Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
طَرِيق طبرية اذ لم يكن ثمَّ طَرِيق يسع الْعَسْكَر إِلَّا هُوَ وسير جمَاعَة على طَرِيق تبنين يستشرفون الْعَدو ويواصلون بأخباره
وسرنا حَتَّى أَتَيْنَا الحولة منتصف النَّهَار فَنزل بهَا سَاعَة ثمَّ رَحل وَسَار طول اللَّيْل حَتَّى أَتَى موضعا يُقَال لَهُ منية صَبِيحَة الثُّلَاثَاء وَفِيه بلغنَا نزُول الفرنج على عكا وسير صَاحب الشقيف إِلَى دمشق بعد الاهانة الشَّدِيدَة على سوء صَنِيعه وَاشْتَدَّ حنقه عَلَيْهِ بِسَبَب تَضْييع ثَلَاثَة أشهر عَلَيْهِ وعَلى عسكره لم يعملوا فِيهَا شَيْئا وَسَار السُّلْطَان جَرِيدَة من الْمنية حَتَّى اجْتمع بِبَقِيَّة الْعَسْكَر الَّذِي كَانَ أنفذه على طَرِيق تبنين بمرج صفورية فَإِنَّهُ كَانَ واعدهم إِلَيْهِ وَتقدم إِلَى الثّقل أَن يلْحقهُ إِلَى مرج صفورية وَلم يزل حَتَّى شَارف العدومن الخروبة وَبعث بعض الْعَسْكَر وَدخل عكا على غرَّة من الْعَدو تقويه لمن فِيهَا وَلم يزل يبْعَث إِلَيْهَا بعثا بعد بعث حَتَّى حصل فِيهَا خلق كثير
وَسَار من الخروبة إِلَى تل كيسَان فِي أَوَائِل مرج عكا فَنزل عَلَيْهِ وَأمر النَّاس أَن ينزلُوا على التعبية فَكَانَ آخر الميسرة على طرف النَّهر الحلو وَآخر الميمنة مقارب تل العياضية واحتاط الْعَسْكَر الإسلامي بالعدو وَأخذُوا عَلَيْهِم الطّرق من الجوانب وتلاحقت العساكر الإسلامية وَاجْتمعت ورتب اليزك الدَّائِم وَحصر الْعَدو فِي خيامه بِحَيْثُ لَا يخرج مِنْهَا أحد إِلَّا ويجرح أَو يقتل
стр. 1402
وَكَانَ عَسْكَر الْعَدو على شطر من عكا وخيمة ملكهم على تل المصلبين قَرِيبا من بَاب الْبَلَد وَكَانَ عدد راكبهم ألفي فَارس وَعدد راجلهم ثَلَاثِينَ ألفا
قَالَ وَمَا رَأَيْت من نقصهم عَن ذَلِك وَرَأَيْت من حزرهم بِزِيَادَة على ذَلِك ومددهم من الْبَحْر لَا يَنْقَطِع وَجرى بَينهم وَبَين اليزك مقاتلات عَظِيمَة متواترة والمسلمون يتهافتون على قِتَالهمْ وَالسُّلْطَان يمنعهُم من ذَلِك إِلَى وقته والبعوث من عَسَاكِر الْمُسلمين تتواصل والملوك والأمراء من الأقطار تتتابع وَوصل تَقِيّ الدّين من حماة ومظفر الدّين بن زين الدّين
وَفِي أثْنَاء هَذِه الْحَال توفّي الحسام سنقر الخلاطي باسهال شَدِيد وَكَانَ شجاعا دينا فأسف الْمُسلمُونَ عَلَيْهِ
وَلما استفحل أَمر الفرنج استداروا بعكا بِحَيْثُ منعُوا من الدُّخُول وَالْخُرُوج مِنْهَا وَذَلِكَ سلخ رَجَب فَعظم على السُّلْطَان وضاق صَدره وثارت همته الْعَالِيَة فِي فتح الطَّرِيق إِلَى عكا لتستمر السابلة إِلَيْهَا بالميرة والنجدة فباكرهم مستهل شعْبَان وضايقهم مضايقة شَدِيدَة فَكَانَت الحملة بعد صَلَاة الْجُمُعَة وانتشر عَسْكَر الْعَدو إِلَى أَن ملكوا التلول وَكَانَت ميسرَة عَسْكَرهمْ إِلَى النَّهر الحلو آخذة إِلَى الْبَحْر وميمنتهم قبالة القلعة الْوُسْطَى الَّتِي لعكا واتصلت الْحَرْب إِلَى أَن حَال بَين الفئتين هجوم اللَّيْل وَبَات النَّاس
стр. 1403
على حَالهم من الْجَانِبَيْنِ شاكين فِي السِّلَاح تحرس كل طَائِفَة نَفسهَا من الْأُخْرَى
وَأَصْبحُوا ثَانِي شعْبَان يَوْم السبت على الْقِتَال وأنفذ السُّلْطَان طَائِفَة من شجعان الْمُسلمين إِلَى الْبَحْر من شمَالي عكا وَلم يكن هُنَاكَ لِلْعَدو خيم لَكِن عسكره كَانَ قد امْتَدَّ جَرِيدَة شمَالي عكا إِلَى الْبَحْر فَحمل شجعان الْمُسلمين على عَسْكَر الفرنج الْوَاقِف شمَالي عكا فانكسروا بَين أَيْديهم كسرة عَظِيمَة وَقتلُوا مِنْهُم جمعا كَبِيرا وانكف السالمون مِنْهُم إِلَى خيامهم وهجم الْمُسلمُونَ خَلفهم إِلَى أَوَائِل خيامهم ووقف اليزك الإسلامي مَانِعا من أَن يخرج من عَسْكَرهمْ خَارج أَو يدْخل إِلَيْهِ دَاخل وَانْفَتح الطَّرِيق إِلَى عكا من بَاب القلعة الْمُسَمَّاة بقلعة الْملك إِلَى بَاب قراقوش الَّذِي جدده وَصَارَ الطَّرِيق مهيعا يمر فِيهِ السوقى وَمَعَهُ الْحَوَائِج ويمر بِهِ الراجل الْوَاحِد وَالْمَرْأَة واليزك بَين الطَّرِيق وَبَين الْعَدو
وَدخل السُّلْطَان فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَى عكا ورقي على السُّور وَنظر إِلَى عَسْكَر الْعَدو وتراجع النَّاس عَن الْقِتَال بعد صَلَاة الظّهْر لسقي الدَّوَابّ وَأخذ الرَّاحَة وَلم يعودوا إِلَى الْقِتَال
وَأَصْبحُوا يَوْم الْأَحَد فَرَأى بعض الْأُمَرَاء تَأْخِير الْقِتَال إِلَى أَن يدْخل الراجل كُله إِلَى عكا ويخرجوا مَعَ الْعَسْكَر الْمُقِيم بهَا من أَبْوَاب الْبَلَد على الْعَدو من وَرَائه وتركب العساكر من خَارج من
стр. 1404
سَائِر الجوانب ويحملوا حَملَة الرجل الْوَاحِد وَالسُّلْطَان ﵀ يعاني هَذِه الْأُمُور كلهَا بِنَفسِهِ ويصافحها بِذَاتِهِ لَا يتَخَلَّف عَن مقَام من هَذِه المقامات وَهُوَ من شدَّة حرصه ووفور همته كالوالدة الثكلى
وَلَقَد أَخْبرنِي بعض أطبائه أَنه بَقِي من يَوْم الْجُمُعَة إِلَى يَوْم الْأَحَد لم يتَنَاوَل من الْغذَاء إِلَّا شَيْئا يَسِيرا لفرط اهتمامه وفعلوا مَا كَانَ عزموا عَلَيْهِ واشتدت مَنْعَة الْعَدو وَحمى نَفسه فِي خيامه وَلم تزل سوق الْحَرْب قَائِمَة تبَاع فِيهَا النُّفُوس بالنفائس وتمطر سَمَاء حربها الرؤوس من كل رَئِيس ومترائس حَتَّى كَانَ يَوْم الْجُمُعَة ثامن شعْبَان عزم الْعَدو على الْخُرُوج بجموعهم فَخرج راجلهم وفارسهم وامتدوا على التلول وَسَارُوا الهوينا غير مفرطين فِي نُفُوسهم وَلَا خَارِجين من راجلهم والرجالة حَولهمْ كالسور الْمَبْنِيّ يَتْلُو بَعضهم بَعْضًا حَتَّى قاربوا خيام اليزك فصاح السُّلْطَان بالعساكر الإسلامية فَرَكبُوا بأجمعهم وحملوا حَملَة الرجل الْوَاحِد فَعَاد الْعَدو ناكصا على عَقِبَيْهِ وَالسيف يعْمل فيهم فالسالم مِنْهُم جريح والعاطب طريح يَشْتَدُّونَ هزيمَة يعثر جريحهم بقتيلهم وَلَا تلوي الْجَمَاعَة مِنْهُم على قبيلهم حَتَّى لحق بخيامهم من سلم مِنْهُم وانكفوا عَن الْقِتَال أَيَّامًا وَكَانَ قصاراهم أَن يحفظوا نُفُوسهم ويحرسوا رؤوسهم وَاسْتمرّ فتح طَرِيق عكا والمسلمون يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهَا
стр. 1405
قَالَ وَكنت مِمَّن دخل ورقي على السُّور ودام الْقِتَال بَين الفئتين مُتَّصِلا اللَّيْل مَعَ النَّهَار حَتَّى كَانَ الْحَادِي عشر من شعْبَان وَرَأى السُّلْطَان ﵀ توسيع الدائرة عَلَيْهِم لَعَلَّهُم يخرجُون إِلَى مصَارِعهمْ فَنقل الثّقل إِلَى تل العياضية وهوتل قبالة تل المصلبين مشرف على عكا وخيام الْعَدو وَفِي هَذِه الْمنزلَة توفّي حسام الدّين طمان وَكَانَ من شجعان الْمُسلمين وَدفن فِي سطح هَذَا التل وَصليت عَلَيْهِ مَعَ جمَاعَة من الْفُقَهَاء لَيْلَة نصف شعْبَان
وَبلغ السُّلْطَان أَن جمعا من الْعَدو يخرجُون للاحتشاش من طرف النَّهر مِمَّا ينْبت عَلَيْهِ فكمن لَهُم جمَاعَة من الْعَرَب وَقصد الْعَرَب لخفتهم على خيلهم فَهَجَمُوا عَلَيْهِم وَقتلُوا مِنْهُم خلقا عَظِيما وأسروا جمَاعَة وأحضروا رؤوسا عدَّة بَين يَدَيْهِ وَذَلِكَ يَوْم السبت سادس عشر شعْبَان
وَفِي عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم وَقع بَين الْعَدو وَبَين أهل الْبَلَد حَرْب عَظِيمَة قتل فِيهَا جمع عَظِيم من الطَّائِفَتَيْنِ وَطَالَ الْأَمر بَين الفئتين وَمَا يَخْلُو يَوْم عَن قتل وجرح وَسبي وَنهب وَأنس الْبَعْض بِالْبَعْضِ بِحَيْثُ إِن الطَّائِفَتَيْنِ كَانَتَا تتحدثان وتتركان الْقِتَال وَرُبمَا غنى الْبَعْض ورقص الْبَعْض لطول المعاشرة ثمَّ يرجعُونَ إِلَى الْقِتَال بعد سَاعَة وسئموا يَوْمًا فَقَالُوا إِلَى كم يتقاتل الْكِبَار وَلَيْسَ للصغار
стр. 1406
حَظّ نُرِيد أَن يصطرع صبيان صبي منا وَصبي مِنْكُم فَأخْرج صبيان من الْبَلَد إِلَى صبين من الفرنج فَوَثَبَ أحد الصَّبِيَّيْنِ الْمُسلمين على أحد الصَّبِيَّيْنِ الْكَافرين فَاحْتَضَنَهُ وَضرب بِهِ الأَرْض وَأَخذه أَسِيرًا فَاشْتَرَاهُ بعض الفرنج بدينارين وَقَالُوا هُوَ أسيرك حَقًا فَأخذ الدينارين وَأطْلقهُ
قَالَ وَوصل مركب فِيهِ خيل فهرب مِنْهَا فرس وَوَقع فِي الْبَحْر وَمَا زَالَ يسبح وهم حوله يردونه حَتَّى دخل ميناء عكا وَأَخذه الْمُسلمُونَ
قلت وَذكر الْعِمَاد كل هَذِه الوقائع والنوادر فِي كِتَابه بألفاظه المسجوعة
وَقَالَ وَكَانَ من رَأْي السُّلْطَان أَن يسايرهم فِي الطَّرِيق ويواقعهم عِنْد الْمضيق ويقطعهم عَن الْوُصُول ويدفعهم عَن النُّزُول فانهم إِذا نزلُوا صَعب نزالهم وأتعب قِتَالهمْ وَقَالُوا - يَعْنِي أمراءه - بل نمضي على أسهل الطّرق فَسَار الثّقل من اللَّيْل على طَرِيق الملاحة وسرنا على جب يُوسُف إِلَى الْمنية وَجِئْنَا عصر يَوْم الثُّلَاثَاء وَالسُّلْطَان نَازل بِأَرْض كفركنا وَنزل يَوْم الْأَرْبَعَاء على جبل الخروبة وَنزل الفرنج على عكا من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر محيطين بهَا للحصر وَضرب الْملك الْعَتِيق خيمة على تل المصلبة وربطت مراكبهم بشاطئ الْبَحْر فَكَانَت كالآجام المؤتشبة
ثمَّ عبأ السُّلْطَان جَيْشه وَنزل بمرج عكا على تل كيسَان
стр. 1407
وصرنا محاصرين للمحاصرين قد أحطنا الْعَدو وَهُوَ بِالْبَلَدِ مُحِيط واستشطنا مِنْهُ وَهُوَ مستشيط وأحطنا بأولئك الْكَفَرَة إحاطة النَّار بِأَهْلِهَا ومنعنا الطّرق من ورائهم فِي وعرها وسهلها ورتبنا بالزيب والنواقير رجَالًا يصدونهم عَن سبلها ودمنا نصدهم ونصدمهم ويوجدهم الْبَحْر ونعدمهم واستدارت الفرنج بعكا كالدائرة بالمركز وَزَادُوا من جانبنا فِي التحرس والتحرز وَذَلِكَ فِي آخر رَجَب لانسلاخه وَالْإِسْلَام ينادينا باستصراخه
وَأصْبح السُّلْطَان يَوْم الْجُمُعَة مستهل شعْبَان واتفقت الآراء على أَن يكون اللِّقَاء وَقت الصَّلَاة عِنْد ارْتِفَاع الدَّعْوَات على المنابر الإسلامية فأحاط الْعَسْكَر الإسلامي بجوانبهم فكدر عَلَيْهِم صفو مشاربهم وفلل مضاء مضاربهم وهم فِي مواضعهم واقفون وعَلى مصَارِعهمْ عاكفون وَفِي مواطنهم ثابتون كالبنيان المرصوص مَا فِيهِ خلل وكالحلقة المفرغة مَا إِلَيْهَا مدْخل وكالسور الْمُحِيط مَا عَلَيْهِ متسلق وكالجبل الأشم مَا فِيهِ مُتَعَلق
فزحفنا إِلَيْهِم فَلم يبرجوا وقربنا مِنْهُم فَلم ينزحوا وحملنا عَلَيْهِم فَأخذُوا الضَّرْبَة وَلم يعطوها وَكلما قتل وَاحِد وقف آخر مقَامه حَتَّى دخل اللَّيْل وحجز
وحملوا من الْغَد من جَانب الْبَحْر شمَالي عكا فَانْهَزَمَ الفرنج إِلَى تل المصلبة نَحْو الْقبَّة وثبتوا عِنْد الوثبة وَانْفَتح لنا طَرِيق عكا فَدَخلَهَا الرِّجَال وحملت إِلَيْهَا الغلال والفرنج قد رهبوا
стр. 1408
وَلَو قدرُوا لهربوا وأصحابنا رَأَوْا أَن انفتاح بَاب الْبَلَد غنيمَة فتوقفوا عَن إتْمَام الْعَزِيمَة وَلَو أَنهم استمروا لبادوا الْعَدو بِسُرْعَة فَإِن للصدمة الأولى فِي الروع روعة فَبَلع الْعَدو رِيقه وَوجد إِلَى الْجلد طَريقَة ووقفوا كالسور من وَرَاء الجنويات والتراس والقنطاريات وصوبوا الجروخ وفوقوها وجمعوا الْعدَد وعَلى الرِّجَال فرقوها وَكَانُوا فِي عدد الرمل ومدد النَّمْل وهم كل يَوْم فِي ازدياد وَالْبَحْر يمدهُمْ بالأمداد وشرعوا فِي حفر الْخَنَادِق وسد المضائق وَنصب الطوارق وَالسُّلْطَان ساهر للْمُسلمين فِي ليلهم قَائِم بأمرهم فِي نهارهم
وَمن كتاب فاضلي فِي بعض الوقعات فاستدارت بهم رجال الجاليشية تقذف شياطينهم بشهابها وتهوي إِلَى أوكار أفئدتهم طير نشابها وتجنيهم من القنا والنشاب ثَمَر الردى متشابها وَقد ارْتَفع الْإِسْلَام إِلَى دَرَجَات سَيذكرُ أمرهَا وانخفض الْكفْر إِلَى دركات سيمر ذكرهَا فالنصرخافق علمه وَكتاب الْبشَارَة قد استمد قلمه وَقد وثقنا بلطف الله تَعَالَى فِيمَا يَأْتِي فتأهبت الخواطر لمعاني المسار وأعدت أَلْفَاظ الْبُشْرَى المهداة إِلَى كَافَّة الْبشر من
стр. 1409
الاستبشار فَإِن الفرنج محصورون والنازل المحصور كالمركب المكسور والنصر قد أعرب لعسكر الْإِسْلَام وَالْكفْر جَار ومجرور
فصل فِي المصاف الْأَعْظَم على عكا وَهِي الْوَقْعَة الْكُبْرَى الَّتِي بدأت بالسوأى وختمت بِالْحُسْنَى
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي وَالْعِشْرين من شعْبَان تحركت عَسَاكِر الفرنج حَرَكَة لم يكن لَهُم بِمِثْلِهَا عَادَة فارسهم وراجلهم وَكَبِيرهمْ وصغيرهم وَاصْطَفُّوا خَارج خيمهم قلبا وميمنة وميسرة وَفِي الْقلب الْملك وَبَين يَدَيْهِ الانجيل مَحْمُول مَسْتُور بِثَوْب أطلس نقطي يمسك أَرْبَعَة أنفس أَرْبَعَة أَطْرَافه وهم يَسِيرُونَ بَين يَدي الْملك
وامتدت الميمنة فِي مُقَابلَة ميسرَة الْمُسلمين من أَولهَا إِلَى آخرهَا وامتدت ميسرَة الْعَدو فِي مُقَابلَة ميمنتنا إِلَى آخرهَا وملكوا رُؤُوس التلال فَكَانَ طرف ميمنتهم إِلَى النَّهر وطرف ميسرتهم إِلَى الْبَحْر وَأمر السُّلْطَان الجاووش أَن يُنَادي فِي النَّاس يَا للاسلام وعساكر الْمُوَحِّدين فَركب النَّاس وَقد باعوا أنفسهم بِالْجنَّةِ وامتدت الميمنة إِلَى الْبَحْر كل قوم يركبون ويقفون بَين يَدي خيامهم والميسرة إِلَى النَّهر كَذَلِك أَيْضا
стр. 1410
وَكَانَ السُّلْطَان قد أنزل النَّاس فِي الخيم ميمنة وميسرة وَقَلْبًا تعبية الْحَرْب حَتَّى إِذا وَقعت صَيْحَة لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيد تَرْتِيب وَكَانَ هُوَ فِي الْقلب وَفِي ميمنة الْقلب وَلَده الْأَفْضَل ثمَّ وَلَده الظافر ثمَّ عَسْكَر المواصلة مقدمهم ظهير الدّين ابْن البلنكري ثمَّ عَسْكَر ديار بكر فِي خدمَة قطب الدّين صَاحب الْحصن ثمَّ حسام الدّين عمر بن لاجين صَاحب نابلس ثمَّ قايماز النجمي وجموع عَظِيمَة متصلين بِطرف الميمنة وَكَانَ فِي طرفها الْملك المظفر تَقِيّ الدّين بجحفله وَعَسْكَره وهومطل على الْبَحْر
وَأما أَوَائِل الميسرة فَكَانَ مِمَّا يَلِي الْقلب سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب من كبار مُلُوك الأكراد ومقدميهم والأمير مجلي وَجَمَاعَة المهرانية والهكارية وَمُجاهد الدّين يرنقش مقدم عَسْكَر سنجار وَجَمَاعَة من المماليك ثمَّ مظفر الدّين بن زين الدّين بجحفله وَعَسْكَره
وأواخر الميسرة كبار المماليك الأَسدِية كسيف الدّين يازكوج ورسلان بغا وَجَمَاعَة الأَسدِية الَّذين يضْرب بهم الْمثل وَفِي مُقَدّمَة الْقلب الْفَقِيه عِيسَى وَجمعه هَذَا وَالسُّلْطَان رَحمَه الله تَعَالَى يطوف على الأطلاب بِنَفسِهِ يحثهم على الْقِتَال ويدعوهم إِلَى النزال ويرغبهم فِي نصْرَة دين الله
وَلم يزل الْقَوْم يتقدمون والمسلمون يقدمُونَ حَتَّى علا النَّهَار وَمضى فِيهِ أَربع سَاعَات وَعند ذَلِك تحركت ميسرَة الْعَدو على ميمنة الْمُسلمين وَأخرج لَهُم تَقِيّ الدّين الجاليش وَجرى بَينهم
стр. 1411
قلبات كَثِيرَة وتكاثروا على تَقِيّ الدّين وَكَانَ فِي طرف الميمنة على الْبَحْر فتراجع عَنْهُم شَيْئا إطماعا لَهُم لَعَلَّهُم يبعدون عَن أَصْحَابهم فينال مِنْهُم غَرضا فَلَمَّا رَآهُ السُّلْطَان قد تَأَخّر ظن بِهِ ضعفا فأمده بأطلاب عدَّة من الْقلب حَتَّى قوي جَانِبه وتراجعت ميسرَة الْعَدو وَاجْتمعت على تل مشرف على الْبَحْر وَلما رأى الَّذين فِي مُقَابلَة الْقلب ضعف الْقلب وَمن خرج مِنْهُ من الأطلاب داخلهم الطمع وتحركوا نَحْو ميمنة الْقلب وحملوا حَملَة الرجل الْوَاحِد راجلهم وفارسهم
قَالَ وَلَقَد رَأَيْت الرجالة تسير سير الخيالة وَلَا يسبقونها وهم يَسِيرُونَ خببا
وَجَاءَت الحملة على الدياربكرية كَمَا يَشَاء الله تَعَالَى وَكَانَ بهم غرَّة عَن الْحَرْب فتحركوا بَين يَدي الْعَدو وانكسروا كسرة عَظِيمَة وسرى الْأَمر حَتَّى انْكَسَرَ مُعظم الميمنة وَاتبع الْعَدو المنهزمين إِلَى العياضية فَإِنَّهُم استداروا حول التل وَصعد طَائِفَة من الْعَدو إِلَى خيم السُّلْطَان فَقتلُوا طشت دَار كَانَ هُنَاكَ وَفِي ذَلِك الْيَوْم اسْتشْهد إِسْمَاعِيل المكبس وَابْن رَوَاحَة رحمهمَا الله تَعَالَى وَأما الميسرة فَإِنَّهَا ثبتَتْ فَإِن الحملة لم تصادفها
стр. 1412
وَأما السُّلْطَان ﵀ فَإِنَّهُ أَخذ يطوف على الأطلاب ينهضهم ويعدهم الوعود الجميلة ويحثهم على الْجِهَاد وينادي فيهم يَا للاسلام وَلم يبْق مَعَه إِلَّا خَمْسَة أنفس وَهُوَ يطوف ويتخرق الصُّفُوف وَأَوَى إِلَى تَحت التل الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْخيام
وَأما المنهزمون من الْعَسْكَر فَإِنَّهُم بلغت هزيمتهم إِلَى القحوانة قَاطع جسر طبرية وَتمّ مِنْهُم قوم إِلَى دمشق وَأما المتبعون لَهُم فانهم اتَّبَعُوهُمْ إِلَى العياضية فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قد صعدوا الْجَبَل رجعُوا عَنْهُم عائدين إِلَى عَسْكَرهمْ فَلَقِيَهُمْ جمَاعَة من الغلمان والخربندية والساسة منهزمين على بغال الْحمل فَقتلُوا مِنْهُم جمَاعَة ثمَّ جاؤوا على رَأس السُّوق فَقتلُوا جمَاعَة وَقتل مِنْهُم جمَاعَة فَإِن السُّوق كَانَ فِيهِ خلق عَظِيم وَلَهُم سلَاح
وَأما الَّذين صعدوا الخيم السُّلْطَانِيَّة فَإِنَّهُم لم يلتمسوا مِنْهَا شَيْئا أصلا سوى أَنهم قتلوا من ذَكرْنَاهُ وهم ثَلَاثَة نفر ثمَّ رَأَوْا ميسرَة الْإِسْلَام ثَابِتَة فَعلم وَا أَن الكسرة لم تتمّ فعادوا منحدرين من التل يطْلبُونَ عَسْكَرهمْ
وَأما السُّلْطَان فانه كَانَ وَاقِفًا تَحت التل وَمَعَهُ نفر يسير وَهُوَ يجمع النَّاس ليعودوا إِلَى الحملة على الْعَدو فَلَمَّا رأى الفرنج نازلين من التل أَرَادوا لقاءهم فَأَمرهمْ بِالصبرِ إِلَى أَن ولوا ظُهُورهمْ واشتدوا يطْلبُونَ أَصْحَابهم فصاح فِي النَّاس وحملوا
стр. 1413
عَلَيْهِم وطرحوا مِنْهُم جمَاعَة وَاشْتَدَّ الطمع فيهم وتكاثر النَّاس ورائهم حَتَّى لَحِقُوا أَصْحَابهم والطرد وَرَاءَهُمْ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ منهزمين والمسلمون وَرَاءَهُمْ فِي عدد كثير ظنُّوا أَن من حمل مِنْهُم قد قتل وَأَنه إِنَّمَا نجا مِنْهُم هَذَا النَّفر فَقَط وَأَن الْهَزِيمَة قد عَادَتْ عَلَيْهِم فاشتدوا فِي الْهَرَب والهزيمة وتحركت الميسرة عَلَيْهِم
وَعَاد الْملك المظفر بجمعه من الميمنة وتحايا الرِّجَال وتداعت وتراجع النَّاس من كل جَانب وَكذب الله الشَّيْطَان وَنصر الايمان وظل النَّاس فِي قتل وَطرح وَضرب وجرح إِلَى أَن اتَّصل المنهزمون السالمون إِلَى عَسْكَر الْعَدو فهجم الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم فِي الْخيام فَخرج مِنْهُم أطلاب كَانُوا أعدوها - خشيَة من هَذَا الْأَمر - مستريحة فَردُّوا الْمُسلمين وَكَانَ التَّعَب قد أَخذ من النَّاس وَالْخَوْف والعرق قد ألجمهم فتراجع النَّاس عَنْهُم بعد صَلَاة الْعَصْر يَخُوضُونَ فِي الْقَتْلَى وَدِمَائِهِمْ فرحين مسرورين
وَعَاد السُّلْطَان وجلسوا فِي خدمته يتذاكرون من فقد مِنْهُم فَكَانَ مِقْدَار من فقد مِنْهُم من الغلمان والمجهولين مئة وَخمسين نَفرا وَمن المعروفين اسْتشْهد فِي ذَلِك الْيَوْم ظهير الدّين أَخُو الْفَقِيه عِيسَى ﵀ وَلَقَد رَأَيْته وهوجالس يضْحك وَالنَّاس يعزونه وَهُوَ يُنكر عَلَيْهِم وَيَقُول هَذَا يَوْم الهناء لَا يَوْم العزاء وَكَانَ قد وَقع هُوَ من فرسه ﵀ وأركبه وَقتل عَلَيْهِ جمَاعَة من أَقَاربه وَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم الْأَمِير مجلي يَعْنِي ابْن مَرْوَان
وَزَاد العما والحاجب خَلِيل الهكاري
стр. 1414
ثمَّ قَالَ القَاضِي هَذَا الَّذِي قتل من الْمُسلمين وَأما الْعَدو المخذول فحزر قتلاهم بسبعة آلَاف نفر ورأيتهم وَقد حملُوا إِلَى شاطئ النَّهر ليلقوا فِيهِ فحرزتهم بِدُونِ سَبْعَة آلَاف
وَلما تمّ على الْمُسلمين من الْهَزِيمَة مَا تمّ راى الغلمان خلو الْخيام عَمَّن يعْتَرض عَلَيْهِم فان الْعَسْكَر انقسم إِلَى منهزمين ومقاتلين فَلم يبْق فِي الخيم أحد وَرَأَوا الكسرة قد وَقعت ظنُّوا أَنَّهَا تتمّ وَأَن الْعَدو ينهب جَمِيع مَا فِي الخيم فوضعوا أَيْديهم فِي الخيم ونهبوا جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا وَذهب من النَّاس أَمْوَال عَظِيمَة وَكَانَ ذَلِك أعظم من الكسرة وَقعا
فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان إِلَى الخيم وَرَأى مَا قد تمّ على النَّاس من نهب الْأَمْوَال والهزيمة سارع فِي الْكتب وَالرسل فِي رد المنهزمين وتتبع من شَذَّ من الْعَسْكَر وَالرسل يتتابع فِي هَذَا الْمَعْنى حَتَّى بلغت عقبَة فيق فردوهم وأخبروهم بالكرة للْمُسلمين فعادوا
وَأمر بِجمع الأقمشة من أكف الغلمان وَجمع الأقمشة فِي خيمته حَتَّى جلالات الْخَيل والمخالي وَهُوَ جَالس وَنحن حوله وَهُوَ يتَقَدَّم إِلَى كل من عرف شَيْئا وَحلف عَلَيْهِ يسلم إِلَيْهِ وَهُوَ يتلَقَّى هَذِه الْأَحْوَال بقلب صلب وَصدر رحب وَوجه منبسط ورأي مُسْتَقِيم واحتساب لله تَعَالَى وَقُوَّة عزم فِي نصْرَة دينه
وَأما الْعَدو المخذول فانه عَاد إِلَى خيمه وَقد قتلت
стр. 1415
شجعانهم وفقدت مُلُوكهمْ وطرحت مقدموهم وَأمر السُّلْطَان أَن يخرج من عكا عجل يسْحَبُونَ عَلَيْهِ] الْقَتْلَى مِنْهُم إِلَى طرف النَّهر ليلقوا فِيهِ
قَالَ وَلَقَد حكى لي بعض من ولي أَمر الْعجل أَنه أَخذ خيطا وَكَانَ كلما أَخذ قَتِيل عقد عقدَة فَبلغ عدد قَتْلَى الميسرة أَرْبَعَة آلَاف ومئة وكسرا وَبَقِي قَتْلَى الميمنة وقتلى الْقلب لم يعدهم فَإِنَّهُ ولي أَمرهم غَيره وَبَقِي من الْعَدو بعد ذَلِك من حمى نَفسه وَأَقَامُوا فِي خيمهم لم يكترثوا بجحافل الْمُسلمين وعساكرهم وتشذب من عَسَاكِر الْمُسلمين خلق كثير بِسَبَب الْهَزِيمَة فَإِنَّهُ مَا رَجَعَ مِنْهَا إِلَّا رجل مَعْرُوف خَافَ على نَفسه وَالْبَاقُونَ ذَهَبُوا فِي حَال سبيلهم
وَأخذ السُّلْطَان فِي جمع الْأَمْوَال المنهوبة وإعادتها إِلَى أَصْحَابهَا وَأقَام المنادية فِي العساكر وَقرن النداء بالوعيد والتهديد وَهُوَ يتَوَلَّى تفرقتها بِنَفسِهِ بَين يَدَيْهِ وَاجْتمعَ من الأقمشة عدد كثير فِي خيمته حَتَّى إِن الْجَالِس فِي أحد الطَّرفَيْنِ لَا يرى الْجَالِس فِي الطّرف الآخر وَأقَام من يُنَادي على من ضَاعَ مِنْهُ شَيْء] فَحَضَرَ
стр. 1416
الْخلق وَصَارَ من عرف شَيْئا وَأعْطى علامته حلف عَلَيْهِ وَأَخذه من الْحَبل والمخلاة إِلَى الْهِمْيَان والجوهرة وَلَقي من ذَلِك مشقة عَظِيمَة وَلَا يرى ذَلِك إِلَّا نعْمَة من الله تَعَالَى يشْكر عَلَيْهَا ويسابق بيد الْقبُول إِلَيْهَا وَلَقَد حضرت يَوْم تَفْرِقَة الأقمشة على أربهابها فَرَأَيْت سوقا للعدل قَائِمَة لم ير فِي الدُّنْيَا أعظم مِنْهَا وَكَانَ ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان
قَالَ وَعند انْقِضَاء هَذِه الْوَقْعَة وَسُكُون نائرتها أَمر السُّلْطَان بالثقل حَتَّى تراجع إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ الخروبة خشيَة على الْعَسْكَر من أراييح الْقَتْلَى وآثار الْوَقْعَة من الوخم وَهُوَ مَوضِع قريب من مَكَان الْوَقْعَة إِلَّا أَنه أبعد عَنْهَا من الْمَكَان الَّذِي كَانَ نازلا فِيهِ بِقَلِيل وَضربت لَهُ خيمة عِنْد الثّقل وَأمر اليزك أَن يكون مُقيما فِي الْمَكَان الَّذِي كَانَ نازلا فِيهِ واستحضر الْأُمَرَاء وأرباب المشورة فِي سلخ الشَّهْر ثمَّ أَمرهم بالاصغاء إِلَى كَلَامه وَكنت من جملَة الْحَاضِرين ثمَّ قَالَ بِسم الله وَالْحَمْد الله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله اعلموا أَن هَذَا عَدو الله وعدونا قد نزل فِي بلدنا وَقد وطئ أَرض الْإِسْلَام وَقد لاحت لوائح النُّصْرَة عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد بَقِي فِي هَذَا الْجمع الْيَسِير وَلَا بُد من الاهتمام بقلعه وَالله قد أوجب علينا ذَلِك وَأَنْتُم تعلمُونَ أَن هَذِه
стр. 1417
عساكرنا لَيْسَ وَرَاءَنَا نجدة ننتظرها سوى الْملك الْعَادِل وَهُوَ وَاصل وَهَذَا الْعَدو إِن بَقِي وَطَالَ أمره إِلَى أَن ينفتح الْبَحْر جَاءَهُ مدد عَظِيم والرأي كل الرَّأْي عِنْدِي مناجزته فليخبرنا كل مِنْكُم مَا عِنْده فِي ذَلِك
وَكَانَ ذَلِك فِي ثَالِث عشر تشرين - يَعْنِي الثَّانِي - من الشُّهُور الشمسية فانفصلت آراؤهم على أَن الْمصلحَة تَأَخّر الْعَسْكَر إِلَى الخروبة وَأَن يبْقى الْعَسْكَر أَيَّامًا حَتَّى يستجم من حمل السِّلَاح وَترجع نُفُوسهم إِلَيْهِم فقد أَخذ مِنْهُم التَّعَب وَاسْتولى على نُفُوسهم الضجر وتكليفهم أمرا على خلاف مَا تحمله القوى لَا تؤمن غائلته وَالنَّاس لَهُم خَمْسُونَ يَوْمًا تَحت السِّلَاح وَفَوق الْخَيل وَالْخَيْل قد ضجرت من عَرك اللجم وَعند أَخذ حَظّ من الرَّاحَة ترجع نفوسها إِلَيْهَا ويصل الْملك الْعَادِل ويشاركنا فِي الرَّأْي وَالْعَمَل ونستعيد من شَذَّ من العساكر ونجمع الرجالة ليقفوا فِي مُقَابلَة الرجالة وَكَانَ بالسلطان ﵀ التياث مزاجي قد عراه من كَثْرَة مَا حمل على قلبه وَمَا عاناه من التَّعَب بِحمْل السِّلَاح والفكر فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَوَقع لَهُ مَا قَالُوهُ وَرَآهُ مصلحَة فَأَقَامَ يصلح مزاجه وَيجمع العساكر إِلَى عَاشر رَمَضَان
قَالَ وَكَانَ لما بلغه خبر الْعَدو وقصده عكا جمع الْأُمَرَاء وَأَصْحَاب الرَّأْي بمرج عُيُون وشاورهم فِيمَا يصنع وَكَانَ رَأْيه -
стр. 1418
رَحمَه الله - أَن قَالَ الْمصلحَة مناجزة الْقَوْم ومنعهم من النُّزُول على الْبَلَد وَإِلَّا إِن نزلُوا جعلُوا الرجالة سورا لَهُم وحفروا الْخَنَادِق وصعب علينا الْوُصُول إِلَيْهِم وَخيف على الْبَلَد مِنْهُم وَكَانَت إِشَارَة الْجَمَاعَة أَنهم إِذا نزلُوا وَاجْتمعت العساكر قلعناهم فِي يَوْم وَاحِد وَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَالله لقد سَمِعت مِنْهُ هَذَا القَوْل وشاهدت الْفِعْل كَمَا قَالَ
وَقَالَ الْعِمَاد عبأ السُّلْطَان ميمنته وميسرته وَطلب من الله نصرته وَهُوَ يمر بالصفوف وَيَأْمُر بِالْوُقُوفِ ويحض على حَظّ الْأَبَد ويحث على الجلاد وَالْجَلد
قَالَ وَكنت فِي جمَاعَة من أهل الْفضل قد ركبنَا فِي ذَلِك الْيَوْم ووقفنا على التل نشاهد الْوَقْعَة وَنحن على بغال بِغَيْر أهبة قتال فَرَأَيْنَا الْعَسْكَر موليا والمنهزم عَمَّا تَركه من خيامه ورحله متخليا فوصلنا إِلَى طبرية فِيمَن وصل وَوجدنَا ساكنها قد أجفل فسقنا إِلَى جسر الصنبرة ونزلنا على شرقيه وكل منا ذاهل عَن شبعه وريه وَمن المنهزمين من بلغ عقبَة فيق وَهُوَ غير مُفِيق وَمِنْهُم من وصل إِلَى دمشق وَهُوَ غير معرج على طَرِيق
وَوصل جمَاعَة من الفرنج إِلَى خيمة السُّلْطَان وجالوا جَوْلَة ثمَّ رَأَوْا انْقِطَاع أشياعهم عَنْهُم فانحدروا عَن التل واستقبلهم أَصْحَابنَا فَرَكبُوا أكتافهم وحكموا فِي رقابهم أسيافهم وَكَانَ ميسرتنا
стр. 1419
عَسْكَر سنجار والأسدية فَمَا زلوا وَلَا زَالُوا بل وصلوا وصالوا وحملت عَلَيْهِم ميمنة الفرنج فَكَأَنَّمَا مرت الرِّيَاح بالجبال وَعَاد من كَانَ من الميمنة مثل تَقِيّ الدّين وقايماز النجمي والحسام بن لاجين وَمن ثَبت من أبطال الْمُجَاهدين فَلم يفلت من الْأَعْدَاء إِلَّا أعداد وَلم ينج من آلافها إِلَّا آحَاد وَفرس مِنْهُم زهاء خَمْسَة آلَاف فَارس مِنْهُم مقدم الداوية الَّذِي كُنَّا أطلقناه وَذكر أَنهم فِي مئة ألف وَعشْرين ألف حِين سألناه ثمَّ ضربنا عُنُقه وقا فِي الْفَتْح وَعشرَة الآف
وَقَالَ الْعِمَاد وَمن الْعجب أَن الَّذين ثبتوا منا لم يبلغُوا ألفا فَردُّوا مئة ألف وآتاهم الله قُوَّة من بعد ضعف وَكَانَ الْوَاحِد يَقُول قتلت من المثلثين ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعين وتركتهم مصرعين وَكَانَ السُّلْطَان من الثابتين فِي تِلْكَ الجولة الكابتين لأهل الصولة وَقد بَقِي وَحده عِنْد تولي الْمُسلمين وَلَا شكّ أَن الله أنزل مَلَائكَته المسومين
حكى بَعضهم قَالَ كنت مُنْهَزِمًا من فَارس مدجج قد لز بقربي حصانه وهز لصلبي سنانه فأيست من الْبَقَاء ثمَّ أَبْطَأت عَليّ طعنته فَالْتَفت فاذا هُوَ وحصانه كِلَاهُمَا ملقى وَمَا بِالْقربِ أحد فَعرفت أَنه نصر إلهي وصنع رباني
стр. 1420
قَالَ وَعَاد السُّلْطَان إِلَى مضاربه وَأمر بموارة الشُّهَدَاء وَمن جُمْلَتهمْ الْفَقِيه أَبُو عَليّ بن رَوَاحه وَكَانَ غزير الْفضل قد أكمل الشجَاعَة والرجاحة وَهُوَ شَاعِر مفلق وفقيه مُحَقّق من ولد عبد الله بن رَوَاحَة الصَّحَابِيّ الْأنْصَارِيّ فِي الشَّهَادَة وَالشعر معرق فطرفه الْأَعْلَى يَوْم مُؤْتَة مَعَ جَعْفَر الطيار وطرفه الْأَقْرَب يَوْم عكا فِي لِقَاء الْكفَّار
قَالَ فِي الْبَرْق وَكَانَ السُّلْطَان قد أنعم عَلَيْهِ فِي حلب بمزرعة وكتبت توقيعه وَأَرَادَ الله تعويقه إِذْ قرب إِلَى الْآخِرَة طَرِيقه وحملت توقيعه إِلَى السُّلْطَان تِلْكَ اللَّيْلَة ليعلم فِيهِ فَمَا علم
стр. 1421
وراجعته فِي مَعْنَاهُ فَسكت وَمَا تكلم وَكَانَ سَاعَة الْوَقْعَة رَاكِبًا مَعنا ثمَّ قَالَ وقوفنا يطول فَمضى إِلَى خيمته يتودع فَلَمَّا علم باندفاعنا سَاق وَرَاءَنَا فَقطع عمره قبل أَن يقطع الْوَادي وَكَانَ قَالَ لنا لما أصبح رَأَيْت كَأَن رجلا يحلق رَأْسِي فِي الْمَنَام فَقُلْنَا لَهُ هَذَا من أضغاث الأحلام فنقله الله بعد سَاعَة إِلَى دَار السَّلَام
قلت وَلَيْسَ هُوَ من أَوْلَاد ابْن رَوَاحَة الصَّحَابِيّ ذَاك لم يعقب وَإِنَّمَا فِي أجداده من اسْمه رَوَاحَة وَقد بَيناهُ فِي التَّارِيخ وَالله أعلم
قَالَ وَمِنْهُم إِسْمَاعِيل الصُّوفِي الْأمَوِي المكبس وَشَيخ من الْحَاشِيَة فِي بَيت الطشت وَغُلَام فِي الخزانة أَمِين على الْبَيْت وَآخَرُونَ صودفوا عِنْد التل فجاءتهم السَّعَادَة وفجأتهم الشَّهَادَة وَهَؤُلَاء سوى من وَقع فِي الْوَقْعَة وَذهب قبل الرّجْعَة
وَأجْمع السُّلْطَان وذوو الآراء على أَنه يصبح الْقَوْم فتفقدوا الْعَسْكَر فَإِذا هُوَ قد غَابَ لما نَاب من الْأَمر وراب وَذَلِكَ أَن غلْمَان العسكرية والأوباش ظنُّوا أَن تِلْكَ الفورة هزيمَة فنهبوا الاثقال وعدوها غنيمَة فَمن عَاد إِلَى رَحْله وجده منهوبا مسلوبا وَكَانَ فِي ظَنّه أَنه فرغ من لِقَاء خطب فلقي خطوبا وأصبحنا وَإِذا الْعَسْكَر مفترق
стр. 1422
وَالثَّابِت قلق والآمن فرق والغني معدم والجريء متندم
فَهَذَا خلف مَا ذهب من مَاله ذَاهِب وَهَذَا لمن طلب الطَّرِيق بأثقاله طَالب فتفتر ذَلِك الْعَزْم وَتَأَخر ذَلِك الحكم وانتعش الفرنج فِي تِلْكَ الْمدَّة وانتشلوا من تِلْكَ الشدَّة وجاءتهم فِي البحرمراكب أخلفت من عدم وَبنت مَا هدم
وشكونا نَتن رَائِحَة تِلْكَ الْجِيَف فَحملت على الْعجل إِلَى النَّهر ليشْرب من صديدها أهل الْكفْر فَحمل أَكثر من خَمْسَة آلَاف جثة حملت إِلَى النَّار قبل يَوْم الْبعْثَة وأشير على السُّلْطَان بالانتقال إِلَى الخروبة عِنْد خيم الأثقال المضروبة فَسَار إِلَيْهَا رَابِع رَمَضَان وَأمر أهل عكا بإغلاق أَبْوَابهَا وإحكام أَسبَابهَا فَوجدَ الفرنج بذلك الْفرج وشرعوا فِي حفر خَنْدَق على معسكرهم حوالي عكا من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وأخرجوا مَا كَانَ فِي مراكبهم من آلَات الْحصْر وَفِي كل يَوْم يأتينا اليزكية بخبرهم وَبِمَا ظهر من أَثَرهم وَالْجد فِي تعميق الخَنْدَق وتتميم محتفرهم فَكَانَ من قَضَاء الله أَنا أغفلناهم وأمهلناهم بل أهملناهم حَتَّى عمقوا الحفور ووثقوا من ترابها السُّور فَكَانُوا يخندقون ويعمقون ويعملون من تُرَاب الحفرحولهم سورا فَعَاد مخيمهم بَلَدا مَسْتُورا معمورا فملؤوه بالستائر ومنعوه من الطير الطَّائِر وَبَنوهُ وأسسوه وستروه وترسوه ورتبوا عَلَيْهِ رجَالًا وَلم يتْركُوا إِلَيْهِ لواغل مجالا وَتركُوا فِيهِ ابوابا وفروجا ليظهروا مِنْهَا إِذا أَرَادوا خُرُوجًا
وَلما فرغوا من هَذَا الْأَمر اشتغلوا بالحصر وانقطعت الطَّرِيق
стр. 1423
على الْمُسلمين إِلَى عكا وَبَان ضعف رَأْي الِانْتِقَال فَإِنَّهُ بَعْدَمَا أضْحك أبكى
وَجَاء كتاب من الْفَاضِل إِلَى الْعِمَاد جَوَابا عَن كِتَابه الْمخبر فِيهِ بوقعة مرج عكا يَقُول فِيهِ وَعرفت مَا جرى على قَضيته فسبحت الله تَعَالَى فَإِن من عجائب قدرته سَلامَة سيدنَا على ضعف حركته وَالْأَمر كَانَ عَظِيما والمدفع أعظم والسلامة كَانَت غَرِيبَة إِلَّا أَن نقُول وَلَكِن الله سلم وَالسُّلْطَان - أعزه الله - إِذا سلم فَكل النَّاس قد سلمُوا وَإِذا وجد وَقد عدم النَّاس كلهم فقد وجدوا وَمَا عدموا وكل جَوْهَر بالاضافة إِلَيْهِ عرض وَهُوَ جَوْهَر بِالْحَقِيقَةِ مَا عَنهُ من كل جَوْهَر عرض
وَمن كتاب لَهُ إِلَى السُّلْطَان أَوله ﴿ثمَّ أنزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ﴾ الْآيَة ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ ورد الْكتاب بِخَط مَوْلَانَا من معترك حربه وتوفيق جهاده قبل أَن تضع الْحَرْب أَوزَارهَا وهرع النَّاس إِلَى المجلسين العادلي والعزيزي يَسْتَمِعُون الْأَخْبَار ويستوضحون من وُجُوههمَا الْأَنْوَار ويسألون كَيفَ كَانَ عَاقِبَة أهل الْجنَّة وعاقبة أهل النَّار ويشكرون الله على سَلامَة أديانهم وَقُلُوبهمْ وأبدانهم وسلامة سلطانهم وَمَا أَدْرَاك
стр. 1424
مَا سَلامَة سلطانهم ونصرة كلمة إِيمَانهم وَدَلَائِل الْخَيْر لَا تخفى وَقد يقْرَأ الْكتب وَمَا يلمح قَارِئهَا مِنْهَا حرفا وتصور النَّاس الْأَمر الَّذِي وقاهم الله شَره وكفاهم أمره
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة بمرج عكا وَغَيره
قَالَ الْعِمَاد وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث رَمَضَان أَخذ أَصْحَابنَا بعكا مركبا للفرنج إِلَى صور مقلعا محتويا على ثَلَاثِينَ رجلا وأمرأة وَاحِدَة ورزمة من الْحَرِير وَجَاءَت حظوة حلوة وغنيمة صفوة وَقد كَانَ انْكَسَرَ نشاطهم وانقبض انبساطهم فَلَمَّا عثروا بالمركب انتعشوا وصاروا يخرجُون وَيقْتلُونَ ويجرحون وَيُمْسُونَ على الْقِتَال ويصبحون وَنَدم الفرنج على تِلْكَ الْحَرَكَة فَإِنَّهَا أفضت بهم إِلَى الهلكة فَإِنَّهُم مَا داموا رابضين وعَلى يَد الصَّبْر قابضين يتَعَذَّر الْوُصُول إِلَيْهِم وَالدُّخُول عَلَيْهِم
وَفِي بعض الْكتب إِلَى بعض الْأَطْرَاف والمرجو من الله سُبْحَانَهُ تَحْرِيك همم الْمُؤمنِينَ فِي تسكين ثائرهم وتخريب عامرهم وَمَا دَامَ الْبَحْر يمدهُمْ وَالْبر لَا يصدهم فبلاء الْبِلَاد بهم دَائِم وَمرض الْقُلُوب بأدوائهم ملازم فَأَيْنَ حمية الْمُسلمين ونخوة أهل الدّين وغيرة أهل الْيَقِين
وَمَا يَنْقَضِي عجبنا من تظافر الْمُشْركين وقعود الْمُسلمين فَلَا
стр. 1425
ملبي مِنْهُم لمناد وَلَا مثقف لمناد فانظروا إِلَى الفرنج أَي مورد وردوا وَأي حشد حشدوا وَأي ضَالَّة نشدوا وَأي نجدة أنجدوا وأية أَمْوَال غرموها وأنفقوها وجدات جمعوها وتوزعوها فِيمَا بَينهم وفرقوها وَلم يبْق ملك فِي بِلَادهمْ وجزائرهم وَلَا عَظِيم وَلَا كَبِير من عظمائهم وأكابرهم إِلَّا جارى جَاره فِي مضمار الانجاد وبارى نَظِيره فِي الْجد وَالِاجْتِهَاد واستقلوا فِي صون ملتهم بذل المهج والأرواح وأمدوا أجناسهم الأنجاس بأنواع السِّلَاح مَعَ أكفاء الكفاح وَمَا فعلوا مَا فعلوا وَلَا بذلوا مَا بذلوا إِلَّا لمُجَرّد مُتَّصِلَة مَعَ بَعْضهَا الحمية لمتعبدهم والنخوة لمعتقدهم
وَلَيْسَ أحد من الفرنجية يستشعر أَن السَّاحِل إِذا ملك وَرفع فِيهِ حجاب عزهم وهتك يخرج بلد عَن يَده وتمتد يَد إِلَى بَلَده
والمسلمون بِخِلَاف ذَلِك قد وهنوا وفشلوا وغفلوا وكسلوا ولزموا الْحيرَة وعدموا الْغيرَة وَلَو انثنى - وَالْعِيَاذ بِاللَّه - للاسلام عنان أَو خبا سنا ونبا سِنَان لما وجد فِي شَرق الْبِلَاد وغربها وَبعد الْآفَاق وقربها من لدين الله يغار وَمن لنصرة الْحق على الْبَاطِل يخْتَار
وَهَذَا أَوَان رفض التواني واستدناء أولي الحمية من الأقاصي والأداني على أَنا بِحَمْد الله لنصره راجون وَله باخلاص السِّرّ وسر الاخلاص مناجون وَالْمُشْرِكُونَ - بِإِذن الله - هالكون والمؤمنون آمنون ناجون
стр. 1426
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ السُّلْطَان قد كتب إِلَى مصر يَسْتَدْعِي بأَخيه الْعَادِل فِي رِجَاله فَقدم عَلَيْهِ منتصف شَوَّال وَكتب ايضا فِي طلب الأسطول الْمصْرِيّ فَقدمت خَمْسُونَ قِطْعَة مَعَ حسام الدّين لُؤْلُؤ منتصف ذِي الْقعدَة فَجَاءَت فَجْأَة على مراكب الفرنج وبغتتها وسحقتها وبددتها وكبستها وسلبتها وظفر ببطستين كبيرتين بِمَا فيهمَا من أَمْوَالهم ورجالهم وغلالهم
قَالَ وَهَذَا لُؤْلُؤ قد اشتهرت بالْكفْر فتكاته وشكرت فِي الْعَدو نكاياته وَقد تفرد بغزوات لم يُشَارِكهُ فِيهَا أحد وَهُوَ الَّذِي رد الفرنج عَن بَحر الْحجاز ووقف لَهُم على طرق الْمجَاز وَلم يتْرك مِنْهُم عينا تطرف وَلم يبْق لَهُم دَلِيلا يعرف وغزواته مَشْهُورَة وفتكاته مَذْكُورَة وأمواله مبذولة وأكياسه لعقد الانفاق فِي سَبِيل الله محلولة
قَالَ وَنقل السُّلْطَان إِلَى الْبَلَد فِي المراكب جمَاعَة من الْأُمَرَاء بأجنادهم وعددهم وأزوادهم وَاسْتظْهر الْبَلَد أَيْضا بِرِجَال الأسطول وَكَانُوا زهاء عشرَة آلَاف هَذَا ورجالة الْمُسلمين يتطرقون إِلَيْهِم لَيْلًا ويذيقونهم من الْقَتْل والأسر وَالسَّرِقَة ويلا حَتَّى كَانَ رجالنا يختفون
стр. 1427
بالحشيش فِي أجراف الْأَنْهَار فَإِذا صادفوا فَارِسًا ورد المَاء فاجؤوه بِالْقَتْلِ والاسار
قَالَ وَلما عرف صَاحب الْموصل مَا شرع فِيهِ السُّلْطَان من تَكْثِير الْعدة وتقوية النجدة بِكُل مَا يُمكنهُ من أَسبَاب الْبَأْس والشدة سير من أحمال النفط الْأَبْيَض مَعَ عزة وجوده مَا وجده وَمن التراس والرماح من كل جنس أحكمه وأقومه وأجوده
وكتبنا فِي شكره وصل السِّلَاح وَتمّ للاسلام من قُرُوح الْكفْر الاقتراح فَإِن الْحَرْب المتطاولة المدد أَتَت على جَمِيع الْعدَد وَمن الْعجب أَن الْعدة تفنى وَمَا يفنى العداة وتنمو على الْحَصاد كَأَنَّهَا النَّبَات فالبحر يمدهُمْ وَالْكفْر إِلَى الردى يردهم
وَمن كتاب إِلَى الدِّيوَان قد مَضَت ثَلَاثَة أشهر شهر بهَا التَّثْلِيث على التَّوْحِيد سلاحه وَبسط الْكفْر جنَاحه وَقتل من الفرنج وَعدم فِي الوقعات الَّتِي روعت والروعات الَّتِي وَقعت أكثرمن عشْرين ألف مقَاتل من فَارس وراجل ورامح ونابل فَمَا أثرذلك فِي نقصهم وَلَا أرث إِلَّا نَار حرصهم
وَلَيْسَ هَذَا الْعَدو بِوَاحِد فينجع فِيهِ التَّدْبِير وَيَأْتِي عَلَيْهِ
стр. 1428
التدمير وَإِنَّمَا هُوَ كل من وَرَاء الْبَحْر وَجَمِيع من فِي دَار الْكفْر فَإِنَّهُ لم يبْق لَهُم مَدِينَة وَلَا بَلْدَة وَلَا جَزِيرَة وَلَا خطة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا جهزت مراكبها وأنهضت كتائبها وتحرك ساكنها وبرز كامنها وثار ثائرها وَسَار سائرها وطار طائرها ونفضت خزائنها وانفضت معادنها وحملت ذخائرها وبذلت أخايرها ونثلت كنائن كنائسها واستخرجت دفائن نفائسها وَخرج يصلبانهم أساقفها وبطاركها وغصت بالأفواج فجاجها ومسالكها وتصلبت للصليب السليب وتعصبت للمصاب الْمُصِيب وَنَادَوْا فِي نواديهم بِأَن الْبلَاء دهم بِلَادهمْ وَأَن إخْوَانهمْ بالقدس أبارهم الْإِسْلَام وأبادهم وَأَنه من خرج من بَيته مُهَاجرا لِحَرْب الْإِسْلَام وهبت لَهُ ذنُوبه وَذَهَبت عَنهُ عيوبه وَمن عجز عَن السّفر سفر بعدته وثروته من قدر فجاؤوا لابسين للحديد بعد أَن كَانُوا لابسين للحداد وتواصلت مِنْهُم الأمداد
قَالَ ووصلت فِي مركب ثَلَاث مئة امْرَأَة فرنجية مستحسنة اجْتَمعْنَ من الجزائر وانتدبن للجرائر واغتربن لاسعاف الغرباء وقصدن بخروجهن تسبيل أَنْفسهنَّ للأشقياء وأنهن لَا يمتنعن من العزبان ورأين أَنَّهُنَّ لَا يتقربن بِأَفْضَل من هَذَا القربان وزعمن أَن هَذِه قربَة مَا فَوْقهَا قربَة لَا سِيمَا فِيمَن اجْتمعت فِيهِ عزبة وغربة
قَالَ وأبق من عسكرنا من المماليك الأغبياء والمدابير الجهلاء
стр. 1429
جمَاعَة جذبهم الْهوى وَاتبعُوا من غوى فَمنهمْ من رَضِي للذة بالذلة وَمِنْهُم من نَدم على الزلة فتحيل فِي النقلَة فان يَد من لَا يرْتَد لَا تمتد وَأمر الهارب إِلَيْهِم لاتهامه يشْتَد وَبَاب الْهوى عَلَيْهِ يستد وَمَا عِنْد الفرنج على العزباء إِذا أمكنت مِنْهَا العزب حرج وَمَا أزكاها عِنْد القسوس إِذا كَانَ للعزبان المضيقين من فرجهَا فرج
قَالَ ووصلت أَيْضا فِي الْبَحْر امْرَأَة كَبِيرَة الْقدر وافرة الوفر وَفِي جُمْلَتهَا خمس مئة فَارس بخيولهم وأتباعهم وغلمانهم وأشياعهم وَهِي كافلة بِكُل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْمُؤْنَة زَائِدَة بِمَا تنفقه فيهم على المعونة وهم يركبون بركباتها ويحملون بحملاتها ويثبون لوثباتها
وَفِي الفرنج نسَاء فوارس لَهُنَّ دروع وقوانس وَكن فِي زِيّ الرِّجَال ويبرزن فِي حومة الْقِتَال ويعملن عمل أَرْبَاب الحجا وَهن ربات الحجال وكل هَذَا يعتقدنه عبَادَة ويخلن أَنَّهُنَّ يعقدن بِهِ سَعَادَة ويجعلنه لَهُنَّ عَادَة فسبحان الَّذِي أضلهن وَعَن نهج الْهدى أزلهن وَفِي يَوْم الْوَقْعَة قلعت مِنْهُنَّ نسْوَة لَهُنَّ بالفرسان أُسْوَة وفيهن مَعَ لينهن قسوة وَلَيْسَ لَهُنَّ سوى السوابغ كسْوَة
стр. 1430
فَمَا عرفن حَتَّى سلبن وعرين ومنهن عدَّة سبين واشترين وَأما الْعَجَائِز فقد امْتَلَأت بِهن المراكز وَهن يشددن تَارَة ويرخين ويحرضن وينخين وَيَقُلْنَ إِن الصَّلِيب لَا يرضى إِلَّا بالاباء وَإنَّهُ لَا بَقَاء إِلَّا بالفناء وَإِن قبر معبودهم تَحت اسْتِيلَاء الْأَعْدَاء فَانْظُر إِلَى الِاتِّفَاق فِي الضلال بَين الرِّجَال مِنْهُم وَالنِّسَاء
قَالَ وَفِي آخر هَذِه السّنة ندب السُّلْطَان الرُّسُل إِلَى الأقطار والأمصار للاستنفار والاستنصار وَبث الْكتب وَكتب بالبث وحث الرُّسُل وراسل بالحث وسرح عدنان النجاب إِلَى سيف الْإِسْلَام بِالْيمن وَشرح فِي الْكتاب إِلَيْهِ مَا جرى من حوادث الزَّمن وَوصف لَهُ جلية الْحَال وَطلب مِنْهُ الاعانة بِالْمَالِ وكوتب مظفر الدّين قزل أرسلان بهمذان بِمَا دنا مِنْهُ عزمه ودان وَحكم على كل ملك بِحجَّة الايمان وَهدى إِلَى محجة الاحسان
وَوصل إِلَى السُّلْطَان رَسُول ابْن أَخِيه لأمه ركن الدّين طغرل بن أرسلان بن طغرل بن مُحَمَّد بن ملكشاه وَهُوَ آخر السلاطين السلجوقية يتظلم من عَمه قزل أرسلان وَيطْلب من السُّلْطَان إعانته فَاعْتَذر السُّلْطَان بِمَا هُوَ فِيهِ من شغل الْجِهَاد مَعَ الْكفَّار وَأرْسل رَسُولا فِي السفارة بَينه وَبَين عَمه جمال الدّين
стр. 1431
أَبَا الْفَتْح إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن عبد كويه نسيب الْعِمَاد وَكتب إِلَى صَاحب إربل وَإِلَى حسن بن قفجاق ونائبه بشهرزور بالتوفر على خدمته والارتياد لمصلحته وإشاعة معونته
قَالَ وَفِي هَذِه السّنة توفّي الْأَمِير حسام الدّين سنقرالخلاطي أخص مماليك السُّلْطَان وأخلصهم وَقد قدمه على مماليكه وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الِاثْنَيْنِ السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب
قَالَ وَفِي ثَالِث عشر شعْبَان توفّي الْأَمِير حسام الدّين طمان صَاحب الرقة وَهُوَ من الْمُجَاهدين الْمُجْتَهدين والأتقياء المتهجدين وَلما حَضرته الْوَفَاة تأسف من مَوته على فرَاشه وَطلب حصانه ليركبه وينتقل سعيدا شَهِيدا إِلَى معاده من معاشه
قَالَ وَفِي تَاسِع عشر شعْبَان توفّي الْأَمِير عز الدّين موسك بن جكو الهذباني وَهُوَ ابْن خَال السُّلْطَان وَهُوَ من أكَابِر أَقَاربه ومقدمي كتائبه وَكَانَ لِلْقُرْآنِ حَافِظًا وعَلى الاحسان محافظا ولقضاء حُقُوق النَّاس ملاحظا وَلم يزل للسُّلْطَان فِي هَذِه الْغَزَوَات ملازما وعَلى قمع جمع الْكفْر عَازِمًا وَلما اشْتَدَّ بِهِ مَرضه اسْتَأْذن فِي الدُّخُول إِلَى دمشق فَمَاتَ بهَا وَدفن فِي جبل قاسيون
قَالَ وَفِي حادي عشر رَمَضَان توفّي بِدِمَشْق القَاضِي
стр. 1432
شرف الدّين بن أبي عصرون ومولده فِي أَوَائِل سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبع مئة فَبلغ عمره ثَلَاثًا وَتِسْعين سنة وَنصفا وأضر قبل وَفَاته مُدَّة عشر سِنِين وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بِدِمَشْق قبالة دَاره بَينهمَا عرض الطَّرِيق وَكَانَ شيخ الْمَذْهَب وَقد ختمت بِهِ الْفتيا وأوحشت غيبته الدّين وَالدُّنْيَا
قَالَ وَفِي تَاسِع ذِي الْقعدَة توفّي الْأَمِير الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى الهكاري فِي الْعَسْكَر بِمَنْزِلَة الخروبة وَكَانَ صَاحب
стр. 1433
أَسد الدّين شيركوه وَمضى مَعَه إِلَى مصر حِين ملكهَا ثمَّ اخْتصَّ بالسلطان بعده وَتَوَلَّى حلّه وعقده وَدرت بوساطته وشفاعته للنَّاس أرزاق وَنقل إِلَى الْقُدس فَدفن بِظَاهِرِهِ وَلَقَد كَانَ من الْأَعْيَان وَمن أهل الْجد فِي نصْرَة الايمان فنقله الله إِلَى الْجنان
قَالَ وَفِي هَذِه السّنة أقطع السُّلْطَان مَمْلُوكه مُجَاهِد الدّين أياز ولَايَة شهرزور وأعمالها وَولى جمال الدّين بن المحسن نقابة الْأَشْرَاف بِدِمَشْق
قَالَ وَفِي عَاشر جُمَادَى الأولى مِنْهَا كَانَ مولد نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الْملك الْعَزِيز بِمصْر الَّذِي أجتمع عَلَيْهِ أَصْحَابه بعد وَفَاة أَبِيه فِي محرم سنة خمس وَتِسْعين وَورد بذلك إِلَى السُّلْطَان جده كتاب كريم فاضلي من مصر نسخته الْمَمْلُوك يقبل الأَرْض بَين يَدي مَوْلَانَا الْملك النَّاصِر دَامَ رشاده وإرشاده وَزَاد سعده وإسعاده وَكَثُرت أولياؤه وَعبيدَة وأعداده وَاشْتَدَّ بإعضاده فيهم اعتضاده وأنمى الله عدده حَتَّى يُقَال هَذَا آدم الْمُلُوك وَهَذِه أَوْلَاده
وَيُنْهِي أَن الله - وَله الْحَمد - رزق الْملك الْعَزِيز - عز نَصره - ولدا مُبَارَكًا عليا ذكرا سويا برا زكيا تقيا نقيا من ذُرِّيَّة كَرِيمَة بَعْضهَا من بعض وَمن بَيت شرِيف كَادَت ولاته تكون وُلَاة فِي السَّمَاء ومماليكه تكون ملوكا فِي الأَرْض وَكَانَ مقدمه الميمون فِي لَيْلَة
стр. 1434
الْأَحَد وَهِي من الْجُمُعَة أولى الْعدَد وَبِه وبآله يعز الله أهل الْجُمُعَة ويذل أهل الْأَحَد ثمَّ ذكر بَاقِي الْكتاب
فصل فِي وُرُود خبر خُرُوج ملك الألمان
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَلما دخل شهر رَمَضَان من سنة خمس وَثَمَانِينَ وصل من حلب كتب من وَلَده الظَّاهِر يخبر فِيهَا أَنه قد صَحَّ أَن ملك الألمان خرج إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي عدَّة عَظِيمَة - قيل مئتا ألف وَقيل مئتان وَسِتُّونَ ألفا - يُرِيد الْبِلَاد الإسلاميه فَاشْتَدَّ ذَلِك على السُّلْطَان وَعظم عَلَيْهِ وَرَأى استنفار النَّاس للْجِهَاد وإعلام خَليفَة الْوَقْت بِهَذِهِ الحادثه فاستندبني لذَلِك وَأَمرَنِي بِالْمَسِيرِ إِلَى صَاحب سنجار وَصَاحب الجزيرة وَصَاحب الْموصل وَصَاحب إربل واستدعائهم إِلَى الْجِهَاد بِأَنْفسِهِم وعساكرهم وَأَمرَنِي بِالْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَاد فسرت حادي عشر رَمَضَان وَيسر الله تَعَالَى الْوُصُول إِلَى الْجَمَاعَة وإبلاغ الرسَالَة إِلَيْهِم فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك بنفوسهم وسير صَاحب الْموصل علأ الدّين ابْنه بمعظم عسكره ووعد الدِّيوَان بِكُل جميل وعدت إِلَيْهِ فِي خَامِس ربيع الأول سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسبقت العساكر وأخبرته بإجابتهم وتأهبهم للمسير فسر بذلك
стр. 1435
وَقَالَ الْعِمَاد فِي كتاب الْفَتْح ونمى الْخَبَر بوصول ملك الألمان إِلَى قسطنطينية فِي ثَلَاث مئة ألف مقَاتل على قصد العبور إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام وَقطع بِلَاد الرّوم والأرمن إِلَى الشَّام وَفِيهِمْ سِتُّونَ ألف فَارس مدرع وَمَعَهُمْ مُلُوك وكنود وكل شَيْطَان لرَبه كنُود
وَكتب صَاحب قلعة الرّوم مقدم الأرمن وَهُوَ فِي قلعته على الْفُرَات وَبَين أهل الذِّمَّة فِي المأمن يُبْدِي تنصحا وإشفاقا وتخوفا على الْبِلَاد واحتراقا وَيقطع أَن الواصلين فِي كَثْرَة وَأَن الناهضين إِلَى طريقهم فِي عَثْرَة وأبرق فِي كِتَابه وأرعد وأبدع فِي خطابه وَأبْعد وَلَا شكّ أَنه إِلَى جنسه النَّجس مائل وبملاءة أهل مِلَّته قَائِل
وَلما وصل هَذَا النبأ وَقيل إِنَّه عَظِيم وَورد هَذَا الْخَبَر وخيل أَنه أَلِيم كَاد النَّاس يضطربون على أَنهم يصدقون ويكذبون وَمن طرف كل حَبل من الرَّأْي يجذبون وَقُلْنَا إِن وضح هَذَا الْخطر وَصَحَّ هَذَا الْخَبَر فالمسلمون يقومُونَ لنا وَلَا يَقْعُدُونَ ويغضبون لله وَلَا يرضون أَنهم لَا يعضدون على أَن الله ناصرنا ومؤازرنا ومظاهرنا
وحققنا بِإِظْهَار الْقُوَّة لمن استوحش التأنيس وبثثنا بالارسال إِلَى بِلَاد الرّوم عيُونا وجواسيس وندبنا رسل الاستنصار وبعثنا كتب الاستنفار إِلَى جَمِيع الْأَمْصَار والأقطار وَقُلْنَا مَا هَذِه الْمرة إِلَّا
стр. 1436
مرّة لَا يسيغها إِلَّا كل مر أبي وَمَا هَذِه الكرة مثل كل كرة وَلَا يحضرها إِلَّا كل كميش كميى
قَالَ وعول السُّلْطَان على إرْسَال القَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد يُوسُف بن رَافع بن تَمِيم ليَكُون كِتَابه إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز مَعَ رَسُول كريم وَقَالَ لَهُ مَا أحتاج أوصِي وَأَنت تستوفي القَوْل وتستقصي وَجعل لَهُ إِلَى كل طرف فِي طَرِيقه رِسَالَة وأودعه إِلَيْهِ مقَالَة
فَسَار وَوصل إِلَى حلب وَالْقَاضِي ضِيَاء الدّين بن الشهرزوري رَسُول السُّلْطَان بِبَغْدَاد قد عَاد وَذكر أَنه قد بلغ المُرَاد فَمَا هَذَا الرَّسُول الرَّائِح وَوصل وَهُوَ مغتاظ وَتغَير عَليّ وَنسب إِنْفَاذ القَاضِي بهاء الدّين إِلَيّ ثمَّ اجْتمع بالسلطان وندمه على مَا قدمه وأعلمه بِمَا عمله وَعلمه وَقَالَ لَهُ الشّغل قد فرغ وَالْقَصْد قد بلغ
وَقرر مَعَ السُّلْطَان أمرا وَعَاد على النجب إِلَى بَغْدَاد وصادف بهَا القَاضِي بهاء الدّين ابْن شَدَّاد فَلم يسفر أَمر سفارته عَن سداد وَقيل جَوَاب مَا أتيت فِيهِ مَعَ ضِيَاء الدّين نسيره ونندبه فِيمَا نتخيره
стр. 1437
وَقَالَ فِي كتاب الْبَرْق وصل الْخَبَر بِخُرُوج ملك الألمان من بِلَاده فِي مئتي ألف دارع وَفِي راجل فِي دَبِيب رجل الدبى فِي عدد رمل اللوى فَأَقَامَ بمحشرهم الْقِيَامَة واستثارهم لثأر كنيستهم بالقدس قمامة وَسَارُوا فِي شهور حَتَّى وصلوا قسطنطينية
وَكَانَ ملك الرّوم يكْتب إِلَيْنَا بأخبارهم ونبأ خُرُوجهمْ من دِيَارهمْ وَيَقُول أَنا لَا أمكنهم من العبور فَلَمَّا جاؤوا لم يقدر على مَنعهم فصد عَنْهُم الأزواد وحرمهم الاسعاد وعبروا الخليج وَقد كثرت أمدادهم وَقلت أَزْوَادهم
وَلما وصلوا إِلَى حُدُود بِلَاد الْإِسْلَام وسلكوا فِي الأودية وَالْآجَام والوهاد والآكام تسلمهم تركمان الأوج وتراكم الثلوج وشتاء الْكلاب فِي كلب الشتَاء واحتاجوا إِلَى أكل الدَّوَابّ وإحراق عَددهمْ لاعواز الأحطاب وعدموا الْعلف وَمَا وجدوا الْخلف ومناهل الزلَال جامدة وهم بالبلاد جاهلون وَمن الْبلَاء ناهلون لَا يقطعون فِي يَوْمَيْنِ فرسخا وَقد أذهب الله عَنْهُم الْبركَة وصعب عَلَيْهِم الْحَرَكَة وَخرج الْأَمر عَن حسابهم وهم كل يَوْم فِي نقص من أنفسهم ودوابهم
стр. 1438
وَكَانُوا يدفنون من أعلاقهم النفيسة وعددهم الْكَرِيمَة الرئيسة مَا يعجزون عَن نَقله وَلَا يخفون يثقله فاتخذوا لأسرارها من أضلاع تِلْكَ الشعاب وصدور تِلْكَ الوهاد والهضاب ضمائر لَا تبوح بهَا أبدا وَلَا تطلع على مكنونها ومدفونها أحدا
هَذَا وبحرهم عباب الموج هباب الفوج فَلَمَّا خلصوا بعد أشهر كَأَنَّهُمْ زخروا بموج سَبْعَة أبحر هَذَا وَقد نقص شطرهم وَانْقطع ظهْرهمْ لكِنهمْ عرضوا فِي سِتِّينَ ألف مدرع مدجج مقنع ذَلِك وَقد باد أَكثر راجلهم وترجل مُعظم أبطال باطلهم وَسَيَأْتِي بَاقِي أخبارهم
قلت وَمن قصيدة للحكيم أبي الْفضل الجلياني
(يَا منقذ الْقُدس من أَيدي جبابرة ... قد أَقْسمُوا بِذِرَاع الرب تدخله)
(فأكذبوا كذبهمْ فِي وصف رَبهم ... وَصدق الْوَعْد مَأْمُونا تحوله)
وَمِنْهَا
(أما رَأَيْت ابْن أَيُّوب اسْتَقل بِمَا ... يعيي الزَّمَان وأهليه تحمله)
(هاج الفرنج وَقد خاروا لفتكته ... فاستنفروا كل مرهوب تغلغله)
(لما سبى الْقُدس قَالُوا كَيفَ نتركها ... والرب فِي حُفْرَة مِنْهَا نمثله)
(فكم مليك لَهُم شقّ الْبحار سرى ... لينصر الْقَبْر والأقدارتخذله)
стр. 1439
(وَكم ترحل مِنْهُم فيلق بفلا ... إِلَى الخوامع أَلْقَاهُ ترحله)
(استصرخوا الْأَهْل والعدوى تمزقهم ... واستكثروا المَال والهيجا تنفله)
(هم الْفراش لهيب الْحَرْب تصرعه ... وَكلما لج صدما جلّ مَقْتَله)
(سيف أَمَام فلسطين بَرى أمما ... خلف الْبحار لقد أمهاه صيقله)
(كم قد أعدُّوا وَكم قد فل جمعهم ... من غير ضرب وَلَا طعن يُزِيلهُ)
(وَإِنَّمَا اسْم صَلَاح الدّين يذكر فِي ... جَيش الْعَدو فيسبيهم تخيله)
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد ﵀ وَالسُّلْطَان مُقيم بعسكره بِمَنْزِلَة الخروبة فِي خيامه المضروبه على الْحَالة المحبوبة وَعِنْده الْعَادِل وَالْأَفْضَل والمظفر وعكا محصورة وانقرضت هَذِه السّنة وَهُوَ على مرابطة المحاصرين لعكا وَاتفقَ فِي اوائل هَذِه السّنة وَقبلهَا انصراف العساكر الغريبة إِلَى بلادها الْبَعِيدَة والقريبة لهجوم الشتَاء وتوالي الأنداء والأنواء وحالت الوحول عَن الرّكُوب وَالنُّزُول وَكَانَت نوب اليزك مترتبة وَالْأَحْوَال متهذبة وَرُبمَا ركب السُّلْطَان يَوْمًا للقنص بالبزاة ثمَّ يعود لانتهاز فرْصَة الْغُزَاة
стр. 1440
ثمَّ وَقعت وقْعَة الرمل وَذَلِكَ أَنه ركب يَوْمًا فِي صفر فتصيد وطاب لَهُ قرب القنص فأبعد واليزكية على الرمل وساحل الْبَحْر فَخرج الفرنج فِي وَقت الْعَصْر فِي عدد لَا يدْخل فِي الْحصْر وتسامع أَصْحَابنَا بهم فزحفوا إِلَيْهِم وحكموا عَلَيْهِم وطردوهم إِلَى خيامهم وَأخذُوا عَلَيْهِم من خَلفهم وأمامهم وَلَهُم فِي كل دفْعَة من الْعَدو قلائع وللفرنج فِي كل كرة على الرمل مصَارِع حَتَّى فني النشاب وَبَقِي الانتشاب
وشاع نِدَاء الْأَصْحَاب باستدعاء النشاب والفرنج لَا يعجزهم إِلَّا الرماء وَلَا يهتكهم إِلَّا الاصماء فَلَمَّا أنسوا بخلو الجعاب تجاسروا على الدنو من تِلْكَ الشعاب وحملوا حَملَة وَاحِدَة ردوا بهَا أَصْحَابنَا إِلَى النَّهر وكادت تعبث بهم يَد الْقَهْر فَثَبت من العادلية فِي وُجُوه الْقَوْم صف مرصوص الْبُنيان وَاسْتشْهدَ جمَاعَة من الشجعان وَذَلِكَ أَنهم لما ردوا الفرنج قلعوا فُرْسَانًا وصرعوا أقرانا فنزلوا بعد فرسهم لسلب لبسهم فمرت بهم الحملة فِي الأوبة وأعجلتهم عَن الرّكْبَة والوثبة وأظلم اللَّيْل وافترق الْجَمْعَانِ وَكثر التأسف على من فقد وَمِنْهُم الْحَاجِب أيدغمش المجدي
следующие страницы →