Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الْموصل وانصرفت إِلَى الْقُدس الشريف يَوْم رحيله عَن كَوْكَب ورحل ﵀ لِأَنَّهُ علم أَن هَذَا الْحصن لَا يُؤْخَذ إِلَّا بِجمع العساكر عَلَيْهِ وَكَانَ حصنا قَوِيا وَفِيه رجال شَدَّاد من بقايا السَّيْف وميرة عَظِيمَة فَرَحل إِلَى دمشق وَكَانَ دُخُوله إِلَيْهَا فِي سادس ربيع الأول وَفِي ذَلِك الْيَوْم أتفق دخولي إِلَى دمشق عَائِدًا من الْقُدس فَأَقَامَ ﵀ فِي دمشق خَمْسَة أَيَّام وَكَانَ لَهُ غَائِبا عَنْهَا سِتَّة عشر شهرا
قَالَ وَفِي الْيَوْم الْخَامِس بلغه خبر الفرنج أَنهم قصدُوا جبيل واغتالوها فَخرج منزعجا سَاعَة بُلُوغ الْخَبَر وَكَانَ قد سير إِلَى العساكر يستدعيها من سَائِر الجوانب وَسَار يطْلب جبيل فَلَمَّا عرف الفرنج بِخُرُوجِهِ كفوا عَن ذَلِك وَكَانَ بلغه وُصُول عماد الدّين وعسكر الْموصل ومظفر الدّين إِلَى حلب قَاصِدين الْخدمَة للغزاة فَسَار نَحْو حصن الأكراد فِي طلب السَّاحِل الفوقاني
وَلما كَانَ مستهل ربيع الآخر نزل على تل قبالة حصن الأكراد ثمَّ سير إِلَى الْملك الظَّاهِر وَلَده وَالْملك المظفر بِأَن يجتمعا وينزلا بتيزين قبالة أنطاكية لحفظ ذَلِك الْجَانِب ففعلا وسارت عَسَاكِر الشرق حَتَّى اجْتمعت بِخِدْمَة السُّلْطَان فِي هَذِه الْمنزلَة
стр. 1332
ووصلت اليه ﵀ فِي هَذِه الْمنزلَة فَإِنَّهُ كَانَ قد سير إِلَيّ إِلَى دمشق يَقُول تلحقنا نَحْو حمص فَخرجت على عزم الْمسير إِلَى الْموصل متجهزا لذَلِك فوصلت إِلَيْهِ إمتثالا لأَمره فَلَمَّا حضرت عِنْده فَرح بِي وأكرمني
وَكنت قد جمعت لَهُ كتابا فِي الْجِهَاد بِدِمَشْق مُدَّة مقَامي فِيهَا يجمع آدابه وَأَحْكَامه فقدمته بَين يَدَيْهِ فأعجبه وَكَانَ يلازم مطالعته وَمَا زلت أطلب دستورا فِي كل وَقت وَهُوَ يدافعني عَن ذَلِك ويستدعيني للحضور فِي خدمته فِي كل وَقت ويبلغني على أَلْسِنَة الْحَاضِرين ثَنَاؤُهُ عَليّ وَذكره إيَّايَ بالجميل فَأَقَامَ فِي مَنْزِلَته تِلْكَ شهر ربيع الآخر أجمع وَصعد فِي أَثْنَائِهِ إِلَى حصن الأكراد وحاصره يَوْمًا يجسه بِهِ فَمَا رأى الْوَقْت يحْتَمل حصاره وَاجْتمعت العساكر من الجوانب
وأغار على بلد طرابلس فِي هَذَا الشَّهْر دفعتين وَدخل الْبِلَاد مغيرا ومختبرا لمن بهَا من العساكر وتقوية للعساكر بالغنائم ثمَّ نَادَى فِي النَّاس فِي أَوَاخِر الشَّهْر إِنَّا داخلون إِلَى السَّاحِل وَهُوَ قَلِيل الأزواد وَهُوَ مُحِيط بِنَا فِي بِلَاده من سَائِر الجوانب فاحملوا زَاد شهر
ثمَّ سير إِلَيّ مَعَ الْفَقِيه عِيسَى وكشف لي أَنه لَيْسَ فِي عزمه أَن يمكنني من الْعود إِلَى بلادي وَكَانَ الله تَعَالَى قد أوقع فِي قلبِي
стр. 1333
محبته مُنْذُ رَأَيْته وَحب الْجِهَاد فأجبته إِلَى ذَلِك وخدمته من تَارِيخ مستهل جُمَادَى الأولى وَهُوَ يَوْم دُخُوله السَّاحِل الْأَعْلَى وَجَمِيع مَا حكيته من قبل إِنَّمَا هُوَ روايتي عَمَّن أَثِق بِهِ مِمَّن شاهدوه وَمن هَذَا التَّارِيخ مَا أسطر إِلَّا مَا شاهدته أَو أَخْبرنِي بِهِ من أَثِق بِهِ خَبرا يُقَارب العيان وَالله الْمُوفق
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ جمَاعَة من أهل الحزم وأولي الْعَزْم قد أشاروا على السُّلْطَان لما فتح عكا بتخريبها وتعفية آثارها وَأَن يبْقى المرابطون المحامون مَكَانهَا فَلَا نَأْمَن عود الفرنج إِلَيْهَا وتملكها وَأَن تبنى قلعة القيمون فكاد يُجيب فَقيل لَهُ هَذِه مَدِينَة كَبِيرَة وَعمارَة كَثِيرَة فأشير عَلَيْهِ بتبقيتها وَأَن تعمر وتحصن فولى أَمر عمارتها وتدبيرها الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش وَهُوَ الَّذِي أدَار السُّور على مصر والقاهرة فاستدعاه من مصر وَأمره أَن يَسْتَنِيب فِي تِلْكَ الْعِمَارَة فَقدم عَلَيْهِ وَهُوَ بكوكب ففوض إِلَيْهِ عمَارَة عكا فشرع فِي تَجْدِيد سورها وتعلية أبراجها وَكَانَ قدم من مصر وَمَعَهُ أُسَارَى الْعَمَل وأنفاره وآلاته ودوابه وأبقاره
قَالَ وَلما رتب السُّلْطَان الْأُمُور على كَوْكَب رَحل مستهل ربيع الأول وَدخل دمشق فِي سادسه وَكَانَ الْعَسْكَر الْغَائِب على
стр. 1334
مواعدة المعاودة فِي الرّبيع وَأَنه يجْتَمع على حمص بِالْجَمِيعِ وَكَانَت طَرِيق السُّلْطَان على بحيرة طبرية من شرقيها وتجنب عقبَة فيق لاستصعاب رقيها وَلما قَارب السُّلْطَان دمشق تَلقاهُ النَّاس أحسن لِقَاء فقد كَانُوا متعطشين إِلَى رُؤْيَته ومتشوقين إِلَى طلعته لِأَنَّهُ غَابَ عَنْهُم سنة وشهرين وَخَمْسَة أَيَّام فَكسر فِيهَا الْكفْر ونصرالإسلام وَفتح فِيهَا الأَرْض المقدسة وأشباهها من الْبِلَاد الَّتِي كَانَت بأوضار الْكفْر نَجِسَة فَأَصْبَحت بالايمان مؤسسة
فَلَمَّا اسْتَقر قراره أَمر بإنشاء الْكتب لاستدعاء الأجناد من الْجِهَات للْجِهَاد من سَائِر الْبِلَاد وابتدأ بِالْجُلُوسِ فِي دَار الْعدْل وبحضرته الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء من أهل الْفضل
قَالَ وَكَانَ السُّلْطَان قد ولى دمشق بدر الدّين مودودا الْمَعْرُوف بالشحنة وَهُوَ أَخُو عز الدّين فرخشاه لأمه وفوض إِلَيْهِ فِي هَذِه الْأَيَّام ولَايَة الدِّيوَان وَكَانَ مَعَ الصفي بن الْقَابِض مبقيت مَعَه الخزانة وَحدهَا وَكَانَ الصفي قد بنى للسُّلْطَان دَارا مطلة على الشرفين بالقلعة وَأنْفق عَلَيْهَا أَمْوَالًا كَثِيرَة وَبَالغ فِي تحبيرها وتحسينها وَظن أَنَّهَا تقع من السُّلْطَان بمَكَان فَمَا أعارها طرفا
стр. 1335
وَلَا استحسنها وَكَانَت من جملَة ذنُوبه عِنْد السُّلْطَان الَّتِي أوجبت عَزله عَن الدِّيوَان وَقَالَ مَا يصنع بِالدَّار من يتَوَقَّع الْمَوْت وَمَا خلقنَا إِلَّا لِلْعِبَادَةِ وَالسَّعْي للسعادة وَمَا جِئْنَا دمشق لنقيم وَمَا نروم أَن لَا نريم
قَالَ ثمَّ هم بالغزاة فَبَدَأَ بزيارة القَاضِي الْفَاضِل وَكَانَ مُقيما بجوسق ابْن الْفراش بالشرف الْأَعْلَى فِي بستانه فاستضاء بِرَأْيهِ فِيمَا يُرِيد فعله وَكَانَ لَا يَأْتِي أمرا إِلَّا من بَابه فَأَقَامَ عِنْده إِلَى الظّهْر ثمَّ ودعه ورحل
قلت وَمَا أحسن مَا قَالَ ابْن الذروي فِي الآراء الْفَاضِلِيَّةِ من قصيدة مدحه بهَا
(لرأيك هَذَا النَّصْر للدّين ينتمي ... فَلَا يَنْتَحِلهُ كل عضب ولهذم)
(وَإِن كَانَ فِيهِ للأسنة والظبى ... مساعدة فالفضل للمتقدم)
(تُشِير على الْإِسْلَام مِنْك فراسة ... لَهَا حزم طب واحتراز منجم)
(وتحميه أَلْفَاظ لديك كَأَنَّهَا ... قواطع بتر أَو نوافذ أسْهم)
(أَلا حبذا فتح نشرت لِوَاءُهُ ... وَقلت لخيل ألله يَا خيل أقدمي)
(وَقمت وَقد نَام الْأَنَام مناجيا ... لمولاي نج الْمُسلمين وَسلم)
стр. 1336
فصل فِي دُخُول السُّلْطَان ﵀ السَّاحِل الآخر وَفتح مَا يسر الله تَعَالَى من بِلَاده
قَالَ الْعِمَاد ثمَّ رَحل السُّلْطَان فسلك فِي جبل يبوس إِلَى عين الْجَرّ إِلَى الدلهمية على الْبِقَاع وأتى بعلبك وخيم بمرج عدوسة ثمَّ رَحل على سمت اللبوة ثمَّ أَتَى الزِّرَاعَة وَوصل الْخَبَر بوصول عماد الدّين صَاحب سنجار فِي جموعه وَجُنُوده ونزوله على قدس من عمل حمص على نهر العَاصِي وَلما ترَاءى موكبه لموكب السُّلْطَان تقَابل القمران ثمَّ تقارن النيرَان وَاجْتمعَ السعدان وَسعد الْجَمْعَانِ فخيم السُّلْطَان عِنْد مخيمه وَسَأَلَ أَن يزوره السُّلْطَان بموكبه فَأجَاب دَعوته ثمَّ رتب السُّلْطَان يَوْمًا لحضوره عِنْده وتهاديا وتصافيا
وَكَانَ أَيَّام المشمش وَقد وصل من دمشق فَأَفْرَح قدومه وطلعت فِي أبراج الأطباق نجومه كَأَنَّهَا كرات من التبر مصوغة أَو بالورس مصبوغة صفر كَأَنَّهَا ثَمَر الرَّايَات الناصرية حلا منْظرًا وذوقا وَلَو نظم جوهره لَكَانَ طوقا كَأَنَّمَا خرط من الصندل وخلط بالمندل وجمد من الثَّلج وَالْعَسَل
стр. 1337
وتصاحب هُوَ وَالسُّلْطَان فِي الرّكُوب وَالْجُلُوس والتناجي بِمَا فِي النُّفُوس وتكررت الْمُشَاورَة فِي الْموضع الَّذِي يبتدأ بِقَصْدِهِ وَاتَّفَقُوا على عرقا وعقرها وَالنُّزُول بعقرها وَأَنَّهَا اذا ملكت ملكت طرابلس فأقاموا بقدس إِلَى آخر الشَّهْر حَتَّى اجْتمعت الجموع ووصلت قبائل العربان ثمَّ سَار السُّلْطَان أول ربيع الآخر وخيم بِقرب حصن الأكراد على البقيعة ثمَّ شن الاغارة على نواحي الْحصن وصافيثا والعريمة وَتلك الْحُصُون فاستخرج مَا فِيهَا من المخزون وَفتح حصن يحمور وسامه الدمور وَلم تزل الاغارات والغنائم وهم فِي تِلْكَ الْمنزلَة إِلَى آخر الشَّهْر فوصل قَاضِي جبلة مَنْصُور بن نبيل وَجَمَاعَة مَعَه فَأَشَارَ على السُّلْطَان بقصدها وتكفل بِفَتْحِهَا وَفتح اللاذقية وَتلك الْحُصُون والمعاقل الشمالية
وَكَانَت تِلْكَ الْبِلَاد قد سلمهَا إِلَيْهِ ابرنس أنطاكية وعول عَلَيْهِ فِيهَا وَقَالَ إِن الِاشْتِغَال بطرابلس مَعَ احتراسها يذهب الزَّمَان ويفوت الامكان والمسلمون بجبلة مجبولون على التَّسْلِيم مؤملون أَن يتبدل شقاؤهم مِنْك بالنعيم فأصغى السُّلْطَان إِلَى قَوْله وأصفى لَهُ ورد طوله وَكَانَ قد وصل إِلَيْهِ مقدمو جبل بهرا فوفر لَهُم رواتبهم وأجرى فندبوا إِلَى أتباعهم وَكَتَبُوا إِلَى أشياعهم
стр. 1338
فصل فِي فتح أنطرطوس
قَالَ الْعِمَاد وَأجْمع السُّلْطَان على دُخُول السَّاحِل بِتِلْكَ العساكر والجحافل فَرَحل يَوْم الْجُمُعَة رَابِع جُمَادَى الأولى فسرنا فِي آجام مؤتشبة وآكام معشبة وحزون وسهول وشعاب وتلول حَتَّى خرجنَا إِلَى ساحة السَّاحِل ونزلنا بهَا وسرنا السَّاحِل السَّاحِل فِي ثَلَاث مراحل حَتَّى وصلنا أنطرطوس سادس الشَّهْر فأحدقنا بهَا من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر فأخلى الفرنج الْبَلَد وَمَا أحوجوا إِلَى الْحصْر واجتمعوا فِي برجين عظيمين هما لأنطرطوس كالقلعتين ونقلوا إِلَيْهِمَا من الْأَمْوَال مَا قدرُوا عَلَيْهِ فحصر مظفر الدّين كوكبري أحد البرجين حَتَّى أنزلهم بالأمان ثمَّ نقبه من أساسه وألقاه على أم راسه وَعجل دماره وَألقى فِي الْبَحْر أحجاره وَملك جَمِيع مَا فِيهِ وَامْتنع البرج الآخر وَفِيه الداوية وشوكتهم ومقدمهم الَّذِي أسر يَوْم حطين وَأطلق لما سلم مَا اشْترط عَلَيْهِ من الْبِلَاد ثمَّ اجْتمع بِأَصْحَابِهِ فِي هَذَا البرج وَقواهُ بالآت الْحصْر فَامْتنعَ فَتحه فاشتغل الْمُسلمُونَ بتعفية الْبَلَد واخلائه
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد دخل السُّلْطَان السَّاحِل على تعبية لِقَاء
стр. 1339
الْعَدو ورتب الأطلاب وسارت الميمنة أَولا ومقدمها عماد الدّين زنكي وَالْقلب فِي الْوسط والميسرة فِي الْأَخير ومقدمها مظفر الدّين بن زين الدّين وَسَار الثّقل فِي وسط العسكرحتى أَتَى الْمنزل فبتنا تِلْكَ اللَّيْلَة فِي بلد الْعَدو ثمَّ رَحل فِي صَبِيحَة السبت وَنزل على العريمة فَلم يقاتلها وَلم يعرض لَهَا وَلَكِن أَقَامَ عَلَيْهَا بَقِيَّة يَوْمه ورحل يَوْم الْأَحَد
وَوصل أنطرطوس فَوقف قبالتها ينظر إِلَيْهَا وَكَانَ فِي عزمه الاجتياز إِلَى جبلة فاستهان بأمرها فسير من رد الميمنة وأمرها بالنزول على جَانب الْبَحْر وَأمر الميسرة بالنزول على الْبَحْر من الْجَانِب الآخر فَمَا استتم نصب الخيم حَتَّى صعد النَّاس السُّور وغنم الْعَسْكَر جَمِيع من بهَا وَمَا بهَا وَخرج النَّاس والأسرى بِأَيْدِيهِم وَأَمْوَالهمْ وَترك الغلمان نصب الخيم وَاشْتَغلُوا بِالْكَسْبِ والنهب ووفى بقوله ﵀ فَإِنَّهُ كَانَ قد عرض عَلَيْهِ الْغَدَاء فَقَالَ نتغدى بأنطرطوس إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَعَاد إِلَى خيمته فَرحا مَسْرُورا وحضرنا عِنْده للهناء بِمَا جرى وَمد الطَّعَام وَحضر النَّاس وأكلوا على عَادَتهم ورتب على البرجين الباقيين الْحصار فَسلم أَحدهمَا إِلَى مظفر الدّين فَمَا زَالَ يحاصره حَتَّى أخربه وَأخذ من كَانَ فِيهِ وَأمر السُّلْطَان باخراب سور الْبَلَد وقسمه على الْأُمَرَاء وَكَانَ البرج الآخر حصينا منيعا مَبْنِيا
стр. 1340
بِالْحجرِ النحيت وَقد اجْتمع من كَانَ فِيهَا من الخيالة والمقاتلة فِيهِ وخندقه فِيهِ المَاء وَفِيه جروخ كَثِيرَة تجرح النَّاس عَن بعد فَرَأى السُّلْطَان تَأْخِير أمره والاشتغال بِمَا هُوَ أهم مِنْهُ فَاشْتَدَّ فِي خراب السُّور حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ وَخرب الْبيعَة وَهِي بيعَة عَظِيمَة عِنْدهم محجوج إِلَيْهَا من أقطار بِلَادهمْ وَأمر بِوَضْع النَّار فِي الْبَلَد فَأحرق جَمِيعه والأصوات مُرْتَفعَة بالتهليل وَالتَّكْبِير وَأقَام عَلَيْهَا يخربها إِلَى رَابِع عشر الشَّهْر وَسَار يُرِيد جبلة وَعرض لَهُ وَلَده الظَّاهِر فِي أثْنَاء طَرِيق جبلة وَمَعَهُ العساكر الَّتِي كَانَت بتيزين
فصل فِي فتح جبلة وَغَيرهَا
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَكَانَ وُصُول السُّلْطَان إِلَى جبلة يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشر الشَّهْر وَمَا استتم نزُول الْعَسْكَر حَتَّى أَخذ الْبَلَد وَكَانَ فِيهِ مُسلمُونَ مقيمون فِيهِ وقاض يحكم بَينهم وَكَانَ قد عمل على الْبَلَد فَلم يمْتَنع وَبقيت القلعة ممتنعة وَنزل الْعَسْكَر محدقا بِالْبَلَدِ وَقد دخله الْمُسلمُونَ واشتغل بِقِتَال القلعة فقوتلت قتلا يُقيم عذرا لمن كَانَ فِيهَا وسلمت بالأمان يَوْم السبت تَاسِع عشر الشَّهْر وَأقَام عَلَيْهَا إِلَى الثَّالِث وَالْعِشْرين وَسَار عَنْهَا يطْلب اللاذقية
وَقَالَ الْعِمَاد بعد فتح أنطرطوس وصل إِلَيْنَا رجال حماة
стр. 1341
فَرَحل السُّلْطَان يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر الشَّهْر وَنزل على مرقية وَقد أخلاها سكانها فخيم فِيهَا أهل الْإِسْلَام وطاب لَهُم فِيهَا الْمقَام وَكَانَت الطَّرِيق إِلَى جبلة على السَّاحِل ضيقَة المسالك صعبة المراحل وَهُنَاكَ للفرنج الاسبتارحصن يُقَال لَهُ المرقب مأهول معمور وَلَا طَرِيق إِلَّا تَحت تله
وَاتفقَ أَن طاغية صقلية لما شجاه مَا تمّ على الفرنج فِي السَّاحِل جهز أسطولا يشْتَمل من الشواني على سِتِّينَ قِطْعَة تحسب كل وَاحِدَة مِنْهَا قلعة أَو تلعة وَقدم عَلَيْهَا طاغية يُقَال لَهُ المرغريط فوصل وَمَا ضرّ وَلَا نفع فَإِن فرنج السَّاحِل مَا رفعوا بِهِ رَأْسا وتضجروا مِنْهُ وَكَانَ فِي عشرَة آلَاف رجل يَحْتَاجُونَ إِلَى ميرة وكلف كَبِيرَة فَصَارَ إِلَى صور ثمَّ رَجَعَ إِلَى طرابلس وَتردد فِي الْبَحْر وتلدد وأبلس واضطرب أشهرا لَا يظْهر لَهُ رَأْي وَلَا يرى لَهُ مظْهرا فَلَمَّا سمع بعبور عَسَاكِر الْمُسلمين على السَّاحِل إِلَى جبلة جَاءَ بالشواني وصفهَا على موازاة الطَّرِيق ومباراة الْمضيق وفيهَا الرُّمَاة فَأمر السُّلْطَان بِنَقْل الجفاتي إِلَى هُنَاكَ وتصفيفها وتكثير ستائرها وأجلس الرُّمَاة من وَرَائِهَا فَمَا زَالَ الْأَمر على ذَلِك وَالرُّمَاة ترمي وتصمي وَعَامة الْمُسلمين فِي سلوك ذَلِك الْمضيق حَتَّى خفت الأثقال وعبرت الْأَحْمَال
стр. 1342
وخلص الْمُسلمُونَ من ذَلِك الشق بِغَيْر مشقة وجازوا على مَدِينَة يُقَال لَهَا بلنياس وَقد انجلى عَنْهَا النَّاس فخيم الْمُسلمُونَ فِيهَا ثمَّ اصبحوا على الرحيل فاعترضهم نهر عريض عميق مَا فِيهِ طَرِيق وَهُوَ مطرد من الْجَبَل إِلَى الْبَحْر وَفِيه قنطرة وَاحِدَة فتنكبها السُّلْطَان بالجحفل وَمضى يَمِينا إِلَى الْجَبَل وَأبْعد حَتَّى عبر فَوق رَأس الْعين واحتاطت العساكر بالنهر من الْجَانِبَيْنِ وتزاحمت الأثقال على القنطرة فَمَا خلصوا تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَى آخرهَا وَنزل السُّلْطَان قبل وُصُول الأثقال على بَلْدَة وَهِي بَلْدَة كاسمها بَلْدَة وَهِي بليدَة من غربي النَّهر وعَلى شاطئ الْبَحْر وجانباها الْآخرَانِ خَنْدَق يلتقي فِيهِ البحران وَقد أخلاها أَيْضا أَهلهَا وتفرق شملها
وَأصْبح السُّلْطَان يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشر جُمَادَى الأولى على جبلة فتسلمها الْمُسلمُونَ فِي الْوَقْت وَذَلِكَ أَن قاضيها كَانَ قد سبق ودخلها وَقرن بالنجح للْمُسلمين أملهَا فَلَمَّا وصلوا أَعلَى الْأَعْلَام الناصرية على سورها وخلص الْمُسلمُونَ بهَا من مساكنة الْكَفَرَة وتحصن الفرنج بحصنيها واحتموا بقلعتيها فَمَا زَالَ قَاضِي جبلة يخوفهم ويرغبهم حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ بِشَرْط أَن يسترهنهم إِلَى أَن يردوا من أنطاكية رهائن جبلة من الْمُسلمين فضبط عِنْده جمَاعَة من رُؤُوس الفرنج والمقدمين حَتَّى أعَاد
стр. 1343
صَاحب أنطاكية الرهائن الَّتِي عِنْده ففك بهَا رهائنه وَتَوَلَّى قَاضِي جبلة الْأَمر فاستخرج ذخائر الْكفْر ودفائنه واستنظفهم من كل سلَاح وعدة وخيل وَقُوَّة
وَجَاء مقدمو الْجَبَل سَامِعين مُطِيعِينَ وَفِي الْجَبَل على سمت طَرِيق حماة حصن يعرف ببكسرائيل وَكَانَ أهل الْجَبَل استعادوه من الفرنج مُنْذُ سِنِين فتسلمه السُّلْطَان أَيْضا مِنْهُم ثمَّ سلم جبلة إِلَى سَابق الدّين عُثْمَان صَاحب شيزر وبجل قَاضِي جبلة وشرفه وَحبس عَلَيْهِ ملكا نفيسا وَوَقفه وَصَرفه فِي أَمْلَاك آبَائِهِ وَحكمه فِي ولَايَة حكمه وقضائه
فصل فِي فتح اللاذقية
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَهِي بلد مليح خَفِيف على الْقلب غير مسور وَله ميناء مَشْهُور وَله قلعتان متصلتان على تل يشرف على الْبَلَد فَنزل السُّلْطَان رَحْمَة الله عَلَيْهِ يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى محدقا بِالْبَلَدِ وَأخذ العسكرمنازلهم مستديرين على القلعتين من جَمِيع نَوَاحِيهَا إِلَّا من نَاحيَة الْبَلَد وَاشْتَدَّ الْقِتَال وَعظم الزَّحْف وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وَقَوي
стр. 1344
الضجيج إِلَى آخر النَّهَار وَأخذ الْبَلَد دون القلعتين وغنم النَّاس مِنْهُ غنيمَة عَظِيمَة فَإِنَّهُ كَانَ بلد التُّجَّار
وَفرق بَين النَّاس اللَّيْل وهجومه وَأصْبح يَوْم الْجُمُعَة مُقَاتِلًا مُجْتَهدا فِي أَخذ النقوب من شمَالي القلاع وَتمكن مِنْهَا النقب حَتَّى بلغ طوله على مَا حكى لي من ذرعه عشْرين ذِرَاعا وَعرضه أَربع أَذْرع فَاشْتَدَّ الزَّحْف عَلَيْهِ حَتَّى صعد النَّاس الْجَبَل وقاربوا السُّور وتواصل الْقِتَال حَتَّى صَارُوا يتحاذفون بحجارة الْيَد فَلَمَّا رأى عَدو الله مَا حل بِهِ من الصغار والبوار اسْتَغَاثُوا بِطَلَب الْأمان وطلبوا قَاضِي جبلة يدْخل إِلَيْهِم ليقرر لَهُم قَاعِدَة الْأمان فأجيبوا إِلَى ذَلِك
وَكَانَ ﵀ مَتى طلب مِنْهُ الْأمان لَا يبخل بِهِ فَعَاد النَّاس عَنْهُم إِلَى خيامهم وَقد أَخذ مِنْهُم التَّعَب فَبَاتُوا إِلَى صَبِيحَة السبت وَدخل قَاضِي جبلة إِلَيْهِم وَاسْتقر الْحَال مَعَهم على أَنهم يطلقون بِأَنْفسِهِم وذراريهم وَنِسَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ خلا الغلال والذخائر وآلات السِّلَاح وَالدَّوَاب وَأطلق لَهُم دَوَاب يركبونها إِلَى مأمنهم ورقي عَلَيْهَا الْعلم الإسلامي الْمَنْصُور فِي بَقِيَّة يَوْم السبت وأقمنا عَلَيْهَا يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى
وَقَالَ الْعِمَاد رَحل السُّلْطَان إِلَى اللاذقية يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى فَبَاتَ بِالْقربِ مِنْهَا وصبحها يَوْم
стр. 1345
الْخَمِيس وَقد لَاذَ أَهلهَا بقلاعها وَهِي ثَلَاث قلاع متلاصقات على طول التل متناسقات كأنهن على رَأس راس راسخ وذروة أَشمّ شامخ فسهل الله لنا فرعها وشرعنا نستأصل أَصْلهَا وفرعها فطلبوا السنجق الناصري ونصبوه على السُّور عَشِيَّة يَوْم الْجُمُعَة فَلَمَّا أَصْبحُوا صعد إِلَيْهِم قَاضِي جبلة وأنزلهم بالأمان وتسلمت تِلْكَ القلاع بِمَا فِيهَا من عدَّة وذخيرة وأسلحة وميرة وخيل ودواب كَثِيرَة وأمنوا على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وَانْصَرفُوا بنسائهم ورجالهم وذريتهم وأطفالهم وخفوا من أثقالهم وَدخل جمَاعَة مِنْهُم فِي عقد الذِّمَّة وتمسكوا بِحَبل الْعِصْمَة وانتقل الْبَاقُونَ إِلَى أنطاكية ثمَّ ولى السُّلْطَان بهَا مَمْلُوكه سنقر الخلاطي وَركب السُّلْطَان إِلَى الْبَلَد وطافه وهز إِلَى إحسانه اعطافه وأمنه بَعْدَمَا أخافه
قَالَ ورأيتها بَلْدَة وَاسِعَة الأفنية جَامِعَة الْأَبْنِيَة متناسقة المغاني متناسبة الْمعَانِي فِي كل دَار بُسْتَان وَفِي كل قطر بُنيان أمكنتها مخرمَة وأزقتها مرخمة وعقودها محكمَة ومساكنها مهندسة مهندمة وسقوفها عالية وقطوفها دانية وأسواقها فضية وآفاقها مضية وأرجاؤها فسيحة وأهواؤها صَحِيحَة لَكِن الْعَسْكَر شعث عمارتها وأذهب نضارتها وَوَقع من عدَّة من الْأُمَرَاء الزحام على الرخام ونقلوا مِنْهُ أحمالا إِلَى مَنَازِلهمْ بِالشَّام فشوهوا وُجُوه الْأَمَاكِن ومحوا سنا المحاسن
стр. 1346
قَالَ وبظاهر اللاذقية كَنِيسَة عَظِيمَة نفيسة قديمَة بأجزاء الأجزاع مرصعة وبألوان الرخام مجزعة وأجناس تصاويرها متنوعة وأصول تماثيلها متفرعة وَهِي متوازية الزوايا متوازنة البنايا قد تخيرت بهَا أشباح الْأَشْبَاه وصورت فِيهَا أمواج الأمواه وزينت لاخوان الشَّيْطَان وعينت لعبدة الْأَوْثَان والصلبان وَلما دَخلهَا النَّاس أخرجُوا رخامها وشوهوا أعلامها وحسروا لثامها وكسروا أجرامها وأهدوا الأسى لهد أساسها وأفاضوا عَلَيْهَا لِبَاس إبلاسها وحكموا بعد الْغنى بافلاسها وافتقرت وأقفرت وَخَربَتْ وتربت ثمَّ لما طابت النُّفُوس وتجلى عَن الْبَلَد بفتحه البوس عَاد إِلَى هَذِه الْكَنِيسَة بالأمان القسوس وَهِي متشوهة متشعثة مستمسكة بأركانها وقواعدها متشبثة
قَالَ وَلَقَد كثر أسفي على تِلْكَ العمارات كَيفَ زَالَت وعَلى تِلْكَ الْحَالَات الحاليات كَيفَ حَالَتْ ولكنما زَاد سروري بِأَنَّهَا عَادَتْ لِلْإِسْلَامِ مرابع ولشموسه مطالع فَلَو بقيت بحليتها وحالتها بَعْدَمَا تبدلت رشدها من ضلالتها لشاقت وراقت وكما أفاقت فاقت وَرغب فِي إِعْطَاء الْجِزْيَة سكان الْبَلَد من النَّصَارَى والأرمن حبا للوطن وَلما أَرَادَ السُّلْطَان الرحيل دخل الْمَدِينَة ورد إِلَى سكانها السكينَة وَدَار خلال ديارها وخرق أسواقها فِي سَائِر أقطارها ووقف على الْبَحْر للنَّظَر إِلَى موانيها وشوانيها وأقاصيها وأدانيها وشكر الله على تَمْكِينه من ملكهَا وتخصيصه بملكها
стр. 1347
وَفِي كتاب عمادي إِلَى سيف الْإِسْلَام بِالْيمن عَن السُّلْطَان قَالَ وَهَذِه اللاذقية مَدِينَة وَاسِعَة وخطة جَامِعَة معاقلها لَا ترام وأعلاقها لَا تستام وَهِي أحسن بِلَاد السَّاحِل وأحصنها وأزيدها أعمالا وضياعا وأزينها وَمَا فِي الْبَحْر مثل ميناها وَلَا للمراكب الْوَارِدَة إِلَيْهِ مثل مرْسَاها وَهِي جنَّة كَانَ يسكنهَا أهل الْجَحِيم وطالما مكثت بالْكفْر دَار بؤس فَعَادَت بِالْإِسْلَامِ دَار نعيم
قَالَ وَكَانَت شواني صقلية قد قابلت فِي الْبَحْر اللاذقية طَمَعا فِي امتناعها فَلَمَّا خابت خبت نارها وقصدت لجهلها أَخذ مراكب من يخرج من أَهلهَا حنقا عَلَيْهِم كَيفَ سلمُوا الْبَلدة وسمحوا ببذلها فَكَانَ ذَلِك مقتضيا لبَقَاء ساكنيها بالجزية تؤديها
وَلما وقف السُّلْطَان على شاطئ الْبَحْر بعساكره طلب مقدم تِلْكَ الشواني أَمَانه ليصعد ويشاهد سُلْطَانه فَأَمنهُ فَصَعدَ وعفر وَكفر وتروى سَاعَة وتفكر وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ أَنْت سُلْطَان عَظِيم وَملك رَحِيم وَقد شاع عدلك وذاع فضلك وقهر سلطانك وَظهر إحسانك فَلَو مننت على هَذِه الطَّائِفَة الساحلية الخائفة لملكت قيادها إِذا أعدت إِلَيْهَا بلادها وصاروا لَك عبيدا وأطاعوك قَرِيبا وبعيدا وَإِلَّا جَاءَك من وَرَاء الْبحار فِي عدد الأمواج أَفْوَاج بعد أَفْوَاج وَسَار إِلَيْك مُلُوك ذَوي الأقانيم من سَائِر الممالك والأقاليم وَهَؤُلَاء أَهْون مِنْهُم فاتركهم
стр. 1348
وَاصْفَحْ عَنْهُم فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان قد أمرنَا الله بتمهيد الأَرْض وَنحن قائمون فِي طَاعَته بِالْفَرْضِ وعلينا الِاجْتِهَاد فِي الْجِهَاد وَهُوَ الَّذِي يقدرنا على فتح الْبِلَاد وَلَو اجْتمع أهل الأَرْض ذَات الطول وَالْعرض لتوكلنا على الله فِي اللِّقَاء وَلم نبال بأعداد الْأَعْدَاء فصلب على وَجهه وَركب بكربه وَلم يغن خطابه عَن خطبه
فصل فِي فتح صهيون وَغَيرهَا
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد رَحل السُّلْطَان عَن اللاذقية ظهيرة الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى طَالب صهيون فَنزل عَلَيْهَا يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين فَاسْتَدَارَ الْعَسْكَر بهَا من جَمِيع نَوَاحِيهَا بكرَة الْأَرْبَعَاء وَنصب عَلَيْهَا سِتَّة مناجيق وَهِي قلعة حَصِينَة منيعة فِي طرف جبل خنادقها أَوديَة هائلة وَاسِعَة عميقة وَلَيْسَ لَهَا خَنْدَق محفور إِلَّا من جَانب وَاحِد مِقْدَار طوله سِتُّونَ ذِرَاعا وَلَا يبلغ وَهُوَ نقر فِي حجر وَلها ثَلَاثَة أسوار سوران دون ربضها وسور دون الْقلَّة وسور الْقلَّة وَكَانَ على قلتهَا علم طَوِيل مَنْصُوب فحين أقبل الْعَسْكَر الإسلامي شاهدته وَقد وَقع فَاسْتَبْشَرَ بذلك الْمُسلمُونَ وَعَلمُوا أَنه النَّصْر وَالْفَتْح وَاشْتَدَّ الْقِتَال عَلَيْهَا من
стр. 1349
سَائِر الجوانب فضربها منجنيق وَلَده الْملك الظَّاهِر وَكَانَ نَصبه قبالة قرينَة من سورها قَاطع الْوَادي وَكَانَ صائب الْحجر فَلم يزل يضْربهَا حَتَّى هدم من السُّور قِطْعَة جَيِّدَة عَظِيمَة تمكن الصاعد فِي السُّور من الترقي إِلَيْهِ مِنْهَا
وَلما كَانَ يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة عزم السُّلْطَان على الزَّحْف وَركب وَتقدم وتواترت المنجنيقات بِالضَّرْبِ وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وَعظم الضجيج بِالتَّكْبِيرِ والتهليل وَمَا كَانَ إِلَّا سَاعَة حَتَّى رقي الْمُسلمُونَ على أسوار الربض وَاشْتَدَّ الزَّحْف وَعظم الْأَمر وهجم الْمُسلمُونَ الربض
وَلَقَد كنت أشاهد النَّاس وهم يَأْخُذُونَ الْقدر وَقد اسْتَوَى فِيهَا الطَّعَام فيأكلونها وهم يُقَاتلُون القلعة وانضم من كَانَ فِي الربض إِلَى القلعة بِمَا أمكنهم أَن يحملوه من أَمْوَالهم وَنهب الْبَاقِي واستدار الْمُقَاتلَة حول أسوار القلعة فَلَمَّا عاينوا الْهَلَاك اسْتَغَاثُوا بِطَلَب الْأمان فَأَمنَهُمْ السُّلْطَان على أَن يسلمُوا بِأَنْفسِهِم وَأَمْوَالهمْ وَيُؤْخَذ من الرجل مِنْهُم عشرَة دَنَانِير وَعَن الْمَرْأَة خَمْسَة دَنَانِير وَعَن الصَّغِير دِينَارَانِ فَسلمت القلعة وَأقَام السُّلْطَان حَتَّى تسلم عدَّة قلاع كالعيذو وبلاطنس وَغَيرهمَا من القلاع والحصون فتسلمها النواب فانها كَانَت تتَعَلَّق بصهيون
وَقَالَ الْعِمَاد كَانَ الطَّرِيق إِلَى صهيون فِي أَوديَة وشعاب
стр. 1350
ومنافذ صعاب وأوعاث وأوعار وأنجاد وأغوار فقطعنا تِلْكَ الطَّرِيق فِي يَوْمَيْنِ ووصلنا لَيْلَة الثُّلَاثَاء بليلة الأثنين وخيمنا على صهيون يَوْم الثُّلَاثَاء وَهِي قلعة على ذرْوَة جبل بَين واديين عميقيين يَلْتَقِيَانِ عَلَيْهَا ويدوران حواليها والجانب الْجبلي مَقْطُوع مِنْهُ بخندق عَظِيم عميق وسور وثيق مَا إِلَيْهِ سوى للْقَضَاء وَالْقدر من طَرِيق والقلعة ذَات أسوار خَمْسَة كَأَنَّهَا خمس هضاب ممتلئة بذئاب سغاب وَأسد غضاب وأحاط الْعَسْكَر بهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء من نَوَاحِيهَا الْأَرْبَع وَهِي ممتنعة علينا بالركن الأمنع والسمو الأمتع
وَنقل السُّلْطَان خيمته إِلَى جَانب الْجَبَل وَأقَام الْملك الظَّاهِر غَازِي صَاحب حلب منجنيقين ونهج بهما من جَانب الْوَادي إِلَى ردى الأعادي طَرِيقين وَكَانَ لَهُ فِي فتح هَذِه القلعة الْجد العالي وَالْجد الْوَالِي فانه اتَّصل بِنَا قبل الْوُصُول إِلَى جبلة من طَرِيق حماة وَقد استصحب الكماة الحماة وَمَعَهُ الرِّجَال الحلبية والمنجنيقية والجرخية والجاندارية والخراسانية واستصحب الحدادين والحجارين والنجارين فأظهر على صهيون الْيَد الْبَيْضَاء وأنار فِي فضاء الْفَضَائِل وأضاء وَكَانَ نازلا على جَانب الْوَادي مُقَابل الْحصن وَشرع الْجِدَار فِي الأنقضاض واصبحنا يَوْم الْخَمِيس وللجلاميد وُقُوع وللسور سُجُود وركوع وَمَا زَالَت المجانيق من جَانِبه وجانبنا ترمي والحنايا بسهام المنايا تصمي
стр. 1351
حَتَّى قتل وجرح أَكثر مقاتلة الْحصن وَهَان بِمَا دب فِيهِ من الوهن
وأصبحنا يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة وبحر الْحَرْب فِي أمواجه الزاخرة وتطرق اصحابنا من قرنة خفيت عَلَيْهِم من الخَنْدَق لم تحكم عمارتها كَأَن الله أعماهم عَنْهَا حَتَّى يسْلك الحتف إِلَيْهِم مِنْهَا فتعلقوا فِي الصخور وتسلقوا السُّور وملكوا عَلَيْهِم ثَلَاثَة أسوار واحتووا على كل مَا فِيهَا من ذخائر وغلال ودواب وأبقار وازدحم الفرنج فِي الْقلَّة وتفادوا من الْخَوْف لَا من الْقلَّة وصاحوا الْأمان وبذلوا الاذعان وَنَادَوْا مكنونا من السَّلامَة وتسلموا الْمَكَان
فَمَا أمنُوا على المَال وَالنَّفس حَتَّى قَررنَا عَلَيْهِم مثل قطيعة الْقُدس وأغلقت دونهم الْأَبْوَاب وسيرت إِلَيْهِم النواب وَمَا اسْتَقر خُرُوجهمْ حَتَّى استخرج الْقَرار وجبي الدِّرْهَم وَالدِّينَار وَعم الصغار الْكِبَار وَالصغَار وَتَوَلَّى ذَلِك شُجَاع الدّين طغرل الجاندار ثمَّ سلم حصن صهيون بِجَمِيعِ أَعماله وَسَائِر مَا حواه من ذخائره وأمواله إِلَى الْأَمِير نَاصِر الدّين منكورس بن خمارتكين صَاحب بوقبيس فأحكمه وحصنه وَحفظه وَحسنه وتسلم يَوْم السبت قلعة العيذو وَيَوْم الْأَحَد قلعة الجماهريين وَيَوْم الِاثْنَيْنِ حصن بلاطنس وَندب إِلَى كل حُصَيْن من تسلمه وسلكه فِي سلك الْفتُوح ونظمه
قَالَ وبفتح صهيون حصل الْأَمْن على اللاذقية وَقَوي الأمل
стр. 1352
فِي فتح أنطاكية فَإِنَّهُ قفل مُحكم على بَابهَا وَسبب قوي من أَسبَابهَا فَفتح الرتاج ووضح الْمِنْهَاج
فصل فِي فتح بكاس والشغر وسرمانية
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد ثمَّ رَحل السُّلْطَان وسرنا حَتَّى أَتَيْنَا بكاس وَهِي قلعة حَصِينَة على جَانب العَاصِي وَلها نهر يخرج من تحتهَا وَكَانَ النُّزُول بذلك الْمنزل على شاطئ العَاصِي يَوْم الثُّلَاثَاء سادس جُمَادَى الْآخِرَه وَصعد السُّلْطَان جَرِيدَة إِلَى القلعة وَهِي على جبل مطل على العَاصِي فأحدق بهَا من كل جَانب وقاتلها قتالا شَدِيدا بالمنجنيقات والزحف المضايق إِلَى يَوْم الْجُمُعَة أَيْضا تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَه وَيسر الله فتحهَا عنْوَة وَأسر من فِيهَا بعد قتل من قتل مِنْهُم وغنم جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا وَكَانَ لَهَا قليعة تسمى الشغر قريبَة مِنْهَا يعبر إِلَيْهَا مِنْهَا بجسر وَهِي فِي غَايَة المنعة لَيْسَ إِلَيْهَا طَرِيق فسلطت عَلَيْهَا المنجنيقات من الجوانب وَرَأَوا أَنهم لَا نَاصِر لَهُم فطلبوا الْأمان وَذَلِكَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشره وسألوا أَن يؤخروا ثَلَاثَة أَيَّام لاستئذان من بأنطاكية يسر الله فتحهَا فَأذن فِي ذَلِك وَكَانَ تَمام فتحهَا وصعود الْعلم السلطاني على قلتهَا يَوْم الْجُمُعَة سادس عشره
стр. 1353
ثمَّ عَاد السُّلْطَان إِلَى الثّقل وسير وَلَده الظَّاهِر إِلَى قلعة تسمى السرمانية يَوْم السبت سَابِع عشره فقاتلها قتالا شَدِيدا وضايقها مضايقة عَظِيمَة وتسلمها أَيْضا يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشري الشَّهْر الْمَذْكُور
قَالَ فاتفق فتوحات السَّاحِل من جبلة إِلَى سرمانية فِي أَيَّام الْجمع وَهِي عَلامَة قبُول دُعَاء خطباء الْمُسلمين وسعادة السُّلْطَان حَيْثُ يسر الله لَهُ الْفتُوح فِي الْيَوْم الَّذِي يُضَاعف فِيهِ ثَوَاب الْحَسَنَات
قَالَ وَهَذَا من نَوَادِر الفتوحات فِي الْجمع المتوالية لم يتَّفق مثلهَا فِي تَارِيخ
وَقَالَ الْعِمَاد سَار السُّلْطَان ثَانِي يَوْم فتح صهيون على سمت القرشيه وَنزل على العَاصِي فِي طَاعَة الله على تل كشفهان فتسلم حصن بكاس يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع الشَّهْر وحول خيمة خَفِيفَة إِلَى الْجَبَل لحصار قلعة الشغر وَهِي قلَّة شامخة من أَعلَى القلل مطلة على وَاد عميق وَكَانَ الْكفَّار قد أخلوا بكاس من الرعب واحتموا بقلعة الشغر وَهِي عالية حَصِينَة منيعة لَا تصل المجانيق إِلَيْهَا فاستصعب السُّلْطَان أَخذهَا وَخَافَ من طول أمرهَا فَبَيْنَمَا هُوَ مفكر فِي ذَلِك والفرنج قد داخلهم الرعب فأرسلوا فِي طلب الْأمان واستمهلوا ثَلَاثَة أَيَّام فَكبر الْمُسلمُونَ وفرحوا وَأَصْبحُوا يَوْم الْجُمُعَة والشغر شاغر وَالْكفْر صاغر فتسلمها الْمُسلمُونَ وتصرفوا فِيهَا وَفِيمَا تحويه من ذخائر وَعدد ودواب وأنعام وأنعم
стр. 1354
السُّلْطَان بهَا وبقلعة بكاس وَتلك الْأَعْمَال على غرس الدّين قليج وَكَانَ هَذَا قليج قد تسلم كفردبين وَهُوَ معقل حُصَيْن يسكنهُ الأرمن فِي ذَلِك الصقع وبذل فِي استخلاصه غَايَة الوسع فولاه السُّلْطَان تِلْكَ الْحُصُون وحاط بايالته أمرهَا المصون وَعَاد إِلَى مخيمه يَوْم السبت وَهُوَ حسن السمت كريم النَّعْت
قَالَ وَكَانَ الْملك الظَّاهِر عِنْد اشتغالنا بِفَتْح قلعة الشغر قد نزل على سرمانية مضايقا لَهَا بالحصر فتسلمها يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشري الشَّهْر وَذَلِكَ بعد قطيعة قررها وَقَبضهَا وَلما أخرجهم مِنْهَا دَخلهَا فَأبْطل عمارتها وعطلها وَهدم بنيانها وهد أَرْكَانهَا وَمَا برح حَتَّى سواهَا بِالْأَرْضِ وخلط طولهَا بِالْعرضِ
قَالَ وَهَذِه سِتّ مدن وقلاع فتحت فِي سِتّ جمع تبَاع جبلة واللاذقية وصهيون وبكاس والشغر وسرمانية وَأطلق بهَا الْأَنْفس والنفائس العانية فقد كَانَ فِي هَذِه المعاقل من أُسَارَى الْمُسلمين عدَّة لَوْلَا فتحهَا لما زَالَت عَنْهُم تِلْكَ الشدَّة وَهَذَا أقليم جبلة واللاذقية هُوَ عين أنطاكية الَّتِي فقئت ونحرها الَّذِي عَنهُ حلئت وَلم يبْق لأنطاكية من الْحُصُون سوى ثَلَاثَة الْقصير وبغراس ودربساك وَقد أَصبَحت مَعْدُومَة الْأَطْرَاف قد قطعت أيديها وأرجلها من خلاف
стр. 1355
فصل فِي فتح حصن برزيه
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد ثمَّ سَار السُّلْطَان جَرِيدَة إِلَى قلعة برزيه وَهِي قلعة حَصِينَة فِي غَايَة القوه والمنعة على متن جبل شَاهِق يضْرب بهَا الْمثل فِي جَمِيع بِلَاد الفرنج وَالْمُسْلِمين يُحِيط بهَا أَوديَة من سَائِر جوانبها وذرع علو قلتهَا فَكَانَ خمس مئة ذِرَاع ونيفا وَسبعين ذِرَاعا ثمَّ حرر عزمه على حصارها بعد رؤيتها واستدعى الثّقل فَنزل تَحت جبلها
وَفِي بكرَة الْأَحَد الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة صعد السُّلْطَان جَرِيدَة مَعَ الْمُقَاتلَة والمنجنيقات والآت الْحصار إِلَى الْجَبَل فأحدق بالقلعة من سَائِر نَوَاحِيهَا وَركب الْقِتَال عَلَيْهَا من كل جَانب وَضرب أسوارها بالمنجنيقات المتواترة الضَّرْب لَيْلًا وَنَهَارًا وقاتلها حَتَّى كَانَ يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع وَالْعِشْرين فقسم الْعَسْكَر ثَلَاثَة أَقسَام ورتب كل قسم يُقَاتل شطرا من النَّهَار ثمَّ يستريح ويتسلم الْقِتَال الشّطْر الآخر بِحَيْثُ لَا يفتر الْقِتَال عَنْهَا أصلا
وَكَانَ صَاحب النّوبَة الأولى عماد الدّين صَاحب سنجار فقاتلها قتالا شَدِيدا حَتَّى استوفى نوبَته وضرس النَّاس من الْقِتَال وتراجعوا عَنهُ
стр. 1356
وتسلم النّوبَة الثَّانِيَة السُّلْطَان بِنَفسِهِ وَركب وتحرك خطوَات عدَّة وَصَاح فِي النَّاس فحملوا عَلَيْهَا حَملَة الرجل الْوَاحِد وصاحوا صَيْحَة الرجل الْوَاحِد وقصدوا السُّور من كل جَانب فَلم يكن إِلَّا بعض سَاعَة حَتَّى رقي النَّاس على الأسوار وهجموا القلعة وَأخذت عنْوَة واستغاثوا الْأمان وَقد ملئت الْأَيْدِي مِنْهُم ﴿فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا بأسنا﴾ وَنهب جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا وَأسر جَمِيع من كَانَ بهَا وَكَانَ قد أَوَى إِلَيْهَا خلق عَظِيم وَكَانَت من قلاعهم الْمَذْكُورَة وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما
وَعَاد النَّاس إِلَى خيامهم غَانِمِينَ وَعَاد السُّلْطَان إِلَى الثّقل وأحضر بَين يَدَيْهِ صَاحب القلعة وَكَانَ رجلا كَبِيرا مِنْهُم فَكَانَ هُوَ وَمن أَخذ من أهليه سَبْعَة عشر نفسا فَمن عَلَيْهِم السُّلْطَان ورق لَهُم وأنفذهم إِلَى صَاحب أنطاكية استمالة لَهُ فَإِنَّهُم كَانُوا يتعلقون بِهِ وَمن أَهله
وَقَالَ الْعِمَاد وصف للسُّلْطَان قلعة برزيه وَأَنَّهَا لحصن أفامية متاخمة وَله مُنَاصَفَة مقاسمة وَأَن الْمُسلمين فِي جوارها فِي جور وَفِي حور بعد كور ووصفوا علوها فَركب السُّلْطَان إِلَيْهَا وأشرف عَلَيْهَا فألفاها كَمَا وصفوها وبالغوا فِيهَا وَمَا
стр. 1357
أنصفوها فنصب عَلَيْهَا المجانيق فَوَقَعت أحجارها دونهَا وَلم تحرّك سكونها وَكَيف تهدد الخنساء بصخر والعنقاء بصقر وَحجر الْجَبَل بِحجر ومدار الْفلك بمدر
فَلَمَّا رأى السُّلْطَان ذَلِك قوي رَأْيه على أَن يفرق الْعَسْكَر ثَلَاث فرق ويتناوبون على قِتَالهمْ زحفا ليتعبوهم ويضجروهم فَإِنَّهُ عدد مَحْصُور عَمَّا قَلِيل تفنى عدتهمْ وتقل عدتهمْ فَفعل ذَلِك وَكَانَت النّوبَة الأولى لصَاحب سنجار وَالثَّانيَِة للسُّلْطَان وخواصه ثمَّ امتزجت الثالثه بِالثَّانِيَةِ وعادت رجال النّوبَة الأولى وتناصرت أنصار الله على النزال لاستنزال النَّصْر وأحمدوا عَاقِبَة الصَّبْر فِي الْحصْر فَطلب الْعَدو الْأمان وَأَرْسلُوا إِلَى السُّلْطَان وَكَانَ أَصْحَابنَا خالطوهم وباسطوهم وَأَحَاطُوا بهم
وَهُنَاكَ جمَاعَة من دهاة الْعَسْكَر أشاعوا للنَّاس أَن السُّلْطَان يؤمنهم فَرجع الْعَالم عَنْهُم وَلم ينالوا مِنْهُم فَلَمَّا رد السُّلْطَان رسولهم وَلم يؤمنهم سَاق أُولَئِكَ السبايا قدامهم كَمَا يسوقون أغنامهم وخانوا اخوانهم وراموا حرمانهم وَتَفَرَّقُوا بِالسَّبْيِ أَيدي سبأ وسافروا بهَا من الْعَسْكَر إِلَى الْبِلَاد وباعوها فِي سوق الكساد وتسلم السُّلْطَان حصن برزيه ظهر يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة وولاه الْأَمِير عز الدّين إِبْرَاهِيم بن الْأَمِير شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمُقدم وَهُوَ صَاحب حصن أفامية مناظر برزيه وَهُوَ على الثغر
стр. 1358
وَمَا بَين الحصنين بحيرة تحجز الْجَانِبَيْنِ وصيادوها الْمُسلمُونَ بأفامية فخلص للاسلام الثغر وَسكن الدَّهْر
قَالَ وَكَانَت صَاحِبَة حصن برزيه أُخْت زَوْجَة الابرنس صَاحب أنطاكية وَقد سبيت وخبيت فَمَا زَالَ يطْلبهَا حَتَّى اظهروها وأحضروها وَزوجهَا وَابْنَة لَهَا وَجَمَاعَة من أَصْحَابهَا وصهرها وَكَانَت أمْرَأَة ابرنس أنطاكية تعرف بدام سَبِيل فِي مولاة السُّلْطَان عينا لَهُ على الْعَدو تهاديه وتناصحه وتطلعه على أسرارهم وَالسُّلْطَان يكرمها لذَلِك وَيهْدِي لَهَا أنفس الْهَدَايَا فَلَمَّا فتح حصن برزيه وَحصل فِي أسره هَذِه الْجَمَاعَة وافترقت بهم أَيدي الْمُسلمين تتبعهم السُّلْطَان وخلصهم من الْأسر وأنعم عَلَيْهِم وجهزهم وسيرهم إِلَى أنطاكية لأجل امْرَأَة الابرنس فشكرته على ذَلِك ودامت مودتها ونفعها للْمُسلمين
وَفِي بعض كتب البشائر الْعمادِيَّة آخر مَا فتحناه حصن برزيه الَّذِي تضرب بحصانته الْأَمْثَال وَلَا ترقى إِلَى ذرْوَة تمنيه الآمال وَقد أخذناه بِالسَّيْفِ عنْوَة وفتحناه ضحوة فيا لَهَا ضحوة ليَوْم الثُّلَاثَاء أظلمت على أهل التَّثْلِيث وألهى ألله الْمُؤمنِينَ عَن ذكر الْفتُوح الْقَدِيمَة بِحَدِيث هَذَا الْفَتْح الحَدِيث وَلَو وكلنَا ألله إِلَى اجتهادنا فِي الْفَتْح لتعذر وَلكنه سُبْحَانَهُ سهل وَيسر
وَمن كتاب فاضلي إِلَى السُّلْطَان وصلت كتب الْبشَارَة بِفَتْح
стр. 1359
حصن برزيه وَهُوَ الَّذِي تضرب بِهِ الْأَمْثَال وتضرب عَنهُ الآمال ويكاد يحرن إِذا قادت أَيدي السلَاسِل أزمة الْجبَال ويكاد يذم ساكنيه من خطرات الأوجال بل من خطوَات الْآجَال وَكَانَ للكفر درعا حَصِينَة طالما كَانَت تهزأ بالنصال فعظمت الْمِنَّة السُّلْطَانِيَّة عِنْد أهل الْإِسْلَام ودعوا بِأَن يفلج الله حجَّة سَيْفه الألد الْخِصَام
وَقد كَانَ النَّاس يعدون مواهبه مِمَّا لَا تحصى فقد لحقت بهَا فتوحاته فَهِيَ ايضا لَا تحصر فمرحبا بفتوح يَقُول غائبها الْحَمد لله وحاضرها الله أكبر وَمَا بَقِي الْمَمْلُوك يستبطئ خبر أنطاكية فقد أَلْقَت الأَرْض أفلاذها وَقد ولدت لكرمه ذهبها ولنصره فولاذها وَلم نر فِي نعم الله مثلهَا نعْمَة كَرِيمَة وجيهة وَلَا نَعْرِف بعْدهَا للزمن سَيِّئَة وَلَا كريهة إِلَّا أَنا نرْجِع فِي معرفَة قدرهَا وإخلاص شكرها إِلَى مَا رضيه الله شكرا مِمَّن نجاه من أهوال يَوْم الْقِيَامَة وَأدْخلهُ دارالمقامة بِأَنَّهُم قَالُوا الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَكَانَ آخر دَعوَاهُم أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين فَرضِي بِالْحَمْد مِنْهُم وَرَضي عَنْهُم وَأثْنى
стр. 1360
عَلَيْهِم بِأَنَّهُم اختتموا بِهِ وافتتحوا وقدسوا بِهِ وسبحوا وثقلت بِهِ مَوَازِين أَعْمَالهم فرجحت ورجحوا
وَنحن نقُول الْحَمد لله على بهجة الدُّنْيَا بمولانا ونضرتها وعَلى عزة الْملَّة بِهِ ونضرتها وعَلى بهجة الْقُلُوب بِهِ ومسرتها وعَلى غنى الْأَيْدِي بِهِ وميرتها وعَلى روعة قُلُوب الْأَعْدَاء بِهِ وحسرتها ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾
وفتوح مَوْلَانَا من تِلْكَ النعم وَإِن قَصرنَا فِي شكرها فَمَا نقصر فِي ذكرهَا وَإِن عجزنا عَن حصرها فَمَا نعجز عَن الْمعرفَة بِفضل قدرهَا وَتلك النعم بِحَمْد الله منتظمة الْعُقُود مطردَة السُّعُود متوافية الرُّسُل عامرة السبل خارقة العوائد قارنة المساعي بالمساعد كَادَت الْعُيُون قبل وُقُوعهَا تلحظها وكادت المنابر لما يدرس عَلَيْهَا من كتبهَا تحفظها فَمَا يشْرَح صدر من خَبَرهَا فيسمعه ذُو صدر إِلَّا انْشَرَحَ وَمَا يسْأَل النَّاس هَل فتح الْملك النَّاصِر وَإِنَّمَا يُقَال مَا أسم الْبَلَد الَّذِي فتح فَمن عِنْد مَوْلَانَا الْجنان وَمن عندنَا اللِّسَان وَعَلِيهِ الْجهد وعلينا الْحَمد فَهِيَ فتوح كثمرات الْجنَّة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة وأعمالها المبرورة إِلَى الله تَعَالَى مَرْفُوعَة
وَمن قصيدة لِلشِّهَابِ فتيَان الشاغوري وَقد تقدم بَعْضهَا
стр. 1361
(لما ملكت حصون أنطاكية ... يئس الصَّلِيب وَحزبه من مظهر)
(أرديت كل مثلث متكبر ... بموحد متواضع فمكبر)
(برزت إِلَى برزيه عزمتك الَّتِي ... مدت يدا عَن مطلب لم يقصر)
(فتناولته بأيدها من باذخ ... فِي الْأُفق ذِي مثل يروع مسير)
(فأنهد لصور فَهِيَ أحسن صُورَة ... فِي هيكل الدُّنْيَا بَدَت لمصور)
(مَا سور صور عَاصِم مِنْهُ وَهل ... سور المعاصم عَاصِم لمسور)
فصل فِي فتح حصن دربساك
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد ثمَّ سَار السُّلْطَان حَتَّى أَتَى جسر الْحَدِيد وَأقَام عَلَيْهِ أَيَّامًا وَسَار حَتَّى نزل على دربساك يَوْم الْجُمُعَة ثامن شهر رَجَب وَهِي قلعة منيعة قَرِيبه من أنطاكية يسر الله فتحهَا فَنزل عَلَيْهَا وقاتلها قتالا شَدِيدا بالمنجنيقات وضايقها مضايقة عَظِيمَة وَأخذ النقب تَحت برج مِنْهَا وَتمكن النقب مِنْهُ حَتَّى وَقع وحموه بِالرِّجَالِ والمقاتلة ووقف فِي الثغرة رجال يحمونها عَمَّن يصعد فِيهَا
قَالَ وَلَقَد شاهدتهم وَكلما قتل رجل مِنْهُم قَامَ غَيره مقَامه وهم قيام عوض الْجِدَار مكشوفين وَاشْتَدَّ الْأَمر حَتَّى طلبُوا الْأمان واشترطوا مُرَاجعَة أنطاكية وَكَانَت الْقَاعِدَة أَن ينزلُوا بِأَنْفسِهِم وَثيَاب أبدانهم لَا غير ورقي عَلَيْهَا الْعلم الإسلامي يَوْم الْجُمُعَة أَيْضا ثَانِي عشري رَجَب وَأَعْطَاهَا علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر وَسَار عَنْهَا
стр. 1362
من الْغَد بكرَة السبت
وَقَالَ الْعِمَاد ثمَّ عبر نهر العَاصِي إِلَى شرقيه عِنْد شقيف دركوش وَهُوَ ثغر على الْفُرَات لِلْإِسْلَامِ منيع فجزناه وخيمنا على جسر الْحَدِيد أَيَّامًا حَتَّى اسْتكْمل الْعَسْكَر راحاته وتكامل وَنحن بِقرب أنطاكية وَقد صوبنا إِلَيْهَا عزائمنا الناكية ثمَّ قُلْنَا قدامها حصون وحماها بحمايتها مصون فَإِذا ذهبت معاقلها جاءتها غوائلها فنزلنا على دربساك وَهُوَ حصن للداوية وَقد اعتصموا بعصمته وامتنعوا بمنعته فنصبنا عَلَيْهِ المنجنيقات فَمَا زَالُوا يجالدون ويجتلدون إِلَى أَن ضَاقَ بهم الخناق وتسلق النقابون إِلَى الباشورة وهدوا بالنقب برجا ووسعوا للزحف نهجا فطلبوا الْأمان وفدوا أنفسهم بألوف فَأمنُوا على أَنهم يخرجُون بهوانهم وَثيَاب أبدانهم وَيدعونَ كل مَا فِي الْحصن من خيل وعدة وذخيرة وغلة وأثاث وقماش وَذهب وَفِضة وأمهلوا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ اخْرُجُوا من دِيَارهمْ وتسلم السُّلْطَان الْحصن يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَجَب
وَفِي بعض الْكتب الْعمادِيَّة الْمُكَاتبَة مبشرة بِالْفَتْح الأهنى والنصر الْأَسْنَى وَهُوَ فتح دربساك الَّذِي لم يكن لأنطاكية إِلَّا بِهِ الامتساك وَقد حص الْآن جناحها وفل سلاحها وَحقّ قرحها وَبَطل اقتراحها وَخرجت بِإِخْرَاج حصونها من ولايتها
стр. 1363
أرواحها وَقد بقيت غَرضا للعسكر وعرضا بِلَا جَوْهَر وشبحا بِغَيْر روح وصدرا غير مشروح وَالْكفْر مفجوع بِالنَّفسِ والبلد والأهل وَالْولد وَنحن لَا رَاحَة لنا إِلَّا فِي هَذَا التَّعَب وَلَا أرب لنا فِي غير هَذَا الأرب وَلَا اجْتِهَاد لنا إِلَّا فِي الْجِهَاد وَلَا مغزى لنا غير الْغُزَاة وَمَا نرجو من الله إِلَّا إنجاز العدات فِي جَمِيع العداة
فأصبحنا يَوْم الثُّلَاثَاء وَقد سَاءَ صباح المثلثين وَبَان صباح الْمُوَحِّدين وأبينا أمانهم إِلَّا أَن يفدوا نُفُوسهم وينزعوا من الْحَرْب لبوسهم ويخلعوا بأسهم ويلبسوا بوسهم وينجوا بِثِيَاب أبدانهم وَقد أَدّوا خَمْسَة الآف دِينَار من أثمانهم
فصل فِي فتح بغراس
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَهِي أَيْضا قلعة منيعة أقرب إِلَى أنطاكية من دربساك وَكَانَت كَثِيرَة الْعدة وَالرِّجَال فَنزل الْعَسْكَر فِي مرج لَهَا وأحدق الْعَسْكَر بهَا جَرِيدَة مَعَ أَنا احتجنا فِي تِلْكَ الْمنزلَة إِلَى يزك يحفظ من جَانب أنطاكية لِئَلَّا يخرج مِنْهَا من يهجم على الْعَسْكَر فَضرب يزك الْإِسْلَام على بَاب أنطاكية بِحَيْثُ لَا يشذ عَنهُ من يخرج مِنْهَا
قَالَ وَأَنا مِمَّن كَانَ فِي اليزك فِي بعض الْأَيَّام لرؤية الْبَلَد وزيارة حبيب النجار المدفون فِيهِ ﵇ وَلم يزل
стр. 1364
يُقَاتل بغراس مقاتلة شَدِيدَة حَتَّى طلبُوا الْأمان على اسْتِئْذَان أنطاكية ورقي الْعلم السلطاني عَلَيْهَا فِي ثَانِي شعْبَان
وَقَالَ الْعِمَاد وَلما فتحت دربساك لم يبْق لنا همه إِلَّا بغراس وَقد شَارف رَجَاء أَكثر النَّاس فِي فَتحه الْيَأْس وَهُوَ حصن حُصَيْن وَمَكَان مكين هُوَ للداوية وجار ضباعها وَغَابَ سباعها وَهُوَ بِقرب أنطاكية حصاره وحصارها سَوَاء وَمَا لداء داويته دَوَاء
فَنزل الْعَسْكَر بَين أنطاكية وَبَينه يتقاضون مِنْهُمَا للدّين دينه ويشنون الغارات ويسنون النكايات وَلَا يبرحون بِإِزَاءِ أنطاكية صفا يرْمونَ لَهَا ولأهلها فتحا وحتفا يتناوبون على سَبِيل اليزك وَيدعونَ العدى إِلَى المعترك وَلَيْسَ بَينهمَا إِلَّا النَّهر
فَصَعدَ السُّلْطَان جَرِيدَة إِلَى الْجَبَل وَأمر بِنصب المجانيق حولهَا على تِلْكَ القلل وَنقل إِلَيْهَا أحواض المَاء ورواياه وَبث فِي النواحي سراياه وَفرق على الْجَمِيع عطاياه وأقمنا عَلَيْهِ أسبوعا نجري إِلَيْهِ من كل منجنيق من فيض الْحِجَارَة ينبوعا وَنحن نفكر فِيمَا يكون وَمَتى تتمّ الْحَرَكَة وفيم السّكُون وَهَذَا بيكار يطول
стр. 1365
وتعب لَا يَزُول إِذْ رَأينَا بَاب الْحصن وَقد فتح وَخرج من الْحصن من أَخذ الْأمان لأَهله وَسلم الْحصن بِمَا فِيهِ من الْأَمْوَال وَقدر مَا فِيهِ من الْغلَّة تخمينا بِاثْنَيْ عشر ألف غرارة وَسلمهَا السُّلْطَان مَعَ دربساك إِلَى صَاحب عزاز علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر وكتبت عَلَيْهِ جَمِيع مَا فِي القلعتين من الْمَوْجُود من الْمكيل وَالْمَوْزُون والمعدود
وَكَانَت الْغلَّة بأنطاكية غَالِيَة السّعر فَقلت كَأَنِّي بِمن تولى القلعة وَقد بَاعَ الْغلَّة وشفى من فقره بهَا الْغلَّة ثمَّ أَشَارَ بتخريبها وهدمها وَلم يلْتَزم بحكمها وَقَالَ إبقاؤها غرر وحفظها على الْمُسلمين ضَرَر وخطر فجَاء الْأَمر على مَا حسبته بعد سِنِين وَعَاد إخلاؤها بمضرة الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ أظهر ذَلِك الْوَقْت أَنه أخلاها وَأَنه للتخريب خَلاهَا فجَاء إِلَيْهَا مقدم الأرمن ابْن لاون فَدَخلَهَا وَأتم غارته وكملها وَذَلِكَ فِي سنة وَسبع أَو ثَمَان وَثَمَانِينَ
وَهَذَانِ الحصنان دربساك وبغراس كَانَا لأنطاكية جناحين ولطاغية الْكفْر سلاحين فتم للسُّلْطَان فتح هَذِه الْحُصُون الْمَذْكُورَة مَعَ أبراج ومغارات وشقفان كَثِيرَة حَتَّى خلص ذَلِك الاقليم وَتمّ الْفَتْح الْعَظِيم وعادت الْكَنَائِس مَسَاجِد وَالْبيع معابد والصوامع جَوَامِع والمذابح لعبدة الصلبان مصَارِع
стр. 1366
فصل فِي عقد الْهُدْنَة مَعَ صَاحب أنطاكية وعود السُّلْطَان
قَالَ الْعِمَاد كَانَ السُّلْطَان قد عزم على قصد أنطاكية فَرَأى همم الأجناد لَا سِيمَا الغرباء قد ضعفت ونياتهم فِي الْجِهَاد قد فترت وتشوقوا إِلَى بِلَادهمْ والراحة من جهادهم وَكَانَ صَاحب أنطاكية قد أشرف على الْهَلَاك وَعلم أَنه إِن قصد غلب فنفذ أَخا زَوجته رَسُولا إِلَى السُّلْطَان متذللا يطْلب الْهُدْنَة على أَنه يُطلق من عِنْده من أُسَارَى الْمُسلمين وهم جمع كثير فعقدها مَعَهم مُدَّة يسيرَة ثَمَانِيَة أشهر من تشرين الأول إِلَى انْقِضَاء أيار فَيكون انْقِضَاء الهدنه قبل إِدْرَاك الْغلَّة وَأَوَان حصادها فيستريح فِيهَا الأجناد ويعودون بعْدهَا إِلَى فرض الْجِهَاد فتم كتاب الهدنه وَتوجه شمس الدولة ابْن منقذ لتخليص الأسرى وإنقاذهم مِنْهُ
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَفِي بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم يَعْنِي يَوْم فتح بغراس وَهُوَ ثَانِي شعْبَان عَاد السُّلْطَان إِلَى المخيم الْأَكْبَر وراسله أهل أنطاكية فِي طلب الصُّلْح فَصَالحهُمْ لشدَّة ضجر الْعَسْكَر وَقُوَّة
стр. 1367
قلق عماد الدّين صَاحب سنجار فِي طلب الدستور وَعقد الصُّلْح بَيْننَا وَبَين أهل أنطاكية لَا غير على أَن يطلقوا جَمِيع أُسَارَى الْمُسلمين الَّذين عِنْدهم وَكَانَ إِلَى سَبْعَة أشهر فَإِن جَاءَهُم من ينصرهم وَإِلَّا سلمُوا الْبَلَد إِلَى السُّلْطَان
ثمَّ رَحل عَنهُ يطْلب دمشق وَسَأَلَهُ وَلَده الظَّاهِر صَاحب حلب أَن يجتاز بِهِ فَأَجَابَهُ فَدَخلَهَا فِي حادي عشر شعْبَان وَأقَام بقلعتها ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سَار إِلَى دمشق فاعترضه ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين وأصعده إِلَى قلعة حماة وَبَات بهَا لَيْلَة وَاحِدَة فَأعْطَاهُ جبلة واللاذقية وَسَار إِلَى بعلبك وَأقَام ببرجها يَوْمًا وَدخل حمامها ثمَّ أَتَى دمشق فَأَقَامَ بهَا حَتَّى دخل شهر رَمَضَان وَمَا كَانَ يرى تبطيل وقته عَن الْجِهَاد مهما أمكنه وَكَانَ قد بَقِي لَهُ من القلاع القريبه من حوران الَّتِي يخَاف عَلَيْهَا من جَانبهَا صفد وكوكب فَرَأى أَن يشغل الزَّمَان بِفَتْح المكانين فِي الصَّوْم
وَقَالَ الْعِمَاد وودع السُّلْطَان عماد الدّين صَاحب سنجار والعساكر الغريبة وأتحفهم بالتحف العجيبة وارتاح إِلَى العبور على أرتاح وَوصل إِلَى حلب وَقد خرج كل من بهَا للتلقي مستبشرين بالاقبال المتضاعف المترقي وشاهدنا من النظارة عيُونا للمحاسن ناظرة ووجوها ناضرة وَقُلُوبًا حَاضِرَة وألسنا شاكرة وأيديا فِي بسطها إِلَى الله للإبتهال بِالدُّعَاءِ متظاهرة فَأَقَامَ بقلعتها أَيَّامًا يسيرَة وألفى وَلَده الظَّاهِر قد سَار فِيهَا أحسن سيرة
стр. 1368
ثمَّ سَار مِنْهَا على طَرِيق المعرة وَقصد زِيَارَة الشَّيْخ الزَّاهِد أبي زَكَرِيَّا المغربي عِنْد مشْهد عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ فتبرك بزيارة الْمَيِّت والحي ثمَّ وصل إِلَى حماة فَنزل بقلعتها وَمَعَهُ أَمِير المدينه النَّبَوِيَّة على ساكنها السَّلَام وَهُوَ عز الدّين أَبُو فليتة الْقَاسِم بن المهنا وَكَانَ للسُّلْطَان فِي جَمِيع الْغَزَوَات مصاحبا وعَلى معاضدته مواظبا وَمَا حضر مَعنا على بلد أَو حصن إِلَّا فتحناه وَكَانَ السُّلْطَان يستوحش لغيبته ويأنس بشيبته وَكَانَ بِجنب السُّلْطَان جَالِسا ولنظره عَلَيْهِ حابسا
وَكَانَت قلعة حماة ذَات تل منبطح فَلَمَّا تولاها تَقِيّ الدّين رفع تلها وعمق خندقها وحصنها فطلع السُّلْطَان تِلْكَ الليله إِلَى القلعة وسر بِمَا رأى من الحصانة والرفعة ووقف الْملك المظفر لِعَمِّهِ وَجرى فِي الْخدمَة على رسمه وَأصْبح السُّلْطَان راحلا وَلم يقم بحمص وَجَاء إِلَى بعلبك على طَرِيق الزِّرَاعَة واللبوة وَوصل إِلَى دمشق قبل رَمَضَان وأشير على السُّلْطَان بِأَن يرِيح عسكره فقد أَحْمد فِي عَامه مورده ومصدره وأربح فِي سَبِيل الله متجره فَقَالَ إِن الْقدر غير مَأْمُون والعمر غير مَضْمُون وللفرص أَوْقَات وللدهر آفَات وَقد بقيت مَعَ الْكفْر هَذِه الْحُصُون وان لم نبادرها اخْتَلَّ أمرنَا المصون لَا سِيمَا صفد وكوكب فانهما للداوية
стр. 1369
والاسبتارية فِي وسط الْبِلَاد والثغور الإسلامية بهما واهية السداد فنخرج ونشتوا عِنْدهمَا ونقصد قصدهما فَإِذا فتحناهما خلصت هَذِه الْبِلَاد وصفت الأوراد
قَالَ فَمَا لبث السُّلْطَان وَلَا مكث وَلَا نقض عهد عزمه على الْغُزَاة وَلَا نكث وَقَالَ لَا نبطل الْغَزْوَة وَلَا نعطل هَذِه الشتوة
فصل فِي فتح الكرك وحصونه
قَالَ الْعِمَاد ووردت الْبُشْرَى بنجح الدَّرك فِي تَسْلِيم حصن الكرك وَذَلِكَ أَنَّهَا فِي مُدَّة غيبتنا فِي بِلَاد أنطاكية لم تعدم من محاصرتها المضايقة الناكية وَكَانَ الْملك الْعَادِل أَخُو السُّلْطَان مُقيما بتبنين فِي العساكر محترزا على الْبِلَاد من غائلة الْعَدو الْكَافِر أَقَامَهُ السُّلْطَان هُنَالك عِنْد توجهه إِلَى الْبِلَاد الشمالية لقصد جبلة واللاذقية فَأَقَامَ بتبنين مقويا لِلْأُمَرَاءِ المرتبين على الْحُصُون حَافِظًا على الدهماء بحركته فِي الْأُمُور عَادَة السّكُون وَكَانَ صهره سعد الدّين كمشبة بالكرك موكلا وبأهله منكلا قد غلق رَهنه وَبَقِي داؤه معضلا وَأمره مُشكلا حَتَّى فنيت أَزْوَادهم ونفدت موادهم ويئسوا من نجدة تأتيهم وأمحلت عَلَيْهِم مصايفهم ومشاتيهم فتوسلوا بِالْملكِ الْعَادِل وأبدوا لَهُ ضراعة السَّائِل فَمَا
стр. 1370
زَالَت الرسالات تَتَرَدَّد والاقتراحات تتجدد وَالْقَوْم يلينون والعادل يتشدد حَتَّى دخلُوا فِي الحكم وَخَرجُوا على السّلم وسلموا الْحصن وتحصنوا بالسلامة وخلصوا بِإِقَامَة عذرهمْ عِنْد قَومهمْ من الملامه وتسلم سعد الدّين بعْدهَا الْحُصُون الَّتِي بقربها كالشوبك وهرمز والوعر وسلع
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَفِي أثْنَاء شهر رَمَضَان سلمت الكرك من جَانب نواب صَاحبهَا وخلصوه بهَا من الْأسر وَكَانَ أسر فِي وقْعَة حطين الْمُبَارَكَة
وَكتب الْعِمَاد فِي بعض البشائر سلم حصن الكرك وَهُوَ الْحصن الَّذِي كَانَ طاغيته يحدث نَفسه بِقصد الْحجاز وَقد نصب أشراك اشراكه
следующие страницы →