← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وَكَانَ فِي كِتَابه قبل حُدُوثه وَلَيْسَ ذَلِك بمأخوذ من الْحُرُوف وَلَا هُوَ من قبيل الكرامات أَيْضا فَإِن الْكَرَامَة لَا تكتسب بِحِسَاب وَلَا تفْتَقر إِلَى تَارِيخ وَلذَلِك لم يُوَافق الصَّوَاب لما أدَار الْحساب على الْقِرَاءَة الْأُخْرَى الشاذة الَّتِي هِيَ بِفَتْح الْغَيْن من ﴿غلبت الرّوم﴾ ويوضح ذَلِك أَنه قَالَ فِي سُورَة الْقدر لَو علم الْوَقْت الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن لعلم الْوَقْت الَّذِي يرفع فِيهِ فصل قَالَ الْعِمَاد وَأما الصَّخْرَة المقدسة فَإِن الفرنج كَانُوا بنوا عَلَيْهَا كَنِيسَة وأعادوا رسومها الْقَدِيمَة دريسة وستروها بالأبنية وعوجوا أوضاعها بزعم التَّسْوِيَة وكسوها صورا هِيَ أشنع من التعرية وملؤوها بتصاريف التصاوير ونبتوا فِي ترخيمها أشباه الْخَنَازِير وَجعلُوا المذبح لَهَا مذبحا وَلم يتْركُوا فِيهَا للأيدي المتبركة وَلَا للعيون المدركة ملمسا وَلَا مطمحا وَقد زينوها بالصور والتماثيل وعينوا بهَا مَوَاضِع الرهبان ومحط الْإِنْجِيل وكملوا بهَا

стр. 1297

أَسبَاب التَّعْظِيم والتبجيل وأفردوا فِيهَا لموْضِع الْقدَم قبَّة صَغِيرَة مذهبَة بأعمدة الرخام منصبة وَقَالُوا مَحل قدم الْمَسِيح وَهُوَ مقَام التَّقْدِيس وَالتَّسْبِيح وَكَانَ فِيهَا صور الْأَنْعَام منبتة فِي الرخام والصخرة الْمَقْصُودَة المزورة بِمَا عَلَيْهَا من الْأَبْنِيَة مستورة وبتلك الْكَنِيسَة المعمورة مغمورة فَأمر السُّلْطَان بكشف نقابها وَرفع حجابها وحسر لثامها وقشر رخامها ومحي صورها ورحض وضرها وَنقض أبنيتها وَنقل حجرها وإبرازها للزائرين وإظهارها للناظرين فَبَانَت من الشين وَبَانَتْ للعين وحبيت بالقبل وفديت بالمقل فَعَادَت كَمَا كَانَت فِي الزَّمن الْقَدِيم وَشهِدت حِين شوهدت بحسبها الْكَرِيم وَمَا كَانَ يظْهر مِنْهَا قبل الْفَتْح إِلَّا قِطْعَة من تحتهَا وَقد أَسَاءَ الْكفْر فِي نحتها وَظَهَرت الْآن احسن ظُهُور وسفرت أَيمن سفور وأشرقت الْقَنَادِيل من فَوْقهَا نورا على نور وعملت عَلَيْهَا حَظِيرَة من شبابيك حَدِيد والاعتناء بهَا إِلَى كل يَوْم فِي مزِيد قَالَ وَكَانَ الفرنج قد قطعُوا من الصَّخْرَة قطعا وحملوا مِنْهَا إِلَى قسطنطينية ونقلوا مِنْهَا إِلَى صقلية وَقيل باعوها بوزنها ذَهَبا وَاتَّخذُوا ذَلِك مكسبا وَلما طهرت ظَهرت موَاضعهَا وَقطعت الْقُلُوب لما بَانَتْ مقاطعها فَهِيَ الْآن مبرزة للعيون بحزها بَاقِيَة على الْأَيَّام بعزها مصونة لِلْإِسْلَامِ فِي خدرها وحرزها وَقَالَ فِي الْبَرْق وَلما ظَهرت الصَّخْرَة وجدناها وَقد أبقت لَهَا

стр. 1298

النوائب حزوزا وأودعت ضميرها من شَرّ أهل الشّرك سرا مرموزا فَإِن الفرنج نقلوا إِلَى بِلَادهمْ قطعا وأبدعوا فِيهَا بدعا حَتَّى قيل إِنَّهَا بِيعَتْ بوزنها ذَهَبا وأفضى الْأَمر بهَا أَن يكون حجرها منتهبا فغطاها بعض مُلُوكهمْ إشفاقا عَلَيْهَا لِئَلَّا تمتد يَد ضيم إِلَيْهَا فأبقت حزوزها فِي الْقلب حزازات وَسَار حَدِيث حادثها فِي الْآفَاق بروايات وإجازات وتولاها بعد ذَلِك الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى فصانها بشبابيك من حَدِيد وَثَبت أَرْكَانهَا بِكُل تسديد وَقَالَ فِي الْفَتْح ورتب السُّلْطَان فِي قبَّة الصَّخْرَة إِمَامًا حسنا ووقف عَلَيْهِ دَارا وأرضا وبستانا وَحمل إِلَيْهَا وَإِلَى محراب الْمَسْجِد الْأَقْصَى مصاحف وختمات وربعات معظمات لَا تزَال بَين أَيدي الزائرين على كراسيها مَرْفُوعَة وعَلى أسرتها مَوْضُوعَة ورتب لهَذِهِ الْقبَّة خَاصَّة وللبيت الْمُقَدّس عَامَّة قومه من العارفين العاكفين القائمين بِالْعبَادَة الواقفين فَمَا أبهج لَيْلهَا وَقد حضرت الجموع وزهرت الشموع وَبَان الْخُشُوع ودان الخضوع وَدرت من الْمُتَّقِينَ الدُّمُوع واقشعرت من العارفين الضلوع فهناك كل ولي يعبد ربه ويؤمل بره وكل أَشْعَث اغبر لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على الله لَأَبَره وَهُنَاكَ كل من يحيي اللَّيْل ويقومه ويسمو بِالْحَقِّ ويسومه وَهُنَاكَ كل من يخْتم الْقُرْآن ويرتله ويطرد الشَّيْطَان ويبطله وَمن عَرفته لمعرفته الأسحار وَمن ألفته لتهجده الأوراد والأذكار وَمَا أسعد نَهَارهَا

стр. 1299

حِين تسْتَقْبل الْمَلَائِكَة زوارها وتلحق الشَّمْس أنوارها وَتحمل الْقُلُوب إِلَيْهَا أسرارها قَالَ وتنافس مُلُوك بني أَيُّوب فِيمَا يؤثرونه فِيهَا من الْآثَار الْحَسَنَة وَفِيمَا يجمع لَهُم ود الْقُلُوب وشكر الْأَلْسِنَة فَمَا مِنْهُم إِلَّا من أجمل وَأحسن وَفعل مَا أمكن وجلى وَبَين وحلى وزين وأتى الْعَادِل أَبُو بكر بِكُل صنع بكر وتقي الدّين عمر بِكُل مَا عَم وغمر وَمن جملَة أَفعاله المشكورة ومكرماته الْمَشْهُورَة أَنه حضر يَوْمًا فِي قبَّة الصَّخْرَة وَمَعَهُ من مَاء الْورْد أحمال وَلأَجل الصَّدَقَة والرفد مَال فانتهز فرْصَة هَذِه الْفَضِيلَة الَّتِي ابتكرها وَتَوَلَّى بِيَدِهِ كنس تِلْكَ الساحات والعراص ثمَّ غسلهَا بِالْمَاءِ مرَارًا حَتَّى تطهرت ثمَّ أتبع المَاء بِمَاء الْورْد صبا حَتَّى تعطرت وَكَذَلِكَ طهر حيطانها وَغسل جدرانها ثمَّ أَتَى بمجامر الطّيب فتبخرت وتضوعت ثمَّ فرق ذَلِك المَال فِيهَا على ذَوي الِاسْتِحْقَاق وافتخر بِأَن فاق الْكِرَام بِالْإِنْفَاقِ وَجَاء الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بِكُل نور جلي وكرم ملي وَبسط بهَا الصنيعة وفرش فِيهَا الْبسط الرفيعة وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك مَا اعْتَمدهُ من بِنَاء أسوار الْقُدس وحفر خنادقه وأعجز بِمَا أعجب من سوابق معروفه ولواحقه وَأما الْملك الْعَزِيز عُثْمَان فَإِنَّهُ لما عَاد إِلَى مصر ترك خزانَة سلاحه بالقدس كلهَا وَلم ير بعد حُصُولهَا بِهِ نقلهَا وَكَانَت أحمالا بأموال وأثقالا كجبال وذخائر وافية وعددا واقية وَكَانَ من جملَة مَا شَرط على الفرنج أَن يتْركُوا لنا خيلهم وعدتهم فتوفر بذلك عدد الْبَلَد وَاسْتغْنى بِهِ عَمَّا يصل من المدد

стр. 1300

قَالَ وَأما محراب دَاوُد ﵇ خَارج الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَإِنَّهُ فِي حصن عِنْد بَاب الْمَدِينَة منيع وَمَوْضِع عَال رفيع وَهُوَ الْحصن الَّذِي يُقيم بِهِ الْوَالِي فرتب السُّلْطَان لَهُ إِمَامًا ومؤذنين وقواما وَهُوَ مثابة الصَّالِحين ومزار الغادين والرائحين فأحياه وجدده ونهج لقاصديه جدده وَأمر بعمارة جَمِيع الْمَسَاجِد وصون الْمشَاهد وإنجاح الْمَقَاصِد وإصفاء الْمَوَارِد للقاصد والوارد وَكَانَ مَوضِع هَذِه القلعة دَار دَاوُد وَسليمَان ﵉ وَكَانَ ينتابهما فيهمَا الْأَنَام وَكَانَ الْملك الْعَادِل نازلا فِي كَنِيسَة صهيون وأجناده على بَابهَا مخيمون وفاوض السُّلْطَان جُلَسَاؤُهُ من الْعلمَاء الْأَبْرَار والأتقياء الأخيار فِي مدرسة للفقهاء الشَّافِعِيَّة ورباطا للصلحاء الصُّوفِيَّة فعين للمدرسة الْكَنِيسَة الْمَعْرُوفَة بصند حنة عِنْد بَاب أَسْبَاط وَعين دَار البطرك وَهُوَ بِقرب كَنِيسَة قمامة للرباط ووقف عَلَيْهِمَا وقوفا وأسدى بذلك إِلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعْرُوفا وارتاد أَيْضا مدارس للطوائف ليضيفها إِلَى مَا أولاه من العوارف فصل قَالَ فِي الْبَرْق وَشرع الفرنج فِي إخلاء الْبيُوت وَبيع مَا ذخروه من الأثاث والقوت وأمهلوا حَتَّى باعوا بأرخص الْأَثْمَان وَكَانَ خُرُوجهَا شَبِيها بالمجان لَا سِيمَا مَا تعذر لثقله نَقله وصعب حمله وَكَانَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿كم تركُوا من جنَّات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كَانُوا فِيهَا فاكهين كَذَلِك وأورثناها قوما آخَرين﴾ فباعوا مَا تهَيَّأ على البيع إِخْرَاجه

стр. 1301

رخيصا وابقوا مَا لم يَجدوا من تَركه محيصا وغلبوا على مَا فِي الدّور من الماعون والمذخور وَأما الصناديق والأخشاب والرخام وَمَا يجْرِي مجْراهَا مِمَّا توفرت مِنْهُ الْأَنْوَاع والأقسام فَإِنَّهَا بقيت بِحَالِهَا متروكة وَلمن يسكن تِلْكَ الْأَمَاكِن مَمْلُوكَة وَكَانَت قمامة وَهِي كنيستهم الْعُظْمَى ومتعبدهم الَّتِي يَجْتَمعُونَ بهَا للدّين وَالدُّنْيَا مفروشة بالبسط الرفاع مكسوة بالستور النسيج وَالْحَرِير الممزوج من سَائِر الْأَنْوَاع وَالَّذِي يذكرُونَ أَنه قبر عِيسَى ﵇ محلى بصفائح الْفضة وَالْعين ومصوغات الذَّهَب واللجين مصفح بالنضار مثقل من نفائس الْحلِيّ بالأوقار فَأَعَادَهُ البطرك مِنْهُ عاطلا وَتَركه طللا ماثلا فَقلت للسُّلْطَان هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أخذُوا الْأمان على أَمْوَالهم فَمَا بَال هَذَا المَال وَهُوَ بألوف يحملونه فِي أثقالهم فَقَالَ هم مَا يعْرفُونَ هَذَا التَّأْوِيل وينسبون إِلَيْنَا لما حرمناه التَّحْلِيل وَيَقُولُونَ إِنَّهُم لم يحفظوا الْعَهْد وَلم يلحظوا العقد وَنحن نجريهم على ظَاهر الْأمان ونغريهم بِذكر محَاسِن الْإِيمَان وَكَانَت المهلة أَنه من عجز بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَن أَدَاء مَا عَلَيْهِ من القطيعة ضرب عَلَيْهِ الرّقّ بِحكم الشريطة ووفق الشَّرِيعَة فتولاهم النواب بعد خروجنا من الْقُدس وَبَقِي مِنْهُم مِمَّن ضرب عَلَيْهِ الرّقّ زهاء خَمْسَة عشر ألفا فِي الْحَبْس ففرقهم السُّلْطَان وَتَنَاهَتْ بهم الْبلدَانِ وَحصل لي مِنْهُم سَبَايَا نسوان وصبيان وَذَلِكَ بعد أَن وفى ابْن بارزان بِالضَّمَانِ

стр. 1302

وَأدّى ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَأخرج من ذكر أَنه فَقير بِحَسب الْإِمْكَان وَكَانُوا تَقْدِير ثَمَانِيَة عشر ألفا واعتقد أَنه لم يبْق فَقير وَبَقِي بعد أَدَائِهِ على مَا ذَكرْنَاهُ كثير وَأما النَّصَارَى الساكنون بالقدس فَإِنَّهُم بذلوا مَعَ القطيعة الْجِزْيَة ليسكنوا وَلَا يزعجوا ويؤمنوا وَلَا يخرجُوا فأقروا بِوَاسِطَة الْفَقِيه وَأقر من قسوس النَّصَارَى أَرْبَعَة قوام لقمامة وأعفاهم وَلم يكلفهم الغرامة وَأقَام بِمَدِينَة الْقُدس وأعمالها مِنْهُم أُلُوف فشمروا وعمروا وعرشوا وغرسوا فَلهم مِنْهَا مجان وقطوف وَكَانَت لأمراء الفرنج ومقدميهم مجاورة للصخرة وَعند بَاب الرَّحْمَة مَقْبرَة وقباب معمرة فعفينا آثارها ورحضنا أوضارها وَقَالَ فِي الْفَتْح وَأمر السُّلْطَان بإغلاق كَنِيسَة قمامة وَحرم على النَّصَارَى زيارتها وَلَا إلمامة وتفاوض النَّاس عِنْده فِيهَا فَمنهمْ من أَشَارَ بهدم مبانيها وتعفية آثارها وتعمية نهج مزارها وَقَالُوا إِذا هدمت ونبشت الْمقْبرَة وعفيت وحرثت أرْضهَا وَدَمرَ طولهَا وعرضها انْقَطَعت عَنْهَا أَمْدَاد الزوار وانحسمت عَن قَصدهَا مواد أطماع أهل النَّار وَمهما استمرت الْعِمَارَة استمرت الزِّيَارَة وَقَالَ أَكثر النَّاس لَا فَائِدَة فِي هدمها وهدها فَإِن متعبدهم مَوضِع الصَّلِيب والقبر لَا مَا يُشَاهد من الْبناء وَلَا يَنْقَطِع عَنْهَا قصد أَجنَاس النَّصْرَانِيَّة وَلَو نسفت أرْضهَا فِي السَّمَاء وَلما فتح أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر ﵁ الْقُدس فِي صدر الْإِسْلَام أقرهم على هَذَا الْمَكَان وَلم يَأْمر بهدم الْبُنيان

стр. 1303

قَالَ وَأقَام السُّلْطَان على الْقُدس حَتَّى تسلم مَا بقربها من حصون واستباح كل مَا للكفر بهَا من مصون ثمَّ عمد إِلَى مَا جمعه ففرقه وَأخرجه فِي ذَوي الِاسْتِحْقَاق وأنفقه فَأَكْثرُوا عذله على بذله واستكثروا مَا فضه بفضله فَقَالَ كَيفَ أمنع الْحق مستحقيه وَهَذَا الَّذِي أنفقهُ هُوَ الَّذِي أبقيه وَإِذا قبله الْمُسْتَحق فالمنة لَهُ عَليّ فِيهِ فَإِنَّهُ يخلصني من الْأَمَانَة ويطلقني من وثاقها فَإِن الَّذِي فِي يَدي وَدِيعَة أحفظها لِذَوي اسْتِحْقَاقهَا وَقيل لَهُ لَو ذخرت هَذَا المَال لِلْمَالِ فَقَالَ أملي قوي من الله الكافل بنجح الآمال وَجمع الأسراء المطلقين وَكَانُوا ألوفا من الْمُسلمين فكساهم وأساهم وواساهم وأذهب أساهم فَانْطَلق كل مِنْهُم إِلَى وَطنه ووطره ناجيا من ضره وضرره وَقَالَ فِي الْبَرْق وَسمعت الْملك الْعَادِل يَوْمًا فِي أثْنَاء حَدِيثه فِي نَادِيه وَهُوَ يجْرِي ذكر إفراط السُّلْطَان فِي أياديه يَقُول إِنِّي توليت اسْتِيفَاء قطيعة الْقُدس فأنفذت لَهُ لَيْلَة سبعين ألف دِينَار فَجَاءَنِي خازنه بكرَة وَقَالَ نُرِيد الْيَوْم مَا نخرجهُ فِي الْإِنْفَاق فَمَا عندنَا مِمَّا كَانَ بالْأَمْس بَاقٍ فنفذت لَهُ ثَلَاثِينَ ألف دِينَار أُخْرَى فِي الْحَال ففرقتها على رجال الرَّجَاء يَد النوال فصل قَالَ الْعِمَاد وللحكيم أبي الْفضل قصائد قدسيات طوال كَثِيرَة الْفَوَائِد

стр. 1304

قلت قد وقفت على بَعْضهَا وَقدم قبل ذَلِك أَن قَالَ لم أزل من أول مَا ولي الْملك النَّاصِر الْأَمر فِي مصر أعلم أَنه مؤيد بعناية من الله سُبْحَانَهُ فامتدحته فِي سنة خمس وَسِتِّينَ بقصيدة تنيف على مئة بَيت مِنْهَا فِي التباشير (لتظفرن بِمَا لم يحوه ملك ... أَبَا المظفر حظا خطه الْأَزَل) (دَلِيل ذَلِك آراء لَك اقترنت ... بالحزم والعزم لم يخصص بهَا الأول) وفيهَا (قد سَاد إسكندر أهل الزَّمَان مَعًا ... فِي سنّ عشْرين وامتدت لَهُ الْحِيَل) (وافى الثَّلَاثِينَ والأقطار أجمعها ... طَوْعًا لَهُ وملوك الأَرْض والملل) قَالَ ومدحته سنة سبع وَسِتِّينَ عِنْد قفوله من غزَاة غَزَّة بقصيدة مِنْهَا (أَبَا المظفر فاهنأ حَظّ منتخب ... أُخْرَى الزَّمَان لدين كَاد ينبتر) (زهدت فِيمَا سبى الْأَمْلَاك منكدرا ... علما بِملك نعيم مَاله كدر) (وطبت نفسا عَن الدُّنْيَا وزخرفها ... وَجئْت تقدم حَيْثُ الهول والخطر) قَالَ ومدحته سنة ثَمَان وَسِتِّينَ بقصيدة تنيف أَيْضا على مئة بَيت مِنْهَا فِي التباشير (أرى الرَّايَة الصَّفْرَاء يَرْمِي اصطفاقها ... بني أصفر بالراعفات اللهاذم) (فتسبي فلسطينا وتجبي جزائرا ... وتملك من يونان أَرض الأساحم) (وتعنوا لَهَا الْأَمْلَاك شرقا ومغربا ... بذا حكمت حذاق أهل الْمَلَاحِم)

стр. 1305

قَالَ وَبعثت إِلَيْهِ فِي غرَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَهُوَ على حمص بقصيدة هناته فِيهَا بالعافية مِنْهَا (فيا ملكا لم يبْق للدّين غَيره ... وهت عمد الْإِسْلَام فاشدد لَهَا دعما) (فشؤم فريق الشّرك فِي الشَّام طَائِر ... فَقص جناحيه بأقصى القوى قصما) (خصصت بتمكين فَعم العدى ردى ... فَإِنَّهُم يَأْجُوج أفرغ بهَا ردما) (إِذا صفرت من آل الْأَصْفَر ساحة ... الْمُقَدّس ضاهت فتح أم الْقرى قدما) (فَذا الْمَسْجِد الْأَقْصَى وهمتك العلى ... وعزمتك القصوى ورميتك الأصمى) (فَمَا هُوَ إِلَّا أَن تهم وَقد أَتَت ... فتوح كَمَا فاض الخضم الَّذِي طما) (وَإِن أَنْت لم ترد الفرنج بوقعة ... فَمن ذَا الَّذِي يقوى لبنيانها هدما) (وَمَا كل حِين تمكن الْمَرْء فرْصَة ... وَلَا كل حَال أمكنت تَقْتَضِي غنما) (وَلَيْسَ كفتح الْقُدس منية قَادر ... وَمَا آن يلقاها سوى يُوسُف حزما) قَالَ وأنشأت قصيدة أُخْرَى فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَحَضَرت بهَا بَين يَدَيْهِ مِنْهَا (الله أكبر أَرض الْقُدس قد صفرت ... من آل الْأَصْفَر إِذْ حِين بِهِ حانوا) (أَسْبَاط يُوسُف من مصر أَتَوا وَلَهُم ... من غير تيه بهَا سلوى وأمنان) (لَهُم فلسطين إِن يخرج عداتهم ... عَنْهَا وَإِلَّا عدت بيض وخرصان) (حَتَّى بنيت رتاج الْقُدس منفرجا ... ويصعد الصَّخْرَة الغراء عُثْمَان) (واستقبل النَّاصِر الْمِحْرَاب يعبد من ... قد تمّ من وعده فتح وَإِمْكَان) (وَجَاز بعض بنيه الْبَحْر تجفل من ... غاراته الرّوم والصقلاب واللان) (حَتَّى يوحد أهل الشّرك قاطبة ... ويرهب القَوْل بالثالوث رُهْبَان) (وَلابْن أَيُّوب فِي الإفرنج ملحمة ... دلّت عَلَيْهَا أساطير وحسبان)

стр. 1306

(وَمن أَحَق بِملك الأَرْض من ملك ... كَأَنَّهُ ملك فِي الْخلق حنان) ثمَّ قَالَ وَأما القصيدة الفتحية الناصرية فأولها (فِي بَاطِن الْغَيْب مَا لَا تدْرك الْفِكر ... فذو البصيرة فِي الْأَحْدَاث يعْتَبر) (مَالِي أرى ملك الإفرنج فِي قفص ... أَيْن القواضب والعسالة السمر) (والاسبتار إِلَى الداوية التأموا ... كَأَنَّهُمْ سد يَأْجُوج إِذا اشتجروا) (وَالنَّفس مولعة عجبا بسيرتها ... وَفِي الْمَقَادِير مَا تسلى بِهِ السّير) (يَا وقْعَة التل مَا أبقيت من عجب ... جحافل لم يفت من جمعهَا بشر) (وَيَا ضحى السبت مَا للْقَوْم قد سبتوا ... تهودوا أم بكأس الطعْن قد سَكِرُوا) (وَيَا ضريح شُعَيْب مَالهم جثموا ... كمدين أم لقوا رجفا بِمَا كفرُوا) (حطوا بحطين ملاكا فيا عجبا ... فِي سَاعَة زَالَ ذَاك الْملك وَالْقدر) (أَهْوى إِلَيْهِم صَلَاح الدّين مفترسا ... وَهُوَ الغضنفر أعدى ظفره الظفر) (أمْلى عَلَيْهِم فصاروا وسط كفته ... كسرب طير حواها القانص الذّكر) (وأنجز الله للسُّلْطَان موعده ... ونذره فِي كفور دينه البطر) (وعاين الْملك الإبرنس فِي دَمه ... فَمَاتَ حَيا وَحيا وَهُوَ يعْتَذر) (رأى مليكا مُلُوك الأَرْض تتبعه ... والنجم يَخْدمه وَالشَّمْس وَالْقَمَر) (إِذا بدا تبهر الْأَعْيَان هيبته ... ويختفي وَهُوَ فِي الأذهان مشتهر) (تقدم الجيل فِي أُخْرَى الزَّمَان بِهِ ... على صُدُور علا من قبلنَا صدرُوا) (أما رَأَيْتُمْ فتوح الْقَادِسِيَّة فِي ... أكناف لوبية تجلى وَذَا عمر) (وَالْحق يعرس والطغيان منتحب ... وَالْكفْر يطمس وَالْإِيمَان مزدهر) (هَذَا المليك الَّذِي بشرى النَّبِي بِهِ ... فِي فتْنَة الْبَغي لِلْإِسْلَامِ ينتصر) (أنسى ملاحم ذِي القرنين وَاعْتَرَفت ... لَهُ الروَاة بِمَا لم ينمه أثر) (أعين إسكندر بالخضر وَهُوَ لَهُ ... عون من الله يَسْتَغْنِي بِهِ الْخضر)

стр. 1307

(وصنع ذِي الْعَرْش إبداع بِلَا سَبَب ... فَلَا تقل كَيفَ هَذَا الْحَادِث الْخطر) (بَينا سباياه تجلى فِي دمشق إِذا ... ملك الفرنج مَعَ الأتراك محتجر) (إزاءه زعماء الساحلين مَعًا ... مصفدين بِحَبل الْقَهْر قد أَسرُّوا) (يتلوهم صلبوت سيق منتكسا ... وَحَوله كل قسيس لَهُ زبر) (وَنحن فِي ذَا إِذا طير صَحِيفَته ... بِفَتْح عكا الَّتِي سدت بهَا الثغر) (تغزو أساطيلنا مِنْهَا صقلية ... فيذعر الرّوم والصقلاب والخزر) (من ذَا يَقُول لَعَلَّ الْقُدس منفتح ... إِلَيْك بل سبت يَعْقُوب لَهُ السّفر) (أَبُو المظفر ينويها فَخذ سفنا ... من بَاب عكا إِلَى طرطوس تَنْتَشِر) (يسبي فرنجة من أقطارها وَله ... مَعَ الْمَجُوس حروب قدحها سعر) (وَبَعض أبنائه بالقدس منتدب ... وَبَعْضهمْ رومة الْكُبْرَى لَهُ وطر) (براية تخرق الأَرْض الْكَبِيرَة فِي ... جمع تَقول لَهُ الْأَجْسَام لَا وزر) (قَالُوا أطلت مديحا فِيهِ قلت كَمَا ... بدأت فالصب للمحبوب مدكر) وَأما القصائد القدسيات الَّتِي لَهُ فَمِنْهَا التائية وَقد تقدم ذكرهَا وَمِنْهَا القدسية الْكُبْرَى عَددهَا مئة وَاثْنَانِ وَخَمْسُونَ بَيْتا أَولهَا (تصاريف دهر أعربت لمن اهْتَدَى ... وبسطة أَمر أغربت من تمردا) (لسرعة فتح الْقُدس سر مغيب ... وَفِي صرعة الإفرنج مُعْتَبر بدا) (أَتَوا بجبال أبرمت لإسارنا ... فسقناهم فِيهَا قطينا محددا) (وساموا تجارًا تشترينا غواليا ... فبعناهم بالرخص جَهرا على الندا)

стр. 1308

(وجروا جيوشا كالسيول على الصوى ... فاضت غثاء فِي البطاح مبددا) (وَقَالُوا مُلُوك الأَرْض طوع قيادنا ... إِذا الْكل مِنْهُم فِي الْقُيُود معبدًا) (وَقد أقطع الكند الْعرَاق موقعا ... فأودع سجنا وسط جلق موصدا) (وَأقسم أَن يسْقِي بدجلة خيله ... فَمَا ورد الْأُرْدُن إِلَّا مصفدا) (فكم واثق خجلان قهقه خَصمه ... وَكم سَابق عجلَان قهقر مقْعدا) (أَتَى الكند من بيسان يحمي قمامة ... فَكَانَ تقضى ملكه قبل يبتدا) (فَمَا عقد الرَّايَات إِلَّا محللا ... وَلَا حلل الرَّايَات إِلَّا معقدا) (ووقعة يَوْم التل إِذْ قبضت بِهِ ... جبابرة الإفرنج حيرى وشردا) (عَلَيْهِم من الْبلوى سرادق ذلة ... وَمن ذل مَاتَت نَفسه فتقيدا) (ترى المنسر الديوي يلقِي سلاحه ... وينساق مَا بَين السبايا ملهدا) (يباعون أسرابا شرائح أحبل ... كشكة عُصْفُور من الريش جردا) (فَتلقى نَصَارَى جلق فِي مآتم ... يسرونها إِلَّا شجى وتنهدا) (ألم تَرَ للسُّلْطَان صدق نَذره ... دم الغادر الإبرنس فاقتيد أربدا) (وباشره بِالْقَتْلِ وسط خبائه ... وعاينه الكند المليك فأرعدا) (وَضَاقَتْ بِنَفس القومص الأَرْض مهربا ... فأدركه الْمَوْت المفاجئ مكمدا) (وَمَا طرق الأسماع من عهد آدم ... كملحمة التل الَّتِي تلت العدى) (أَتَوا وَاديا مَا زَالَ يَنْفِي خبائثا ... ويصفي بعقبى الدَّار طَائِفَة الْهدى) (بِهِ جثمت أَصْحَاب ليكة وَهِي فِي ... ذراه وَذَا فِيهِ شُعَيْب تأيدا)

стр. 1309

(أرى الله فِيهِ معجز النَّصْر مخلصا ... لأمر صَلَاح الدّين فِي النَّاس مخلدا) (وأعدى جنود الرعب تردى عداته ... وَسلم جمع الْمُسلمين مجندا) (وَمن عجب خَمْسُونَ ألف مقَاتل ... سبتهم جيوش لَيْسَ فِيهَا من ارتدا) وللرشيد بن بدر النابلسي (هَذَا الَّذِي كَانَت الآمال تنْتَظر ... فليوف لله أَقوام بِمَا نذروا) (بِمثل ذَا الْفَتْح لَا وَالله مَا حكيت ... فِي سالف الدَّهْر أَخْبَار وَلَا سير) (حِين بِهِ حَان هلك الْمُشْركين فيا ... لله طيب العشايا مِنْهُ وَالْبكْر) (الْآن قرت جنوب فِي مضاجعها ... ونام من لم يزل حلفا لَهُ السهر) (يَا بهجة الْقُدس إِن أضحى بِهِ علم ... الْإِسْلَام من بعد طي وَهُوَ منتشر) (يَا نور مَسْجده الْأَقْصَى وَقد رفعت ... بعد الصَّلِيب بِهِ الْآيَات والسور) (شتان مَا بَين ناقوس يدان بِهِ ... وَبَين ذِي منطق يصغي لَهُ الْحجر) (الله أكبر صَوت تقشعر لَهُ ... شم الذرى وتكاد الأَرْض تنفطر) (يَا مَالك الأَرْض مهدها فَمَا أحد ... سواك من قَائِم للمهد ينْتَظر) (مَا اخضر هَذَا الطّراز الساحلي ثرى ... إِلَّا لتعلو بِهِ أعلامك الصفر) (أضحى بَنو الْأَصْفَر الأنكاس موعظة ... فِيهَا لأعدائك الْآيَات وَالنّذر) (صَارُوا حَدِيثا وَكَانُوا قبل حَادِثَة ... على الورى يتقيها البدو والحضر) (سلبتهم دولة الدُّنْيَا وعيشتها ... حَتَّى لقد ضجرت من وفدهم سقر) (هَذَا الَّذِي سلب الإفرنج دولتهم ... وملكهم يَا مُلُوك الأَرْض فاعتبروا)

стр. 1310

(مراكز مَا اختطاها الْخَوْف مذ مئة ... عَاما وَلَا ريع أهلوها وَلَا ذعروا) (وَلم أصرح بأسماء الْبِلَاد فقد ... اسهبت وَالْقَائِل المنطيق يختصر) (يُغْنِيك مُجمل قولي عَن مفصله ... فِي لَفْظَة الْبَحْر معنى تَحْتَهُ الدُّرَر) وَهِي طَوِيلَة وَله من قصيدة أُخْرَى (ألمم بدار النَّاصِر الْملك الَّذِي ... فِي كَفه للجود سَبْعَة أبحر) (فَإِذا مَرَرْت بِملكه وفتوحه ... فاسخر بِمَا يرْوى عَن الْإِسْكَنْدَر) (وَإِذا بصرت بجأشه وجيوشه ... فاحث التُّرَاب على ذؤابة سنجر) (كسرت على كسْرَى لعدلك دولة ... قصرت مهابتها تطاول قَيْصر) وللشهاب فتيَان الشاغوري من قصيدة (أهْدى صَلَاح الدّين لِلْإِسْلَامِ إِذْ ... أردى قبيل الْكفْر مَا لم يكفر) (رب الْمَلَاحِم لم يؤرخ مثلهَا ... الْعلمَاء قدما فِي قديم الأعصر) (خلعت عَلَيْهِ خلعة الْملك الَّتِي ... زيدت بهاء بالطراز الْأَخْضَر) (راياته صفرا يردن وتنثني ... حمرا تمج نجيع آل الْأَصْفَر) (لم لم تدن شوس الْمُلُوك لَهُ وَقد ... ملك السواحل فِي ثَلَاثَة أشهر) (واستنقذ الْبَيْت المطهر عنْوَة ... من كل ذِي نجس بِكُل مطهر)

стр. 1311

(وأريتهم لما التقى الْجَمْعَانِ ... بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس هول يَوْم الْمَحْشَر) (ورددت دين الله بعد قطوبه ... بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِوَجْه مُسْفِر) (وأعدت مَا أبداه قبلك فاتحا ... عَمْرو فَأَنت شَرِيكه فِي المتجر) (حَتَّى جمعت لمعشر الْإِسْلَام ... بَين الصَّخْرَة الْعُظْمَى وَبَين الْمشعر) (فلصخرة الْبَيْت الْمُقَدّس كفؤها ... الْحجر الْمفضل عِنْد أفضل معشر) (فَكَأَنَّهُ إِنْسَان عين صُورَة ... يلقاك أسوده بِمَعْنى أنور) فصل فِي حِصَار صور وَفتح هونين وَغير ذَلِك قَالَ الْعِمَاد ثمَّ إِن السُّلْطَان مَا زَالَ مُقيما بِظَاهِر الْقُدس يُحَقّق الآمال وَيفرق الْأَمْوَال حَتَّى وَردت كتب سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب وَكَانَ نَائِب السُّلْطَان لصيدا وبيروت وهما مجاورتان لصور فَكتب يحرض السُّلْطَان على حِصَار صور فَرَحل السُّلْطَان عَن الْقُدس يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من شعْبَان وَأخذ صوب عكا وَسَبقه إِلَيْهَا الْأَفْضَل وتقي الدّين وودع السُّلْطَان وَلَده الْعَزِيز ورده إِلَى مصر فَكَانَ آخر عَهده بِهِ واستصحب السُّلْطَان أَخَاهُ الْعَادِل فوصلا إِلَى عكا مستهل رَمَضَان فَأصْلح من شَأْنهَا ثمَّ رَحل فَنزل على صور يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع رَمَضَان وخيم بِإِزَاءِ السُّور بَعيدا مِنْهُ على النَّهر ومعظم الْبَلَد فِي الْبَحْر وَهِي مَدِينَة حَصِينَة متوسطة فِي الْبَحْر كَأَنَّهَا سفينة وَكَانَ المركيس الَّذِي فِي صور قد حفر لَهَا خَنْدَقًا من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وَبنى بواشيره وَأحكم فِي التَّعْمِير تَدْبيره وَاسْتظْهر بتكثير الْعدَد

стр. 1312

وَالْعدَد واغتنم اشْتِغَال السُّلْطَان بِفَتْح الْقُدس فَأَقَامَ السُّلْطَان بِتِلْكَ الْمنزلَة على صور ثَلَاثَة عشر يَوْمًا حَتَّى تلاحقت الأمداد وَكَثُرت الْعدَد وآلات الْجِهَاد ورتبت المنجنيقات ثمَّ حول السُّلْطَان مضاربه إِلَى تل قريب من السُّور يشرف مِنْهُ ثمَّ حَاصَرَهُمْ وَقبل كلا من الْمُلُوك بِجَانِب يَكْفِيهِ مِنْهُم الْأَفْضَل والعادل وتقي الدّين فحاصروهم وضايقوهم وَوصل فِي تِلْكَ الْأَيَّام من حلب الْملك الظَّاهِر غَازِي ولد السُّلْطَان بعسكره الْحلَبِي فاستظهر السُّلْطَان بِهِ واستدعى الأسطول الْمصْرِيّ وَكَانَ بعكا فجَاء مِنْهُ عشرَة شواني وَكَانَ للفرنج فِي الْبَحْر مراكب وحراريق وفيهَا رُمَاة الجروخ والزنبوركات يرْمونَ من دنا من الْبَحْر فَلَمَّا جَاءَ أسطول السُّلْطَان استطال عَلَيْهَا وأبعدها فأحاط بهم الْمُسلمُونَ وقاتلوهم برا وبحرا فَبَيْنَمَا هم فِي أحلى ظفر وأهنأ ورد وَصدر إِذْ ملك الفرنج خَمْسَة من شواني الْمُسلمين وأسروا مقدميها ورئيسها عبد السَّلَام المغربي ومتوليه بدران الْفَارِس وَألقى جمَاعَة أنفسهم فِي الْبَحْر فَمن نَاجٍ وهالك وَذَلِكَ أَنهم سهروا تِلْكَ اللَّيْلَة بِإِزَاءِ ميناء صور إِلَى السحر ثمَّ غلبهم النّوم فَمَا انتبهوا إِلَّا والفرنج قد ركبتهم ونكبتهم فَأصْبح الْمُسلمُونَ وَقد وجموا وأتاهم من الْأَمر مَا لم يعلمُوا وَنفذ السُّلْطَان إِلَى المراكب الْبَاقِيَة أَن يَسِيرُوا إِلَى بيروت وَخَافَ عَلَيْهَا لقلتهَا أَن يستولي عَلَيْهَا عَبدة الطاغوت فنجا مِنْهَا شيني رَئِيس جبيل وَالْبَاقُونَ نظرُوا إِلَى الفرنج وَرَاءَهُمْ فَألْقوا أنفسهم فِي المَاء وَخَرجُوا إِلَى الْبر على وُجُوههم ثمَّ إِن الفرنج بعد هَذَا طمعت فَخرجت يَوْمًا وَقت الْعَصْر مستعدة لِلْقِتَالِ فالتقاهم الْمُسلمُونَ فَكَانَت الدائرة على الْكَافرين واسر مقدم كَبِير

стр. 1313

لَهُم وَظن أَنه المركيس فسلمه السُّلْطَان إِلَى وَلَده الظَّاهِر ليحفظه فَضرب عُنُقه وَكَانَ اللَّيْل قد دخل فَلَمَّا أَصْبحُوا تبين لَهُم ان المركيس بعد فِي الْحَيَاة فطال حصاره حَتَّى ضجر كثير من أُمَرَاء الْمُسلمين لأَنهم رَأَوْا مَا لم يألفوه من تعسر الْفَتْح عَلَيْهِم فأشاروا على السُّلْطَان بالرحيل لِئَلَّا تفنى الرِّجَال وتقل الْأَمْوَال وَكَانَ الْبرد قد اشْتَدَّ عَلَيْهِم وَكَانَ رَأْي السُّلْطَان والأتقياء من الْأُمَرَاء كالفقيه عِيسَى وحسام الدّين طمان وَعز الدّين جرديك النوري الثَّبَات إِلَى الْفَتْح لِئَلَّا يضيع مَا تقدم من الْأَعْمَال وإنفاق الْأَمْوَال وَقَالَ السُّلْطَان قد هدمنا السُّور وقاربنا الْأُمُور فَاصْبِرُوا تُفْلِحُوا وَصَابِرُوا تفتحوا وَلَا تعجلوا فأظهروا الْمُوَافقَة وَفِي انفسهم مَا فِيهَا فَلم يصدقُوا الْقِتَال وتعللوا بِأَن الرِّجَال جرحى والعلوفات قد قلت فَلم يسع السُّلْطَان بعد ذَلِك إِلَّا الرحيل فَأمر بِنَقْل الأثقال فَحمل بَعْضهَا إِلَى صيدا وبيروت وأحرق الْبَاقِي لِئَلَّا يَنَالهُ الْعَدو ورحل فِي أخر شَوَّال وَهُوَ أول يَوْم من كانون الأول وَسَار تَقِيّ الدّين إِلَى دمشق على طَرِيق هونين واستصحب مَعَه عَسَاكِر الشرق وديار بكر والموصل والجزيرة وسنجار وماردين ورحل السُّلْطَان إِلَى عكا فوصلها فِي ثَلَاث مراحل لِأَنَّهُ سلك طَرِيق الناقورة وَهِي طَرِيق ضيقَة مطلة على الْبَحْر بهَا يضْرب الْمثل لَا يعبر بهَا إِلَّا جمل جمل فعبرت بهَا الأثقال والأحمال فِي أُسْبُوع وَكَانَ عين يَوْم رحيله من صور أُمَرَاء يُقِيمُونَ عَلَيْهَا إِلَى أَن يعرفوا عبور الثّقل وخيم السُّلْطَان عِنْد التل وَسَار الْعَادِل إِلَى مصر وَالظَّاهِر إِلَى حلب وَبدر الدّين دلدرم الياروقي إِلَى بِلَاده قَالَ وَفِي مُدَّة رحيل السُّلْطَان عَن صور جَاءَهُ خبر سيف الدّين مَحْمُود أخي عز الدّين جاولي أَنه اسْتشْهد فِي عفربلا تَحت حصن كَوْكَب كبسه

стр. 1314

الفرنج فِيهَا لَيْلًا وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد بَقِي على السُّلْطَان بَعْدَمَا فتح من بِلَاد الْعَدو من جملَة أَعمال طبرية والغور حصنا صفد وكوكب وَكَانَ فِي صفد جَمْرَة الداوية وَفِي كَوْكَب جَمْرَة الاسبتارية فَاحْتَاجَ السُّلْطَان فِي فتحهما إِلَى المطاولة فَوكل بصفد جمَاعَة يعْرفُونَ بالناصرية مقدمهم مَسْعُود الصلتي ووكل بكوكب هَذَا الْأَمِير سيف الدّين مَحْمُودًا فَأَقَامَ فِي حصن عفربلا وَهُوَ قريب من حصن كَوْكَب ونغص على المقيمين فِيهِ الْمطعم وَالْمشْرَب وضيق عَلَيْهِم الْمَذْهَب إِلَى أَن دخل الشتَاء فاختلت الحراسة واعتلت السياسة فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة آخر شَوَّال وَكَانَت بَارِدَة ماطرة حرس أَصْحَاب سيف الدّين حَتَّى ضجروا فَغَلَبَهُمْ النعاس فَمَا استيقظوا إِلَّا وفرنج كَوْكَب عَلَيْهِم باركة فدافعوا عَن أنفسهم حَتَّى اسْتشْهدُوا واخذ الفرنج غنيمَة الْمُسلمين ودخلوا بهَا كَوْكَب وَكَانَ هَذَا الْأَمِير مَحْمُود ذَا دين متين وَمَكَان من النّسك مكين وَهُوَ يسهر اكثر ليله متهجدا وَقد جعل منزله مَسْجِدا فَجمع بَين التَّهَجُّد وَالْجهَاد وَكَانَ كثير الِاجْتِهَاد فَاغْتَمَّ السُّلْطَان بمصابه وَزَاد تألما إِلَى مابه وَتقدم إِلَى صارم الدّين قايماز النجمي أَن يرابط كَوْكَب فِي خمس مئة فَارس فَفعل وَلم يزل بهَا إِلَى ان فتحت كَمَا سياتي قَالَ وَفتحت هونين وَالسُّلْطَان محاصر صور وَكَانَ لما فتح تبنين قد امْتنعت عَلَيْهِ هونين فَوكل بهَا من رابطها وضايقها حَتَّى طلبُوا الْأمان وَجَاء خَبَرهَا إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ على صور فنفذ الْأَمِير بدر الدّين دلدرم فَفَتحهَا وَخرج الفرنج مِنْهَا سَالِمين آمِنين وَكَانَ قد بَقِي أَيْضا من عمل صيدا قلعة أبي الْحسن وشقيف أرنون وَأقَام السُّلْطَان بِظَاهِر عكا نَاظرا

стр. 1315

فِي أُمُور رَعيته ثمَّ دَخلهَا وَسكن بالقلعة وَسكن الْأَفْضَل برج الداوية وَولى عكا عز الدّين جرديك ووقف دَار الاسبتار نِصْفَيْنِ نصفا على الْفُقَهَاء وَنصفا على الصُّوفِيَّة ووقف دَار الأسقف بيمارستان ووقف على كل من ذَلِك كِفَايَته واظهر بِهِ عنايته وَسلم جَمِيع ذَلِك إِلَى قاضيها جمال الدّين بن الشَّيْخ أبي النجيب وَهُوَ فِي ذَلِك مُصِيب فصل فِي وُرُود رسل التهاني من الْآفَاق وقدوم الرَّسُول العاتب من الْعرَاق قَالَ الْعِمَاد ووردت رسل الْآفَاق من الرّوم وخراسان وَالْعراق وَكلهمْ يهني السُّلْطَان بِمَا أفرده الله بِهِ من الْفَضِيلَة وأقدره عَلَيْهِ من نجح الْوَسِيلَة وَهُوَ فتح الْقُدس الَّذِي درج على حسرته الْقُرُون الأولى وتقاصرت عَنهُ أَيْديهم المتطاولة وتمكنت مِنْهُ يَده الطُّولى فَمَا مِنْهُم إِلَّا من يعْتَرف بيمنه ويغترف من يمه ويقر بِحكم التَّنْزِيل لَهُ وَينزل على حكمه ويخطب صداقته ويتقرب بِالْوَفَاءِ والوفاق ويتباعد عَن الشَّقَاء والشقاق فَمن جُمْلَتهمْ رَسُول صَاحب الرّيّ وَرَسُول المستولي على ممالك همذان وأذربيجان وأران فَمَا من يَوْم يمْضِي وَشهر يَنْقَضِي إِلَّا ويصل مِنْهُم رَسُول ويتصل بِهِ سَوَّلَ وَذكر الْعِمَاد فِي الْبَرْق انه وصل إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بعكا رَسُول

стр. 1316

أتابك مظفر الدّين قزل أرسلان وَهُوَ عُثْمَان بن أتابك إيلدكز المستولي على بِلَاد الْعَجم بعد أَخِيه البهلوان ثمَّ ذكر من خرقه فِي كرمه شَيْئا كثيرا ثمَّ قَالَ وَهَذَا كُله لَا يكون فِي بَحر سلطاننا جدولا كَانَ السُّلْطَان مَذْهَب الْمَذْهَب ظَاهر المحفل والموكب قد خصّه الله بالصدر الأرحب والنصر الْأَغْلَب عزمه إِلَى الْجِهَاد مَصْرُوف وخلقه بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوف وهمه بالسماح مشغوف مَا يَفْتَحهُ بِالسَّيْفِ فِي الْبِلَاد يَهبهُ لمن يضْرب مَعَه بِالسَّيْفِ فِي الْجِهَاد وللخالق تقواه وللمخلوقين جدواه وَإِنَّمَا يُرِيد للآخرة دُنْيَاهُ فَلَا جرم ختم الله بِالْحُسْنَى عقباه قَالَ وَلم يكن فِي الْمُلُوك السالفة أمضى مِنْهُ عزما وأجدى فضلا واعم جدوى واكمل جهدا فِي الْجِهَاد وأملك جلدا على الجلاد فَإِنَّهُ بَاشر بِنَفسِهِ الْحَرْب ومارس الصعب وَقذف بِالْحَقِّ حِين حَقَّقَهُ على الْبَاطِل فأزهقه وَلَا حد وَلَا عد لما فِي سَبِيل الله من نفائس النُّفُوس وَالْأَمْوَال أنفقهُ وَمن أول هَذَا الْعَام إِلَى منتهاه لم يجِف لورده لبد وَلم ينضب من ورده عد وَلم يقر لَهُ جنب بل لَقِي فِي فَصلي القيظ والقر مض الْحر وعض الْبرد بَحر وَجهه الْكَرِيم وَقضى حق الدّين موفيا بِصدق غرامه حق الْغَرِيم وكل مَا تمّ من النَّصْر يَوْم حطين وَفتح الْقُدس وتسلم بِلَاد السَّاحِل

стр. 1317

إِنَّمَا تسنى بِشَهْر سَيْفه فِي فصل الصَّيف وشهوره واستظهاره بِظُهُور الْإِسْلَام وَشد طهوره وَأنْشد الْعِمَاد للْقَاضِي الْفَاضِل فِي وصف أسيافه (ماضيات على الدَّوَام دوامي ... هِيَ فِي النَّصْر نجدة الْإِسْلَام) (فِي يَمِين السُّلْطَان إِن جردتها ... أشبهتها صواعق فِي غمام) (تنثر الْهَام كالحروف فَمَا ... أشبه هذي السيوف بالأقلام) (فِي محاريب حربه الْبيض صلت ... وركوع الظبى سُجُود الْهَام) وَذكر من كَلَامه فِي التَّوَسُّط بَين الأصدقاء مَا أَدخل بَيْنكُم إِلَّا كدخول المرود فِي الأجفان يرد إِلَيْهَا مَا ذهب مِنْهَا من النُّور والغمض أَو كالنسيم بَين الأغصان يعْطف بَعْضهَا على بعض قَالَ الْعِمَاد وَوصل أخي تَاج الدّين أَبُو بكر حَامِد من دَار الْخلَافَة برسالة فِي العتب على أَحْدَاث ثقلت وَأَحَادِيث نقلت ووشايات أثرت وسعايات فِي السُّلْطَان شعثت وَذَلِكَ فِي شَوَّال وَنحن على حِصَار صور وَسبب ذَلِك أَنه لما تمّ الْفَتْح الْأَكْبَر وَخص وَعم النجح الْأَظْهر وَقطع دابر الْمُشْركين وَحط إقبال الْمُسلمين أوزار أدبار الْكَافرين بحطين أَمرنِي السُّلْطَان بإنشاء كتب البشائر إِلَى الْآفَاق وَتَقْدِيم الْبُشْرَى بِهِ إِلَى الْعرَاق فَقلت هَذَا فتح كريم ومنح من الله عَظِيم فَلَا يَنْبَغِي ان يكون مُبشر دَار الْخلَافَة بِمَا أنزلهُ الله علينا من الرَّحْمَة والرأفة إِلَّا من هُوَ عندنَا أجل وَأجلى وَأعلم وَأَعْلَى وَأجْمع لفنون الْفَضَائِل وَأعرف بأَدَاء الرسائل فَلَا يرفع

стр. 1318

الْعَظِيم إِلَّا بالعظيم الرفيع فَإِن الشريف يتضع شرفه بمقارنة الوضيع فَقَالَ هَذِه نصْرَة مبتكرة وموهبة مبشرة بدرت وندرت فَنحْن نعجل بهَا بشيرا ونؤخر للإجلال كَمَا ذكرت سفيرا وَكَانَ فِي الْخدمَة شَاب بغدادي من الأجناد قد هَاجر للاسترفاد وَتوجه بعد وُصُوله وَنبهَ بعد خموله فَسَأَلَ فِي الْبشَارَة إِلَى بَغْدَاد وَزعم أَنه يداوم إِلَيْهَا الإغذاذ وشفع لَهُ جمَاعَة من الأكابر حَتَّى خص بأشرف البشائر فَقلت هَذَا لَا يحصل لَهُ وَقع وَلَا يصل إِلَيْهِ نفع وَالْوَاجِب أَن يسير فِي مثل هَذَا الخطير خطير وَفِي هَذِه النُّصْرَة الْكُبْرَى كَبِير ثمَّ سَار الْمَنْدُوب وشغلت عَن إرْسَال سواهُ الْفتُوح والحروب وَلما فتح الْبَيْت الْمُقَدّس أرسل ببشارته نجاب وَنفذ بهَا كتاب وَوصل البشير الجندي فحقروه وَمَا وقروه فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدهم بِعَين فنظروه بِتِلْكَ الْعين وحبوه بِمَا يَلِيق من الرقة وَالْعين ونقم على السُّلْطَان إرْسَال مثله وتسمح الْمَنْدُوب بِكَلَام أَخذ عَلَيْهِ وبدرت مِنْهُ أَحَادِيث نسبت إِلَيْهِ وَقَالَ فِي سكره وَحَالَة نكره مَا نعرض عَن ذكره فخيل وموه وتنكر وَتكره وَظن أَن لكَلَامه أصلا ولقطعه منا وصلا وأنهيت إِلَى الْعرض الْأَشْرَف مقالاته وَعلمت جهالاته وتجني على السُّلْطَان بإرساله وطرق إِلَى هداه مَا أنكروه من مقَال الْمَذْكُور وضلاله وَوجد الْأَعْدَاء حِينَئِذٍ إِلَى السّعَايَة طَرِيقا وطلبوا لشمل استسعاده بِالْخدمَةِ تفريقا واختلقوا أضاليل ولفقوا أباطيل وَقَالُوا

стр. 1319

هَذَا يزْعم أَنه يقلب الدولة ويغلب الصولة وَأَنه ينعَت بِالْملكِ النَّاصِر نعت الإِمَام النَّاصِر وَيدل بِمَالِه من الْقُوَّة والعساكر فأشفق الدِّيوَان الْعَزِيز على السُّلْطَان من هَذِه وبرز الْأَمر المطاع بإرسال أخي وإنفاذه وَقَالُوا هَذَا تَاج الدّين أَخُو الْعِمَاد يكفل لنا فِي كشف سر الْأَمر بالمراد فَإِن أَخَاهُ هُنَاكَ مطلع على الْأَسْرَار وَهُوَ مُنْتَظم فِي سلك الْأَوْلِيَاء الْأَبْرَار وعول عَلَيْهِ الدِّيوَان فِي السفارة ورد مَعَه جَوَاب الْبشَارَة وكتبت لَهُ تذكرة بموجبات مَقَاصِد العتب ومكدرات موارد الْقرب والمخاطبة فِيهَا وَإِن كَانَت حَسَنَة خشنة والمعاتبة مَعَ شدتها للعواطف الإمامية لينَة فَسَار الْأَخ إِلَى دمشق وَكَانَ قد عَاد الْمَنْدُوب نادبا عاديا جاحدا للنعمة شاكيا وَقَالَ أَخُو الْعِمَاد قد وصل بِكُل عتب وَغَضب وَلَفظ فظ وَمَعَهُ الملامات المؤلمات فَقلت لَهُ اسْكُتْ واصمت وَقلت للسُّلْطَان سمعا وَطَاعَة لأمر الدِّيوَان فَإِن إِظْهَار سر العتب لَك من غَايَة الْإِحْسَان فَقَالَ نعم مَا قلت وَلما قرب أخي أَصبَحت لقدومه أنتخي فَأمر السُّلْطَان الْأُمَرَاء على مَرَاتِبهمْ باستقباله وَتقدم لجلالة قدومه بإحلاله وتلقاه الْمُلُوك الْحَاضِرُونَ الْعَادِل والمظفر وَالْأَفْضَل وَالظَّاهِر ثمَّ ركب وتلقاه بِنَفسِهِ وَخَصه من تقريبه بأنسه وَلم يزل حَتَّى أرَاهُ مَوَاضِع الْحصار ومصارع الْكفَّار ثمَّ نزل وأنزله بِالْقربِ ثمَّ حضر عِنْده وَقد أخلى مَجْلِسه لي وَله وَحده فَأدى الْأَمَانَة فِي مشافهته وَوجه مقاصده فِي مواجهته وأحضر التَّذْكِرَة وَقد جمعت الْمعرفَة والنكرة فقرأتها عَلَيْهِ وَكَانَت فِي الْكتب غلظة عدت من الْكَاتِب غلطة

стр. 1320

وخيلت سقطه وجلبت سخطه وَقَالَ إِن الإِمَام أجل أَن يَأْمر بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ الفظاظ والأسجاع الْغِلَاظ فقد أمكن إِيدَاع هَذِه الْمعَانِي فِي أرق مِنْهَا لفظا وأرفق وأوفى مِنْهَا فضلا وأوفق ومعاذ الله أَن يحبط عَمَلي أَو يهْبط أملي وامتعض وارتمض ثمَّ أعرض عَمَّا عرض وَرجع إِلَى الاستعطاف وانتجع بأرق الاستسعاف وَقَالَ أما مَا تمحله الْأَعْدَاء وَعدا بِهِ المتمحلون فَمَا عرف مني إِلَّا الِاعْتِرَاف بالعارفة وَذكر السُّلْطَان أياديه السالفة فِي الفتوحات وَإِقَامَة الدعْوَة العباسية بِمصْر واليمن وَإِزَالَة الأدعياء وإبادة الْأَعْدَاء وَفتح الْبَيْت الْمُقَدّس قَالَ وَأما النَّعْت الَّذِي أنكر وَنبهَ على مَوضِع الْخَطَأ فِيهِ وَذكر فَهَذَا من عهد الإِمَام المستضيء والآن كل مَا يشرفني بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ من السمة فَإِنَّهُ أسمي الَّذِي هُوَ أسمى وأشرف وَأَرْفَع وَأعرف وَمَا عزمي إِلَّا استكمال الْفتُوح لأمير الْمُؤمنِينَ وَقطع دابر الْمُنَافِقين وَالْمُشْرِكين ثمَّ ندب مَعَ أخي من سَار فِي خدمته لزيارة الْقُدس ثمَّ ودعه وأودعه من شفاهه كل مَا فِي النَّفس وَظَهَرت بعد ذَلِك بِالْقبُولِ أثار الرضى وَمضى مَا مضى وَكَانَ جمَاعَة من الْمُلُوك والأمراء كالعادل ومظفر الدّين قد نخوه لما قيل فِي حَقه وَأَرَادُوا أَن يغضبوه فَمَا غضب بل غاض غيظه ونضب وتلقى ذَلِك بصدر رحيب وَلَفظ مُصِيب

стр. 1321

قلت ووقفت على كتاب كتبه الصاحب قوام الدّين بن زِيَادَة من الدِّيوَان الْعَزِيز بِبَغْدَاد إِلَى السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَكَانَ قوام الدّين يَوْمئِذٍ أستاذ الدَّار العزيزة يَقُول فِيهِ لَوْلَا مَكَان صَلَاح الدّين من الْخدمَة وَالشح بِهِ والمنافسة فِيهِ لما جَوْهَر بالعتاب وَلَا رفع دونه هَذَا الْحجاب بل كَانَ يتْرك مَعَه الْأَمر على اختلاله ويدمل الْجرْح على اعتلاله وَقد ذكرت الْأَسْبَاب الَّتِي أَخذهَا الدِّيوَان الْعَزِيز عَلَيْهِ واستغرب وُقُوعهَا من كَمَاله ليرعيها سَمعه الْكَرِيم ويستوري فِيهَا رَأْيه الْأَصِيل وينصف فِي استماعها والإجابة عَنْهَا غير عائج على الجدل وَلَا مؤتم بالمراء المذمومين عقلا وَشرعا بل يحمل قولي هَذَا على سَبِيل المماحضة والانتصاح وَصدق النِّيَّة فِي رأب الثأي والإصلاح فَإِن إبجار الدَّوَاء الْمقر لَا يتهم فِيهِ الطَّبِيب المجتلب للعافية ثمَّ ذكر من تِلْكَ الْأُمُور ان من انتقى من الْعرَاق بِسَبَب من الْأَسْبَاب لَجأ إِلَى صَلَاح الدّين فَوجدَ عِنْده الإقبال عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَدَب يُوجب إبعاد من أبعده عَنهُ وتقريب من قربه إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَإِن مِمَّا أضْحك ثغر الاستعبار مَا انْتهى عَن الْعَوام وَأَشْبَاه الْأَنْعَام وطغام الشَّام من الْخَوْض فِي الْمذَاهب والانتهاء فِي التشنيع إِلَى اخْتِلَاق كل قَول كَاذِب وَمِنْهَا مَا جرى من سيف الْإِسْلَام بالحجاز من إزعاج الْحجَّاج وإرهاج تِلْكَ الفجاج والإقدام على مَنَاسِك الله وشعائره وَإِيقَاد سعير الْفِتْنَة فِيهَا ونوائره واحتذاء السِّيرَة القاسطة وإحياء بدع القرامطة مَا

стр. 1322

نفر مِنْهُ كل طبع ومجه كل سمع فَكيف جَازَ لصلاح الدّين أَن يُرْخِي عنان أَخِيه فِيمَا يقْرض سوابقه وأواخيه وَمِنْهَا مَا قضى النَّاس مِنْهُ الْعجب وفورق فِيهِ الحزم وَالْأَدب وَهُوَ مَا أوجب التلقب باللقب الَّذِي اسْتَأْثر بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ قَالَ وَقد ساوق زمَان الدولة العباسية ثبتها الله خوارج دوخوا الْبِلَاد وأسرفوا فِي العناد وجاسوا خلال الديار وأخافوا المسالك واستضاموا الممالك واقتحموا من الشقاق أشق المهالك فَمَا انْتهى أحدهم فِيمَا احتقب وارتكب إِلَى الْمُشَاركَة فِي اللقب وَمن الحكم الذائعة فِي وجيز الْكَلَام الَّذِي يصلح للْمولى على العَبْد حرَام وَمِنْهَا مُكَاتبَة كل طرف يتاخم أَعمال الدِّيوَان من مَوَاطِن التركمان والأكراد ومراسلتهم ومهاداتهم وقرع أسماعهم بِمَا يعود باستزلال أَقْدَامهم وفل عزائمهم وهم لَا يعْرفُونَ إِلَّا أَنهم رعية للعراق وخول للديوان يَرِثُونَ الطَّاعَة خالفا عَن سالف ثمَّ قَالَ فِي آخر الْكتاب وَهَذَا كُله لَا أقوله إنكارا لجلائل مقامات صَلَاح الدّين ومشاهير مَوَاقِف جهاده فِي سَبِيل الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ أدام الله علوه رجل وقته ونسيج وَحده والمربي على من سلف من صنائع الدولة على من يَأْتِي بعده وَهُوَ الْوَلِيّ المخلص الَّذِي عهد فوفى واستكفي فَكفى وطب فشفى فَكيف يجوز لَهُ بسعادته أَن يهجن مساعيه الغر المحجلة وَيخرج من مكانته المكرمة المبجلة وَتبطل حُقُوقه الثَّابِتَة المسجلة ثمَّ قَالَ فقد علم كل من نظر فِي التواريخ والْآثَار ونصحته بصيرته فِي التبصر وَالِاعْتِبَار أَن هَذَا الْبَيْت الْعَظِيم مَا زَالَ يرفع الأقدار الخاملة فينزون عَلَيْهِ بطرا فيغار الله لَهُ منتصرا ويعقبه عَلَيْهِم إظفارا وظفرا كدأب

стр. 1323

آل طولون وَآل سامان وَآل بويه وَآل سجلوق وقرونا بَين ذَلِك كثيرا فَمن الَّذِي زلزلوه فَثَبت وَمن الَّذِي حصدوه فنيت وَأي نَار أوقدوها فَمَا خبت ثمَّ قَالَ فِي آخِره اللَّهُمَّ هَل بلغت وللرأي الصلاحي علوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَذكر ابْن القادسي أَن الجندي الَّذِي أرْسلهُ صَلَاح الدّين بالبشارة يعرف بالرشيد بن البوشنجي قَالَ وَكَانَ صَبيا كثير الإدبار مشمرا فِي دروب بَغْدَاد ثمَّ توجه إِلَى الشَّام هَارِبا من الْفقر فحين وصل إِلَى بَغْدَاد رَسُولا قَامَت الْقِيَامَة برسالته وَكتب إِلَى صَلَاح الدّين بالإنكار عَلَيْهِ وَقيل لَهُ مَا كَانَ فِي أَصْحَابك أميز من هَذَا ترسله إِلَى الدِّيوَان فَاعْتَذر صَلَاح الدّين ووصلت كتبه بالاعتذار وَقبل عذره وَأما ابْن البوشنجي فَإِنَّهُ حِين وُصُوله إِلَى الشَّام أَكثر الْكَلَام عِنْد صَلَاح الدّين فَأنْكر ذَلِك عَلَيْهِ فَلَمَّا مضى الْأُسْبُوع جَاءَتْهُ نشابة ذبحته فصل فِي بَاقِي حوادث سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ فَفِيهَا قتل الْأَمِير شمس الدّين بن الْمُقدم وَهُوَ مُحَمَّد بن عبد الْملك يَوْم عَرَفَة بهَا

стр. 1324

قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ السُّلْطَان لما فرغ من فتح الْقُدس ودنا موسم الْحَج قَالَ الموفقون نحرم من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام ونفوز بِالْحَجِّ مَعَ إِدْرَاك فَضِيلَة فتح الْبَيْت الْمُقَدّس فِي هَذَا الْعَام فالحج وَالْجهَاد ركنا الْإِسْلَام فَاجْتمع جمع جم من أهل ديار بكر والجزيرة وَالشَّام وَسَار بهم الْأَمِير شمس الدّين بن الْمُقدم شيخ أُمَرَاء الْإِسْلَام الْكِرَام فودعه السُّلْطَان على كره من مُفَارقَته واستمهله ليحج فِي السّنة الْأُخْرَى على مرافقته فَقَالَ مَا مَعْنَاهُ إِن الْعُمر قد فرغ والأمد قد بلغ والشيب قد أنذر وَالْفَرْض قد أعذر فأغتنم فرْصَة الْإِمْكَان قبل أَن يتَعَذَّر فَمضى والسعادة تقوده وَالشَّهَادَة تروده حَتَّى وصل إِلَى عَرَفَات وَمَا عرف الْآفَات وشاع وُصُوله وراع قبُوله وَضربت طبوله وسالت سيوله وجالت خيوله وَضربت خيامه وخفقت أَعْلَامه فَلَمَّا أَصْبحُوا نقرت على الْعَادة نقاراته ونعرت بوقاته فغاظ ذَلِك أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ فَركب إِلَيْهِ فِي أحزابه فأوقع بِهِ وبأصحابه وأبلاهم بجراحه ونهابه وَجرى حكم الله الَّذِي كَانَ ضرب الطبل أوكد أَسبَابه وَقتل جمَاعَة من حَاج الشَّام وجرحوا وهتكت أستارهم وافتضحوا وَنقل أَمِير الْحَاج طاشتكين شمس الدّين بن الْمُقدم إِلَى خيمته وَهُوَ مَجْرُوح وَفِيه روح وَحمله مَعَه إِلَى منى فَقضى وَدفن بالمعلى وَتمّ ذَلِك بِقَضَاء الله وَقدره فِي تقلب حوادث الدَّهْر وَغَيره وارتاع أَمِير الْحَاج بِمَا اجترمه وَكَيف لم يراقب الله وَأحل

стр. 1325

حرمه وَكَيف عدا على الْحَاج العائذ بِاللَّه وَسَفك دَمه فَكتب محضرا على مَا اقترحه بِعُذْرِهِ فِيمَا اجترحه وألزم أَعْيَان الْحَاج من سَائِر الْبِلَاد بِوَضْع خطوطهم على مَا عينه من المُرَاد فَكَتَبُوا مكرهين غير مشتهين وَكَانَ عذره أَنه أنكر عَلَيْهِ ضرب الطبل فَأبى فَلَمَّا انْتَهَت تِلْكَ الْحَالة إِلَى الْخَلِيفَة أنكرها إنكارا شَدِيدا ونسبها إِلَى طيش طاشتكين وَلم يجد لَهُ رَأيا سديدا فَلَا جرم اتضع عِنْده قدره واتضح لَهُ وزره ووهى أمره وَذُخْرهَا لَهُ حَتَّى نكبه بهَا بعد سِنِين وحبسه وَأطَال سجنه ثمَّ عَفا عَنهُ بعد مُدَّة مديدة وَشدَّة شَدِيدَة وولاه حَرْب بِلَاد خوزستان وخراجها وَولى إِمَارَة الْحَاج غَيره وَلما وصل إِلَى السُّلْطَان خبر استشهاد ابْن الْمُقدم وجماعته لامه على ترك الحزم وإضاعته فاحتسبه عِنْد الله غازيا شَهِيدا ساعيا إِلَى الْجنَّة بقدمه سعيدا وَأقَام ابْنه عز الدّين إِبْرَاهِيم فِي بِلَاده مقَامه وَأقر عَلَيْهِ إنعامه وَقَالَ مُحَمَّد بن القادسي فِي تَارِيخه ونقلته من خطه أَرَادَ أَمِير الْحَاج بِالشَّام وَهُوَ ابْن الْمُقدم أَن يرفع علما على الْجَبَل بالموقف فَمَنعه أَمِير الْحَاج طاشتكين وَجَرت بَينهمَا مراجعات أفضت إِلَى الْخُصُومَة بَين حَاج الْعرَاق وحاج الشَّام وَنهب الْبَعْض للْبَعْض وَجَرت جراحات فجرح ابْن الْمُقدم وَلم تغير الْعَادة فِي ذَلِك وأفاض النَّاس وَمَات ابْن الْمُقدم بمنى فِي الْيَوْم الثَّانِي ووصلت النجابة من مَكَّة فَأخْبرُوا بِمَا جرى من

стр. 1326

أَصْحَاب ابْن الْمُقدم وَقد شهد الشُّهُود بذلك من الْحجَّاج فقرئ ذَلِك بِجَامِع الْقصر الشريف قَالَ وَفِي ثَانِي شَوَّال من هَذِه السّنة توفّي أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبيد الله بن عبد الله سبط ابْن التعاويذي الشَّاعِر وَكَانَ كَاتبا بديوان المقاطعات وخدم بَيت ابْن رَئِيس الرؤساء وأضر فِي آخر عمره ومولده عَاشر رَجَب سنة تسع عشرَة وَخمْس مئة قَالَ وَفِي خَامِس رَمَضَان توفّي الْفَقِيه الْحَنْبَلِيّ أَبُو الْفَتْح نصر بن فتيَان بن مطر الْمَعْرُوف بِابْن الْمَنِيّ وَكَانَ فَقِيها زاهدا صَالحا عَالما مولده سنة إِحْدَى وَخمْس مئة وتفقه عَلَيْهِ جمَاعَة من أَئِمَّة الْحَنَابِلَة كالحافظ

стр. 1327

عبد الْغَنِيّ بن عبد الْوَاحِد بن سرُور وأخيه إِبْرَاهِيم وَالشَّيْخ الْمُوفق عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قدامَة وَمُحَمّد بن خلف بن رَاجِح والناصح عبد الرَّحْمَن بن نجم بن عبد الْوَهَّاب وَعبد الرَّزَّاق بن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلي وَغَيرهم

стр. 1328

ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة قَالَ الْعِمَاد فَخرج السُّلْطَان من عكا فَنزل على كَوْكَب فِي الْعشْر الْأَوْسَط من الْمحرم فحاصرها وصابرها أَيَّامًا فَلم يتَمَكَّن مِنْهَا لمنعتها وحصانتها وَرَآهَا تحْتَاج إِلَى طول مصابرة ومرابطة وَلم يكن مَعَه جَمِيع أمرائه وأوليائه وَإِنَّمَا كَانَ فِي خواصه فَوكل بهَا قايماز النجمي ووكل بصفد طغرل الجاندار كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي خمس مئة وسير إِلَى الكرك والشوبك سعد الدّين كمشبة الْأَسدي وَكَانَت هَذِه الْحُصُون الْأَرْبَعَة ضيقَة المسلك صعبة الْمدْرك قَالَ ثمَّ إِن السُّلْطَان اشْتغل بلقاء الرُّسُل الواصلين من جُمْلَتهمْ رَسُول صَاحب آمد قطب الدّين سكمان بن نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان وَكَانُوا خَائِفين على آمد أَن يسترجعها مِنْهُم السُّلْطَان لِأَنَّهَا كَانَت لَهُم من مواهبه كَمَا سبق فاستوثقوا

стр. 1329

بالوصلة باحدى بَنَات الْعَادِل وَكَانَ الْعَادِل قد وكل أَخَاهُ السُّلْطَان فِي ذَلِك لما سَار إِلَى مصر وَقدم رسولهم فِي ذَلِك فتمت الوصلة بَينهمَا قَالَ وَأول من وصل وَالسُّلْطَان بكوكب اخْتِيَار الدّين حسن بن غفراس مُدبر دولة قليج أرسلان بالروم وَكَانَ هَذَا الرَّسُول مغرى بِلبْس الْحلِيّ والديباج والوشي وَفِي يَدَيْهِ زنود وخواتيم مرصعة بزينة ثَقيلَة بجواهر ويواقيت ثمينة وَفِي عقودها درة يتيمة وَفِي يَده عَمُود من العسجد وكل عدته تبرها مجوهر وَكَانَ إِذا شَاهده السُّلْطَان تَبَسم وعامله بخلقه وَقَالَ هَذَا سَافر بنضاره لينْظر وبديناره ليبصر وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ رأى السُّلْطَان الِاشْتِغَال بِأخذ هَذِه الْحُصُون الْبَاقِيَة لَهُم مِمَّا يضعف قُلُوب من فِي صور ويهي أمرهَا بِهِ فاشتغل بذلك وَنزل ﵀ على كَوْكَب فِي أَوَائِل الْمحرم وَكَانَ سَبَب بداءته بكوكب أَنه كَانَ قد جعل حولهَا جمَاعَة يحفظونها من أَن تدخل إِلَيْهِم قُوَّة أَو جمَاعَة فَخرج الفرنج لَيْلًا وَأخذُوا غرتهم وكبسوهم بعفربلا وَقتلُوا مقدمهم وَكَانَ من الامراء يعرف بِسيف الدّين أخي جاولي وَأخذُوا أسلحتهم فَسَار

стр. 1330

رَحمَه الله من عكا وَنزل عَلَيْهَا بِمن كَانَ بَقِي مَعَه من خواصه بعكا فَإِنَّهُ كَانَ قد أعْطى العساكر دستورا وَلَقي فِي طَرِيقه شدَّة من الثَّلج وَالْبرد فَحملت السُّلْطَان مَعَ ذَلِك الحمية على النُّزُول عَلَيْهَا وَأقَام يقاتلها مُدَّة قَالَ وَفِي تِلْكَ الْمنزلَة وصلت إِلَى خدمته فَإِنِّي كنت قد حججْت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَكَانَت وقْعَة ابْن الْمُقدم وجرح يَوْم عَرَفَة على عَرَفَة لخلف جرى بَينه وَبَين أَمِير الْحَاج طاشتكين على ضرب الكوس والدبدبة فان أَمِير الْحَاج نَهَاهُ عَن ذَلِك فَلم ينْتَه ابْن الْمُقدم وَكَانَ من أكبر أُمَرَاء الشَّام وَكَانَ كثير الْخَيْر كثير الْغُزَاة فَقدر الله أَنه جرح بِعَرَفَة يَوْم عَرَفَة ثمَّ حمل إِلَى منى مجروحا فَمَاتَ بمنى يَوْم الْخَمِيس يَوْم عيد الله الْأَكْبَر وَصلي عَلَيْهِ فِي مَسْجِد الْخيف فِي بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم وَدفن بالمعلى وَهَذَا من أتم السعادات وَبلغ ذَلِك السُّلْطَان قدس الله روحه فشق عَلَيْهِ قَالَ ثمَّ اتّفق لي الْعود من الْحَج على الشَّام لقصد الْقُدس وزيارته وَالْجمع بَين زِيَارَة النَّبِي ﷺ وزيارة أَبِيه إِبْرَاهِيم ﵊ فوصلت إِلَى دمشق ثمَّ خرجت إِلَى الْقُدس فَبَلغهُ خبر وصولي فَظن أَنِّي وصلت من جَانب الْموصل فِي حَدِيث فاستحضرني عِنْده وَبَالغ فِي الْإِكْرَام والاحترام وَلما ودعته ذَاهِبًا إِلَى الْقُدس خرج إِلَيّ بعض خواصه وأبلغني تقدمه إِلَيّ بِأَن أَعُود أمثل فِي خدمته عِنْد الْعود من الْقُدس فَظَنَنْت أَنه يوصيني بمهم إِلَى

стр. 1331

الْموصل وانصرفت إِلَى الْقُدس الشريف يَوْم رحيله عَن كَوْكَب ورحل ﵀ لِأَنَّهُ علم أَن هَذَا الْحصن لَا يُؤْخَذ إِلَّا بِجمع العساكر عَلَيْهِ وَكَانَ حصنا قَوِيا وَفِيه رجال شَدَّاد من بقايا السَّيْف وميرة عَظِيمَة فَرَحل إِلَى دمشق وَكَانَ دُخُوله إِلَيْهَا فِي سادس ربيع الأول وَفِي ذَلِك الْيَوْم أتفق دخولي إِلَى دمشق عَائِدًا من الْقُدس فَأَقَامَ ﵀ فِي دمشق خَمْسَة أَيَّام وَكَانَ لَهُ غَائِبا عَنْهَا سِتَّة عشر شهرا قَالَ وَفِي الْيَوْم الْخَامِس بلغه خبر الفرنج أَنهم قصدُوا جبيل واغتالوها فَخرج منزعجا سَاعَة بُلُوغ الْخَبَر وَكَانَ قد سير إِلَى العساكر يستدعيها من سَائِر الجوانب وَسَار يطْلب جبيل فَلَمَّا عرف الفرنج بِخُرُوجِهِ كفوا عَن ذَلِك وَكَانَ بلغه وُصُول عماد الدّين وعسكر الْموصل ومظفر الدّين إِلَى حلب قَاصِدين الْخدمَة للغزاة فَسَار نَحْو حصن الأكراد فِي طلب السَّاحِل الفوقاني وَلما كَانَ مستهل ربيع الآخر نزل على تل قبالة حصن الأكراد ثمَّ سير إِلَى الْملك الظَّاهِر وَلَده وَالْملك المظفر بِأَن يجتمعا وينزلا بتيزين قبالة أنطاكية لحفظ ذَلِك الْجَانِب ففعلا وسارت عَسَاكِر الشرق حَتَّى اجْتمعت بِخِدْمَة السُّلْطَان فِي هَذِه الْمنزلَة

стр. 1332

ووصلت اليه ﵀ فِي هَذِه الْمنزلَة فَإِنَّهُ كَانَ قد سير إِلَيّ إِلَى دمشق يَقُول تلحقنا نَحْو حمص فَخرجت على عزم الْمسير إِلَى الْموصل متجهزا لذَلِك فوصلت إِلَيْهِ إمتثالا لأَمره فَلَمَّا حضرت عِنْده فَرح بِي وأكرمني وَكنت قد جمعت لَهُ كتابا فِي الْجِهَاد بِدِمَشْق مُدَّة مقَامي فِيهَا يجمع آدابه وَأَحْكَامه فقدمته بَين يَدَيْهِ فأعجبه وَكَانَ يلازم مطالعته وَمَا زلت أطلب دستورا فِي كل وَقت وَهُوَ يدافعني عَن ذَلِك ويستدعيني للحضور فِي خدمته فِي كل وَقت ويبلغني على أَلْسِنَة الْحَاضِرين ثَنَاؤُهُ عَليّ وَذكره إيَّايَ بالجميل فَأَقَامَ فِي مَنْزِلَته تِلْكَ شهر ربيع الآخر أجمع وَصعد فِي أَثْنَائِهِ إِلَى حصن الأكراد وحاصره يَوْمًا يجسه بِهِ فَمَا رأى الْوَقْت يحْتَمل حصاره وَاجْتمعت العساكر من الجوانب وأغار على بلد طرابلس فِي هَذَا الشَّهْر دفعتين وَدخل الْبِلَاد مغيرا ومختبرا لمن بهَا من العساكر وتقوية للعساكر بالغنائم ثمَّ نَادَى فِي النَّاس فِي أَوَاخِر الشَّهْر إِنَّا داخلون إِلَى السَّاحِل وَهُوَ قَلِيل الأزواد وَهُوَ مُحِيط بِنَا فِي بِلَاده من سَائِر الجوانب فاحملوا زَاد شهر ثمَّ سير إِلَيّ مَعَ الْفَقِيه عِيسَى وكشف لي أَنه لَيْسَ فِي عزمه أَن يمكنني من الْعود إِلَى بلادي وَكَانَ الله تَعَالَى قد أوقع فِي قلبِي

стр. 1333

محبته مُنْذُ رَأَيْته وَحب الْجِهَاد فأجبته إِلَى ذَلِك وخدمته من تَارِيخ مستهل جُمَادَى الأولى وَهُوَ يَوْم دُخُوله السَّاحِل الْأَعْلَى وَجَمِيع مَا حكيته من قبل إِنَّمَا هُوَ روايتي عَمَّن أَثِق بِهِ مِمَّن شاهدوه وَمن هَذَا التَّارِيخ مَا أسطر إِلَّا مَا شاهدته أَو أَخْبرنِي بِهِ من أَثِق بِهِ خَبرا يُقَارب العيان وَالله الْمُوفق فصل قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ جمَاعَة من أهل الحزم وأولي الْعَزْم قد أشاروا على السُّلْطَان لما فتح عكا بتخريبها وتعفية آثارها وَأَن يبْقى المرابطون المحامون مَكَانهَا فَلَا نَأْمَن عود الفرنج إِلَيْهَا وتملكها وَأَن تبنى قلعة القيمون فكاد يُجيب فَقيل لَهُ هَذِه مَدِينَة كَبِيرَة وَعمارَة كَثِيرَة فأشير عَلَيْهِ بتبقيتها وَأَن تعمر وتحصن فولى أَمر عمارتها وتدبيرها الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش وَهُوَ الَّذِي أدَار السُّور على مصر والقاهرة فاستدعاه من مصر وَأمره أَن يَسْتَنِيب فِي تِلْكَ الْعِمَارَة فَقدم عَلَيْهِ وَهُوَ بكوكب ففوض إِلَيْهِ عمَارَة عكا فشرع فِي تَجْدِيد سورها وتعلية أبراجها وَكَانَ قدم من مصر وَمَعَهُ أُسَارَى الْعَمَل وأنفاره وآلاته ودوابه وأبقاره قَالَ وَلما رتب السُّلْطَان الْأُمُور على كَوْكَب رَحل مستهل ربيع الأول وَدخل دمشق فِي سادسه وَكَانَ الْعَسْكَر الْغَائِب على

стр. 1334

مواعدة المعاودة فِي الرّبيع وَأَنه يجْتَمع على حمص بِالْجَمِيعِ وَكَانَت طَرِيق السُّلْطَان على بحيرة طبرية من شرقيها وتجنب عقبَة فيق لاستصعاب رقيها وَلما قَارب السُّلْطَان دمشق تَلقاهُ النَّاس أحسن لِقَاء فقد كَانُوا متعطشين إِلَى رُؤْيَته ومتشوقين إِلَى طلعته لِأَنَّهُ غَابَ عَنْهُم سنة وشهرين وَخَمْسَة أَيَّام فَكسر فِيهَا الْكفْر ونصرالإسلام وَفتح فِيهَا الأَرْض المقدسة وأشباهها من الْبِلَاد الَّتِي كَانَت بأوضار الْكفْر نَجِسَة فَأَصْبَحت بالايمان مؤسسة فَلَمَّا اسْتَقر قراره أَمر بإنشاء الْكتب لاستدعاء الأجناد من الْجِهَات للْجِهَاد من سَائِر الْبِلَاد وابتدأ بِالْجُلُوسِ فِي دَار الْعدْل وبحضرته الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء من أهل الْفضل قَالَ وَكَانَ السُّلْطَان قد ولى دمشق بدر الدّين مودودا الْمَعْرُوف بالشحنة وَهُوَ أَخُو عز الدّين فرخشاه لأمه وفوض إِلَيْهِ فِي هَذِه الْأَيَّام ولَايَة الدِّيوَان وَكَانَ مَعَ الصفي بن الْقَابِض مبقيت مَعَه الخزانة وَحدهَا وَكَانَ الصفي قد بنى للسُّلْطَان دَارا مطلة على الشرفين بالقلعة وَأنْفق عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وَبَالغ فِي تحبيرها وتحسينها وَظن أَنَّهَا تقع من السُّلْطَان بمَكَان فَمَا أعارها طرفا

стр. 1335

وَلَا استحسنها وَكَانَت من جملَة ذنُوبه عِنْد السُّلْطَان الَّتِي أوجبت عَزله عَن الدِّيوَان وَقَالَ مَا يصنع بِالدَّار من يتَوَقَّع الْمَوْت وَمَا خلقنَا إِلَّا لِلْعِبَادَةِ وَالسَّعْي للسعادة وَمَا جِئْنَا دمشق لنقيم وَمَا نروم أَن لَا نريم قَالَ ثمَّ هم بالغزاة فَبَدَأَ بزيارة القَاضِي الْفَاضِل وَكَانَ مُقيما بجوسق ابْن الْفراش بالشرف الْأَعْلَى فِي بستانه فاستضاء بِرَأْيهِ فِيمَا يُرِيد فعله وَكَانَ لَا يَأْتِي أمرا إِلَّا من بَابه فَأَقَامَ عِنْده إِلَى الظّهْر ثمَّ ودعه ورحل قلت وَمَا أحسن مَا قَالَ ابْن الذروي فِي الآراء الْفَاضِلِيَّةِ من قصيدة مدحه بهَا (لرأيك هَذَا النَّصْر للدّين ينتمي ... فَلَا يَنْتَحِلهُ كل عضب ولهذم) (وَإِن كَانَ فِيهِ للأسنة والظبى ... مساعدة فالفضل للمتقدم) (تُشِير على الْإِسْلَام مِنْك فراسة ... لَهَا حزم طب واحتراز منجم) (وتحميه أَلْفَاظ لديك كَأَنَّهَا ... قواطع بتر أَو نوافذ أسْهم) (أَلا حبذا فتح نشرت لِوَاءُهُ ... وَقلت لخيل ألله يَا خيل أقدمي) (وَقمت وَقد نَام الْأَنَام مناجيا ... لمولاي نج الْمُسلمين وَسلم)
следующие страницы →