Полный текст (1 810 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(والنصر دَان وخيل الله مقبلة ... ترجو الشَّهَادَة فِي الهيجا وتغتنم)
(صاب الْغَمَام عَلَيْهِم والسهام مَعًا ... فَمَا دروا أيُّما الهطالة الدّيم)
(سروا لينتهبوا الْأَعْمَار فانتهبوا ... قتلا ويغتنموا الْأَمْوَال فاغتنموا)
(وَأَقْبَلت خَيْلنَا تردي بخيلهم ... مَجْنُونَة وعَلى أرماحنا القمم)
(وَأدبر الْملك الطاغي يزعزعه ... حر الأسنة وَهُوَ البادر الشبم)
(وافوا دمشق وظنوا أَنَّهَا جدة ... ففارقوها وَفِي أَيْديهم الْعَدَم)
(وأيقنوا مَعَ ضِيَاء الصُّبْح أَنهم ... إِن لم يزولوا سرَاعًا زَالَت الخيم)
(فغادروا أَكثر القربان وانجفلوا ... وخلفوا أكبر الصلبان وانهزموا)
(وحاولوا الْمَسْجِد الأدْنى فَمَا عبرت ... عَن مَسْجِد الْقدَم الْأَقْصَى لَهَا قدم)
(مستسلمين لأيدي الْمُسلمين وَقد ... أغرى القنا بتمادي خطفهم نهم)
(لَا يملك الجسُم دفعا عَن مقاتله ... كَأَنَّهُ حِين يغشاهُ الردى صنم)
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير لما رَحل الفرنج عَن دمشق سَار معِين الدّين أنر إِلَى بعلبك وَأرْسل إِلَى نور الدّين وَهُوَ مَعَ أَخِيه سيف الدّين يسْأَله أَن يحضر عِنْده فاجتمعا فوصل إِلَيْهِمَا = كتاب القمص = صَاحب طرابلس يُشِير عَلَيْهِمَا
стр. 177
بِقصد حصن العريمة وَأَخذه مِمَّن فِيهِ من الفرنج
وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن ولد الفنش صَاحب جَزِيرَة صقلية خرج مَعَ ملك الألمان إِلَى الشَّام وتغلب على العريمة وَأَخذهَا من القمص وَأظْهر أَنه يُرِيد أَخذ طرابلس مِنْهُ أَيْضا وجد هَذَا الَّذِي ملك العُريمة هُوَ الَّذِي غزا إفريقية وَفتح مَدِينَة طرابلس الغرب فَلَمَّا استولى هَذَا على العريمة كَاتب القومص نور الدّين ومعين الدّين فِي قَصده فسارا إِلَيْهِ مجدين فصبحاه وكتبا إِلَى سيف الدّين يستنجدانه ويطلبان مِنْهُ المدد فأمدهما
فحصروا الْحصن وَبِه ابْن الفنش ونقبوا السُّور فأذعن الفرنج واستسلموا وألقوا بِأَيْدِيهِم
فَملك الْمُسلمُونَ الْحصن وَأخذُوا كل من بِهِ من رجل وَصبي وَامْرَأَة وَفِيهِمْ ابْن الفنش وأخربوا الْحصن وعادوا إِلَى سيف الدّين
وافتتح نور الدّين أَيْضا باسوطا وهاب
وَقَالَ الرئيس أَبُو يعلى قتل أَكثر من كَانَ فِيهِ يَعْنِي فِي حصن العريمة واسروا وَأخذُوا ولد الْملك وَأمه وَنهب مَا فِيهِ من الْعدَد والخيول والأثاث
وَعَاد عَسْكَر سيف الدّين إِلَى مخيمه بحمص وَنور الدّين عَاد إِلَى حلب وَمَعَهُ ولد الْملك وَأمه وَمن اسر مَعَهُمَا وانكفأ معِين الدّين إِلَى دمشق
стр. 178
قَالَ ووردت الْأَخْبَار فِي رَجَب من نَاحيَة حلب بِأَن نور الدّين صَاحبهَا كَانَ قد توجه فِي عسكره إِلَى نَاحيَة الْأَعْمَال الإفرنجية وَقصد فامية وظفر بعدة من الْحُصُون والمعاقل الإفرنجية وبعدة وافرة من الإفرنج وان صَاحب أنطاكية جمع الفرنج وقصده على حِين غَفلَة مِنْهُ فَنَال من عسكره وأثقاله وكراعه مَا أوجبته الأقدار النَّازِلَة وَانْهَزَمَ بِنَفسِهِ وَعَسْكَره وَعَاد إِلَى حلب سالما فِي عسكره لم يفقد مِنْهُ إِلَّا النَّفر الْيَسِير بعد قتل جمَاعَة وافرة من الإفرنج
وَأقَام بحلب أَيَّامًا بِحَيْثُ جدد مَا ذهب لَهُ من البرك وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من آلَات الْعَسْكَر وَعَاد إِلَى منزله وَقيل لم يعد
وَذكر ابْن أَبى طي أَن أَسد الدّين لما كَانَ فِي نَفسه على نور الدّين من تَقْدِيم ابْن الداية عَلَيْهِ لم ينصح يَوْمئِذٍ وَهِي وَاقعَة يغرا وَمر بِهِ نور الدّين فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الْوُقُوف والغفلة فِي مثل هَذَا الْوَقْت والمسلمون قد انكسروا فَقَالَ يَا خوند إيش ننفع نَحن إِنَّمَا ينفع مجد الدّين أَبُو بكر فَهُوَ صَاحب الْأَمر
فاستدرك نور الدّين ذَلِك وَطيب قلب أَسد الدّين بعد ذَلِك والزم مجد الدّين أَن يعرف لأسد الدّين حَقه واصلح بَينهمَا
قَالَ وَقتل فِي هَذِه الكسرة شاهنشاه بن أَيُّوب أَخُو الْملك النَّاصِر وَقيل فِي كسرة البقيعة
стр. 179
قلت وَهُوَ وَالِد عز الدّين فرخشاه وتقي الدّين عمر والست عذرا الْمَنْسُوب إِلَيْهَا الْمدرسَة الْمدرسَة العذراوية دَاخل بَاب النَّصْر بِدِمَشْق وقبره الْآن بالتربة النجمية جوَار الْمدرسَة الحسامية بمقبرة العوينة ظَاهر دمشق رَحِمهم الله تَعَالَى
قلت وَلابْن مُنِير من قصيدة تقدّمت اعتذارا عَمَّا جرى فِي هَذِه الْغُزَاة قَالَ
(لم يشنه من مَاء يغراء أَن فر ... الأشابات ذاد عَنْهَا انذلاقه)
(كَانَ فِيهَا لَيْث العرين حمى الأشبال ... مِنْهُ غَضْبَان كالنار ماقه)
(وشبيه النَّبِي يَوْم حُنيْن ... إِذْ تلافى أدواءهم درْيَاقه)
(وَهِي الْحَرْب فَحلهَا يحسن الكرة ... إِن عض بأسها لَا نياقه)
وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين أَيْضا سَار نور الدّين إِلَى يغرى وَقد اجْتمع بهَا الفرنج فِي قضهم وقضيضهم وَقد عزموا على قصد بِلَاد الْإِسْلَام فَالتقى بهم هُنَالك واقتتلوا أَشد قتال ثمَّ أنزل الله
стр. 180
نَصره على الْمُسلمين وَانْهَزَمَ الفرنج وَكَانُوا بَين قَتِيل وأسير وَفِي هَذِه الْوَقْعَة يَقُول القيسراني من قصيدة أَولهَا
(يَا لَيْت أَن الصد مصدود ... أَو لَا فليت النّوم مَرْدُود)
(إِلَى مَتى تعرض عَن مغرم ... فِي خَدّه للدمع أخدُود)
(قَالُوا عُيُون الْبيض بيض الظبي ... قلت وَلَكِن هَذِه سود)
(يخَاف مِنْهَا وَهِي فِي جفنها ... وَالسيف يخْشَى وَهُوَ مغمود)
ثمَّ خرج إِلَى الْمَدْح فَقَالَ
(وَكَيف لَا نثني على عيشنا الْمَحْمُود ... وَالسُّلْطَان مَحْمُود)
(فليشكر النَّاس ظلال المنى ... إِن رواق الْعدْل مَمْدُود)
(ونيرات الْملك وهاجة ... وطالع الدولة مَسْعُود)
(وصارم الْإِسْلَام لَا ينثني ... إِلَّا وشْلوُ الْكفْر مقدود)
(مَنَاقِب لم تَكُ مَوْجُودَة ... إِلَّا وَنور الدّين مَوْجُود)
(مظفر فِي درعه ضيغم ... عَلَيْهِ تَاج الْملك مَعْقُود)
(نَالَ الْمَعَالِي حَاكما مَالِكًا ... فَهُوَ سُلَيْمَان وَدَاوُد)
(ترتشف الأفواه أسيافه ... أَن رُضاب الْعِزّ مورود)
(وَكم لَهُ من وقعةٍ يَوْمهَا ... عِنْد مُلُوك الشّرك مشهود)
(وَالْقَوْم إِمَّا مُرهق صرعة ... أَو موثق بالقد مشدود)
(حَتَّى إِذا عَادوا إِلَى مثلهَا ... قَالَت لَهُم هيبته عودوا)
(طَالب بثأر ضمنته الظبي ... فَكل مَا تضمن مَرْدُود)
(وَالْكر والفر سِجَال الوغى ... فطارد طورا ومطرود)
стр. 181
(وَإِنَّمَا الإفرنج من بغيها ... عَاد وَقد عَاد لَهَا هود)
(قد حصحص الْحق فَمَا جَاحد ... فِي قلبه بأسك مجحود)
(فَكل مصر بك مستفتح ... وكل ثغر بك مسدود)
وَقَالَ أَيْضا قصيدة فِي نور الدّين وأنشده إِيَّاهَا بِظَاهِر حلب وَقد كسر الإفرنج على يغرا وَهَزَمَهُمْ إِلَى حصن حارم وَقد كَانَت الفرنج هزمت الْمُسلمين أَولا بِهَذَا الْموضع أَولهَا
(تفي بضمانها الْبيض الْحداد ... وتقضي دينهَا السمر الصعاد)
(وتدرك ثارها من كل بَاغ ... فوارس من عزائمها الجلاد)
(ويغشى حومة الهيجا همام ... تشد بضبعه السَّبع الشداد)
(أظنوا أَن نَار الْحَرْب تخبو ... وَنور الدّين فِي يَده الزِّنَاد)
(وجند كالصقور على صقور ... إِذا انقضوا على الْأَبْطَال صادوا)
(إِذا أخفوا مكيدتهم أخافوا ... وَإِن ابدوا عداوتهم أبادوا)
(ونصرة دولة حاميت عَنْهَا ... وَهل تخشى وَأَنت لَهَا عماد)
(وَإِن نتل القوافي مَا تلته ... بإنب مَا يؤبنها سناد)
(جرت بالنصر أَقْلَام العوالي ... وَلَيْسَ سوى النجيع لَهَا مداد)
(وطالت أرؤس الأعلاج خصبا ... فَنَادَى السَّيْف قد وَقع الْحَصاد)
(أحطت بهم فَكَانَ الْقَتْل صبرا ... وَلَا طعن هُنَاكَ وَلَا طراد)
(وللإبرنز فَوق الرمْح رَأس ... توسد والسنان لَهُ وساد)
стр. 182
(ترجل للسلام ففرسوه ... وَلَيْسَ سوى الْقَنَاة لَهُ جواد)
(غضيض المقلتين وَلَا نُعَاس ... وغائرها وَلَيْسَ بِهِ سهاد)
(فسر واستوعب الدُّنْيَا فتوحا ... فَلَا هضب هُنَاكَ وَلَا وهاد)
(وزر ببني الوغى مثوى حبيب ... فَمَا عَن بَاب مسلمة ذياد)
(وَلَا فِي بَاب فَارس غير ثَكْلَى ... بفارسها يضيء بهَا الْحداد)
(أأنطاكية تَحْمِي ذراها ... وَقد دَانَتْ لسطوتك الْبِلَاد)
(وأذعنت الممالك واستجابت ... ملبية لدعوتك الْعباد)
قلت ووقعة إنب هَذِه كَانَت عَظِيمَة وَقد كثر ذكر الشُّعَرَاء وَسَيَأْتِي ذكرهَا قَرِيبا
فصل
قَالَ أَبُو يعلى التَّمِيمِي وَفِي رَجَب من هَذِه السّنة ورد الْخَبَر من نَاحيَة حلب بِأَن صَاحبهَا نور الدّين بن أتابك أَمر بابطال حَيّ على خير الْعَمَل فِي أَوَاخِر تأذين الْغَدَاة والتظاهر بسب الصَّحَابَة وَأنكر ذَلِك إنكارا شَدِيدا
стр. 183
وساعده على ذَلِك جمَاعَة من السّنة بحلب وَعظم هَذَا الْأَمر على الإسماعيلية وَأهل التَّشَيُّع وَضَاقَتْ لَهُ صُدُورهمْ وهاجوا لَهُ وماجوا ثمَّ سكنوا وأحجموا للخوف من السطوة النورية الْمَشْهُورَة والهيبة المحذورة
قلت وأنشده ابْن مُنِير فِي شهر رَمَضَان
(فدَاك من صَامَ وَمن أفطرا ... وَمن سعى سعيك أَو قصرا)
(وَمَا الورى أَهلا فتفدى بهم ... وَهل يوازي عرض جوهرا)
(عدل تساوى تَحت أكنافه ... مطافل الْعين وَأسد الشرى)
(يَا نور دين الله كم حَادث ... دجا وأسفرت لَهُ فانسرى)
(وَكم حمى للشرك لَا يَهْتَدِي الْوَهم ... لَهُ غادرته مجزرا)
(يَا ملك الْعَصْر الَّذِي صَدره ... أفسح من أقطارها مصدرا)
(وَابْن الَّذِي طاول أفلاكها ... فَلم يجد من فَوْقه مظْهرا)
(مَنَاقِب تكسر كسْرَى كَمَا ... تقصر عَن إِدْرَاكهَا قيصرا)
(مَا عَام فِي أوصافها شَاعِر ... إِلَّا رأى أوصافها أشعرا)
(لله أصل أَنْت فرع لَهُ ... مَا أطب المجنى وَمَا أطهرا)
(مَا حلب الْبَيْضَاء مذ صنتها ... إِلَّا حرَام مثل أم الْقرى)
стр. 184
(شيدت فِي معمور أرجائها ... لكل باغي عُمرة مشعرا)
(فَأصْبح الشادى إِذا ثوب الدَّاعِي ... لَهُ هلل أَو كبرا)
(لَا عدم الْإِسْلَام مَنْ كَفُّه ... كهفٌ لمن أرهق أَو أُحْصرا)
(كَأَنَّمَا ساحٌته جنَّة ... أجرت بهَا رَاحَته كوثرا)
(تصرم الشَّهْر الَّذِي كنت فِي ... أوقاته من قدره أشهرا)
(جِهَاد ليل فِي نَهَار فَفُزْ ... إِذْ كنت فِيهِ الأصْبرَ الأشكرا)
(أصدق مَا يرشفه سامع ... مَا هز من أوصافك المنبرا)
(ابقاك للدنيا وللدين من ... خلاك فِي ليلهما نيرا)
(حَتَّى ترى عِيسَى من الْقُدس قد ... لجا إِلَى سَيْفك مستنصرا)
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي رَجَب أذن لمن يتعاطى الْوَعْظ بالتكلم فِي الْجَامِع الْمَعْمُور بِدِمَشْق على جاري الْعَادة والرسم فَبَدَا من اخْتلَافهمْ فِي أَحْوَالهم وأغراضهم والخوض فِي قضايا لَا حَاجَة إِلَيْهَا من الْمذَاهب مَا أوجب صرفهم عَن هَذِه الْحَال وَإِبْطَال الْوَعْظ لما يتَوَجَّه مَعَه من الْفساد وطمع سُفَهَاء الأوغاد وَذَلِكَ فِي آخر شعْبَان مِنْهَا
قَالَ وَكثر فَسَاد الفرنج المقيمين بصور وعكا والثغور الساحلية فِي الْأَعْمَال الدمشقية بعد رحيلهم عَن دمشق فَأَغَارَ معِين الدّين على أَعْمَالهم وخيم فِي نَاحيَة حوران بالعسكر وَكَاتب الْعَرَب واستدعى جمَاعَة وافرة من
стр. 185
التركمان وَأطلق أَيْديهم فِي نهبهم والفتك بهم فَلم يزل على النكاية فيهم والمضايقة لَهُم إِلَى أَن ألجأهم إِلَى طلب الْمُصَالحَة
وَدخلت سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة)
فجددت المهادنة فِي الْمحرم مُدَّة سنتَيْن وأنفذ نور الدّين إِلَى معِين الدّين يُعلمهُ أَن صَاحب أنطاكية قد جمع إفرنج بِلَاده وَظهر يطْلب بهم الْإِفْسَاد فِي الْأَعْمَال الحلبية وَأَنه قد برز فِي عسكره إِلَى ظَاهر حلب للقائه وَالْحَاجة ماسة إِلَى معاضدته فندب معِين الدّين مُجَاهِد الدّين بزان بن مامين فِي فريق وافر من الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي للمصير إِلَى جِهَته وبذل المجهود فِي طَاعَته ومناصحته وَبَقِي معِين الدّين فِي بَاقِي الْعَسْكَر بِنَاحِيَة حَوْرَان
قَالَ وَفِي صفر من السّنة وَردت البشائر من جِهَة نور الدّين بِمَا أولاه الله تَعَالَى وَله الْحَمد من الظُّهُور على حشد الإفرنج المخذول وَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا من خبر ببوارهم وتعجيل دمارهم وَذَلِكَ أَن نور الدّين اجْتمع لَهُ من العساكر سِتَّة آلَاف فَارس مقاتلة سوى الأتباع والسواد فَنَهَضَ بهم إِلَى الفرنج فِي الْموضع الْمَعْرُوف بإنب وهم فِي نَحْو أَربع مئة فَارس وَألف راجل فَقَتَلُوهُمْ وغنموهم وَوجد اللعين الْبُرْنُس مقدمهم صَرِيعًا بَين حماته
стр. 186
وأبطاله فَعرف وَقطع رَأسه وَحمل إِلَى نور الدّين
وَكَانَ هَذَا اللعين من أبطال الفرنج الْمَشْهُورين بالفروسية وَشدَّة الْبَأْس وَقُوَّة الْحِيَل وَعظم الْخلقَة مَعَ اشتهار الهيبة وَكَثْرَة السطوة والتناهي فِي الشَّرّ وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر
ثمَّ نزل نور الدّين فِي الْعَسْكَر على بَاب أنطاكية وَقد خلت من حماتها والذابين عَنْهَا وَلم يبْق فِيهَا غير أَهلهَا مَعَ كَثْرَة أعدادهم وحصانة بلدهم
وترددت المرسلات بَينه وَبينهمْ فِي طلب التَّسْلِيم إِلَيْهِ وَإِيمَانهمْ وصيانة أَمْوَالهم فَوَقع الِاحْتِجَاج مِنْهُم بِأَن هَذَا أَمر لَا يُمكنهُم الدُّخُول فِيهِ إِلَّا بعد انْقِطَاع آمالهم من النَّاصِر لَهُم والمعين على من يقصدهم
وحملوا مَا أمكنهم من التحف وَالْمَال واستمهلوا فأمهلوا
ثمَّ رتب نور الدّين بعض الْعَسْكَر للإقامة عَلَيْهَا وَالْمَنْع لمن يصل إِلَيْهَا ونهض فِي بَاقِيَة الْعَسْكَر إِلَى نَاحيَة أفامية وَقد كَانَ رتب الْأَمِير صَلَاح الدّين فِي فريق وافر من الْعَسْكَر لمنازلتها ومضايقتها فالتمسوا الْأمان فأومنوا على أنفسهم وسلموا الْبَلَد فِي ثامن عشر ربيع الأول وانكفأ نور الدّين فِي عسكره إِلَى نَاحيَة أنطاكية وَقد انْتهى إِلَيْهِ الْخَبَر بنهوض الفرنج من نَاحيَة السَّاحِل إِلَى صوب أنطاكية لإنجاد من بهَا فاقتضت الْحَال مهادنة من فِي أنطاكية وموادعتهم وَتَقْرِير أَن يكون مَا قرب من الْأَعْمَال الحلبية لَهُ وَمَا قرب من أنطاكية لَهُم ورحل عَنْهُم إِلَى جِهَة غَيرهم بِحَيْثُ كَانَ قد ملك فِي هَذِه النّوبَة مِمَّا حول أنطاكية من الْحُصُون والقلاع والمعاقل وَغَيرهَا الْمَغَانِم الجمة
وَفصل عَنهُ الْأَمِير مُجَاهِد الدّين بزان فِي الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي وَقد كَانَ لَهُ فِي هَذِه الْوَقْعَة وَلمن فِي جملَته الْبلَاء الْمَشْهُور وَلذكر المشكور لما هُوَ مَوْصُوف بِهِ من الشهامة والبسالة وإصابة الرَّأْي والمعرفة بمواقف الحروب
стр. 187
وَقَالَ ابْن أَبى طي حمل أَسد الدّين على حَامِل صَلِيب الفرنج فَقتله وَقتل الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية وَجَمَاعَة من وُجُوه عسكره وَلم يقتل من الْمُسلمين من يؤبه لَهُ وَعَاد الْمُسلمُونَ بالغنائم وَالْأسَارَى
وَكَانَ لأسد الدّين فِي هَذِه الْحَرْب الْيَد الْبَيْضَاء ومدحه بهَا بعض الشُّعَرَاء الحلبيين بقصيدة يَقُول فِيهَا
(إِن كَانَ آل الفرنج أدركوا فلحا ... فِي يَوْم يغرا ونالوا منية الظفر)
(فَفِي الخطيم خطمت الْكفْر منصلتا ... أَبَا المظفر بالصمصامة الذّكر)
(نالوا بيغرا نهابا وانتهبت لنا ... على الخطيم نفوس المعشر الأشر)
(واستقودوا الْخَيل عريا واستقدت لنا ... قوامص الْكفْر فِي ذل وَفِي صغر)
قَالَ وَحصل لأسد الدّين من هَذِه الكسرة سلَاح كثير وعدة أُسَارَى وخيول كَثِيرَة فأنفذ لِأَخِيهِ نجم الدّين مِنْهَا شَيْئا
وَفِي هَذِه السّنة عظم أَمر أَسد الدّين
وَقَالَ ابْن الْأَثِير سَار نور الدّين إِلَى حصن حارم وَهُوَ للفرنج فحصره وَخرب ربضه وَنهب سوَاده ثمَّ رَحل عَنهُ إِلَى حصن إنب فحصره فاجتمعت الفرنج مَعَ الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية وَسَارُوا إِلَيْهِ ليُرَحِّلُوه عَن إنب فَلم يرحل بل لَقِيَهُمْ وتصاف الْفَرِيقَانِ واقتتلوا وصبروا وَظهر من نور الدّين من الشجَاعَة وَالصَّبْر فِي الْحَرْب على حَدَاثَة سنه مَا تعجب مِنْهُ
стр. 188
النَّاس وأجلت الْحَرْب عَن هزيمَة الفرنج وَقتل الْمُسلمُونَ مِنْهُم خلقا كثيرا وفيمن قتل الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية وَكَانَ عاتيا من عتاة الفرنج وَذَوي التَّقَدُّم فيهم وَالْملك
وَلما قتل الْبُرْنُس خلف ابْنا صَغِيرا وَهُوَ بيمند فبقى مَعَ أمه بأنطاكية فَتزوّجت أمه بإبرنس آخر وَأقَام مَعهَا بأنطاكية يدبر الْجَيْش ويقودهم وَيُقَاتل لَهُم إِلَى أَن يكبر بيمند
ثمَّ إِن نور الدّين غزا بلد الفرنج غَزْوَة أُخْرَى وَهَزَمَهُمْ وَقتل فيهم واسر وَكَانَ فِي الأسرى الْبُرْنُس الثَّانِي زوج أم بيمند
فَلَمَّا أسره تملك بيمند أنطاكية بلد أَبِيه وَتمكن مِنْهُ وَبَقِي بهَا إِلَى أَن أسره نور الدّين بحارم سنة تسع وَخمسين وَخمْس مئة على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأكْثر الشُّعَرَاء مدح نور الدّين وتهنئته بِهَذَا الْفَتْح وَقتل الْبُرْنُس وَمِمَّنْ قَالَ فِيهِ القيسراني الشَّاعِر من قصيدة أنْشدهُ إِيَّاهَا بجسر الْحَدِيد الْفَاصِل بَين عمل حلب وَعمل أنطاكية أَولهَا
(هذى العزائم لَا مَا تدعى القضب ... وَذي المكارم لَا مَا قَالَت الْكتب)
(وَهَذِه الهمم اللاّتي مَتى خَطبت ... تعثرت خلفهَا الْأَشْعَار والخطب)
(صافحت يَا ابْن عماد الدّين ذروتها ... براحة للمساعي دونهَا تَعب)
(مَا زَالَ جدك ينبي كل شاهقة ... حَتَّى ابتنى قبَّة أوتادها الشهب)
стр. 189
(لله عزمك مَا أمضى وهمك مَا ... أقْصَى اتساعا بِمَا ضَاقَتْ بِهِ الحقب)
(يَا ساهد الطّرف والأجفان هاجعة ... وثابت الْقلب والأحشاء تضطرب)
(أغرت سيوفك بالإفرنج راجفة ... فؤاد رُومِية الْكُبْرَى لَهَا يجب)
(ضربت كبشهم مِنْهَا بقاصمة ... أودى بهَا الصلب وانحطت بهَا الصلب)
(قل للطغاة وَإِن صمت مسامعها ... قولا لصُم القنا فِي ذكره أرب)
(مَا يَوْم إنب وَالْأَيَّام دائلة ... من يَوْم يغرا بعيد لَا وَلَا كثب)
(أغركم خدعة الآمال ظنكم ... كم اسْلَمْ الْجَهْل ظنا غره الْكَذِب)
(غضِبت للدّين حَتَّى لم يفتك رضى ... وَكَانَ دين الْهدى مرضاته الْغَضَب)
(طّهرت أَرض الأعادي من دِمَائِهِمْ ... طَهَارَة كل سيف عِنْدهَا جنب)
(حَتَّى استطار شرار الزند قادحُه ... فالحرب تضرم والآجال تحتطب)
(وَالْخَيْل من تَحت قتلاها تقر لَهَا ... قَوَائِم خانهن الركض والخبب)
(وَالنَّقْع فَوق صقال الْبيض مُنْعَقد ... كَمَا اسْتَقل دُخان تَحْتَهُ لَهب)
(وَالسيف هام على هاًم بمعركة ... لَا الْبيض ذُو ذمَّة فِيهَا وَلَا اليلب)
(والنبل كالوبل هطال وَلَيْسَ لَهُ ... سوى القسي وأيد فَوْقهَا سحب)
(وللظبي ظفر حلوٌ مذاقته ... كَأَنَّمَا الضَّرْب فِيمَا بَينهم ضرب)
стр. 190
(وللأسنة عَمَّا فِي صُدُورهمْ ... مصَادر أقلوب تِلْكَ أم قُلُب)
(خانوا فخانت رماح الطعْن أَيْديهم ... فاستسلموا وَهِي لَا نبع وَلَا غرب)
(كَذَاك من لم يُوقَ الله مهجته ... لَاقَى العدى والقنا فِي كَفه قصب)
(كَانَت سيوفهم أوحى حتوفهم ... يَا رب حائنة منجاتها العطب)
(حَتَّى الطوارق كَانَت من طوارقهم ... ثارت عَلَيْهِم بهَا من تحتهَا النوب)
(أَجْسَادهم فِي ثِيَاب من دِمَائِهِمْ ... مسلوبة وَكَأن الْقَوْم مَا سُلبوا)
(أنباء ملحمةٍ لَو أَنَّهَا ذكرت ... فِيمَا مضى نسيت أَيَّامهَا الْعَرَب)
(من كَانَ يَغْزُو بِلَاد الشّرك مكتسبا ... من الْمُلُوك فنور الدّين محتسب)
(ذُو غرَّة مَا سمت وَاللَّيْل معتكر ... إِلَّا تَمَزَّقَ عَن شمس الضُّحَى الْحجب)
(أَفعاله كاسمه فِي كل حَادِثَة ... وَوَجهه نَائِب عَن وَصفه الّلقب)
(فِي كل يَوْم لفكرى من وقائعه ... شغل فَكل مديحي فِيهِ مقتضب)
(من باتت الْأسد أسرى فِي سلاسله ... هَل يأسر الغُلْبَ إلاَّ من لَهُ الغَلَب)
(فملكوا سلب الإبرنز قَاتله ... وَهل لَهُ غير أنطاكية سلب)
(من للشقي بِمَا لاقت فوارسه ... وَإِن يسايرها من تَحْتَهُ قتب)
(عجبت للصَّعْدة السمراء مثمرة ... بِرَأْسِهِ إِن إثمار القنا عجب)
стр. 191
سما عَلَيْهِم سمو المَاء أرهقهُ ... أنبوبُهُ فِي صَعُود أَصْلهَا صَبب)
(مَا فَارَقت عذبات التَّاج مفرقه ... إلاّ وهامتهُ تَاج وَلَا عذب)
(إِذا الْقَنَاة ابتغت فِي رَأسه نفقا ... بدا لثعلبها من نَحره سَرَب)
(كُنَّا نعد حمى أطرافنا ظفرا ... فملكتك الظبى مَا لَيْسَ يحْتَسب)
(عَمت فتوحك بالعدوى معاقلها ... كَانَ تَسْلِيم هَذَا عِنْد ذَا جرب)
(لم يبْق مِنْهُم سوى نبض بِلَا رَمق ... كَمَا التوَى بعد رَأس الْحَيَّة الذَّنب)
(فانهض إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى بذى لجب ... يوليك أقْصَى المنى فالقدس مرتقب)
(وائذن لموجك فِي تَطْهِير ساحله ... فَإِنَّمَا أَنْت بَحر لجه لجب)
(يَا من أعَاد ثغور الشَّام ضاحكة ... من الظبي عَن ثغور زانها الشنب)
(مَا زلت تلْحق عاصيها بطائعها ... حَتَّى أَقمت وأنطاكية حلب)
(حللت من عقلهَا أَيدي معاقلها ... فاستجفلت وَإِلَى مِيثَاقك الْهَرَب)
(وأيقنت أَنَّهَا تتلو مراكزها ... وَكَيف يثبت بَيت مَا لَهُ طُنُب)
(أجريت من ثغر الْأَعْنَاق أَنْفسهَا ... جرى الجفوان امتراها بارح حصب)
стр. 192
(وَمَا ركزت القنا إِلَّا ومنك على ... جسر الْحَدِيد هزبرٌ غيله أشب)
(فاسعد بِمَا نلته من كل صَالِحَة ... يأوى إِلَى جنَّة المأوى لَهَا حسب)
(إِلَّا تكن أحد الأبدال فِي فلك التَّقْوَى ... فَلَا يتمارى أَنَّك القطب)
(فَلَو تناسب أَمْلَاك السَّمَاء بهَا ... لَكَانَ بَيْنكُمَا من عفة نسب)
(هَذَا وَهل كَانَ فِي الْإِسْلَام مكرمَة ... إِلَّا شهِدت وَعباد الْهوى غُيُب)
وَله فِيهِ من قصيدة أُخْرَى
(أَلا لله دَرك أَي در ... صَرِيح جَاءَ بِالْكَرمِ الصَّرِيح)
(وعسكرك الَّذِي استولى مشيحا ... على مَا بَين فامية وشيح)
(ووقعتك الَّتِي نبت العوالي ... صوادر عَن قَتِيل أَو جريح)
(بإنب يَوْم أبرزت المذاكى ... من النَّقْع الغزالة فِي مسوح)
(غَدَاة كَأَنَّمَا العاصى احمرارا ... من الدَّم عِبْرَة الجفن القريح)
(وَقد وافاك بالإبرنز حتف ... أتيح لَهُ من الْقدر المتيح)
(قتلت أشحهم بِالنَّفسِ إِذْ لَا ... يجود بِنَفسِهِ غير الشحيح)
стр. 193
مَلَأت بهم ضرائحهم فأمسوا ... وَلَيْسَ سوى القشاعم من ضريح)
(وعدت إِلَى ذرا حلب حميدا ... سمو الْبَدْر من بعد الجنوح)
(فَإِن حَلِيَتْ بغرتك اللَّيَالِي ... فكم لِسَنَاك من زمن مليح)
(رويدك تسكن الهيجا فواقا ... بِحَيْثُ تريح من تَعب المريح)
(فَأَنت وَإِن أرحت الْخَيل وقتا ... فهمك غير هم المستريح)
وَقَالَ أَحْمد بن مُنِير يمدحه وَيذكر ظفره بالبرنس وَأَصْحَابه وَحمل رَأسه إِلَى حلب وانشده إِيَّاهَا أَيْضا بجسر الْحَدِيد
(أقوى الضلال واقفرت عرصاته ... وَعلا الْهدى وتبلجت قسماته)
(وانتاش دين مُحَمَّد محموده ... من بعد مَا عُلت دَمًا عبراته)
(ردَّتْ على الْإِسْلَام عصر شبابه ... وثباته من دونه وثباته)
(أرسى قَوَاعِده وَمد عماده ... صعدا وشيد سُورَة سوراته)
(وَأعَاد وَجه الْحق ابيض ناصعا ... إصلاته وَصلَاته وَصلَاته)
(لما تواكل حزبه وتخاذلت ... أنصاره وتقاصرت خطواته)
(رفعت لنُور الدّين نَار عَزِيمَة ... رجعت لَهَا عَن طبعها ظلماته)
(ملك مجَالِس لهوه شداته ... ومشوقة بَين الصُّفُوف شذاته)
(يغرى بحثحثة اليراع بنانه ... إِن لذ حثحثة الكؤوس لداته)
(ويروقه ثغر العدى قان دَمًا ... لَا الثغر يعبق فِي لماه لثاته)
стр. 194
(فصبوحه خمر الطلى وغبوقه ... نطف النُّفُوس تديرها نشواته)
(فتح تعممت السَّمَاء بفخره ... وهفت على أَغْصَانهَا عذباته)
(سبغت على الْإِسْلَام بيض حجوله ... واختال فِي أوضاحها جبهاته)
(وانهل فَوق الأبطحين غمامه ... وسرت إِلَى سكنيهما نفحاته)
(لله بلجة لَيْلَة مخضت بِهِ ... وَالْيَوْم دبج وشيه ساعاته)
(حط القوامص فِيهِ بعد قماصها ... ضرب يصلصل فِي الطلي صعقاته)
(نبذوا السِّلَاح لضيغم عاداته ... فرس الفوارس والقنا غاباته)
(لمجرب عمريه غضباته ... لله معتصمية غَزَوَاته)
(تجنا لضيق صفاده أسراؤه ... وَتفِيض مَاء شؤونها نغماته)
(بَين الْجبَال خواضعا أعناقها ... كالذود نابت عَن براه حداته)
(نشرت على حلب عُقُود بنودهم ... حلل الرّبيع تناسقت زهراته)
(روض جناه لَهَا مكر جياده ... واستوأرت حمالَة حملاته)
стр. 195
(متساندين على الرِّجَال كَمَا انتشى ... شرْب أمالت هامه قهواته)
(لم تُنبت الآجام قبل رماحه ... شَجرا أصولُ فروعه ثمراته)
(فليحمد الْإِسْلَام مَا جدحت لَهُ ... شربات غرس هَذِه مجناته)
(وَسَقَى صدى ذَاك الحيا صوب الحيا ... خير الثرى مَا كنت أَنْت نَبَاته)
(نصب السرير وَمَال عَنهُ ومهدت ... لمقر منصبك السرى سراته)
(مَا ضرّ هَذَا الْبَدْر وَهُوَ محلق ... أَن الْكَوَاكِب فِي الذرا ضراته)
(فِي كل يَوْم تستطيل قناته ... فَوق السَّمَاء وتعتلي درجاته)
(وتظل ترقم فِي الضُّحَى آثاره ... مجدا وَالسّنة الزَّمَان رُوَاته)
(أَيْن الألى ملؤوا الطروس زخارفا ... عَن نزف بَحر هَذِه قطراته)
(عذقوا بأعناق العواطل مَا لَهُ ... من جَوْهَر فأتتهم فذاته)
(لَو فصلوا سمطا بِبَعْض فتوحه ... سخرت بِمَا افتعلوا لَهُ فعلاته)
(يُمسى قنانيه بَنَات قيونه ... فَوق القوانس والقنا قيناته)
стр. 196
(صلتان من دون الْمُلُوك تقرها ... حركاته وتنيمها يقظاته)
(قعدت بهم عَن خطوه هماتهم ... وسمت بِهِ عَن قطوهم هماته)
(سكنوا مسجّفة الحجال وأسكنت ... زجل الرِّجَال مَعَ السها عزماته)
(لَو لَاحَ للطائي غرَّة فَتحه ... باءت بِحمْل تأوه باءاته)
(أَو هَب للطبري طيب نسيمه ... لاحتش من تَارِيخه حشواته)
(صدم الصَّلِيب على صلابة عوده ... فتفرقت أَيدي سبا خشباته)
(وَسَقَى الْبُرْنُس وَقد تبرنس ذلة ... بالروج ممقر مَا جنت غدراته)
(فانقاد فِي خطم الْمنية أَنفه ... يَوْم الخطيم وأقصرت نزواته)
(وَمضى يؤنب تَحت إنب همة ... أمست زوافر غيها زفراته)
(أَسد تبوأ كالغريف فجأته ... فتبوأت طرف السنان شواته)
(دون النُّجُوم مغمضا ولطالما ... أغضت وَقد كرّت لَهَا لحظاته)
(فجلوته تبْكي الأصادق تَحْتَهُ ... بِدَم إِذا ضحِكت لَهُ شماته)
стр. 197
(تمشي الْقَنَاة بِرَأْسِهِ وَهُوَ الَّذِي ... نظمت مدَار النيرين قناته)
(لَو عانق العيوق يَوْم رفعته ... لأرَاك شَاهد خفضه إخباته)
(مَا انْقَادَ قبلك أَنفه بخزامه ... كلا وَلَا هَمت لَهَا هدراته)
(طيان خلف السَّرْح طَال زئيره ... نطقت سُطاك لَهُ فطال صُماته)
(لما بدا مسود رايك فَوْقه ... مبيض نصرك نكست راياته)
(وَرَأى سيوفك كالصوالج طاوحت ... مثل الكرين فقلصت كراته)
(ولى وَقد شربت ظباك كماته ... تَحت العجاج واسلمته حماته)
(ترك الْكَنَائِس والكناس لناهب ... بالبيض ينهب مَا حواه عفاته)
(لغلاب أروع لَا يُميت عِدَاته ... دَاء المطال وَلَا تعيش عُداتُه)
(للوحش ملقى بالعرا يقتاته ... مَا كَانَ قبل بصيده يقتاته)
(الْيَوْم ملّكك القراع قلاعه ... متسنما مَا استشرفت شرفاته)
(وَغدا تحل لَك الحلائل أسْهم ... متوزعات بَينهُنَّ بَنَاته)
(أوطأت أَطْرَاف السّنابك هامه ... فتقاذفت بعنيقها قذفاته)
стр. 198
(لَا زَالَ هَذَا الْملك يشمخ شَأْنه ... أبدا وتكفت فِي الحضيض شناته)
(مَا أَخْطَأتك يَد الزَّمَان فدونه ... من شَاءَ فلتسرع إِلَيْهِ هناته)
(أَنْت الَّذِي تحلي الْحَيَاة حَيَاته ... وتهب أَرْوَاح القصيد هباته)
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير وفيهَا سَار نور الدّين إِلَى حصن أفامية وَهُوَ للفرنج أَيْضا وَبَينه وَبَين مَدِينَة حماة مرحلة وَهُوَ حصن منيع على تل مُرْتَفع عَال من أحصن القلاع وأمنعها وَكَانَ من بِهِ من الفرنج يغيرون على أَعمال حماة وشيزر وبنهبونها فَأهل تِلْكَ الْأَعْمَال مَعَهم تَحت الذل وَالصغَار
فَسَار نور الدّين إِلَيْهِ وحصره وضيق عَلَيْهِ وَمنع من بِهِ الْقَرار لَيْلًا وَنَهَارًا وتابع عَلَيْهِم الْقِتَال ليمنعوا الاسْتِرَاحَة فاجتمعت الفرنج من سَائِر بلادها وَسَارُوا نَحوه ليزحزحوه عَنْهَا فَلم يصلوا إِلَيْهِ إِلَّا وَقد ملك الْحصن وملأه ذخائر من طَعَام وَمَال وَسلَاح وَرِجَال وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ
فَلَمَّا بلغه قرب الفرنج سَار نحوهم فحين رَأَوْا جده فِي لقائهم رجعُوا واجتمعوا ببلادهم وَكَانَ قصاراهم أَن صالحوه على مَا أَخذ
ومدحه الشُّعَرَاء واكثروا مِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُنِير قَالَ
(أَسْنَى الممالك مَا أطلت منارها ... وَجعلت مرهفة الشفار دثارها)
(وأحق من ملك الْبِلَاد وَأَهْلهَا ... رؤف تكنف عدله أقطارها)
(من عَم سَام الْخَافِقين وحامها ... مننا وَزَاد هوى فخصّ نزارها)
стр. 199
(مضرية طبعت مضاربه وَإِن ... عدته ذرْوَة فَارس أسوارها)
(آل الرّعية وَهِي تجْهَل آلها ... وتعاف نطفتها وَتكره دارها)
(فَأقر ضجعتها وَأنْبت نيها ... واساغ جرعتها واثبت زارها)
(ملك أَبوهُ سما لَهَا فسما بهَا ... واجارها فعلت سُهيلا جارها)
(نهج السَّبِيل لَهُ فَأَوْضَعَ خَلفه ... وشدا لَهُ يمن الْعلَا فأنارها)
(أنشرت يَا مَحْمُود مِلَّة أَحْمد ... من بعد مَا شَمل البلى أبشارها)
(إِن جانأت عدل السنان قوامها ... أَو نأنأت كَانَ الحسام جبارها)
(عقلت مَعَ العصم العواصم مذ غَدَتْ ... هذي العزائم أسرها وإسارها)
(وتكفلت لَك ضُمر أنضيتها ... فِي صونها أَن تسترد ضمارها)
(كلأت هواملها ورد مطارها ... مَا أريشته وثقفت آطاها)
(كم حاولت من كفتيها غرَّة ... غلب الْأسود فقلمت أظفارها)
(أَنى وحامي سرحها من لَو سمت ... للفلك بَسْطته أحَال مدارها)
(فِي كل يَوْم من فتوحك سُورَة ... للدّين يحمل سَفَره أسفارها)
(ومطيلة قصر المنابر إِن غَدا الخطباء ... تنثر فَوْقهَا تقصارها)
стр. 200
(همم تحجلت الْمُلُوك وَرَاءَهَا ... بِدَم العثار وَمَا اقتفت آثارها)
(وعزائم تستوئر الآساد عَن ... نهش الفرائس إِن أحس أوارها)
(أبدا تقصر طول مشرفة الذرا ... بالمشرفية أَو تطيل قصارها)
(فغرت أفامية فَمَا فهتمته ... كوبار أجنادها الإران بوارها)
(أرهفت رَأْيك فَوق رايك تحتهَا ... فحططت من شعفاتها أعَفارها)
(أدْركْت ثأرك فِي الْبُغَاة وَكنت يَا ... مُخْتَار أمة احْمَد مختارها)
(عَارِية الزَّمن الْمُعير سما لَهَا ... مِنْك المغير فاسترد معارها)
(زأر الهزبر فقيدت عاناتها ... عصب الضلال وَأسْلمت أعيارها)
(ضاءت نجومك فَوْقهَا ولربما ... باتت تنافثها النُّجُوم سرارها)
(أمست مَعَ الشعرى العبور وأصبحت ... شعراء تستفلي الفحول شوارها)
(وَلكم فرعت بمقرباتك مثلهَا ... تلعا وقلدت الكماة عذارها)
(حَتَّى إِذا اشتملتك أشرق سورها عزا وحلاها سناك سوارها)
(خر الصَّلِيب وَقد علت نغماتها ... واستوبلت صلواته تكرارها)
(لما وعاها سمع أنطاكية ... سرت الْوَقار وكشفت أستارها)
стр. 201
(فاليوم أضحت تستذم مجيرها ... من جوره وَغدا تذم جوارها)
(علمت بِأَن ستذوق جرعة أُخْتهَا ... إِن زر أطواق القباء وزارها)
(مَاض إِذا قرع الركاب لبلدة ... أَلْقَت لَهُ قبل القراع إزَارهَا)
(وَإِذا مجانقه ركعن لصعبة الملقاة ... أَسجد كالجدير جدارها)
(مَلأ الْبِلَاد مواهبا ومهابة ... حَتَّى استرقت آيُهُ أحرارها)
(يذكى الْعُيُون إِذا أَقَامَ لعونها ... أبدا ويفضي بالظبي أبكارها)
(أومى إِلَى رمم الندى فأعاشها ... وهمى لسابقة المنى فأزارها)
(نبوىّ تَشْبِيه الْفتُوح كانما ... أنصاره رجعت لَهُ أنصارها)
(أَحْيَا لصرح سلامها سلمانها ... وأماس تَحت عمارها عمارها)
(إِن سَار سَار وَقد تقدم جَيْشه ... رجف يقصع فِي اللها ذعارها)
(أَو حل حل حبا القروم بهيبة ... سَلَب البدور بدارها أبدارها)
(وَإِذا الْمُلُوك تنافسوا درج الْعلَا ... أربى بِنَفس أفرعته خِيَارهَا)
(وَنهى إِذا هيضت تدل بخيرها ... وسطى تُذل إِذا عنت جبارها)
(تهدى لمحمود السجايا كاسمه ... لَو لز فاعلة بهَا لأبارها)
(الْفَاعِل الفعلات ينظم فِي الدجى ... بَين النُّجُوم حسودها أسمارها)
(ساع سعى والسابقات وَرَاءه ... عنقًا فعصفر منتماه عثارها)
(كالمضرحي إِذا يصرصر رابئا ... خرس البغاث وَهَاجَرت أوكارها)
(عرفت لنُور الدّين نور وقائع ... تغشى إِذا اكتحلت بِهِ أبصارها)
(مَشْهُورَة سعطت وَقد حاولتها الأقدار ... عَجزا أَن تشق غبارها)
(لله وَجهك وَالْوُجُوه كَأَنَّمَا ... حطت بهَا أوقار هيت قارها)
стр. 202
(وَالْبيض تخنس فِي الصُّدُور صدورها ... هبرا وتكتحل الشفور شفارها)
(وَالْخَيْل تدلج تَحت أرشية القنا ... جذب المواتح عاورت آبارها)
(فَبَقيت تستجلي الْفتُوح عرائسا ... متمليا صدر الْعلَا وصدارها)
(فِي دولة للنصر فَوق لوائها ... زبر تنمق فِي الطلى أسطارها)
(فالدين موماة رفعت بهَا الصوى ... وحديقة ضمنت يداك إبارها)
وَله فِيهِ من قصيدة أُخْرَى
(خنس الثعالب حِين زمجر مصحر ... مَلأ الْبِلَاد هماهما وزئيرا)
(تركُوا مشاجرة الرماح لحاذق ... جعلت مخافته الْقُصُور قبورا)
(لربيب حَرْب لم تزل فعلاته ... كالراء يلْزم لَفظهَا التكريرا)
(أَسد إِذا مَا عَاد من ظفر بمفترس ... أحد لمثله أظفورا)
(يتناذر الْأَعْدَاء مِنْهُ سطوة ... ملْء الزَّمَان تغيظا وزفيرا)
(عرفُوا لنُور الدّين وَقع وقائع ... وَفِي بهَا الْإِسْلَام أمس نذورا)
(أبدا يظافرك الْقَضَاء على الَّذِي ... تبغي فترجع ظافرا منصورا)
(قوضت بالنقع الظهائر ظلمَة ... وقفلت فاشتعل الدياجر نورا)
(وعَلى العواصم من دفاعك عَاصِم ... ينسي الرشيد وينشر المنصورا)
стр. 203
فصل فِي وَفَاة معِين الدّين أنر بِدِمَشْق وَمَا كَانَ من الرئيس ابْن الصُّوفِي فِي هَذِه السّنة
قَالَ أَبُو يعلى التَّمِيمِي فصل معِين الدّين من عسكره بحَوْرَان وَوصل إِلَى دمشق فِي أَوَاخِر ربيع الأول لأمر أوجب ذَلِك ودعا إِلَيْهِ وأمعن فِي الاكل فَلحقه عقيب ذَلِك انطلاق تَمَادى بِهِ وَحمله اجْتِهَاده فِيمَا يدبره على الْعود إِلَى عسكره بِنَاحِيَة حوران وَهُوَ على هَذِه الصّفة من الانطلاق وَقد زَاد بِهِ وضعفت قوته وتولد مَعَه مرض فِي الكبد فَأوجب الْحَال عوده إِلَى دمشق فِي محفة لمداواته فوصل وَقضى نحبه فِي لَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من ربيع الآخر وَدفن فِي إيوَان الدَّار الأتابكية الَّتِى كَانَ يسكنهَا ثمَّ نقل بعد ذَلِك إِلَى الْمدرسَة الَّتِى عمرها
قلت قَبره فِي قبَّة بمقابر العوينة شمَالي دَار بطيخ الْآن واسْمه مَكْتُوب على بَابهَا فَلَعَلَّهُ نقل من ثمَّ إِلَيْهَا
وَفِيه يَقُول الْأَمِير مؤيد الدولة أُسَامَة بن منقذ وَكتب إِلَيْهِ من مصر لمّا لقى الفرنج فِي أَرض بصرى وصرخد مَعَ نور الدّين وَقد تقدم ذَلِك كتب إِلَيْهِ قصيدة يَقُول فِيهَا
(كل يَوْم فتح مُبين وَنصر ... واعتلاء على الأعادي وقهر)
(صدق النَّعْت فِيك أَنْت معِين الدّين ... إِن النعوت فأل وزجر)
стр. 204
(أَنْت سيف الْإِسْلَام حَقًا فَلَا فل ... غراريك ايها السّيفُ دهر)
(لم تَزل تُضمر الْجِهَاد مُسِرَّا ... ثمَّ أعلنت حِين أمكن جهر)
(كل ذخر الْمُلُوك يفنى وذخراك ... هما الباقيان أجر وشكر)
قَالَ وَفِي يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع رَجَب قرئَ المنشور المنشأ عَن مجير الدّين بعد الصَّلَاة على الْمِنْبَر بِإِبْطَال الفسة المستخرجة من الرّعية وَإِزَالَة حكمهَا وتعفية رسمها وَإِبْطَال دَار الضَّرْب فَكثر دُعَاء النَّاس لَهُ وشكرهم
قَالَ واستوحش الرئيس مؤيد الدولة من مجير الدّين استيحاشاً أوجب جمع من أمكنه من سُفَهَاء الْأَحْدَاث والغوغاء وَحَملَة السِّلَاح من الجهلة الْعَوام وترتيبهم حول دَاره وَدَار أَخِيه زين الدولة حيدرة للاحتماء بهم من مَكْرُوه يتم عَلَيْهِمَا وَذَلِكَ فِي ثَالِث عشر رَجَب
وَوَقعت المراسلات من مجير الدّين بِمَا يسكنهَا ويطيب أَنفسهمَا فَمَا وثقا بذلك وجدا فِي الْجمع والاحتشاد من الْعَوام وَبَعض الأجناد وأثارا الْفِتْنَة فقصدوا بَاب السجْن وكسروا أغلاقه وأطلقوا من فِيهِ واستنفروا جمَاعَة من أهل الشاغور
стр. 205
وَغَيرهم وقصدوا الْبَاب الشَّرْقِي وفعلوا مثل ذَلِك وحصلوا فِي جمع كثير وامتلأت بهم الْأَزِقَّة والدروب
فحين عرف مجير الدّين وَأَصْحَابه هَذِه الصُّورَة اجْتَمعُوا فِي القلعة بِالسِّلَاحِ الشاك وَأخرج مَا فِي خزائنه من السِّلَاح وَالْعدَد وَفرقت على العسكرية وعزموا على الزَّحْف على جمع الأوباش والإيقاع بهم والنكاية فيهم فَسَأَلَ جمَاعَة من المقدمين التمهل فِي هَذَا الْأَمر وَترك العجلة بِحَيْثُ تحقن الدِّمَاء وَيسلم الْبَلَد من النهب والحريق وألحوا عَلَيْهِ إِلَى أَن أجَاب سُؤَالهمْ
وَوَقعت المراسلة والتلطف فِي إصْلَاح ذَات الْبَين فَاشْترط الرئيس وَأَخُوهُ شُرُوطًا أجيبا إِلَى بَعْضهَا واعرض عَن بعض بِحَيْثُ يكون ملازما لداره وَيكون وَلَده وَولد أَخِيه فِي الْخدمَة فِي الدِّيوَان وَلَا يركب إِلَى القلعة إِلَّا مستدعي إِلَيْهَا وتقررت الْحَال على ذَلِك وسكنت الدهماء
ثمَّ حدث بعد هَذَا التَّقْرِير عود الْحَال إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من العناد وإثارة الْفساد وَجمع الْجمع الْكثير من الأجناد والمقدمين والرعاع والفلاحين وَاتَّفَقُوا على الزَّحْف إِلَى القلعة وَحصر من بهَا وَطلب من عين عَلَيْهِ من الْأَعْدَاء الْأَعْيَان فِي أَوَاخِر رَجَب ونشبت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ وجرح وَقتل بَينهم نفر يسير وَعَاد كل فريق مِنْهُم إِلَى مَكَانَهُ
وَوَافَقَ ذَلِك هروب السلار زين الدّين إِسْمَاعِيل الشّحْنَة وأخيه إِلَى نَاحيَة بعلبك وَلم تزل الْفِتْنَة ثائرة والمحاربة مُتَّصِلَة إِلَى أَن اقْتَضَت الصُّورَة إبعاد من التمس إبعاده من خَواص مجير الدّين وسكنت الْفِتْنَة وأطلقت أَيدي النهابة فِي دَار السلارين
стр. 206
وأصحابهما وعمهما النهب والخراب ودعت الضَّرُورَة إِلَى تطييب نفس الرئيس وأخيه وَالْخلْع عَلَيْهِمَا وإعادة الرئيس إِلَى الوزارة والرياسة بِحَيْثُ لَا يكون لَهُ فِي ذَلِك معترض وَلَا مشارك
قلت وَفِي هَذِه الْفِتْنَة يَقُول العرقلة
(ذَر الأتراك والعربا ... وَكن فِي حزب من غلبا)
(بجلق أَصبَحت فتنٌ ... تجر الويل والحربا)
(لَئِن تمت فوا أسفا ... وَلم تخرب فوا عجبا)
وَقَالَ فِي الرئيس لما زحف إِلَى القلعة
(زد علوا فِي الْمجد يَا ابْن عَليّ ... هَكَذَا من أَرَادَ أَن يتعالى)
(قد حوى الدّين يَا مؤيده مِنْك ... هزبرا وديمة وهلالا)
(وغدت جلق تناديك عجبا هَكَذَا هَكَذَا وَإِلَّا فَلَا لَا)
(جبتها فِي الظلام خيلا ورجلا ... وحميت النُّفُوس والأموالا)
(لن تبالى من بعْدهَا بعدوّ ... إِنَّمَا ذَاك كَانَ قطعا فزالا)
стр. 207
(قد بلغت المُرَاد من كل ضد ... وَكفى الله الْمُؤمِنِينَ الْقِتَاَلا)
قَالَ أَبُو يعلى التَّمِيمِي وفيهَا ورد الْخَبَر من نَاحيَة مصر بوفاة الْمُسْتَخْلف بهَا الملقب بِالْحَافِظِ واسْمه عبد الْمجِيد بن الْأَمِير أبي الْقَاسِم بن الْمُسْتَنْصر فِي خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة وَولى الْأَمر بعده وَلَده الْأَصْغَر أَبُو مَنْصُور إِسْمَاعِيل ولقب بالظافر وَولي الوزارة أَمِير الجيوش أَبُو الْفَتْح بن مصال المغربي
стр. 208
فصل فِي وَفَاة سيف الدّين غَازِي بن زنكي صَاحب الْموصل وَهُوَ أَخُو نور الدّين الْأَكْبَر
قَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ أتابك الشَّهِيد يَعْنِي زنكي ملك دَارا وَبقيت بِيَدِهِ إِلَى أَن قتل فَأَخذهَا صَاحب ماردين ثمَّ سَار إِلَيْهَا سيف الدّين بن الشَّهِيد فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين فحاصرها وملكها وَاسْتولى على كثير من بلد ماردين بِسَبَبِهَا ثمَّ حصر ماردين عَازِمًا على أَن، يدْخل ديار بكر ويستعيد مَا اخذ من الْبِلَاد بعد قتل وَالِده فَتفرق الْعَسْكَر فِي بَلَدهَا ينهبون ويخربون فَقَالَ صَاحب ماردين كُنَّا نشكو من أتابك وَأَيْنَ أَيَّامه فَلَقَد كَانَت أعياداً قد حَصَرَنا غير مرّة فَلم يَتَعَدَّ هُوَ وَعَسْكَره حَاصِل السُّلْطَان وَلَا أخذُوا كفا من التِّبْن بِغَيْر ثمن
(رُب دهرٍ بَكَيْت منهُ فَلَمَّا ... صِرْتُ فِي غيرِه بَكَيْت عَلَيْهِ)
ثمَّ إِنَّه راسل سيف الدّين وَصَالَحَهُ على مَا أَرَادَ وزوجه ابْنَته الخاتون ورحل سيف الدّين عَن ماردين وَعَاد إِلَى الْموصل وجهزت خاتون وسيرت إِلَيْهِ فوصلت إِلَى الْموصل وَهُوَ مَرِيض فَتوفي وَلم يدْخل بهَا وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر جُمَادَى الْآخِرَة وَكَانَ عمره نَحْو أَرْبَعِينَ سنة
وَكَانَ من أحسن النَّاس صُورَة وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بباطن الْموصل وَخلف ولدا ذكرا أَخذه نور الدّين مَحْمُود عَمه فرباه فَأحْسن تَرْبِيَته وزوجه ابْنة عَمه قطب الدّين مودود فَلم تطل أَيَّامه وأدركه أَجله فِي عنفوان شبابه فَتوفي وانقرض عقب سيف الدّين
стр. 209
وَكَانَ كَرِيمًا شجاعا ذَا عزم وحزم
وَهُوَ أول من حمل على رَأسه سنجق من أَصْحَاب الْأَطْرَاف فَإِنَّهُ لم يكن فيهم من يَفْعَله لأجل السلاطين السلجوقية وَهُوَ أول من أَمر عسكره أَلا يركب أحدهم إِلَّا وَالسيف فِي وَسطه فَلَمَّا أَمر هُوَ بذلك اقْتدى بِهِ غَيره من أَصْحَاب الْأَطْرَاف
وَبنى بالموصل الْمدرسَة الأتابكية العتيقة وَهِي من أحسن الْمدَارِس وأوسعها وَجعلهَا وَقفا على الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة نِصْفَيْنِ
وَبنى رِبَاط الصُّوفِيَّة بالموصل أَيْضا وَهُوَ الرِّبَاط المجاور لباب المشرعة ووقف عَلَيْهِمَا الْوُقُوف الْكَثِيرَة
وَكَانَ كَرِيمًا قَصده شهَاب الدّين حيص بيص وامتدحه بقصيدته الْمَشْهُورَة وَهِي من جيد شعره فَأَجَازَهُ عَنْهَا ألف دِينَار أَمِيري سوى الْإِقَامَة والتعهد مُدَّة مقَامه وَسوى الْخلْع وَالثيَاب
стр. 210
قلت أول تِلْكَ القصيدة
(إلاَمَ يراك الْمجد فِي زِيّ شَاعِر ...)
يَقُول فِي آخرهَا
(أتابك إِن سُميت فِي المهد غازيا ... فسابقه مَعْدُودَة فِي البشائر)
(وفيت بهَا وَالدّين قد مَال روقه ... وصدقتها وَالْكفْر بَادِي الشعائر)
وعزى أَبُو الْحُسَيْن أحمدُ بن مُنِير نور الدّين بأَخيه بقصيدة تقدم بَعْضهَا أَولهَا
(هُوَ الْجد بز التَّمام البدورا ...)
يَقُول فِيهَا
(شوى كل مَا جنت الحادثات ... مَا كنت ظلا علينا قريرا)
(أسأن وَأحسن عُكَن الْهلَال ... وملأننا مِنْك بَدْرًا منيرا)
(إِذا ثبج الْبَحْر أخطأنه ... فَلَا غرْو أَن ينتشفن الغديرا)
(واصغر بفقداننا الذاهبين ... مَا عِشْت تأتال ملكا كَبِيرا)
(وَمَا أغمد الدَّهْر ذَاك الحسام ... مَا سل حدَّاك عضْبا بتورا)
(قسيمُ عُلاك وَنعم القسيم ... أَخ ساف نزرا وَأعْطى كثيرا)
(وَكَانَ نظيرك غَار الزَّمَان ... من أَن يرى لَك فِيهِ نظيرا)
(فدتك نفوس بك استوطنت ... من الْأَمْن نورا وَقد كُنً بُورا)
(بقيت مُعزًّا من الهالكين ... تُوقّى الردى وَتوفى الأجورا)
(وَغَيْرك يمهد بسط العزاء ... ويولي المسلين سمعا وقورا)
стр. 211
(وَمَا نقص الدَّهْر أعدادكم ... إِذا شف قطرا وَأبقى بُحُورا)
(وَلَو أنصف الْمجد مَوْتَاكُم ... لَخَطّ لَهُم فِي السَّمَاء القُبُورا)
(حياتُك أحيت رَمِيم الرّجاء ... وأمطت من الْجُود ظهرا ظهيرا)
وللقيسراني قصيدة مِنْهَا
(مَا أطرق الجو حَتَّى اشرق الْأُفق ... إِن أغمد السَّيْف فالصَّمصام يأتلق)
(دون الأسى مِنْك نور الدّين فِي حلب ... مملك ينجلى عَن وَجهه الغسق)
(كُنْتَ الشَّقِيق الشفيق الْغَيْب حِين ثوى ... أراق مَاء الْكرَى من جفنك الأرق)
(تلقى الأسى من لِبَاس الصبْر فِي جنن ... حَصِينَة تحتهَا الأحشاء تحترق)
(وَمُدَّة الْأَجَل المحتوم إِن خفيت ... فَإِن أيامنا من دونهَا طرق)
(وَإِنَّمَا نَحن فِي مضمار حلبتها ... خيل إِلَى غَايَة الْأَعْمَار تسْتبِق)
(شأو إِذا ابتدر الأقوام غَايَته ... كَانَ الْمُؤخر فِيهَا من لَهُ السَّبق)
(إِن كَانَ صنوك هَذَا قد ثوى فذوى ... فَفِي مغارسك الأثمار وَالْوَرق)
(أَو أَصبَحت بعده الْأَهْوَاء نافرة ... أيدى سبا فعلى علياك تّتفق)
(مَا غَابَ من غَابَ عَن آفَاق مطلعه ... إلاَّ لِيْفترَّ عَن أنوارك الْأُفق)
(مَا دَامَ شمسك فِينَا غير آفلةٍ ... فالدين مُنْتَظم وَالْملك متسق)
стр. 212
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما توفى سيف الدّين غَازِي كَانَ أَخُوهُ قطب الدّين مودود بالموصل فاتفقت كلمة جمال الدّين وزين الدّين على تَوليته وتمليكه طلبا للسلامة مِنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ لين الْجَانِب حسن الْأَخْلَاق كثير الْحلم كريم الطباع
فأحضروه من دَاره وحلفوه لَهُم وحلفوا لَهُ وَنزل بدار المملكة وَحلف لَهُ الْأُمَرَاء والأجناد وَاسْتقر فِي الْملك وأطاعه جَمِيع مَا كَانَ لِأَخِيهِ سيف الدّين لِأَن الْمرجع كَانَ فِي جَمِيع المملكة إِلَى جمال الدّين وزين الدّين
وَلما ملك وَاسْتقر فِي الْملك تزوج امْرَأَة أَخِيه الَّتِي مَاتَ وَلم يدْخل بهَا الخاتون ابْنة حسام الدّين تمرتاش صَاحب مادرين فَولدت لقطب الدّين أَوْلَاده الَّذين ملكوا الْموصل بعده على مَا سَنذكرُهُ وَلم يملكهَا من أَوْلَاد قطب الدّين أحد غير أَوْلَادهَا
قَالَ وَكَانَت هَذِه الخاتون يحل لَهَا ان تضع خمارها عِنْد خَمْسَة عشر ملكا من آبائها وأجدادها وإخوتها وَبني إخوتها وأزواجها وَأَوْلَادهَا وَأَوْلَاد أَوْلَادهَا
ثمَّ ذكرهم ابْن الْأَثِير فِي كِتَابه وَسَمَّاهُمْ وَذكر أَنَّهَا أشبهت فِي ذَلِك فَاطِمَة بنت عبد الْملك بن مَرْوَان زوج عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ كَانَ لَهَا أَن تضع خمارها عِنْد ثَلَاثَة عشر خَليفَة وهم من مُعَاوِيَة رَضِي الله
стр. 213
عَنهُ إِلَى آخر خلفاء بني أُميَّة سوى آخِرهم وَهُوَ مَرْوَان بن مُحَمَّد فَإِنَّهُ ابْن عَم لَهَا لَيْسَ بِمحرم وَالْبَاقُونَ محارم لَهَا وَمَا تمّ لَهُ ذَلِك إِلَّا بعد ذكره أَن أمهَا عَاتِكَة بنت يزِيد بن معلوية فمعاوية جد أمهَا وَيزِيد جدها لأمها وَمُعَاوِيَة بن يزِيد خالها ومروان جدها لأَبِيهَا لبيها وَعبد الْملك أَبوهَا والوليد وَسليمَان وَهِشَام وَيزِيد إخوتها وَعمر بن عبد الْعَزِيز زَوجهَا والوليد بن يزِيد وَيزِيد بن الْوَلِيد وَإِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد أَوْلَاد أخويها وَهَؤُلَاء كلهم خلفاء وعدتهم ثَلَاثَة عشر
قلت وَهَذَا كُله مَبْنِيّ على أصل فِيهِ خلل وَهُوَ أَن فَاطِمَة بنت عبد الْملك لَيست أمهَا عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة بل أمهَا امْرَأَة مخزوميّة على مَا بَيناهُ فِي ترجمتها فِي = تَارِيخ دمشق =
وَلَكِن الصَّوَاب فِي ذَلِك أَن يُقَال كَانَ لفاطمة إِن تضع خمارها عِنْد عشرَة من الْخُلَفَاء وهم مَرْوَان بن الحكم ونسله سوى مَرْوَان بن مُحَمَّد وَأما عَاتِكَة فالجميع محرم لَهَا سوى عمر بن عبد الْعَزِيز ومروان بن مُحَمَّد بَقِي اثْنَا عشر خَليفَة كلهم محارم لَهَا مُعَاوِيَة جدها وَيزِيد أَبوهَا وَمُعَاوِيَة بن يزِيد أَخُوهَا ومروان حموها وَعبد الْملك زَوجهَا والوليد وَسليمَان وَهِشَام أَوْلَاد زَوجهَا وَيزِيد بن عبد الملك ابْنهَا والوليد بن يزِيد ابْن ابْنهَا وَيزِيد بن الْوَلِيد وَإِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد ابْنا ابْن زَوجهَا
وَلَو أضيف إِلَى ذَلِك الْمُلُوك من محارم عَاتِكَة أَو فَاطِمَة كالإخوة والأعمام والأخوال وَبني الْإِخْوَة لتضاعف الْعدَد كخالد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة أخي عَاتِكَة وَعبد الْعَزِيز بن مَرْوَان عَم فَاطِمَة ومسلمة وَعبد الله ابْني عبد الْملك هما أخوا فَاطِمَة وربيبا عَاتِكَة وَعمر بن عبد الْوَلِيد بن عبد الْملك وَغَيرهم
وَذَلِكَ ظَاهر لمن عرف أَنْسَاب بني أُميَّة
стр. 214
وَمَا ذكره ابْن الْأَثِير من أَمر بنت حسام الدّين فسِتُّ الشَّام بنت أَيُّوب أَكثر مِنْهَا محارم من الْمُلُوك يجْتَمع لَهَا من ذَلِك اكثر من ثَلَاثِينَ ملكا من إخوتها الْأَرْبَعَة الْمُعظم وَصَلَاح الدّين والعادل وَسيف الْإِسْلَام وَمن أَوْلَادهم وَأَوْلَاد أَوْلَادهم وَأَوْلَاد أَخِيهَا الْأَكْبَر شاهنشاه بن أَيُّوب تَقِيّ الدّين وَذريته أَصْحَاب حماة وفرخشاه وَابْنه الأمجد صَاحب بعلبك
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما ملك قطب الدّين الْموصل والبلاد الجزرية كَانَ أَخُوهُ نور الدّين بحلب وَهُوَ أكبر من قطب الدّين فكاتبه بعض الْأُمَرَاء وطلبوه إِلَيْهِم مِنْهُم الْأَمِير الْمُقدم وَالِد شمس الدّين بن الْمُقدم وَهُوَ حِينَئِذٍ دزدار سنجار
فَسَار نور الدّين جَرِيدَة فِي سبعين فَارِسًا من أكَابِر دولته مِنْهُم أَسد الدّين شيركوه ومجد الدّين أَبُو بكر بن الداية وَغَيرهمَا
فوصلوا إِلَى ماكِسِين فِي سِتَّة أنفس فِي يَوْم شَدِيد الْمَطَر وَعَلَيْهِم اللبابيد فَلم يعرفهُمْ الَّذين بِالْبَابِ وَأَرْسلُوا إِلَى الشّحْنَة واخبروه بوصول نفر من الأجناد وَكَأَنَّهُم تركمان فَلم يستتم القاصد كَلَامه حَتَّى وصل نور الدّين فحين رَآهُ الشّحْنَة قبّل يَده وَخرج عَن الدَّار فنزلها نور الدّين حَتَّى لحق بِهِ أَصْحَابه وَسَار مجدا إِلَى سنجار فوصلها وَلَيْسَ مَعَه إِلَّا نفر يسير فَنزل بِظَاهِر
стр. 215
الْبَلَد وَألقى نَفسه على محفورة صَغِيرَة من شدّة تَعبه وَأرْسل إِلَى الْمُقدم بالقلعة يعرفهُ وُصُوله وَكَانَ الْمُقدم قد استُدعى من الْموصل لِأَن خَبره مَعَ نور الدّين بلغ من بهَا فأرسلوا إِلَيْهِ فتوقف عدَّة أَيَّام فَلم يصل نور الدّين فَسَار إِلَى الْموصل وَترك ابْنه شمس الدّين بسنجار وَقَالَ لَهُ أَنا أتأخر فِي الطَّرِيق فَإِن وصل نور الدّين فَأرْسل من يعلمني فَلَمَّا فَارق سنجار وصل نور الدّين فَلَمَّا علم شمس الدّين بوصوله أرسل قَاصِدا إِلَى أَبِيه بالْخبر وأنهى الْحَال إِلَى نور الدّين فخاف فَوَات الْأَمر
وَوصل القاصد الَّذِي سيره ابْن الْمُقدم إِلَى أَبِيه فأدركه بتل يعفر فَعَاد إِلَى سنجار وَسلمهَا إِلَى نور الدّين وَكَاتب فَخر الدّين قرا أرسلان بن دَاوُد صَاحب الْحصن يستنجده وبذل لَهُ قلعة الْهَيْثَم فَسَار إِلَيْهِ بجنده
فَلَمَّا سمع قطب الدّين الْخَبَر جمع عساكره وَسَار عَن الْموصل نَحْو سنجار وَمَعَهُ الْجمال والزين ونزلوا بتل يعفر وَأَرْسلُوا إِلَى نور الدّين يُنكرُونَ عَلَيْهِ إقدامه وَأَخذه مَا لَيْسَ لَهُ ويهددوه بِقَصْدِهِ وإخراجه من الْبِلَاد قهرا إِن لم يرجع اخْتِيَارا فَأَعَادَ الْجَواب إِنَّنِي أَنا الْأَكْبَر وَأَنا أَحَق أَن أدبرا أَمر أخي مِنْكُم وَمَا جِئْت إِلَّا لما تَتَابَعَت إِلَى كتب الْأُمَرَاء يذكرُونَ كراهيتهم لولايتكم عَلَيْهِم يَعْنِي ولَايَة الْجمال والزين فَخفت أَن يحملهم الغيظ والأنفة على أَن يخرجُوا الْبِلَاد من أَيْدِينَا فَأَما تهدُّدُكم إياى بِالْقِتَالِ فَأَنا مَا أقاتلكم إِلَّا بجندكم
وَكَانَ قد هرب إِلَيْهِ جمَاعَة من أجنادهم فخافوا أَن يلقوه لِئَلَّا يخَامر عَلَيْهِم بَاقِي الْعَسْكَر وَدخل الْأُمَرَاء فِي الصُّلْح وَأَشَارَ بِهِ جمال الدّين الْوَزير وَقَالَ نَحن نظهر للسُّلْطَان والخليفة أننا تبع نور الدّين وَنور الدّين يظْهر للفرنج أَنه يحكمنا ويتهددهم بِنَا فَإِن كاشفناه وحاربناه فَإِن ظفر بِنَا طمع فِينَا السُّلْطَان وَإِن
следующие страницы →