Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
مرّة لَا يسيغها إِلَّا كل مر أبي وَمَا هَذِه الكرة مثل كل كرة وَلَا يحضرها إِلَّا كل كميش كميى
قَالَ وعول السُّلْطَان على إرْسَال القَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد يُوسُف بن رَافع بن تَمِيم ليَكُون كِتَابه إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز مَعَ رَسُول كريم وَقَالَ لَهُ مَا أحتاج أوصِي وَأَنت تستوفي القَوْل وتستقصي وَجعل لَهُ إِلَى كل طرف فِي طَرِيقه رِسَالَة وأودعه إِلَيْهِ مقَالَة
فَسَار وَوصل إِلَى حلب وَالْقَاضِي ضِيَاء الدّين بن الشهرزوري رَسُول السُّلْطَان بِبَغْدَاد قد عَاد وَذكر أَنه قد بلغ المُرَاد فَمَا هَذَا الرَّسُول الرَّائِح وَوصل وَهُوَ مغتاظ وَتغَير عَليّ وَنسب إِنْفَاذ القَاضِي بهاء الدّين إِلَيّ ثمَّ اجْتمع بالسلطان وندمه على مَا قدمه وأعلمه بِمَا عمله وَعلمه وَقَالَ لَهُ الشّغل قد فرغ وَالْقَصْد قد بلغ
وَقرر مَعَ السُّلْطَان أمرا وَعَاد على النجب إِلَى بَغْدَاد وصادف بهَا القَاضِي بهاء الدّين ابْن شَدَّاد فَلم يسفر أَمر سفارته عَن سداد وَقيل جَوَاب مَا أتيت فِيهِ مَعَ ضِيَاء الدّين نسيره ونندبه فِيمَا نتخيره
стр. 1437
وَقَالَ فِي كتاب الْبَرْق وصل الْخَبَر بِخُرُوج ملك الألمان من بِلَاده فِي مئتي ألف دارع وَفِي راجل فِي دَبِيب رجل الدبى فِي عدد رمل اللوى فَأَقَامَ بمحشرهم الْقِيَامَة واستثارهم لثأر كنيستهم بالقدس قمامة وَسَارُوا فِي شهور حَتَّى وصلوا قسطنطينية
وَكَانَ ملك الرّوم يكْتب إِلَيْنَا بأخبارهم ونبأ خُرُوجهمْ من دِيَارهمْ وَيَقُول أَنا لَا أمكنهم من العبور فَلَمَّا جاؤوا لم يقدر على مَنعهم فصد عَنْهُم الأزواد وحرمهم الاسعاد وعبروا الخليج وَقد كثرت أمدادهم وَقلت أَزْوَادهم
وَلما وصلوا إِلَى حُدُود بِلَاد الْإِسْلَام وسلكوا فِي الأودية وَالْآجَام والوهاد والآكام تسلمهم تركمان الأوج وتراكم الثلوج وشتاء الْكلاب فِي كلب الشتَاء واحتاجوا إِلَى أكل الدَّوَابّ وإحراق عَددهمْ لاعواز الأحطاب وعدموا الْعلف وَمَا وجدوا الْخلف ومناهل الزلَال جامدة وهم بالبلاد جاهلون وَمن الْبلَاء ناهلون لَا يقطعون فِي يَوْمَيْنِ فرسخا وَقد أذهب الله عَنْهُم الْبركَة وصعب عَلَيْهِم الْحَرَكَة وَخرج الْأَمر عَن حسابهم وهم كل يَوْم فِي نقص من أنفسهم ودوابهم
стр. 1438
وَكَانُوا يدفنون من أعلاقهم النفيسة وعددهم الْكَرِيمَة الرئيسة مَا يعجزون عَن نَقله وَلَا يخفون يثقله فاتخذوا لأسرارها من أضلاع تِلْكَ الشعاب وصدور تِلْكَ الوهاد والهضاب ضمائر لَا تبوح بهَا أبدا وَلَا تطلع على مكنونها ومدفونها أحدا
هَذَا وبحرهم عباب الموج هباب الفوج فَلَمَّا خلصوا بعد أشهر كَأَنَّهُمْ زخروا بموج سَبْعَة أبحر هَذَا وَقد نقص شطرهم وَانْقطع ظهْرهمْ لكِنهمْ عرضوا فِي سِتِّينَ ألف مدرع مدجج مقنع ذَلِك وَقد باد أَكثر راجلهم وترجل مُعظم أبطال باطلهم وَسَيَأْتِي بَاقِي أخبارهم
قلت وَمن قصيدة للحكيم أبي الْفضل الجلياني
(يَا منقذ الْقُدس من أَيدي جبابرة ... قد أَقْسمُوا بِذِرَاع الرب تدخله)
(فأكذبوا كذبهمْ فِي وصف رَبهم ... وَصدق الْوَعْد مَأْمُونا تحوله)
وَمِنْهَا
(أما رَأَيْت ابْن أَيُّوب اسْتَقل بِمَا ... يعيي الزَّمَان وأهليه تحمله)
(هاج الفرنج وَقد خاروا لفتكته ... فاستنفروا كل مرهوب تغلغله)
(لما سبى الْقُدس قَالُوا كَيفَ نتركها ... والرب فِي حُفْرَة مِنْهَا نمثله)
(فكم مليك لَهُم شقّ الْبحار سرى ... لينصر الْقَبْر والأقدارتخذله)
стр. 1439
(وَكم ترحل مِنْهُم فيلق بفلا ... إِلَى الخوامع أَلْقَاهُ ترحله)
(استصرخوا الْأَهْل والعدوى تمزقهم ... واستكثروا المَال والهيجا تنفله)
(هم الْفراش لهيب الْحَرْب تصرعه ... وَكلما لج صدما جلّ مَقْتَله)
(سيف أَمَام فلسطين بَرى أمما ... خلف الْبحار لقد أمهاه صيقله)
(كم قد أعدُّوا وَكم قد فل جمعهم ... من غير ضرب وَلَا طعن يُزِيلهُ)
(وَإِنَّمَا اسْم صَلَاح الدّين يذكر فِي ... جَيش الْعَدو فيسبيهم تخيله)
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد ﵀ وَالسُّلْطَان مُقيم بعسكره بِمَنْزِلَة الخروبة فِي خيامه المضروبه على الْحَالة المحبوبة وَعِنْده الْعَادِل وَالْأَفْضَل والمظفر وعكا محصورة وانقرضت هَذِه السّنة وَهُوَ على مرابطة المحاصرين لعكا وَاتفقَ فِي اوائل هَذِه السّنة وَقبلهَا انصراف العساكر الغريبة إِلَى بلادها الْبَعِيدَة والقريبة لهجوم الشتَاء وتوالي الأنداء والأنواء وحالت الوحول عَن الرّكُوب وَالنُّزُول وَكَانَت نوب اليزك مترتبة وَالْأَحْوَال متهذبة وَرُبمَا ركب السُّلْطَان يَوْمًا للقنص بالبزاة ثمَّ يعود لانتهاز فرْصَة الْغُزَاة
стр. 1440
ثمَّ وَقعت وقْعَة الرمل وَذَلِكَ أَنه ركب يَوْمًا فِي صفر فتصيد وطاب لَهُ قرب القنص فأبعد واليزكية على الرمل وساحل الْبَحْر فَخرج الفرنج فِي وَقت الْعَصْر فِي عدد لَا يدْخل فِي الْحصْر وتسامع أَصْحَابنَا بهم فزحفوا إِلَيْهِم وحكموا عَلَيْهِم وطردوهم إِلَى خيامهم وَأخذُوا عَلَيْهِم من خَلفهم وأمامهم وَلَهُم فِي كل دفْعَة من الْعَدو قلائع وللفرنج فِي كل كرة على الرمل مصَارِع حَتَّى فني النشاب وَبَقِي الانتشاب
وشاع نِدَاء الْأَصْحَاب باستدعاء النشاب والفرنج لَا يعجزهم إِلَّا الرماء وَلَا يهتكهم إِلَّا الاصماء فَلَمَّا أنسوا بخلو الجعاب تجاسروا على الدنو من تِلْكَ الشعاب وحملوا حَملَة وَاحِدَة ردوا بهَا أَصْحَابنَا إِلَى النَّهر وكادت تعبث بهم يَد الْقَهْر فَثَبت من العادلية فِي وُجُوه الْقَوْم صف مرصوص الْبُنيان وَاسْتشْهدَ جمَاعَة من الشجعان وَذَلِكَ أَنهم لما ردوا الفرنج قلعوا فُرْسَانًا وصرعوا أقرانا فنزلوا بعد فرسهم لسلب لبسهم فمرت بهم الحملة فِي الأوبة وأعجلتهم عَن الرّكْبَة والوثبة وأظلم اللَّيْل وافترق الْجَمْعَانِ وَكثر التأسف على من فقد وَمِنْهُم الْحَاجِب أيدغمش المجدي
стр. 1441
قَالَ وَمن عجائب هَذِه الْوَقْعَة أَن مَمْلُوكا للسُّلْطَان يُقَال لَهُ سراسنقر عثر بِهِ جَوَاده فَقبض من أسره شعره ليجذبه وسل آخر سَيْفه ليضربه فَضرب يَد قَابض شعره فسيبه وَاشْتَدَّ سراسنقر يعدو وهم خَلفه فَلم يدركوه وَعَاد السُّلْطَان من الصَّيْد وَقد انْفَصل الْأَمر
قَالَ وَفِي يَوْم الْأَحَد خَامِس عشر ربيع الأول تسلم شقيف أرنون بالأمان وَكَانَ الْحصار قد اسْتمرّ عَلَيْهِ حَتَّى فني زَاده وَصَاحبه أرناط فِي الْأسر فسلمه بخلاصه وَصَارَ إِلَى صور
قَالَ واغتنم السُّلْطَان هيجان البحروحضور مراكب الأسطول من مصر فَمَا زَالَ يُقَوي عكا بتسيير الغلات والقوات إِلَيْهَا فِي المراكب وملأها بالذخائر والأسلحة والكماة فَلَمَّا سكن البحرعادت مراكب الفرنج إِلَى مراسيها ودبت عقاربها وأفاعيها وشدت مراكبنا فِي موانيها وَانْقطع خبر الْبَلَد وَامْتنع عَلَيْهِ دُخُول المدد فَانْتدبَ الْعَوام بالسباحة وَحَملهمْ على ذَلِك من السُّلْطَان السماحة حَتَّى صَارُوا يحملون نفقات الأجناد على أوساطهم ويخاطرون بِأَنْفسِهِم مَعَ احتياطهم ويحملون كتبا وطيورا ويعودون بكتب وطيور ونكتب ويكتبون إِلَيْهِم إِلَيْنَا على أَجْنِحَة الْحمام بالترجمة المصطلح عَلَيْهَا
وَكَانَ فِي الْعَسْكَر من اتخذ حَماما يطوف على خيمته وَينزل فِي مَنْزِلَته وَعمل لَهَا برجا من خشب وهوادي من قصب
стр. 1442
ويدرجها على الطيران من الْبعد وَكُنَّا نقُول مَا لهَذَا الولع بِمَا لَا ينفع حَتَّى جَاءَت نوبَة عكا فنفعت وشفت الغليل ونقعت وَأَتَتْ بالكتب سارحة شارحة وَكُنَّا نطلبها مِنْهُ مَعَ اللَّيْل وَالنَّهَار حَتَّى قل وجودهَا عِنْده لِكَثْرَة الارسال وَلَقَد عطب عوامون فَمَا ارتدع الْبَاقُونَ وَمِنْهُم من سلم مرَارًا من الْقَوْم فاجترأ وَأنس بالعوم
فصل فِي قدوم الْمُلُوك وحريق الأبراج
قَالَ الْعِمَاد وَلما انْقَضى الشتَاء وَانْفَتح الْبَحْر وحان زمَان الْقِتَال جَاءَت العساكر الإسلامية من الْبِلَاد فَكَانَ أول من وصل الْملك الْمُجَاهِد أَسد الدّين شيركوه صَاحب حمص والرحبة وسابق الدّين عُثْمَان صَاحب شيزر وَعز الدّين إِبْرَاهِيم بن الْمُقدم ووفد مَعَهم جموع من الأجناد والأعيان وحشود من الْعَرَب والتركمان
فَرَحل السُّلْطَان وَتقدم وعزم على طلب الْعَدو وصمم وَنزل على تل كيسَان يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن عشر ربيع الأول ورتب عسكره فَكَانَ تَقِيّ الدّين فِي آخر الميمنة والعادل فِي آخر
стр. 1443
الميسرة وَالْأَفْضَل فِي أول ميمنة الْقلب وَأَخُوهُ الظافر فِي أول الميسرة على الْجنب
ثمَّ وصل الظَّاهِر فِي عَسَاكِر حلب وعماد الدّين مَحْمُود بن بهْرَام الأرتقي صَاحب دَارا وَغَيرهم من الْمُلُوك والمقاتلين وَوصل رَسُول الْخَلِيفَة يَوْم الِاثْنَيْنِ سادس عشر ربيع الأول وَهُوَ الشريف فَخر الدّين نقيب مشْهد بَاب التِّبْن بِبَغْدَاد وَوصل مَعَه حملان من النفط الطيار وحملان من القنا الخطار وتوقيع بِعشْرين ألف دِينَار يقترض على الدِّيوَان الْعَزِيز من التُّجَّار وَخَمْسَة من الزراقين النفاطين المتقنين صناعَة الاحراق بالنَّار فاعتد السُّلْطَان بِكُل مَا أحضرهُ وأخلص الدُّعَاء للديوان الْعَزِيز وشكره غير أَنه أبدى رد التوقيع وَقَالَ كل مَا معي من نعْمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَوْلَا صرف أَمْوَال هَذِه الْبِلَاد إِلَى الْجِهَاد لكَانَتْ مَحْمُولَة إِلَى الدِّيوَان
وأركب الرَّسُول مَعَه مرَارًا وَأرَاهُ مبارك النزال ومعارك الْقِتَال حَتَّى يشْهد بِمَا يُشَاهد ويتبين لَهُ الْمُجْتَهد والمجاهد وَأقَام طَويلا ثمَّ اسْتَأْذن فِي الْعود فَرجع
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد قبل السُّلْطَان جَمِيع مَا وصل مَعَ الرَّسُول واستعفى من الرقعة والتثقيل بهَا
قَالَ وَفِي ذَلِك الْيَوْم بلغ السُّلْطَان أَن الفرنج قد زحفوا على
стр. 1444
الْبَلَد وضايقوه فَركب إِلَيْهِم ليشغلهم بِالْقِتَالِ عَن الْبَلَد فَقَاتلهُمْ قتالا شَدِيدا إِلَى اللَّيْل وَخَافَ السُّلْطَان أَن يهجم الْعَدو الْبَلَد فانتقل إِلَى تل الحجل فِي خَامِس عشر ربيع الأول للقرب
قَالَ وَفِي صَبِيحَة هَذَا الْيَوْم وصل من الْبَلَد عوام مَعَه كتب تَتَضَمَّن أَنه قد طم الْعَدو بعض الخَنْدَق وَقد قوي عزم الْعَدو على منازلة الْبَلَد ومضايقته فجدد السُّلْطَان الْكتب إِلَى العساكر بالحث على الْوُصُول
وَفِي سحر لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشري ربيع الأول وصل وَلَده الظَّاهِر وَفِي آخر ذَلِك الْيَوْم وصل مظفر الدّين وَكَانَ السُّلْطَان ﵀ مَا تقدم عَلَيْهِ عَسْكَر إِلَّا ويعرضهم ويسير بهم إِلَى الْعَدو وَينزل بهم فِي خيمته ويمد لَهُم الطَّعَام وينعم عَلَيْهِم بِمَا تطيب بِهِ قُلُوبهم إِذا كَانُوا أجانب ثمَّ تضرب خيامهم حَيْثُ يَأْمر وينزلون بهَا مكرمين
قَالَ وَكَانَ الْعَدو قد اصْطنع ثَلَاثَة أبرجه من خشب وحديد وألبسها الْجُلُود المسقاة بالخل على مَا ذكر بِحَيْثُ لَا تنفذ فِيهَا النيرَان وَكَانَت هَذِه الأبراج كَأَنَّهَا الْجبَال نشاهدها من مواضعنا عالية على الأسوار وَهِي مركبة على عجل يسع الْوَاحِد مِنْهَا من الْمُقَاتلَة مَا يزِيد على خمس مئة نفر على مَا قيل ويتسع سطحه لِأَن
стр. 1445
ينصب عَلَيْهِ منجنيق وَكَانَ ذَلِك قد عمل فِي قُلُوب الْمُسلمين وأودعها من الْخَوْف على الْبَلَد مَالا يُمكن شَرحه وأيس النَّاس من الْبَلَد بِالْكُلِّيَّةِ وتقطعت قُلُوب الْمُقَاتلَة فِيهِ وَكَانَ قد فرغ عَملهَا وَلم يبْق إِلَّا جرها إِلَى قريب السُّور
وَكَانَ السُّلْطَان ﵀ قد أعمل فكرة فِي إحراقها وإهلاكها وَجمع الصناع من الزراقين والنفاطين وباحثهم فِي الِاجْتِهَاد فِي إحراقها وَوَعدهمْ عَلَيْهِ بالأموال الطائلة والعطايا الجزيلة وَضَاقَتْ حيلهم عَن ذَلِك
وَكَانَ من جملَة من حضر شَاب نُحَاس دمشقي فَذكر أَن لَهُ صناعَة فِي إحراقها وَأَنه إِن مكن من الدُّخُول إِلَى عكا وَحصل لَهُ الْأَدْوِيَة الَّتِي يعرفهَا أحرقها
فَحصل لَهُ جَمِيع مَا طلبه وَدخل إِلَى عكا وطبخ تِلْكَ الْأَدْوِيَة مَعَ النفط فِي قدور من النّحاس حَتَّى صَار الْجَمِيع كَأَنَّهُ جَمْرَة نَار ثمَّ ضرب البرج الْوَاحِد يَوْم وُصُول الْملك الظَّاهِر بقدرفاشتعل من سَاعَته وَوَقته وَصَارَ كالجبل الْعَظِيم من النَّار طالعة ذؤابته نَحْو السَّمَاء فاستغاث الْمُسلمُونَ بالتهليل وَالتَّكْبِير وغلبهم الْفَرح حَتَّى كَادَت عُقُولهمْ تذْهب فَبَيْنَمَا النَّاس ينظرُونَ ويتعجبون إِذْ رمى البرج الثَّانِي بِالْقُدْرَةِ الثَّانِيَة وَالثَّالِث بالثالثة فاحترقا كَالْأولِ
стр. 1446
وَركب السُّلْطَان والعساكر وَسَار إِلَيْهِم وانتظرأن يخرجُوا فيناجزهم عملا بقوله ﷺ من فتح لَهُ بَاب خير فلينتهزه فَلم يظْهر الْعَدو من خيامهم وَحَال بَين الطَّائِفَتَيْنِ اللَّيْل وَاسْتمرّ ركُوب السُّلْطَان إِلَيْهِم فِي كل يَوْم وَطلب نزالهم وقتالهم وهم لَا يخرجُون من خيامهم لعلمهم بتباشير النَّصْر وَالظفر بهم والعساكر الإسلامية تتواتر وتتواصل فوصل فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الآخر عماد الدّين زنكي بن مودود بن زنكي صَاحب سنجار وَهُوَ ابْن أخي نور الدّين ﵀ وصهره زوج ابْنَته فَلَقِيَهُ السُّلْطَان بالاحترام والتعظيم ورتب لَهُ الْعَسْكَر فِي لِقَائِه وَسَار بِهِ حَتَّى وَقفه على الْعَدو وَعَاد مَعَه إِلَى خيمته وأنزله عِنْده
وَكَانَ صنع لَهُ طَعَاما لائقا بذلك الْيَوْم فَحَضَرَ هُوَ وَجَمِيع أَصْحَابه وَقدم لَهُ من التحف واللطائف مَا لَا يقدر عَلَيْهِ غَيره وَكَانَ قد أكْرمه بِحَيْثُ طرح لَهُ طراحة مُسْتَقلَّة إِلَى جَانِبه وَبسط لَهُ ثوبا اطلس عِنْد دُخُوله وَضربت خيمته على طرف الميسرة على جَانب النَّهر
وَفِي سَابِع جُمَادَى الأولى وصل ابْن أَخِيه صَاحب الجزيرة معز الدّين سنجر شاه بن سيف الدّين غَازِي بن مودود بن زنكي فَلَقِيَهُ السُّلْطَان وأنزله إِلَى جَانب عَمه عماد الدّين
стр. 1447
وَفِي تَاسِع جُمَادَى الأولى وصل ابْن صَاحب الْموصل وَهُوَ عَلَاء الدّين خرم شاه بن عز الدّين مَسْعُود بن مودود بن زنكي نَائِبا عَن أَبِيه ففرح السُّلْطَان بِهِ فَرحا شَدِيدا وتلقاه عَن بعيد هُوَ وَأَهله وَاسْتحْسن أدبه واستنجبه وأنزله عِنْده فِي الْخَيْمَة وكارمه مكارمة عَظِيمَة وَقدم لَهُ تحفا حَسَنَة وَأمر بِضَرْب خيمته بَين ولديه الْأَفْضَل وَالظَّاهِر
وَفِي أَوَاخِر الشَّهْر وصل صَاحب إربل زين الدّين يُوسُف بن زين الدّين عَليّ فَأكْرمه السُّلْطَان وأنزله عِنْد أَخِيه مظفر الدّين يَعْنِي فِي الميسرة
وَذكر الْعِمَاد قدوم هَؤُلَاءِ الْمُلُوك بِمَعْنى مَا تقدم قَالَ وَكَانَ الفرنج مذ نزلُوا على عكا صمموا على الْإِقَامَة والحصر فشرعوا فِي بِنَاء الأبراج الْعِظَام الْعَالِيَة ونقلوا فِي الْبَحْر آلاتها وأخشابها الجافية وأقطاع الْحَدِيد وبنوا ثَلَاثَة أبراج عالية فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع من أقطار الْبَلَد فتعبوا فِيهَا سَبْعَة أشهر فَلم يفرغوا مِنْهَا إِلَّا فِي ربيع الأول فعلت كَأَنَّهَا ثَلَاثَة أطواد قد ملئت طبقاتها بِعَدَد وأعداد وكل برج لَا بُد لَهُ فِي أَرْكَانه من أَربع أسطوانات عاليات غِلَاظ جافيات طول كل وَاحِدَة خَمْسُونَ ذِرَاعا ليشرف على ارْتِفَاع سور الْبَلَد وبسطوها على دوائر الْعجل ثمَّ كسوها بعد الْحَدِيد والوثوق الشَّديد بجلود الْبَقر والسلوخ وكل يَوْم يقربونها
стр. 1448
وَلَو ذِرَاعا على حسب التَّيْسِير فِي تيسيرها وسقوها بالخل وَالْخمر وكشفوا من جوانبها الثَّلَاثَة سور الْبَلَد وشرعوا فِي طم الخَنْدَق
وَجَاء عوام من عكا فَأخْبر السُّلْطَان فَركب بالعسكر ولازمهم من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة يقاتلهم صباحا وَمَسَاء ليشغلهم فافترقوا قسمَيْنِ فريق لِلْقِتَالِ وفريق آخر مَعَ الأبراج فأشفى الْبَلَد وَبَقِي لَهُ رَمق ضَعِيف ورميت الأبراج بِكُل قَارُورَة نفط فَمَا أثرت
وَلم نشعر يَوْم السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من ربيع الأول بالأبراج إِلَّا وَقد اشتعلت والتهبت وَوَقعت وَكَانَت آيَة من قدرَة الله تَعَالَى ظَهرت وَذَلِكَ أَنه كَانَ بعكا شَاب من أهل دمشق يعرف بعلي ابْن عريف النحاسين وَكَانَ أبدا بِجمع آلَات الزراقين مُولَعا ولتحصيل عقاقيرها متتبعا وكل من عرفه عذله وينكر عمله وَكَانَ قد ألف مِنْهَا مقادير وقدورا وملأ بغيظ من أهل تِلْكَ الصِّنَاعَة صدورا وَلم يكن النفط من صناعته وَلَكِن الله وَفقه لسعادته
فَلَمَّا كَانَ يَوْم حريقها جَاءَ إِلَى أَمِير قراقوش وَهُوَ مغتاظ وأخلاقه فظاظ غِلَاظ وَقَالَ تَأذن لي فِي تصويب المنجنيق لأحرق البروج وَالله ولي التَّوْفِيق
فزجره وزبره وَنَهَاهُ ونهره وَقَالَ صناع هَذَا الشّغل قد
стр. 1449
خاروا وحاروا وَبَعْدَمَا أنجدوا غاروا فَقَالَ النَّاس دَعه وشأنه وَمَا يدْريك أَن الله وَفقه وأعانه
فَرمى ابْن العريف البرج الأول قدور نفط خَالِيَة من نَار حَتَّى عرف أَنه سقَاهُ وَرَوَاهُ ثمَّ رَمَاه بِقدر محرقة وأردفها بِأُخْرَى مزهقة فتسلطت النَّار على طبقاتها فأضرم على أهل السعير سعيرا وَكَانَ يَوْمًا على الْكَافرين عسيرا
ثمَّ أحرق الثَّانِي وَالثَّالِث فَاجْتمع عَلَيْهِ الْأَصْحَاب يفدونه وَمن أَوْلِيَاء الله يعدونه وَحَمَلُوهُ بعد ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فَلم يقبل عَطاء وَقَالَ عملته لله فَمَا أُرِيد بِهِ سواهُ جَزَاء وَقيل احْتَرَقَ فِي البرج الأول سَبْعُونَ فَارِسًا بعدتها فحبطت أَعْمَالهم وخابت آمالهم وَخرج رجالنا من الْبَلَد فنظفوا الخَنْدَق وسدوا الثغر وأظهروا الْقدر بِظُهُور الْقدر وجاؤوا إِلَى مَوَاضِع الأبراج وأماكنها وَاسْتَخْرَجُوا الْحَدِيد من مكامنها ونبشوا الرماد عَن الزرديات الَّتِي انسبكت وكشفوا عَن الستائر الَّتِي تهتكت فَأخذُوا مَا وجدوا وحصلوا مَا نشدوا
стр. 1450
قَالَ وَكَانَ السُّلْطَان قد كتب بالاستظهار من شواني الأسطول والاسراع بِهِ فِي الْوُصُول فوصل الْخَبَر بوصوله يَوْم الْخَمِيس ثامن الشَّهْر فاستظهر بِهِ الأسطول الأول الَّذِي بالثغر فَركب السُّلْطَان بِجَمِيعِ كتائبه وأحاط بالْكفْر من جَمِيع جوانبه واشتغل الفرنج عَنَّا بِمَا دهمهم فِي الْبَحْر فجدوا فِي الْأَمر وجهزوا أسطولا بِعَدَد الرِّجَال وَعدد الْقِتَال وَخرج لتلقي الأسطول الْوَاصِل وَقَابَلُوا الْحق بِالْبَاطِلِ وَجَاءَت شواني الْمُسلمين فنطحت وطحنت وَأخذت مركبا لِلْعَدو بِرِجَالِهِ وَأخذُوا لنا قِطْعَة وَمَا زَالَت الْحَرْب قرعَة وقرعة وصرعة وصرعة حَتَّى دخل اللَّيْل فتحاجز الْفَرِيقَانِ وتفرق الأسطولان وَكَانَت المقتلة فِي الْكفْر شَدِيدَة والسطوة مبيدة
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَلما كَانَ ظهيرة يَوْم وُصُول عَلَاء الدّين ابْن صَاحب الْموصل ظَهرت فِي الْبَحْر قلوع كَثِيرَة وَكَانَ ﵀ فِي نظرة وُصُول الأسطول من مصر فَإِنَّهُ كَانَ قد أَمر بتعميره ووصوله فَعلم أَنه هُوَ فَركب وَالنَّاس فِي خدمته وتعبى تعبية الْقِتَال وَقصد مضايقة الْعَدو ليشغله عَن قصد الأسطول
وَلما علم الْعَدو بالأسطول استعد لَهُ وَعمر أسطوله لقتاله وَمنعه من دُخُول عكا
стр. 1451
وَخرج أسطول الْعَدو وَاشْتَدَّ السُّلْطَان فِي قِتَالهمْ من خَارج وَسَار النَّاس على جَانب الْبَحْر تَقْوِيَة للأسطول وايناسا لَهُ ولرجاله والتقى الأسطولان فِي الْبَحْر والعسكران فِي الْبر واضطرمت نَار الْحَرْب واستعرت وَبَاعَ كل فريق روحه براحته الأخروية وَجرى قتال شَدِيد أقشع عَن نصْرَة الأسطول الإسلامي وَأخذ مِنْهُ شيني وَقتل من بِهِ وَنهب جَمِيع مَا فِيهِ وظفر من الْعَدو بمركب أَيْضا كَانَ واصلا من قسطنطينية وَدخل الأسطول الْمَنْصُور إِلَى عكا وَكَانَ قد صَحبه مراكب من السَّاحِل فِيهَا مير وذخائر وَطَابَتْ قُلُوب أهل الْبَلَد بذلك وانشرحت صُدُورهمْ فَإِن الضائقة كَانَت قد أخذت مِنْهُم
واتصل الْقِتَال بَين العسكرين من خَارج الْبَلَد إِلَى أَن فصل بَينهمَا اللَّيْل وَعَاد كل فريق إِلَى خيمه وَقد قتل من عَدو الله وجرح فِي ذَلِك الْيَوْم خلق عَظِيم فَإِنَّهُم قَاتلُوا فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع فَإِن أهل الْبَلَد اشتدوا فِي قِتَالهمْ ليشغلوهم عَن الأسطول أَيْضا والأسطولان يتقاتلان والعسكر من الْبر يقاتلهم وَكَانَ النَّصْر بِحَمْد الله للْمُسلمين
قَالَ الْعِمَاد وقتلنا مِنْهُم مُدَّة مقامنا على عكا فِي سنتَيْن أَكثر من سِتِّينَ ألف وزرناهم بِكُل حتف وَكلما بادوا فِي الْبر زادوا من
стр. 1452
الْبَحْر وَكم جسروا فخسروا وَقتلُوا وأسروا وهزموا وكسروا وخلفهم خلف وَيقوم مقَام مئتهم ألف وَقد أفنينا أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وقطعنا أَرْزَاقهم ووصلنا آجالهم
فصل فِيمَا كَانَ من أَمر ملك الألمان
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد ثمَّ تواصلت الْأَخْبَار بوصول ملك الألمان إِلَى بِلَاد قليج أرسلان وَأَنه انتهض للقائه جمع عَظِيم من التركمان وقصدوا مَنعه من عبور النَّهر وَأَنه أعجزهم لِكَثْرَة خلقه وَعدم مقدم لَهُم يجمع كلمتهم وَكَانَ قليج أرسلان يظْهر شقاقه وَهُوَ فِي الْبَاطِن قد أضمر وفاقه ثمَّ لما عبر إِلَى الْبِلَاد أظهر مَا كَانَ أضمره وَوَافَقَهُ وَأَعْطَاهُ رهائن مَعَه على أَنه ينفذ مَعَه من يوصله إِلَى بِلَاد ابْن لاون وأنفذ مَعَه أَدِلَّة يدلون بِهِ وعراهم فِي الطَّرِيق جوع عَظِيم وأعوزهم الزَّاد وَقل بهم الظّهْر حَتَّى إِنَّهُم ألقوا بعض أقمشتهم
وَلَقَد بلغنَا وَالله أعلم أَنهم جمعُوا عددا كَثِيرَة من زرديات وخوذ وآلات وَسلَاح عجزوا عَن حملهَا وجعلوها بيدرا وَاحِدًا وأضرموا فِيهَا النَّار لتتلف وَلَا ينْتَفع بهَا أحد وَأَنَّهَا بقيت بعد ذَلِك رابية من حَدِيد
وَسَارُوا على هَذِه الْحَال حَتَّى وصلوا إِلَى طرسوس فأقاموا على نهر ليعبروه وَأَن ملكهم الملعون عَن لَهُ أَن يسبح فِيهِ وَكَانَ
стр. 1453
مَاء شَدِيد الْبرد وَكَانَ ذَلِك عقيب مَا ناله من التَّعَب وَأَنه عرض لَهُ بِسَبَب ذَلِك مرض عَظِيم اشْتَدَّ بِهِ إِلَى أَن قَتله وَلما رأى مَا حل بِهِ أوصى إِلَى ابْنه الَّذِي كَانَ فِي صحبته
وَلما مَاتَ أَجمعُوا رَأْيهمْ على أَنهم سلقوه فِي خل وجمعوا عِظَامه فِي كيس حَتَّى يحملوه إِلَى الْقُدس الشريف ويدفنوه فِيهِ وترتب ابْنه مَكَانَهُ على خلف من أَصْحَابه فَإِن وَلَده الْأَكْبَر كَانَ خَلفه فِي بِلَاده وَكَانَ جمَاعَة من أَصْحَابه يميلون إِلَيْهِ واستقرت قدم وَلَده الْحَاضِر فِي تقدمه فِي الْعَسْكَر
وَلما أحس لافون بِمَا جرى عَلَيْهِم من الْخلَل وَمَا حل بهم من الْجُوع وَالْمَوْت والضعف بِسَبَب موت ملكهم مَا رأى أَن يلقِي نَفسه بَينهم فانه لَا يعلم كَيفَ يكون الْأَمر وهم فرنج وَهُوَ أرمني فاعتصم عَنْهُم فِي بعض قلاعه المنيعة
وَلَقَد وصل إِلَى السُّلْطَان كتاب الكاغيكوس وَهُوَ مقدم الأرمن وهوصاحب قلعة الرّوم الَّتِي على طرف الْفُرَات وَمعنى هَذَا الِاسْم الْخَلِيفَة ونسخة الْكتاب كتاب الدَّاعِي المخلص الكاغيكوس مِمَّا أطالع بِهِ عُلُوم مَوْلَانَا ومالكنا السُّلْطَان الْملك النَّاصِر جَامع كلمة الايمان رَافع علم الْعدْل والاحسان صَلَاح الدُّنْيَا وَالدّين سُلْطَان الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين من أَمر ملك الألمان
стр. 1454
وَمَا جرى لَهُ عِنْد ظُهُوره وَذَلِكَ أَنه أول مَا خرج من دياره دخل بِلَاد الهنكر غصبا ثمَّ دخل أَرض مقدم الرّوم وَفتح الْبِلَاد ونهبها وأحوج ملك الرّوم إِلَى أَن أطاعه وَأخذ رهائنه وَلَده وأخاه وَأَرْبَعين نَفرا من خلصائه وَأخذ مِنْهُ خمسين قِنْطَارًا ذَهَبا وَخمسين قِنْطَارًا فضَّة وَثيَاب طلس مبلغا عَظِيما واغتصب المراكب وعدى بهَا إِلَى هَذَا الْجَانِب وصحبته الرهائن إِلَى أَن دخل حُدُود بِلَاد الْملك قليج أرسلان ورد الرهائن وَبَقِي ثَلَاثَة أَيَّام سائرا وتركمان الأوج يلقونه بالأغنام والأبقار وَالْخَيْل والبضائع فتداخلهم الطمع وجمعوا من جَمِيع الْبِلَاد
وَوَقع الْقِتَال بَين التركمان وَبينهمْ وضايقوه ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَهُوَ سَائِر وَلما قرب من قونية جمع قطب الدّين ولد قليج أرسلان العساكر وقصده وَضرب مَعَه مصافا عَظِيما فظفر بِهِ ملك الألمان وكسره كسرة عَظِيمَة وَسَار حَتَّى أشرف على قونية فَخرج إِلَيْهِ جموع عَظِيمَة من الْمُسلمين فردهم مكسورين وهجم قونية بِالسَّيْفِ وَقتل مِنْهَا عَالما عَظِيما من الْمُسلمين وَالْفرس وَأقَام بهَا خَمْسَة أَيَّام فَطلب قليج أرسلان مِنْهُ الْأمان فَأَمنهُ الْملك وَاسْتقر بَينهم قَاعِدَة أكيدة وَأخذ مِنْهُ الْملك رهائن عشْرين من أكَابِر دولته وَأَشَارَ على الْملك أَن يَجْعَل طَرِيقه على طرسوس والمصيصة فَفعل
وَقبل وُصُوله إِلَى هَذِه الْبِلَاد نفذ كِتَابه وَرَسُوله يشْرَح حَاله
стр. 1455
وَأَيْنَ قَصده وَمَا لقِيه فِي طَرِيقه وَأَنه لابد مجتاز بِهَذِهِ الْبِلَاد اخْتِيَارا أَو كرها فَاقْتضى الْحَال انفاذ الْمَمْلُوك خَاتم وصحبته مَا سَأَلَ وَمَعَهُ من الْخَواص جمَاعَة للقاء الْملك فِي جَوَاب كِتَابه وَكَانَت الْوَصِيَّة مَعَهم أَن يحرفوه عَن بِلَاد قليج أرسلان إِن أمكن
فَلَمَّا اجْتَمعُوا بِالْملكِ الْكَبِير وأعادوا عَلَيْهِ الْجَواب وعرفوه الْأَحْوَال أَبى الانحراف ثمَّ كثر عَلَيْهِ العساكر والجموع وَنزل على شط بعض الْأَنْهُر وَأكل خبْزًا ونام سَاعَة وانتبه فتاقت نَفسه إِلَى الاستحمام فِي المَاء الْبَارِد فَفعل ذَلِك وَخرج وَكَانَ أَمر الله أَنه تحرّك عَلَيْهِ مرض عَظِيم من المَاء الْبَارِد فَمَكثَ أَيَّامًا قَلَائِل وَمَات
وَأما لافون فَكَانَ سائرا يلتقي الْملك فَلَمَّا جرى هَذَا المجرى هرب الرُّسُل من الْعَسْكَر وتقدموا إِلَيْهِ وَأَخْبرُوهُ بِالْحَال فَدخل فِي بعض حصونه واحتمى هُنَاكَ
وَأما ابْن الْملك فَكَانَ أَبوهُ مُنْذُ توجه لقصد هَذِه الديار نصب وَلَده الَّذِي مَعَه عوضه وتأطدت قَوَاعِده وبلغه هرب رسل لافون فأنفذ واستعطفهم وأحضرهم وَقَالَ إِن أبي كَانَ شَيخا كَبِيرا وَإِنَّمَا قصد هَذِه الديار لأجل حج بَيت الْمُقَدّس وَأَنا الَّذِي دبرت الْملك وعانيت المشاق فِي هَذِه الطَّرِيق فَمن أَطَاعَنِي وَإِلَّا بدأت بِقصد دياره
стр. 1456
واستعطف لافون وَاقْتضى الْحَال الِاجْتِمَاع بِهِ ضَرُورَة وَفِي الْجُمْلَة هم فِي عدد كثير وَلَقَد عرض عسكره فَكَانَ فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين ألف مجفجف وَأما الرجالة فَلَا يُحْصى عَددهمْ وهم أَجنَاس متفاوته وَخلق غَرِيبَة وهم على قصد عَظِيم وجد فِي أَمرهم وسياسة هائلة حَتَّى إِن من جنى مِنْهُم جِنَايَة لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا أَن يذبح مثل الشَّاة
وَلَقَد بَلغهُمْ أَن بعض اكابرهم أَنه جنى على غُلَام لَهُ وَجَاوَزَ الْحَد فِي ضربه فاجتمعت القسوس للْحكم عَلَيْهِ فَاقْتضى الْحَال وَالْحكم الْعَام ذبحه وشفع إِلَى الْملك مِنْهُم خلق عَظِيم فَلم يلْتَفت إِلَى ذَلِك وذبحه
وَقد حرمُوا الملاذ على أنفسهم حَتَّى إِن من بَلغهُمْ عَنهُ بُلُوغ لَذَّة هجروه وعزروه وكل ذَلِك كَانَ حزنا على بَيت الْمُقَدّس وَلَقَد صَحَّ عَن جمع مِنْهُم أَنهم هجروا الثِّيَاب مُدَّة طَوِيلَة وحرموها على أنفسهم وَلم يلبسوا إِلَّا الْحَدِيد حَتَّى أنكر عَلَيْهِم الأكابر ذَلِك وهم من الصَّبْر على الذل والشقاء والتعب على حَال عَظِيم
وَقَالَ الْعِمَاد لما قاربوا بِلَاد عز الدّين قليج أرسلان نَهَضَ إِلَيْهِم ابْنه قطب الدّين ملكشاه فَوَقع بَينهم الْحَرْب ثمَّ انْدفع عَنْهُم إِلَى مَدِينَة قونية فساقوا وَرَاءه ودخلوها وحرقوا أسواقها
стр. 1457
ونزلوها فنفذوا إِلَى السُّلْطَان قليج أرسلان إِنَّا لم نصل لأخذ بلادك وَإِنَّمَا ثرنا لثأر بَيت الْمُقَدّس ونفذوا إِلَيْهِ هَدَايَا وطلبوا الْهُدْنَة فهادنهم فَتَقووْا من تِلْكَ الْبِلَاد بِمَا أَرَادوا من الْعدَد والأزواد وَنفذ قليج أرسلان وَابْنه يعتذران إِلَى السُّلْطَان من تمكينهم من العبور وَأَنَّهُمْ غلبوا على ذَلِك
ثمَّ إِن الألمانية طلبُوا من قليج أرسلان إِنْفَاذ جمَاعَة من الْأُمَرَاء مَعَهم يمنعونهم من لصوص التركمان حَتَّى يصلوا إِلَى بِلَاد الأرمن فنفذ مَعَهم خَمْسَة وَعشْرين وَوَافَقَ ذَلِك غَرَض قطب الدّين فَإِنَّهُ كَانَ كَارِهًا لجَماعَة من المقدمين فَتقدم إِلَيْهِم بِأَن يَكُونُوا فِي صُحْبَة ملك الألمان فحملهم على الْخطر وأوقعهم فِي الْغرَر وورطهم فِي الضَّرَر فَإِنَّهُم مَا قدرُوا فِي الطَّرِيق على دفع كل سَارِق وَقد تبعتهم اللُّصُوص حَتَّى وصلوا إِلَى بِلَاد الأرمن ومقدمهم لافون بن اصطفانة بن لاون فَأخذُوا أُولَئِكَ الرهائن وقيدوهم وجعلوهم فِي الْأسر وجردوهم فَمنهمْ من خلص بعد حِين بِمَال جزيل وَمِنْهُم من بَقِي مأسورا حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين
وَوصل مقدم الأرمن إِلَى خدمته وَدخل فِي طَاعَته وهداهم لمقصدهم وَأقَام لَهُم بالضيافات والعلوفات وَذَلِكَ فِي طرسوس فتمكثوا بهَا ليريحوا النُّفُوس فَعَن لملك الألمان أَن يسبح فِي النَّهر لاماطة مَا بِهِ من الضَّرَر فَعرض لَهُ مرض سلك بِهِ فِي سقر
стр. 1458
وَقيل لما عبرت جموعه النَّهر ازدحموا والتطم الموج بهم واقتحموا وَطلب هُوَ موضعا يعبر فِيهِ وَحده ويتبعه من بعده فَنزل على مخاضة ذَات مَخَافَة لَا يَخْلُو من هجمها من آفَة فَجرى إِلَيْهَا واجترى عَلَيْهَا فجذبته سُورَة المَاء إِلَى شَجَرَة شجت رَأسه ومحت أنفاسه وأخرجوه وَنَفسه على الْخُرُوج وعمره على الدروج فتسلم مَالك ملك الألمان بألمه وَحمله إِلَى جهنمه وَجلسَ ابْنه مَكَانَهُ وَاتبع شَأْنه واستتبع رِجَاله وفرسانه
وَقيل عرض فِي نَيف وَأَرْبَعين ألف كمي وَانْقطع عَنهُ ابْن لاون وَاخْتلف عَلَيْهِ أَصْحَاب أَبِيه ميلًا مِنْهُم إِلَى أَخِيه وَسَارُوا على سمت أنطاكية فِي فرق ثَلَاث كَأَنَّهُمْ من الْمَرَض قد نبشوا من أجداث وَأَكْثَرهم حَملَة عَصا وركاب حمير وكل بِالْأَرْضِ الَّتِي يسلكها غير خَبِير فتبرم بهم صَاحب أنطاكية وثقلت عَلَيْهِ وطأتهم المفاجية وَحسن لَهُم طَرِيق بِلَاد حلب فَلم يرَوا لَهُم فِي ذَلِك الأرب
وَطلب مِنْهُ الْملك قلعة أنطاكية لينقل إِلَيْهَا مَاله وخزائنه وأثقاله فأخلاها لَهُ وَسلمهَا إِلَيْهِ طَمَعا فِي مَاله وأموال رِجَاله وَكَانَ على مَا حدسه فانه لم يعد إِلَيْهَا وَاسْتولى الابرنس بأنطاكية عَلَيْهَا
وَجَاءَت فرقة مِنْهُم لَيْلًا إِلَى حصن بغراس وظنوا أَنه فِي أَيدي أجناسهم الأنجاس فَفتح وَالِي القلعة الْبَاب وَأخرج الْأَصْحَاب
стр. 1459
وتسلم تِلْكَ الْأَمْوَال بأحمالها والصناديق بأقفالها وَأسر مِنْهُم وَقتل كثير وَخرج بعد ذَلِك أهل حلب وجندها إِلَى طرقهم وَفرقُوا بَين فرقهم والتقطوهم من الْخمر والغياض وَكَانَ الْوَاحِد يستأسر مِنْهُم ثَلَاثَة وَلَا يرى وَرَاءَهُمْ من رفقائهم إغاثة فهانت الألمانية بعد تِلْكَ المهابة فِي الْأَنْفس وباعوهم فِي الْأَسْوَاق بِالثّمن الأبخس
وَلما تَكَامل وُصُول السالمين إِلَى أنطاكية سلكوا إِلَى طَرِيق طرابلس جبلة واللاذقية فَخرج عَلَيْهِم رجالها فَقتلُوا مِنْهُم وأسروا فَمَا وصلوا إِلَى طرابلس إِلَّا فِي خف وَلم يصف مِمَّن جَاءَ مَعَ الْملك غير ألف
وجاؤوا إِلَى النازلين على عكا فَغَرقُوا فِي لجهم وخمدوا فِي وهجهم ثمَّ هلك على عكا بعد انْقِضَاء مُدَّة واقتضاء شدَّة بتاريخ ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَمَانِينَ
وَقَالَ فِي الْفَتْح وَجبن الْملك عَن الْمسير على الطَّرِيق لما لقِيت جموعه فِي طرقاتهم من التَّفْرِيق فَركب فِي الْبَحْر فِي عدد يسير لَا يزِيد على الْألف برعب قلب وقصور يَد وَرَغمَ أنف وَاخْتَلَطَ مَعَ الفرنج على عكا فَسقط اسْمه وَسخط حكمه وَهلك بعد قَلِيل وَلم يحظ بنقع غليل
стр. 1460
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد مرض ولد ملك الألمان الَّذِي قَامَ مقَامه مَرضا عَظِيما وَأقَام بِموضع يُسمى التينات من بِلَاد لافون وَأقَام مَعَه خَمْسَة وَعِشْرُونَ فَارِسًا وَأَرْبَعُونَ داويا وجهز عسكره نَحْو أنطاكية حَتَّى يقطعوا الطَّرِيق ورتبهم ثَلَاث فرق لكثرتهم
ثمَّ إِن الْفرْقَة الأولى اجتازت تَحت قلعة بغراس ومقدمها كند عَظِيم عِنْدهم وَأَن عَسْكَر بغراس مَعَ قلته أَخذ مِنْهُم مئتي رجل نهبا وقهرا وَكَتَبُوا يخبرون عَنْهُم بالضعف الْعَظِيم وَالْمَرَض الشَّديد وَقلة الْخَيل وَالظّهْر وَالْعدَد والآلات
وَلما اتَّصل هَذَا الْخَبَر بالنواب فِي الْبِلَاد الشامية أنفذوا إِلَيْهِم عسكرا يكشفون أخبارهم فَوَقع الْعَسْكَر على جمع عَظِيم قد خَرجُوا لطلب العلوفة فَأَغَارُوا عَلَيْهِم وَقتلُوا وأسروا زهاء خمس مئة نفس وَلَقَد حضرت من يخبر السُّلْطَان عَنْهُم وَيَقُول هم عدد كثير لكِنهمْ ضعفاء قليلو الْخَيل وَالْعدة وَأكْثر ثقلهم على حمير وخيل ضَعِيفَة
قَالَ وَلَقَد وقفت على جسر يعبرون عَلَيْهِ لأعتبرهم فَعبر مِنْهُم جمع عَظِيم مَا وجدت مَعَ وَاحِد مِنْهُم طارقة وَلَا رمحا إِلَّا النَّادِر فسألتهم عَن ذَلِك فَقَالُوا أَقَمْنَا بمرج وخم أَيَّامًا وَقلت
стр. 1461
أزوادنا وأحطابنا فأوقدنا مُعظم عددنا وَمَات منا خلق عَظِيم واحتجنا إِلَى الْخَيل فذبحناها وأكلناها وَمَات الكند الَّذِي وصل إِلَى أنطاكية وطمع لافون فيهم حَتَّى عزم على أَخذ مَال الْملك لمرضه وَضَعفه وَقلة جمعه الَّذِي تَأَخّر مَعَه وَلم تزل أخبارهم تتواتر بالضعف وَالْمَرَض
قَالَ وَلما تحقق السُّلْطَان وُصُول ملك الألمان إِلَى بِلَاد لافون وقربه من الْبِلَاد الإسلامية جمع أُمَرَاء دولته وأرباب الآراء وشاورهم فِيمَا يصنع فاتفق الرَّأْي على أَن الْعَسْكَر يسير بعضه إِلَى الْبِلَاد المتاخمة لطريق عَسْكَر الْعَدو الْوَاصِل وَأَن يُقيم هُوَ ﵀ على منازلة الْعَدو بباقي الْعَسْكَر الْمَنْصُور فَكَانَ أول من سَار صَاحب منبج نَاصِر الدّين بن تَقِيّ الدّين ثمَّ عز الدّين ابْن الْمُقدم صَاحب كفر طَابَ وبارين وَغَيرهمَا ثمَّ مجد الدّين صَاحب بعلبك ثمَّ سَابق الدّين صَاحب شيزر ثمَّ الياروقية من جملَة عَسْكَر حلب ثمَّ عَسْكَر حماة
وَسَار إِلَى دمشق وَلَده الْأَفْضَل لمَرض عرض لَهُ وَكَذَا بدر الدّين شحنة دمشق ثمَّ سَار الْملك الظَّاهِر إِلَى حلب لايالة الطَّرِيق وكشف الْخَبَر وَحفظ مَا يَلِيهِ من الْبِلَاد وَسَار بعده الْملك المظفر لحفظ مَا يَلِيهِ من الْبِلَاد وتدبير أَمر الْعَدو المجتاز
стр. 1462
وَلما سَارَتْ هَذِه العساكر خفت الميمنة فَإِن مُعظم من سَار مِنْهَا فَأمر ﵀ الْملك الْعَادِل فانتقل إِلَى منزلَة تَقِيّ الدّين فِي طرف الميمنة وَكَانَ عماد الدّين زنكي فِي طرف الميسرة وَوَقع فِي الْعَسْكَر مرض عَظِيم فَمَرض مظفر الدّين بن زين الدّين صَاحب حران وشفي وَمرض بعده الْملك الظافر ولد السُّلْطَان وشفي وَمرض خلق كثير من الأكابر وَغَيرهم إِلَّا أَن الْمَرَض كَانَ سليما بِحَمْد الله تَعَالَى وَكَانَ الْمَرَض عِنْد الْعَدو أعظم وَأكْثر وَكَانَ مقترنا بموتان عَظِيم وَأقَام السُّلْطَان مصابرا على ذَلِك مرابطا لِلْعَدو
قَالَ الْعِمَاد وَتقدم السُّلْطَان بهدم سور طبرية وَهدم يافا وأرسوف وقيسارية وَهدم سور صيدا وجبيل وَنقل أهلهما إِلَى بيروت
وَفِي بعض الْكتب السُّلْطَانِيَّة قد عرفنَا خبر الْعَدو المشؤوم الْوَاصِل من جَانب الرّوم وَهَذَا أَوَان تحرّك ذَوي الحمية ونهوض أهل الهمم الأبية الْعلية فَإِن الْقَوْم فِي كَثْرَة مستنون فِي طَرِيق العثرة والسيل إِذا وصل إِلَى الْجَبَل الراسي وقف وَاللَّيْل إِذا بلغ إِلَى الصُّبْح المسفر انْكَشَفَ فَأَيْنَ المؤدون فرض الْجِهَاد الْمُتَعَيّن وَأَيْنَ المهتدون فِي نهج الرشاد المتبين وَأَيْنَ الْمُسلمُونَ وحاشى أَن يَكُونُوا للاسلام مُسلمين وَأَيْنَ المقدمون فِي الدّين ومعاذ الله أَلا
стр. 1463
يَكُونُوا فِي نصرته على الْمَوْت مقدمين وَلَوْلَا التقيد بِهَذَا الْعَدو الرابض لأطلقت أَعِنَّة النهضة إِلَى الْعَدو الناهض وَلَا بُد من لِقَائِه قبل تلفق الجمعين وإراءة الملاعين وُجُوه حتفهم ملْء الْعين
وَمن كتاب فاضلي إِلَى بَغْدَاد وَمن خبر الفرنج أَنهم الْآن على عكا يمدهُمْ الْبَحْر بمراكب أَكثر عدَّة من أمواجه وَيخرج للْمُسلمين أَمر من أَجَابَهُ وَقد تعاضدت مُلُوك الْكفْر على أَن ينهضوا إِلَيْهِم من كل فرقة طَائِفَة ويرسلوا إِلَيْهِم من كل سلَاح شَوْكَة فَإِذا قتل الْمُسلمُونَ وَاحِدًا فِي الْبر بعث ألفا عوضه الْبَحْر فالزرع أَكثر من الْحَصاد وَالثَّمَرَة أنمى من الجداد وَهَذَا الْعَدو الْمُقَابل قَاتله الله قد زر عَلَيْهِ من الْخَنَادِق دروعا متينة واستجن من الجنويات بحصون حَصِينَة فَصَارَ مصحرا ومتمنعا حاسرا ومتدرعا مواصلا ومنقطعا وعددهم الجم قد كاثر الْقَتْل ورقابهم الغلب قد قطعت النصل لشدَّة مَا قطعهَا النصل
وأصحابنا قد أثرت فيهم الْمدَّة الطَّوِيلَة والكلف الثَّقِيلَة فِي استطاعتهم لَا فِي طاعتهم وَفِي أَحْوَالهم لَا فِي شجاعتهم وكل من
стр. 1464
يعرفهُمْ يناشد الله فيهم المناشدة النَّبَوِيَّة فِي الصُّحْبَة البدرية اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة ويخلص الدُّعَاء ويرجو على يَد سيدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الاجابة وَقد حرم باباهم لعنة الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم كل مُبَاح واستخرج مِنْهُم كل مذخور وأغلق دونهم الْكَنَائِس وَلبس وألبسهم الْحداد وَحكم عَلَيْهِم أَن لَا يزَالُوا كَذَلِك أَو يستخلصوا الْمقْبرَة ويعيدوا القمامة فيا عصبَة مُحَمَّد ﷺ أخلفه فِي أمته بِمَا تطمئِن بِهِ مضاجعه ووفه الْحق فِينَا فَإنَّا والمسلمون عنْدك ودائعه
وَمَا مثل الْخَادِم نَفسه فِي هَذَا القَوْل إِلَّا بِحَالهِ لَو وقف بالعتبات ضارعا وَقبل ترابها خَاشِعًا وناجاها بالْقَوْل صادعا وَلَو رفعت عَنهُ الْعَوَائِق لهاجر وشافه طَبِيب الْإِسْلَام بل مسيحه بالداء الَّذِي خامر وَلَو أَمن عَدو الْإِسْلَام أَن يَقُول قولا آخر لسافر وَلَوْلَا أَن فِي التَّصْرِيح مَا يعود على العدى لَهُ بالتجريح لقَالَ مَا يبكي الْعُيُون وينكي الْقُلُوب وَلكنه صابر محتسب منتظر لنصر الله مرتقب قَائِم من نَفسه بِمَا يجب قَائِل رب إِنِّي لَا املك إِلَّا
стр. 1465
نَفسِي وَهَا هِيَ فِي سَبِيلك مبذولة وَأخي وَقد هَاجر إِلَيْك هِجْرَة يرجوها مَقْبُولَة وَوَلَدي وَقد بذلت لعدوك صفحات وُجُوههم وَهَان على محبوبك بمكروهي فيهم ومكروههم ونقف عِنْد هَذَا الْحَد ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾
فصل فِي الْوَقْعَة العادلية على عكا ظهر يَوْم الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد علم عَدو الله أَن العساكر قد تَفَرَّقت فِي أَطْرَاف الْبِلَاد وَأَن الميمنة قد خفت لِأَن مُعظم من سَار كَانَ مِنْهَا بِحكم قرب بِلَادهمْ من طَرِيق الْعَدو فَأَجْمعُوا رَأْيهمْ واتفقت كلمتهم على أَنهم يخرجُون بَغْتَة ويهجمون على طرف الميمنة فَجْأَة فَخَرجُوا واستخفوا طرف الميمنة وفيهَا مخيم الْعَادِل فَلَمَّا بصر النَّاس بهم صَاح صائحهم وَخَرجُوا من خيامهم كالأسود من آجامها وَركب السُّلْطَان ونادى مناديه يَا لِلْإِسْلَامِ
وَكَانَ ﵀ أول رَاكب وَلَقَد رَأَيْته وَقد ركب من خيمته وَحَوله نفر يسير من خواصه وَالنَّاس لم يستتم ركوبهم وَهُوَ كالفاقدة وَلَدهَا الثاكلة وَاحِدهَا ثمَّ ضرب الكوس فأجابته
стр. 1466
كوسات الْأُمَرَاء من أماكنها وَركب النَّاس وسارع الفرنج فِي قصد الميمنة حَتَّى وصلوا إِلَى المخيم العادلي قبل استتمام ركُوب العساكر ودخلوا فِي وطاقه وامتدت أَيْديهم فِي السُّوق وأطراف الخيم بالنهب والغارة وَقيل وصلوا إِلَى خيمة الْخَاص وَأخذُوا من شرابخاناته شَيْئا
وَركب الْعَادِل واستركب من يَلِيهِ من الميمنة كالطواشي قايماز النجمي وَعز الدّين جرديك النوري وَمن يجْرِي مجْرَاه ووقف وقُوف مخادع حَتَّى يوغل بهم طمعهم فِي المخيم ويشتغلوا بالنهب وَكَانَ كَمَا ظن فَإِنَّهُ عاثت أَيْديهم فِي الْخيام والأقمشة والفواكه وَالطَّعَام فَلَمَّا علم اشتغالهم بذلك صَاح بِالنَّاسِ وَحمل بِنَفسِهِ يقدمهُ وَلَده الْكَبِير شمس الدّين مودود وَحمل بحملته من كَانَ يَلِيهِ من الميمنة واتصل الْأَمر بِجَمِيعِ الميمنة حَتَّى وصل الصائح إِلَى عَسْكَر الْموصل وهجموا على الْعَدو هجمة الْأسود على فرائسها وأمكنهم الله مِنْهُم وَوَقعت الكسرة فعادوا يَشْتَدُّونَ نَحْو خيامهم هاربين وعَلى أَعْقَابهم ناكصين وَسيف الله يقتل فيهم وَصَاح صائح السُّلْطَان فِي النَّاس يَا أبطال الْمُوَحِّدين هَذَا عَدو الله قد أمكن الله مِنْهُ وَقد دَاخله الطمع حَتَّى غشي خيامكم بِنَفسِهِ
فبادر إِلَى إجَابَته حلقته وخاصته ثمَّ طلب عَسْكَر الْموصل يقدمهم عَلَاء الدّين ولد عز الدّين ثمَّ عَسْكَر مصر يقدمهم
стр. 1467
سنقر الْحلَبِي وَتَتَابَعَتْ العساكر وتجاوبت الْأَبْطَال وَقَامَت سوق الْحَرْب فَلم يكن إِلَّا سَاعَة حَتَّى رَأينَا الْقَوْم صرعى كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية وامتدوا مطروحين من خيام الْعَادِل إِلَى خيامهم أَوَّلهمْ فِي الخيم الإسلامية وَآخرهمْ فِي خيم الْعَدو صرعى على التلول والوهاد وَكَانَ مِقْدَار مَا امْتَدَّ فِيهِ الْقَتْلَى بَين المخيمين فرسخا وَرُبمَا زَاد على ذَلِك وَلم ينج من الْقَوْم إِلَّا النَّادِر
قَالَ وَلَقَد خضت فِي تِلْكَ الدِّمَاء بدابتي وَاجْتَهَدت على أَن أعدهم فَمَا قدرت على ذَلِك لكثرتهم وتفرقهم وشاهدت مِنْهُم امْرَأتَيْنِ مقتولتين وَحكى لي من شَاهد مِنْهُم أَربع نسْوَة يقاتلن وَأسر مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ وَأسر من الرِّجَال فِي ذَلِك الْيَوْم نفر يسير فَإِن السُّلْطَان كَانَ أَمر النَّاس أَلا يستبقوا أحدا
هَذَا كُله فِي الميمنة وَبَعض الْقلب وَأما الميسرة فَمَا اتَّصل الصائح بهم إِلَّا وَقد نجز الْأَمر وَقضي الْقَضَاء على الْعَدو لبعد مَا بَين المسافتين وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة فِيمَا بَين الظّهْر وَالْعصر فَإِن الْعَدو ظهر فِي قَائِم الظهيرة وانفصلت الْحَرْب بعد الْعَصْر وانكسر الْقَوْم حَتَّى دخلت طَائِفَة من الْمُسلمين وَرَاءَهُمْ إِلَى مخيمهم على مَا قيل
стр. 1468
ثمَّ ان السُّلْطَان أَمر النَّاس بالتراجع وَلم يفقد أحد من الْمُسلمين فِي ذَلِك الْيَوْم سوى عشرَة أنفس غير معروفين
وَلما أحس جند الله بعكا بِمَا جرى بَين الْمُسلمين وَبَين الْعَدو من الْوَقْعَة فَإِنَّهُم كَانُوا يشاهدون الوقعات من أعالي السُّور خَرجُوا إِلَى مخيم الْعَدو من الْبَلَد وَجرى بَينهم مقتلة عَظِيمَة وَكَانَت النُّصْرَة وَالْحَمْد لله للْمُسلمين بِحَيْثُ هجموا خيام الْعَدو ونهبوا مِنْهَا جمعا من النسوان والأقمشة حَتَّى الْقُدُور وفيهَا الطَّعَام وَوصل كتاب من عكا يخبر بذلك
وَاخْتلف النَّاس فِي عدد الْقَتْلَى مِنْهُم فَذكر قوم أَنهم ثَمَانِيَة آلَاف وَقَالَ آخَرُونَ سَبْعَة آلَاف وَلم ينقصهم حازر عَن خَمْسَة آلَاف وَلَقَد شاهدت مِنْهُم خَمْسَة صُفُوف أَولهَا فِي خيم الْعَادِل وَآخِرهَا فِي خيم الْعَدو وَلَقَد لقِيت إنْسَانا عَاقِلا جنديا يسْعَى بَين صُفُوف الْقَتْلَى ويعدهم فَقلت لَهُ كم عددت فَقَالَ إِلَى هَاهُنَا أَرْبَعَة آلَاف ونيفا وَسِتِّينَ قَتِيلا وَكَانَ قد عد صفّين وَهُوَ فِي الصَّفّ الثَّالِث لَكِن مَا مضى من الصُّفُوف أَكثر عددا من الْبَاقِي
قَالَ وَجَاء من الْغَد نجاب لَهُ عَن حلب خَمْسَة أَيَّام بِكِتَاب يتَضَمَّن أَن جمَاعَة عَظِيمَة من الْعَدو الشمالي خَرجُوا للنهب بأطراف الْبِلَاد الإسلامية ونهض الْعَسْكَر الْحلَبِي إِلَيْهِم وَأخذ عَلَيْهِم الطَّرِيق فَلم ينج مِنْهُم أحد إِلَّا من شَاءَ الله
стр. 1469
قَالَ وَجَاء فِي لَيْلَة ذَلِك الْيَوْم من اليزك من ذكر أَن الْعَدو قد سَأَلَ من جَانب السُّلْطَان من يصل إِلَيْهِم ليسمع مِنْهُم حَدِيثا فِي سُؤال الصُّلْح لضعف حل بهم وَلم يزل الْعَدو من حِينَئِذٍ مكسور الْجنَاح منهاض الْجَانِب حَتَّى وصلهم كند يُقَال لَهُ كندهري وَسَيَأْتِي ذكره
وَقَالَ الْعِمَاد وَلما شاع عِنْد الفرنج خبر وُصُول الألمانية قَالُوا إِذا وصل ملكهم وَنكى فِي الْمُسلمين انْكَسَرَ ناموسنا وتطأطأت عِنْده رؤوسنا
فَذكر الْوَقْعَة بِمَعْنى مَا تقدم إِلَى أَن قَالَ وَوصل السُّلْطَان وَشَاهد من مساءة الفرنج مَا سره وَعرف لطف الله وبره وَنَصره وعاين هُنَاكَ مصَارِع الْأَعْدَاء ومشارع الْبلَاء وَكَانُوا مفروشين فِي مدى فَرسَخ على الأَرْض وهم فِي تِسْعَة صُفُوف من تلال الرمل إِلَى الْبَحْر بِالْعرضِ وكل صف يزِيد على ألف قَتِيل وشاع الْقَتْل فِي الفرنج فِي كل قبيل وَكَانَت هَذِه النّوبَة بِلَا نائبة والغزوة بِلَا شَائِبَة وَقتل مِنْهُم زهاء عشرَة آلَاف وَلم يبلغ من اسْتشْهد من أَتبَاع الْعَسْكَر عشرَة فاغتنمها تِجَارَة رابحة وغنيمة ميسرَة
قَالَ وَلما عرفت بالواقعة والنصرة الجامعة صدرت ثَلَاثِينَ أَرْبَعِينَ كتابا بالبشارات بأبلغ الْمعَانِي وأبرع الْعبارَات وَقلت إِذا نزل السُّلْطَان وجد الْكتب حَاضِرَة ولأرى الْبشَارَة شائرة
стр. 1470
ركبت أَنا وَالْقَاضِي بهاء الدّين ابْن شَدَّاد لمشاهدة مَا هُنَاكَ من أشلاء صرعى وأجساد فَمَا أعجل مَا سلبوا وأعروا وفروا وفروا وَقد بقرت بطونهم وفقئت عيونهم ورأينا امْرَأَة مقتولة لكَونهَا مقاتلة وسمعناها وَهِي خامدة بالعبرة قائلة وَمَا زلنا نطوف عَلَيْهِم ونعبر ونفكر فيهم ونعتبر حَتَّى ارتدى الْعشَاء بالظلام فعدنا إِلَى الْخيام وأطلنا الْوُقُوف على تِلْكَ الطلول الدارسة واستبشرت الْوُجُوه بِتِلْكَ الْوُجُوه العابسة وحزرناهم بِعشْرَة آلَاف قَتِيل لَا حزر تَكْثِير بل حزر تقليل وَكَانَ الَّذين حملُوا وهزموا وَقتلُوا أقل من ألف فَقتلُوا أضعافا مضاعفة وعدموا مِمَّن وَرَاءَهُمْ مساعدة ومساعفة
وَحكي من نَوَادِر هَذِه الْوَقْعَة أَن فرنجيا عقر فَجَثَا للصرعة فعثر بِهِ رَاكب برذون فعرقب الفرنجي فرسه بِسيف فِي يَده فَنزل بجده مستنا فِي جدده وَقتل ذَلِك الفرنجي وروى من دَمه الْهِنْدِيّ وَحل من وَسطه ثَمَانِينَ دِينَارا فَانْقَلَبَ ربحا مَا عده خسارا وامتلأت الْأَيْدِي بالأسلاب والأكساب وَحصل من الْعدَد مَا لم يكن فِي الْحساب وبيعت الزرديات ذَوَات الْأَثْمَان بالرخص
قَالَ وَشرع الفرنج فِي الخداع والمراسلة وسألوا فِي الصُّلْح وَأذن لَهُم السُّلْطَان فِي الْخُرُوج للنَّظَر إِلَى أُولَئِكَ الصرعى بِتِلْكَ المروج وَهِي قد تورقت وأنتنت وجافت وحميت الشَّمْس على
стр. 1471
جيفها وحافت وضافتها القشاعم والخوامع عَلَيْهَا أطافت فساءهم مَا سرنا ونفرهم مَا أقرنا
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ الرَّأْي بعد هَذِه النُّصْرَة أَن ترد عَلَيْهِم الكرة مرّة بعد مرّة إِلَى أَن يهْلكُوا حسرة ويبيدوا فَلَا يبْقى لَهُم جَمْرَة فاشتغل السُّلْطَان بِمَا جَاءَهُ من المكاتبات بظفر التركمان وَغَيرهم بعسكر الألمان فَجَاءَت للفرنج نجدة من الْبَحْر ومدد أَضْعَاف مَا نقص مِنْهُم من الْعدَد وَالْعدَد فأضحوا كَأَن لم ينكبوا وثبتوا مكانهم وَلم يثبوا
وَوصل إِلَيْهِم الْمَعْرُوف بالكندهري فَفرق الْأَمْوَال واستخدم الرِّجَال وَأنْفق فِي عشرَة آلَاف راجل وَأظْهر أَنه يخرج إِلَى لِقَاء عَسْكَر الْإِسْلَام فتحول السُّلْطَان إِلَى منزلَة الخروبة ليوسع عَلَيْهِم الدائرة وَنصب الكند على عكا منجنيقات كَثِيرَة فأحرقها الْمُسلمُونَ وَقتل مِنْهُم من الفوارس سَبْعُونَ وَأسر عدَّة معروفون ثمَّ نصب منجنيقين فأحرقا أول شعْبَان وَكَانَ الكند قد أنْفق على أَحدهمَا ألفا وَخمْس مئة دِينَار
وَمن جملَة من وَقع فِي الْأسر فَارس كَبِير فَمَا أمهلوه حِين أَخَذُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ ونبذوه فَطَلَبه مِنْهُم الفرنج بالأموال وَلم يعرفوا
стр. 1472
بِالْحَال فأخرجوه إِلَيْهِم قَتِيلا فَأكْثر الفرنج عَلَيْهِ بعد العويل عويلا فَبَاتُوا يندبونه نوحًا ويذيعون سر تقدمه فيهم بوحا
وَحين وَقعت أَعينهم عَلَيْهِ قَتِيلا ضربوا بنفوسهم الأَرْض وحثوا على رؤوسهم التُّرَاب وَوَقعت عَلَيْهِم بِسَبَب ذَلِك خمدة عَظِيمَة وكتموا أمره وَلم يظْهر من كَانَ واستصغر الْمُسلمُونَ بعد ذَلِك أَمرهم وهجم عَلَيْهِم الْعَرَب من كل جَانب يسرقون وينهبون وَيقْتلُونَ وَيَأْسِرُونَ
هَذَا والكتب متواصلة من عكا إِلَيْنَا وَمنا إِلَيْهَا على أَجْنِحَة الطُّيُور وأيدي السباح والمراكب اللطاف تخرج لَيْلًا وَتدْخل سَرقَة من الْعَدو
قَالَ الْعِمَاد وَوصل من ملك قسطنطينية كتاب يتَضَمَّن استعطافا واستسعافا وَيذكر تَمْكِينه من اقامة الْجُمُعَة فِي جَامع الْمُسلمين بقسطنطينية وَالْخطْبَة وَأَنه مُسْتَمر على الْمَوَدَّة رَاغِب فِي الْمحبَّة وَيعْتَذر عَن عبور الْملك الألماني وَأَنه قد فجع فِي طَرِيقه بالأماني ونال من الشدَّة وَنقص الْعدة مَا أضعفه وأوهاه وَأَنه لَا يصل إِلَى بِلَادكُمْ فينتفع بِنَفسِهِ أَو ينفع وَيكون مصرعه هُنَاكَ وَلَا يرجع ويمت بِمَا بِهِ كاده وَأَنه قد بلغ فِي أَذَاهُ اجْتِهَاده وَيطْلب رَسُولا يدْرك بِهِ من السُّلْطَان سولا فَأُجِيب فِي ذَلِك إِلَى مُرَاده وَوَقع الِاعْتِدَاد بِمَا ذكره من اعتداده
стр. 1473
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَكَانَ بَين السُّلْطَان وَبَين ملك قسطنطينية مراسلة ومكاتبة وَكَانَ وصل مِنْهُ رَسُول إِلَى الْبَاب الْكَرِيم السلطاني بمرج عُيُون سنة خمس وَثَمَانِينَ فِي رَجَب فِي جَوَاب رَسُول كَانَ أنفذه السُّلْطَان بعد تَقْرِير الْقَوَاعِد وَإِقَامَة قانون الْخطْبَة فِي جَامع قسطنطينية
فَمضى الرَّسُول وَأقَام الْخطْبَة وَلَقي باحترام عَظِيم وإكرام زَائِد وَكَانَ قد أنفذ مَعَه فِي الْمركب الْخَطِيب والمنبر وجمعا من المؤذنين والقراء وَكَانَ يَوْم دُخُولهمْ إِلَى قسطنطينية يَوْمًا عَظِيما من أَيَّام الْإِسْلَام شَاهده جمع كثير من التُّجَّار
ورقي الْخَطِيب الْمِنْبَر وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ المقيمون بهَا والتجار وَأقَام الدعْوَة الإسلامية العباسية ثمَّ عَاد فَعَاد مَعَه هَذَا الرَّسُول يخبر بانتظام الْحَال فِي ذَلِك فَأَقَامَ مُدَّة وَلَقَد شاهدته يبلغ الرسَالَة وَمَعَهُ ترجمان يترجم عَنهُ وَهُوَ شيخ من أحسن مَا يفْرض أَن يكون من صور الْمَشَايِخ وَعَلِيهِ زيهم الَّذِي يخْتَص بهم وَمَعَهُ كتاب وتذكره وَالْكتاب مختوم بِذَهَب وَلما مَاتَ وصل خبر وَفَاته إِلَى ملك قسطنطينية فأنفذ هَذَا الرَّسُول فِي تَتِمَّة ذَلِك
ثمَّ وصف القَاضِي الْكتاب وَعبر عَنهُ بألفاظه وَقد عبر الْعِمَاد عَن مَعَانِيه فأغنى عَن ذَلِك
ثمَّ قَالَ وَكَانَ من حَدِيث ملك الألمان أَنه بعد أَن اسْتَقر قدمه
стр. 1474
فِي أنطاكية أَخذهَا من صَاحبهَا وَحكم فِيهِ وَكَانَ بَين يَدَيْهِ فِيهَا ينفذ أوامره فَأَخذهَا مِنْهُ غيلَة وخديعة وأودعها خزائنه وَسَار عَنْهَا خَامِس عشري رَجَب نَحْو عكا فِي جيوشه وجموعه على طَرِيق اللاذقية حَتَّى أَتَى طرابلس وَكَانَ قد سَار إِلَيْهِ من معسكر الفرنج يلتقيه المركيس صَاحب صور وَكَانَ من أعظمهم حِيلَة وأشدهم بَأْسا وَهُوَ الأَصْل فِي تهييج الجموع وَذَلِكَ أَنه صور الْقُدس فِي ورقة عَظِيمَة وصور فِيهِ صُورَة الْقِيَامَة الَّتِي يحجون إِلَيْهَا ويعظمون شَأْنهَا وفيهَا قبر الْمَسِيح الَّذِي دفن فِيهِ بعد صلبه بزعمهم وَذَلِكَ الْقَبْر هُوَ أصل حجهم وَهُوَ الَّذِي يَعْتَقِدُونَ نزُول النُّور عَلَيْهِ فِي كل سنة فِي عيد من أعيادهم
فصور الْقَبْر وصور عَلَيْهِ فرسا عَلَيْهِ فَارس مُسلم رَاكب وَقد وطئ قبر الْمَسِيح وَقد بَال الْفرس على الْقَبْر وَأبْدى هَذِه الصُّورَة وَرَاء الْبَحْر فِي الْأَسْوَاق والمجامع والقسوس يحملونها ورؤوسهم مكشفة وَعَلَيْهِم المسوح وينادون بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور
وللصور عمل فِي قُلُوبهم فَإِنَّهَا أصل دينهم فهاج بذلك خلائق لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وَكَانَ من جُمْلَتهمْ ملك الألمان وَجُنُوده فَلَقِيَهُمْ المركيس لكَونه أصلا فِي استدعائهم إِلَى هَذِه الْوَاقِعَة فَلَمَّا اتَّصل بِهِ قوى قلبه وبصره بالطرق وسلك بِهِ السَّاحِل خوفًا من أَنه إِذا أَتَى على بِلَاد حلب وحماة نازلهم الْمُسلمُونَ من كل جَانب وَمَعَ ذَلِك لم يسلمُوا من شن الغارات عَلَيْهِم
وَاخْتلف حزر النَّاس لَهُم وَلَقَد وقفت على بعض كتب
стр. 1475
الخبيرين بِالْحَرْبِ وَقد حزر فارسهم وراجلهم بِخَمْسَة آلَاف بعد أَن كَانُوا قد خَرجُوا على مَا ذكر بمئتي ألف فَانْظُر إِلَى صَنِيع الله مَعَ أعدائه
وَلما سَارُوا من اللاذقية يُرِيدُونَ جبلة وجدوا فِي أَعْقَابهم نيفا وَسِتِّينَ فرسا قد عطبت وانتزع لَحمهَا وَلم يبْق فِيهَا إِلَّا الْعِظَام من شدَّة الْجُوع وَضعف الْخَيل وَلم يزَالُوا سائرين وأيدي الْمُسلمين تتخطفهم من حَولهمْ نهبا وأسرا وقتلا حَتَّى أَتَوا طرابلس فَأَقَامَ بهَا حَتَّى استجم عسكره وَأرْسل إِلَى النازلين على عكا يُخْبِرهُمْ بقدومه فوجموا من ذَلِك لِأَن المركيس صَاحب مشورته وَكَانَ الْملك جفري وَهُوَ ملك السَّاحِل بالمعسكر هُوَ الَّذِي يرجع إِلَيْهِ فِي الْأُمُور فَعلم أَن مَعَ قدوم الألماني لَا يبْقى لَهُ حكم
وَفِي أَوَاخِر شعْبَان نزل الألماني فِي المراكب هُوَ وَعَسْكَره فثارت عَلَيْهِم ريح أهلكت مِنْهُم ثَلَاثَة مراكب وَسَار الْبَاقُونَ إِلَى صور ثمَّ وصل إِلَى عكا فِي نفر يسير فِي سادس رَمَضَان وَكَانَ لقدومه وَقع عَظِيم عِنْدهم وَوصل خبر وصولهم إِلَى طرابلس ثامن شعْبَان وَالسُّلْطَان ثَابت الجأش راسخ الْقدَم لَا يزعزعه ذَلِك عَن حراسة عكا والحماية لَهَا ومراصدة الْعَسْكَر النَّازِل بهَا وَشن الغارات والهجوم عَلَيْهِم فِي كل وَقت مفوضا أمره إِلَى الله تَعَالَى مُعْتَمدًا عَلَيْهِ منبسط الْوَجْه لقَضَاء حوائج النَّاس مواصلا ببره من نفذ إِلَيْهِ من الْفُقَرَاء وَالْفُقَهَاء والمشايخ والأدباء وَلَقَد كنت إِذا بَلغنِي هَذَا الْخَبَر تأثرت حَتَّى إِذا دخلت عَلَيْهِ أجد من قُوَّة النَّفس وَشدَّة
следующие страницы →