Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
السَّيْف ثمَّ أَخذه الله بعد أَيَّام بِيَدِهِ وأهلكه لموعده وَكَانَ لعدتهم فَذَلِك وانتقل من ملك الْمَوْت إِلَى مَالك وَبعد الكسرة مر الْخَادِم على الْبِلَاد فطواها بِمَا نشر عَلَيْهَا من الرَّايَة السَّوْدَاء صبغا الْبَيْضَاء صنعا الخافقة هِيَ وَقُلُوب أعدائها الْعَالِيَة هِيَ وعزائم أوليائها
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَمن قصائدي الَّتِي هنأت بهَا السُّلْطَان بِفَتْح الْقُدس وَهُوَ مخيم عَلَيْهِ
(أطيب بِأَنْفَاسِ تطيب لكم نفسا ... وتعتاض من ذكراكم وحشتي أنسا)
(وأسأل عَنْكُم عافيات دوارس ... غَدَتْ بِلِسَان الْحَال ناطقة خرسا)
(معاهدكم مَا بالها كعهودكم ... وَقد كررت من درس آثارها درسا)
(وَقد كَانَ فِي حدسي لكم كل طَارق ... وَمَا جئْتُمْ من هجركم خَالف الحدسا)
(أرى حدثان الدَّهْر ينسى حَدِيثه ... وَأما حَدِيث الْغدر مِنْكُم فَلَا ينسى)
(تَزُول الْجبَال الراسيات وثابت ... رسيس غرام فِي فُؤَادِي لكم أرسى)
(حسبت حَبِيبِي قاسي الْقلب وَحده ... وقلب الَّذِي يهوى بِحمْل الْهوى أقسى)
(أما لكم يَا مالكي الرّقّ رقة ... يطيب بهَا مملوككم مِنْكُم نفسا)
(وَإِن سروري كنت أسمع حسه ... فمذ سرت عَنْكُم مَا سَمِعت لَهُ حسا)
стр. 1262
(وَأَن نهاري صَار لَيْلًا لبعدكم ... فَمَا أَبْصرت عَيْني صباحا وَلَا شمسا)
(بَكَيْت على مستودعات قُلُوبكُمْ ... كَمَا قد بَكت قدما على صخرها الخنسا)
(فَلَا تحبسوا عني الْجَمِيل فإنني ... جعلت على حبي لكم مهجتي حبسا)
(رَأَيْت صَلَاح الدّين أشرف من غَدا ... وَأفضل من أضحى واكرم من أَمْسَى)
(وَقيل لنا فِي الأَرْض سَبْعَة أبحر ... ولسنا نرى إِلَّا أنامله الخمسا)
(سجيته الْحسنى وشيمته الرِّضَا ... وبطشته الْكُبْرَى وعزته القعسا)
(فَلَا عدمت أيامنا مِنْهُ مشرقا ... ينير بِمَا يولي ليالينا الدمسا)
(جنودك أَمْلَاك السَّمَاء وظنهم ... عداتك جن الأَرْض فِي الفتك لَا الإنسا)
(فَلَا يسْتَحق الْقُدس غَيْرك فِي الورى ... فَأَنت الَّذِي من دونهم فتح القدسا)
(وَمن قبل فتح الْقُدس كنت مقدسا ... فَلَا عدمت أخلاقك الطُّهْر والقدسا)
(وطهرته من رجسهم بدمائهم ... فأذهبت بالرجس الَّذِي ذهب الرجسا)
(نزعت لِبَاس الْكفْر عَن قدس أرْضهَا ... وألبستها الدّين الَّذِي كشف اللبسا)
(وعادت بِبَيْت الله أَحْكَام دينه ... فَلَا بطركا أبقيت فِيهَا وَلَا قسا)
(وَقد شاع فِي الْآفَاق عَنْك بِشَارَة ... بِأَن أَذَان الْقُدس قد بَطل النقسا)
(جرى بِالَّذِي تهوى الْقَضَاء وظاهرت ... مَلَائِكَة الرَّحْمَن أجنادك الحمسا)
(وَكم لبني أَيُّوب عبد كعنتر ... فَإِن ذكرُوا بالبأس لَا يذكرُوا عبسا)
(وَقد طَابَ ريانا على طبرية ... فياطيبها مغنى وَيَا حسنها مرسى)
стр. 1263
(وعكا وَمَا عكا فقد كَانَ فتحهَا ... لإجلائهم عَن مدن ساحله كنسا)
(وصيدا وبيروت وتبنين كلهَا ... بسيفك ألفى أَنفه الرغم والتعسا)
(ويافا وأرسوف ويبنى وغزة ... تخذت بهَا بَين الطلى والظبى عرسا)
(وَفِي عسقلان الْكفْر ذل بملككم ... فمنظره بل أمره أَرْبَد وأرجسا)
(وَصَارَ بصور عصبَة يرقبونكم ... فَلَا تبطئوا عَنْهَا وحسوهم حسا)
(توكل على الله الَّذِي لَك أَصبَحت ... كلاءته درعا وعصمته ترسا)
(وَدَمرَ على البَاقِينَ واجتث أصلهم ... فَإنَّك قد صيرت دينارهم فلسًا)
(وَلَا ينس شرك الشرق غربك مرويا ... بِمَاء الطلى من صاديات الظبى الخمسا)
(وَإِن بِلَاد الشرق مظْلمَة فَخذ ... خُرَاسَان والنهرين وَالتّرْك والفرسا)
(وَبعد الفرنج الكرج فاقصد بِلَادهمْ ... بعزمك واملأ من دِمَائِهِمْ الرسا)
(أَقَامَت بغاب الساحلين أسودكم ... وَقد طردت عَنهُ ذئابهم الطلسا)
وَهِي طَوِيلَة وَقد تقدم بَعْضهَا فِي ذكر كسرة حطين
وللعماد أَيْضا من جملَة القصيدة الَّتِي مدح بهَا حسام الدّين بن لاجين وَقد تقدم بَعْضهَا
(قل للمليك صَلَاح الدّين أكْرم من ... يمشي على الأَرْض أَو من يركب الفرسا)
(من بعد فتحك بَيت الْقُدس لَيْسَ سوى ... صور فَإِن فتحت فاقصد طرابلسا)
стр. 1264
(أثر على يَوْم أنطرسوس ذَا لجب ... وأبعث إِلَى ليل أنطاكية العسسا)
(وأخل سَاحل هَذَا الشَّام أجمعه ... من العداة وَمن فِي دينه وكسا)
(وَلَا تدع مِنْهُم نفسا وَلَا نفسا ... فَإِنَّهُم يَأْخُذُونَ النَّفس والنفسا)
(نزلت بالقدس فاستفتحته وَمَتى ... تقصد طرابلسا فَانْزِل على قدسا)
وَمن قصيدة أُخْرَى لَهُ نفذها إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر
(أبشر بِفَتْح أَمِير الْمُؤمنِينَ أَتَى ... وَصيته فِي جَمِيع الأَرْض جَوَاب)
(مَا كَانَ يخْطر فِي بَال تصَوره ... واستصعب الْفَتْح لما أغلق الْبَاب)
(وخام عَنهُ الْمُلُوك الأقدمون وَقد ... مَضَت على النَّاس أحقاب وأحقاب)
(وَجَاء عصرك وَالْأَيَّام مقبلة ... فَكَانَ فِيهِ لفيض الْكفْر إنضاب)
(نصر أعَاد صَلَاح الدّين رونقه ... إيجازه ببليغ القَوْل إسهاب)
(قرع الظبى بالظبى فِي الْحَرْب يطربه ... لَا قينة صنع باللحن مطراب)
(أَحْيَا الْهدى وأمات الشّرك صارمه ... لقد تجلى الْهدى والشرك منْجَاب)
(بفتحه الْقُدس لِلْإِسْلَامِ قد فتحت ... فِي قمع طاغية الْإِشْرَاك أَبْوَاب)
(فَفِي مُوَافقَة الْبَيْت الْمُقَدّس للبيت ... الْحَرَام لنا تيه وَإِعْجَاب)
(والصخرة الْحجر الملثوم جَانِبه ... كِلَاهُمَا لاعتمار الْخلق محراب)
(نفى من الْقُدس صلبانا كَمَا نفيت ... من بَيت مَكَّة أزلام وأنصاب)
وَكثر مدح الْفُضَلَاء للسُّلْطَان عِنْد فتح الْقُدس وَقد ذكر الْعِمَاد من ذَلِك جملَة فِي أَوَاخِر كتاب الْبَرْق فَرَأَيْت تَقْدِيم مَا اخترته مِنْهَا هُنَا وزدت عَلَيْهِ مَا لم يذكرهُ فَمن ذَلِك قصيدة الْحَكِيم أبي الْفضل
стр. 1265
عبد الْمُنعم بن عمر بن حسان الأندلسي الجلياني مِنْهَا
(أَبَا المظفر أَنْت المجتنى لهدى ... أُخْرَى الزَّمَان على خبر بخبرته)
(فَلَو رآك وَقد حزت الْعلَا عمر ... فِي قلَّة التل قضى كنه عبرته)
(وَلَو رآك وَأهل الْقُدس فِي وَله ... أَبُو عُبَيْدَة فدى من مسرته)
(غَدَاة جزوا النواصي فِي قمامته ... وأعولوا بالتباكي حول صخرته)
(دارت بك الْملَّة الْحسنى فَنحْن على ... عهد الصَّحَابَة فِي اسْتِمْرَار مرته)
(وَأَنت كأسمك صديق وَصَاحبه الْملك ... المظفر سَام فِي مبرته)
(وَفِي السلالة عُثْمَان يُؤَيّدهُ ... علا عَليّ على إِيثَار نصرته)
(وَكم لديك ذَوي قربى رقوا شرفا ... وَكم بعيد رأى الزلفى بهجرته)
(يشبه القبج مَا بَين البزاة لقى ... ملك الفرنج أخيذا بَين عترته)
(أما رَأَيْت معالي يُوسُف نسقت ... حَتَّى رمت كل ذِي ملك بحسرته)
(أضحى لنشر الْهدى فِي فتح منهجه ... وَبَات يطوي العدى فِي سد ثغرته)
(واستقبح الرجس ممنوا بمشهده ... فَاسْتَفْتَحَ الْقُدس محشوا بزمرته)
(لَكِن بَأْس صَلَاح الدّين أذهلهم ... بوقعة التل واستشرى بسورته)
(تعيا الْجَوَارِح والفرسان وَهُوَ على ... بَدْء النشاط عشيا مثل بكرته)
(يَا فاتح الْمَسْجِد الْأَقْصَى على بهم ... وقانص الْجَيْش لَا يُحْصى بقفزته)
стр. 1266
(أبشر بِملك كَظهر الشَّمْس مطلع ... على البسيطة فتاح بنشرته)
(حَتَّى يكون لهَذَا الدّين ملحمة ... تحكي النُّبُوَّة فِي أَيَّام فترته)
قَالَ وَنفذ من مصر نجم الدّين يُوسُف بن الْحُسَيْن ابْن المجاور الْوَزير العزيزي قصيدة وعرضتها على السُّلْطَان بالقدس وفيهَا ذكر الإنكليز وَفتح يافا وَذكر الْهُدْنَة الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا فِي آخر الْكتاب فَمِنْهَا وَسَيَأْتِي الْبَاقِي الْمُخْتَار أَيْضا
(الْوَقْت أضيق من سَماع قصيدة ... موسومة بِصِفَات أغيد أهيف)
(الْجد فِي هَذَا الزَّمَان مُبين ... والهزل فِيهِ مَعَ الغواية مختف)
(بالناصر الْمهْدي وَالْهَادِي إِلَى ... سبل الْجِهَاد أبي المظفر يُوسُف)
(المستعين بربه والواثق الْمَنْصُور ... والمستظهر الْبر الوفي)
(شدت قوى أَرْكَان مِلَّة أَحْمد ... وتجملت بجهاده فِي الْموقف)
(ملك إِذا أم الْمُلُوك جنابه ... لاذوا بأكرم من يؤم وأشرف)
(وَإِذا أَتَوا أسرى إِلَى أبوابه ... وقفُوا بأعظم من يصول وأرأف)
(مولى غَدا للدّين أكْرم وَالِد ... حدب على أبنائه مترفرف)
(عزل الفرنجة ثمَّ ولى جَيْشه ... أعظم بِهِ من صَارف ومصرف)
(قد أنصف التَّوْحِيد من تثليثهم ... وَأقَام فِي الْإِنْجِيل حد الْمُصحف)
(مغرى بتجريح الرِّجَال لانه ... يروي أَحَادِيث العوالي الرعف)
(ملك لَهُ فِي الْحَرْب تفقه ... وَله غَدَاة السّلم زهد تصوف)
стр. 1267
(وَعَلِيهِ أنزل فِي الْجِهَاد مفصل ... فلذاك يَقْرَؤُهُ بسبعة أحرف)
(عزم وحلم أنسيا مَا كَانَ من ... عزم ابْن مرداس وحلم الْأَحْنَف)
(يَا أَيهَا الْملك الَّذِي لطباعه ... وسيوفه خلقا رضى وتعسف)
(لله يَوْم عرُوبَة إِذْ أعربت ... ساعاته عَن نصرك المتعرف)
(سنت سيوفك فِي الرؤوس ختانة ... ذهبت بمهجة كل علج أقلف)
(آفاتهم وآفت يأخذك مِنْهُم ... يافا فكم من حسرة وتاسف)
(أَو مَا رأى الأعلاج حِين دعوتها ... بِلِسَان سيف فِي الكريهة ملحف)
(لم تستطع عصيان أَمرك بل أَتَت ... منقادة طَوْعًا وَلم تتخلف)
(فاستدع جارتها وثن بأختها ... وكذاك حَتَّى الْأَرْبَعين ونيف)
(مَا للسواحل غير بحرك حَافظ ... بشبا سِنَان أَو بصفحة مرهف)
(هَذَا الطّراز الْأَخْضَر استفتحته ... فزها بِثَوْب من علاك مسجف)
(أَحييت دين مُحَمَّد وأقمته ... وسترته من بعد طول تكشف)
(وضبطت ديوَان الْجِهَاد بعامل ... من عَامل وبمشرف من مشرفي)
(وبجهبذ الْعَزْم الَّذِي لَا ينثني ... وبناظر الرَّأْي الَّذِي لم يطرف)
стр. 1268
(فَخذ الْخراج من البسيطة كلهَا ... واستأد فَرضِي جِزْيَة وموظف)
(واقبض على الدُّنْيَا بكف زهادة ... وابسط لرحمتها جنَاح تعطف)
(جَاءَت جنود الله تطلب ثأرها ... وصدورها بك عَن قَلِيل تشتفي)
(فانهض بهَا وتقاض حَقك موقنا ... أَن الْإِلَه بِمَا تؤمله حفي)
(هم فتية الأتراك كل مجفجف ... يغشى الكريهة فَوق كل مجفجف)
(قوم يَخُوضُونَ الْحمام شجاعة ... لَا ينظرُونَ إِلَيْهِ من طرف خَفِي)
(إِن صبحوا الْأَعْدَاء فِي أوطانهم ... تركُوا دِيَارهمْ كقاع صفصف)
(أَنْت اصطفيتهم لنصرة ديننَا ... لله در الْمُصْطَفى والمصطفي)
قلت وَذكرت بقوله هَذَا الطّراز الْأَخْضَر استفتحته حِكَايَة حَسَنَة لائقة بِالْحَال حَدثنِي بهَا شَيخنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد السخاوي قَالَ قَرَأت بِخَط شَيخنَا أبي الْفَضَائِل بن رَشِيق بِمصْر عقيب مَوته فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَخمْس مئة قَالَ رأى إِنْسَان كَأَن شخصا ذَا جهامة وَاقِف على حَائِط بِجَامِع دمشق يُسمى النسْر وَهُوَ يَقُول
(ملك الصَّيَاصِي والنواصي نَاصِر ... للدّين بعد إياسه أَن ينصرا)
(وسيفتح الْبَيْت الْمُقَدّس بَعْدَمَا ... يطوى الطّراز لَهُ وَيقتل قيصرا)
قلت وَهَذَا قبل أَن يفتح صَلَاح الدّين الْبِلَاد بِعشر سِنِين وقرأت بِخَط بعض أَصْحَابنَا قَالَ وجدت على حَاشِيَة كتاب يرْوى عَن خطيب كَانَ بالرقة
стр. 1269
أَنه رأى من ينشده هَذَا الشّعْر فِي النّوم سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة فَذكر الْبَيْتَيْنِ وَهَذَا قبل الْفَتْح بِاثْنَتَيْنِ وَخمسين سنة وَقبل مولد صَلَاح الدّين بِسنة وَالْمعْنَى بالطراز بِلَاد السَّاحِل المصطفة على بِلَاد الْبَحْر من الداروم وغزة وعسقلان وعكا وصيدا وبيروت وجبيل وَغير ذَلِك وَلم يبْق من الطّراز فِي أثْنَاء ذَلِك سوى صور بَين صيدا وعكا وَهَكَذَا كَانَ الْأَمر على مَا سبق بَيَانه فتح هَذَا الطّراز أَولا ثمَّ فتح الْبَيْت الْمُقَدّس وكنى بقيصر عَن الإبرنس الَّذِي قَتله بِيَدِهِ لِأَنَّهُ كَانَ من رُؤُوس الْكفْر وملوكهم وغلاتهم فِي معاداة الْإِسْلَام وَالله أعلم
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ فَخر الْكتاب أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ الْجُوَيْنِيّ الْمُقِيم بِمصْر من أهل بَغْدَاد ينفذ إِلَيّ قصائده لأعرضها فَرَأَيْت أَن أثبت لَهُ هَذِه القصيدة فِي الْفَتْح وَهِي مُشْتَمِلَة على ذكر مُلُوك الْإِسْلَام وإهمالهم لَهُ تسعين عَاما حَتَّى تجرد لَهُ سلطاننا فَذكر مِنْهَا
(جند السَّمَاء لهَذَا الْملك أعوان ... من شكّ فيهم فَهَذَا الْفَتْح برهَان)
(مَتى رأى النَّاس مَا نحكيه فِي زمن ... وَقد مَضَت قبل أزمان وأزمان)
(هذي الْفتُوح فتوح الْأَنْبِيَاء وَمَا ... لَهَا سوى الشُّكْر بالأفعال أَثمَان)
стр. 1270
(أضحت مُلُوك الفرنج الصَّيْد فِي يَده ... صيدا وَمَا ضعفوا يَوْمًا وَمَا هانوا)
(كم من فحول مُلُوك غودروا وهم ... خوف الفرنجة ولدان ونسوان)
(استصرخت بملكشاة طرابلس ... فخام عَنْهَا وَصمت مِنْهُ آذان)
(هَذَا وَكم ملك من بعده نظر ... الْإِسْلَام يطوى ويحوى وَهُوَ سَكرَان)
(تسعون عَاما بِلَاد الله تصرخ ... وَالْإِسْلَام نصاره صم وعميان)
(فَالْآن لبّى صَلَاح الدّين دعوتهم ... بِأَمْر من هُوَ للمعوان معوان)
(للناصر ادخرت هذي الْفتُوح وَمَا ... سمت لَهَا همم الْأَمْلَاك مذ كَانُوا)
(حباه ذُو الْعَرْش بالنصر الْعَزِيز فَقَالَ ... النَّاس دَاوُد هَذَا أم سُلَيْمَان)
(فِي نصف شهر غَدا للشرك مصطلما ... فطهرت مِنْهُ أقطار وبلدان)
(فاين مسلمة عَنْهَا وَإِخْوَته ... بل أَيْن والدهم بل أَيْن مَرْوَان)
(وعد عَمَّا سواهُ فالفرنجة لم ... يبذهم من مُلُوك الأَرْض إِنْسَان)
(لَو أَن ذَا الْفَتْح فِي عصر النَّبِي لقد ... تنزلت فِيهِ آيَات وَقُرْآن)
(يَا قبح أوجه عباد الصَّلِيب وَقد ... غَدا يبرقعها شُؤْم وخذلان)
(خزنت عِنْد إِلَه الْعَرْش سَائِر مَا ... ملكته وملوك الأَرْض خزان)
(فَالله يبقيك لِلْإِسْلَامِ تحرسه ... من أَن يضام ويلفى وَهُوَ حيران)
(وَهَذِه سنة أكْرم بهَا سنة ... فالكفر فِي سنة والنصر يقظان)
(يَا جَامعا كلمة الْإِيمَان قامع من ... معبوده دون رب الْعَرْش صلبان)
(إِذا طوى الله ديوَان الْعباد فَمَا ... يطوى لأجر صَلَاح الدّين ديوَان)
وللشريف النسابة الْمصْرِيّ مُحَمَّد بن أسعد بن عَليّ بن معمر الْحُسَيْنِي
стр. 1271
الْمَعْرُوف بالجواني نقيب الْأَشْرَاف بالديار المصرية من قصيدة
(أَتَرَى مناما مَا بعيني أبْصر ... الْقُدس يفتح والفرنجة تكسر)
(وقمامة قُمْت من الرجس الَّذِي ... بزواله وزوالها يتَطَهَّر)
(ومليكهم فِي الْقَيْد مصفود وَلم ... ير قبل ذَاك لَهُم مليك يؤسر)
(قد جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح الَّذِي ... وعد الرَّسُول فَسَبحُوا وَاسْتَغْفرُوا)
(فتح الشآم وطهر الْقُدس الَّذِي ... هُوَ فِي الْقِيَامَة للأنام الْمَحْشَر)
(من كَانَ هَذَا فَتحه لمُحَمد ... مَاذَا يُقَال لَهُ وماذا يذكر)
(يَا يُوسُف الصّديق أَنْت لفتحها ... فاروقها عمر الإِمَام الأطهر)
(ولأنت عُثْمَان الشَّرِيعَة بعده ... ولأنت فِي نصر النُّبُوَّة حيدر)
(ملك غَدا الْإِسْلَام من عجب بِهِ ... يختال وَالدُّنْيَا بِهِ تتبختر)
(نثر ونظم طعنه وضرابه ... فالرمح ينظم والمهند ينثر)
(حَيْثُ الرّقاب خواضع حَيْثُ الْعُيُون ... خواشع حَيْثُ الجباه تعفر)
(غاراته جمع فَإِن خطبت لَهُ ... فِيهَا السيوف فَكل هام مِنْبَر)
(إِذْ لَا ترى إِلَّا طلى بسنابك ... تحذى نعالا أَو دِمَاء تهدر)
стр. 1272
(وصوافنا تخْتَار أَن تطَأ الثرى ... فيصدها عَنهُ طلى وسنور)
(تمشي على جثث العدى عرجا وَلَا ... عرج بهَا لَكِنَّهَا تتعثر)
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن جُبَير الأندلسي
(أطلت على أفقك الزَّاهِر ... سعود من الْفلك الدائر)
(فأبشر فَإِن رِقَاب العدى ... تمد إِلَى سَيْفك الباتر)
(وَعَما قريب يحل الردى ... بكندهم الناكث الغادر)
(وخصب الورى يَوْم تَسْقِي الثرى ... سحائب من دَمهَا الهامر)
(وَكم لَك من فتكة فيهم ... حكت فتكة الْأسد الخادر)
(كسرت صليبهم عنْوَة ... فَللَّه دَرك من كاسر)
(وغيرت آثَارهم كلهَا ... فَلَيْسَ لَهَا الدَّهْر من جَابر)
(وأمضيت جدك فِي غزوهم ... فتعسا لجدهم العاثر)
(وَأدبر ملكهم بالشآم ... وَولى كأمسهم الدابر)
(جنودك بِالرُّعْبِ منصورة ... فناجز مَتى شِئْت أَو صابر)
(فكلهم غرق هَالك ... بتيار عسكرك الذاخر)
(ثأرت لدين الْهدى فِي العدى ... فآثرك الله من ثَائِر)
(وَقمت بنصر إِلَه الورى ... فسماك بِالْملكِ النَّاصِر)
(وجاهدت مُجْتَهدا صَابِرًا ... فَللَّه أجرك من صابر)
(تبيت الْمُلُوك على فرشهم ... وترفل فِي الزرد السابري)
(وتؤثر جَاهد عَيْش الْجِهَاد ... على طيب عيشهم الناضر)
(وتسهر ليلك فِي حق من ... سيرضيك فِي جفنك الساهر)
стр. 1273
(فتحت الْمُقَدّس من أرضه ... فَعَادَت إِلَى وصفهَا الطَّاهِر)
(وَجئْت إِلَى قدسه المرتضى ... فخلصته من يَد الْكَافِر)
(وأعليت فِيهِ منار الْهدى ... وأحييت من رسمه الداثر)
(لكم ذخر الله هذي الْفتُوح ... من الزَّمن الأول الغابر)
(وخصك من بعد فاروقه ... بهَا لاصطناعك فِي الآخر)
(محبتكم ألقيت فِي النُّفُوس ... بِذكر لكم فِي الورى طَائِر)
(فكم لَهُم عِنْد ذكر الْمُلُوك ... لمثلك من مثل سَائِر)
وَبَاقِي القصيدة تقدم فِي أَخْبَار سنة أَربع وَسبعين
وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الساعاتي
(أعيا وَقد عاينتم الْآيَة الْعُظْمَى ... لأية حَال تذخروا النثر والنظما)
(وَقد سَاغَ فتح الْقُدس فِي كل منطق ... وشاع إِلَى أَن أسمع الأسل الصما)
(حبا مَكَّة الْحسنى وثنى بِيَثْرِب ... وأطرب ذياك الضريح وَمَا ضما)
(فليت فَتى الْخطاب شَاهد فتحهَا ... فَيشْهد أَن السَّيْف من يُوسُف أصمى)
(وَمَا كَانَ إِلَّا الدَّاء أعيا دواؤه ... وَغير الحسام العضب لَا يحسن الحسما)
(وَأصْبح ثغر الدّين جذلان باسما ... وألسنة الأغماد توسعه لثما)
(سلو السَّاحِل المغشي عَن سطواته ... فَمَا كَانَ إِلَّا ساحلا صَادف اليما)
وَله من قصيدة أُخْرَى فِي السُّلْطَان
(عصفت بِهِ ريح الخطوب زعارعا ... فلقين طودا لَا تخف أناته)
стр. 1274
(هُوَ منقذ الْبَيْت الْمُقَدّس بَعْدَمَا ... طَالَتْ فَمَا وجد الشفا شكاته)
(بَيت تأسس بِالسُّكُونِ وَإِنَّمَا ... عِنْد الزحاف تحركت سكناته)
(أمشتت الْأَعْدَاء وَهِي جحافل ... عَن شَمل دين جمعت أشتاته)
(أُوتيت عزما فِي الحروب مُسَددًا ... لَا زيغه يخْشَى وَلَا هفواته)
(أَحْسَنت بِالْبَيْتِ الْعَتِيق ويثرب ... وَلَك الفعال كَثِيرَة حَسَنَاته)
(هذي سيوفك مُحرمَات دونه ... لبكائهن تبسمت حجراته)
وَله من قصيدة أُخْرَى
(هُوَ الفاتح الْبَيْت الْمُقَدّس بَعْدَمَا ... تحامته سَادَات الدنا ومسودها)
(فَضِيلَة فتح كَانَ ثَانِي خَليفَة ... من الْقَوْم مبديها وَأَنت معيدها)
وَله من قصيدة فِي بعض أقَارِب السُّلْطَان
(أَلَسْت من الْقَوْم الألى بسيوفهم ... ثنوا صَخْرَة الْبَيْت الْمُقَدّس مَسْجِدا)
وللعماد الْكَاتِب من قصيدة مدت بهَا الْملك الْأَفْضَل
(والقدس أعضل داؤه من قبلكُمْ ... فوفيتم بشفاء ذَاك المعضل)
(درج الْمُلُوك على تمني فَتحه ... زَمنا وغلتهم بِهِ لم تبلل)
(وأتى زمانكم فَأمكن آخرا ... مَا قد تعذر فِي الزَّمَان الأول)
(مَا كَانَ قطّ وَلَا يكون كفتحكم ... للقدس فِي الْمَاضِي وَلَا الْمُسْتَقْبل)
(أوجدتم مِنْهُ الَّذِي عدم الورى ... وفعلتم فِي الْفَتْح مَا لم يفعل)
стр. 1275
(أَيدي الْمُلُوك تقاصرت عَن مفخر ... طلتم بِهِ فبلوا بعض الأنمل)
(أحييتم شرع الْكِرَام وَلم يزل ... نصر المحق بكم وقهر الْمُبْطل)
وَله من قصيدة فِي مدح الْملك الْمُؤَيد مَسْعُود بن صَلَاح الدّين
(وَكم لبني صَلَاح الدّين فِينَا ... على الْإِسْلَام من حق تَأَكد)
(وَإِن لَهُم على الْأَمْلَاك طرا ... بِفَتْح الْقُدس فضلا لَيْسَ يجْحَد)
وَله من أُخْرَى فِي مدح الْملك الظَّاهِر غَازِي
(هم الْمُلُوك ذَوُو بَأْس ومكرمة ... إِن سالموا أمنُوا أَو حَاربُوا خيفوا)
(أغناهم الْقُدس عَن قَول الورى فتحت ... عكا وصيدا وبيروت وأرسوف)
(جَيش الفرنج إِذا لَاقَى سوابقهم ... كانه جبل بِالرِّيحِ منسوف)
وقرأت على شَيخنَا أبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد السخاوي ﵀ من جملَة قصيدة مدح بهَا بعض ولد السُّلْطَان أَظُنهُ الْملك المحسن ظهير الدّين أَحْمد بن صَلَاح الدّين رحمهمَا الله
(ملك بِهِ وَأَبِيهِ يفتخر الْعلَا ... ويفوق فخرهما السها والفرقدا)
(مَا يُوسُف مِمَّن يُقَاس بحاتم ... أَنى وَقد وهب الْحُصُون وأصفدا)
(أَو أَن يُقَال كَأَنَّهُ يَوْم الوغى ... والروع كالأسد الهصور إِذا عدا)
стр. 1276
(أَو من يشبه جوده بغمامة ... أَو من يُقَال لمثله غمر الردا)
(بل مَالك الدُّنْيَا ومالئ رحبها ... خيلا ورجلا ناصرا دين الْهدى)
(ومخلص الْبَيْت الْمُقَدّس بَعْدَمَا ... رفع الصَّلِيب على ذراه ومجدا)
(وَمن الْمُلُوك الصَّيْد تلقاهم إِذا ... رفع السرادق راكعين وَسجدا)
(وَبِه أَتَى الْبَيْت الْحَرَام وفوده ... من كل فج آمِنين المردا)
(من بعد مَا درست معالم سبله ... دهرا وَعز لخوفها أَن يقصدا)
فصل فِي صفة إِقَامَة الْجُمُعَة بالأقصى شرفه الله تَعَالَى فِي رَابِع شعْبَان ثامن يَوْم الْفَتْح
وَقد وهم مُحَمَّد بن القادسي فِي تَارِيخه فِيمَا قرأته بِخَطِّهِ فَإِنَّهُ قَالَ فتح صَلَاح الدّين بَيت الْمُقَدّس وخطب على الْمِنْبَر فِيهِ بِنَفسِهِ وَصلى فِيهِ وَلبس خلعة سَوْدَاء
وَلم يكن السُّلْطَان هُوَ الَّذِي بَاشر الْخطْبَة على مَا سَنذكرُهُ وَقد تقدم أَن يَوْم الْفَتْح وَإِن كَانَ يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا أَن الْوَقْت ضَاقَ عَن إِقَامَة فرض صَلَاة الْجُمُعَة فِيهِ
قَالَ الْعِمَاد لما تسلم السُّلْطَان الْقُدس أَمر بِإِظْهَار الْمِحْرَاب وَكَانَ الداوية قد بنوا فِي وَجهه جدارا وتركوه للغلة هريا وَقيل كَانُوا
стр. 1277
اتخذوه مستراحا عُدْوانًا وبغيا وَكَانُوا قد بنوا من غربي الْقبْلَة دَارا وسيعة وكنيسة رفيعة فأوعز بِرَفْع ذَلِك الْحجاب وكشف النقاب عَن عروس الْمِحْرَاب وَهدم مَا قدامه من الْأَبْنِيَة وتنظيف مَا حوله من الأفنية بِحَيْثُ يجْتَمع النَّاس للْجُمُعَة فِي الْعَرَصَة المتسعة
وَنصب الْمِنْبَر وَأظْهر الْمِحْرَاب المطهر وَنقض مَا أحدثوه بَين السَّوَارِي وفرشوا تِلْكَ البسيطة بالبسط الرفيعة عوض الْحصْر والبواري وعلقت الْقَنَادِيل وتلي التَّنْزِيل وَحقّ الْحق وَبَطلَت الأباطيل وَتَوَلَّى الْفرْقَان وعزل الْإِنْجِيل وصفت السجادات وصفت الْعِبَادَات وأقيمت الصَّلَوَات وأديمت الدَّعْوَات وتجلت البركات وانجلت الكربات وانجابت الغيابات وانثابت الهدايات وتليت الْآيَات وأعليت الرَّايَات
ونطق الْأَذَان وخرس الناقوس وَحضر المؤذنون وَغَابَ القسوس وَزَالَ العبوس والبوس وَطَابَتْ الأنفاس والنفوس وَأَقْبَلت السُّعُود وأدبرت النحوس وَعَاد الْإِيمَان الْغَرِيب مِنْهُ إِلَى موطنه وَطلب الْفضل من معدنه وَورد الْقُرَّاء وقرئ الأوراد وَاجْتمعَ الزهاد والعباد والأبدال والأوتاد وَعبد الْوَاحِد ووحد العابد وتوافد الرَّاكِع والساجد والخاشع والواجد والزاهي والزاهد وَالْحَاكِم وَالشَّاهِد والجاهد والمجاهد والقائم والقاعد والمتهجد والساهد والزائر والوافد
وصدح الْمِنْبَر وصدع الْمُذكر وانبعث المعشر وَذكر الْبَعْث
стр. 1278
والمحشر وأملى الْحفاظ وابكى الوعاظ وتذاكر الْعلمَاء وتناظر الْفُقَهَاء وتحدثت الروَاة وروى المحدثون وتحنف الهداة وَهدى المتحنفون وأخلص الداعون ودعا المخلصون وَأخذ بالعزيمة المترخصون ولخص الْمُفَسِّرُونَ وَفسّر الملخصون وانتدى الْفُضَلَاء وانتدب الخطباء وَكثر المتوحشون للخطابة المتوشحون بالإصابة المعروفون بالفصاحة الموصوفون بالحصافة فَمَا فيهم إِلَّا من خطب الرُّتْبَة ورتب الْخطْبَة وَأَنْشَأَ معنى شائقا ووشى لفظا رائقا وَسوى كلَاما بالموضع لائقا وروى مبتكرا من البلاغة فائقا وَفِيهِمْ من عرض عَليّ خطبَته وَطلب مني نصبته وَتمنى أَن ترجح فضيلته وتنجح وسيلته وتسبق منيته فِيهَا أمنيتهم وَكلهمْ طَال إِلَى الالتهاء بهَا عُنُقه وسال من الالتهاب عَلَيْهَا عرقه
وَمَا مِنْهُم إِلَّا من يتأهب ويترقب ويتوسل ويتقرب وَفِيهِمْ من يتَعَرَّض ويتضرع ويتشوف ويتشفع وكل قد لبس وقاره وَوقر لِبَاسه وَضرب فِي أخماسه أسداسه وَرفع لهَذِهِ الرياسة راسه وَالسُّلْطَان لَا يعين وَلَا يبين وَلَا يخص وَلَا ينص وَمِنْهُم من يَقُول لَيْتَني خطبت فِي الْجُمُعَة الأولى وفزت بِالْيَدِ الطُّولى وَإِذا ظَفرت بطالع سعدي فَمَا أُبَالِي بِمن خطب بعدِي
فَلَمَّا دخل يَوْم الْجُمُعَة رَابِع شعْبَان أصبح النَّاس يسْأَلُون فِي تعْيين الْخَطِيب السُّلْطَان وامتلأ الْجَامِع واحتفلت المجامع وتوجست الْأَبْصَار والمسامع وفاضت لرقة الْقُلُوب المدامع وراعت لحلية تِلْكَ الْحَالة وبهاء
стр. 1279
تِلْكَ الْبَهْجَة الروائع وغصت بالسابقين إِلَيْهَا الْمَوَاضِع وتوسمت الْعُيُون وتقسمت الظنون وَقَالَ النَّاس هَذَا يَوْم كريم وَفضل عميم وموسم عَظِيم هَذَا يَوْم تجاب فِيهِ الدَّعْوَات وتصب البركات وتسال العبرات وتقال العثرات ويتيقظ الغافلون ويتعظ الْعَامِلُونَ وطوبى لمن عَاشَ حَتَّى حضر هَذَا الْيَوْم الَّذِي فِيهِ انْتَعش الْإِسْلَام وارتاش وَمَا أفضل هَذِه الطَّائِفَة الْحَاضِرَة والعصبة الطاهرة وَالْأمة الظَّاهِرَة وَمَا أكْرم هَذِه النُّصْرَة الناصرية والأسرة الإمامية والدولة العباسية والمملكة الأيوبية والدولة الصلاحية وَهل فِي بلد الْإِسْلَام أشرف من هَذِه الْجَمَاعَة الَّتِي شرفها الله بالتوفيق لهَذِهِ الطَّاعَة
وَتَكَلَّمُوا فِيمَن يخْطب وَلمن يكون المنصب وتفاوضوا فِي التَّفْوِيض وتحدثوا بالتصريح والتعريض
والأعلام تعلى والمنبر يكسى ويجلى والأصوات ترْتَفع وَالْجَمَاعَات تَجْتَمِع والأفواج تزدحم والأمواج تلتطم وللعارفين من الضجيج مَا فِي عَرَفَات للحجيج حَتَّى حَان الزَّوَال وَزَالَ الِاعْتِدَال وحيعل الدَّاعِي وَأعجل السَّاعِي نصب السُّلْطَان الْخَطِيب بنصه وَأَبَان عَن اخْتِيَاره بعد فحصه وأوعز إِلَى القَاضِي محيي الدّين أبي الْمَعَالِي مُحَمَّد بن زكي الدّين عَليّ الْقرشِي بِأَن يرقى ذَلِك المرقى وَترك جباه البَاقِينَ بتقديمه عرقى فأعرته من عِنْدِي أهبه سَوْدَاء من تشريف الْخلَافَة حَتَّى يكمل لَهُ شرف الْإِفَاضَة وَالْإِضَافَة فرقي الْعود وَلَقي السُّعُود واهتزت أعطاف الْمِنْبَر واعتزت أَطْرَاف المعشر
стр. 1280
وخطب وأنصتوا ونطق وسكتوا وأفصح وأعرب وأبدع وَأغْرب وأعجز وأعجب وأوجز وأسهب وَوعظ فِي خطبتيه وخطب بموعظتيه وَأَبَان عَن فضل الْبَيْت الْمُقَدّس وتقديسه وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى من أول تأسيسه وتطهيره بعد تنجيسه وإخراس ناقوسه وَإِخْرَاج قسيسه ودعا للخليفة وَالسُّلْطَان وَختم بقوله تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ وَنزل وَصلى فِي الْمِحْرَاب وافتتح بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من أم الْكتاب فَأم بِتِلْكَ الْأمة وَتمّ نزُول الرَّحْمَة وكمل وُصُول النِّعْمَة
وَلما قضيت الصَّلَاة انْتَشَر النَّاس واشتهر الإيناس وانعقد الْإِجْمَاع واطرد الْقيَاس وَكَانَ قد نصب للوعظ تجاه الْقبْلَة سَرِير ليفرعه كَبِير فَجَلَسَ عَلَيْهِ زين الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن نجا فَذكر من خَافَ وَمن رجا وَمن سعد وَمن شقي وَمن هلك وَمن نجا وَخَوف بِذِي الْحجَّة ذَوي الحجا وجلا بِنور عظاته من ظلم الشُّبُهَات مَا دجا وأتى بِكُل عظة للراقدين موقظة وللظالمين محفظة ولأولياء الله مرققة ولأعداء الله مُغَلّظَة
وضج المتباكون وعج المتشاكون ورقت الْقُلُوب وحقت الكروب وتصاعدت النعرات وتحدرت العبرات وَتَابَ المذنبون وأناب المتحوبون وَصَاح التوابون وناح الأوابون وَجَرت حالات جلت وجلوات حلت ودعوات علت وضراعات قبلت وفرص من الْولَايَة الإلهية انتهزت وحصص من الْعِنَايَة الربانية أحرزت
стр. 1281
وَصلى السُّلْطَان فِي قبَّة الصَّخْرَة والصفوف على سَعَة الصحن بهَا مُتَّصِلَة وَالْأمة إِلَى الله بدوام نَصره مبتهلة وَالْوُجُوه الموجهة إِلَى الْقبْلَة عَلَيْهِ مقبلة وَالْأَيْدِي إِلَى الله مَرْفُوعَة والدعوات لَهُ مسموعة ثمَّ رتب فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى خَطِيبًا استمرت خطبَته واستقرت نصبته
قلت هَذِه أَلْفَاظ الْعِمَاد فِي هَذَا الْ فَصْل من كتاب الْفَتْح وَذكره فِي كتاب الْبَرْق بِعِبَارَة أُخْرَى تشْتَمل على فَوَائِد زَائِدَة وَفِي تكْرَار مَا تقدم أَيْضا بِغَيْر تِلْكَ الْعبارَة فَائِدَة فَإِنَّهَا معَان جليلة كلما كررت حلت
فصل
قَالَ الْعِمَاد فِي كتاب الْبَرْق لما كَانَ يَوْم الْجُمُعَة التالية لجمعة الْفَتْح تقدم السُّلْطَان فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى ببسط العراص وإخلائها لأهل الْإِخْلَاص وتنظيفها من الأدناس وكنس مَا فِي أرجائها من الأرجاس
وَقد كَانَ سبق أمره من مبدأ الْأَمر بهدم مَا هُنَاكَ من أبنية الْكفْر وإبراز الْمِحْرَاب الْقَدِيم وإعادة مَوْضِعه إِلَى الْوَضع الْكَرِيم فقد كَانَ الداوية بنوا غربية دَارا وادخلوه فِيهَا وخلطوه بمبانيها وَاتَّخذُوا مِنْهُ جانبا مستراحا للأعلال وجانبا هريا للغلال فَأمر فِي العاجل بكشف قناعه وَرفع الوضيع من أوضاعه وَنقل مَا وَقع من أنقاضه وَنقض مَا اعتور ذَلِك الْجَوْهَر النفيس من أعراضه حَتَّى طهر مَوضِع الْمِنْبَر والمحراب وَاسْتظْهر بِإِزَالَة مَا قدامه من الْحجاب وَاجْتمعَ الْخلق فِي ذَلِك الْأُسْبُوع على تَفْرِيق ذَلِك الْهدم
стр. 1282
الْمَجْمُوع وتعاونوا حَتَّى كشفوه ونظفوه ورشوه وفرشوه وَكَانَ قد أَمر باتخاذ مِنْبَر فِي تِلْكَ الْأَيَّام فنجزوه وركبوه
وَلما أَصْبَحْنَا يَوْم الْجُمُعَة وجدنَا الْعِلَل مزاحة والهمم مراحة والخواطر إِلَى وردهَا ملتاحة مرتاحة وَهُنَاكَ فضلاء بلغاء وعلماء أتقياء وكل مِنْهُم قد سبق بِخطْبَة الْخطْبَة وأمل الْفَوْز بفضيلة تِلْكَ الرُّتْبَة وَأعد لذَلِك الْمقَام مقَالا ونشط بشقشقة فَصَاحَته من قرم حصافته عقَالًا حَتَّى إِذا حيعل الدَّاعِي وَتعين الْفَرْض على السَّاعِي حضر السُّلْطَان للصَّلَاة قبَّة الصَّخْرَة بادية على أساريره أسرار سروره بالأسرة وامتلأت تِلْكَ العراص والصحون واستعبرت للفرح بِمَا يسره الله الْعُيُون وآن لدين الله أَن تقضى لَهُ الدُّيُون وَتَفُك الرهون ووجلت الْقُلُوب وخشعت الْأَصْوَات وَحسنت الظنون وَعين السُّلْطَان القَاضِي محيي الدّين أَبَا الْمَعَالِي مُحَمَّد بن عَليّ الْقرشِي الزكي بن الزكي للصَّلَاة وَالْخطْبَة وَفرع تِلْكَ الرُّتْبَة فَصَعدَ وَسعد وَحمد وَأحمد وَأَدت الْمعَانِي الشَّرِيفَة أَلْفَاظه وَنبهَ الأقاصي والأداني إيقاظه وجلا المسامع وجلت المدامع وأتى بالخطبتين المفروضتين على الْوَجْه الْمَشْرُوع والمنهج الْمَتْبُوع وَالشّرط الْمَوْضُوع وَذكر فِي الْفَتْح الْبكر مَا اقتض بِهِ أبكار الأستعارات بأبدع البراعات وأبرع الْعبارَات وصدح بِالصّدقِ ونطق بِالْحَقِّ وفاز بِالسَّبقِ وَحَازَ الْفَضِيلَة على فضلاء الغرب والشرق فَهُوَ لنشر الْمعَانِي أضم خطيب لَهُ بنشر الْمَعَالِي أضمخ طيب فَأَيْنَ قس فِي عكاظة من قِيَاس أَلْفَاظه وَأَيْنَ سحبان من سجعاته وَابْن نَبَاته من نَبَاته وَلَو عاشا لافتقرا إِلَى فقره واحتقرا أعراضهما عِنْد
стр. 1283
جوهره ودعا لأمير الْمُؤمنِينَ ثمَّ لسلطان الْمُسلمين وَنزل وَقَامَ إِمَامًا أكمل بِصَلَاتِهِ الْفَرْض وأرضى بسمت دعواته والطمأنينة فِي ركعاته وسجداته أهل السَّمَاء وَالْأَرْض وسر السُّلْطَان بنصبه وَرَفعه وامتلأ صَدره حبورا مِنْهُ بجلاء بَصَره وسَمعه فقد أخذت بالأبصار أشعة أنوار الْخطْبَة فِي سَواد الأهبة وعظمت أخطار المهابة فِي خواطر الْمحبَّة وكرمت سرائر الزلفى إِلَى الله والقربة
ثمَّ رتب السُّلْطَان بعده خَطِيبًا تستمر إِقَامَته للْجمع وَالْجَمَاعَات وتستقر ملازمته لأَدَاء الصَّلَوَات
وَلما قضيت الصَّلَاة تِلْكَ الْجُمُعَة نصب سَرِير للوعظ أبقى تِلْكَ الْأمة المجتمعة وَتقدم السُّلْطَان إِلَى زين الدّين الْوَاعِظ ليفرع السرير وينفع بعظاته الصَّغِير وَالْكَبِير وَحضر الْمجْلس بمرأى مِنْهُ ومسمع فَكَانَ أنور مجْلِس ومجلى وأشرف جمع وَمجمع فحقق ورقق وَأشْهد وأشهق وحلب بعباراته الحلوة العبرات وشار الْعَسَل بمعسول الإشارات وَبشر الْبشر بِشَارَة البشارات وَذكر الْفَتْح وبكارته والقدس وطهارته وَالدّين وجسارته وَالْكفْر وخسارته وَالْقدر وإعانته وَالظفر وإبانته والصخرة وإصراخها والروعة وإفراخها وَالنَّار وصراطها وَالْقِيَامَة وأشراطها وَالرَّحْمَة وبابها من بَاب الرَّحْمَة وَالْجنَّة وجناها لهَذِهِ الزحمة وَمَا أعده الله لهَذِهِ الطَّائِفَة وَمَا أنزلهُ من الْأَمْن على الْقُلُوب الخائفة وَوصف ببلاغته مَا لَا يبلغ إِلَيْهِ نطق الْأَلْسِنَة الواصفة وَوصف الْجِهَاد وفرائضه وفضائله وَالْخَيْر ودلائله والنجح ووسائله وَالشَّرْع ومسائله والذنب وغوائله وإحسان السُّلْطَان وفواضله وَالْبَحْر وساحله وَالدّين وَحقه وَالْكفْر وباطله وَكَانَ يَوْمًا راجحا وسوما رابحا
стр. 1284
فصل فِي إِيرَاد مَا خطب بِهِ القَاضِي محيي الدّين ﵀
قَالَ الْعِمَاد وخطب القَاضِي محيي الدّين بن زكي الدّين أَربع خطب فِي أَربع جمع كلهَا من إنشائه وأودعها سر بلاغة عنيت بإفشائه وَذكرت الْخطْبَة الأولى وَيَد الفصاحة فِيهَا طولى افتتاحها بِهَذِهِ الْآيَات ﴿فَقطع دابر الْقَوْم الَّذين ظلمُوا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين﴾ ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين﴾ ﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور﴾ ﴿وَقل الْحَمد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا﴾ الْآيَة ﴿الْحَمد لله الَّذِي أنزل على عَبده الْكتاب﴾ ﴿قل الْحَمد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى﴾ ﴿الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ﴿الْحَمد لله فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
وَالْخطْبَة الْحَمد لله معز الْإِسْلَام بنصره ومذل الشّرك بقهره ومصرف الْأُمُور بأَمْره ومديم النعم بشكره ومستدرج الْكَافرين بمكره
стр. 1285
الَّذِي قدر الْأَيَّام دولا بعدله وَجعل الْعَاقِبَة لِلْمُتقين بفضله وأفاء على عباده من ظله وَأظْهر دينه على الدّين كُله القاهر فَوق عباده فَلَا يمانع وَالظَّاهِر على خليقته فَلَا يُنَازع وَالْأَمر بِمَا يَشَاء فَلَا يُرَاجع وَالْحَاكِم بِمَا يُرِيد فَلَا يدافع
أَحْمَده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه وَنَصره لأنصاره وتطهيره بَيته الْمُقَدّس من أدناس الشّرك وأوضاره حمد من استشعر الْحَمد بَاطِن سره وَظَاهر جهاره
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْأَحَد الصَّمد الَّذِي ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ شَهَادَة من طهر بِالتَّوْحِيدِ قلبه وأرضى بِهِ ربه
وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا ﷺ عَبده وَرَسُوله رَافع الشَّك وداحض الشّرك وراحض الْإِفْك الَّذِي أسرِي بِهِ من الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الْأَقْصَى وعرج بِهِ مِنْهُ إِلَى السَّمَوَات الْعلَا إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى مَا زاع الْبَصَر وَمَا طَغى
صلى الله عَلَيْهِ وعَلى خَلِيفَته أبي بكر الصّديق السَّابِق إِلَى الْإِيمَان وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب أول من رفع عَن هَذَا الْبَيْت شعار
стр. 1286
الصلبان وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ذِي النورين جَامع الْقُرْآن وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب مزلزل الشّرك ومكسر الْأَوْثَان وعَلى آله وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان
أَيهَا النَّاس أَبْشِرُوا برضوان الله الَّذِي هُوَ الْغَايَة القصوى والدرجة الْعليا لما يسره الله على أَيْدِيكُم من اسْتِرْدَاد هَذِه الضَّالة من الْأمة الضَّالة وردهَا إِلَى مقرها من الْإِسْلَام بعد ابتذالها فِي أَيدي الْمُشْركين قَرِيبا من مئة عَام وتطهير هَذَا الْبَيْت الَّذِي أذن الله أَن يرفع وَأَن يذكر فِيهِ أُسَمِّهِ وإماطة الشّرك عَن طرقه بعد أَن أمتد عَلَيْهَا رواقه وَاسْتقر فِيهَا رسمه وَرفع قَوَاعِده بِالتَّوْحِيدِ فَإِنَّهُ بني عَلَيْهِ وبالتقوى فَإِنَّهُ أسس على التَّقْوَى من خَلفه وَمن بَين يَدَيْهِ فَهُوَ موطن أبيكم إِبْرَاهِيم ومعراج نَبِيكُم مُحَمَّد ﵇ وقبلتكم الَّتِي كُنْتُم تصلونَ إِلَيْهَا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام وَهُوَ مقرّ الْأَنْبِيَاء ومقصد الْأَوْلِيَاء ومفر الرُّسُل ومهبط الْوَحْي ومنزل تنزل الْأَمر وَالنَّهْي وَهُوَ فِي أَرض الْمَحْشَر وصعيد المنشر وَهُوَ فِي الأَرْض المقدسة الَّتِي ذكرهَا الله فِي كِتَابه الْمُبين وَهُوَ الْمَسْجِد الَّذِي صلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ بِالْمَلَائِكَةِ المقربين وَهُوَ الْبَلَد الَّذِي بعث الله إِلَيْهِ عَبده وَرَسُوله وكلمته الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروحه عِيسَى الَّذِي شرفه الله برسالته وَكَرمه بنبوته وَلم يزحزحه عَن رُتْبَة عبوديته فَقَالَ تَعَالَى ﴿لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله﴾ وَقَالَ ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾
стр. 1287
وَهُوَ أول الْقبْلَتَيْنِ وَثَانِي المسجدين وثالث الْحَرَمَيْنِ لَا تشد الرّحال بعد المسجدين إِلَّا إِلَيْهِ وَلَا تعقد الخناصر بعد الموطنين إِلَّا عَلَيْهِ وَلَوْلَا أَنكُمْ مِمَّن اخْتَارَهُ الله من عباده واصطفاه من سكان بِلَاده لما خصكم بِهَذِهِ الْفَضِيلَة الَّتِي لَا يجاريكم فِيهَا مجار وَلَا يباريكم فِي شرفها مبار فطوبى لكم من جَيش ظَهرت على أَيْدِيكُم المعجزات النَّبَوِيَّة والوقعات البدرية والعزمات الصديقية والفتوح العمرية والجيوش العثمانية والفتكات العلوية جددتم لِلْإِسْلَامِ أَيَّام الْقَادِسِيَّة والوقعات اليرموكية والمنازلات الْخَيْبَرِية والهجمات الخالدية فجزاكم الله عَن نبيه مُحَمَّد ﷺ أفضل الْجَزَاء وشكر لكم مَا بذلتموه من مهجكم فِي مقارعة الْأَعْدَاء وَتقبل مِنْكُم مَا تقربتم بِهِ إِلَيْهِ من مهراق الدِّمَاء وأثابكم الْجنَّة فَهِيَ دَار السُّعَدَاء فاقدروا رحمكم الله هَذِه النِّعْمَة حق قدرهَا وَقومُوا لله تَعَالَى بِوَاجِب شكرها فَلهُ النِّعْمَة عَلَيْكُم بتخصيصكم بِهَذِهِ النِّعْمَة وترشيحكم لهَذِهِ الْخدمَة فَهَذَا هُوَ الْفَتْح الَّذِي فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء وتبلجت بأنواره وُجُوه الظلماء وابتهج بِهِ الْمَلَائِكَة المقربون وقر بِهِ عينا الْأَنْبِيَاء والمرسلون فَمَاذَا عَلَيْكُم من النِّعْمَة بِأَن جعلكُمْ الْجَيْش الَّذِي يفتح عَلَيْهِ الْبَيْت الْمُقَدّس فِي آخر الزَّمَان والجند الَّذِي تقوم بسيوفهم بعد فَتْرَة من النُّبُوَّة أَعْلَام الْإِيمَان فيوشك أَن تكون التهاني بِهِ بَين أهل الخضراء أَكثر من التهاني بِهِ بَين أهل الغبراء أَلَيْسَ هُوَ الْبَيْت الَّذِي ذكره الله فِي كِتَابه وَنَصّ عَلَيْهِ فِي خطابه فَقَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من﴾
стр. 1288
الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي باركنا حوله) الْآيَة أَلَيْسَ هُوَ الْبَيْت الَّذِي عَظمته الْمُلُوك وأثنت عَلَيْهِ الرُّسُل وتليت فِيهِ الْكتب الْأَرْبَعَة الْمنزلَة من إِلَهكُم أَلَيْسَ هُوَ الْبَيْت الَّذِي أمسك الله الشَّمْس على يُوشَع لأَجله أَن تغرب وباعد بَين خطواتها ليتيسر فَتحه وَيقرب أَلَيْسَ هُوَ الْبَيْت الَّذِي أَمر الله مُوسَى أَن يَأْمر قومه باستنقاذه فَلم يجبهُ إِلَّا رجلَانِ وَغَضب عَلَيْهِم لأَجله فألقاهم فِي التيه عُقُوبَة للعصيان فاحمدوا الله الَّذِي أمضى عزائمكم لما نكلت عَنهُ بَنو إِسْرَائِيل وَقد فَضلهمْ على الْعَالمين ووفقكم لما خذل فِيهِ من كَانَ قبلكُمْ من الْأُمَم الماضين وَجمع لأَجله كلمتكم وَكَانَت شَتَّى وأغناكم بِمَا أمضته كَانَ وَقد عَن سَوف وَحَتَّى فليهنكم أَن الله قد ذكركُمْ بِهِ فِيمَن عِنْده وجعلكم بعد أَن كُنْتُم جُنُودا لأهويتكم جنده وشكركم الْمَلَائِكَة المنزلون على مَا أهديتم إِلَى هَذَا الْبَيْت من طيب التَّوْحِيد وَنشر التَّقْدِيس والتحميد وَمَا أمطتم عَن طرقهم فِيهِ من أَذَى الشّرك والتثليث والاعتقاد الْفَاجِر الْخَبيث فَالْآن يسْتَغْفر لكم أَمْلَاك السَّمَوَات وَتصلي عَلَيْكُم الصَّلَوَات المباركات
فاحفظوا رحمكم الله هَذِه الموهبة فِيكُم واحرسوا هَذِه النِّعْمَة عنْدكُمْ بتقوى الله الَّتِي من تمسك بهَا سلم وَمن اعْتصمَ بعروتها نجا وعصم وإحذروا من اتِّبَاع الْهوى وموافقة الردى وَرُجُوع الْقَهْقَرَى والنكول عَن العدى وخذوا فِي انتهاز الفرصة وَإِزَالَة مَا بَقِي من الغصة وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده وبيعوا عباد الله أَنفسكُم فِي رِضَاهُ إِذْ جعلكُمْ من
стр. 1289
عباده وَإِيَّاكُم أَن يستزلكم الشَّيْطَان وَأَن يتداخلكم الطغيان فيخيل لكم أَن هَذَا النَّصْر بسيوفكم الْحداد وبخيولكم الْجِيَاد وبجلادكم فِي مَوَاطِن الجلاد لَا وَالله ﴿وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله إِن الله عَزِيز حَكِيم﴾
واحذروا عباد الله بعد أَن شرفكم بِهَذَا الْفَتْح الْجَلِيل والمنح الجزيل وخصكم بِهَذَا الْفَتْح الْمُبين وأعلق أَيْدِيكُم بحبله المتين أَن تقترفوا كَبِيرا من مناهيه وَأَن تَأْتُوا عَظِيما من مَعَاصيه فتكونوا كَالَّتِي نقضت غزلها من بعد قُوَّة أنكاثا وَالَّذِي آتيناه آيَاتنَا فانسلخ مِنْهَا فَأتبعهُ الشَّيْطَان فَكَانَ من الغاوين وَالْجهَاد الْجِهَاد فَهُوَ من أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم انصروا الله ينصركم اذْكروا الله يذكركم اشكروا الله يزدكم ويشكركم جدوا فِي حسم الدَّاء وَقطع شأفه الْأَعْدَاء وتطهير بَقِيَّة الأَرْض الَّتِي أغضبت الله وَرَسُوله واقطعوا فروع الْكفْر واجتثوا أُصُوله فقد نادت الْأَيَّام بالثارات الإسلامية وَالْملَّة المحمدية
الله أكبر فتح الله وَنصر غلب الله وقهر أذلّ الله من كفر
وَاعْلَمُوا رحمكم الله أَن هَذِه فرْصَة فانتهزوها وفريسة فناجزوها ومهمة فأخرجوا لَهَا هممكم وبرزوها وسيروا إِلَيْهَا سَرَايَا عزماتكم
стр. 1290
وجهزوها فالأمور بأواخرها والمكاسب بذخائرها فقد أَظْفَرَكُم الله بِهَذَا الْعَدو المخذول وهم مثلكُمْ أَو يزِيدُونَ فَكيف وَقد أضحى فِي قبالة الْوَاحِد مِنْهُم مِنْكُم عشرُون وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن يكن مِنْكُم عشرُون صَابِرُونَ يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾ أعاننا الله وَإِيَّاكُم على اتِّبَاع أوامره والازدجار بزواجره وأيدنا معشر الْمُسلمين بنصر من عِنْده ﴿إِن ينصركم الله فَلَا غَالب لكم وَإِن يخذلكم فَمن ذَا الَّذِي ينصركم من بعده﴾ وَتَمام الْخطْبَة وَالْخطْبَة الثَّانِيَة قريب مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة وَقَالَ بعد الدُّعَاء للخليفة اللَّهُمَّ وأدم سُلْطَان عَبدك الخاضع لهيبتك الشاكر لنعمتك الْمُعْتَرف بموهبتك سَيْفك الْقَاطِع وشهابك اللامع والمحامي عَن دينك المدافع والذاب عَن حَرمك الممانع السَّيِّد الْأَجَل الْملك النَّاصِر جَامع كلمة الْإِيمَان وقامع عَبدة الصلبان صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين مطهر الْبَيْت الْمُقَدّس أبي المظفر يُوسُف بن أَيُّوب محيي دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ
اللَّهُمَّ عَم بدولته البسيطة وَاجعَل ملائكتك براياته مُحِيطَة وَأحسن عَن الدّين الحنيفي جزاءه واشكر عَن الْملَّة المحمدية عزمه ومضاءه
اللَّهُمَّ أبق لِلْإِسْلَامِ مهجته ووق للْإيمَان حوزته وانشر فِي الْمَشَارِق والمغارب دَعوته
اللَّهُمَّ كَمَا فتحت على يَده الْبَيْت الْمُقَدّس بعد أَن ظنت الظنون وابتلي
стр. 1291
الْمُؤْمِنُونَ فافتح على يَده أداني الأَرْض وأقاصيها وَملكه صياصي الْكَفَرَة ونواصيها فَلَا تَلقاهُ مِنْهُم كَتِيبَة إِلَّا مزقها وَلَا جمَاعَة إِلَّا فرقها وَلَا طَائِفَة بعد طَائِفَة إِلَّا ألحقها بِمن سبقها
اللَّهُمَّ اشكر عَن مُحَمَّد ﷺ سَعْيه وأنفذ فِي الْمَشَارِق والمغارب أمره وَنَهْيه اللَّهُمَّ وَأصْلح بِهِ أوساط الْبِلَاد وأطرافها وأرجاء الممالك وأكنافها
اللَّهُمَّ ذلل بِهِ معاطس الْكفَّار وأرغم بِهِ أنوف الْفجار وانشر ذوائب ملكه على الْأَمْصَار وابثث سَرَايَا جُنُوده فِي سبل الأقطار
اللَّهُمَّ ثَبت الْملك فِيهِ وَفِي عقبه إِلَى يَوْم الدّين واحفظه فِي بنيه وَبني أَبِيه الْمُلُوك الميامين وَاشْدُدْ عضده ببقائهم واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم
اللَّهُمَّ كَمَا أجريت على يَده فِي الْإِسْلَام هَذِه الْحَسَنَة الَّتِي تبقى على الْأَيَّام وتتخلد على مر الشُّهُور والأعوام فارزقه الْملك الأبدي الَّذِي لَا ينْفد فِي دَار الْمُتَّقِينَ وأجب دعاءه فِي قَوْله (رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وأدخلني بِرَحْمَتك فِي عِبَادك الصَّالِحين)
ثمَّ دَعَا بِمَا جرت بِهِ الْعَادة
стр. 1292
فصل فِي الْمِنْبَر
قَالَ الْعِمَاد لما فتحنا الْقُدس أَمر بتعمير الْمِحْرَاب وترخيمه وتكميل حسنه وتتميمه وَوضع مِنْبَر رسمي فِي أول يَوْم قضى بِهِ الْفَرْض واحتيج بعد ذَلِك إِلَى مِنْبَر حسن رائق بحسنه لَائِق وبجماله شائق وبكماله فائق فَذكر السُّلْطَان الْمِنْبَر الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ لبيت الْمُقَدّس قبل فَتحه بنيف وَعشْرين سنة وأودعه لَهُ من ذخائره عِنْد الله حَسَنَة فَأمر أَن يكْتب إِلَى حلب وَيطْلب فَحمل وَعمل على مَا أَمر بِهِ وامتثل فجَاء كالروض النَّضِير والوشي الحبير عديم النظير
وَكَانَ من حَدِيث إحداثه مَا ألهم الله نور الدّين ﵀ لَا رتياح خاطره إِلَيْهِ وانبعاثه وَقد أوقع فِي روعه من النُّور الفائض من ينبوع ضلوعه أَن الْبَيْت الْمُقَدّس بعده سيفتح وَأَن صُدُور الْمُسلمين الحرجة لأَجله ستشرح وَهُوَ من أَوْلِيَاء الله الملهمين وعباده الْمُحدثين الْمُكرمين وَكَانَ بحلب نجار يعرف بالأختريني من ضَيْعَة تعرف بأخترين لم يلف لَهُ فِي براعته وصنعته قرين فَأمره نور الدّين بِعَمَل مِنْبَر لبيت الله الْمُقَدّس وَقَالَ لَهُ اجْتهد أَن تَأتي بِهِ على النَّعْت المهندم والنحت المهندس
فَجمع الصناع وَأحسن الإبداع وأتمه فِي سِنِين وَاسْتحق بِحسن إحسانه التحسين وَالنَّاس يَقُولُونَ هَذَا أَمر مُسْتَحِيل وَحكم مَاله دَلِيل وَذكر جميل وَأجر جزيل لَو كَانَ إِلَيْهِ سَبِيل وهيهات أَن يعود الْقُدس إِلَى الْإِسْلَام وَيَقْضِي الإصباح فِيهِ على الإظلام فَإِن الفرنج مستولون مستعلون ويكثرون على الْأَيَّام وَلَا يقلون أما ناصفونا على أَكثر أَعمال حوران وَقَابَلُوا بالْكفْر الْإِيمَان وَقد أعجزوا مُلُوك الْإِسْلَام إِلَى الْيَوْم فَمَا
стр. 1293
أصعب وأتعب وقم الْقَوْم
وَيَقُول من لَهُ قُوَّة الْيَقِين وَعرف أَن الله كافل بنصره الدّين اصْبِرُوا فلسر هَذِه الْأمة نبأ وَهُوَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويصنع الْفلك وَكلما مر عَلَيْهِ مَلأ﴾
وَلم يزل لنُور الدّين فِي قلبه من الدّين نور وَأثر تقواه لِلْمُتقين مأثور أزهد الْعباد وأعبد الزهاد وَمن الْأَوْلِيَاء الْأَبْرَار والأتقياء الأخيار وَقد نظر بِنور الفراسة أَن الْفَتْح قريب وَأَن الله لدعائه وَلَو بعد وَفَاته مُجيب ويزيده قُوَّة عزمه جدا وتمده بحياء الْحَيَاة الربانية مدا قد طهره الله من الْعَيْب وأطلعه على سر الْغَيْب ونزهه من الريب لنقاء الجيب وشملت الْإِسْلَام بعده بركته وختمت بافتتاح ملك صَلَاح الدّين مَمْلَكَته وَهُوَ الَّذِي رباه ولياه وأحبه وحباه وَهُوَ الَّذِي سنّ الْفَتْح وسنى النجح
وَاتفقَ أَن جَامع حلب فِي الْأَيَّام النورية احْتَرَقَ فاحتيج إِلَى مِنْبَر ينصب فنصب ذَلِك الْمِنْبَر وَحسن المنظر وَتَوَلَّى حِينَئِذٍ النجار عمل الْمِحْرَاب على الرقم وشابه الْمِحْرَاب الْمِنْبَر فِي الرَّسْم وَمن رأى حلب الْآن شَاهد مِنْهُ على مِثَال الْمِنْبَر الْقُدسِي الْإِحْسَان
وَلما فتح السُّلْطَان الْقُدس تقدم بِحمْلِهِ وَصَحَّ بِهِ فِي الْمِحْرَاب الْأَقْصَى اجْتِمَاع شَمله وَظهر سر الْكَرَامَة فِي فوز الْإِسْلَام بالسلامة وتناصرت الألسن بِالدُّعَاءِ لنُور الدّين بِالرَّحْمَةِ ولصلاح الدّين بالنصرة وَالنعْمَة
وَقَالَ الْعِمَاد فِي مَوضِع آخر من كتاب الْبَرْق وَكَانَ الْملك الْعَادِل
стр. 1294
نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ فِي عَهده عرف بِنور فراسته فتح الْبَيْت الْمُقَدّس من بعده فَأمر فِي حلب باتخاذ مِنْبَر للقدس تَعب النجارون والصناع والمهندسون فِيهِ سِنِين وأبدعوا فِي تركيبه الإحكام والتزيين وَأنْفق فِي إبداع محاسنه وإبداء مزاينه ألوفا وَكَانَ لترديد النّظر فِيهِ على الْأَيَّام ألوفا وَبَقِي ذَلِك الْمِنْبَر بِجَامِع حلب مَنْصُوبًا سَيْفا فِي صوان الْحِفْظ مقروبا حَتَّى أَمر السُّلْطَان فِي هَذَا الْوَقْت بِالْوَفَاءِ بِالنذرِ النوري وَنقل الْمِنْبَر إِلَى مَوْضِعه الْقُدسِي فَعرفت بذلك كرامات نور الدّين الَّتِي أشرق نورها بعده بسنين وَكَانَ من الْمُحْسِنِينَ الَّذين قَالَ الله فيهم ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾
قلت وَهَذَا الَّذِي نسبه إِلَى نور الدّين ﵀ من أَنه كَرَامَة من كراماته لَائِق بمحله ومنزلته من الدّين وَلَيْسَ بالبعيد من مثل ذَلِك
وَكَانَ ﵀ قد بَدَت لَهُ مخايل ذَلِك بِمَا تسنى لَهُ من فتح الْبِلَاد الشامية والمصرية وقهر الْعَدو بَين يَدَيْهِ مرَارًا وَكَانَ فتح الْقُدس فِي همته من اول ملكه فَإِن لم يكن حصل لَهُ مُبَاشرَة فقد حصل لَهُ تسببا فَإِن الفاتحين لَهُ ﵏ بنوا على مَا أسسه لَهُم من الْملك وَالتَّدْبِير وهم أمراؤه وَأَتْبَاعه وأجناده وأشياعه
ثمَّ يحْتَمل أَن يكون ﵀ وقف على مَا ذكره أَبُو الحكم بن برجان الأندلسي فِي تَفْسِيره فَإِنَّهُ أخبر عَن فتح الْقُدس فِي السّنة الَّتِي فتح فِيهَا وَعمر نور الدّين إِذْ ذَاك إِحْدَى عشرَة سنة وَقد رَأَيْت أَنا ذَلِك فِي
стр. 1295
كِتَابه ذكر فِي تَفْسِير أول سُورَة الرّوم أَن الْبَيْت الْمُقَدّس استولت عَلَيْهِ الرّوم عَام سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة وَأَشَارَ إِلَى أَنه يبْقى بِأَيْدِيهِم إِلَى تَمام خمس مئة وَثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة قَالَ وَنحن فِي عَام اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخمْس مئة فَلم يستبعد نور الدّين ﵀ لما وقف عَلَيْهِ أَن يَمْتَد عمره إِلَيْهِ فَهَيَّأَ أَسبَابه حَتَّى مِنْبَر الخطابة فِيهِ تقربا إِلَى الله تَعَالَى بِمَا يبديه من طَاعَته ويخفيه
وَهَذَا الَّذِي ذكره أَبُو الحكم الأندلسي فِي تَفْسِيره من عجائب مَا اتّفق لهَذِهِ الْأمة المرحومة وَقد تكلم عَلَيْهِ شَيخنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد فِي تَفْسِيره الأول فَقَالَ وَقد وَقع فِي تَفْسِير أبي الحكم الأندلسي فِي أول سُورَة الرّوم إِخْبَار عَن فتح الْبَيْت الْمُقَدّس وَأَنه ينْزع من أَيدي النَّصَارَى سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ وَقَالَ لي بعض الْفُقَهَاء إِنَّه استخرج ذَلِك من فَاتِحَة السُّورَة قَالَ فَأخذت السُّورَة وكشفت عَن ذَلِك فَلم أره أَخذ ذَلِك من الْحُرُوف وَإِنَّمَا أَخذه فِيمَا زعم من قَوْله تَعَالَى ﴿غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فِي بضع سِنِين﴾ فَبنى الْأَمر على التَّارِيخ كَمَا يفعل المنجمون ثمَّ ذكر انهم يغلبُونَ فِي سنة كَذَا ويغلبون فِي سنة كَذَا على مَا تَقْتَضِيه دوائر التَّقْدِير
قَالَ وَهَذِه نجامة وَافَقت إِصَابَة إِن صَحَّ أَنه قَالَ ذَلِك قبل وُقُوعه
стр. 1296
وَكَانَ فِي كِتَابه قبل حُدُوثه وَلَيْسَ ذَلِك بمأخوذ من الْحُرُوف وَلَا هُوَ من قبيل الكرامات أَيْضا فَإِن الْكَرَامَة لَا تكتسب بِحِسَاب وَلَا تفْتَقر إِلَى تَارِيخ وَلذَلِك لم يُوَافق الصَّوَاب لما أدَار الْحساب على الْقِرَاءَة الْأُخْرَى الشاذة الَّتِي هِيَ بِفَتْح الْغَيْن من ﴿غلبت الرّوم﴾ ويوضح ذَلِك أَنه قَالَ فِي سُورَة الْقدر لَو علم الْوَقْت الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن لعلم الْوَقْت الَّذِي يرفع فِيهِ
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَأما الصَّخْرَة المقدسة فَإِن الفرنج كَانُوا بنوا عَلَيْهَا كَنِيسَة وأعادوا رسومها الْقَدِيمَة دريسة وستروها بالأبنية وعوجوا أوضاعها بزعم التَّسْوِيَة وكسوها صورا هِيَ أشنع من التعرية وملؤوها بتصاريف التصاوير ونبتوا فِي ترخيمها أشباه الْخَنَازِير وَجعلُوا المذبح لَهَا مذبحا وَلم يتْركُوا فِيهَا للأيدي المتبركة وَلَا للعيون المدركة ملمسا وَلَا مطمحا وَقد زينوها بالصور والتماثيل وعينوا بهَا مَوَاضِع الرهبان ومحط الْإِنْجِيل وكملوا بهَا
стр. 1297
أَسبَاب التَّعْظِيم والتبجيل وأفردوا فِيهَا لموْضِع الْقدَم قبَّة صَغِيرَة مذهبَة بأعمدة الرخام منصبة وَقَالُوا مَحل قدم الْمَسِيح وَهُوَ مقَام التَّقْدِيس وَالتَّسْبِيح وَكَانَ فِيهَا صور الْأَنْعَام منبتة فِي الرخام والصخرة الْمَقْصُودَة المزورة بِمَا عَلَيْهَا من الْأَبْنِيَة مستورة وبتلك الْكَنِيسَة المعمورة مغمورة
فَأمر السُّلْطَان بكشف نقابها وَرفع حجابها وحسر لثامها وقشر رخامها ومحي صورها ورحض وضرها وَنقض أبنيتها وَنقل حجرها وإبرازها للزائرين وإظهارها للناظرين فَبَانَت من الشين وَبَانَتْ للعين وحبيت بالقبل وفديت بالمقل فَعَادَت كَمَا كَانَت فِي الزَّمن الْقَدِيم وَشهِدت حِين شوهدت بحسبها الْكَرِيم وَمَا كَانَ يظْهر مِنْهَا قبل الْفَتْح إِلَّا قِطْعَة من تحتهَا وَقد أَسَاءَ الْكفْر فِي نحتها وَظَهَرت الْآن احسن ظُهُور وسفرت أَيمن سفور وأشرقت الْقَنَادِيل من فَوْقهَا نورا على نور وعملت عَلَيْهَا حَظِيرَة من شبابيك حَدِيد والاعتناء بهَا إِلَى كل يَوْم فِي مزِيد
قَالَ وَكَانَ الفرنج قد قطعُوا من الصَّخْرَة قطعا وحملوا مِنْهَا إِلَى قسطنطينية ونقلوا مِنْهَا إِلَى صقلية وَقيل باعوها بوزنها ذَهَبا وَاتَّخذُوا ذَلِك مكسبا
وَلما طهرت ظَهرت موَاضعهَا وَقطعت الْقُلُوب لما بَانَتْ مقاطعها فَهِيَ الْآن مبرزة للعيون بحزها بَاقِيَة على الْأَيَّام بعزها مصونة لِلْإِسْلَامِ فِي خدرها وحرزها
وَقَالَ فِي الْبَرْق وَلما ظَهرت الصَّخْرَة وجدناها وَقد أبقت لَهَا
стр. 1298
النوائب حزوزا وأودعت ضميرها من شَرّ أهل الشّرك سرا مرموزا فَإِن الفرنج نقلوا إِلَى بِلَادهمْ قطعا وأبدعوا فِيهَا بدعا حَتَّى قيل إِنَّهَا بِيعَتْ بوزنها ذَهَبا وأفضى الْأَمر بهَا أَن يكون حجرها منتهبا فغطاها بعض مُلُوكهمْ إشفاقا عَلَيْهَا لِئَلَّا تمتد يَد ضيم إِلَيْهَا فأبقت حزوزها فِي الْقلب حزازات وَسَار حَدِيث حادثها فِي الْآفَاق بروايات وإجازات وتولاها بعد ذَلِك الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى فصانها بشبابيك من حَدِيد وَثَبت أَرْكَانهَا بِكُل تسديد
وَقَالَ فِي الْفَتْح ورتب السُّلْطَان فِي قبَّة الصَّخْرَة إِمَامًا حسنا ووقف عَلَيْهِ دَارا وأرضا وبستانا وَحمل إِلَيْهَا وَإِلَى محراب الْمَسْجِد الْأَقْصَى مصاحف وختمات وربعات معظمات لَا تزَال بَين أَيدي الزائرين على كراسيها مَرْفُوعَة وعَلى أسرتها مَوْضُوعَة ورتب لهَذِهِ الْقبَّة خَاصَّة وللبيت الْمُقَدّس عَامَّة قومه من العارفين العاكفين القائمين بِالْعبَادَة الواقفين فَمَا أبهج لَيْلهَا وَقد حضرت الجموع وزهرت الشموع وَبَان الْخُشُوع ودان الخضوع وَدرت من الْمُتَّقِينَ الدُّمُوع واقشعرت من العارفين الضلوع
فهناك كل ولي يعبد ربه ويؤمل بره وكل أَشْعَث اغبر لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على الله لَأَبَره وَهُنَاكَ كل من يحيي اللَّيْل ويقومه ويسمو بِالْحَقِّ ويسومه وَهُنَاكَ كل من يخْتم الْقُرْآن ويرتله ويطرد الشَّيْطَان ويبطله وَمن عَرفته لمعرفته الأسحار وَمن ألفته لتهجده الأوراد والأذكار وَمَا أسعد نَهَارهَا
стр. 1299
حِين تسْتَقْبل الْمَلَائِكَة زوارها وتلحق الشَّمْس أنوارها وَتحمل الْقُلُوب إِلَيْهَا أسرارها
قَالَ وتنافس مُلُوك بني أَيُّوب فِيمَا يؤثرونه فِيهَا من الْآثَار الْحَسَنَة وَفِيمَا يجمع لَهُم ود الْقُلُوب وشكر الْأَلْسِنَة فَمَا مِنْهُم إِلَّا من أجمل وَأحسن وَفعل مَا أمكن وجلى وَبَين وحلى وزين وأتى الْعَادِل أَبُو بكر بِكُل صنع بكر وتقي الدّين عمر بِكُل مَا عَم وغمر وَمن جملَة أَفعاله المشكورة ومكرماته الْمَشْهُورَة أَنه حضر يَوْمًا فِي قبَّة الصَّخْرَة وَمَعَهُ من مَاء الْورْد أحمال وَلأَجل الصَّدَقَة والرفد مَال فانتهز فرْصَة هَذِه الْفَضِيلَة الَّتِي ابتكرها وَتَوَلَّى بِيَدِهِ كنس تِلْكَ الساحات والعراص ثمَّ غسلهَا بِالْمَاءِ مرَارًا حَتَّى تطهرت ثمَّ أتبع المَاء بِمَاء الْورْد صبا حَتَّى تعطرت وَكَذَلِكَ طهر حيطانها وَغسل جدرانها ثمَّ أَتَى بمجامر الطّيب فتبخرت وتضوعت ثمَّ فرق ذَلِك المَال فِيهَا على ذَوي الِاسْتِحْقَاق وافتخر بِأَن فاق الْكِرَام بِالْإِنْفَاقِ
وَجَاء الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بِكُل نور جلي وكرم ملي وَبسط بهَا الصنيعة وفرش فِيهَا الْبسط الرفيعة وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك مَا اعْتَمدهُ من بِنَاء أسوار الْقُدس وحفر خنادقه وأعجز بِمَا أعجب من سوابق معروفه ولواحقه
وَأما الْملك الْعَزِيز عُثْمَان فَإِنَّهُ لما عَاد إِلَى مصر ترك خزانَة سلاحه بالقدس كلهَا وَلم ير بعد حُصُولهَا بِهِ نقلهَا وَكَانَت أحمالا بأموال وأثقالا كجبال وذخائر وافية وعددا واقية وَكَانَ من جملَة مَا شَرط على الفرنج أَن يتْركُوا لنا خيلهم وعدتهم فتوفر بذلك عدد الْبَلَد وَاسْتغْنى بِهِ عَمَّا يصل من المدد
стр. 1300
قَالَ وَأما محراب دَاوُد ﵇ خَارج الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَإِنَّهُ فِي حصن عِنْد بَاب الْمَدِينَة منيع وَمَوْضِع عَال رفيع وَهُوَ الْحصن الَّذِي يُقيم بِهِ الْوَالِي فرتب السُّلْطَان لَهُ إِمَامًا ومؤذنين وقواما وَهُوَ مثابة الصَّالِحين ومزار الغادين والرائحين فأحياه وجدده ونهج لقاصديه جدده وَأمر بعمارة جَمِيع الْمَسَاجِد وصون الْمشَاهد وإنجاح الْمَقَاصِد وإصفاء الْمَوَارِد للقاصد والوارد وَكَانَ مَوضِع هَذِه القلعة دَار دَاوُد وَسليمَان ﵉ وَكَانَ ينتابهما فيهمَا الْأَنَام
وَكَانَ الْملك الْعَادِل نازلا فِي كَنِيسَة صهيون وأجناده على بَابهَا مخيمون
وفاوض السُّلْطَان جُلَسَاؤُهُ من الْعلمَاء الْأَبْرَار والأتقياء الأخيار فِي مدرسة للفقهاء الشَّافِعِيَّة ورباطا للصلحاء الصُّوفِيَّة فعين للمدرسة الْكَنِيسَة الْمَعْرُوفَة بصند حنة عِنْد بَاب أَسْبَاط وَعين دَار البطرك وَهُوَ بِقرب كَنِيسَة قمامة للرباط ووقف عَلَيْهِمَا وقوفا وأسدى بذلك إِلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعْرُوفا وارتاد أَيْضا مدارس للطوائف ليضيفها إِلَى مَا أولاه من العوارف
فصل
قَالَ فِي الْبَرْق وَشرع الفرنج فِي إخلاء الْبيُوت وَبيع مَا ذخروه من الأثاث والقوت وأمهلوا حَتَّى باعوا بأرخص الْأَثْمَان وَكَانَ خُرُوجهَا شَبِيها بالمجان لَا سِيمَا مَا تعذر لثقله نَقله وصعب حمله وَكَانَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿كم تركُوا من جنَّات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كَانُوا فِيهَا فاكهين كَذَلِك وأورثناها قوما آخَرين﴾ فباعوا مَا تهَيَّأ على البيع إِخْرَاجه
следующие страницы →