَفْضَل بالأمان فَقَالَ مَا أَثِق إِلَّا بِخَط يَده وَلَا أنزل إِلَّا بعهده إِلَى بَلَده وَهُوَ ينْتَظر هبوب الرّيح الْمُوَافقَة فَمَا زَالَ يردد الرُّسُل وَيُدبر الْحِيَل حَتَّى وافقته الرّيح فأقلع وأفلت من الشّرك بَعْدَمَا وَقع وَصَارَ فِي صور فزم الْأُمُور وجرأ الْكفْر بعد خوره وبصر الشَّيْطَان بعد عماه وعوره وَأرْسل رسله إِلَى الجزائر وَذَوي الجرائر يَسْتَعْدِي ويستدعى ويستودع مِلَّة الصَّلِيب عباده ويسترعي ويستثير ويستزير ويستنفر ويستنصر وَثَبت فِي صور وَنبت وَجمع إِلَيْهِ من الفرنج من تشَتت وَمَا فتح بلد بالأمان إِلَّا سَار أَهله فِي حفظ السُّلْطَان حَتَّى يصيروا بصور ويأمنوا الْمَحْذُور فَاجْتمع إِلَيْهَا أهل الْبِلَاد الْمَفْتُوحَة بالقلوب المقفلة المغلقة المقروحة فامتلأت وَكَانَت خاليه وانتشأت وَكَانَت بالية وتعللت وَكَانَت معتلة وتعقدت وَكَانَت منحلة وَلم يحتفل بهَا فَأخر فتحهَا فاستجدت رمقا بالمهلة وتصعبت بعد مقادتها السهلة وألهى عَن طلبَهَا طلب مَا هُوَ أشرف وَهُوَ الْبَيْت الْمُقَدّس فَإِن فَتحه من كل فتح أنفس والمركيس فِي أثْنَاء ذَلِك يحْفر الخَنْدَق ويحكمه ويعقد الموثق ويبرمه وَيجمع المتفرق وينظمه
стр. 1226
فصل فِي فتح عسقلان وغزة والداروم وَغَيرهَا
قَالَ الْعِمَاد لما فرغ السُّلْطَان من فتح بيروت وجبيل ثنى عنانه عَائِدًا على صيدا وصرفند وَجَاء إِلَى صور نَاظرا إِلَيْهَا وعابرا عَلَيْهَا غير مكترث بأمرها وَلَا متحدث فِي حصرها ودلته الفراسة على أَن محاولتها تصعب ومزاولتها تتعب وَلَيْسَ بالسَّاحل بلد مِنْهَا أحصن فعطف الأعنة إِلَى مَا هُوَ مِنْهَا أَهْون
وَكَانَ قد استحضر ملك الفرنج ومقدم الداوية فِي قيودهما وَشرط مَعَهُمَا واستوثق مِنْهُمَا أَن يطلقهما من الْأسر والبلية مَتى تمكن بإعانتهما من الْبِلَاد الْبَقِيَّة وَعبر والعيون صور إِلَى صور وَمَا شكّ المركيس أَنه بهَا محسور مَحْصُور فَلَمَّا أرْخى من وثَاقه واتسع ضيق خناقه حلق فِي مطار أوطاره وحرك لغواته أوتار أوتاره
وَاجْتمعَ السُّلْطَان بأَخيه الْعَادِل واتفقا على طي المراحل وَنشر القساطل فَنزل على عسقلان يَوْم الْأَحَد سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة وشديدها قد لَان فتجلد من بهَا على الْحصار وتربصوا وتصبروا فنصب السُّلْطَان عَلَيْهَا مجانيق وَرَمَاهُمْ بهَا وجسر النقاب فحسر الثقاب وباشر الباشورة فَرفع الْحجاب وَاشْتَدَّ الْقِتَال واحتد المصال
وراسلهم عِنْد ذَلِك الْملك المأسور وَقَالَ قد بَان عذركم حِين نقب السُّور
وَجَرت حالات وتكررت حوالالت وترددت رسالات وَقَالَ لَهُم الْملك الْأَسير لَا تخالفوا مَا بِهِ أُشير واحفظوا رَأْسِي فَهُوَ رَأس مالكم وَلَا تخطروا غَيْرِي ببالكم فَإِنِّي إِذا تخلصت خلصت وَإِذا استنقذت استنقذت وَخرج مقدمون وشاوروا الْملك ونهجوا فِي التَّسْلِيم نهجا سلك وسلموا عسقلان على خُرُوجهمْ بِأَمْوَالِهِمْ سَالِمين واستوفوا بذلك الْمِيثَاق وَالْيَمِين وَذَلِكَ يَوْم السبت
стр. 1227
لانسلاخ جُمَادَى الْآخِرَة وَخَرجُوا بنسائهم وَأَمْوَالهمْ
وَمِمَّنْ اسْتشْهد على عسقلان من الْأُمَرَاء الكبراء حسام الدّين إِبْرَاهِيم بن حُسَيْن المهراني وَهُوَ أول أَمِير افْتتح بِالشَّهَادَةِ واختتم بالسعادة
وَكَانَ السُّلْطَان قد أَخذ فِي طَرِيقه إِلَيْهَا الرملة ويبنى وَبَيت لحم والخليل وَأقَام بهَا حَتَّى تسلم حصون الداوية غَزَّة والنطرون وَبَيت جِبْرِيل وَكَانَ قد استصحب مَعَه مقدم الداوية وَشرط مَعَه أَنه مَتى سلم معاقلهم أطلقهُ فَسلم هَذِه الْمَوَاضِع الْوَثِيقَة لما اخذ موثقه كَذَا قَالَ الْعِمَاد فِي كتاب الْفَتْح
وَقَالَ فِي كتاب الْبَرْق وَمَا برح السُّلْطَان مُقيما بِظَاهِر عسقلان حَتَّى تسلم المعاقل الْمُجَاورَة لَهَا والبلاد
فَذكر الداروم وغزة والرملة ويبنى وَبَيت لحم ومشهد الْخَلِيل ﵇ ولد وَبَيت جِبْرِيل والنطرون
قَالَ ابْن شَدَّاد وَلما فرغ بَال السُّلْطَان من هَذَا الْجَانِب يَعْنِي نَاحيَة بيروت رأى قصد عسقلان وَلم ير الِاشْتِغَال بصور بعد أَن نزل عَلَيْهَا ومارسها لِأَن الْعَسْكَر كَانَ قد تفرق فِي السَّاحِل وَذهب كل إِنْسَان يَأْخُذ لنَفسِهِ شَيْئا وَكَانُوا قد ضرسوا من الْقِتَال وملازمة الْحَرْب وَكَانَ قد اجْتمع فِي صور يسر الله فتحهَا كل فرنجي بَقِي فِي السَّاحِل فَرَأى قصد عسقلان لِأَن أمرهَا كَانَ أيسر وتسلم فِي طَرِيقه مَوَاضِع كَثِيرَة كالرملة ويبنى
стр. 1228
والداروم فَأَقَامَ عَلَيْهَا المنجنيقات وقاتلها قتالا شَدِيدا وتسلمها سلخ جُمَادَى الْآخِرَة وَأقَام عَلَيْهَا إِلَى أَن تسلم أَصْحَابه غَزَّة وَبَيت جبرين والنطرون بعد قتال
قَالَ وَكَانَ بَين فتح عسقلان وَأخذ الفرنج لَهَا من الْمُسلمين خمس وَثَلَاثُونَ سنة فَإِن الْعَدو ملكهَا فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
وَذكر ابْن القادسي نُسْخَة كتاب كتبه السُّلْطَان إِلَى بعض أَهله وَفِيه انتقلنا إِلَى الْجَانِب الَّذِي فِيهِ الْقُدس وعسقلان ففتحنا قلاعه كلهَا وحصونه جَمِيعهَا ومعاقله بجملتها ومدنه بأسرها حيفا وقيسارية وأرسوف ويافا والرملة ولد وتل الصافية وَبَيت جِبْرِيل والدير والخليل ونازلنا عسقلان وَهِي المعقل المنيع والحصن الْحصين والتل الرفيع وَفِيهِمْ من الْقُوَّة وَالْعدة وَالْعدَد مَا تتقاصر الآمال عَن نيل مثلهَا فافتتحناها سلما لتَمام أَرْبَعَة عشر يَوْمًا من يَوْم نزولنا عَلَيْهَا ونصبت أَعْلَام التَّوْحِيد على أبراجها وأسوارها وعمرت بِالْمُسْلِمين وخلت من مشركيها وكفارها وَكبر المؤذنون فِي أقطارها وَلم يبْق فِي السَّاحِل من جبيل إِلَى أَوَائِل حُدُود مصر سوى الْقُدس وصور والعزم مصمم على قصد الْقُدس فَالله يسهله ويعجله فَإِذا يسر الله تَعَالَى فتح الْقُدس ملنا إِلَى صور وَالسَّلَام
وَفِي كتاب آخر تقدم ذكر بعضه قَالَ وَقد تفرق الْعَسْكَر قوم إِلَى
стр. 1229
الْقُدس وَابْن زين الدّين وتقي الدّين نازلان على صور وَفتحت هونين بِالسَّيْفِ وتبنين بِالسَّيْفِ وإسكندرونة بِالسَّيْفِ
وَفِي كتاب آخر ونزلوا على صور وكاتبهم ملك بَيت الْمُقَدّس يطْلب الْأمان فَقَالَ لَهُ صَلَاح الدّين أَنا أجيء إِلَيْكُم فَقَالَ لَهُ المنجمون على نجمك أَن تدخل بَيت الْمُقَدّس وَتذهب عين وَاحِدَة مِنْك فَقَالَ قد رضيت بِأَن أعمى وآخذ الْبَلَد
قَالَ وَلم يمنعهُ من ذَلِك إِلَّا فتح صور وَمَا هِيَ شَيْء يقف عَلَيْهِ
وَقد خطب لأمير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر لدين الله على ثَلَاثِينَ منبرا من بِلَاد الفرنج
قَالَ الْعِمَاد وفوض السُّلْطَان الْقَضَاء وَالْحكم والخطابة وَجَمِيع الْأُمُور الدِّينِيَّة بِمَدِينَة عسقلان وأعمالها إِلَى جمال الدّين أبي مُحَمَّد عبد الله بن عمر الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بقاضي الْيمن
قَالَ وَوصل إِلَى السُّلْطَان من مصر وَلَده الْملك الْعَزِيز عُثْمَان وَاجْتمعَ بِهِ على عسقلان فقرت عينه بولده واعتضد بعضده وَوضع يَده بتأييد الله فِي يَده
وَكَانَ قد استدعى بالأساطيل المنصورة فوافت كالفتخ الكواسر بالفلك المواخر وَجَاءَت كَأَنَّهَا أمواج تلاطم أمواجا وأفواج
стр. 1230
تزاحم أَفْوَاجًا تدب على الْبَحْر عقاربها وتخب كَقطع اللَّيْل سحائبها والحاجب لُؤْلُؤ مقدمها ومقدامها وضرغام غابها وهمامها فَطَفِقَ يكسر ويكسب ويسل ويسلب وَيقطع الطَّرِيق على سفن الْعَدو ومراكبه وَيقف لَهُ فِي جزائر الْبَحْر على مذاهبه وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى
فتح الْبَيْت الْمُقَدّس شرفه الله تَعَالَى
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما تسلم السُّلْطَان عسقلان والأماكن الَّتِي هِيَ مُحِيطَة بالقدس شمر عَن سَاق الْجد وَالِاجْتِهَاد فِي قَصده وَاجْتمعت إِلَيْهِ العساكر الَّتِي كَانَت مُتَفَرِّقَة فِي السَّاحِل بعد قَضَاء لبانتها من النهب والغارة فَسَار نَحوه مُعْتَمدًا على الله مفوضا أمره إِلَى الله منتهزا فرْصَة فتح بَاب الْخَيْر الَّذِي حث على انتهازه إِذا فتح بقوله ﵇ من فتح لَهُ بَاب خير فلينتهزه فَإِنَّهُ لَا يعلم مَتى يغلق دونه وَكَانَ نُزُوله عَلَيْهِ قدس الله روحه يَوْم الْأَحَد الْخَامِس عشر من رَجَب فَنزل بالجانب الغربي وَكَانَ مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة وَلَقَد تحازر أهل الْخِبْرَة عدَّة من كَانَ فِيهِ من الْمُقَاتلَة بِمَا يزِيد على سِتِّينَ ألفا مَا عدا النِّسَاء وَالصبيان
ثمَّ انْتقل ﵀ لمصْلحَة رَآهَا إِلَى الْجَانِب الشمالي وَكَانَ انْتِقَاله يَوْم الْجُمُعَة الْعشْرين من رَجَب وَنصب عَلَيْهِ المنجنيقات وضايقه بالزحف والقتال
следующие страницы →