← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

جيفها وحافت وضافتها القشاعم والخوامع عَلَيْهَا أطافت فساءهم مَا سرنا ونفرهم مَا أقرنا فصل قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ الرَّأْي بعد هَذِه النُّصْرَة أَن ترد عَلَيْهِم الكرة مرّة بعد مرّة إِلَى أَن يهْلكُوا حسرة ويبيدوا فَلَا يبْقى لَهُم جَمْرَة فاشتغل السُّلْطَان بِمَا جَاءَهُ من المكاتبات بظفر التركمان وَغَيرهم بعسكر الألمان فَجَاءَت للفرنج نجدة من الْبَحْر ومدد أَضْعَاف مَا نقص مِنْهُم من الْعدَد وَالْعدَد فأضحوا كَأَن لم ينكبوا وثبتوا مكانهم وَلم يثبوا وَوصل إِلَيْهِم الْمَعْرُوف بالكندهري فَفرق الْأَمْوَال واستخدم الرِّجَال وَأنْفق فِي عشرَة آلَاف راجل وَأظْهر أَنه يخرج إِلَى لِقَاء عَسْكَر الْإِسْلَام فتحول السُّلْطَان إِلَى منزلَة الخروبة ليوسع عَلَيْهِم الدائرة وَنصب الكند على عكا منجنيقات كَثِيرَة فأحرقها الْمُسلمُونَ وَقتل مِنْهُم من الفوارس سَبْعُونَ وَأسر عدَّة معروفون ثمَّ نصب منجنيقين فأحرقا أول شعْبَان وَكَانَ الكند قد أنْفق على أَحدهمَا ألفا وَخمْس مئة دِينَار وَمن جملَة من وَقع فِي الْأسر فَارس كَبِير فَمَا أمهلوه حِين أَخَذُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ ونبذوه فَطَلَبه مِنْهُم الفرنج بالأموال وَلم يعرفوا

стр. 1472

بِالْحَال فأخرجوه إِلَيْهِم قَتِيلا فَأكْثر الفرنج عَلَيْهِ بعد العويل عويلا فَبَاتُوا يندبونه نوحًا ويذيعون سر تقدمه فيهم بوحا وَحين وَقعت أَعينهم عَلَيْهِ قَتِيلا ضربوا بنفوسهم الأَرْض وحثوا على رؤوسهم التُّرَاب وَوَقعت عَلَيْهِم بِسَبَب ذَلِك خمدة عَظِيمَة وكتموا أمره وَلم يظْهر من كَانَ واستصغر الْمُسلمُونَ بعد ذَلِك أَمرهم وهجم عَلَيْهِم الْعَرَب من كل جَانب يسرقون وينهبون وَيقْتلُونَ وَيَأْسِرُونَ هَذَا والكتب متواصلة من عكا إِلَيْنَا وَمنا إِلَيْهَا على أَجْنِحَة الطُّيُور وأيدي السباح والمراكب اللطاف تخرج لَيْلًا وَتدْخل سَرقَة من الْعَدو قَالَ الْعِمَاد وَوصل من ملك قسطنطينية كتاب يتَضَمَّن استعطافا واستسعافا وَيذكر تَمْكِينه من اقامة الْجُمُعَة فِي جَامع الْمُسلمين بقسطنطينية وَالْخطْبَة وَأَنه مُسْتَمر على الْمَوَدَّة رَاغِب فِي الْمحبَّة وَيعْتَذر عَن عبور الْملك الألماني وَأَنه قد فجع فِي طَرِيقه بالأماني ونال من الشدَّة وَنقص الْعدة مَا أضعفه وأوهاه وَأَنه لَا يصل إِلَى بِلَادكُمْ فينتفع بِنَفسِهِ أَو ينفع وَيكون مصرعه هُنَاكَ وَلَا يرجع ويمت بِمَا بِهِ كاده وَأَنه قد بلغ فِي أَذَاهُ اجْتِهَاده وَيطْلب رَسُولا يدْرك بِهِ من السُّلْطَان سولا فَأُجِيب فِي ذَلِك إِلَى مُرَاده وَوَقع الِاعْتِدَاد بِمَا ذكره من اعتداده

стр. 1473

وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَكَانَ بَين السُّلْطَان وَبَين ملك قسطنطينية مراسلة ومكاتبة وَكَانَ وصل مِنْهُ رَسُول إِلَى الْبَاب الْكَرِيم السلطاني بمرج عُيُون سنة خمس وَثَمَانِينَ فِي رَجَب فِي جَوَاب رَسُول كَانَ أنفذه السُّلْطَان بعد تَقْرِير الْقَوَاعِد وَإِقَامَة قانون الْخطْبَة فِي جَامع قسطنطينية فَمضى الرَّسُول وَأقَام الْخطْبَة وَلَقي باحترام عَظِيم وإكرام زَائِد وَكَانَ قد أنفذ مَعَه فِي الْمركب الْخَطِيب والمنبر وجمعا من المؤذنين والقراء وَكَانَ يَوْم دُخُولهمْ إِلَى قسطنطينية يَوْمًا عَظِيما من أَيَّام الْإِسْلَام شَاهده جمع كثير من التُّجَّار ورقي الْخَطِيب الْمِنْبَر وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ المقيمون بهَا والتجار وَأقَام الدعْوَة الإسلامية العباسية ثمَّ عَاد فَعَاد مَعَه هَذَا الرَّسُول يخبر بانتظام الْحَال فِي ذَلِك فَأَقَامَ مُدَّة وَلَقَد شاهدته يبلغ الرسَالَة وَمَعَهُ ترجمان يترجم عَنهُ وَهُوَ شيخ من أحسن مَا يفْرض أَن يكون من صور الْمَشَايِخ وَعَلِيهِ زيهم الَّذِي يخْتَص بهم وَمَعَهُ كتاب وتذكره وَالْكتاب مختوم بِذَهَب وَلما مَاتَ وصل خبر وَفَاته إِلَى ملك قسطنطينية فأنفذ هَذَا الرَّسُول فِي تَتِمَّة ذَلِك ثمَّ وصف القَاضِي الْكتاب وَعبر عَنهُ بألفاظه وَقد عبر الْعِمَاد عَن مَعَانِيه فأغنى عَن ذَلِك ثمَّ قَالَ وَكَانَ من حَدِيث ملك الألمان أَنه بعد أَن اسْتَقر قدمه

стр. 1474

فِي أنطاكية أَخذهَا من صَاحبهَا وَحكم فِيهِ وَكَانَ بَين يَدَيْهِ فِيهَا ينفذ أوامره فَأَخذهَا مِنْهُ غيلَة وخديعة وأودعها خزائنه وَسَار عَنْهَا خَامِس عشري رَجَب نَحْو عكا فِي جيوشه وجموعه على طَرِيق اللاذقية حَتَّى أَتَى طرابلس وَكَانَ قد سَار إِلَيْهِ من معسكر الفرنج يلتقيه المركيس صَاحب صور وَكَانَ من أعظمهم حِيلَة وأشدهم بَأْسا وَهُوَ الأَصْل فِي تهييج الجموع وَذَلِكَ أَنه صور الْقُدس فِي ورقة عَظِيمَة وصور فِيهِ صُورَة الْقِيَامَة الَّتِي يحجون إِلَيْهَا ويعظمون شَأْنهَا وفيهَا قبر الْمَسِيح الَّذِي دفن فِيهِ بعد صلبه بزعمهم وَذَلِكَ الْقَبْر هُوَ أصل حجهم وَهُوَ الَّذِي يَعْتَقِدُونَ نزُول النُّور عَلَيْهِ فِي كل سنة فِي عيد من أعيادهم فصور الْقَبْر وصور عَلَيْهِ فرسا عَلَيْهِ فَارس مُسلم رَاكب وَقد وطئ قبر الْمَسِيح وَقد بَال الْفرس على الْقَبْر وَأبْدى هَذِه الصُّورَة وَرَاء الْبَحْر فِي الْأَسْوَاق والمجامع والقسوس يحملونها ورؤوسهم مكشفة وَعَلَيْهِم المسوح وينادون بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور وللصور عمل فِي قُلُوبهم فَإِنَّهَا أصل دينهم فهاج بذلك خلائق لَا يحصي عَددهمْ إِلَّا الله تَعَالَى وَكَانَ من جُمْلَتهمْ ملك الألمان وَجُنُوده فَلَقِيَهُمْ المركيس لكَونه أصلا فِي استدعائهم إِلَى هَذِه الْوَاقِعَة فَلَمَّا اتَّصل بِهِ قوى قلبه وبصره بالطرق وسلك بِهِ السَّاحِل خوفًا من أَنه إِذا أَتَى على بِلَاد حلب وحماة نازلهم الْمُسلمُونَ من كل جَانب وَمَعَ ذَلِك لم يسلمُوا من شن الغارات عَلَيْهِم وَاخْتلف حزر النَّاس لَهُم وَلَقَد وقفت على بعض كتب

стр. 1475

الخبيرين بِالْحَرْبِ وَقد حزر فارسهم وراجلهم بِخَمْسَة آلَاف بعد أَن كَانُوا قد خَرجُوا على مَا ذكر بمئتي ألف فَانْظُر إِلَى صَنِيع الله مَعَ أعدائه وَلما سَارُوا من اللاذقية يُرِيدُونَ جبلة وجدوا فِي أَعْقَابهم نيفا وَسِتِّينَ فرسا قد عطبت وانتزع لَحمهَا وَلم يبْق فِيهَا إِلَّا الْعِظَام من شدَّة الْجُوع وَضعف الْخَيل وَلم يزَالُوا سائرين وأيدي الْمُسلمين تتخطفهم من حَولهمْ نهبا وأسرا وقتلا حَتَّى أَتَوا طرابلس فَأَقَامَ بهَا حَتَّى استجم عسكره وَأرْسل إِلَى النازلين على عكا يُخْبِرهُمْ بقدومه فوجموا من ذَلِك لِأَن المركيس صَاحب مشورته وَكَانَ الْملك جفري وَهُوَ ملك السَّاحِل بالمعسكر هُوَ الَّذِي يرجع إِلَيْهِ فِي الْأُمُور فَعلم أَن مَعَ قدوم الألماني لَا يبْقى لَهُ حكم وَفِي أَوَاخِر شعْبَان نزل الألماني فِي المراكب هُوَ وَعَسْكَره فثارت عَلَيْهِم ريح أهلكت مِنْهُم ثَلَاثَة مراكب وَسَار الْبَاقُونَ إِلَى صور ثمَّ وصل إِلَى عكا فِي نفر يسير فِي سادس رَمَضَان وَكَانَ لقدومه وَقع عَظِيم عِنْدهم وَوصل خبر وصولهم إِلَى طرابلس ثامن شعْبَان وَالسُّلْطَان ثَابت الجأش راسخ الْقدَم لَا يزعزعه ذَلِك عَن حراسة عكا والحماية لَهَا ومراصدة الْعَسْكَر النَّازِل بهَا وَشن الغارات والهجوم عَلَيْهِم فِي كل وَقت مفوضا أمره إِلَى الله تَعَالَى مُعْتَمدًا عَلَيْهِ منبسط الْوَجْه لقَضَاء حوائج النَّاس مواصلا ببره من نفذ إِلَيْهِ من الْفُقَرَاء وَالْفُقَهَاء والمشايخ والأدباء وَلَقَد كنت إِذا بَلغنِي هَذَا الْخَبَر تأثرت حَتَّى إِذا دخلت عَلَيْهِ أجد من قُوَّة النَّفس وَشدَّة

стр. 1476

الْبَأْس مَا يشْرَح صَدْرِي وأتيقن مَعَه نصْرَة الْإِسْلَام وَأَهله فصل فِي إِدْخَال البطس إِلَى عكا قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد كَانَ ﵀ قد أعد ببيروت بطسة وعمرها وأودعها أَربع مئة غرارة من الْقَمْح وَوضع فِيهَا من الْجُبْن والبصل وَالْغنم وَغير ذَلِك من الْميرَة وَكَانَ الفرنج قد أداروا مراكبهم حول عكا حراسة لَهَا عَن أَن يدخلهَا مركب للْمُسلمين وَكَانَ قد اشتدت حَاجَة من فِيهَا إِلَى الطَّعَام والميرة فَركب فِي بطسة بيروت جمَاعَة من الْمُسلمين وتزيوا بزِي الفرنج حَتَّى حَلقُوا لحاهم وَوَضَعُوا الْخَنَازِير على سطح البطسة بِحَيْثُ ترى من بعد وعلقوا الصلبان وجاؤوا قاصدي الْبَلَد من الْبعد حَتَّى خالطوا مراكب الْعَدو فَخَرجُوا إِلَيْهِم واعترضوهم فِي الحراقات والشواني وَقَالُوا لَهُم نَرَاكُمْ قَاصِدين الْبَلَد واعتقدوا أَنهم مِنْهُم فَقَالُوا أَو لم تَكُونُوا أَخَذْتُم الْبَلَد فَقَالُوا لَا لم نَأْخُذ الْبَلَد بعد فَقَالُوا نَحن نرد القلوع إِلَى الْعَسْكَر ووراءنا بطسة أُخْرَى فِي هوائها فأنذروهم حَتَّى لَا يدخلُوا الْبَلَد وَكَانَ وَرَاءَهُمْ بطسة فرنجية قد اتّفقت مَعَهم فِي الْبَحْر قَاصِدين الْعَسْكَر فنظروا فرأوها فقصدوها لينذروها فاشتدت البطسة

стр. 1477

الإسلامية فِي السّير واستقامت لَهَا الرّيح حَتَّى دخلت ميناء الْبَلَد وسلمت وَللَّه الْحَمد وَكَانَ فرجا عَظِيما فان الْحَاجة كَانَت قد أخذت من أهل الْبَلَد وَكَانَ ذَلِك فِي الْعشْر الآخر من رَجَب قَالَ وَفِي الْعشْر الْأَوْسَط من شعْبَان كتب بهاء الدّين قراقوش وَهُوَ وَالِي الْبَلَد والمقدم على الأسطول وَهُوَ الْحَاجِب لُؤْلُؤ يذكران للسُّلْطَان أَنه لم يبْق بِالْبَلَدِ ميرة إِلَّا قدر يَكْفِي الْبَلَد إِلَى لَيْلَة النّصْف من شعْبَان لَا غير فأسرها يُوسُف فِي نَفسه وَلم يبدها لخاص وَلَا عَام خشيَة الشُّيُوع وَالْبُلُوغ إِلَى الْعَدو وتضعف بِهِ قُلُوب الْمُسلمين وَكَانَ قد كتب إِلَى مصر بتجهيز ثَلَاث بطس مشحونة بالأقوات والادام والمير وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْحصار بِحَيْثُ يكفيهم ذَلِك طول الشتَاء فأقلعت البطس الثَّلَاث من الديار المصرية ولججت فِي الْبَحْر تتوخى النوتية بهَا الرّيح الَّتِي تحملهَا إِلَى عكا فطابت لَهُم الرّيح حَتَّى سَارُوا ووصلوا إِلَى عكا لَيْلَة النّصْف من شعْبَان وَقد فنيت الأزواد وَلم يبْق عِنْدهم مَا يطْعمُون النَّاس فِي ذَلِك الْيَوْم وَخرج عَلَيْهَا أسطول الْعَدو يقاتلها والعساكر الإسلامية تشاهد ذَلِك من السَّاحِل وَالنَّاس فِي تهليل وتكبير وَقد كشف الْمُسلمُونَ رؤوسهم يبتهلون إِلَى الله تَعَالَى فِي الْقَضَاء بسلامتها إِلَى الْبَلَد وَالسُّلْطَان على السَّاحِل كالوالدة الثكلى يُشَاهد الْقِتَال وَيَدْعُو إِلَى ربه

стр. 1478

بنصره وَقد علم من شدَّة الْقَوْم مَا لم يُعلمهُ غَيره وَفِي قلبه مَا فِي قلبه وَالله يُثبتهُ وَلم يزل الْقِتَال يعْمل حول البطس من كل جَانب وَالله يدْفع عَنْهَا وَالرِّيح تشتد والأصوات قد ارْتَفَعت من الطَّائِفَتَيْنِ وَالدُّعَاء يخرق الْحجب حَتَّى وصلوا بِحَمْد الله سَالِمين إِلَى ميناء الْبَلَد وتلقاهم أهل عكا تلقي الأمطار عَن جذب وأمتاروا بِمَا فِيهَا وَكَانَت لَيْلَة بِليَال وَكَانَ دُخُولهَا الْعَصْر رَابِع عشر شعْبَان وَقَالَ الْعِمَاد كَانَ السُّلْطَان قد أَمر نواب الاسكندرية بتجهيز بطس كبار وتعميرها من كل ميرة وغلة وتسييرها إِلَى عكا فأبطأت عَن الْمِيقَات وأضر بالمقيمين بِالْبَلَدِ إعواز الأقوات فأفكر فِيمَا يتعجل بِهِ الْغَرَض فَكتب إِلَى مُتَوَلِّي بيروت عز الدّين سامة فَجهز بطسة كَبِيرَة قد ملأها ميرة وغلة كَثِيرَة وأركبها جمَاعَة على زِيّ الفرنج ممسوحي اللحى ممسوخي الحلى وأصحبهم صلبانا وخيل بهم رهبانا وَكَانَت هَذِه البطسة من الفرنج مَأْخُوذَة وَهِي بساحل بيروت منبوذة فَأمر السُّلْطَان بترميمها وتتميمها فملئت بالشحوم واللحوم وَأَرْبع مئة غرارة غلَّة وأحمال من النشاب والنفط ورتب فِيهَا

стр. 1479

رجال مُسلمُونَ ونصارى من أهل بيروت وَأَرَادُوا أَن تشتبه ببطس الْعَدو فِي الْبَحْر وشدوا زنانير واستصحبوا خنازير وَسَارُوا بهَا فِي الْبَحْر بمراكب الفرنج مختلطين وَإِلَى محادثتهم ومجاذبتهم منبسطين وَلما حاذوا بهَا عكا صوبوا بهَا نَحْوهَا وَالرِّيح تسوقها والفرنج من مراكبها تَقول مَا هَذِه طريقها وَهِي كالسهم النَّافِذ قد سدد فَوْقهَا فَدخلت الثغر واجتزأ الْبَلَد بهَا نصف شهر وَظَهَرت رَابِع عشر شعْبَان من ثبج الْبَحْر ثَلَاثَة مراكب كَأَنَّهَا ثَلَاث هواضب فَجَاءَت فَجْأَة أعلامها كالأعلام طائرة كالسهام وَلم تبال بمراكب الْعَدو فخرقتها وَقربت مِنْهَا سفينة فغرقتها وعبرت وَعين الْكفْر عبرى وامتلأ الثغر بهَا وأثرى فصل قَالَ الْعِمَاد وَوصل ملك الألمان ورام أَن يظْهر بمجيئه وَقعا ويبدي بِهِ نفعا فدبوا فِي راجل كَرجل الدبى وخيل أغصت الوهاد والربى وقربوا من تل العياضية وَعَلِيهِ خيم اليزكية والنوبة فِيهَا للحلقة المنصورة الناصرية والعصبة الموصلية فثارت إِلَيْهِم ودارت عَلَيْهِم وَركب السُّلْطَان وَتقدم إِلَى تل كيسَان وَلم تزل الْحَرْب إِلَى أَن جن الظلام وكف الْكفْر وَسلم

стр. 1480

الْإِسْلَام وَكَانَت الدائرة على الْكَفَرَة قَالَ القَاضِي وَقتل مِنْهُم وجرح خلق عَظِيم وَالسيف يعْمل فِي بَقِيَّتهمْ وهم هاربون حَتَّى وصل المخيم غرُوب الشَّمْس من ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ لَا يعْتَقد سَلامَة نَفسه من شدَّة خَوفه وَقتل من الْمُسلمين فِي ذَلِك الْيَوْم اثْنَان وجرح جمَاعَة كَثِيرَة وَمن كتاب إِلَى بَغْدَاد قد بلي الْإِسْلَام مِنْهُم بِقوم قد استطابوا الْمَوْت واستجابوا الصَّوْت وفارقوا المحبوبين الأوطان والأوطار وهجروا المألوفين الْأَهْل والديار وركبوا اللجج ووهبوا المهج كل ذَلِك طَاعَة لقسيسهم وامتثالا لأمر مركيسهم وغيرة لمتعبدهم وحمية لمعتقدهم وتهالكا على مقبرتهم وتحرقا على قمامتهم الظبي لَا يطْلبُونَ مَعَ شدَّة الاملاق مَالا وَلَا يَجدونَ مَعَ كَثْرَة المشاق ملالا بل يتساقطون على نيران الظبي تساقط الْفراش ويقتحمون الردى متدرعي الصَّبْر متثبتي الجاش حَتَّى خرجت النِّسَاء من بلادهن متبرزات وسرن إِلَى الشَّام فِي الْبَحْر وَالْبر متجهزات وَكَانَت مِنْهُنَّ ملكة استتبعت خمس مئة مقَاتل فَارس وراجل رامح ونابل والتزمت بمؤنتهم فصودف مركبها بِقرب الاسكندرية فَأخذت برجالها وأراح الله من شَرّ احتفالها

стр. 1481

ومنهن ملكة وصلت مَعَ ملك الألمان وَذَوَات المقانع من الفرنج مقنعات دارعات يحملن إِلَى الطعان الطوارق والقنطاريات وَقد وجدت فِي الوقعات الَّتِي جرت عدَّة مِنْهُنَّ بَين الْقَتْلَى وَمَا عرفن حَتَّى سلبن وَإِن البابا الَّذِي برومية قد حرم عَلَيْهِم مطاعمهم ومشاربهم وَقَالَ من لَا يتَوَجَّه إِلَى الْقُدس مستخلصا فَهُوَ عِنْدِي محرم لَا منكح لَهُ وَلَا مطعم فلأجل هَذَا يتهافتون على الْوُرُود ويتهالكون على يومهم الْمَوْعُود وَقَالَ لَهُم إِنِّي وَاصل فِي الرّبيع جَامع على الاستنفار شَمل الْجَمِيع وَإِذا نَهَضَ هَذَا الملعون فَلَا يقْعد عَنهُ أحد ويصل مَعَه بأَهْله وَولده كل من يَقُول لله أهل وَولد فَهَذَا شرح هَؤُلَاءِ وتعصبهم فِي ضلالتهم ولجاجتهم فِي غوايتهم بِخِلَاف أهل الْإِسْلَام فَإِنَّهُم يتضجرون وَلَا يصبرون بل يتفللون وَلَا يَجْتَمعُونَ ويتسللون وَلَا يرجعُونَ وَإِنَّمَا يُقِيمُونَ ببذل نَفَقَة وَإِذا حَضَرُوا حَضَرُوا بقلوب غير متفقة ليعلم أَن الْإِسْلَام من عِنْد الله مَنْصُور وَأَن الْكفْر بارادة الله محسور ومدحور قَالَ القَاضِي وَلما عرف ملك الألمان مَا جرى على أَصْحَابه من اليزك الَّذِي هُوَ من الْعَسْكَر رأى أَن يرجع إِلَى قتال الْبَلَد ويشتغل بمضايقته فَاتخذ من الْآلَات العجيبة والصنائع الغريبة مَا هال النَّاظر إِلَيْهِ وَخيف على الْبَلَد مِنْهُ فمما أحدثه آله

стр. 1482

عَظِيمَة تسمى دبابة يدْخل تحتهَا من الْمُقَاتلَة خلق عَظِيم ملبسة بصفائح الْحَدِيد وَلها من تحتهَا عجل تحرّك بهَا من دَاخل وفيهَا الْمُقَاتلَة حَتَّى يَنْطَح بهَا السُّور وَلها رَأس عَظِيم بِرَقَبَة شَدِيدَة من حَدِيد وَهِي تسمى كَبْشًا يَنْطَح بهَا السُّور بِشدَّة عَظِيمَة لانه يجرها خلق عَظِيم فتهدمه بتكرار نطحها وَآلَة أُخْرَى وَهِي قبو فِيهِ رجال تسحب ذَلِك إِلَّا أَن رَأسهَا محدد على مِثَال السِّكَّة الَّتِي يحرث بهَا وَرَأس الْكَبْش مدور هَذَا يهدم بثقله وَتلك بحدتها وثقلها وَهِي تسمى سفودا وَمن الستائر والسلالم الْكِبَار الهائلة وَأَعدُّوا فِي الْبَحْر بطسة هائلة وصنعوا فِيهَا برجا بخرطوم إِذا أَرَادوا قلبه على السُّور انْقَلب بالحركات وَيبقى طَرِيقا إِلَى الْمَكَان الَّذِي يَنْقَلِب عَلَيْهِ يمشي عَلَيْهِ الْمُقَاتلَة وعزموا على تقريبه إِلَى برج الذبان ليأخذوه بِهِ قَالَ وَنصب الْعَدو على الْبَلَد منجنيقات هائلة حاكمة على السُّور وتواترت حجارتها حَتَّى أثرت فِيهِ أثرا بَينا وَخيف من غائلته فَأخذ سَهْمَان من سِهَام الجرخ الْعَظِيم وأحرق نصلاهما حَتَّى بقيا كالشعلة من النَّار ثمَّ رميا فِي المنجنيق الْوَاحِد فعلقا فِيهِ واجتهد الْعَدو فِي اطفاء النَّار فَلم يقدر على ذَلِك وهبت ريح شَدِيدَة فاشتعل اشتعالا عَظِيما واتصلت لهبته بِالْآخرِ فَأَحْرَقتهُ وَاشْتَدَّ ناراهما بِحَيْثُ لم يقدر أحد أَن يقرب مكانهما ليحتال فِي

стр. 1483

إطفائهما وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما اشْتَدَّ فِيهِ فَرح الْمُسلمين وغم الْكَافرين قَالَ وَمن نَوَادِر هَذِه الْوَقْعَة ومحاسنها يَعْنِي نَوَادِر مَا جرى فِي الْقِتَال على عكا أَن عواما مُسلما كَانَ يُقَال لَهُ عِيسَى كَانَ يدْخل الْبَلَد بالكتب والنفقات على وَسطه لَيْلًا على غرَّة من الْعَدو وَكَانَ يغوص وَيخرج من الْجَانِب الآخر من مراكب الْعَدو وَكَانَ ذَات لَيْلَة شدّ على وَسطه ثَلَاثَة أكياس فِيهَا ألف دِينَار وَكتب للعسكر وعام فِي الْبَحْر فَجرى عَلَيْهِ أَمر أهلكه وَأَبْطَأ خَبره عَنَّا وَكَانَت عَادَته إِذا دخل الْبَلَد طَار طَائِر عرفنَا بوصوله فَأَبْطَأَ الطَّائِر فاستشعر هَلَاكه فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام بَينا النَّاس على طرف الْبَحْر فِي الْبَلَد وَإِذا الْبَحْر قد قذف إِلَيْهِم مَيتا غريقا فافتقدوه فوجدوه عِيسَى الْعَوام ووجدوا على وَسطه الذَّهَب ومشمع الْكتب وَكَانَ الذَّهَب نَفَقَة الْمُجَاهدين فَمَا رئي من أدّى الْأَمَانَة فِي حَال حَيَاته وَقدر الله لَهُ أداءها بعد وَفَاته إِلَّا هَذَا الرجل وَكَانَ ذَلِك فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَجَب أَيْضا وَقَالَ الْعِمَاد فَعدم يَعْنِي عِيسَى وَلم يسمع لَهُ خبر وَلم يظْهر لَهُ أثر فظنت بِهِ الظنون وَمَا تيقنت الْمنون وَكَانَت لَهُ لَا شكّ عِنْد الله منزلَة فَلم يرد أَن تبقى حَاله وَهِي مجملة مُحْتَملَة

стр. 1484

فَوجدَ فِي عكا مَيتا قد رَمَاه الْبَحْر إِلَى ساحلها وبرأه الله مِمَّا قَالُوا فَذهب حق الْيَقِين من الظنون بباطلها فصل فِي إحراق مَا حوصر بِهِ برج الذبان وتحريق الْكَبْش قَالَ القَاضِي وَفِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان جهز الْعَدو لَعنه الله بطسا مُتعَدِّدَة لمحاصرة برج الذبان وَهُوَ برج فِي وسط الْبَحْر مَبْنِيّ على الصخر على بَاب ميناء عكا يحرس مِنْهُ الميناء وَمَتى عبره الْمركب أَمن من غائلة الْعَدو فَأَرَادَ الْعَدو أَخذه ليبقى الميناء بِحكمِهِ وَيمْنَع من دُخُول شَيْء من البطس إِلَيْهِ فتنقطع الْميرَة عَن الْبَلَد فَجعلُوا على صواري البطس برجا وملؤوه حطبا ونفطا على أَنهم يَسِيرُونَ البطس فَإِذا قاربت برج الذبان ولاصقته أحرقوا البرج الَّذِي على الصاري وألصقوه ببرج الذبان ليلقوه على سطحه وَيقتل من عَلَيْهِ من الْمُقَاتلَة ويأخذوه وَجعلُوا فِي البطسة وقودا كثيرا حَتَّى يلقى فِي البرج إِذا اشتعلت النَّار فِيهِ وعبوا بطسة ثَانِيَة وملؤوها حطبا ووقودا على أَنهم يدفعونها إِلَى أَن تدخل بَين البطس الإسلامية ثمَّ يلهبونها فتحرق البطس الإسلامية وَيهْلك مَا فِيهَا من المير وَجعلُوا فِي بطسة ثَالِثَة مقاتلة تَحت قبو بِحَيْثُ لَا يصل إِلَيْهِم نشاب وَلَا شَيْء من آلَات السِّلَاح حَتَّى إِذا أحرقوا مَا أَرَادوا إحراقه

стр. 1485

دخلُوا تَحت القبو فَأمنُوا وأحرقوا أَرَادوا مَا أَرَادوا إحراقه وَقدمُوا البطسة نَحْو البرج الْمَذْكُور وَكَانَ طمعهم فأوقدوا مشتدا حَيْثُ كَانَ الْهَوَاء مسعدا لَهُم فَلَمَّا أحرقوا البطسة الَّتِي أَرَادوا يحرقون بهَا بطس الْمُسلمين والبرج الَّذِي أَرَادوا يحرقون بِهِ من على البرج فأقدوا النَّار وضربوا فِيهَا النفط فانعكس الْهَوَاء عَلَيْهِم كَمَا شَاءَ الله تَعَالَى وَأَرَادَ واشتعلت البطسة الَّتِي كَانَ فِيهَا البرج بأسرها واجتهدوا فِي إطفائها فَمَا قدرُوا وَهلك من كَانَ بهَا من الْمُقَاتلَة إِلَّا من شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ احترقت البطسة الَّتِي كَانَت معدة لاحراق بطسنا ووثب أَصْحَابنَا عَلَيْهَا فَأَخَذُوهَا وَأما البطسة الَّتِي فِيهَا القبو فَإِنَّهُم انزعجوا وخافوا وهموا بِالرُّجُوعِ وَاخْتلفُوا واضطربوا اضطرابا عَظِيما فَانْقَلَبت وَهلك جَمِيع من كَانَ بهَا لأَنهم كَانُوا فِي قبو لم يستطيعوا الْخُرُوج مِنْهَا وَكَانَ ذَلِك من أعظم آيَات الله وأندر الْعَجَائِب فِي نصْرَة دين الله وَللَّه الْحَمد وَكَانَ يَوْمًا مشهودا وَقَالَ الْعِمَاد وَعند ميناء عكا فِي الْبَحْر برج يعرف ببرج الذبان وَهُوَ فِي حراسة المينا عَظِيم الشان وهومنفرد عَن الْبَلَد محمي بِالرِّجَالِ وَالْعدَد وَقصد الافرنج حصاره قبل مَجِيء ملك الألمان فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان ببطس كبار جهزوها ومراكب عِظَام الْآلَات أبرزوها ومكر مَكْرُوه ودبر دبروه

стр. 1486

وَأحد تِلْكَ المراكب قد ركب برج فَوق صاريه لَا يطاوله طود وَلَا يباريه وَقد حشي حشاه بالنفط والحطب وضيق عطنه لسعة العطب حَتَّى إِذا قرب من برج الذبان والتصق بشرفاته أعدى إِلَيْهِ بآفاته ورميت فِيهِ النَّار فَاحْتَرَقَ وَاحْتَرَقَ من الأخشاب والستائر مَا بِهِ الْتَصق وتستولي النَّار على مَوَاقِف الْمُقَاتلَة فتباعدوا عَنْهَا وَلم يقربُوا مِنْهَا وَأوقدت بطسة الْحَطب الَّتِي من وَرَائِهَا وعادت على الفرنج فالتهبوا وحمي عَلَيْهِم الْحَدِيد فاضطرموا واضطربوا وانقلبت بهم السَّفِينَة فاحترقوا وغرقوا والناجون مِنْهُم فارقوا وَفرقُوا وَلم يفرقُوا واحتمى برج الذبان فَلم يطر من بعْدهَا عَلَيْهِ ذُبَاب وَلم يفتح لِلْعَدو فِي الكيد لَهُ بَاب وَمن كتاب إِلَى سيف الْإِسْلَام بِالْيمن وَمن حَدِيث البرج أَنه يُحِيط بِهِ الْبَحْر من جوانبه وَهُوَ قفل ميناء الثغر على مراكبه وَقد رفعناه وأعليناه وبالعدد وَالرِّجَال قويناه فعمدوا إِلَى أكبر بطسة وَاتَّخذُوا فِيهَا مصقالا كَأَنَّهُ سلم وَهُوَ فِي مقدمها مركب مقدم وَقد جعلوها بِحَيْثُ إِذا قربت إِلَى البرج ركب رَأس السّلم على شراريفه وَصعد الرِّجَال إِلَيْهِ فِي تجاويفه وتعبوا فِي ذَلِك أَيَّامًا وأشبعوه توثيقا وإحكاما حَتَّى إِذا الْتَصق بالبرج ألصقت بِهِ قَوَارِير النفط وتوالت أمطار البلايا من الجروخ والمنجنيقات على أُولَئِكَ

стр. 1487

الرَّهْط ثمَّ عمل الفرنج برجا عَالِيا فِي أكبر مركب وحشوه بالحطب وَعمِلُوا على رَأس صاريه مَكَانا يقْعد فِيهِ الزراق وقدموه إِلَى برج الذبان وسلطوا على جوانبه النيرَان فأهب الله من مهب لطفه نكباء نكتب النَّار عَن البرج المحروس وكبت الفرنج على الْوُجُوه والرؤوس قَالَ القَاضِي وَفِي ثَالِث رَمَضَان زحف الْعَدو على الْبَلَد فِي خلق لَا تحصى فأهملهم أهل الْبَلَد حَتَّى نشبت مخاليب أطماعهم فِيهِ وسحبوا آلاتهم الْمَذْكُورَة حَتَّى قاربوا أَن يلصقوها بالسور وَتحصل مِنْهُم فِي الخَنْدَق جمَاعَة عَظِيمَة فأطلقوا عَلَيْهِم الجروخ والمجانيق والسهام والنيران وصاحوا صَيْحَة الرجل الْوَاحِد وفتحوا الْأَبْوَاب وهجموا على الْعَدو من كل جَانب وكبسوهم فِي الْخَنَادِق فَهَرَبُوا وَوضع السَّيْف فِيمَن بَقِي فِي الخَنْدَق مِنْهُم ثمَّ هجموا على كبشهم فَألْقوا فِيهِ النَّار والنفط وتمكنوا من حريقه لهرب الْمُقَاتلَة عَنهُ فَأحرق حريقا شنيعا وَظَهَرت لَهُ لهبة نَحْو السَّمَاء وَارْتَفَعت الْأَصْوَات بِالتَّكْبِيرِ والتهليل وَالشُّكْر وسرت نَار الْكَبْش بقوتها إِلَى السفود فَاحْتَرَقَ وعلق الْمُسلمُونَ فِي الْكَبْش الكلاليب الْحَدِيد المصنوعة فِي الأسل فسحبوه وَهُوَ يشتعل حَتَّى حصلوه عِنْدهم فِي الْبَلَد وَكَانَ مركبا

стр. 1488

من آلَات هائلة عَظِيمَة وَأُلْقِي المَاء عَلَيْهِ حَتَّى برد حديده بعد أَيَّام وبلغنا من الْبَلَد أَنه وزن مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْحَدِيد فَكَانَ مئة قِنْطَار بالشامي وَالْقِنْطَار مئة رَطْل وَلَقَد أنفذوا رَأسه إِلَى السُّلْطَان وَمثل بَين يَدَيْهِ وشاهدته وقلبته وشكله على مِثَال السفود الَّذِي يكون بِحجر الْمدَار قيل إِنَّه يَنْطَح بِهِ السُّور فيهدم مَا يلاقيه وَكَانَ ذَلِك من أحسن أَيَّام الْإِسْلَام وَوَقع على الْعَدو خذلان عَظِيم وَرفعُوا مَا سلم من آلاتهم وسكنت حركاتهم الَّتِي ضيعوا فِيهَا نفقاتهم وَقَالَ الْعِمَاد واستأنف الفرنج عمل دبابة هائلة وَآلَة للغوائل غائلة فِي رَأسهَا شكل عَظِيم يُقَال لَهُ الْكَبْش وَله قرنان فِي طول رُمْحَيْنِ كالعمودين الغليظين وَهَذِه الدبابة فِي هَيْئَة الخربشت الْكَبِير وَقد سقفوها مَعَ كبشها بأعمدة الْحَدِيد ولبسوا رَأس الْكَبْش بعد الْحَدِيد بِالنُّحَاسِ فَلم يبْق للنار إِلَيْهَا سَبِيل وَلَا للعطب عَلَيْهَا دَلِيل وملؤوها بالكماة وَالرُّمَاة وسحبوها وقربوها فَجَاءَت صُورَة مزعجة وبلي الْبَلَد مِنْهَا بالبلاء وَقَالُوا مَا فِي دَفعهَا حِيلَة ونصبوا على صوبها مجانيق ورموا بِالْحِجَارَةِ الثَّقِيلَة ذَلِك النيق فأبعدت رجالها من حواليها ثمَّ رَمَوْهَا بحزم الْحَطب حَتَّى طموا مَا بَين القرنين وقذفوها بالنَّار فَبَاتُوا يطفئونها بالخل

стр. 1489

وَالْخمر وَقد تمكنت النَّار من أضلاعها ثمَّ خسفها المنجنيق وَخرج من بالثغر فَقطعُوا رَأس الْكَبْش وَاسْتَخْرَجُوا مَا تَحت الرماد من الْعدَد بالنبش وَقدر مَا نهب من الْحَدِيد بمئة قِنْطَار وَعلم الفرنج أَن أَعْمَالهم حبطت وآمالهم هَبَطت وَكَانَ ذَلِك فِي ثَالِث عشر رَمَضَان وَفِيه قدم الظَّاهِر صَاحب حلب والأمجد صَاحب بعلبك وسابق الدّين عُثْمَان صَاحب شيزر وَعز الدّين ابْن الْمُقدم والأمير حسام الدّين حُسَيْن بن باريك وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء والخواص والمماليك فصل فِي حوادث أخر مُتَفَرِّقَة فِي هَذِه السّنة قَالَ الْعِمَاد وَوصل الْخَبَر فِي سادس عشر رَمَضَان من حلب أَن صَاحب أنطاكية أغار على غرَّة بشرة وشرة فرتب أَصْحَابنَا لَهُ كمينا ثمَّ خَرجُوا عَلَيْهِ شمالا ويمينا فَقتلُوا أَكثر رِجَاله وأفلت وباله فِي وباله قَالَ القَاضِي خرج عَلَيْهِ نواب الْملك الظَّاهِر فَقتل من عسكره خَمْسَة وَسَبْعُونَ نَفرا وَأسر مِنْهُم خلق عَظِيم واستعصم

стр. 1490

بِنَفسِهِ فِي مَوضِع يُسمى شيح حَتَّى انْدَفَعُوا وَسَار إِلَى بَلَده قَالَ وَفِي أثْنَاء الْعشْر الْأَوْسَط أَلْقَت الرّيح بطستين فيهمَا رجال وصبيان وَنسَاء وميرة عَظِيمَة وغنم كَثِيرَة قَاصِدين نَحْو الْعَدو فغنمها الْمُسلمُونَ وَكَانَ الْعَدو قد ظفر لنا ببركوس فِيهِ نَفَقَة وَرِجَال أَرَادَ الدُّخُول إِلَى الْبَلَد فَأَخَذُوهُ فَوَقع الظفر بِهَاتَيْنِ البطستين ماحيا لذَلِك وجابرا لَهُ قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذَا التَّارِيخ أَلْقَت الرّيح إِلَى سَاحل زيب بطستين خرجتا من عكا بِجَمَاعَة من الرِّجَال وَالصبيان وَالنِّسَاء وفيهَا امْرَأَة محتشمة غنية مُحْتَرمَة فأخذتا وَأخذُوا وَأخذت وجد الفرنج فِي استنقاذها فَمَا استنقذت قَالَ وَفِي تَاسِع عشر الشَّهْر رحلنا إِلَى منزلَة تعرف بشفر عَم وَسَببه أَنه كثر المستأمنون من الفرنج وأخبروا أَنهم فِي عزم الْخُرُوج إِلَى المرج هائجين للثأر ثائرين إِلَى الهيجاء فَاسْتَشَارَ السُّلْطَان أمراءه فَقَالُوا الصَّوَاب أَن نفسح لَهُم عَن هَذِه المروج حَتَّى يكون دُخُولهمْ إِلَيْهَا يَوْم الْخُرُوج فنصبحهم فِي الْيَوْم الآخر وَلَا يتَعَذَّر بهم إحداق العساكر

стр. 1491

فخيمنا هُنَاكَ ورحبت الْمنَازل وعذبت المناهل وعادت معالم تِلْكَ المجاهل وحللنا التلاع والآكام وركزنا بِتِلْكَ الْأَعْلَام الْأَعْلَام ونزلنا لمقام الشتَاء مستعدين ولأسباب التوقي من الأمطار مستنجدين قَالَ وَمرض زين الدّين صَاحب إربل فِي شهر رَمَضَان وَتُوفِّي فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين مِنْهُ قَالَ القَاضِي وَكَانَ اسْتَأْذن فِي الرواح فَلم يُؤذن لَهُ فَاسْتَأْذن فِي الِانْتِقَال إِلَى الناصرة فَأذن لَهُ فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا يمرض نَفسه ثمَّ توفّي وَعِنْده أَخُوهُ مظفر الدّين يُشَاهِدهُ وحزن النَّاس عَلَيْهِ لمَكَان شبابه وغربته قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ كَرِيمًا أريحيا نحيا سخيا وبكرنا إِلَى مظفر الدّين نعزيه فِي أَخِيه وظننا بِهِ الْحزن فَقُلْنَا نعظه ونسليه فَإِذا هُوَ فِي شغل شاغل عَن العزاء مهتم بِالِاحْتِيَاطِ على مَا خَلفه وَتَركه من الأشياع والأشياء وهوجالس فِي مخيم أَخِيه الْمُتَوفَّى وَقد أشرف على حفظه وأوفى وَقد قبض على جمَاعَة من أمرائه واعتقلهم وَعجل عَلَيْهِم وَمَا أغفلهم مِنْهُم صارم الدّين بن بلداجي

стр. 1492

مُتَوَلِّي خفتيان كَانَ ليتسلم مِنْهُ الْمَكَان وَكَذَلِكَ كل حَاضر لَهُ حصن ليحصل لَهُ من طَاعَته أَمن وخاطب فِي أَسبَاب ولَايَة إربل وأعمالها وَأَن يسْتَقلّ ببلادها وأموالها وَرغب فِي شهرزور واستضافتها لاستنارة وجاهته بهَا واستفاضتها وَأَنه ينزل على حران والرها وسميساط والموزر وَيجْعَل كل مَا فِي يَده من الْأَعْمَال فِي الموفر ويخدم بِخَمْسِينَ ألف دِينَار ويحضرها نَقْدا ويلتزم بهَا على الْمِيثَاق عقدا فأجيبت رغبته وَأُصِيبَتْ طلبته وَعقد لِوَاؤُهُ ونجح رجاؤه وَأَرَادَ سرعَة الرحيل فاستمهل إِلَى حِين وُصُول الْملك المظفر تَقِيّ الدّين لينزل فِي مَنْزِلَته بجنده وَصَحبه الميامين فوصل يَوْم الْأَحَد ثَالِث شَوَّال وأضيف إِلَيْهِ مَا استعيد من مظفر الدّين من الْأَعْمَال وَكتب منشور إربل وَكتاب إِلَى صَاحب الْموصل فِيهِ لَا شكّ فِي إحاطة الْعلم بانتقال زين الدّين إِلَى جوَار الله ومقر رَحمته مُجَاهدًا

стр. 1493

فِي سَبِيل الله شاكرا لنعمته وَهُوَ من السُّعَدَاء الَّذين أنزل الله تَعَالَى فيهم ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجراً إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْت فَقْد وَقَع أجْرُه على الله﴾ فَمَا أفجع الْقُلُوب بمصابه وَمَا أنكى فِي النُّفُوس فلول شبا شبابه وَلَقَد كَانَت الهمة متوفرة على تَرْبِيَته واعلاء دَرَجَته وَلَكِن الله تَعَالَى اسْتَأْثر بِهِ قبل ظُهُور حسن الْآثَار فِي ايثاره وبلي بدره التم بسراره وَأصْبح فِي ضمير البلى من أسراره وَهَذِه إربل من إنعام الْبَيْت الْكَرِيم الأتابكي على الْبَيْت الزيني مذ سبعين عَاما لم يحلوا لعقد أنعامهم بهَا نظاما وَلم يزِيدُوا أَحْكَامه إِلَّا إحكاما وإبراما وَمَا أرى أَن يخرج هَذَا الْموضع مِنْهُم وَأَن يصدف بِهِ عَنْهُم والأمير الْأَجَل مظفر الدّين كَبِير الْبَيْت وحاميه والمقدم فِي الْولَايَة بِمُقْتَضى وَصِيَّة أَبِيه وَقد أنهض ليسد مسد أَخِيه قَالَ وَكَانَ الْملك المظفر تَقِيّ الدّين مُتَوَلِّيًا مذ سِنِين أَعمال ميافارقين فَطلب من عَمه تَفْوِيض كل مَا وَرَاء الْفُرَات إِلَيْهِ والاعتماد فِيهِ عَلَيْهِ فأنعم عَلَيْهِ بذلك فَأَقَامَ عندنَا بالمنزلة المظفرية إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْمُضِيّ إِلَى تِلْكَ الْولَايَة وسير نوابه إِلَيْهَا لابقاء رعاياها على شِيمَة الرِّعَايَة

стр. 1494

قَالَ وَلما أحس الْعَسْكَر الشَّرْقِي بالشتاء أبدوا خلق السَّآمَة وضجروا من الاقامة فَأَما عماد الدّين صَاحب سنجار فانه عرف كَرَاهِيَة السُّلْطَان لفراقه فَلم يجر إِلَّا على وفاقه وَأما صَاحب الجزيرة سنجر شاه فَإِنَّهُ استطال الْمقَام وأباه وَدخل يَوْم عيد الْفطر على السُّلْطَان فَقبل يَده وودعه من غير سَابِقَة الاسْتِئْذَان فأغضبه انْفِصَاله وساءه ارتحاله وَكَانَ تَقِيّ الدّين واصلا فلقي صَاحب الجزيرة عَنَّا فاصلا فَرده عَن طَرِيقه وجد فِي تعويقه وَرجع بِهِ إِلَى الرِّضَا وَعَفا الله عَمَّا مضى وَقَالَ القَاضِي ترددت رسله ورقاعه إِلَى السُّلْطَان فِي طلب الدستور وَالسُّلْطَان يعْتَذر بِأَن رسل الْعَدو متكررة فِي معنى الصُّلْح وَلَا يجوز أَن تنفض العساكر حَتَّى نتبين على مَاذَا ينْفَصل الْحَال من سلم أَو حَرْب فَلَمَّا كَانَ يَوْم عيد الْفطر دخل على السُّلْطَان وَهُوَ ملتاث الْجِسْم فَقبل يَده وَخرج وسارمن سَاعَته وَمَعَهُ أَصْحَابه فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان صَنِيعه كتب إِلَيْهِ إِنَّك أَنْت قصدت الانتماء إِلَيّ ابْتِدَاء وراجعتني فِي ذَلِك مرَارًا وأظهرت الخيفة على نَفسك وبلدك من أهلك فقبلتك وآويتك ونصرتك فبسطت يدك فِي أَمْوَال النَّاس وَدِمَائِهِمْ وأعراضهم فنفذت إِلَيْك ونهيتك عَن ذَلِك مرَارًا فَلم تَنْتَهِ فاتفق وُقُوع هَذِه الْوَاقِعَة للاسلام فدعوناك فَأتيت بعسكر قد عَرفته وعرفه النَّاس وأقمت هَذِه المديدة وقلقت هَذَا القلق وتحركت بِهَذِهِ الْحَرَكَة وانصرفت عَن غير طيب نفس وَغير فصل حَال مَعَ

стр. 1495

الْعَدو فَانْظُر لنَفسك وَأبْصر من تنتمي إِلَيْهِ غَيْرِي واحفظ نَفسك مِمَّن يقصدك فَمَا بَقِي لي إِلَى جَانِبك الْتِفَات وَسلم الْكتاب إِلَى نجاب فَلحقه قَرِيبا من طبرية فَقَرَأَ الْكتاب وَلم يلْتَفت وَسَار فَلَقِيَهُ تَقِيّ الدّين عِنْد عقبَة فيق فَأخْبرهُ بأَمْره وتعتب على السُّلْطَان كَيفَ لم يخلع عَلَيْهِ وَلم يَأْذَن لَهُ فِي الرواح ففهم تَقِيّ الدّين انْفِصَاله عَن غير دستور من السُّلْطَان فَأمره بِالرُّجُوعِ وَقَالَ أَنْت صبي وَلَا تعلم غائلة هَذَا الْأَمر فَقَالَ مَا يمكنني الرُّجُوع فَقَالَ ترجع من كل بُد من غير اختيارك وَكَانَ تَقِيّ الدّين شَدِيد الْبَأْس مقداما على الْأُمُور لَيْسَ فِي عينه من أحد شَيْء فَلَمَّا علم أَنه قابضه إِن لم يرجع رَجَعَ مَعَه وَسَأَلَ السُّلْطَان الصفح عَنهُ فَفعل وَطلب أَن يُقيم فِي جوَار تَقِيّ الدّين خشيَة على نَفسه فَأذن لَهُ فَأَقَامَ فِي جواره إِلَى حِين ذَهَابه قَالَ الْعِمَاد فِي الْفَتْح وَطَالَ على الْملك عماد الدّين صَاحب سنجار الْمقَام وجد فِي الاسْتِئْذَان فِي الرحيل مِنْهُ الاهتمام وتقرر ملاله وتكرر سُؤَاله فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان (من ضَاعَ مثلي من يَدَيْهِ ... فليت شعري مَا استفادا) فَلَمَّا قَرَأَ هَذَا الْبَيْت مَا راوح فِي الْخطاب وَلَا غادى

стр. 1496

وَقَالَ فِي الْبَرْق وَفِي مستهل ذِي القعده أذن لعلاء الدّين خرم شاه ابْن صَاحب الْموصل ونعت بِالْملكِ السعيد لما تفرس فِيهِ من أَمَارَات السعد وَأقَام بعده عَمه عماد الدّين وَابْن عَمه معز الدّين سنجر شاه وهما صاحبا سنجار والجزيرة وحبوا بالحباء الوافر والعطايا الغزيرة وَمَا فارقا إِلَّا فِي السّنة الْأُخْرَى فِي ثَالِث صفر قَالَ وغلت الأسعار عِنْد الفرنج حَتَّى بلغت الغرارة أَكثر من مئة دِينَار والسعر من الزِّيَادَة لديهم فِي اسْتعَار وبلوا بِأُمُور صعبة وهرب إِلَيْنَا مِنْهُم عصبَة بعد عصبَة فاستأمنوا إِلَيْنَا لفرط جوعهم وَلما شَبِعُوا عندنَا لم يَرْغَبُوا فِي رجوعهم فَمنهمْ من أسلم فَحسن إِسْلَامه وَمِنْهُم من خدم فَوَافَقَ استخدامه وَمِنْهُم من حن إِلَى إلفه فَرجع الْقَهْقَرَى إِلَى خَلفه فصل كَانَ القَاضِي الْفَاضِل ﵀ فِي هَذِه الْأَوْقَات بالديار المصرية يرتب للسُّلْطَان أُمُوره من تجهيز العساكر وتعمير الأسطول وَحمل المَال وَنقل المير إِلَى عكا وَالسُّلْطَان يكاتبه فِي مهماته وَترجع أجوبته بِأَحْسَن عباراته مُشِيرا وناصحا ومسليا وباحثا عَن مصَالح الْإِسْلَام متقصيا فَمن بعض كتبه

стр. 1497

الْمَمْلُوك يُنْهِي أَن الله تَعَالَى لَا ينَال مَا عِنْده إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَلَا تفرج الشدائد إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ والامتثال لأمر شَرِيعَته والمعاصي فِي كل مَكَان بادية والمظالم فِي كل مَوضِع فَاشِية وَقد طلع إِلَى الله تَعَالَى مِنْهَا مَا لايتوقع بعْدهَا إِلَّا مَا يستعاذ مِنْهُ وَقد أجْرى الله تَعَالَى على يَد مَوْلَانَا أبقاه الله من فتح الْبَيْت الْمُقَدّس مَا يكون بِمَشِيئَة الله لَهُ حجَّة فِي رِضَاهُ ونعوذ بِاللَّه أَن يكون حجَّة لَهُ فِي غَضَبه بلغ الْمَمْلُوك من كل وَارِد مِنْهُ مُكَاتبَة ومخاطبة بِأَنَّهُ على صفة تقشعر مِنْهَا الأجساد وتتصدع بذكرها الأكباد والمملوك لَا يتَعَرَّض لتفصيل مَا بلغه من ظُهُور الْمُنْكَرَات فِيهِ وشيوع الْمَظَالِم فِي ضيَاعه وخراب الْبَلَد وَعدم الْقُدْرَة على المرمة لقبة الصَّخْرَة وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وبالغفلة من مرمتهما وبفقدهما فِي أشتية الْقُدس الْعَظِيمَة الجليلة المثلجة لَا يُؤمن سُقُوطهَا وافتضاح الْقُدْرَة فِي الْعَجز عَن إعادتهما والمرمة أقرب متناولا من الْإِنْشَاء والتجديد وَلَا شُبْهَة أَن مَوْلَانَا عز نَصره فِي أشغال شاغلة وَأُمُور متشددة وقضايا غير وَاحِدَة وَلَا مُتعَدِّدَة وَلَكِن قد ابْتُلِيَ النَّاس فصبروا وأضجرتهم الْأَيَّام فَمَا ضجروا وَأي عبَادَة أعظم من عِبَادَته الَّتِي قَامَ بهَا وَالنَّاس عَنْهَا قعُود وصبر فِي طلب جنتها على نَارِي الْحَرْب وَالْوَقْت ذواتي الْوقُود غير أَن مَوْلَانَا إِذا ذكر نصِيبه من

стр. 1498

الاقدام فَلَا ينسى نصِيبه من الحزم وَلَا يعجل فِي الْأُمُور الخطيرة وَلَا يقدم بِالْعدَدِ الْقَلِيل على الْعدة الْكَثِيرَة فالمولى إِذا قَاتل كَانَ وَاحِدًا وَإِذا دبر كَانَ بالخلق وَلَا يطْمع بِأَن يقوم بِهِ الْألف وليذكر الْمولى نوبَة الرملة الَّتِي كَانَ وُقُوعهَا من الله سُبْحَانَهُ أدبا لَا غَضبا وتوفيقا لَا اتِّفَاقًا وَلَا يكره الْمولى أَن تطول مُدَّة الِابْتِلَاء بِهَذَا الْعَدو فثوابه يطول وحسناته تزيد وأثره فِي الْإِسْلَام يبْقى وفتوحاته بِمَشِيئَة الله يعظم موقعها وَالْعَاقبَة للتقوى ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ وَالله تَعَالَى يشْكر لمولانا جهاده بِيَدِهِ وبرأيه وبولده وبخاصته وبعامة جنده والاعداء فِي أعدائه كجهاده بِصَاحِب صيدا فِي الفرنج فَهُوَ جِهَاد قد أربى فِيهِ رَأْي الْمولى فرجح وَالْحَدِيد بالحديد يفلح وأكيد مَا قوتل بِهِ الْعَدو سلاحه وأسرع جنَاح طَار لقبضه جنَاحه ودولة مَوْلَانَا كالبحر كرما وَظُهُور عجائب وكالسماء مَطَرا وأسنة كواكب وَمن كتاب آخر الْمَمْلُوك يقبل الأَرْض بَين يَدي مَوْلَانَا الْملك النَّاصِر لطف الله بِقَلْبِه وَحمل عَنهُ وروح سره وَوصل الرَّاحَة بِهِ ونسأل أَن يرحمه بِنَا الَّذِي رحمنا بِهِ فقد بلغت الْقُلُوب

стр. 1499

وَقد وقفت فِي طرقنا الذُّنُوب وبينما نَحن لنتظر من كتب الْمولى مَا يسْتَدلّ بِهِ على أَن قلب الْمولى قد طَابَ وَقصد الْعَدو قد خَابَ إِذْ ترد كتب يكون الْوُقُوف عَلَيْهَا قَاطعا للأكباد مفتتا للقلوب وَلَو أَنَّهَا جماد ثمَّ ذكر البطس الَّذِي تقدم ذكرهَا الْوَاصِلَة إِلَى عكا لَيْلَة نصف شعْبَان فَقَالَ وَبينا نَحن نعتقد أَن البطس فِي عكا وصل الْخَبَر بِأَنَّهَا فِي دمياط وَيَوْم وصل الْخَبَر بِأَنَّهَا فِي دمياط نَحن على انْتِظَار خُرُوجهَا مِنْهُ وَكتب البطائق بالاستحثاث والاستعجال وتحذيرهم من تمادي الْمقَام وَمَا تَيَقنا أخرجت أم هِيَ بَاقِيَة كَأَن الرّيح فِي بَيت مَا خرجت مِنْهُ فِي هَاتين الجمعتين وَلها من تَارِيخ خُرُوجهَا من الاسكندرية وَإِلَى تَارِيخ تسطير هَذِه الْخدمَة خَمْسَة عشر يَوْمًا والعيون ممدودة وَالْأَيْدِي مَرْفُوعَة بِأَن يفرج الله عَنَّا وعنكم بوصولها فَمن شبع فِي هَذِه الْأَيَّام فَمَا واسى الْمُسلمين وَمن نَام ملْء عَيْنَيْهِ فَمَا هُوَ من أخوة الْمُؤمنِينَ والمملوك شفيق على البطس فِي وَقت الدُّخُول حذر أَن يعْتَرض الْعَدو طريقها فيحول بَينهَا وَبَين الْوُصُول فينعكس المُرَاد بهَا وَيحدث من الْمضرَّة بحرمانها أَضْعَاف مَا يحدث من النِّعْمَة بالفرج الْمسير فِيهَا وأكد هَذِه الْحَال فِي نفس الْمَمْلُوك وُقُوفه

стр. 1500

على كتب أَصْحَابنَا من عكا وَقد وَقع لَهُم هَذَا الْوَاقِع الَّذِي وَقع للمملوك من خوفهم عَلَيْهَا واستبعادهم دُخُولهَا فَمَا الْمَمْلُوك وكل من يعرف الْأَمر إِلَّا كَأَهل الصِّرَاط رب سلم رب سلم فنسأل الله سُبْحَانَهُ أَلا يكلنا إِلَى أَنْفُسنَا فنعجز وَلَا إِلَى النَّاس فنضيع ومجهود أهل الأَرْض قد انْتهى وَبَقِي مَا يَفْعَله الله وَالْخَيْر منتظر مِنْهُ والفرج بالقوت قد سير فِي الْبَحْر من خَمْسَة عشر يَوْمًا والفرج بِالنَّفَقَةِ قد سير فِي الْبر من عشرَة أَيَّام وَالله يَا مَوْلَانَا مَا ينجز شَيْء من هَذِه الْأُمُور إِلَى أَن تضرب الْوُجُوه بالشوك وتستحلب الْحِجَارَة وينبه النوام وتبح الْأَصْوَات من التذْكَار وتحفى الأقلام من الْكِتَابَة ويخضع لمن يلْزمه الشّغل كالخضوع لمن لَا يلْزمه وَالله الْمُسْتَعَان فَلْيخْلصْ الْمولى نِيَّته فِي الِاسْتِعَانَة فالأعوان قَلِيل (وَقد كَانُوا إِذا عدوا قَلِيلا ... فقد صَارُوا أقل من الْقَلِيل) وَمن كتاب آخر وَمَا تجدّد لِلْعَدو من الشُّرُوع فِي آلَات الْحصار لعكا وَمَا أرجف بِهِ من النجدتين الفرنجيتين الْوَاصِلَة والبعيدة وافتراق العساكر فِي هَذَا الْوَقْت للضَّرُورَة والتماس الْعَسْكَر الشَّرْقِي الدستور للضجر وحاجة الْمولى من الانفاق إِلَى مَا لَا يَسعهُ التَّدْبِير ويضيق عَنهُ الامكان ومطالبة الْغَنِيّ بِالزِّيَادَةِ مَعَ

стр. 1501

الْغَنِيّ والضعيف بِأَكْثَرَ مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ وضياع فرْصَة بعد فرْصَة وَاخْتِلَاف رَأْي بَين المستشارين من الْجَمَاعَة وجود الْأَلْسِنَة بالآراء وبخل الْأَيْدِي بالمعونة وانفراد الْمولى بالتعب واشتراك النَّاس فِي الرَّاحَة وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ الْمُسلمُونَ من مرض أظهروه ليَكُون لَهُم عذرا فِي الْقعُود وكتمه الْمولى على نَفسه لِئَلَّا يجلب لِأَصْحَابِنَا ضعف النُّفُوس فَهَذِهِ الْأُمُور وَإِن كَانَت شَدَائِد وزائدات على العوائد فقد ألهم الله مَوْلَانَا فِيهَا سَعَة الصَّدْر وَحسن الصَّبْر ليشعره أَن صبره يعقبه النَّصْر وحسبته يعقبه الْأجر وَلَو لم ير الله تَعَالَى أَن قُوَّة مَوْلَانَا أكمل القوى وَعُرْوَة عزمه أوثق العرى لما أَهله لِأَن ينصر مِلَّة لَا يعرف الْمَمْلُوك غير الله ينصرها وَغير مَوْلَانَا يُبَاشر النُّصْرَة ويحضرها فَلَيْسَ إِلَّا التجرد للدُّعَاء والتجلد للْقَضَاء فَلَا بُد من قدر مفعول وَدُعَاء مَقْبُول وَمن الْأَمْثَال الْمَنْظُومَة (نَحن الَّذين إِذا علوا لم يبطروا ... يَوْم الْهياج وَإِن علوا لم يضجروا) ومعاذ الله أَن يفتح علينا الْبِلَاد ثمَّ يغلقها وَأَن يسلم على يدينا الْقُدس ثمَّ ينصره ثمَّ معَاذ الله أَن نغلب على النَّصْر ثمَّ معَاذ الله أَن نغلب على الصَّبْر واذا كَانَ مَا يقدم الله إِلَيْهِ المماليك قبله الْمولى لَا بُد

стр. 1502

مِنْهُ وَهُوَ لِقَاء الله سُبْحَانَهُ فَلِأَن نَلْقَاهُ وَالْحجّة لنا خير من أَن نَلْقَاهُ وَالْحجّة علينا فَلَا تعظم هَذِه الفتوق على مَوْلَانَا فتبهر صبره وتملأ صَدره ﴿فَلَا تهنوا وَتَدعُوا إِلَى السّلم وَأَنْتُم الأعلون وَالله مَعكُمْ﴾ وَهَذَا دين مَا غلب بِكَثْرَة وَلَا نصر بثروة وَإِنَّمَا اخْتَار الله تَعَالَى لَهُ أَرْبَاب نيات وَذَوي قُلُوب مَعَه وحالات فَلْيَكُن الْمولى نعم الْخلف لذَلِك السّلف ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ واشتدي أزمة تنفرجي والغمرات تذْهب ثمَّ لَا تجي وَالله تَعَالَى يسمع الْأذن مَا يسر الْقلب وَيصرف عَن الْإِسْلَام وَأَهله غاشية هَذَا الكرب ونستغفر الله الْعَظِيم فانه مَا ابتلى إِلَّا بذنب وَمن كتاب آخر يَا مَوْلَانَا أعلم أَن الله تَعَالَى قد فعل لَك مَا فعله لنَفسِهِ وَدلّ على لطفه بك كَمَا دلّ على قدرته فانه تَعَالَى خلق الْخلق من غير مَادَّة وَأقَام السَّمَاء بِغَيْر عمد وَكَذَلِكَ فعل الله بك خلقك بِغَيْر شَبيه فِي الْمُلُوك كرما ودينا وَسَهل لَك من مصر مَالا من غير جِهَة وَحمى مِنْهَا بلادا بِغَيْر جند وَسكن لَك فِيهَا رعية بِغَيْر وُلَاة فاشكر الله وَلَا تحتقر خدمَة من يَبِيع الأنفاس وَالنَّوْم والراحة اجْتِهَادًا فِيمَا يريحك ويخفف عَنْك ثمَّ لَا يُرِيد الْعِوَض مِنْك إِنَّمَا يُريدهُ من الله عَنْك لِأَن خدمتك طَاعَة لَهُ

стр. 1503

وَالْوُجُوه الَّتِي وَقعت الاشارة إِلَيْهَا خضنا فِيهَا وَفِي غَيرهَا فَمَا وجدنَا أَكثر مِمَّا بلغنَا إِلَيْهِ يَا مَوْلَانَا لَيْسَ لَك فِي مصر إِلَّا الثغور وَمَا عملت فِي هَذِه السّنة إِلَّا بِقدر ثمن حبال مَا سير إِلَيْك من الأساطيل إِن الله آخذ بيد الْكَرِيم والمعونة بِحَسب الْمُؤْنَة فليهن الْمولى الْعَافِيَة من الْحساب فشتان مَا حِسَاب من كنز الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلم ينفقها فِي سَبِيل الله وحساب من قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا فِي سَبِيل الله وَمن كتاب آخر وَمَا فِي نفس الْمَمْلُوك شَائِبَة إِلَّا بَقِيَّة هَذَا الضعْف الَّذِي بجسم مَوْلَانَا فانه بقلوبنا ونفديه بأسماعنا وأبصارنا (بِنَا معشر الخدام مَا بك من أَذَى ... وَإِن أشفقوا مِمَّا أَقُول فَبِي وحدي) وَمن كتاب آخر إِنَّمَا أَتَيْنَا من قبل أَنْفُسنَا وَلَو صدقناه لعجل لنا عواقب صدقنا وَلَو أطعناه لما عاقبنا بعدونا وَلَو فعلنَا مَا نقدر عَلَيْهِ من أمره لفعل لنا مَا لانقدر عَلَيْهِ إِلَّا بِهِ فَلَا يستخصم أحد إِلَّا عمله وَلَا يلم إِلَّا نَفسه وَلَا يرج إِلَّا ربه وَلَا ينْتَظر العساكر أَن تكْثر وَلَا الْأَمْوَال أَن تحضر وَلَا فلَان الَّذِي يعْتَقد عَلَيْهِ أَن يُقَاتل وَلَا فلَان الَّذِي ينْتَظر أَنه يُشِير فَكل هَذِه مشاغل عَن الله لَيْسَ النَّصْر بهَا وَلَا نَأْمَن أَن يكلنا الله إِلَيْهَا والنصر بِهِ واللطف مِنْهُ وَالْعَادَة الجميلة لَهُ ونستغفر الله سُبْحَانَهُ من ذنوبنا فلولا أَنَّهَا تسد طَرِيق دعائنا لَكَانَ جَوَاب دعائنا قد نزل وفيض دموع

стр. 1504

الخاشعين قد غسل وَلَكِن فِي الطَّرِيق عائق خار الله لمولانا فِي الْقَضَاء السَّابِق واللاحق وَفِي كتاب آخر وصف فِيهِ الْملك الْعَزِيز عُثْمَان ابْن السُّلْطَان ثمَّ قَالَ وَلَو شَاهد مَوْلَانَا الْيَوْم شخصه الْكَرِيم وَصورته الجميلة وَنَفسه الطاهرة ونظرته المطرقة وصفحته الحيية وَسُكُون حركاته الموزونة لخلع مَوْلَانَا عَلَيْهِ فُؤَاده ووهبه عينه ورقاده وَلَقَد يرد الْمولى عرصات الْقِيَامَة وثواب فِرَاقه لَهُ لوجه الله أعظم من ثَوَاب جهاده فِي سَبِيل الله وَإِن إِيمَانًا صبره عَن ذَلِك الْوَلَد الْكَرِيم لكريم وَإِن إِيمَانًا أسلى عَن ذَلِك الْملك الْعَظِيم لعَظيم وَمن كتاب آخر وعسكرنا لَا يشكو وَالْحَمْد لله مِنْهُ خورا إِنَّمَا يشكو مِنْهُ ضجرا والقوى البشرية لَا بُد أَن يكون لَهَا حد والأقدار الالهية لَهَا قصد وكل ذِي قصد خَادِم قَصدهَا وواقف عِنْد حَدهَا وَإِنَّمَا ذكر الْمَمْلُوك هَذَا ليرْفَع الْمولى من خاطره مقت المتقاعس من رِجَاله كَمَا يثبت فِيهِ شكر المسارع من أبطاله قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاعْفُ عَنْهُم واستغفر لَهُم وشاورهم فِي الْأَمر﴾ يَا مَوْلَانَا أَلَيْسَ الله تَعَالَى اطلع على قُلُوب أهل الأَرْض فَلم يؤهل وَلم يستصلح وَلم يخْتَر وَلم يسهل وَلم يسْتَعْمل وَلم

стр. 1505

يستخدم فِي إِقَامَة دينه وإعلاء كَلمته وتمهيد سُلْطَانه وحماية شعاره وَحفظ قبْلَة موحديه إِلَّا أَنْت هَذَا وَفِي الأَرْض من هُوَ أَحَق للنبوة قرَابَة وَمن لَهُ المملكة وراثة وَمن لَهُ فِي المَال كَثْرَة وَمن لَهُ فِي الْعدَد ثروة فَأَقْعَدَهُمْ وأقامك وكسلهم ونشطك وقبضهم وبسطك وحبب الدُّنْيَا إِلَيْهِم وبغضها إِلَيْك وصعبها عَلَيْهِم وهونها عَلَيْك وَأمْسك أَيْديهم وَأطلق يدك وأغمد سيوفهم وجرد سَيْفك وأشقاهم وأنعم عَلَيْك وثبطهم وسيرك ﴿وَلَو أَرَادوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ عدَّة وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ نعم وَأُخْرَى أهم من الأولى أَنه لما اجْتمعت كلمة الْكفْر من أقطار الأَرْض وأطراف الدُّنْيَا ومغرب الشَّمْس ومزخر الْبَحْر مَا تَأَخّر مِنْهُم مُتَأَخّر وَلَا استبعد الْمسَافَة بَيْنك وَبينهمْ مستبعد وَخَرجُوا من ذَات أنفسهم الخبيثة لَا أَمْوَال تنْفق فيهم وَلَا مُلُوك تحكم عَلَيْهِم وَلَا عَصا تسوقهم وَلَا سيف يزعجهم مهطعين إِلَى الدَّاعِي ساعين فِي أثر السَّاعِي وهم من كل حدب يَنْسلونَ وَمن كل بر وبحر يقبلُونَ كنت يَا مَوْلَانَا أبقاك الله كَمَا قيل (وَلست بِملك هازم لنظيره ... وَلَكِنَّك الْإِسْلَام للشرك هازم)

стр. 1506

هَذَا وَلَيْسَ لَك من الْمُسلمين كَافَّة مساعد إِلَّا بدعوة وَلَا مُجَاهِد مَعَك إِلَّا بِلِسَانِهِ وَلَا خَارج مَعَك إِلَّا بهم وَلَا خَارج بَين يَديك إِلَّا بِالْأُجْرَةِ وَلَا قَانِع مِنْك إِلَّا بِزِيَادَة تشتري مِنْهُم الخطوات شبْرًا بِذِرَاع وذراعا بباع تدعوهم إِلَى الله وكأنما تدعوهم إِلَى نَفسك وتسألهم الْفَرِيضَة وكأنك تكلفهم النَّافِلَة وَتعرض عَلَيْهِم الْجنَّة وكأنك تُرِيدُ أَن تستأثر بهَا دونهم والآراء تخْتَلف بحضرتك والمشورات تتنوع بمجلسك فَقَائِل لم لَا نتباعد عَن الْمنزلَة وَآخر لم لَا نَمِيل إِلَى الْمُصَالحَة ومتندم على فَائت مَا كَانَ فِيهِ حَظّ ومشير بمستقبل مَا يلوح فِيهِ رشد ومشير بالتخلي عَن عكا حَتَّى كَأَن تَركهَا تغليق الْمُعَامَلَة وَمَا كَأَنَّهَا طَلِيعَة الْجَيْش وَلَا قفل الدَّار وَلَا خرزة السلك إِن وهت تداعى السلك وانبت فِي يَد الْملك فألهمك الله قتل الْكَافِر وَخلاف المخذل والتجلد وَتَحْت قدمك الْجَمْر وأفرشك الطُّمَأْنِينَة وَتَحْت جَنْبك الوعر (وَلَكِن مَوْلَانَا صفيحة وَجهه ... كضوء شهَاب القابس المتنور) (قَلِيل التشكي للمهم يُصِيبهُ ... كثير الْهوى شَتَّى النَّوَى والمسالك) لَا شُبْهَة أَن الْمَمْلُوك قد أَطَالَ وَلَكِن قد اتَّسع المجال وَمَا مُرَاده إِلَّا أَن يشْكر الله على مَا اخْتَارَهُ لَهُ ويسره عَلَيْهِ وحببه إِلَيْهِ فَرب ممتحن بِنِعْمَة وَرب منعم عَلَيْهِ بِمَشَقَّة وَكم مغبوط بِنِعْمَة هِيَ داؤه ومرحوم من بلوى هِيَ دواؤه

стр. 1507

وَيُرِيد الْمَمْلُوك بِهَذَا أَن لَا يتَغَيَّر لمولانا أبقاه الله وَجه عَن بشاشة وَلَا صدر عَن سَعَة وَلَا لِسَان عَن حَسَنَة وَلَا ترى مِنْهُ ضجرة وَلَا تسمع مِنْهُ نهرة فالشدة تذْهب وَيبقى ذكرهَا والأزمة تنفرج وَيبقى أجرهَا وكما لم يحدث اسْتِمْرَار النعم لمولانا عز نَصره بطرا فَلَا تحدث لَهُ سَاعَات الامتحان ضجرا والمملوك يستحسن بَيْتِي حَاتِم ومولانا أبقاه الله وخلد سُلْطَانه وَملكه يحفظهما (شربنا بكأس الْفقر يَوْمًا وبالغنى ... وَمَا مِنْهُمَا إِلَّا سقانا بِهِ الدَّهْر) (فَمَا زادنا بغيا على ذِي قرَابَة ... غنانا وَلَا أزرى بأحسابنا الْفقر) والمملوك بِأَن يسمع أَن مَوْلَانَا عز نَصره على مَا يعهده من سَعَة صَدره أسر مِنْهُ بِمَا يسمعهُ من بشائر نَصره وياليتني كنت مَعَهم وماذا كَانَت تصنع الْأَيَّام إِمَّا شيبا من مُشَاهدَة الحروب فقد شبنا وَالله من سَماع الْأَخْبَار أَو غرما يُمكن خَلفه من الوفر فقد غرمنا فِي بعد مَوْلَانَا مَا لَا خلف لَهُ من الْعُمر أَو مرض جسم فخيره مَا كَانَ الطَّبِيب حاضره وَلَقَد مرضنا أَشد الْمَرَض لفراقه إِلَّا أَن التجلد ساتره وَمن كتب أخر الْمَمْلُوك يُوصي الْمولى بِالْإِسْلَامِ وَالْإِسْلَام هُوَ قلب الْمولى فيروحه وَلَا يحملهُ مَا يشْغلهُ ويثقله ويوصي الْمولى بقلوب الْمُسلمين وَقُلُوب الْمُسلمين جسم مَوْلَانَا أبقاه الله

стр. 1508

من علم أَنه لَا توفيه رواتب الْحَيَاة اشْتغل قلبه واستطار لبه وضعفت نَفسه فيحسب الْمولى من جهاده تفقد جِسْمه وإلانة مطعمه وترويح خطراته فقد بلغ الْمَمْلُوك من حمله على نَفسه مَا يخْشَى على مَوْلَانَا الاثم فِيهِ وَإِنَّمَا نتجشم كل مشقة لنسلم مِنْهُ وَنحن فِي ضرّ قد مسنا وَلَا نرجو لكشفه إِلَّا من ابْتُلِيَ بِهِ وَفِي طوفان فتْنَة وَلَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من رحم وَلنَا ذنُوب قد سدت طَرِيق دعائنا فَنحْن أولى بِأَن نلوم أَنْفُسنَا وَللَّه قدر لَا سلَاح لنا فِي دَفعه إِلَّا أَن نقُول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَقد أَشْرَفنَا على أهوال ﴿قل الله ينجيكم مِنْهَا وَمن كل كرب﴾ وَقد جمع الْعَدو لنا وَقيل لنا اخشوه فَقُلْنَا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل متنجزين بذلك مَوْعُود الانقلاب بِنِعْمَة من الله وَفضل فَمَا نرجو إِلَّا ذَلِك الْفضل الْعَظِيم وَلَيْسَ إِلَّا الِاسْتِعَانَة بِاللَّه فَمَا دلنا الله فِي الشدائد إِلَّا على الدُّعَاء لَهُ وعَلى طروق بَاب كرمه وعَلى التضرع إِلَيْهِ ﴿فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا وَلَكِن قست قُلُوبهم﴾

стр. 1509

ونعوذ بِاللَّه من الْقَسْوَة وَمن الْقنُوط من الرَّحْمَة وَمن الْيَأْس من الْفرج فانه لَا ييأس مِنْهُ إِلَّا مسلوب الرشد مطرود عَن الله مَقْطُوع الْحَظ مِنْهُ وَلَا حِيلَة إِلَّا بترك الْحِيلَة بل قصد من تمْضِي أقداره بِلَا حِيلَة إِن علم الله من جند مَوْلَانَا أَنهم قد بذلوا المجهود فقد عذرهمْ فيعذرهم الْمولى وَإِن علم أَنهم قد ذخروا قُوَّة أَو قصروا فِي نصْرَة كلمة الله فيكفيهم مقت الله الْمَمْلُوك يذكر الْمولى بصبره وبرحب صَدره وبفضل خلقه وبتقواه لرَبه وبمداراة مزاجه وببرء الْقُلُوب الإسلاميه ببرء جِسْمه ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم﴾ الْآيَة إِلَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ وَالْمولى أولى بِهَذَا الْبَيْت (لَا بطر إِن تَتَابَعَت نعم ... وصابر فِي الْبلَاء محتسب) قيل للمهلب أَيَسُرُّك ظفر لَيْسَ فِيهِ تَعب فَقَالَ أكره عَادَة الْعَجز وَلَا بُد أَن تنفذ مَشِيئَة الله فِي خلقه وَلَا راد لحكمه فَلَا يتسخط مَوْلَانَا بِشَيْء من قدره فَلِأَن يجْرِي الْقَضَاء وَهُوَ رَاض مأجور خير من أَن يجْرِي وَهُوَ ساخط موزور فيصطلي نَار الشدَّة أَعَاذَهُ الله مِنْهَا وَلَا يجد رَاحَة الثَّوَاب وفر الله حَظه مِنْهُ من شكا بثه وحزنه إِلَى الله شكا إِلَى مشتكى واستغاث

стр. 1510

بِقَادِر وَمن دَعَا ربه دُعَاء خفِيا اسْتَجَابَ لَهُ استجابة ظَاهِرَة فلتكن شكوى مَوْلَانَا إِلَى الله خُفْيَة عَنَّا وَلَا يقطع الظُّهُور الَّتِي لَا تشتد إِلَّا بِهِ وَلَا يضيق صدورا لَا تنفرج إِلَّا مِنْهُ وَمَا شرد الْكرَى وَأطَال على الأفكار ليل السرى إِلَّا ضائقة الْقُوت بعكا لم يبْق إِلَّا ضعف نعم الْمعِين عَلَيْهِ ترويح النَّفس واعفاؤها من الْفِكر فقد علم مَوْلَانَا بِالْمُبَاشرَةِ أَنه لَا يدبر الدَّهْر إِلَّا بِرَبّ الدَّهْر وَلَا ينفذ الْأَمر إِلَّا بِصَاحِب الْأَمر وَأَنه لَا يقل الْهم إِن كثر الْفِكر (قد قلت للرجل الْمقسم أمره ... فوض إِلَيْهِ تنم قرير الْعين) كل مقترح يُجَاب إِلَيْهِ إِلَّا ثغرا يصير نَصْرَانِيّا بعد أَن أسلم أَو بَلَدا يخرس فِيهِ الْمِنْبَر بعد أَن تكلم يَا مَوْلَانَا هَذِه اللَّيَالِي الَّتِي رابطت فِيهَا وَالنَّاس كَارِهُون وسهرت فِيهَا والعيون هاجعة وَهَذِه الْأَيَّام الَّتِي يُنَادى فِيهَا يَا خيل الله ارْكَبِي وَهَذِه السَّاعَات الَّتِي تزرع الشيب فِي الرؤوس وَهَذِه الغمرات الَّتِي تفيض فِيهَا الصُّدُور بِمَائِهَا بل بنارها هِيَ نعْمَة الله عَلَيْك وغراسك فِي الْجنَّة ومجملات محضرك ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ وَهِي مجوزاتك الصِّرَاط وَهِي مثقلات الْمِيزَان وَهِي دَرَجَات الرضْوَان
следующие страницы →