Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
فصل فِي عقد الْهُدْنَة مَعَ صَاحب أنطاكية وعود السُّلْطَان
قَالَ الْعِمَاد كَانَ السُّلْطَان قد عزم على قصد أنطاكية فَرَأى همم الأجناد لَا سِيمَا الغرباء قد ضعفت ونياتهم فِي الْجِهَاد قد فترت وتشوقوا إِلَى بِلَادهمْ والراحة من جهادهم وَكَانَ صَاحب أنطاكية قد أشرف على الْهَلَاك وَعلم أَنه إِن قصد غلب فنفذ أَخا زَوجته رَسُولا إِلَى السُّلْطَان متذللا يطْلب الْهُدْنَة على أَنه يُطلق من عِنْده من أُسَارَى الْمُسلمين وهم جمع كثير فعقدها مَعَهم مُدَّة يسيرَة ثَمَانِيَة أشهر من تشرين الأول إِلَى انْقِضَاء أيار فَيكون انْقِضَاء الهدنه قبل إِدْرَاك الْغلَّة وَأَوَان حصادها فيستريح فِيهَا الأجناد ويعودون بعْدهَا إِلَى فرض الْجِهَاد فتم كتاب الهدنه وَتوجه شمس الدولة ابْن منقذ لتخليص الأسرى وإنقاذهم مِنْهُ
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَفِي بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم يَعْنِي يَوْم فتح بغراس وَهُوَ ثَانِي شعْبَان عَاد السُّلْطَان إِلَى المخيم الْأَكْبَر وراسله أهل أنطاكية فِي طلب الصُّلْح فَصَالحهُمْ لشدَّة ضجر الْعَسْكَر وَقُوَّة
стр. 1367
قلق عماد الدّين صَاحب سنجار فِي طلب الدستور وَعقد الصُّلْح بَيْننَا وَبَين أهل أنطاكية لَا غير على أَن يطلقوا جَمِيع أُسَارَى الْمُسلمين الَّذين عِنْدهم وَكَانَ إِلَى سَبْعَة أشهر فَإِن جَاءَهُم من ينصرهم وَإِلَّا سلمُوا الْبَلَد إِلَى السُّلْطَان
ثمَّ رَحل عَنهُ يطْلب دمشق وَسَأَلَهُ وَلَده الظَّاهِر صَاحب حلب أَن يجتاز بِهِ فَأَجَابَهُ فَدَخلَهَا فِي حادي عشر شعْبَان وَأقَام بقلعتها ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سَار إِلَى دمشق فاعترضه ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين وأصعده إِلَى قلعة حماة وَبَات بهَا لَيْلَة وَاحِدَة فَأعْطَاهُ جبلة واللاذقية وَسَار إِلَى بعلبك وَأقَام ببرجها يَوْمًا وَدخل حمامها ثمَّ أَتَى دمشق فَأَقَامَ بهَا حَتَّى دخل شهر رَمَضَان وَمَا كَانَ يرى تبطيل وقته عَن الْجِهَاد مهما أمكنه وَكَانَ قد بَقِي لَهُ من القلاع القريبه من حوران الَّتِي يخَاف عَلَيْهَا من جَانبهَا صفد وكوكب فَرَأى أَن يشغل الزَّمَان بِفَتْح المكانين فِي الصَّوْم
وَقَالَ الْعِمَاد وودع السُّلْطَان عماد الدّين صَاحب سنجار والعساكر الغريبة وأتحفهم بالتحف العجيبة وارتاح إِلَى العبور على أرتاح وَوصل إِلَى حلب وَقد خرج كل من بهَا للتلقي مستبشرين بالاقبال المتضاعف المترقي وشاهدنا من النظارة عيُونا للمحاسن ناظرة ووجوها ناضرة وَقُلُوبًا حَاضِرَة وألسنا شاكرة وأيديا فِي بسطها إِلَى الله للإبتهال بِالدُّعَاءِ متظاهرة فَأَقَامَ بقلعتها أَيَّامًا يسيرَة وألفى وَلَده الظَّاهِر قد سَار فِيهَا أحسن سيرة
стр. 1368
ثمَّ سَار مِنْهَا على طَرِيق المعرة وَقصد زِيَارَة الشَّيْخ الزَّاهِد أبي زَكَرِيَّا المغربي عِنْد مشْهد عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ فتبرك بزيارة الْمَيِّت والحي ثمَّ وصل إِلَى حماة فَنزل بقلعتها وَمَعَهُ أَمِير المدينه النَّبَوِيَّة على ساكنها السَّلَام وَهُوَ عز الدّين أَبُو فليتة الْقَاسِم بن المهنا وَكَانَ للسُّلْطَان فِي جَمِيع الْغَزَوَات مصاحبا وعَلى معاضدته مواظبا وَمَا حضر مَعنا على بلد أَو حصن إِلَّا فتحناه وَكَانَ السُّلْطَان يستوحش لغيبته ويأنس بشيبته وَكَانَ بِجنب السُّلْطَان جَالِسا ولنظره عَلَيْهِ حابسا
وَكَانَت قلعة حماة ذَات تل منبطح فَلَمَّا تولاها تَقِيّ الدّين رفع تلها وعمق خندقها وحصنها فطلع السُّلْطَان تِلْكَ الليله إِلَى القلعة وسر بِمَا رأى من الحصانة والرفعة ووقف الْملك المظفر لِعَمِّهِ وَجرى فِي الْخدمَة على رسمه وَأصْبح السُّلْطَان راحلا وَلم يقم بحمص وَجَاء إِلَى بعلبك على طَرِيق الزِّرَاعَة واللبوة وَوصل إِلَى دمشق قبل رَمَضَان وأشير على السُّلْطَان بِأَن يرِيح عسكره فقد أَحْمد فِي عَامه مورده ومصدره وأربح فِي سَبِيل الله متجره فَقَالَ إِن الْقدر غير مَأْمُون والعمر غير مَضْمُون وللفرص أَوْقَات وللدهر آفَات وَقد بقيت مَعَ الْكفْر هَذِه الْحُصُون وان لم نبادرها اخْتَلَّ أمرنَا المصون لَا سِيمَا صفد وكوكب فانهما للداوية
стр. 1369
والاسبتارية فِي وسط الْبِلَاد والثغور الإسلامية بهما واهية السداد فنخرج ونشتوا عِنْدهمَا ونقصد قصدهما فَإِذا فتحناهما خلصت هَذِه الْبِلَاد وصفت الأوراد
قَالَ فَمَا لبث السُّلْطَان وَلَا مكث وَلَا نقض عهد عزمه على الْغُزَاة وَلَا نكث وَقَالَ لَا نبطل الْغَزْوَة وَلَا نعطل هَذِه الشتوة
فصل فِي فتح الكرك وحصونه
قَالَ الْعِمَاد ووردت الْبُشْرَى بنجح الدَّرك فِي تَسْلِيم حصن الكرك وَذَلِكَ أَنَّهَا فِي مُدَّة غيبتنا فِي بِلَاد أنطاكية لم تعدم من محاصرتها المضايقة الناكية وَكَانَ الْملك الْعَادِل أَخُو السُّلْطَان مُقيما بتبنين فِي العساكر محترزا على الْبِلَاد من غائلة الْعَدو الْكَافِر أَقَامَهُ السُّلْطَان هُنَالك عِنْد توجهه إِلَى الْبِلَاد الشمالية لقصد جبلة واللاذقية فَأَقَامَ بتبنين مقويا لِلْأُمَرَاءِ المرتبين على الْحُصُون حَافِظًا على الدهماء بحركته فِي الْأُمُور عَادَة السّكُون وَكَانَ صهره سعد الدّين كمشبة بالكرك موكلا وبأهله منكلا قد غلق رَهنه وَبَقِي داؤه معضلا وَأمره مُشكلا حَتَّى فنيت أَزْوَادهم ونفدت موادهم ويئسوا من نجدة تأتيهم وأمحلت عَلَيْهِم مصايفهم ومشاتيهم فتوسلوا بِالْملكِ الْعَادِل وأبدوا لَهُ ضراعة السَّائِل فَمَا
стр. 1370
زَالَت الرسالات تَتَرَدَّد والاقتراحات تتجدد وَالْقَوْم يلينون والعادل يتشدد حَتَّى دخلُوا فِي الحكم وَخَرجُوا على السّلم وسلموا الْحصن وتحصنوا بالسلامة وخلصوا بِإِقَامَة عذرهمْ عِنْد قَومهمْ من الملامه وتسلم سعد الدّين بعْدهَا الْحُصُون الَّتِي بقربها كالشوبك وهرمز والوعر وسلع
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَفِي أثْنَاء شهر رَمَضَان سلمت الكرك من جَانب نواب صَاحبهَا وخلصوه بهَا من الْأسر وَكَانَ أسر فِي وقْعَة حطين الْمُبَارَكَة
وَكتب الْعِمَاد فِي بعض البشائر سلم حصن الكرك وَهُوَ الْحصن الَّذِي كَانَ طاغيته يحدث نَفسه بِقصد الْحجاز وَقد نصب أشراك اشراكه
стр. 1371
مِنْهُ على طرق الاجتياز فأذقناه عَام أول كأس الْحمام وملكنا حصنه الَّذِي كَانَ يعتصم بِهِ فِي هَذَا الْعَام واضطر الْكفْر فِي اسلامه إِلَى الْإِسْلَام وَتمّ بِحل هَذَا الْبَيْت أَمن الْبَيْت الْحَرَام
وَكتب القَاضِي الْفَاضِل إِلَى السُّلْطَان شَفَاعَة أدام الله سُلْطَان مَوْلَانَا الْملك النَّاصِر وثبته وَتقبل عمله بِقبُول حسن وأنبته وَأَخذه عدوه قَائِلا أَو بَيته وأرغم أَنفه بِسَيْفِهِ وكبته
خدمَة الْمَمْلُوك هَذِه وَارِدَة على يَد فلَان خطيب عيذاب وَلما نبا بِهِ الْمنزل مِنْهَا وَقل عَلَيْهِ الْمرْفق فِيهَا وَسمع بِهَذِهِ الفتوحات الَّتِي طبق الأَرْض ذكرهَا وَوَجَب على أَهلهَا شكرها وَحصل لمن جرت على يَده أجرهَا هَاجر من هجير عيذاب وملحها ساريا فِي لَيْلَة أمل كلهَا صباح فَلَا يسْأَل عَن صبحها وَقد رغب فِي خطابة الكرك وَهُوَ خطيب وتوسل بالمملوك فِي هَذَا الملتمس وَهُوَ قريب وَنزع من مصر إِلَى الشَّام وَمن عيذاب إِلَى الكرك وَهُوَ عَجِيب والفقر سائق عنيف وَالْمَذْكُور عائل ضَعِيف ولطف الله تَعَالَى بالخلق بِوُجُود مَوْلَانَا لطيف ورأيه أَعلَى ان شَاءَ الله تَعَالَى
فصل فِي فتح صفد
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد ثمَّ سَار فِي أَوَائِل رَمَضَان من دمشق
стр. 1372
يُرِيد صفد وَلم يلْتَفت إِلَى مُفَارقَة الْأَهْل وَالْأَوْلَاد والوطن فِي هَذَا الشَّهْر الَّذِي يُسَافر الانسان أَيْن كَانَ ليجتمع فِيهِ بأَهْله فَأَتَاهَا وَهِي قلعة منيعة وَقد تقاطعت حولهَا أَوديَة من سَائِر جوانبها فأحدق الْعَسْكَر بهَا ونصبت عَلَيْهَا المجانيق وَكَانَت الأمطار شَدِيدَة والوحول عَظِيمَة وَلم يمنعهُ ذَلِك عَن جده
وَلَقَد كنت لَيْلَة فِي خدمته وَقد عين مَوَاضِع خَمْسَة مجانيق حَتَّى تنصب فَقَالَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة مَا ننام حَتَّى ننصب الْخَمْسَة وَسلم كل منجنيق إِلَى قوم وَرُسُله تتواتر إِلَيْهِم يخبرونه ويعرفونهم كَيفَ يصنعون حَتَّى أطلنا الصَّباح وَقد فرغت المنجنيقات وَلم يبْق إِلَّا تركيب خنازيرها فِيهَا فرويت لَهُ الحَدِيث الْمَشْهُور فِي الصِّحَاح وبشرته بِمُقْتَضَاهُ وَهُوَ قَوْله ﷺ ((عينان لَا تمسهما النَّار عين باتت تحرس فِي سَبِيل الله وَعين بَكت من خشيَة الله))
قَالَ وَلم يزل الْقِتَال متواصلا بالنوب مَعَ الصَّوْم حَتَّى سلمت بالأمان فِي رَابِع عشر شَوَّال
وَقَالَ الْعِمَاد لما خرج السُّلْطَان من دمشق صَحبه الْفَاضِل
стр. 1373
وَجعل طَرِيقه على مرج برغوث وَعبر مخاضة الأحزان وَجَاء إِلَى صفد وَقد لَان من فِيهَا من الفرنج وَزَادَهُمْ نفد فَنزل عَلَيْهِ فِي الْعشْر الْأَوْسَط من رَمَضَان فضايقها وَنصب المجانيق إِلَى أَن سلمهَا مقدمها فِي ثامن شَوَّال بالأمان وَرَاح إِلَى صور
وَقد كَانُوا عدموا الْقُوت ووجدوا الْمَوْت الموقوت وَعَلمُوا أَنهم ان لم تخرج صفد من أَيْديهم دخلت أَرجُلهم فِي الأصفاد فتبرؤوا من الْجِدَار والجلاد وانها كَانَت فِي عين الْإِسْلَام قذى لَا يتَوَقَّع مِنْهَا على الْأَيَّام الا مضرَّة وأذى فسهل الله صعبها وأوطأ هضبها وكشف عَن الْبِلَاد كربها وَقذف فِي قُلُوب أَهلهَا رعبها فَخَرجُوا مذعنين واستسلموا مُسلمين وتبرؤوا من حصنهمْ ونزلوا بهوانهم ووهنهم وأحضروا رهائنهم للاستمهال فِي نقل مَتَاعهمْ وندموا على مَا كَانَ من امتناعهم
قَالَ وَاجْتمعَ الفرنج بصور وَنحن نضايق حصن صفد وَقَالُوا مَتى فتحت صفد فَإِن كَوْكَب لَا تمْتَنع وأملنا عَن حفظهَا يَنْقَطِع والرأي أَن نجرد لَهَا نجدة فلعلها تثبت إِلَى أَن توافينا من الْبَحْر مُلُوكنَا
فسيروا مئتي رجل فَتَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ الأودية يكمنون فِي الشعاب والهضاب وَاتفقَ أَن أَمِيرا من أَصْحَابنَا خرج متقنصا فَوَقع أحدهم فِي قنصه وَحصل طَائِر مِنْهُم فِي قفصه فاستغرب وجوده
стр. 1374
فِي ذَلِك الْمَكَان فهدده وتوعده وأقامه للعذاب وَأَقْعَدَهُ حَتَّى دلّ على مكمن ذئابه فَمَا أحسوا إِلَّا بصارم الدّين قيماز النجمي وأجناده وَقد نزلُوا عَلَيْهِم فِي آكام ذَلِك الشّعب ووهاده فتلقطوهم من كل غَار ووجار وَلم يهتد أحد من أُولَئِكَ الضلال إِلَى نهج فرار فَمَا شعرنَا وَنحن على صفد للحصار حَتَّى وصل صَاحب قايماز بالأسارى مُقرنين فِي الأصفاد مقودين فِي الأقياد وَكَانَ فيهم مقدمان من الاسبتار وَقد أشفيا على التبار فان السُّلْطَان ﵀ مَا كَانَ يبقي على أحد من الاسبتارية والداوية
فأحضرا عِنْد السُّلْطَان للمنية فأنطقهما الله بِمَا فِيهِ حياتهما وناجياه بِمَا بِهِ نجاتهما وَقَالا عِنْد دخولهما مَا نظن أننا بَعْدَمَا شافهناك يلحقنا سوء فَعرفت أَن بقاءهما مرجو فَمَال إِلَى مقالهما وَأمر باعتقالهما فَإِن تِلْكَ الْكَلِمَة حركت مِنْهُ الْكَرم وحقنت مِنْهُمَا الدَّم وَفتح الله علينا صفد ثامن شَوَّال حِين فَرغْنَا من صَوْم سِتّ مِنْهُ بعد رَمَضَان وجمعنا بَين فضيلتي الصَّوْم وَالْجهَاد وسلمت قلعة صفد إِلَى شُجَاع الدّين طغرل الجاندار واستبشرنا بانعكاس مَا أحكمه الْكفَّار
стр. 1375
فصل فِي فتح حصن كَوْكَب
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد ثمَّ سَار ﵀ عَلَيْهِ يُرِيد كَوْكَب فَنزل على سطح الْجَبَل وجرد الْعَسْكَر وأحدق بالقلعة وضايقها بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ اتخذ لَهُ موضعا يتجاوزه نشاب الْعَدو وَبنى لَهُ حَائِطا من حِجَارَة وطين يسْتَتر وَرَاءه والنشاب يتجاوزه وَلَا يقدر أحد يقف على بَاب خيمته إِلَّا أَن يكون ملبسا وَكَانَت الأمطار متواترة والوحول بِحَيْثُ تمنع الْمَاشِي والراكب إِلَّا بِمَشَقَّة عَظِيمَة وعانى شَدَائِد وأهوالا من شدَّة الرِّيَاح وتراكم الأمطار وَكَون الْعَدو متسلطا عَلَيْهِم بعلو مَكَانَهُ وجرح وَقتل جمَاعَة وَلم يزل رَاكِبًا مركب الْجد ﵀ حَتَّى تمكن النقب من سورها
وَلما أحس الْعَدو المخذول بالنقب وَقد تمكن من السُّور علم أَنه مخذول مَأْخُوذ فَطلب الْأمان فَأَمنَهُمْ وتسلمها فِي منتصف ذِي الْقعدَة وَنزل إِلَى الْغَوْر إِلَى الثّقل وَكَانَ قد أنزل الثّقل من شدَّة الوحل وَالرِّيح فِي سطح الْجَبَل
وَقَالَ الْعِمَاد وَجِئْنَا إِلَى كَوْكَب ووجدناها فِي منَاط الْكَوْكَب كَأَنَّهَا وكر العنقاء ومنزل العواء قد نزلتها كلاب عاوية ونزغت بهَا ذئاب غاوية وَقَالُوا لَو بَقِي منا وَاحِد لحفظ بَيت الاسبتار وخلصه إِلَى الْأَبَد من الْعَار وَلَا بُد من عود الفرنج إِلَى
стр. 1376
هَذِه الديار فنتشدد للانتظار
ثمَّ وصف الْقِتَال بِالرَّمْي والمنجنيق والنقب وَالتَّعْلِيق والحفر والتعميق والحصر والتضييق
ثمَّ قَالَ وَكَانَ الْوَقْت صعبا والغيث سكبا وتكاثرت السُّيُول وتكاثفت الوحول ودامت الديم لدموعها مريقة وَبقيت الخيم فِي الطين غريقة وَكُنَّا فِي شغل شاغل من تقلع الْأَوْتَاد وتوتد الْأَقْدَام ووهاء الْأَطْنَاب وَوُقُوع الْخيام وَقد عَادَتْ الْخيام مناخل الأنداء والأنوار معدومه لوُجُود الأنواء وَمَاء الشّرْب مَفْقُود مَعَ سيول المَاء والرواحل فِي الطين باركة وَهِي للعلف تاركة والطرق زلقة لزقة وَهِي مَعَ سعتها ضيقَة
فَنقل السُّلْطَان خيمته إِلَى قرب الْمَكَان لتقريب وُجُوه الامكان وَبنى لَهُ من الْحِجَارَة مَا صَار لَهُ كالستارة وَنزلت الأثقال والخيم إِلَى أَسْفَل التل بالغور
وَأقَام السُّلْطَان على محاصرة الْحصن ومصابرته وَنحن نركب إِلَيْهِ من الْخيام بكرَة وَعَشِيَّة للسلام وتنفيذ المهام حَتَّى بلغ الرِّجَال أَمَاكِن النقوب وَتمكن لَهُم الْمَطْلُوب فشرع الْكَفَرَة فِي التذلل وسلموا الْحصن بالأمان وَعرضه على جمَاعَة فَلم يقبل ولَايَته أحد سوى قايماز النجمي على كره مِنْهُ وَذَلِكَ فِي منتصف ذِي الْقعدَة وَنزل السُّلْطَان إِلَى المخيم بالغور
стр. 1377
وَمن كتاب فاضلي إِلَى سيف الْإِسْلَام بِالْيمن عَن السُّلْطَان مِمَّا تجدّد بحضرتنا فتح كَوْكَب وَهِي كرْسِي الاسبتارية وَدَار كفرهم ومستقر صَاحب أَمرهم وَمَوْضِع سِلَاحهمْ وذخرهم وَكَانَ بمجمع الطّرق قَاعِدا ولملتقى السبل راصدا فتغلقت بفتحه بِلَاد الْفَتْح واستوطنت وسلكت طرقها وَأمنت وعمرت بلادها وسكنت وَلم تبْق فِي هَذَا الْجَانِب الا صور وَلَوْلَا أَن الْبَحْر ينجدها والمراكب تردها لَكَانَ قيادها قد أمكن وجماحها قد أذعن وَمَا هم بِحَمْد الله فِي حصن يحميهم بل فِي سجن يحويهم بل هم أُسَارَى وَإِن كَانُوا طلقاء وأمواتا وَإِن كَانُوا أَحيَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَا تعجل عَلَيْهِم إِنَّمَا نعد لَهُم عدا﴾
وَكَانَ نزولنا على كَوْكَب بعد أَن فتحنا صفد بلد الديوية وفتحنا الكرك وحصونه والمجلس السَّامِي أعلم بِمَا كَانَ على الْإِسْلَام من مُؤْنَته المثقلة وَقَضيته المشكلة وعلته المعضلة وَالله تَعَالَى المشكور على مَا طوى من كلمة الْكفْر وَنشر من كلمة الْإِسْلَام فان بِلَاد الشَّام الْيَوْم لَا يسمع فِيهَا لَغْو وَلَا تأثيم إِلَّا قيلا سَلاما سَلاما فادخلوها بِسَلام
стр. 1378
وَكَانَ نزولنا على كَوْكَب والشتاء فِي كوكبه وَقد طلع من الأنواء فِي موكبه والثلوج تنشر على الْجبَال ملأها والأودية قد عجت بِمَائِهَا وفاضت عِنْد امتلائها فشمخت أنوفها سيولا فخرقت الأَرْض وَبَلغت الْجبَال طولا والأوحال اعتقلت الطرقات وَمَشى الْمُطلق فِيهَا مشْيَة الْأَسير فِي الحلقات فتجشمنا العناء نَحن وَرِجَال العساكر وكابرنا الْعَدو وَالزَّمَان وَقد يحرز الْحَظ المكابر وَعلم الله النِّيَّة فأنجدها بِفِعْلِهَا وَضمير الْأَمَانَة فَأَعَانَ على حملهَا ونزلنا من رُؤُوس الْجبَال منَازِل كَانَ الِاسْتِقْرَار عَلَيْهَا أصعب من نقلهَا
ثمَّ قَالَ والآن فالمجلس السَّامِي يعلم أَن الفرنج لَا يسلون عَمَّا فتحنا وَلَا يصبرون على مَا جرحنا وَأَنَّهُمْ لعنهم الله أُمَم لَا تحصى وجيوش لَا تستقصى و ﴿يَد الله فَوق أَيْديهم﴾ و ﴿سَيجْعَلُ الله بعد عسر يسرا﴾ وَمَا هم إِلَّا كلاب قد تعاوت وشياطين قد تغاوت وَإِن لم يقذفوا من كل جَانب استأسدوا واستكلبوا وَكَانُوا لباطلهم الداحض أنْصر منا لحقنا الناهض وَكتب المستخدمون بالاسكندرية وَصَاحب قسطنطينية والثغور المغربية ينذرون بِأَن الْعَدو قد أجمع أمرا وحاول نكرا وغضبوا زادهم الله غَضبا وأوقدوا نَارا للحرب جعلهَا الله عَلَيْهِم حطبا وسلوا سيوفا للبغي لَا يبعد ان يَكُونُوا أغمادها وتواعدت جموع ضلالتهم أخلف الله ميعادها
стр. 1379
وَأما نَحن فبالله ندفع مَا نطيق وَمَا لَا نطيق وَإِلَيْهِ نرغب فِي أَن يثبت قُلُوبنَا إِذْ كَادَت تزِيغ قُلُوب فريق وَنحن الْآن نستجذب أخانا وندعوه إِلَى مَا لَهُ دعينا ونؤمل من الله ان ينصرنا دنيا ودينا وَأَن يمدنا بِنَفسِهِ سَرِيعا وبعسكره جَمِيعًا وبذخره الَّذِي كَانَ لمثله مجموعا وَأَن يلبيها دَعْوَة إِمَّا أَن يُطِيع بهَا ربه لِأَنَّهَا دَعوته وَإِمَّا أَن ينصر بهَا نبيه ﷺ فَإِنَّهَا شَرِيعَته وَإِمَّا أَن يعين بهَا أَخَاهُ فَإِنَّهَا شدَّة الْإِسْلَام لَا شدته
هَذَا وَإِن كَانَ الْمجْلس قد قعد عَنَّا وَلم يعدنا فِي مرض الْأَجْسَام فَلَا يقْعد عَنَّا فِي مرض الْإِسْلَام فالبدار البدار فَإِن لم يكن الشَّام لَهُ بدار فَمَا الْيمن لَهُ بدار وَالْجنَّة الْجنَّة فانها لَا تنَال إِلَّا بايقاد الْحَرْب على أهل النَّار والهمة الهمة فان الْبحار لَا تلقى إِلَّا بالبحار والملوك الْكِبَار لَا يقف فِي وجوهها إِلَّا الْمُلُوك الْكِبَار وَفِي هَذِه السّنة ننزل على أنطاكية وَينزل ولدنَا المظفر تَقِيّ الدّين أطرابلس ويستقر الركاب الملكي العادلي بِمصْر لِأَنَّهَا مَذْكُورَة عِنْد الْعَدو وَأَنَّهَا تطرق وَأَن الطّلب على مصر وَالشَّام مِنْهُ يفرق وَلَا غنى عَن أَن يكون الْمجْلس السيفي بحرا فِي بِلَاد السَّاحِل يزخر سِلَاحا ويجرد سَيْفا يكون على مَا فتحناه قفلا وَلما لم يفتح مفتاحا وَمَا يدعى للعظيم إِلَّا الْعَظِيم وَلَا يُرْجَى] لموقف الصَّبْر الْكَرِيم إِلَّا الْكَرِيم
هَذَا والأقدار جَارِيَة ومشيئة الله مَاضِيَة فَإِن يَشَأْ ينصرنا على الْعدَد المضعف بِالْعدَدِ الأضعف فَإنَّا لَا نرتاب بِأَن الله تَعَالَى
стр. 1380
مَا فتح علينا هَذِه الْفتُوح ليغلقها وَلَا جمع علينا هَذِه الْأمة ليفرقها وَإِنَّمَا نؤثر أَن يتساهم آل أَيُّوب فِي ميراثهم مِنْهُ مَوَاقِف الصَّبْر ومطالع النَّصْر وَلَا يسرنَا أَن يَنْقَضِي عمره فِي قتال غير الْكَافِر ونزال غير الكفؤ المناظر فَإِنَّمَا هِيَ سفرة قاصدة وزجرة واحده فَإِذا هُوَ قد بيض الصَّحِيفَة وَالْوَجْه وَالذكر فليحضر وليشاهد أَوْلَادًا يستشعرون لفراقه غما قد عاشوا مَا عاشوا وَلَا يعْرفُونَ أَن لَهُم مَعَ عمهم عَمَّا
وَله إِلَيْهِ من كتاب آخر وَكَأَنَّهُ بعد اعتذاره عَن الْحُضُور الْمولى على حسب اخْتِيَاره وَإِن سَار فَمثله من سَار وسر وقاد الْجَيْش وجر ونفع الْوَلِيّ وضر الْعَدو الَّذِي أضرّ وَإِن أَقَامَ فالعذر الَّذِي أقعده وإشفاق السُّلْطَان عز نَصره الَّذِي رده عَن وَجهه والرأي الَّذِي ردده فَلَا يكن فِي صَدره من الْأَمريْنِ حرج وَلَا يخف استقصار عزمه إِن ركد أَو خرج فمكانه مَكَانَهُ من الْقلب ووده وده وَله من اللِّسَان حَمده وَهُوَ سيف الْإِسْلَام إِن ضرب بحده أَو صين فِي غمده لَا زَالَ الْمولى منوها باسمه ومرفها فِي جِسْمه ومجردا سيف عزمه وسعيدا بِحكم التَّوْفِيق فَلَا خرج التَّوْفِيق عَن حكمه
وَمن كتاب عمادي إِلَى الدِّيوَان بِفَتْح الكرك والشوبك وصفد وكوكب يَقُول فِيهِ والآن فقد خلص جَمِيع مملكة الْقُدس وَحدهَا فِي سمت مصر من الْعَريش وعَلى صوب الْحجاز من الكرك والشوبك وتشتمل على الْبِلَاد الساحلية إِلَى مُنْتَهى أَعمال بيروت وَلم يبْق من هَذِه المملكة إِلَّا صور
стр. 1381
وَفتح أَيْضا جَمِيع إقليم أنطاكية ومعاقلها الَّتِي للفرنج والأرمن وَحده من أقْصَى بِلَاد جبلة واللاذقية إِلَى بِلَاد ابْن لاون وَبقيت أنطاكية بمفردها والقصير من حصونها وَلم يبْق من الْبِلَاد الَّتِي لم تفتح أَعمالهَا وَلم تحل عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ حَالهَا سوى طرابلس فَإِنَّهَا لم يفتح مِنْهَا إِلَّا مَدِينَة جبيل وَقد سحبت عَلَيْهَا المهلة الذيل ومعاقلها بَاقِيَة وَلَيْسَ لَهَا من عَذَاب الله الْوَاقِع واقية
وَالْخَادِم الْآن على التَّوَجُّه إِلَيْهَا وعزم النُّزُول عَلَيْهَا وَأَنه قد رتب الْجَانِب القبلي والبلد الْقُدسِي وشحن الثغور من حد جبيل إِلَى عسقلان بِالرِّجَالِ وَالْأَمْوَال وآلات الْعدَد وَالْعدَد المتواصل المدد ورتب فِيهَا وَلَده الْأَفْضَل عليا لحمايتها وَحفظ ولايتها وقلد وَلَده الْعَزِيز عُثْمَان ولَايَة مصر ومملكة أقاليمها لتهذيب أحوالها وتقويمها
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد وَلما فرغ السُّلْطَان من شغل القلاع وَنزل إِلَى الوهاد من التلاع تجدّد للأجل الْفَاضِل عزم مصر فَركب السُّلْطَان مَعَه للوداع ثمَّ تحول إِلَى صحراء بيسان وَأقَام بهَا إِلَى مستهل ذِي الْحجَّة ثمَّ رَحل يَوْم الْجُمُعَة مستهل الشَّهْر وَمَعَهُ أَخُوهُ الْعَادِل وسلكا طَرِيق الْغَوْر إِلَى الْقُدس وَوَصله يَوْم الجمعه ثامن الشَّهْر
стр. 1382
وَهُوَ يَوْم التَّرويَة وَصلى الْجُمُعَة فِي قبَّة الصَّخْرَة وَعِيد بهَا يَوْم الْأَحَد الْأَضْحَى وَسَار يَوْم الأثنين إِلَى عسقلان للنَّظَر فِي مهامها ونظم أَسبَاب أَحْكَامهَا ثمَّ أذن للعادل فِي الْعود إِلَى مصر لمساعدة وَلَده الْعَزِيز وودعه وَأَعْطَاهُ الكرك وَأخذ مِنْهُ عسقلان قَالَه ابْن شَدَّاد ورحل على سمت عكا بعسكره موفقا فِي مورده ومصدره فَمَا عبر بِبَلَد إِلَّا قوى عدده وَكثر عدده
وانفصل الْعِمَاد عَن خدمته إِلَى دمشق عِنْد رحيله من بيسان لعَارض مرض سلبه الامكان وَمَا زَالَ مُنْفَصِلا عَنهُ إِلَى أَن وصل السُّلْطَان دمشق بعد شَهْرَيْن مستهل صفر من السّنة الجديدة
وَفِي هَذِه السّنة فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَمَضَان توفّي الْأَمِير مجد الدّين مؤيد الدولة أُسَامَة بن مرشد بن عَليّ بن منقذ وَكَانَ مولده بشيزر سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة فَبلغ عمره سِتا وَتِسْعين سنة
стр. 1383
وفيهَا فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى توفّي الْحَافِظ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُوسَى بن عُثْمَان بن حَازِم الْحَازِمِي الهمذاني بِبَغْدَاد صَاحب المصنفات على صغر سنه مِنْهَا العجالة والناسخ وَغَيرهمَا ومولده سنة ثَمَان أَو تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة رحمهمَا الله تَعَالَى
قَالَ الْعِمَاد وَوصل كتاب من مصر وَنحن على حِصَار صفد أَن اثْنَي عشر رجلا أعْلنُوا بشعار أهل الْقصر ودخلوا من بَاب زويلة إِلَى قرب الصياقلة مجذوبي السيوف لادالة الدولة الزاهقة ونصرة الدعْوَة الْبَاطِلَة وهم ينادون بآل عَليّ وَفِي زعمهم أَنهم يقيلون بالصولة ويقلبون بالبأس لِبَاس الدولة ويخالون أَنهم إِذا ثَارُوا أثاروا وَإِذا داروا أداروا فَمَا اكترث بهم مكترث وَلَا انْبَعَثَ إِلَيْهِم منبعث فَلَمَّا تحققوا أَنهم لَا مُجيب لَهُم وَلَا دَاع تفَرقُوا فِي الدروب واضمحلوا وَكَانُوا عقدوا على الْوَفَاء فانحلوا ثمَّ أخذُوا ووقذوا واعتقلوا وَلم يستنقذوا
стр. 1384
وَلما علم السُّلْطَان بِهَذَا الْأَمر عراه الْهم وتضجر بِمن على بَابه من وُفُود مصر وَقَالَ إِلَى مَتى نتحمل مِنْهُم هَذَا وهم بطردهم وردعهم وردهم وَكَانَ قد وَفد إِلَى الْبَاب السلطاني جمَاعَة من أَوْلَاد الوزراء المصريين والأمراء بهَا المقدمين وَمن أهل الْمَعْرُوف المعروفين وَوَافَقَ ذَلِك دُخُول الْفَاضِل إِلَيْهِ فَأخْبرهُ بالْخبر فَقَالَ لَهُ يجب أَن تشكر الله على هَذِه النِّعْمَة فقد عرفت بِهَذَا طَاعَة رعيتك وموافقة نياتهم لنيتك أَلَيْسَ لم يلب دعوتهم أحد وَلم يكن من ورائهم مدد فطب نفسا وزد بمنزلتك عِنْد الله أنسا
فَقَالَ السُّلْطَان كَانَ الْمُلُوك قبلي تخافهم وتهرب مِنْهُم الرّعية وتتوقع مِنْهُم البلية والآن فقد تكاثروا علينا وتوافدوا إِلَيْنَا حَتَّى أضجرونا وأملونا ونفرونا فَإِذا ركبنَا أَو نزلنَا تعاورونا بالقصص وساورونا بالغصص
فَقَالَ لَهُ أَنْت أولى بشكر الله على هَذِه العارفة كَانَ بِمصْر من صَاحب الْقصر وأشياعه وخدمه وَأَتْبَاعه وأمرائه وخواصه وَذَوي استخلاصه وجهاته وإلزامه كل من كَانَ يرتع الْخلق فِي رياض إنعامه وَكَانَ بِالشَّام فِي كل بلد وَال وَصَاحب لَهُ على أَهله نعم ومواهب وملوك يلوذ بهم الْأَقَارِب والأجانب وَالْيَوْم أَنْت سُلْطَان الْجَمِيع وَقد رد الله الآمال فِي تِلْكَ الصَّنَائِع كلهَا إِلَى مَا لَك من حسن الصَّنِيع وَقد اجْتمع اولئك المتفرقون على بابك ووفدوا إِلَى جنابك فَلَا يَجدونَ بعد الله إِلَّا وجودك وجودك فَأكْرم وفودك
فاغرورقت بالدموع عَيناهُ وبالسماح يَدَاهُ وَأقسم أَنه مَا عَاشَ
стр. 1385
لَا يرد قَاصِدا وَلَا يصد وافدا وَتقدم فِي الْحَال بِقَضَاء حُقُوق الوافدين وإنجاح آمال القاصدين
قلت وَكتب إِلَى السُّلْطَان فِي هَذَا الْمَعْنى أَبُو الْفَتْح سبط ابْن التعاويذي من بَغْدَاد
(فَلَا يضجرنك ازدحام الْوُفُود ... عَلَيْك وَكَثْرَة مَا تبذل)
(فَإنَّك فِي زمن لَيْسَ فِيهِ ... جواد سواك وَلَا مفضل)
(وَقد قل فِي أَهله المنعمون ... وَقد كثر البائس المرمل)
(وَمَا فِيهِ غَيْرك من يستماح ... وَمَا فِيهِ إلاك من يسْأَل)
وقرأت رقْعَة بِخَط الْفَاضِل الْمَمْلُوك يُنْهِي وُصُول فَخر الْكتاب الْجُوَيْنِيّ وَقد كَاد يهْلك من لَهب الْحر وَالْمَشَقَّة فِي السّير وَكَيف يكون حَال ابْن السّبْعين مَعَ الْمَرَض اللَّازِم والقولنج الدَّائِم ونحافة الاعضاء وَضعف الْقُوَّة واستشعار انْقِطَاع الرزق الَّذِي هُوَ نَظِير انْقِطَاع الْعُمر وَمَا أَظن أَن الله أجْرى على يَد الْمولى وَلَا فَرح عدوا لَهُ بِأَن يَنْقَطِع رزق مثل هَذَا الْبَقِيَّة الْحَسَنَة والضيف الراحل والأديب الْفَاضِل فِي أَيَّام مَوْلَانَا الَّتِي هِيَ تَارِيخ الْكَرم ومواسم النعم
стр. 1386
وَفِي آخرهَا وَمِمَّا يجب أَن يعلم الْمولى أَن أرزاق أَرْبَاب العمائم فِي دولته إقطاعا وراتبا يتَجَاوَز مئتي ألف دِينَار بِشَهَادَة الله وَرُبمَا كَانَت ثَلَاث مئة ألف دِينَار
وَفِي الرقعة بالخط الصلاحي وقفت على رقْعَة القَاضِي الْفَاضِل وَمَا نقطع لأحد رزق إِن شَاءَ الله تَعَالَى بل هِيَ علالات نَحن مثل الْغَرِيم المنكسر نرضى لذا بِمَال ذَا وعَلى الْجُمْلَة مَا تقدّمت بِقطع رزق أحد وَقد علمت فِيهَا اكْتُبْ فِيهَا الَّذِي لَهما ولغيرهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى
كَانَ فِي آخر الرقعة ذكر الْجمال الْحَنَفِيّ وَكَأَنَّهُ كَانَ لَهُ مثل حَاجَة الْجُوَيْنِيّ رحم الله الْكل أَجْمَعِينَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان فِي عكا نَافِذ الْأَمر نابه الْقدر فأحكم أمرهَا وكشف ضرها واستحضر جمَاعَة من مصر يحمي بهم الثغر فَمَا انْفَصل حَتَّى وصلوا وَاتبعُوا أمره وامتثلوا وَتقدم بهاء الدّين قراقوش بإتمام العمارات وَولى حسام الدّين بِشَارَة وعول عَلَيْهِ فِي الْولَايَة وَالْحِفْظ والحماية
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد أَقَامَ بعكا مُعظم الْمحرم يصلح
стр. 1387
أحوالها ورتب فِيهَا بهاء الدّين قراقوش واليا وَأمره بعمارة السُّور والإطناب فِيهِ وَمَعَهُ حسام الدّين بِشَارَة وَسَار يُرِيد دمشق فَدَخلَهَا مستهل صفر
قَالَ الْعِمَاد وَولى مَمْلُوكه فَارس الدّين كشتفدي شهرزور وأعمالها وَكَانَ قد تزوج بأخت عز الدّين حسن بن يَعْقُوب بن قفجاق فولاه ذَلِك لقرب الْولَايَة القفجاقية من الشهرزورية وَقصد حُصُول المناصرة بِحكم الْمُصَاهَرَة
قَالَ وَحكم السُّلْطَان بدر الدّين مودودا فِي ولَايَة دمشق وجدد لَهُ منشورا بإنشائي وَفِيه وَقد قلدناه أَمر دمشق وجهاتها وأعمالها والحشري والزكوات وكل مَا يجْرِي فِي الدِّيوَان وَمَا يبْتَاع للخزانة وَولَايَة المرج والغوطة وَمَا يُضَاف إِلَيْهَا من الْأَعْمَال وَولَايَة الْجَبَل ووادي بردى ويبوس وتولي الشحنكيات وَحفظ الطرقات
ثمَّ رَحل السُّلْطَان إِلَى طبرية فألحقها بمعدلته العمرية ثمَّ وصل وَأقَام بِدِمَشْق شهر صفر وَوجه الدّين بِهِ قد سفر وَعز من آمن وذل من كفر وَبَدَأَ بِحُضُور دَار الْعدْل وَحكم بِالشَّرْعِ المطهر
وَوصل فِي ثَانِي عشر صفر رَسُول الدِّيوَان ضِيَاء الدّين عبد الْوَهَّاب بن سكينَة والوزير يَوْمئِذٍ معز الدّين بن حَدِيدَة
стр. 1388
يَأْمر بِالْخطْبَةِ لوَلِيّ الْعَهْد عدَّة الدّين أبي نصر مُحَمَّد ابْن الإِمَام النَّاصِر فَاسْتَقْبلهُ السُّلْطَان وَأَوْلَاده وأمراؤه وأجناده وخطب لَهُ بذلك يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث عشر صفر خطيب دمشق ضِيَاء الدّين أَبُو الْقَاسِم عبد الْملك بن زيد الدولعي فَلَمَّا انْقَضتْ الْخطْبَة وَعَاد الرَّسُول سير السُّلْطَان مَعَه رَسُوله ضِيَاء الدّين الْقَاسِم بن يحيى الشهرزوري وسيرت مَعَه الْهَدَايَا والتحف السنايا وأسارى الفرنج الفوارس وعددها النفائس وتاج ملكهم السليب والملبوس وَالطّيب والصليب وَهُوَ الَّذِي كَانَ فَوق قبَّة الصَّخْرَة المقدسة ليدل على تَطْهِير مَا كَانَ هُنَاكَ من الْأَسْبَاب المدنسة وَسَار الضياآن رسولهم وَرَسُول السُّلْطَان ودخلا بَغْدَاد وأسارى الفرنج على هيئتها يَوْم قراعها راكبة حصنها فِي طوارقها وبيارقها وأدراعها قد نكست بنودها وأتعست أنوفها وهيئت على هَيْئَة فتوحنا حتوفها
قلت وَقَالَ ابْن القادسي قدم ابْن الشهرزوري وَمَعَهُ صَلِيب الصلبوت الَّذِي تعظمه النَّصَارَى فَدفن تَحت عتبَة بَاب النوبى الشريف يبين مِنْهُ شَيْء قَلِيل وَكَانَ من نُحَاس وَقد طلي بِالذَّهَب فَجعل يداس بالأرجل ويبصق النَّاس عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي سادس عشر ربيع الآخر
стр. 1389
كَذَا قَالَ صَلِيب الصلبوت وَقد نَص الْعِمَاد فِي (الْبَرْق) على أَنه الصَّلِيب الَّذِي كَانَ فَوق الصَّخْرَة وَهَذَا غير ذَلِك وَالله أعلم
ثمَّ إِن الْخَلِيفَة النَّاصِر اعتقل ابْنه هَذَا بعد مُدَّة فِي سنة إِحْدَى وست مئة وأراده على خلع نَفسه من ولَايَة الْعَهْد فَفعل وَأشْهد على نَفسه بذلك ثمَّ قضى الله سُبْحَانَهُ أَن أعَاد إِلَيْهِ ولَايَة الْعَهْد فِي أَوَاخِر عمره فَخَطب لَهُ بذلك وَنقش اسْمه على الدِّينَار وَالدِّرْهَم إِلَى أَن توفّي النَّاصِر سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتَوَلَّى بعده فَأَقَامَ نَحْو تِسْعَة أشهر ولقب بِالظَّاهِرِ ثمَّ توفّي وَولي ابْنه الْمُسْتَنْصر الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْمدرسَة بِبَغْدَاد ثمَّ توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَولي ابْنه المستعصم بِاللَّه وَهُوَ الْخَلِيفَة الْآن
قَالَ الْمُؤلف ثمَّ أهلكه التتار عَام استولوا على بَغْدَاد فِي أول سنة سِتّ وَخمسين وست مئة وَالله الْمُسْتَعَان
فصل فِي فتح شقيف أرنون
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَهُوَ مَوضِع حُصَيْن قريب من بانياس خرج السُّلْطَان من دمشق بعد صَلَاة الْجُمُعَة فِي الثَّالِث من ربيع الأول فَسَار حَتَّى نزل فِي مرج فلوس وَنزل من الْغَد يَوْم
стр. 1390
السبت فِي مرج برغوث فَأَقَامَ بِهِ والعساكرتتتابع إِلَى حادي عشره ورحل إِلَى بانياس وَمِنْهَا إِلَى مرج عُيُون فخيم بِهِ وَهُوَ قريب من شقيف أرنون بِحَيْثُ يركب كل يَوْم يشارفه وَيعود والعساكر تَجْتَمِع وتطلبه من كل صوب
فَأَقَمْنَا أَيَّامًا نشرف كل يَوْم على الشقيف والعساكر الإسلاميه فِي كل يَوْم تصبح متزايدة الْعدَد وَالْعدَد وَصَاحب الشقيف يرى مَا يتَيَقَّن مَعَه عدم السَّلامَة فَرَأى أَن إصْلَاح حَاله مَعَه قد تعين طَرِيقا إِلَى سَلَامَته فَنزل بِنَفسِهِ وَمَا أحسسنا بِهِ إِلَّا وَهُوَ قَائِم على بَاب خيمة السُّلْطَان فَأذن لَهُ فَدخل فاحترمه وأكرمه وَكَانَ من كبار الفرنجية وعقلائها وَكَانَ يعرف بِالْعَرَبِيَّةِ وَعِنْده اطلَاع على شَيْء من التواريخ وَالْأَحَادِيث
قَالَ وَبَلغنِي أَنه كَانَ عِنْده مُسلم يقْرَأ لَهُ ويفهمه وَكَانَ عِنْده تأت فَحَضَرَ بَين يَدي السُّلْطَان وَأكل مَعَه الطَّعَام ثمَّ خلا بِهِ وَذكر أَنه مَمْلُوكه وَتَحْت طَاعَته وَأَنه يسلم الْمَكَان إِلَيْهِ من غير تَعب وَاشْترط أَن يعْطى موضعا يسكنهُ بِدِمَشْق فَإِنَّهُ لَا يقدر بعد ذَلِك على مساكنة الفرنج وإقطاعا بِدِمَشْق يقوم بِهِ وبأهله وَأَنه يُمكن من الاقامة بموضعه وَهُوَ يتَرَدَّد إِلَى الْخدمَة ثَلَاثَة أشهر من تَارِيخ الْيَوْم الَّذِي كَانَ فِيهِ حَتَّى يتَمَكَّن من تَخْلِيص أَهله وجماعته من صور وَيَأْخُذ مغل هَذِه السّنة فَأُجِيب إِلَى ذَلِك كُله وَأقَام يتَرَدَّد إِلَى خدمَة السُّلْطَان فِي كل وَقت ويناظرنا فِي دينه ونناظره فِي بُطْلَانه وَكَانَ حسن المحاورة متأدبا فِي كَلَامه
стр. 1391
ثمَّ استفاض بَين النَّاس أَن صَاحب الشقيف فعل مَا فعله من المهلة غيلَة لَا أَنه صَادِق فِي ذَلِك وَإِنَّمَا قصد بِهِ تدفيع الزَّمَان وَظَهَرت لذَلِك مخايل كَثِيرَة من الْخَوْض فِي تَحْصِيل الْميرَة وإتقان الْأَبْوَاب فَرَأى السُّلْطَان أَن يصعد إِلَى سطح الْجَبَل ليقرب من الْمَكَان وَيمْنَع من دُخُول نجدة وميرة إِلَيْهِ وَأظْهر أَن سَبَب ذَلِك شدَّة حمو الزَّمَان والفرار من وخم المرج فَنزل صَاحبه وَسَأَلَ أَن يُمْهل تَمام سنة فماطله السُّلْطَان وَمَا آيسه وَقَالَ نفكر فِي ذَلِك ونجمع الْجَمَاعَة ونأخذ رَأْيهمْ ثمَّ وكل بِهِ من حَيْثُ لَا يشْعر إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا سنذكر
قَالَ وَفِي أثْنَاء ربيع الأول وصل الْخَبَر بِتَسْلِيم الشوبك وَكَانَ قد أَقَامَ السُّلْطَان عَلَيْهِ جمعا عَظِيما يحاصرونه مُدَّة سنة حَتَّى فرغت أَزْوَادهم وسلموه بالأمان
وَقَالَ الْعِمَاد كَانَ الشقيف فِي يَد صَاحب صيدا أرناط وَقد أكمل فِي حفظه الِاحْتِيَاط فَنزل إِلَى خدمَة السُّلْطَان وَسَأَلَ أَن يُمْهل ثَلَاثَة أشهر يتَمَكَّن فِيهَا من نقل من بصور من أَهله وَأظْهر أَنه مُحْتَرز من علم المركيس - لَعنه الله - بِحَالهِ فَلَا يسلم من جَهله وَحِينَئِذٍ يسلم الْموضع بِمَا فِيهِ وَيدخل فِي طَاعَة السُّلْطَان ومراضيه ويخدمه على إقطاع يُغْنِيه وَعَن حب أهل دينه يسليه فَأكْرمه وقربه وَقضى أربه وأجابه إِلَى مَا سَأَلَهُ وَقبل مِنْهُ عَزِيزًا مَا بذله
стр. 1392
بذله واقتنع بقوله وَلم يَأْخُذ رهينة وَوجد إِلَيْهِ سكونا وسكينة فشرع أرناط فِي إذالة حصنه وَإِزَالَة وهنه وترميم مستهدمه وتوفير غلاله وتدبير أَحْوَاله وَنحن فِي غرَّة من تحفظه وَفِي سنة من تيقظه
وَكَانَ يبْتَاع من عسكرنا الْميرَة وَيكثر فِيهِ الذَّخِيرَة وَقد أضمر الْغدر وَظن أَن لَهُ النَّصْر وَالسُّلْطَان حسن الظَّن بِهِ يحمل صدق الواشي بِهِ على كذبه وَكَانَ انْتِهَاء الْمدَّة يَوْم الْأَحَد ثامن عشر جُمَادَى الْآخِرَة وَأقَام السُّلْطَان بالمرج ينْتَظر انسلاخ الْهُدْنَة وَتَسْلِيم الْحصن وَخَافَ إِن فَارقه أَن تَجِيء أَمْدَاد الفرنج إِلَيْهِ وَكَانَ مشفقا أَيْضا من جَانب أنطاكية لانْتِهَاء أشهر هدنتها فَكتب إِلَى تَقِيّ الدّين بالْمقَام فِي تِلْكَ الخطة وسير بذلك الْفَقِيه عِيسَى الهكاري وَلم يستدع إِلَّا صَاحب آمد قطب الدّين سكمان بن قرا أرسلان فجَاء فِي أمداده وأعداده ولازم السُّلْطَان فَلَمَّا قرب انْتِهَاء مُدَّة صَاحب الشقيف أحضرهُ السُّلْطَان فتضرع وَقَالَ إِن قومِي إِلَى الْآن لم يخلصوا من صور وَقد أَنْعَمت فأتمم وَسَأَلَ أَن تكون المهلة سنة فَعرف السُّلْطَان من فحوى الْخطاب أَمَارَات الارتياب فَكَلمهُ بإيناس وَمَا رده بياس فَأرْخى طوله وأرجى أمله
стр. 1393
وَأمر السُّلْطَان بتحويل الخيم إِلَى ظهر الْجَبَل ليقرب من الْحصن وَقد بَقِي من الْهُدْنَة يَوْمَانِ فتضور صَاحب الْحصن فَقيل لَهُ تقيم عندنَا فِي كنف الآمان فَبكى وتألم من ضَبطه وانكشفت سَرِيرَته الغادرة فَأمر بِحمْلِهِ إِلَى الشقيف حَتَّى يُسلمهُ ووكل بِهِ وَحفظ من حَيْثُ لَا يعلم وَقيل لَعَلَّه يحسن وَلَا يحوج إِلَى المقابحه وَيسلم وَقيل لَهُ قد بَقِي يَوْمَانِ من الْمدَّة تقيم حَتَّى تَنْتَهِي وتسلم فأبدى ضَرُورَة وضراعة وَقَالَ سمعا وَطَاعَة
وَكَانَ لَهُ ملقى وملق وَفِي لِسَانه ذلق وَمَا عِنْده من كل مَا يفرق مِنْهُ فرق وَقَالَ أَنا أنفذ إِلَى نوابي فِي التَّسْلِيم وَهُوَ قد تقدم إِلَيْهِم بِالْوَصِيَّةِ والتعليم فأظهروا عصيانه وَقَالُوا يبْقى مَكَانَهُ
فقيد وَحمل إِلَى قلعة بانياس وَبَطل الرَّجَاء فِيهِ وَبَان الياس ثمَّ استحضره فِي سادس رَجَب وهدده وتوعده فَلَمَّا لم يفد خطابه وَلم يجد عَذَابه سيره إِلَى دمشق وسجنه ورتب عدَّة من الْأُمَرَاء بملازمة حصر الْحصن فِي الصَّيف والشتاء إِلَى أَن تسلمه بعد سنة بِحكم السّلم وَأطلق صَاحبه وأجرى عَلَيْهِ حكم الْحلم
فصل
وَفِي مُدَّة مقَام السُّلْطَان على مرج عُيُون لمحاصرة شقيف أرنون اجْتمعت الفرنج وَجَرت لَهُم مَعَ الْمُسلمين وقائع
стр. 1394
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد كَانَ السُّلْطَان قد اشْترط على نَفسه حِين تسلم عسقلان أَنه إِن أَمر الْملك من بهَا بتسليمها أطلقهُ فَأَمرهمْ بتسليمها وسلموها فطالبه الْملك باطلاقه فَأَطْلقهُ وَفَاء بِالشّرطِ وَنحن على حصن الأكراد أطلقهُ من أنطرطوس وَاشْترط عَلَيْهِ أَن لَا يشهر فِي وَجهه سَيْفا أبدا وَأَن يكون مَمْلُوكه وطليقه فنكث لعنة الله وَجمع الجموع وأتى صور يطْلب الدُّخُول إِلَيْهَا فخيم على بَابهَا يُرَاجع المركيس الَّذِي كَانَ بهَا فِي ذَلِك وَكَانَ المركيس اللعين رجلا عَظِيما ذَا رَأْي وبأس شَدِيد وصرامة عَظِيمَة فَقَالَ لَهُ إِنَّنِي نَائِب الْمُلُوك الَّذين وَرَاء الْبَحْر وَمَا أذنوا لي فِي تَسْلِيمهَا إِلَيْك
وطالت الْمُرَاجَعَة واستقرت الْقَاعِدَة بَينهمَا على أَن يتفقوا جَمِيعًا على الْمُسلمين وتجتمع العساكر الَّتِي بصور وَغَيرهَا من الفرنجية على الْمُسلمين وعسكروا على بَاب صور
وَلما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشر جُمَادَى الأولى بلغ السُّلْطَان من جَانب اليزك أَن الفرنج قد قطعُوا الجسر الْفَاصِل بَين أَرض صور وَأَرْض صيدا وَهِي الأَرْض الَّتِي نَحن عَلَيْهَا فَركب السُّلْطَان بعسكره نَحْو اليزك فوصل وَقد انفصلت الْوَقْعَة وَذَلِكَ أَن الفرنج عبر مِنْهُم جمَاعَة الجسر فَنَهَضَ إِلَيْهِم يزك الْإِسْلَام وَكَانُوا فِي عدَّة وَقُوَّة فقاتلوهم فَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وجرحوا أَضْعَاف مَا قتلوا ورموا فِي النَّهر جمَاعَة فَغَرقُوا وَلم يقتل من الْمُسلمين إِلَّا مَمْلُوك للسُّلْطَان يعرف بأيبك الأخرش وَكَانَ شجاعا باسلا
стр. 1395
مجربا للحرب ممارسا فتقطر بِهِ فرسه فلجأ إِلَى صَخْرَة فقاتل بالنشاب حَتَّى فني ثمَّ بِالسَّيْفِ حَتَّى قتل جمَاعَة ثمَّ تكاثروا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى ركب السُّلْطَان يشرف على الْقَوْم على عَادَته فتبع الْعَسْكَر خلق عَظِيم من الرجالة والغزاة والسوقة وحرص ﵀ فِي ردهم فَلم يَفْعَلُوا وَخَافَ عَلَيْهِم فَإِن الْمَكَان كَانَ حرجا لَيْسَ للراجل فِيهِ ملْجأ ثمَّ هجم الرجالة إِلَى الجسر وناوشوا الْعَدو وَعبر مِنْهُم جمَاعَة إِلَيْهِم وَجرى بَينهم قتال شَدِيد وإجتمع لَهُم من الفرنج خلق عَظِيم وهم لَا يَشْعُرُونَ وكشفوهم بِحَيْثُ علمُوا أَن لَيْسَ وَرَاءَهُمْ كمين فحملوا عَلَيْهِم حَملَة وَاحِدَة على غرَّة من السُّلْطَان فانه كَانَ بَعيدا عَنْهُم وَلم يكن مَعَه عَسْكَر فَإِنَّهُ لم يخرج لِلْقِتَالِ وَإِنَّمَا ركب مستشرفا عَلَيْهِم على الْعَادة فِي كل يَوْم
وَلما بَان لَهُ الْوَقْعَة وَظهر لَهُ غبارها بعث إِلَيْهِم من كَانَ مَعَه ليردوهم فوجدوا الْأَمر قد فرط والفرنج قد تكاثروا حَتَّى خَافت مِنْهُم السّريَّة الَّتِي بعثها السُّلْطَان وظفروا بالرجالة ظفرا عَظِيما وأسروا جمَاعَة وعد من قتل من الرجالة فِي ذَلِك الْيَوْم فَكَانَ عدد الشُّهَدَاء مئة وَثَمَانِينَ نَفرا وَقتل أَيْضا من الفرنج عدَّة عَظِيمَة وغرق أَيْضا مِنْهُم عدَّة
стр. 1396
وَكَانَ مِمَّن قتل مِنْهُم مقدم الألمانية وَكَانَ عِنْدهم عَظِيما مُحْتَرما وَاسْتشْهدَ فِي ذَلِك الْيَوْم من المعروفين من الْمُسلمين الْأَمِير غَازِي بن سعد الدّين مَسْعُود بن البصار وَكَانَ شَابًّا حسنا شجاعا واحتسبه وَالِده فِي سَبِيل الله وَلم تقطر من عينه عَلَيْهِ دمعة على مَا ذكره جمَاعَة لازموه
قَالَ وَهَذِه الْوَقْعَة لم يتَّفق للفرنج مثلهَا فِي هَذِه الوقائع الَّتِي حضرتها وشاهدتها وَلم ينالوا من الْمُسلمين مثل هَذِه الْوَقْعَة فِي هَذِه الْمدَّة
وَلما رأى السُّلْطَان مَا حل بِالْمُسْلِمين من هَذِه الْوَقْعَة النادرة جمع أَصْحَابه وشاورهم وَقرر مَعَهم أَنه يهجم على الفرنج ويعبر على الجسر ويقاتلهم ويستأصل شأفتهم
وَكَانَ الفرنج قد رحلوا عَن صور ونزلوا قريب الجسر وَبَين الجسر وصور مِقْدَار فَرسَخ وزائد على فَرسَخ فَلَمَّا صمم الْعَزْم على ذَلِك رَحل الفرنج عائدين إِلَى صور ملتجئين إِلَى سورها فَرَأى ﵀ أَن يسير إِلَى عكا ليلحظ مَا بني من سورها ويحث على الْبَاقِي فراح على تبنين وَلم يرجع على مرج عُيُون فَمضى إِلَى عكا فرتب أحوالها وَعَاد إِلَى الْعَسْكَر بمرج عُيُون منتظرا مهلة صَاحب الشقيف
وَلما كَانَ يَوْم السبت سادس جُمَادَى الْآخِرَة بلغه أَن جمَاعَة من رجالة الفرنج يتبسطون وَيصلونَ إِلَى جبل تبنين يحتطبون
стр. 1397
وَفِي قلبه من رجالة الْمُسلمين وَمَا جرى عَلَيْهِم أَمر عَظِيم فَرَأى أَن يُقرر قَاعِدَة كمين يرتبه لَهُم وبلغه أَنهم يخرج وَرَاءَهُمْ أَيْضا خيل يحفظهم فَعمل كمينا يصلح للقاء الْجَمِيع ثمَّ أنفذ إِلَى عَسْكَر تبنين أَن يخرجُوا فِي نفر يسير غائرين على تِلْكَ الرجالة وَأَن خيل الْعَدو إِذا تبعتهم ينهزمزن إِلَى جِهَة عينهَا لَهُم وَأَن يكون ذَلِك صَبِيحَة الِاثْنَيْنِ ثامن جُمَادَى الْآخِرَة وَأرْسل إِلَى عَسْكَر عكا أَن يسير حَتَّى يكون وَرَاء عَسْكَر الْعَدو حَتَّى إِن تحركوا فِي نصْرَة أَصْحَابهم قصدُوا خيمهم
وَركب هُوَ وجحفله إِلَى الْجِهَة الَّتِي عينهَا لهزيمة عَسَاكِر تبنين حَتَّى قطع تبنين ورتب الْعَسْكَر ثَمَانِيَة أطلاب واستخرج من كل طلب عشْرين فَارِسًا وَأمرهمْ أَن يتراءوا حَتَّى يظهروا إِلَيْهِم ويناوشوهم وينهزموا بَين أَيْديهم حَتَّى يصلوا إِلَى الكمين فَفَعَلُوا ذَلِك وَظهر لَهُم من الفرنج مُعظم عَسْكَرهمْ يقدمهم الْملك لَعنه الله وَجرى بَينهم وَبَين هَذِه السّريَّة الْيَسِيرَة قتال شَدِيد والتزمت السّريَّة الْقِتَال وأنفوا من الانهزام بَين أَيْديهم وحملتهم الحمية على مُخَالفَة السُّلْطَان
واتصل الْخَبَر بالسلطان فِي أَوَاخِر الْأَمر وَقد هجم اللَّيْل فَبعث بعوثا كَثِيرَة فَعَاد الفرنج ناكصين على أَعْقَابهم وَقتل من
стр. 1398
الفرنج عشرَة أنفس وَمن الْمُسلمين سِتَّة اثْنَان من التّرْك وَأَرْبَعَة من الْعَرَب مِنْهُم الْأَمِير زامل وَكَانَ شَابًّا تَاما حسن الشَّبَاب يتَقَدَّم عشيرته وَكَانَ سَبَب قَتله أَنه تقطرت بِهِ فرسه فَفَدَاهُ أبن عَمه بفرسه فتقطرت بِهِ أَيْضا وَأسر هُوَ وَثَلَاثَة من أَهله فَلَمَّا بصر الفرنج بمدد الْعَسْكَر قتلوهم خشيَة الاستنقاذ وجرح خلق كثير من الطَّائِفَتَيْنِ وخيل كَثِيرَة
قَالَ وَمن نَوَادِر هَذِه الْوَقْعَة أَن مَمْلُوكا من مماليك السُّلْطَان يُقَال لَهُ أيبك أثخن بالجراح حَتَّى وَقع بَين الْقَتْلَى وجراحاته تثعب دَمًا وَبَات ليله أجمع على تِلْكَ الْحَال إِلَى صَبِيحَة يَوْم الثُّلَاثَاء فتفقده أَصْحَابه فَلم يجدوه فعرفوا السُّلْطَان فَقده وأنفذ من يكْشف عَن حَاله فوجدوه بَين الْقَتْلَى فَحَمَلُوهُ إِلَى المخيم وَعَافَاهُ الله وَعَاد السُّلْطَان إِلَى المخيم يَوْم الْأَرْبَعَاء عَاشر الشَّهْر فَرحا مَسْرُورا
وَقَالَ الْعِمَاد أجتمع من كَانَ سلم من الفرنج وَنَجَا على ملكهم الَّذِي خلص من الْأسر وَقَالُوا نَحن فِي جمع جم خَارج عَن الْحصْر وَقد تواصلت إِلَيْنَا أَمْدَاد الْبَحْر فثر بِنَا للثار وأعرنا من هَذَا الْعَار وَجَاء من كَانَ بطرابلس وخيموا على صور وَاتَّفَقُوا على أَنهم يقصدون بَلَدا إسلاميا من السَّاحِل ويقيمون عَلَيْهِ
стр. 1399
والمركيس يمدهُمْ من صور بالمدد وَالْعدَد ثمَّ جَاءَ الْخَبَر أَنهم على قصد صيدا للحصر وَقد جسروا على عبور الجسر وَوَقعت عَلَيْهِم اليزكية فردوهم وَوَقع فِي الْأسر من سباعهم سَبْعَة فحملوا إِلَى سجن دمشق ثمَّ ذكر قَتلهمْ للغزاة المطوعة على الجسر
وَقَالَ لم يصب الْكفَّار من الْمُسلمين مذ أصيبوا غير هَذِه الكره وأذاقونا بعد أَن حلا لنا جنى الفتوحات مرَارَة هَذِه الْمرة فأيقظنا الله من رقدة الْغرَّة وَأخذ النَّاس حذرهم وَقَالُوا بِهَذَا وعد الله حَيْثُ قَالَ ﴿فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ وعباده هم الَّذين يتبعُون أمره ويمتثلون ثمَّ ذكر وقْعَة الكمين
قَالَ وَكَانَ مَعَ الْمُسلمين أَرْبَعَة من أُمَرَاء الْعَرَب فحملوا كَمَا وصاهم السُّلْطَان على عزم الطراد ليقصدوا الكمين وسلكوا أَسْفَل الْوَادي وَإِنَّمَا الطَّرِيق أَعْلَاهُ وَلَا خبْرَة لَهُم بِتِلْكَ الأَرْض فَعرف الفرنج أَنهم ضائعون فطاردوهم وردوهم إِلَى الْمضيق وأنفت الْعَرَب من الْهَزِيمَة فاستشهدوا
قَالَ وَكَانَ مَعَهم مَمْلُوك للسُّلْطَان يُقَال لَهُ أيبك الساقي فاعتزل إِلَى صَخْرَة واحتمى بهَا ونكب كِنَانَته وَرَمَاهُمْ بنشابها وهم لَا
стр. 1400
يقدرُونَ على الاقتحام إِلَيْهِ بِالْخَيْلِ فَرَمَوْهُ بالزنبورك حَتَّى كثرت فِيهِ الْجِرَاحَات وظنوا أَنه قد مَاتَ وَوصل الْخَبَر إِلَى الْمُسلمين فأدركوهم ووقفوا على الشُّهَدَاء وقبروهم وجاؤوا إِلَى أيبك فوجدوا فِيهِ الرّوح فنقلوه إِلَى الْخيام وهم يظنون أَنه لَا خلاص لَهُ من الْحمام وَكَانَ فِي أَجله بَاقِيَة فَمن الله عَلَيْهِ بالعافية
فصل فِي نزُول الفرنج - خذلهم الله - على عكا
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد ثمَّ بلغنَا بعد ذَلِك أَن الفرنج بصور وَمن كَانَ مَعَ الْملك قد سَارُوا نَحْو النواقير يُرِيدُونَ جِهَة عكا وَأَن بَعضهم نزل بإسكندرونه وَجرى بَينهم وَبَين رجالة الْمُسلمين مناوشة وَقتل مِنْهُم الْمُسلمُونَ نَفرا يَسِيرا وَأَقَامُوا هُنَاكَ
وَلما بلغ السُّلْطَان حركتهم إِلَى تِلْكَ الْجِهَة عظم عَلَيْهِ وَلم ير المسارعة خوفًا من أَن يكون قصدهم ترحيله عَن الشقيف لَا قصد الْمَكَان فَأَقَامَ مستكشفا للْحَال إِلَى يَوْم الْأَحَد ثَانِي عشر رَجَب فوصل قَاصد أخبر أَن الفرنج فِي بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم رحلوا ونزلوا عين بصة وَوصل أوائلهم إِلَى الزيب فَعظم ذَلِك عِنْده وَكتب إِلَى سَائِر أَرْبَاب الْأَطْرَاف بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَتقدم إِلَى الثّقل أَن سَار بِاللَّيْلِ وَأصْبح هُوَ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر رَجَب سائرا إِلَى عكا على
стр. 1401
طَرِيق طبرية اذ لم يكن ثمَّ طَرِيق يسع الْعَسْكَر إِلَّا هُوَ وسير جمَاعَة على طَرِيق تبنين يستشرفون الْعَدو ويواصلون بأخباره
وسرنا حَتَّى أَتَيْنَا الحولة منتصف النَّهَار فَنزل بهَا سَاعَة ثمَّ رَحل وَسَار طول اللَّيْل حَتَّى أَتَى موضعا يُقَال لَهُ منية صَبِيحَة الثُّلَاثَاء وَفِيه بلغنَا نزُول الفرنج على عكا وسير صَاحب الشقيف إِلَى دمشق بعد الاهانة الشَّدِيدَة على سوء صَنِيعه وَاشْتَدَّ حنقه عَلَيْهِ بِسَبَب تَضْييع ثَلَاثَة أشهر عَلَيْهِ وعَلى عسكره لم يعملوا فِيهَا شَيْئا وَسَار السُّلْطَان جَرِيدَة من الْمنية حَتَّى اجْتمع بِبَقِيَّة الْعَسْكَر الَّذِي كَانَ أنفذه على طَرِيق تبنين بمرج صفورية فَإِنَّهُ كَانَ واعدهم إِلَيْهِ وَتقدم إِلَى الثّقل أَن يلْحقهُ إِلَى مرج صفورية وَلم يزل حَتَّى شَارف العدومن الخروبة وَبعث بعض الْعَسْكَر وَدخل عكا على غرَّة من الْعَدو تقويه لمن فِيهَا وَلم يزل يبْعَث إِلَيْهَا بعثا بعد بعث حَتَّى حصل فِيهَا خلق كثير
وَسَار من الخروبة إِلَى تل كيسَان فِي أَوَائِل مرج عكا فَنزل عَلَيْهِ وَأمر النَّاس أَن ينزلُوا على التعبية فَكَانَ آخر الميسرة على طرف النَّهر الحلو وَآخر الميمنة مقارب تل العياضية واحتاط الْعَسْكَر الإسلامي بالعدو وَأخذُوا عَلَيْهِم الطّرق من الجوانب وتلاحقت العساكر الإسلامية وَاجْتمعت ورتب اليزك الدَّائِم وَحصر الْعَدو فِي خيامه بِحَيْثُ لَا يخرج مِنْهَا أحد إِلَّا ويجرح أَو يقتل
стр. 1402
وَكَانَ عَسْكَر الْعَدو على شطر من عكا وخيمة ملكهم على تل المصلبين قَرِيبا من بَاب الْبَلَد وَكَانَ عدد راكبهم ألفي فَارس وَعدد راجلهم ثَلَاثِينَ ألفا
قَالَ وَمَا رَأَيْت من نقصهم عَن ذَلِك وَرَأَيْت من حزرهم بِزِيَادَة على ذَلِك ومددهم من الْبَحْر لَا يَنْقَطِع وَجرى بَينهم وَبَين اليزك مقاتلات عَظِيمَة متواترة والمسلمون يتهافتون على قِتَالهمْ وَالسُّلْطَان يمنعهُم من ذَلِك إِلَى وقته والبعوث من عَسَاكِر الْمُسلمين تتواصل والملوك والأمراء من الأقطار تتتابع وَوصل تَقِيّ الدّين من حماة ومظفر الدّين بن زين الدّين
وَفِي أثْنَاء هَذِه الْحَال توفّي الحسام سنقر الخلاطي باسهال شَدِيد وَكَانَ شجاعا دينا فأسف الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ
وَلما استفحل أَمر الفرنج استداروا بعكا بِحَيْثُ منعُوا من الدُّخُول وَالْخُرُوج مِنْهَا وَذَلِكَ سلخ رَجَب فَعظم على السُّلْطَان وضاق صَدره وثارت همته الْعَالِيَة فِي فتح الطَّرِيق إِلَى عكا لتستمر السابلة إِلَيْهَا بالميرة والنجدة فباكرهم مستهل شعْبَان وضايقهم مضايقة شَدِيدَة فَكَانَت الحملة بعد صَلَاة الْجُمُعَة وانتشر عَسْكَر الْعَدو إِلَى أَن ملكوا التلول وَكَانَت ميسرَة عَسْكَرهمْ إِلَى النَّهر الحلو آخذة إِلَى الْبَحْر وميمنتهم قبالة القلعة الْوُسْطَى الَّتِي لعكا واتصلت الْحَرْب إِلَى أَن حَال بَين الفئتين هجوم اللَّيْل وَبَات النَّاس
стр. 1403
على حَالهم من الْجَانِبَيْنِ شاكين فِي السِّلَاح تحرس كل طَائِفَة نَفسهَا من الْأُخْرَى
وَأَصْبحُوا ثَانِي شعْبَان يَوْم السبت على الْقِتَال وأنفذ السُّلْطَان طَائِفَة من شجعان الْمُسلمين إِلَى الْبَحْر من شمَالي عكا وَلم يكن هُنَاكَ لِلْعَدو خيم لَكِن عسكره كَانَ قد امْتَدَّ جَرِيدَة شمَالي عكا إِلَى الْبَحْر فَحمل شجعان الْمُسلمين على عَسْكَر الفرنج الْوَاقِف شمَالي عكا فانكسروا بَين أَيْديهم كسرة عَظِيمَة وَقتلُوا مِنْهُم جمعا كَبِيرا وانكف السالمون مِنْهُم إِلَى خيامهم وهجم الْمُسلمُونَ خَلفهم إِلَى أَوَائِل خيامهم ووقف اليزك الإسلامي مَانِعا من أَن يخرج من عَسْكَرهمْ خَارج أَو يدْخل إِلَيْهِ دَاخل وَانْفَتح الطَّرِيق إِلَى عكا من بَاب القلعة الْمُسَمَّاة بقلعة الْملك إِلَى بَاب قراقوش الَّذِي جدده وَصَارَ الطَّرِيق مهيعا يمر فِيهِ السوقى وَمَعَهُ الْحَوَائِج ويمر بِهِ الراجل الْوَاحِد وَالْمَرْأَة واليزك بَين الطَّرِيق وَبَين الْعَدو
وَدخل السُّلْطَان فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَى عكا ورقي على السُّور وَنظر إِلَى عَسْكَر الْعَدو وتراجع النَّاس عَن الْقِتَال بعد صَلَاة الظّهْر لسقي الدَّوَابّ وَأخذ الرَّاحَة وَلم يعودوا إِلَى الْقِتَال
وَأَصْبحُوا يَوْم الْأَحَد فَرَأى بعض الْأُمَرَاء تَأْخِير الْقِتَال إِلَى أَن يدْخل الراجل كُله إِلَى عكا ويخرجوا مَعَ الْعَسْكَر الْمُقِيم بهَا من أَبْوَاب الْبَلَد على الْعَدو من وَرَائه وتركب العساكر من خَارج من
стр. 1404
سَائِر الجوانب ويحملوا حَملَة الرجل الْوَاحِد وَالسُّلْطَان ﵀ يعاني هَذِه الْأُمُور كلهَا بِنَفسِهِ ويصافحها بِذَاتِهِ لَا يتَخَلَّف عَن مقَام من هَذِه المقامات وَهُوَ من شدَّة حرصه ووفور همته كالوالدة الثكلى
وَلَقَد أَخْبرنِي بعض أطبائه أَنه بَقِي من يَوْم الْجُمُعَة إِلَى يَوْم الْأَحَد لم يتَنَاوَل من الْغذَاء إِلَّا شَيْئا يَسِيرا لفرط اهتمامه وفعلوا مَا كَانَ عزموا عَلَيْهِ واشتدت مَنْعَة الْعَدو وَحمى نَفسه فِي خيامه وَلم تزل سوق الْحَرْب قَائِمَة تبَاع فِيهَا النُّفُوس بالنفائس وتمطر سَمَاء حربها الرؤوس من كل رَئِيس ومترائس حَتَّى كَانَ يَوْم الْجُمُعَة ثامن شعْبَان عزم الْعَدو على الْخُرُوج بجموعهم فَخرج راجلهم وفارسهم وامتدوا على التلول وَسَارُوا الهوينا غير مفرطين فِي نُفُوسهم وَلَا خَارِجين من راجلهم والرجالة حَولهمْ كالسور الْمَبْنِيّ يَتْلُو بَعضهم بَعْضًا حَتَّى قاربوا خيام اليزك فصاح السُّلْطَان بالعساكر الإسلامية فَرَكبُوا بأجمعهم وحملوا حَملَة الرجل الْوَاحِد فَعَاد الْعَدو ناكصا على عَقِبَيْهِ وَالسيف يعْمل فيهم فالسالم مِنْهُم جريح والعاطب طريح يَشْتَدُّونَ هزيمَة يعثر جريحهم بقتيلهم وَلَا تلوي الْجَمَاعَة مِنْهُم على قبيلهم حَتَّى لحق بخيامهم من سلم مِنْهُم وانكفوا عَن الْقِتَال أَيَّامًا وَكَانَ قصاراهم أَن يحفظوا نُفُوسهم ويحرسوا رؤوسهم وَاسْتمرّ فتح طَرِيق عكا والمسلمون يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهَا
стр. 1405
قَالَ وَكنت مِمَّن دخل ورقي على السُّور ودام الْقِتَال بَين الفئتين مُتَّصِلا اللَّيْل مَعَ النَّهَار حَتَّى كَانَ الْحَادِي عشر من شعْبَان وَرَأى السُّلْطَان ﵀ توسيع الدائرة عَلَيْهِم لَعَلَّهُم يخرجُون إِلَى مصَارِعهمْ فَنقل الثّقل إِلَى تل العياضية وهوتل قبالة تل المصلبين مشرف على عكا وخيام الْعَدو وَفِي هَذِه الْمنزلَة توفّي حسام الدّين طمان وَكَانَ من شجعان الْمُسلمين وَدفن فِي سطح هَذَا التل وَصليت عَلَيْهِ مَعَ جمَاعَة من الْفُقَهَاء لَيْلَة نصف شعْبَان
وَبلغ السُّلْطَان أَن جمعا من الْعَدو يخرجُون للاحتشاش من طرف النَّهر مِمَّا ينْبت عَلَيْهِ فكمن لَهُم جمَاعَة من الْعَرَب وَقصد الْعَرَب لخفتهم على خيلهم فَهَجَمُوا عَلَيْهِم وَقتلُوا مِنْهُم خلقا عَظِيما وأسروا جمَاعَة وأحضروا رؤوسا عدَّة بَين يَدَيْهِ وَذَلِكَ يَوْم السبت سادس عشر شعْبَان
وَفِي عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم وَقع بَين الْعَدو وَبَين أهل الْبَلَد حَرْب عَظِيمَة قتل فِيهَا جمع عَظِيم من الطَّائِفَتَيْنِ وَطَالَ الْأَمر بَين الفئتين وَمَا يَخْلُو يَوْم عَن قتل وجرح وَسبي وَنهب وَأنس الْبَعْض بِالْبَعْضِ بِحَيْثُ إِن الطَّائِفَتَيْنِ كَانَتَا تتحدثان وتتركان الْقِتَال وَرُبمَا غنى الْبَعْض ورقص الْبَعْض لطول المعاشرة ثمَّ يرجعُونَ إِلَى الْقِتَال بعد سَاعَة وسئموا يَوْمًا فَقَالُوا إِلَى كم يتقاتل الْكِبَار وَلَيْسَ للصغار
следующие страницы →