← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

فصل فِي فتح عسقلان وغزة والداروم وَغَيرهَا قَالَ الْعِمَاد لما فرغ السُّلْطَان من فتح بيروت وجبيل ثنى عنانه عَائِدًا على صيدا وصرفند وَجَاء إِلَى صور نَاظرا إِلَيْهَا وعابرا عَلَيْهَا غير مكترث بأمرها وَلَا متحدث فِي حصرها ودلته الفراسة على أَن محاولتها تصعب ومزاولتها تتعب وَلَيْسَ بالسَّاحل بلد مِنْهَا أحصن فعطف الأعنة إِلَى مَا هُوَ مِنْهَا أَهْون وَكَانَ قد استحضر ملك الفرنج ومقدم الداوية فِي قيودهما وَشرط مَعَهُمَا واستوثق مِنْهُمَا أَن يطلقهما من الْأسر والبلية مَتى تمكن بإعانتهما من الْبِلَاد الْبَقِيَّة وَعبر والعيون صور إِلَى صور وَمَا شكّ المركيس أَنه بهَا محسور مَحْصُور فَلَمَّا أرْخى من وثَاقه واتسع ضيق خناقه حلق فِي مطار أوطاره وحرك لغواته أوتار أوتاره وَاجْتمعَ السُّلْطَان بأَخيه الْعَادِل واتفقا على طي المراحل وَنشر القساطل فَنزل على عسقلان يَوْم الْأَحَد سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة وشديدها قد لَان فتجلد من بهَا على الْحصار وتربصوا وتصبروا فنصب السُّلْطَان عَلَيْهَا مجانيق وَرَمَاهُمْ بهَا وجسر النقاب فحسر الثقاب وباشر الباشورة فَرفع الْحجاب وَاشْتَدَّ الْقِتَال واحتد المصال وراسلهم عِنْد ذَلِك الْملك المأسور وَقَالَ قد بَان عذركم حِين نقب السُّور وَجَرت حالات وتكررت حوالالت وترددت رسالات وَقَالَ لَهُم الْملك الْأَسير لَا تخالفوا مَا بِهِ أُشير واحفظوا رَأْسِي فَهُوَ رَأس مالكم وَلَا تخطروا غَيْرِي ببالكم فَإِنِّي إِذا تخلصت خلصت وَإِذا استنقذت استنقذت وَخرج مقدمون وشاوروا الْملك ونهجوا فِي التَّسْلِيم نهجا سلك وسلموا عسقلان على خُرُوجهمْ بِأَمْوَالِهِمْ سَالِمين واستوفوا بذلك الْمِيثَاق وَالْيَمِين وَذَلِكَ يَوْم السبت

стр. 1227

لانسلاخ جُمَادَى الْآخِرَة وَخَرجُوا بنسائهم وَأَمْوَالهمْ وَمِمَّنْ اسْتشْهد على عسقلان من الْأُمَرَاء الكبراء حسام الدّين إِبْرَاهِيم بن حُسَيْن المهراني وَهُوَ أول أَمِير افْتتح بِالشَّهَادَةِ واختتم بالسعادة وَكَانَ السُّلْطَان قد أَخذ فِي طَرِيقه إِلَيْهَا الرملة ويبنى وَبَيت لحم والخليل وَأقَام بهَا حَتَّى تسلم حصون الداوية غَزَّة والنطرون وَبَيت جِبْرِيل وَكَانَ قد استصحب مَعَه مقدم الداوية وَشرط مَعَه أَنه مَتى سلم معاقلهم أطلقهُ فَسلم هَذِه الْمَوَاضِع الْوَثِيقَة لما اخذ موثقه كَذَا قَالَ الْعِمَاد فِي كتاب الْفَتْح وَقَالَ فِي كتاب الْبَرْق وَمَا برح السُّلْطَان مُقيما بِظَاهِر عسقلان حَتَّى تسلم المعاقل الْمُجَاورَة لَهَا والبلاد فَذكر الداروم وغزة والرملة ويبنى وَبَيت لحم ومشهد الْخَلِيل ﵇ ولد وَبَيت جِبْرِيل والنطرون قَالَ ابْن شَدَّاد وَلما فرغ بَال السُّلْطَان من هَذَا الْجَانِب يَعْنِي نَاحيَة بيروت رأى قصد عسقلان وَلم ير الِاشْتِغَال بصور بعد أَن نزل عَلَيْهَا ومارسها لِأَن الْعَسْكَر كَانَ قد تفرق فِي السَّاحِل وَذهب كل إِنْسَان يَأْخُذ لنَفسِهِ شَيْئا وَكَانُوا قد ضرسوا من الْقِتَال وملازمة الْحَرْب وَكَانَ قد اجْتمع فِي صور يسر الله فتحهَا كل فرنجي بَقِي فِي السَّاحِل فَرَأى قصد عسقلان لِأَن أمرهَا كَانَ أيسر وتسلم فِي طَرِيقه مَوَاضِع كَثِيرَة كالرملة ويبنى

стр. 1228

والداروم فَأَقَامَ عَلَيْهَا المنجنيقات وقاتلها قتالا شَدِيدا وتسلمها سلخ جُمَادَى الْآخِرَة وَأقَام عَلَيْهَا إِلَى أَن تسلم أَصْحَابه غَزَّة وَبَيت جبرين والنطرون بعد قتال قَالَ وَكَانَ بَين فتح عسقلان وَأخذ الفرنج لَهَا من الْمُسلمين خمس وَثَلَاثُونَ سنة فَإِن الْعَدو ملكهَا فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخمْس مئة وَذكر ابْن القادسي نُسْخَة كتاب كتبه السُّلْطَان إِلَى بعض أَهله وَفِيه انتقلنا إِلَى الْجَانِب الَّذِي فِيهِ الْقُدس وعسقلان ففتحنا قلاعه كلهَا وحصونه جَمِيعهَا ومعاقله بجملتها ومدنه بأسرها حيفا وقيسارية وأرسوف ويافا والرملة ولد وتل الصافية وَبَيت جِبْرِيل والدير والخليل ونازلنا عسقلان وَهِي المعقل المنيع والحصن الْحصين والتل الرفيع وَفِيهِمْ من الْقُوَّة وَالْعدة وَالْعدَد مَا تتقاصر الآمال عَن نيل مثلهَا فافتتحناها سلما لتَمام أَرْبَعَة عشر يَوْمًا من يَوْم نزولنا عَلَيْهَا ونصبت أَعْلَام التَّوْحِيد على أبراجها وأسوارها وعمرت بِالْمُسْلِمين وخلت من مشركيها وكفارها وَكبر المؤذنون فِي أقطارها وَلم يبْق فِي السَّاحِل من جبيل إِلَى أَوَائِل حُدُود مصر سوى الْقُدس وصور والعزم مصمم على قصد الْقُدس فَالله يسهله ويعجله فَإِذا يسر الله تَعَالَى فتح الْقُدس ملنا إِلَى صور وَالسَّلَام وَفِي كتاب آخر تقدم ذكر بعضه قَالَ وَقد تفرق الْعَسْكَر قوم إِلَى

стр. 1229

الْقُدس وَابْن زين الدّين وتقي الدّين نازلان على صور وَفتحت هونين بِالسَّيْفِ وتبنين بِالسَّيْفِ وإسكندرونة بِالسَّيْفِ وَفِي كتاب آخر ونزلوا على صور وكاتبهم ملك بَيت الْمُقَدّس يطْلب الْأمان فَقَالَ لَهُ صَلَاح الدّين أَنا أجيء إِلَيْكُم فَقَالَ لَهُ المنجمون على نجمك أَن تدخل بَيت الْمُقَدّس وَتذهب عين وَاحِدَة مِنْك فَقَالَ قد رضيت بِأَن أعمى وآخذ الْبَلَد قَالَ وَلم يمنعهُ من ذَلِك إِلَّا فتح صور وَمَا هِيَ شَيْء يقف عَلَيْهِ وَقد خطب لأمير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر لدين الله على ثَلَاثِينَ منبرا من بِلَاد الفرنج قَالَ الْعِمَاد وفوض السُّلْطَان الْقَضَاء وَالْحكم والخطابة وَجَمِيع الْأُمُور الدِّينِيَّة بِمَدِينَة عسقلان وأعمالها إِلَى جمال الدّين أبي مُحَمَّد عبد الله بن عمر الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بقاضي الْيمن قَالَ وَوصل إِلَى السُّلْطَان من مصر وَلَده الْملك الْعَزِيز عُثْمَان وَاجْتمعَ بِهِ على عسقلان فقرت عينه بولده واعتضد بعضده وَوضع يَده بتأييد الله فِي يَده وَكَانَ قد استدعى بالأساطيل المنصورة فوافت كالفتخ الكواسر بالفلك المواخر وَجَاءَت كَأَنَّهَا أمواج تلاطم أمواجا وأفواج

стр. 1230

تزاحم أَفْوَاجًا تدب على الْبَحْر عقاربها وتخب كَقطع اللَّيْل سحائبها والحاجب لُؤْلُؤ مقدمها ومقدامها وضرغام غابها وهمامها فَطَفِقَ يكسر ويكسب ويسل ويسلب وَيقطع الطَّرِيق على سفن الْعَدو ومراكبه وَيقف لَهُ فِي جزائر الْبَحْر على مذاهبه وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فتح الْبَيْت الْمُقَدّس شرفه الله تَعَالَى قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما تسلم السُّلْطَان عسقلان والأماكن الَّتِي هِيَ مُحِيطَة بالقدس شمر عَن سَاق الْجد وَالِاجْتِهَاد فِي قَصده وَاجْتمعت إِلَيْهِ العساكر الَّتِي كَانَت مُتَفَرِّقَة فِي السَّاحِل بعد قَضَاء لبانتها من النهب والغارة فَسَار نَحوه مُعْتَمدًا على الله مفوضا أمره إِلَى الله منتهزا فرْصَة فتح بَاب الْخَيْر الَّذِي حث على انتهازه إِذا فتح بقوله ﵇ من فتح لَهُ بَاب خير فلينتهزه فَإِنَّهُ لَا يعلم مَتى يغلق دونه وَكَانَ نُزُوله عَلَيْهِ قدس الله روحه يَوْم الْأَحَد الْخَامِس عشر من رَجَب فَنزل بالجانب الغربي وَكَانَ مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة وَلَقَد تحازر أهل الْخِبْرَة عدَّة من كَانَ فِيهِ من الْمُقَاتلَة بِمَا يزِيد على سِتِّينَ ألفا مَا عدا النِّسَاء وَالصبيان ثمَّ انْتقل ﵀ لمصْلحَة رَآهَا إِلَى الْجَانِب الشمالي وَكَانَ انْتِقَاله يَوْم الْجُمُعَة الْعشْرين من رَجَب وَنصب عَلَيْهِ المنجنيقات وضايقه بالزحف والقتال

стр. 1231

وَكَثْرَة الرُّمَاة حَتَّى أَخذ النقب فِي السُّور مِمَّا يَلِي وَادي جَهَنَّم فِي قرنة شمالية وَلما رأى أَعدَاء الله مَا نزل بهم من الْأَمر الَّذِي لَا ينْدَفع وَظَهَرت لَهُم أَمَارَات نصْرَة الْحق على الْبَاطِل وَكَانَ الله قد ألْقى فِي قُلُوبهم الرعب بِمَا جرى على أبطالهم ورجالهم من السَّبي وَالْقَتْل والأسر وَمَا جرى على حصونهم من الِاسْتِيلَاء وَالْأَخْذ علمُوا أَنهم إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ صائرون وبالسيف الَّذِي قتل بِهِ إخْوَانهمْ يقتلُون فاستكانوا وأخلدوا إِلَى طلب الْأمان واستقرت الْقَاعِدَة بالمراسلة بَين الطَّائِفَتَيْنِ وَكَانَ تسلمه لَهُ يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب وَلَيْلَته كَانَت لَيْلَة الْمِعْرَاج الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الْقُرْآن الْمجِيد فَانْظُر إِلَى هَذَا الِاتِّفَاق العجيب كَيفَ يسر الله عوده إِلَى أَيدي الْمُسلمين فِي مثل زمَان الْإِسْرَاء بِنَبِيِّهِمْ ﷺ وَهَذِه عَلامَة قبُول هَذِه الطَّاعَة من الله تَعَالَى قلت هَذَا أحد الْأَقْوَال فِي لَيْلَة الْمِعْرَاج وَفِي ذَلِك اخْتِلَاف كثير ذَكرْنَاهُ فِي مَوَاضِع غير هَذَا وَالله أعلم ثمَّ قَالَ القَاضِي وَكَانَ فتوحا عَظِيما شهده من أهل الْعلم خلق عَظِيم وَمن أَرْبَاب الْخرق والحرق وَذَلِكَ أَن النَّاس لما بَلغهُمْ مَا من الله بِهِ

стр. 1232

على يَده من فتوح السَّاحِل شاع قَصده للقدس فقصده الْعلمَاء من مصر وَالشَّام بِحَيْثُ لم يتَخَلَّف مَعْرُوف عَن الْحُضُور وَارْتَفَعت الْأَصْوَات بالضجيج وَالدُّعَاء والتهليل وَالتَّكْبِير وخطب فِيهِ وَصليت فِيهِ الْجُمُعَة يَوْم فَتحه وَحط الصَّلِيب الَّذِي كَانَ على قبَّة الصَّخْرَة وَكَانَ شكلا عَظِيما وَنصر الله الْإِسْلَام نصر عَزِيز مقتدر وَكَانَ قَاعِدَة الصُّلْح أَنهم قطعُوا على أنفسهم عَن كل رجل عشرَة دَنَانِير وَعَن كل امْرَأَة خَمْسَة دَنَانِير وَعَن كل صَغِير ذكر اَوْ أُنْثَى دِينَارا وَاحِدًا قلت كَذَا قَالَ وَسَيَأْتِي فِي كتاب الْعِمَاد أَن على كل صَغِير دينارين وَكَذَا قَالَ أَن الْجُمُعَة صليت بِبَيْت الْمُقَدّس يَوْم فَتحه وَسَيَأْتِي فِي كتاب الْعِمَاد التَّصْرِيح بِأَن يَوْم الْفَتْح ضَاقَ عَن ذَلِك فَصليت فِي يَوْم الْجُمُعَة الْآتِي ثمَّ قَالَ القَاضِي فَمن أحضر القطيعة سلم بِنَفسِهِ وَإِلَّا أَخذ أَسِيرًا وَفرج الله عَمَّن كَانَ فِيهِ من أسرى الْمُسلمين وَكَانُوا خلقا عَظِيما زهاء ثَلَاثَة آلَاف أَسِير وَأقَام عَلَيْهِ رَحْمَة الله يجمع الْأَمْوَال ويفرقها على الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء ويوصل من دفع قطيعته مِنْهُم إِلَى مأمنه وَهُوَ صور قَالَ وَلَقَد بَلغنِي انه ﵀ رَحل عَنهُ وَلم يبْق مَعَه من ذَلِك المَال شَيْء وَكَانَ مئتي الف دِينَار وَعشْرين ألفا وَكَانَ رحيله عَنهُ يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة

стр. 1233

كَمَا سَيَأْتِي فصل هَذَا الَّذِي ذكره القَاضِي فِي أَمر فتح بَيت الْمُقَدّس مُخْتَصر مُجمل وَقد بَسطه الْعِمَاد فَقَالَ رَحل السُّلْطَان من عسقلان للقدس طَالبا وبالعزم غَالِبا وللنصر مصاحبا ولذيل الْعِزّ ساحبا وَالْإِسْلَام يخْطب من الْقُدس عروسا ويبذل لَهَا فِي الْمهْر نفوسا وَيحمل إِلَيْهَا نعمى ليحمل عَنْهَا بوسى وَيهْدِي بشرا ليذْهب عبوسا وَيسمع صرخة الصَّخْرَة المستدعية المستعدية لإعدائها على أعدائها وَإجَابَة دعائها وتلبية ندائها وإطلاع زهر المصابيح فِي سمائها وإعادة الْإِيمَان الْغَرِيب مِنْهَا إِلَى وَطنه ورده إِلَى سكونه وسكنه وإقصاء الَّذين أَقْصَاهُم الله تَعَالَى بلعنته من الْأَقْصَى وجذب قياد فَتحه الَّذِي استعصى وإسكات الناقوس مِنْهُ بإنطاق الْأَذَان وكف كف الْكفْر عَنهُ بأيمان الْإِيمَان وتطهيره من أنجاس تِلْكَ الْأَجْنَاس وأدناس أدنى النَّاس وطار الْخَبَر إِلَى الْقُدس فطارت قُلُوب من بِهِ رعْبًا وطاشت وخفقت أفئدتهم خوفًا من جَيش الْإِسْلَام وجاشت وتمنت الفرنج لما شاعت الْأَخْبَار أَنَّهَا مَا عاشت وَكَانَ بِهِ من مقدمي الفرنج باليان بن بارزان وَهُوَ وملكهم فِي التسلط سيان والبطرك الْأَعْظَم وَهُوَ الشاني الْعَظِيم الشان وَالَّذين أغفلتهم حياطة حطين من الفرسان الداوية والاسبتارية والبارونية من ذَوي الْكفْر والشنان وَقد حشروا وحشدوا ونشروا ونشدوا وحميت

стр. 1234

حميتهم وأبت الضيم أبيتهم وحارت غيرتهم وَغَارَتْ خيرتهم وتبلدوا وتلددوا وَقَامُوا وقعدوا وصوبوا وصعدوا فاشتغل بَال باليان واشتعل بالنيران وخمدت نَار بطر البطرك وَضَاقَتْ بالقوم مَنَازِلهمْ فَكَأَن كل دَار مِنْهَا شرك للمشرك وَقَامُوا للتدبير فِي مقَام الأدبار وتقسمت أفكار الْكفَّار وأيس الفرنج من الْفرج وَأَجْمعُوا على بذل المهج وَقَالُوا هَاهُنَا نطرح الرؤوس ونسبك النُّفُوس ونسفك الدِّمَاء ونهلك الدهماء وَنَصْبِر على اقتراح القروح واجتراح الجروح ونسمح بالأرواح شحا بِمحل الرّوح فَهَذِهِ قمامتنا فِيهَا مقامتنا وَمِنْهَا تقوم قيامتنا وتصيح هامتنا وَتَصِح ندامتنا وتسيح علامتنا وتسح غمامتنا وَبهَا غرامنا وَعَلَيْهَا غرامتنا وبإكرامها كرامتنا وبسلامتها سلامتنا وباستقامتها استقامتنا وَفِي استدامتها استدامتنا وَإِن تخلينا عَنْهَا لَزِمت لآمتنا وَوَجَبَت ملامتنا فَفِيهَا المصلب وَالْمطلب والمذبح والمقرب وَالْمجْمَع والمعبد والمهبط والمصعد والمرقى والمرقب وَالْمشْرَب والملعب والمموه وَالْمذهب والمطلع والمقطع والمربى والمربع والمرخم والمخرم والمحلل وَالْمحرم والصور والأشكال والأنظار والأمثال والأشباه والأشباح والأعمدة والألواح والأجسام والأرواح وفيهَا صور الحواريين فِي حوارهم والأحبار فِي أخبارهم والرهابين فِي صوامعهم والأقساء فِي مجامعهم والسحرة وحبالها والكهنة وخيالها وَمِثَال السيدة وَالسَّيِّد والهيكل والمولد والمائدة والحوت والمنعوت والمنحوت والتلميذ

стр. 1235

والمعلم والمهد وَالصَّبِيّ الْمُتَكَلّم وَصُورَة الْكَبْش وَالْحمار وَالْجنَّة وَالنَّار والنواقيس والنواميس قَالُوا وفيهَا صلب الْمَسِيح وَقرب الذَّبِيح وتجسد اللاهوت وتأله الناسوت واستقام التَّرْكِيب وَقَامَ الصَّلِيب وَنزل النُّور وَزَالَ الديجور وازدوجت الطبيعة بالأقنوم وامتزج الْمَوْجُود بالمعدوم وعمدت معمودية المعبود ومخضت البتول بالمولود وأضافوا إِلَى متعبدهم من هَذِه الضلالات مَا ضلوا فِيهِ بالشبه عَن نهج الدلالات وَقَالُوا دون مَقْبرَة رَبنَا نموت وعَلى خوف فَوتهَا منا نفوت وعنها ندافع وَعَلَيْهَا نقارع ومالنا أَلا نُقَاتِل وَكَيف لَا ننازع وَلَا ننازل ولأي معنى نتركهم حَتَّى يَأْخُذُوا وندعهم حَتَّى يستخلصوا مَا استخلصناه مِنْهُم ويستنقذوا وتأهبوا وتباهوا وَمَا انْتَهوا بل تناهوا ونصبوا المجانيق على الأسوار وستروا بظلمات الستائر وُجُوه الْأَنْوَار واستشاطت شياطينهم وسرحت سراحينهم وطغت طواغيتهم وأصليت مصاليتهم وهاج هائجهم وماج مائجهم وحضتهم قسوسهم وحرضتهم رؤوسهم وحركتهم نُفُوسهم وجاءتهم بجوى السوء جواسيسهم ونصبوا على كل نيق منجنيقا وحفروا فِي الخَنْدَق حفرا عميقا وشادوا فِي كل جَانب ركنا وثيقا وَفرقُوا على كل برج فريقا وَجعلُوا إِلَى كل طَارق بالردى للرَّدّ طَرِيقا وأعادوا كل نهج وَاسع بِمَا وعروه وعوروه بِهِ مضيقا وَتحمل كل مِنْهُم مَا لم يكن لَهُ من قبل مطيقا وَخرج جمَاعَة مِنْهُم

стр. 1236

على سَبِيل اليزك فأدلجوا لَيْلًا واعترضوا عدَّة من أَصْحَابنَا غَارة على طَرِيق السَّلامَة مارة وَكَانَ قد شَذَّ من الْمُقدمَة المنصورة أَمِير تقدم وَمَا تحرز وَلَا تحزم وَمَا ظن أَن قدامه من لَهُ جرْأَة الْإِقْدَام وَمن يعْتَقد أَن ربح كفره خسارة الْإِسْلَام وَهُوَ الْأَمِير جمال الدّين شروين بن حسن الزرزاري فوقعوا عَلَيْهِ فِي مَوضِع يعرف بالقبيبات فاستشهد ﵀ وَلما بلغ السُّلْطَان خَبره سَاءَهُ وغمه ثمَّ أقبل بإقبال سُلْطَانه وأبطال شجعانه وأقيال أَوْلَاده وإخوانه وأشبال مماليكه وغلمانه وكبار أمرائه وَعِظَام أوليائه وَأصْبح يسْأَل عَن الْأَقْصَى وَطَرِيقه الْأَدْنَى وفريقه الْأَسْنَى وَيذكر مَا يفتح الله عَلَيْهِ بِحسن فَتحه من الْحسنى وَقَالَ إِن أسعدنا من الله على إِخْرَاج أعدائه من بَيته الْمُقَدّس فَمَا أسعدنا وَأي يَد لَهُ عندنَا إِذا أيدنا وَإنَّهُ مكث فِي أَيدي الْكفْر إِحْدَى وَتِسْعين سنة لم يتَقَبَّل الله فِيهِ من عَابِد حَسَنَة ودامت همم الْمُلُوك دونه متوسنة وخلت الْقُرُون عَنهُ متخلية وخلت الفرنج بِهِ متولية فَمَا ادخر الله فَضِيلَة فَتحه إِلَّا لآل أَيُّوب ليجمع لَهُم بِالْقبُولِ الْقُلُوب وَكَيف لَا يهتم بافتتاح الْبَيْت الْمُقَدّس وَالْمَسْجِد الاقصى المؤسس على التَّقْوَى وَهُوَ مقَام الْأَنْبِيَاء وموقف الْأَوْلِيَاء ومعبد الأتقياء ومزار أبدال الأَرْض وملائكة السَّمَاء وَمِنْه الْمَحْشَر والمنشر ويتوافد إِلَيْهِ من أَوْلِيَاء الله بعد المعشر المعشر وَفِيه الصَّخْرَة الَّتِي صينت جدة أبهاجها من

стр. 1237

الإنهاج وَمِنْهَا منهاج الْمِعْرَاج وَلها الْقبَّة الشماء الَّتِي هِيَ على رَأسهَا كالتاج وَفِيه ومض البارق وَمضى الْبراق وأضاءت لَيْلَة الْإِسْرَاء بحلول السراج الْمُنِير فِيهِ الْآفَاق وَمن أبوابه بَاب الرَّحْمَة الَّذِي يسْتَوْجب دَاخله إِلَى الْجنَّة بِالدُّخُولِ الخلود وَفِيه كرْسِي سُلَيْمَان ومحراب دَاوُد وَفِيه عين سلوان الَّتِي تمثل لواردها من الْكَوْثَر الْحَوْض المورود وَهُوَ أول الْقبْلَتَيْنِ وَثَانِي البنيتين وثالث الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ أحد الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة الَّتِي جَاءَ فِي الْخَبَر النَّبَوِيّ انها تشد إِلَيْهَا الرّحال وتعقد الرَّجَاء بهَا الرِّجَال وَلَعَلَّ الله يُعِيدهُ بِنَا إِلَى أحسن صُورَة كَمَا شرفه بِذكرِهِ مَعَ أشرف خلقه فِي أول سُورَة فَقَالَ عز من قَائِل ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى﴾ وَله فَضَائِل ومناقب لَا تحصى وَمِنْه كَانَ الْإِسْرَاء ولأرضه فتحت السَّمَاء وَعنهُ تُؤثر أنباء الْأَنْبِيَاء وآلاء الْأَوْلِيَاء ومشاهد الشُّهَدَاء وكرامات الكرماء وعلامات الْعلمَاء وَفِيه مبارك المبار ومسارح المسار وصخرتها الطُّولى الْقبْلَة الأولى وَمِنْهَا تعالت الْقدَم النَّبَوِيَّة وتوالت الْبركَة العلوية وَعِنْدهَا صلى نَبينَا ﷺ بالنبيين وَصَحب الرّوح الْأمين وَصعد مِنْهَا إِلَى أَعلَى عليين وَفِيه محراب مَرْيَم ﵍ الَّذِي قَالَ الله فِيهِ ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب﴾ ولنهاره التَّعَبُّد ولليله الْمحيا وَهُوَ

стр. 1238

الَّذِي أسسه دَاوُد وَأوصى ببنائه سُلَيْمَان وَلأَجل إجلاله أنزل الله سُبْحَانَهُ ﴿سُبْحَانَ﴾ وَهُوَ الَّذِي افتتحه الْفَارُوق وافتتحت بِهِ سُورَة من الْفرْقَان فَمَا أَجله وأعظمه وأشرفه وأفخمه وَأَعلاهُ وَأَجْلَاهُ وأسماه وأسناه وأيمن بركاته وأبرك ميامنه وَأحسن حالاته وَأحلى محاسنه وأزين مباهجه وأبهج مزاينه وَقد أظهر الله طوله وَطوله بقوله ﴿الَّذِي باركنا حوله﴾ وَكم فِيهِ من الْآيَات الَّتِي أَرَاهَا الله نبيه وَجعل مسموعنا من فضائله مرئية وَوصف للسُّلْطَان من خَصَائِصه ومزاياه مَا وثق على استعادة آلائه مواثيقه وألاياه وَأقسم لَا يبرح حَتَّى يبر قسمه وَيرْفَع بأعلاه علمه وتخطو إِلَى زِيَارَة مَوضِع الْقدَم النَّبَوِيَّة قدمه ويصغي إِلَى صرخة الصَّخْرَة وَسَار واثقا بِكَمَال النُّصْرَة فصل فِي نزُول السُّلْطَان على الْبَيْت الْمُقَدّس وحصره وَمَا كَانَ من أمره قَالَ الْعِمَاد نزل السُّلْطَان على غربي الْقُدس يَوْم الْأَحَد خَامِس عشر

стр. 1239

رَجَب وَكَانَ فِي الْقُدس حِينَئِذٍ من الفرنج سِتُّونَ ألف مقَاتل من فَارس وراجل وسائف ونابل فاستهدفوا للسهام واستوقفوا للحمام وَقَالُوا كل وَاحِد منا بِعشْرين وكل عشرَة بمئتين وَدون الْقِيَامَة تقوم الْقِيَامَة ولحب سلامتها تقلى السَّلامَة وَأقَام السُّلْطَان خَمْسَة أَيَّام يَدُور حول الْبَلَد وَيقسم على حصاره أهل الْجلد وَأبْصر فِي شماليه أَرضًا رضيها للحصار متسعة لمجال الأسماع والأبصار مُمكنَة للدنو من النقب إِن صَار من حيّز الْأَنْصَار فانتقل إِلَى الْمنزل الشمالي يَوْم الْجُمُعَة الْعشْرين من شهر رَجَب فَمَا أصبح يَوْم السبت إِلَّا على منجنيقات قد نصبت بِلَا نصب فدام الْقِتَال والنزال وفرسانهم فِي كل يَوْم يباشرون دون الباشورة أَمَام جموعهم المحصورة المحسورة المحشورة ويبرزون ويبارزون ويطاعنون ويحاجزون والمطيعون لله عَلَيْهِم يحملون وَمن دِمَائِهِمْ ينهلون وينهلون كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ وَمِمَّنْ اسْتشْهد مبارزا وَلم يشْهد بَينه وَبَين الْجنَّة حاجزا الْأَمِير عز الدّين عِيسَى بن مَالك كَانَ أَبوهُ صَاحب قلعة جعبر فَإِنَّهُ حَاز بِشَهَادَتِهِ فِي الْمَحْشَر المفخر وَأكْثر وُرُود الْمَوْت إِلَى أَن ورد الْكَوْثَر وَكَانَ فِي كل يَوْم يفرس فوارس ويلقى ببشر وَجهه وُجُوه الْمنون العوابس فَاغْتَمَّ الْمُسلمُونَ من صرعته وَهَان عَلَيْهِم إِتْلَاف المهج بعد تلاف مهجته فَرَكبُوا أكتاف الرهج حَتَّى وصلوا إِلَى

стр. 1240

الخَنْدَق فخرقوه وبددوا جمعه وفرقوه والتصقوا بالسور فنقبوه وعلقوه وحشوه وأحرقوه وَصَدقُوا وعد الله فِي الْقِتَال لأعدائه فصدقوه وَلما عضتهم الْحَرْب وَقع السُّور واتسع النقب فصعب عَلَيْهِم الهين وَهَان لنا الصعب عقدوا مَا بَينهم مشورة وقعدوا مَا بَينهم ضَرُورَة وَقَالُوا مالنا إِلَّا الاستئمان فقد أَخذ لنا بِخَطِّهِ الخذلان والحرمان وأخرجوا كبراءهم ليؤخذ لَهُم الْأمان فَأبى السُّلْطَان إِلَّا قِتَالهمْ وتدميرهم واستئصالهم وَقَالَ مَا آخذ الْقُدس إِلَّا كَمَا أَخَذُوهُ من الْمُسلمين مُنْذُ إِحْدَى وَتِسْعين سنة فَإِنَّهُم استباحوا الْقَتْل وَلم يتْركُوا طرفا يستزير سنة فَأَنا أفني رِجَالهمْ قتلا وأحوي نِسَائِهِم سبيا فبرز ابْن بارزان ليأمن من السُّلْطَان بموثقه وَطلب الْأمان لِقَوْمِهِ وتمنع السُّلْطَان وتسامى فِي سومه وَقَالَ لَا أَمن لكم وَلَا أَمَان وَمَا هوانا إِلَّا أَن نديم لكم الهوان وَغدا نملككم قسرا ونوسعكم قتلا وأسرا ونسفك من الرِّجَال الدِّمَاء ونسلط على الذُّرِّيَّة وَالنِّسَاء السباء وأبى فِي تأمينهم إِلَّا الإباء فتعرضوا للتضرع وخوفوا عَاقِبَة التسرع وَقَالُوا إِذا أيسنا من أمانكم وخفنا من سلطانكم وخبنا من إحسانكم وأيقنا أَنه لَا نجاة وَلَا نجاح وَلَا صلح وَلَا صَلَاح وَلَا سلم وَلَا سَلامَة وَلَا نعْمَة وَلَا كَرَامَة فَإنَّا نستقتل فنقاتل قتال الدَّم والندم ونقابل الْوُجُود بِالْعدمِ ونلقي أَنْفُسنَا على النَّار وَلَا نلقي بِأَيْدِينَا إِلَى التَّهْلُكَة والعار وَلَا يجرح منا وَاحِد حَتَّى يجرح عشرَة وَإِنَّا نحرق الدّور ونخرب الْقبَّة وونترك عَلَيْكُم فِي سبينَا السبة ونقلع الصَّخْرَة ونوجدكم عَلَيْهَا الْحَسْرَة وقبة الصَّخْرَة نرميها وَعين سلوان نعميها والمصانع نخسفها والمطالع نكسفها وَعِنْدنَا من الْمُسلمين خَمْسَة آلَاف أَسِير مَا بَين غَنِي وفقير وكبير وصغير فنبدأ

стр. 1241

بِقَتْلِهِم وشت شملهم وَأما الْأَمْوَال فَأَنا نعطبها وَلَا نعطيها وَأما الذَّرَارِي فَإنَّا نسارع إِلَى إعدامها وَلَا نستبطيها فَلَا يحصل لكم سبي وَلَا يقبل لكم سعي وَلَا يسلم عمر وَلَا عمَارَة وَلَا نضار وَلَا نضارة وَلَا نسَاء وَلَا صبيان وَلَا جماد وَلَا حَيَوَان فَأَي فَائِدَة لكم فِي هَذَا الشُّح وكل خسر لكم فِي هَذَا الرِّبْح وَرب خيبة جَاءَت من رَجَاء النجح وَلَا يصلح السوء سوى الصُّلْح فَشَاور السُّلْطَان أَصْحَابه فَقيل لَهُ الصَّوَاب أَن نحسبهم أسارانا فنبيعهم نُفُوسهم ونعمم بصغار الْجِزْيَة رؤوسهم وَيدخل فِي القطيعة مرؤوسهم وَرَئِيسهمْ وَاسْتقر بعد مراودات ومعاودات ومفاوضات وتفويضات وضراعات من الْقَوْم وشفاعات على قطيعة تكمل بهَا الْغِبْطَة وَيحصل مِنْهَا الحوطة اشْتَروا بهَا منا أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وخلصوا بهَا رِجَالهمْ وَنِسَائِهِمْ وأطفالهم على أَنه من عجز بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَمَّا لزمَه أَو امْتنع مِنْهُ وَمَا سلمه ضرب عَلَيْهِ الرّقّ وَثَبت فِي تملكه لنا الْحق وَهُوَ عَن كل رجل عشرَة دَنَانِير وَعَن كل امْرَأَة خَمْسَة دَنَانِير وَعَن كل صَغِيرَة أَو صَغِير دِينَارَانِ الذّكر وَالْأُنْثَى فِي ذَلِك سيان وَدخل ابْن بارزان والبطرك ومقدما الداوية والاسبتار فِي هَذَا الضَّمَان وبذل ابْن بارزان ثَلَاثِينَ ألف دِينَار عَن الْفُقَرَاء وَقَامَ بِالْأَدَاءِ وَلم ينكل عَن الْوَفَاء فَمن سلم خرج من بَيته أمنا وَلم يعد إِلَيْهِ سَاكِنا وسلموا الْبَلَد يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب على هَذِه القطيعة وردوه بالرغم رد الْغَصْب لَا الْوَدِيعَة وَكَانَ فِيهِ أَكثر من مئة ألف إِنْسَان من

стр. 1242

رجال وَنسَاء وصبيان فأغلقت دونهم الْأَبْوَاب ورتب لعرضهم واستخراج مَا يلْزمهُم النواب ووكل بِكُل بَاب أَمِير ومقدم كَبِير يحصر الخارجين ويحصي الوالجين فَمن استخرج مِنْهُ خرج وَمن لم يقم بِمَا عَلَيْهِ قعد فِي الْحَبْس وَعدم الْفرج وَلَو حفظ ذَلِك المَال حق حفظه لفاز مِنْهُ بَيت المَال بأوفر حَظه لكنما تمّ التَّفْرِيط وَعم التَّخْلِيط فَكل من رشا مَشى وتنكب الْأُمَنَاء نهج الرشد بالرشا فَمنهمْ من أدلي من السُّور بالحبال وَمِنْهُم من حمل مخفيا فِي الرّحال وَمِنْهُم من غيرت لبسته فَخرج مخفيا فِي زِيّ الْجند وَمِنْهُم من وَقعت فِيهِ شَفَاعَة مطاعة لم تقَابل بِالرَّدِّ والثقات الأكابر استنابوا أصاغر فأقاموا فِي تقصيرهم المعاذر وقنوا لأَنْفُسِهِمْ الذَّخَائِر وأدعى مظفر الدّين كوكبوري أَن مِنْهُم جمَاعَة من أرمن الرها وعددها ألف نسمَة فَجعل إِلَيْهِ أمرهَا وَكَذَلِكَ صَاحب البيرة ادّعى بالعدة الْكَثِيرَة زهاء خمس مئة أرمني ذكر أَنهم من بَلَده وَأَن الْوَاصِل مِنْهُم إِلَى الْقُدس لأجل متعبده وَكَذَلِكَ كل من استوهب عدَّة استطلقها وَحصل لَهُ مرفقها ثمَّ تولى الْملك الْعَادِل استخراجهم وَقوم على الْأَدَاء منهاجهم وَسَهل على السُّلْطَان لفرط جوده الاستخراج والإخراج وتوفر لعامة النَّاس وخاصتهم ببهجة سماحه الابتهاج وَمَا فِينَا إِلَّا من فَازَ بأوفى نصيب ورعى مِنْهُ فِي مرعى خصيب وَكَانَ السُّلْطَان قد رتب عدَّة دواوين فِي كل ديوَان مِنْهَا عدَّة من النواب المصريين وَفِيهِمْ من الشاميين فَمن أَخذ من أحد الدَّوَاوِين خطا بِالْأَدَاءِ انْطلق مَعَ الطُّلَقَاء بعد عرض خطه على من بِالْبَابِ من الْأُمَنَاء

стр. 1243

والوكلاء فَذكر لي من لَا أَشك فِي مقاله أَنه كَانَ يحضر فِي الدِّيوَان ويطلع على حَاله فَرُبمَا كتبُوا خطا لمن نَقده فِي كيسهم وتلبس أَمر تلبيهم فَكَانُوا شُرَكَاء بَيت المَال لَا أمناءه وخانوه على مَا حصل لكل من الْغنى والنفع وَمَا أضرّ غناءه وَمَعَ ذَلِك حصل لبيت المَال مَا يُقَارب مئة ألف دِينَار وَبَقِي من بَقِي تَحت رق وإسار ينْتَظر بِهِ انْقِضَاء الْمدَّة المضروبة وَالْعجز عَن الْوَفَاء بالقطيعة الْمَطْلُوبَة وَكَانَت بالقدس ملكة رُومِية متعبدة مترهبة فِي عبَادَة الصَّلِيب متصلبة وعَلى مصابها متلهبة وَفِي التَّمَسُّك بملتها متعصبة متعصبة أنفاسها متصاعدة للحزن وعبراتها متحدرة تحدر القطرات من المزن وَلها حَال وَمَال ومتاع وَأَشْيَاء وأشياع وَأَتْبَاع فعاذت بالسلطان فأعاذها وَمن عَلَيْهَا وعَلى كل من مَعهَا بالإفراج وَأذن فِي إِخْرَاج كل مَا لَهَا فِي الأكياس والإخراج وَأبقى عَلَيْهَا من مصوغات صلبانها الذهبية المجوهرة ونفائسها وكرائم خزائنها فَخرجت بِجَمِيعِ مَالهَا وحالها ونسائها ورجالها وأسفاطها وأعدالها والصناديق بأقفالها وتبعها من لم يكن من أتباعها فراحت فرحى وَإِن كَانَت من شجنها قرحى وَكَذَلِكَ خرجت زَوْجَة الْملك المأسور كي وَهِي ابْنة الْملك أماري وَكَانَت مُقِيمَة فِي جوَار الْقُدس مَعَ مَالهَا من الخول والخدم والجواري فاستأذنت فِي الْإِلْمَام بزوجها وَكَانَ بقيده مُقيما فِي برج نابلس موكلا بِهِ ليَوْم وعد تسريحه فَأذن لَهَا فخلصت هِيَ وَمن تبعها وأقامت عِنْد زَوجهَا

стр. 1244

وَكَذَلِكَ خرجت الإبرنساسة أم هنفري وَهِي ابْنة فليب وَزَوْجَة الإبرنس الَّذِي سفك دَمه يَوْم حطين وَهِي صَاحِبَة الكرك والشوبك وَهِي بنوابها محوطة وبرأيها منوطة فَجَاءَت سَائِلَة فِي وَلَدهَا العاني فوعدت أَنَّهَا إِن سمحت بحصنها سمح لَهَا بابنها ثمَّ أعفيت وأطلقت وعصمت واستحضر ابْنهَا هنفري بن هنفري من دمشق إِلَيْهَا وَأقر بِرُؤْيَتِهِ عينيها وَسَار مَعهَا من الْأُمَرَاء والأمناء من يتسلم مِنْهُم تِلْكَ المعاقل فَخرجت فمضت إِلَى حصونها لتسلمها فمانعها أَهلهَا ودافعوها وردوها ذليلة خائبة فسكنت صور واستودعت السُّلْطَان ابْنهَا المأسور ووعدها بِإِطْلَاقِهِ إِذا تسلم تِلْكَ الْحُصُون فصل فِي ذكر يَوْم الْفَتْح وَبَعض كتب البشائر إِلَى الْبِلَاد قَالَ الْعِمَاد تسلم الْمُسلمُونَ الْبَلَد يَوْم الْجُمُعَة أَوَان وجوب صلَاتهَا وطلعت الرَّايَات الناصرية على شرفاتها وأغلقت أَبْوَابهَا لحفظ ناسها فِي طلب القطيعة والتماسها وضاق وَقت الْفَرِيضَة وَتعذر أَدَاؤُهَا وللجمعة مُقَدمَات وشروط لم يُمكن استيفاؤها وَكَانَ الْأَقْصَى لَا سِيمَا محرابه مَشْغُولًا بالخنازير والخنا مملوءا بِمَا أَحْدَثُوا من الْبَنَّا مسكونا مِمَّن كفر وغوى وضل وظلم وجنى مغمورا بالنجاسات الَّتِي حرم علينا فِي تَطْهِيره مِنْهَا الونى فَوَقع الإشتغال بالأهم الأنفع والأتم الأنجح الأنجع وَهُوَ حفظهم وضبطهم إِلَى أَن يُوجد شرطهم وَيُؤْخَذ قسطهم

стр. 1245

وَاتفقَ فتح الْبَيْت الْمُقَدّس فِي يَوْم كَانَ فِي مثل ليلته مِنْهُ الْمِعْرَاج وَتمّ بِمَا وضح من منهاج النَّصْر الابتهاج وَجلسَ السُّلْطَان بالمخيم ظَاهر الْقُدس للهناء وللقاء الأكابر والأمراء والمتصوفة وَالْعُلَمَاء وَهُوَ جَالس على هَيْئَة التَّوَاضُع وهيبة الْوَقار بَين الْفُقَهَاء وَأهل الْعلم جُلَسَائِهِ الْأَبْرَار وَوَجهه بِنور الْبشر سَافر وأمله بعز النجح ظافر وبابه مَفْتُوح ورفده ممنوح وحجابه مَرْفُوع وخطابه مسموع ونشاطه مقبل وبساطه مقبل ومحياه يلوح ورياه يفوح وَقد جلت لَهُ حَالَة الظفر وَكَأن دسته بِهِ هَالة الْقَمَر والقراء جُلُوس يقرؤون ويرشدون وَالشعرَاء وقُوف ينشدون وينشدون والأعلام تبرز لتنشر والاقلام تزبر لتبشر والعيون من فرط المسرة تَدْمَع والقلوب للفرح بالنصرة تخشع والألسنة بالابتهال إِلَى الله تضرع وَبشر الْمَسْجِد الْحَرَام بخلاص الْمَسْجِد الْأَقْصَى وتلي ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى﴾ وهنئ الْحجر الْأسود بالصخرة الْبَيْضَاء ومنزل الْوَحْي بِمحل الْإِسْرَاء ومقر سيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين بمقر الرُّسُل والأنبياء ومقام إِبْرَاهِيم بِموضع قدم الْمُصْطَفى ﷺ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وأدام أهل الْإِسْلَام بشرف بنيته مستمتعين وتسامع النَّاس بِهَذَا النَّصْر الْكَرِيم وَالْفَتْح الْعَظِيم فوفدوا للزيارة من كل فج عميق وسلكوا إِلَيْهِ فِي كل طَرِيق وأحرموا من الْبَيْت الْمُقَدّس إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق وتنزهوا من زهر كراماته فِي الرَّوْض الأنيق وَقد سبق أَن الْعِمَاد كَانَ توجه إِلَى دمشق وَالسُّلْطَان على بيروت

стр. 1246

للألم الَّذِي ألم بِهِ فَلَمَّا سمع بنزول السُّلْطَان على الْقُدس أبل من مَرضه وَتوجه إِلَيْهِ فوصل يَوْم السبت ثَانِي يَوْم الْفَتْح قَالَ وطلعت عَلَيْهِ صبحا عِنْد طُلُوع الصُّبْح فَاسْتَبْشَرَ بقدومي وخلع على البشير قبل رؤيتي وَكَانَ أَصْحَابه يطالبونه بكتب البشائر ليغربوا بهَا ويشرقوا وَهُوَ يَقُول لهَذِهِ الْقوس بار ولهذه المأدبة قار قَالَ فَكتبت فِي ذَلِك الْيَوْم سبعين كتاب بِشَارَة كل كتاب بِمَعْنى بديع وَعبارَة فَمِنْهَا الْكتاب إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز بِبَغْدَاد أفتتحه بِهَذِهِ الْآيَة ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم وليمكنن لَهُم دينهم الَّذِي ارتضى لَهُم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ الْحَمد لله الَّذِي أنْجز لِعِبَادِهِ الصَّالِحين وعد الِاسْتِخْلَاف وقهر بِأَهْل التَّوْحِيد أهل الشّرك وَالْخلاف وَخص سُلْطَان الدِّيوَان الْعَزِيز بِهَذِهِ الْخلَافَة وَمكن دينه المرتضى وَبدل الْأَمْن من المخافة وَذخر هَذَا الْفَتْح الْأَسْنَى والنصر الأهنى للعصر الإمامي النَّبَوِيّ الناصري على يَد الْخَادِم أخْلص أوليائه وأخص من اعتزازه باعتزائه إِلَيْهِ وانتمائه وَهَذَا الْفَتْح الْعَظِيم والنجح الْكَرِيم قد انقرض من الْمُلُوك الْمَاضِيَة والقرون الخالية على حسرة تمنيه وحيرة ترجيه ووحشة الْيَأْس من تسنيه وتقاصرت عَنهُ طوال الهمم وتخاذلت عَن الِانْتِصَار لَهُ أَمْلَاك الْأُمَم فَالْحَمْد لله الَّذِي أعَاد الْقُدس

стр. 1247

إِلَى الْقُدس وأعاذه من الرجس وحقق من فَتحه مَا كَانَ فِي النَّفس وَبدل وَحْشَة الْكفْر فِيهِ من الْإِسْلَام بالأنس وَجعل عز يَوْمه ماحيا ذل الأمس وَأَسْكَنَهُ الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء بعد الْجُهَّال والضلال من البطرك والقس وَعَبدَة الصَّلِيب ومستقبلي الشَّمْس وَقد أظهر الله على الْمُشْركين الضَّالّين جُنُوده الْمُؤمنِينَ الْعَالمين وَقطع دابر الْقَوْم الظَّالِمين وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَكَأَن الله شرف هَذِه الْأمة وَقَالَ لَهُم اعزموا على اقتناء هَذِه الْفَضِيلَة الَّتِي بهَا فَضلكُمْ وحقق فِي حَقهم امْتِثَال أمره فِي قَوْله الْكَرِيم ﴿ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم﴾ وَهَذَا الْفَتْح قد أقدره الله على افتضاضه بِالْحَرْبِ الْعوَان وَجعل مَلَائكَته المسومة لَهُ من أعز الْأَنْصَار وَأظْهر الأعوان وَأخرج يَوْم الْجُمُعَة من بَيته الْمُقَدّس أهل الْأَحَد وقمع من كَانَ يَقُول إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة بِمن يَقُول هُوَ الله أحد وأعان الله بإنزال الْمَلَائِكَة وَالروح وأتى بِهَذَا النَّصْر الممنوح الَّذِي هُوَ فتح الْفتُوح وَقد تَعَالَى أَن يُحِيط بِهِ وصف البليغ نظما ونثرا وَعبد الله فِي الْبَيْت الْمُقَدّس سرا وجهرا وملكت بِلَاد الْأُرْدُن وفلسطين غورا ونجدا وَبرا وبحرا وملئت إسلاما وَكَانَت قد ملئت كفرا وتقاضى الْخَادِم دين الدّين الَّذِي غلق رَهنه دهرا وَالْحَمْد لله شكرا حمدا يجدد لِلْإِسْلَامِ كل يَوْم نصرا وَيزِيد وُجُوه أَهله ببشرى فتوحه بشرا وأبى الْخَادِم إِلَّا اسْتِبَاحَة أَمْوَالهم وأرواحهم وحسم دَاء اجتراحهم باجتياحهم وَأَنه لَا بُد من تَطْهِير الأَرْض المقدسة برجس دِمَائِهِمْ وَقتل رِجَالهمْ وَسبي

стр. 1248

ذَرَارِيهمْ وَنِسَائِهِمْ وَلما أيسوا من النجَاة وَفتح أَبْوَابهَا المرتجة من أَسبَابهَا المرتجاة خوفوا بقتل الْأُسَارَى الْمُسلمين وهم أَكثر من ثَلَاثَة آلَاف وَأَنَّهُمْ يفسدون جَمِيع مَا فِي الْبَلَد من مَال وَبِنَاء بهدم وإحراق وَإِتْلَاف وَعرف أَن جهلهم على كل نكر شنيع وَأَنَّهُمْ تدعوهم فظاظتهم إِلَى كل ضرّ فظيع وبذلوا إِطْلَاق الأسرى وشرطوا حمل مَال الفدا وَمَا زَالُوا يبتهلون ويضرعون ويذلون ويخشعون حَتَّى اسْتَقر الْأَمر أَنهم يفادون وأجيبت الصَّخْرَة المقدسة عِنْد استصراخها وبركت الْبركَة الناهضة إِلَيْهَا فِي مناخها وغسلت من أوضارها وأوزارها بعبرات الْعُيُون وَرجع اضطرابها إِلَى السّكُون وفديت بنواظر أهل الْإِيمَان وصوفحت للوفاء بعهدها المجدد بالأيمان وَذكرت فِي يَوْم خلاصها من رَجَب بليلة الْمِعْرَاج وتجلى إظلامها بإنارة سنا السراج وأعيدت الْكَنَائِس مدارس وأضحت بإحياء رَمِيم التَّوْحِيد رسوم الْكفْر عَافِيَة دوارس وزالت ضجرة الصَّخْرَة ونعشها الله من العثرة وَبدل بالأنس فِيهَا مَا كَانَ من الوحشة وَالْحَسْرَة فَالْحَمْد لله على هَذِه النُّصْرَة والْمنَّة لَهُ على هَذِه المبرة وَقد تسلمنا مَعَ بَيت الْمُقَدّس جَمِيع المعاقل من حد الداروم إِلَى حد طرابلس وكل مَا كَانَ جَارِيا فِي مملكة ملك الْقُدس ونابلس وَلم يبْق إِلَّا صور فَإِنَّهَا قد تَأَخّر انتزاعها وَتقدم امتناعها والفرنج فِيهَا قد ضريت بآمالها أطماعها وَهِي بتأييد الله مستفتحة والقلوب بتذليل جامحها منشرحة وَمن كتب أخر فتح بَيت الله الْمُقَدّس الَّذِي عجز الْمُلُوك عَن تمنيه فَكيف تسنيه وَمَاتَتْ الأطماع دونه فَلم تطمع فِيهِ فَمن الله علينا بتذليل صعبه وإعذاب شربه وتسهيل وعره وَتَحْصِيل فخره وَقضى الْمُلُوك فِي

стр. 1249

ليله وَجِئْنَا نَحن عِنْد إسفار فجره وَقد كَانَت الصَّخْرَة مستصرخة ومطايا الْكفْر بكلاكلها عَلَيْهَا منوخة فأجيبت دعوتها وأصينت حظوتها وتناثرت على حجرها يَوَاقِيت الشفاه وقوبلت قبلتها بقبل الأفواه ودنا الْمَسْجِد الْأَقْصَى للقاصي والداني وَزَالَ رين العائن وقرت عين الراني هَذَا فتح عَظِيم قدره جسيم فخره فَاضل عصره كَامِل نَصره غير منسي إِلَى يَوْم الْحَشْر ذكره وَقد اقتض بِنَا بكره واقتضي بسيفنا وتره وزهر زهره وَظهر قهره وَهلك الْكَافِر وكفره وَجَاء من نعم الله مَا لزم على الْأَبَد شكره أَبينَا إِلَّا إحراقهم بنيران الصوارم وإغراقهم فِي أمواه الطلى والجماجم وتسلمنا الْقُدس فِي يَوْم كَانَت فِي مثل ليلته لَيْلَة الْمِعْرَاج وحنت الصَّخْرَة حنين جذع المعجزة الأولى فِي ظلمَة لَيْلهَا إِلَى ذَلِك السراج الْوَهَّاج وَالْحَمْد لله على سلوك مَا وضح من الْمِنْهَاج ونضوب مَا كَانَ نبع من الأجاج وخلا بَيت الله لقصد الْحَاج وَصدق الْحَاج مبشرة بِمَا فضل الله بِهِ عصرنا وَعجل بِهِ نصرنَا ونظم بِهِ سلكنا وطرز بِهِ ملكنا وَهُوَ فتح بَيت الله الْمُقَدّس الَّذِي غلق رَهنه دهرا واغتصبت من الْإِسْلَام قهرا وارتد كفرا وامتدت بِهِ الْأَيَّام عمرا فعمرا وتقاصرت الهمم عَن استفتاحه وأصلد زند الْمُلُوك فِيهِ فعجزوا عَن اقتداحه ونزلوا بالرغم على التمَاس الْكفْر واقتراحه وَاحْتَملُوا لحفظ

стр. 1250

مواضعهم نكاية اجترامه واجتراحه فَلَا جرم أعده الله لأيامنا وذخره لمواسم اعتزامنا وفتحه بِنَا إِظْهَارًا لفضيله هَذِه الْأَيَّام وإيثارا لما نَحن نؤثره من إعلاء كلمة الْإِسْلَام فأصرخنا الصَّخْرَة وأهدينا إِلَيْهَا النُّصْرَة ومكنا من قَلبهَا وَإِن كَانَ من الْحجر المسرة وتسلمنا الْقُدس يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب وقضينا من حق هَذَا الْبَيْت مَا وَجب وَجَاء الْقُدس إِلَى الْقُدس وَزَالَ الرجس وَذهب وَتَوَلَّى فِيهِ الْإِسْلَام وَتَوَلَّى عَنهُ الْكفْر وَعظم الْأجر وفخم الْفَخر وطاب النشر وَزَاد الْبشر ومحي الرجس وَثَبت الطُّهْر وَهلك الْمُشرك وذل البطرك وأقصي من الْمَسْجِد الْأَقْصَى الساجد إِلَى الشَّمْس وتجلى الْحق بنوره الكاشف للبس عَاد بَيت الله الْمُقَدّس إِلَى طَهَارَته ونطق مِنْهُ لِسَان التَّقْدِيس بعبارته وتهلل وَجه السعد بنضارته وخصنا الْقدر فِي إتْمَام أمره بخطابه وإشارته وزادت الْوُجُوه بشرا ببشارته وَقد أعَاد الله إِلَى الْإِسْلَام الْمَسْجِد الْأَقْصَى وملكنا أدناه وأقصاه وأسنى دولتنا بِمَا سناه من فَتحه وهناه وَعَلمُوا أَنهم هالكون وَأَنا لَهُم بالقهر مالكون وَفِي سَبِيل الْقَتْل والأسر والسبي سالكون فَخَرجُوا يطْلبُونَ الْأمان ويبذلون الإذعان حَتَّى يسلمُوا الْمَكَان فَقيل لَهُم الْآن وَقد عصيتم ورضيتم بِمَا فِيهِ هلاكهم وَأَبَيْتُمْ فروعوا بقتل أُسَارَى الْمُسلمين وهم أُلُوف وعرفنا أَنهم لَا يقصرون عَن شَرّ فَإِن جهلهم مَعْرُوف فتضرعوا وتشفعوا وتعفروا فِي تُرَاب الذل ووقعوا وتقرر

стр. 1251

عَلَيْهِم مَال اشْتَروا بِهِ أنفسهم فنزعوا بِهِ من الْخَوْف ملبسهم وسلموا الْقُدس فأعدناه إِلَى الْقُدس وطهرناه من الرجس وأجبنا دَعْوَة الصَّخْرَة وغسلنا عَنْهَا وضر الْكفْر بعبرات الْعبْرَة فتح بَيت الله الْمُقَدّس الَّذِي غلق رَهنه وَطَالَ فِي يَد الْكفْر أسره وسجنه واستهل بغر أيامنا مزنه وأنار يمنه وَعَاد بإحساننا حسنه وَزَالَ بِنَا خَوفه وَزَاد أَمنه وَبَقِي قريب مئة سنة فِي يَد الْكفْر مسجونا وبرجس الشّرك مشحونا حَتَّى أعَاد الله بِنَا رونقه وأذهب قلقه وأعدم فرقه وَهَذَا فتح لم يكن مُنْذُ عصر الصَّحَابَة ﵃ لَهُ نَظِير وأفق الدّين بِهِ منيف مُنِير وَشرف أيامنا بِهِ كَبِير وَهُوَ إِمَام فتوحنا المدخرة لنا وَمَا لَهَا بتأييد الله تَأْخِير فتح الْبَيْت الْمُقَدّس الَّذِي لم يخْطر تمنيه بخاطر الْمُلُوك وتوعر على عزائمهم نهج طَرِيقه المسلوك وحالت دونه قنطاريات الفرنج وطوارقها وجنت على الْإِسْلَام فِيهِ حوادث اللَّيَالِي وطوارقها حَتَّى دَعَانَا الله لفتحه فأجبناه ووعدنا بالفوز فأصبناه وأوردنا مشرع صفائه فاستعذبناه وعرفنا طيب عرفه فاستطبناه وَذخر لعصرنا هَذَا الْفَتْح فاستقبلناه رَأَوْا أَحْجَار المنجنيقات قد أنزلت الأسوار بالأسوار وَغَارَتْ الصخور للصخرة الْمُبَارَكَة فجدت فِي إنقاذها من الأسار وهتمت ثنايا الأبراج وأعضل بهَا فِي علاج دَاء العلاج فعاينوا الْحمام وشاهدوا الْمَوْت الزؤام

стр. 1252

أَقَامَت المنجنيقات على حصانته جد الرَّجْم وواقعت ثنايا شرفاته بالهتم وتطايرت الصخور من نصْرَة الصَّخْرَة الْمُبَارَكَة وحجرت على حكم السُّور بِسَفَه الْأَحْجَار المتداركة وحسرت النقوب عَن عروس الْبَلَد نقب الأسوار وانكشفت للعيون انكشاف الْأَسْرَار نهضت لإصراخ الصَّخْرَة المقدسة الصخور وطارت من أوكار المجانيق كَأَنَّهَا الصقور مَا أسر الْبَيْت الْحَرَام بفكاك أَخِيه من الْأسر وإجراء مَاء الْإِسْلَام فِيهِ لغسل أوضار الْكفْر وإنقاذ الصَّخْرَة الْمُبَارَكَة مِمَّن قُلُوبهم كالحجارة أَو أَشد قسوة وإلحافها من الْبَهَاء والرونق والعز الإسلامي كسْوَة وَلَقَد غسلت من أدران الْكفْر وأدناسه وطهرت من أرجاس أنجاسه بمياه الْعُيُون الَّتِي بهَا قذفت وصقلت بشفاه الْمُؤمنِينَ وطالما بأيدي الْكفْر صديت وأعيد إِلَيْهَا ذكر الله تَعَالَى بعد طول الغربة وتذكرت بِصُحْبَة الاولياء مَا سلف لَهَا فِي عهد الصَّحَابَة ﵃ من حسن الصُّحْبَة ودنا الْمَسْجِد الْأَقْصَى فأقصي مِنْهُ الساجد للشمس وَسكن الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء فِي مَوَاطِن البطرك والقس وأبدل الناقوس بِالْأَذَانِ بل الْكفْر بِالْإِيمَان وَصلى محراب الْإِسْلَام فِي الْمِحْرَاب الَّذِي أسلم وَقد سنى الله تَعَالَى هَذَا الْفَتْح الْأَعْظَم والنجح الأفخم وَقد ندب فلَان فِي الرسَالَة القدسية والبشارة العرسية الَّتِي تمّ بهَا ماتم الْكفْر وعرس الْإِسْلَام وَعَاد بهَا الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى مداناة الْمَسْجِد الْحَرَام وتجلت عروس الصَّخْرَة لعيون الناظرين وفاضت عَلَيْهَا مياه أحداق

стр. 1253

الْأَوْلِيَاء فرحضت عَنْهَا أوضار الْكَافرين وَكَانَ الْإِسْلَام مِنْهُ غَرِيبا فَرجع إِلَى وَطنه وَسكن مِنْهُ إِلَى التوطن فِي مَسْكَنه وزالت مخاوفه وَعَاد إِلَى مأمنه وفاض الْعرف من منبعه وأنار التَّوْحِيد من مطلعه وَعلا سنا السّنة وحلا جنى الْجنَّة وخلصت مَوَاضِع المخلصين من أَوْلِيَاء الْأمة وَخرج البطاركة والقسيسون من مَسَاجِد الْأَئِمَّة وعادت الْكَنَائِس مدارس وآيات التَّثْلِيث بهَا دوارس ووجوه الْإِيمَان باشرة ووجوه أهل الصَّلِيب عوابس ومحت أيامن هَذِه الْأَيَّام تِلْكَ اللَّيَالِي الدوامس وَقد أُقِيمَت الْجمع وَالْجَمَاعَات ونظفت بل طهرت تِلْكَ الساحات وَصلى فِي محرابه المحرب ودرس فِيهِ الْخلاف وَالْمذهب فَالْحَمْد لله الَّذِي تسنى بفضله هَذَا الْمطلب وتيسر بتأييده الْأَمر الأصعب فصل قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ الْمولى الْأَجَل الْفَاضِل مُتَأَخِّرًا بِدِمَشْق لعَارض من الله بشفائه فَمن جملَة مَا كتب السُّلْطَان إِلَيْهِ أما الْفَتْح فَمن جملَة بَرَكَات همته وآثار جذبات عزمته فَأن الله تَعَالَى سهل مَا سجل أهل الدَّهْر بِأَنَّهُ صَعب وَأهب نسيم النَّصْر إبان يُقَال لَيْسَ لَهُ مهب وخصنا بِهَذَا الشّرف وألحقنا فِي هَذِه الْفَضِيلَة بصالحي السّلف وَقد بدل الْكفْر بِالْإِيمَان والناقوس بِالْأَذَانِ وَجلسَ الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء فِي مجَالِس الرهبان وَفتحت بِهَذَا الْفَتْح من بَيت الله الْمُقَدّس أَبْوَاب الْجنان وتزاحم الخارجون من الْبَلَد

стр. 1254

من الفرنج وَالنَّصَارَى فِي دُخُول أَبْوَاب النيرَان وَصلى محَارب الدّين فِي الْمِحْرَاب وَرفع الْمَلَائِكَة مَا كَانَ تكاثف بِأَنْفَاسِ الْكفْر من الْحجاب وغسلت الصَّخْرَة الْمُبَارَكَة من أوضارها بِمَاء الْعُيُون الفائض الْفَائِق غزارة الأمواه وَقبلت بالشفاه وبوشرت بالأفواه وطهرت بِأَهْل الْعلم والحلم من أدناس أهل الْجَهْل والسفاه وَالْحَمْد لله ثمَّ الْحَمد لله وَمَا كَانَ يعوزنا ويعوزه إِلَّا حُضُور الْمجْلس السَّامِي أسماه الله فَمَا لهَذَا الْأَمر رواء إِلَّا بروائه وَلَا للأنس لِقَاء إِلَّا بأنس لِقَائِه وَكَاد يصحف الْفَتْح لَوْلَا صَالح دُعَائِهِ وَحسن آلائه وَالْحَمْد لله الَّذِي خصنا بِهَذِهِ الخاصية وفضلنا بالنصرة القدسية وَذخر لنا هَذَا الْبر الَّذِي عجز بل قصر عَنهُ مُلُوك الْبَريَّة وَالْحَمْد لله على هَذِه النِّعْمَة السّنيَّة فَمَا أشوقنا وأشوق الْقُدس إِلَى قدومه وَمَا أظمأنا وأظمأه إِلَى خُصُوص الرّيّ بِهِ وعمومه وَيَا حَظّ هَذَا الْبَيْت الَّذِي هُوَ أَخُو الْبَيْت الْحَرَام من زيارته وَمَا آنق روضه وأوفق رِضَاهُ إِذا فَازَ بنظره ونضارته وَنحن نَعْرِف أَن همته الْعَالِيَة تحدوه وَأَن دينه إِلَى إِجَابَة دَعوته تَدعُوهُ ونسأل الله تَعَالَى أَن يكمل صِحَّته وينعش نهضته وَيُقَوِّي قوته وَمَا أَقَمْنَا بِهَذَا الْبَلَد إِلَّا لتطهيره وترتيب أمره وتدبيره وَمن كتب أخر نصرنَا الله بملائكته المسومين وأوليائه الْمُؤمنِينَ واستخلصنا بتأييده الْبِلَاد وانتزعناها واقتضضناها بالبيض الذُّكُور من الْحَرْب

стр. 1255

الْعوَان أبكار الْفتُوح وافترعناها وَهَذِه موهبة مذهبَة ومنقبة لَا تبلغ إِلَى وصفهَا بلاغة موجزة وَلَا مسهبة ونوبة مَا لِلْإِسْلَامِ بعْدهَا نبوة وحظوة فِي مذاق أهل التَّقْوَى وَالْمَغْفِرَة حلوة وبشرى تجلو الْوُجُوه ببشرها وتضوع مهاب المحاب بنشرها ويغرق أهل الشرق والغرب سِجَال غربها وتقر عين الْمُؤمنِينَ فِي الْبعد والقرب بأنوار قربهَا عَاد التَّقْدِيس إِلَى الأَرْض الَّتِي بِهِ وصفت وأحاطت الْبركَة بالبقعة الَّتِي بقوله تَعَالَى ﴿باركنا حوله﴾ عرفت وَظَهَرت الصَّخْرَة المقدسة وطهرت وزهيت أيامن هَذِه الْأَيَّام وزهرت وقمعت الطَّائِفَة الباغية من أهل التَّثْلِيث بِأَهْل التَّوْحِيد وقهرت واستبشر الْمِحْرَاب والمنبر بخطبته وإمامه وافتخر الزَّمَان بعصر مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأيامه وَقد تملكنا الْبِلَاد الساحلية وتسلمناها حصنا حصنا ونقضنا من الْكفْر ركنا ركنا وأجلينا الْكفَّار مِنْهَا فاجتلينا بهَا من الْحسنى حسنا فتح شرف الله بِهِ هَذِه الْأمة وجلا بِهِ الْغُمَّة وكشف الملمة بل شرفنا بفخره وأعدنا لذخره وخصنا بفضيلته فِي عصره وأجرى لنا مَا كَانَ قد أَبْطَأَ من عَادَة نَصره وقمع بِأَهْل دينه من عساكرنا أهل كفره وَقَامَت بواترنا بوتره وغرق الْبِلَاد الساحلية من دم الْكفْر ببحره وأصرخت الصَّخْرَة وحفت بهَا النُّصْرَة وزالت عَنْهَا الْمضرَّة وعادت إِلَيْهَا المبرة ونعشت مِنْهَا العثرة وفاضت لَهَا من عين الْمُؤمنِينَ الْعبْرَة وزفت عروسها الْبكر مُحصنَة

стр. 1256

لم تقتض مِنْهَا الْعذرَة وحالت العرة ولاحت الْغرَّة وَظَهَرت من صدف قبتها الدرة وصوفحت آثَار الْقدَم النَّبَوِيَّة بِالْإِيمَان وجددت بعهدها صَفْقَة الْإِيمَان وَبَطل الناقوس بِحَق الْأَذَان وَفتحت أَبْوَاب الْجنان لأَهْلهَا وَأخرج مِنْهَا أهل النيرَان وَالْحَمْد لله على هَذَا الْإِحْسَان حمدا مستمرا على مر الزَّمَان وَمن كتاب إِلَى سيف الْإِسْلَام بِالْيمن فتح بَيت الله الْمُقَدّس الَّذِي غلق نيفا وَتِسْعين سنة مَعَ الْكفْر رَهنه وَطَالَ فِي أسره سجنه واستحكم وهنه وَقَوي نكره وَضعف رُكْنه وَزَاد حزنه وَزَالَ حسنه وأجدبت من الْهدى أرضه وأخلف مزنه وواصله خَوفه وفارقه أَمنه واشتغل خاطر الْإِسْلَام بِسَبَبِهِ وساء ظَنّه وَذكر فِيهِ الْوَاحِد الْأَحَد الَّذِي تَعَالَى عَن الْوَلَد أَن الْمَسِيح ابْنه وَربع فِيهِ التَّثْلِيث فعز صليبه وصلبه وأفرد عَنهُ التَّوْحِيد فكاد يهي مَتنه ودرج الْمُلُوك المتقدمون على تمني استنقاذه فَأبى الشَّيْطَان غير استيلائه واستحواذه وَكَانَ فِي الْغَيْب الإلهي أَن معاده فِي الْآخِرَة إِلَى معاذه وطنت أوطانه وبقراءة الْقُرْآن وَرِوَايَة الحَدِيث وَذكر الدُّرُوس وجليت الصَّخْرَة المقدسة جلوة الْعَرُوس وزارها شهر رَمَضَان مضيفا لَهَا نَهَار صَومهَا بالتسبيح وليل فطرها بالتراويح وَمن كتب أخر الْبَيْت الْمُقَدّس صَار مقدسا وَأصْبح لِلْإِسْلَامِ معرسا وَرجع أهل التَّقْوَى إِلَيْهِ فقد كَانَ بهَا مؤسسا وخرس الجرس وَذهب الدنس وَبَطل الناقوس وَخرج القسوس وَزَالَ الْأَذَى بِالْأَذَانِ وصوفحت الصَّخْرَة المقدسة بأيمان أهل الْإِيمَان وَمَا صلت فِي محراب الْبَيْت الْمُقَدّس

стр. 1257

التقاة حَتَّى صلت فِي محاريب رِقَاب الْكفْر المشرفيات وَمَا تمّ الرضى بِفَتْح الْمَسْجِد الْأَقْصَى حَتَّى أقصي مِنْهُ من أقصاه الله عَن رِضَاهُ وَمَا تبوأ الْمُسلم الْمُصَلِّي فِيهِ مثواه من الْجنَّة حَتَّى تبوأ الْكَافِر الْمصلى بالنَّار مثواه صوفح مَوضِع الْقدَم الْمُبَارَكَة لَيْلَة الْمِعْرَاج بِالْأَيْدِي وَقَالَ لأولياء الله أهل الْإِخْلَاص أَهلا بكم فَمَا أحسن الْخَلَاص من ولَايَة أهل التَّعَدِّي وَعَاد الْمَسْجِد الْأَقْصَى للمصلين المقربين جنَّة ومنارا بعد أَن كَانَ للمقصين المضلين نَارا ودارا وتسلم محرب الْإِسْلَام محرابه وأصبحت لألافه لما ألفى أَصْحَابه وترنح الْمِنْبَر لترنم الْخَطِيب وانجبر الدّين بانكسار صلب عَابِد الصَّلِيب السليب خلا باله من أَمر الْقُدس بإعادته إِلَى قدسه وإخلائه من رجز الشّرك ورجسه وإجلاء داويه واسيتاره وبطركه وقسه وتعويضه من وَحْشَة الضَّلَالَة من الْهدى بأنسه ورد الْإِسْلَام الْغَرِيب إِلَى بَيته الْمُقَدّس وَنفي الْكَافِر مِنْهُ كاسف البال راغم المعطس وَنصب الْمِنْبَر بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لإِقَامَة الْخطْبَة الإمامية وَرفع مَا رفع قدره من الْأَعْلَام العباسية والإفراج عَن محرابه بهدم مَا بني دونه من مباني الشّرك وكشف أَسْتَار الْكَفَرَة الَّتِي حجبت بالهتك والفتك وَإِقَامَة الْجمع فِيهِ وَالْجَمَاعَات وإدامة أوراد الْعِبَادَات بِهِ ووظائف الطَّاعَات وَغسل الصَّخْرَة المقدسة بِدَم الْكَافِر ودمع الْمُؤمن وَنزع لِبَاس بَأْس الْمُسِيء عَنْهَا بإفاضة ثوب ثَوَاب المحسن وتنزيه تِلْكَ الْجنَّة من دنس أهل النَّار وإعلاء مَا كَانَ درس من معالم الْأَبْرَار ومطالع الْأَنْوَار

стр. 1258

وَقد رَجَعَ الْإِسْلَام الْغَرِيب مِنْهُ إِلَى دَاره وَخرج قمر الْهدى بِهِ من سراره وَذَهَبت ظلم الضَّلَالَة بأنواره وعادت الأَرْض المقدسة إِلَى مَا كَانَت مَوْصُوفَة بِهِ من التَّقْدِيس وَأمنت المخاوف فِيهَا وَبهَا فَصَارَت صباح السرى ومناخ التَّعْرِيس وَقد اقصي عَن الْمَسْجِد الْأَقْصَى الأقصون من الله الأبعدون وتوافى إِلَيْهِ المصطفون الأقربون وَالْمَلَائِكَة المقربون وخرس الناقوس بزجل المسبحين وَخرج المفسدون بِدُخُول المصلحين وَقَالَ الْمِحْرَاب لأَهله مرْحَبًا وَأهلا وَشَمل جمَاعَة الْمُسلمين من إِقَامَة الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة مَا جمع لِلْإِسْلَامِ فِيهِ شملا وَرفعت الْأَعْلَام العباسية على منبره فَأخذت من بره أوفى نصيب وتلت بألسنة عذبها ﴿نصر من الله وَفتح قريب﴾ وغسلت الصَّخْرَة الْمُبَارَكَة بدموع الْمُتَّقِينَ من دنس الْمُشْركين وَبعد أهل الْأَحَد من قربهَا بِقرب الْمُوَحِّدين فَذكر بهَا مَا كَاد ينسى من عهد الْمِعْرَاج النَّبَوِيّ وأقامت بدلائلها براهين الإعجاز المحمدي عَاد الْإِسْلَام بِإِسْلَام الْبَيْت الْمُقَدّس إِلَى تقديسه وَرجع بُنْيَانه من التَّقْوَى إِلَى تأسيسة وَزَالَ ناموس ناقوسه وَبَطل بِنَصّ النَّصْر قِيَاس قسيسه وَفتح بَاب الرَّحْمَة لأَهْلهَا وَدخلت فِيهِ الصَّخْرَة لفضلها وباشرت الْحَيَاة بهَا مَوَاضِع سجودها وصافحت أَيدي الْأَوْلِيَاء آثَار الْقدَم النَّبَوِيَّة بتجديد عهودها وَشهد مقَام الْمِعْرَاج وموطئ براقه ورؤيء نور الْإِسْلَام ومطلع إشراقه ودنا الْمَسْجِد الْأَقْصَى للراكع والساجد وامتلأ ذَلِك الفضاء بالأتقياء الأماجد

стр. 1259

وَمن كتاب فاضلي إِلَى بَغْدَاد تقلص ظلّ الْكَافِر الْمَبْسُوط وَصدق الله أهل دينه فَلَمَّا وَقع الشَّرْط وَقع الْمَشْرُوط وَجَاء أَمر الله وأنوف أهل الشّرك راغمة وأدلجت السيوف والآجال نَائِمَة واسترد الْمُسلمُونَ تراثا كَانَ عَنْهُم آبقا وظفروا يقظة بِمَا لم يصدقُوا أَنهم يظفرون بِهِ طيفا على النأي طَارِقًا وَمِنْه فِي وصف نقب السُّور فأخلي السُّور من السيارة وَالْحَرب من النظارة وَأمكن النقاب أَن يسفر للحرب النقاب وَأَن يُعِيد الْحجر إِلَى سيرته من التُّرَاب فَتقدم إِلَى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله وَحل عقده بضربه الأخرق الدَّال على لطافة أنمله وأسمع الصَّخْرَة الشَّرِيفَة حنينه فاستغاثته إِلَى أَن كَادَت ترق لمقتله وتبرأ بعض الْحِجَارَة من بعض وَأخذ الخراب عَلَيْهَا موثقًا فَلَنْ يبرح الأَرْض ثمَّ قَالَ واستقرت على الْأَعْلَى أَقْدَامهم وخفقت على الْأَقْصَى أعلامهم وتلاقت على الصَّخْرَة قبلهم وشفيت بهَا وَإِن كَانَت صَخْرَة كَمَا يشفى بِالْمَاءِ غللهم وَملك الْإِسْلَام خطة كَانَ عَهده بهَا دمنة سكان فخدمها الْكفْر إِلَى أَن صَارَت رَوْضَة جنان لَا جرم أَن الله أخرجهم مِنْهَا وأهبطهم وأرضى أهل الْحق وأسخطهم وأوعز الْخَادِم برد الْأَقْصَى إِلَى عَهده الْمَعْهُود وَأقَام لَهُ من الْأَئِمَّة من يُوفيه ورده المورود وأقيمت الْخطْبَة يَوْم الْجُمُعَة رَابِع شعْبَان فَكَادَتْ السَّمَوَات للسجوم يتفطرن وَالْكَوَاكِب مِنْهَا للطرب ينتثرن وَرفعت إِلَى الله كلمة التَّوْحِيد وَكَانَت طريقها مسدودة وطهرت قُبُور الْأَنْبِيَاء وَكَانَت بالنجاسات مكدودة وأقيمت الْخمس وَكَانَ

стр. 1260

التَّثْلِيث يقعدها وجهرت الألسن بِاللَّه أكبر وَكَانَ سحر الْكفْر يعقدها وجهر باسم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي وَطنه الْأَشْرَف من الْمِنْبَر فَرَحَّبَ بِهِ ترحيب من بر بِمن بر وخفق علماه فِي حفافيه فَلَو طَار سُرُورًا لطار بجناحيه وَكَانَ الْخَادِم لَا يسْعَى سَعْيه إِلَّا لهَذِهِ الْعُظْمَى وَلَا يقاسي تِلْكَ البؤسى إِلَّا رَجَاء هَذِه النعمى وَلَا يحارب من يستظلمه إِلَّا لتَكون الْكَلِمَة مَجْمُوعَة فَتكون كلمة الله هِيَ الْعليا وليفوز بجوهر الْآخِرَة لَا بِالْعرضِ الْأَدْنَى من الدُّنْيَا وَكَانَت الألسن رُبمَا سلقته فأنضج قلوبها بالأحتقار وَكَانَت الخواطر رُبمَا رُبمَا غلت عَلَيْهِ مراجلها فأطفأها بِالِاحْتِمَالِ والاصطبار وَمن طلب خطيرا خاطر وَمن رام صَفْقَة رابحة جاسر وَمن سما لِأَن يجلي غمرة غامر وَوصف فِيهِ يَوْم حطين فَقَالَ وَكَانَ الْيَوْم مشهودا وَكَانَت الْمَلَائِكَة لَهُ شُهُودًا وَكَانَ الصَّلِيب صَارِخًا وَكَانَ الْإِسْلَام مولودا وَأسر الْملك وَبِيَدِهِ أوثق وثائقه وآكد وَصله بِالدّينِ وعلائقه وَهُوَ صَلِيب الصلبوت وقائد أهل الجبروت مَا دهموا قطّ بِأَمْر إِلَّا وَقَامَ بَين دهمائهم يحرضهم يبسط لَهُم بَاعه وَكَانَ مد الْيَدَيْنِ فِي هَذِه الدفعة وداعه لَا جرم أَنه يتهافت على ناره فراشهم ويجتمع فِي ظلّ ظلامه خشاشهم ويقاتلون تَحت ذَلِك الصَّلِيب أَصْلَب قتال وأصدقه ويرونه ميثاقا يبنون عَلَيْهِ أَشد عقد وأوثقه ويعدونه سورا تحفر حوافر الْخَيل خندقه وَلم يفلت مِنْهُم مَعْرُوف إِلَّا القومص وَكَانَ لَعنه الله مَلِيًّا يَوْم الظفر بِالْقِتَالِ ومليا يَوْم الخذلان بالاحتيال فنجا وَلَكِن كَيفَ وطار خوفًا من أَن يلْحقهُ منسر الرمْح وَجَنَاح

стр. 1261

السَّيْف ثمَّ أَخذه الله بعد أَيَّام بِيَدِهِ وأهلكه لموعده وَكَانَ لعدتهم فَذَلِك وانتقل من ملك الْمَوْت إِلَى مَالك وَبعد الكسرة مر الْخَادِم على الْبِلَاد فطواها بِمَا نشر عَلَيْهَا من الرَّايَة السَّوْدَاء صبغا الْبَيْضَاء صنعا الخافقة هِيَ وَقُلُوب أعدائها الْعَالِيَة هِيَ وعزائم أوليائها فصل قَالَ الْعِمَاد وَمن قصائدي الَّتِي هنأت بهَا السُّلْطَان بِفَتْح الْقُدس وَهُوَ مخيم عَلَيْهِ (أطيب بِأَنْفَاسِ تطيب لكم نفسا ... وتعتاض من ذكراكم وحشتي أنسا) (وأسأل عَنْكُم عافيات دوارس ... غَدَتْ بِلِسَان الْحَال ناطقة خرسا) (معاهدكم مَا بالها كعهودكم ... وَقد كررت من درس آثارها درسا) (وَقد كَانَ فِي حدسي لكم كل طَارق ... وَمَا جئْتُمْ من هجركم خَالف الحدسا) (أرى حدثان الدَّهْر ينسى حَدِيثه ... وَأما حَدِيث الْغدر مِنْكُم فَلَا ينسى) (تَزُول الْجبَال الراسيات وثابت ... رسيس غرام فِي فُؤَادِي لكم أرسى) (حسبت حَبِيبِي قاسي الْقلب وَحده ... وقلب الَّذِي يهوى بِحمْل الْهوى أقسى) (أما لكم يَا مالكي الرّقّ رقة ... يطيب بهَا مملوككم مِنْكُم نفسا) (وَإِن سروري كنت أسمع حسه ... فمذ سرت عَنْكُم مَا سَمِعت لَهُ حسا)

стр. 1262

(وَأَن نهاري صَار لَيْلًا لبعدكم ... فَمَا أَبْصرت عَيْني صباحا وَلَا شمسا) (بَكَيْت على مستودعات قُلُوبكُمْ ... كَمَا قد بَكت قدما على صخرها الخنسا) (فَلَا تحبسوا عني الْجَمِيل فإنني ... جعلت على حبي لكم مهجتي حبسا) (رَأَيْت صَلَاح الدّين أشرف من غَدا ... وَأفضل من أضحى واكرم من أَمْسَى) (وَقيل لنا فِي الأَرْض سَبْعَة أبحر ... ولسنا نرى إِلَّا أنامله الخمسا) (سجيته الْحسنى وشيمته الرِّضَا ... وبطشته الْكُبْرَى وعزته القعسا) (فَلَا عدمت أيامنا مِنْهُ مشرقا ... ينير بِمَا يولي ليالينا الدمسا) (جنودك أَمْلَاك السَّمَاء وظنهم ... عداتك جن الأَرْض فِي الفتك لَا الإنسا) (فَلَا يسْتَحق الْقُدس غَيْرك فِي الورى ... فَأَنت الَّذِي من دونهم فتح القدسا) (وَمن قبل فتح الْقُدس كنت مقدسا ... فَلَا عدمت أخلاقك الطُّهْر والقدسا) (وطهرته من رجسهم بدمائهم ... فأذهبت بالرجس الَّذِي ذهب الرجسا) (نزعت لِبَاس الْكفْر عَن قدس أرْضهَا ... وألبستها الدّين الَّذِي كشف اللبسا) (وعادت بِبَيْت الله أَحْكَام دينه ... فَلَا بطركا أبقيت فِيهَا وَلَا قسا) (وَقد شاع فِي الْآفَاق عَنْك بِشَارَة ... بِأَن أَذَان الْقُدس قد بَطل النقسا) (جرى بِالَّذِي تهوى الْقَضَاء وظاهرت ... مَلَائِكَة الرَّحْمَن أجنادك الحمسا) (وَكم لبني أَيُّوب عبد كعنتر ... فَإِن ذكرُوا بالبأس لَا يذكرُوا عبسا) (وَقد طَابَ ريانا على طبرية ... فياطيبها مغنى وَيَا حسنها مرسى)

стр. 1263

(وعكا وَمَا عكا فقد كَانَ فتحهَا ... لإجلائهم عَن مدن ساحله كنسا) (وصيدا وبيروت وتبنين كلهَا ... بسيفك ألفى أَنفه الرغم والتعسا) (ويافا وأرسوف ويبنى وغزة ... تخذت بهَا بَين الطلى والظبى عرسا) (وَفِي عسقلان الْكفْر ذل بملككم ... فمنظره بل أمره أَرْبَد وأرجسا) (وَصَارَ بصور عصبَة يرقبونكم ... فَلَا تبطئوا عَنْهَا وحسوهم حسا) (توكل على الله الَّذِي لَك أَصبَحت ... كلاءته درعا وعصمته ترسا) (وَدَمرَ على البَاقِينَ واجتث أصلهم ... فَإنَّك قد صيرت دينارهم فلسًا) (وَلَا ينس شرك الشرق غربك مرويا ... بِمَاء الطلى من صاديات الظبى الخمسا) (وَإِن بِلَاد الشرق مظْلمَة فَخذ ... خُرَاسَان والنهرين وَالتّرْك والفرسا) (وَبعد الفرنج الكرج فاقصد بِلَادهمْ ... بعزمك واملأ من دِمَائِهِمْ الرسا) (أَقَامَت بغاب الساحلين أسودكم ... وَقد طردت عَنهُ ذئابهم الطلسا) وَهِي طَوِيلَة وَقد تقدم بَعْضهَا فِي ذكر كسرة حطين وللعماد أَيْضا من جملَة القصيدة الَّتِي مدح بهَا حسام الدّين بن لاجين وَقد تقدم بَعْضهَا (قل للمليك صَلَاح الدّين أكْرم من ... يمشي على الأَرْض أَو من يركب الفرسا) (من بعد فتحك بَيت الْقُدس لَيْسَ سوى ... صور فَإِن فتحت فاقصد طرابلسا)

стр. 1264

(أثر على يَوْم أنطرسوس ذَا لجب ... وأبعث إِلَى ليل أنطاكية العسسا) (وأخل سَاحل هَذَا الشَّام أجمعه ... من العداة وَمن فِي دينه وكسا) (وَلَا تدع مِنْهُم نفسا وَلَا نفسا ... فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ النَّفس والنفسا) (نزلت بالقدس فاستفتحته وَمَتى ... تقصد طرابلسا فَانْزِل على قدسا) وَمن قصيدة أُخْرَى لَهُ نفذها إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر (أبشر بِفَتْح أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتَى ... وَصيته فِي جَمِيع الأَرْض جَوَاب) (مَا كَانَ يخْطر فِي بَال تصَوره ... واستصعب الْفَتْح لما أغلق الْبَاب) (وخام عَنهُ الْمُلُوك الأقدمون وَقد ... مَضَت على النَّاس أحقاب وأحقاب) (وَجَاء عصرك وَالْأَيَّام مقبلة ... فَكَانَ فِيهِ لفيض الْكفْر إنضاب) (نصر أعَاد صَلَاح الدّين رونقه ... إيجازه ببليغ القَوْل إسهاب) (قرع الظبى بالظبى فِي الْحَرْب يطربه ... لَا قينة صنع باللحن مطراب) (أَحْيَا الْهدى وأمات الشّرك صارمه ... لقد تجلى الْهدى والشرك منْجَاب) (بفتحه الْقُدس لِلْإِسْلَامِ قد فتحت ... فِي قمع طاغية الْإِشْرَاك أَبْوَاب) (فَفِي مُوَافقَة الْبَيْت الْمُقَدّس للبيت ... الْحَرَام لنا تيه وَإِعْجَاب) (والصخرة الْحجر الملثوم جَانِبه ... كِلَاهُمَا لاعتمار الْخلق محراب) (نفى من الْقُدس صلبانا كَمَا نفيت ... من بَيت مَكَّة أزلام وأنصاب) وَكثر مدح الْفُضَلَاء للسُّلْطَان عِنْد فتح الْقُدس وَقد ذكر الْعِمَاد من ذَلِك جملَة فِي أَوَاخِر كتاب الْبَرْق فَرَأَيْت تَقْدِيم مَا اخترته مِنْهَا هُنَا وزدت عَلَيْهِ مَا لم يذكرهُ فَمن ذَلِك قصيدة الْحَكِيم أبي الْفضل

стр. 1265

عبد الْمُنعم بن عمر بن حسان الأندلسي الجلياني مِنْهَا (أَبَا المظفر أَنْت المجتنى لهدى ... أُخْرَى الزَّمَان على خبر بخبرته) (فَلَو رآك وَقد حزت الْعلَا عمر ... فِي قلَّة التل قضى كنه عبرته) (وَلَو رآك وَأهل الْقُدس فِي وَله ... أَبُو عُبَيْدَة فدى من مسرته) (غَدَاة جزوا النواصي فِي قمامته ... وأعولوا بالتباكي حول صخرته) (دارت بك الْملَّة الْحسنى فَنحْن على ... عهد الصَّحَابَة فِي اسْتِمْرَار مرته) (وَأَنت كأسمك صديق وَصَاحبه الْملك ... المظفر سَام فِي مبرته) (وَفِي السلالة عُثْمَان يُؤَيّدهُ ... علا عَليّ على إِيثَار نصرته) (وَكم لديك ذَوي قربى رقوا شرفا ... وَكم بعيد رأى الزلفى بهجرته) (يشبه القبج مَا بَين البزاة لقى ... ملك الفرنج أخيذا بَين عترته) (أما رَأَيْت معالي يُوسُف نسقت ... حَتَّى رمت كل ذِي ملك بحسرته) (أضحى لنشر الْهدى فِي فتح منهجه ... وَبَات يطوي العدى فِي سد ثغرته) (واستقبح الرجس ممنوا بمشهده ... فَاسْتَفْتَحَ الْقُدس محشوا بزمرته) (لَكِن بَأْس صَلَاح الدّين أذهلهم ... بوقعة التل واستشرى بسورته) (تعيا الْجَوَارِح والفرسان وَهُوَ على ... بَدْء النشاط عشيا مثل بكرته) (يَا فاتح الْمَسْجِد الْأَقْصَى على بهم ... وقانص الْجَيْش لَا يُحْصى بقفزته)
следующие страницы →