Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وَفِي ثَالِث عشر صفر طلبني فَحَضَرت فَسَأَلَنِي عَمَّن فِي الإيوان فَأَخْبَرته أَن الْملك الْأَفْضَل جَالس فِي الْخدمَة والأمراء وَالنَّاس فِي خدمته فَاعْتَذر إِلَيْهِم على لِسَان جمال الدولة إقبال ثمَّ استحضرني بكرَة الْخَمِيس رَابِع عشر صفر وَهُوَ فِي صفة الْبُسْتَان وَعِنْده أَوْلَاده الصغار فَسَأَلَ عَن الْحَاضِرين فَقيل رسل الفرنج وَجَمَاعَة الْأُمَرَاء والأكابر
فَاسْتَحْضر رسل الفرنج إِلَى ذَلِك الْمَكَان فَحَضَرُوا وَكَانَ لَهُ ولد صَغِير وَكَانَ كثير الْميل إِلَيْهِ يُسمى الْأَمِير أَبَا بكر وَكَانَ حَاضرا وَكَانَ ﵀ عَلَيْهِ يداعبه فَلَمَّا وَقع بَصَره على الفرنج وَرَأى أشكالهم خَافَ مِنْهُم وَبكى فَاعْتَذر إِلَيْهِم وصرفهم بعد أَن حَضَرُوا وَلم يسمع كَلَامهم وَقَالَ لي أكلت الْيَوْم شَيْئا وَكَانَت عَادَته ﵀ هَذِه المباسطة ثمَّ قَالَ أحضروا لنا مَا تيَسّر فأحضروا أرزا بِلَبن وَمَا يشبه ذَلِك من الْأَطْعِمَة الْخَفِيفَة فَأكل ﵀ وَكنت أَظن أَن مَا عِنْده شَهْوَة
وَكَانَ فِي هَذِه الْأَيَّام يعْتَذر إِلَى النَّاس لثقل الْحَرَكَة عَلَيْهِ وَكَانَ بدنه ممتلئا وَعِنْده تكسل فَلَمَّا فَرغْنَا من الطَّعَام قَالَ مَا الَّذِي عنْدك من خبر الْحَاج فَقلت قد اجْتمعت بِجَمَاعَة مِنْهُم فِي الطَّرِيق وَلَوْلَا كَثْرَة الوحل لدخلوا الْيَوْم وَلَكنهُمْ فِي غَد يدْخلُونَ فَقَالَ نخرج إِن شَاءَ الله إِلَى لقائهم وَتقدم بتنظيف طرقاتهم من الْمِيَاه فَإِنَّهَا كَانَت سنة كَثِيرَة الأنداء وَقد سَالَتْ الْمِيَاه فِي الطّرق كالأنهار وانفصلت عَن خدمته وَلم أجد عِنْده من النشاط مَا أعهده مِنْهُ
стр. 1682
ثمَّ بكر فِي يَوْم الْجُمُعَة فَركب ثمَّ لحقته وَقد لَقِي الْحَاج وَلم أجد عَلَيْهِ كزاغنده وَمَا كَانَ لَهُ عَادَة يركب بِدُونِهِ وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما قد اجْتمع فِيهِ للقاء الْحَاج والتفرج على السُّلْطَان مُعظم من فِي الْبَلَد فأذكرته ذَلِك فَكَأَنَّهُ اسْتَيْقَظَ فَطلب الكزاغند فَلم يُوجد وأوقع الله فِي قلبِي تطيرا بذلك
ثمَّ سَار ﵀ بَين الْبَسَاتِين يطْلب جِهَة المنيبع حَتَّى أَتَى القلعة فَعبر على الجسر إِلَيْهَا وَهُوَ طَرِيقه الْمُعْتَاد وَكَانَت آخر ركباته ﵀
فصل فِي مرض السُّلْطَان ووفاته أحله الله بحبوحة جناته
قَالَ القَاضِي لما كَانَت لَيْلَة السبت وجد كسلا عَظِيما فَمَا انتصف اللَّيْل حَتَّى غَشيته حمى صفراوية كَانَت فِي بَاطِنه أَكثر مِنْهَا فِي ظَاهره وَأصْبح يَوْم السبت سادس عشر صفر عَلَيْهِ أثر الْحمى وَلم يظْهر ذَلِك للنَّاس لَكِن حضرت عِنْده أَنا وَالْقَاضِي الْفَاضِل وَدخل وَلَده الْأَفْضَل وَطَالَ جلوسنا عِنْده وَأخذ يشكو من قلقه بِاللَّيْلِ وطاب لَهُ الحَدِيث إِلَى قريب الظّهْر ثمَّ انصرفنا والقلوب عِنْده فَتقدم إِلَيْنَا بالحضور على الطَّعَام فِي خدمَة وَلَده الْأَفْضَل وَلم يكن للْقَاضِي عَادَة بذلك فَانْصَرف
стр. 1683
وَدخلت إِلَى الايوان القبلي وَقد مد الطَّعَام وَولده الْأَفْضَل قد جلس فِي مَوْضِعه فَانْصَرَفت وَمَا كَانَ لي قُوَّة للجلوس استيحاشا
وَبكى فِي ذَلِك الْيَوْم جمَاعَة تفاؤلا بجلوس وَلَده فِي مَوْضِعه ثمَّ أَخذ الْمَرَض فِي تزايد من حِينَئِذٍ وَنحن نلازم التَّرَدُّد فِي طرفِي النَّهَار وَأدْخل إِلَيْهِ أَنا وَالْقَاضِي الْفَاضِل فِي النَّهَار مرَارًا وَيُعْطى الطَّرِيق فِي بعض الْأَيَّام الَّتِي يجد فِيهَا خفَّة وَكَانَ مَرضه فِي رَأسه وَكَانَ من أَمَارَات انْتِهَاء الْعُمر غيبَة طبيبه الَّذِي كَانَ قد ألف مزاجه سفرا وحضرا وَرَأى الْأَطِبَّاء فصده ففصدوه فِي الرَّابِع فَاشْتَدَّ مَرضه وَقلت رطوبات بدنه وَكَانَ يغلبه النَّفس غَلَبَة عَظِيمَة وَلم يزل الْمَرَض فِي تزايد حَتَّى انْتهى إِلَى غَايَة الضعْف
وَلَقَد أجلسناه فِي السَّادِس من مَرضه وأسندنا ظَهره إِلَى مخدة وأحضر مَاء فاتر يشربه عقيب شراب يلين الطَّبْع فشربه فَوَجَدَهُ شَدِيد الْحَرَارَة فَشَكا من شدَّة حره فَغير وَعرض عَلَيْهِ ثَانِيًا فَشَكا من برده وَلم يغْضب وَلم يصخب ﵀ وَلم يقل سوى هَذِه الْكَلِمَات سُبْحَانَ الله لَا يُمكن أحدا تَعْدِيل المَاء
فَخرجت أَنا وَالْقَاضِي من عِنْده وَقد اشْتَدَّ منا الْبكاء وَالْقَاضِي الْفَاضِل يَقُول لي أبْصر هَذِه الْأَخْلَاق الَّتِي قد أشرف الْمُسلمُونَ على مفارقتها وَالله لَو أَن هَذَا بعض النَّاس كَانَ قد ضرب بالقدح رَأس من أحضرهُ
стр. 1684
وَاشْتَدَّ مَرضه فِي السَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن وَلم يزل متزايدا وتغيب ذهنه وَلما كَانَ التَّاسِع حدثت ربه رعشة وَامْتنع من تنَاول المشروب وَاشْتَدَّ الارجاف فِي الْبَلَد وَخَافَ النَّاس ونقلوا الأقمشة من الْأَسْوَاق وَغشيَ النَّاس من الكآبة والحزن مَا لَا يُمكن حكايته
وَلَقَد كنت أَنا وَالْقَاضِي الْفَاضِل نقعد كل لَيْلَة إِلَى أَن يمْضِي من اللَّيْل ثلثه اَوْ قريب مِنْهُ ثمَّ نحضر فِي بَاب الدَّار فَإِن وجدنَا طَرِيقا دَخَلنَا وشاهدناه وانصرفنا وَإِلَّا تعرفنا أَحْوَاله وانصرفنا وَكُنَّا نجد النَّاس يرتقبون خروجنا إِلَى بُيُوتنَا حَتَّى يقرؤوا أَحْوَاله من صفحات وُجُوهنَا
وَلما كَانَ الْعَاشِر من يَوْم مَرضه حقن دفعتين وَحصل من الحقنة رَاحَة وَحصل بعض الْخُف وَتَنَاول من مَاء الشّعير مِقْدَارًا صَالحا وَفَرح النَّاس فَرحا شَدِيدا فَأَقَمْنَا على الْعَادة إِلَى أَن مضى من اللَّيْل هزيع ثمَّ أَتَيْنَا بَاب الدَّار فَوَجَدنَا جمال الدولة إقبالا فالتمسنا مِنْهُ تَعْرِيف الْحَال المتجدد فَدخل ثمَّ أنفذ إِلَيْنَا مَعَ الْملك الْمُعظم تورانشاه يَقُول إِن الْعرق قد أَخذ فِي سَاقيه فشكرنا الله تَعَالَى على ذَلِك وانصرفنا طيبَة قُلُوبنَا ثمَّ أَصْبَحْنَا فَأخْبرنَا أَن الْعرق أفرط حَتَّى نفذ فِي الْفرش وتأثرت بِهِ الأَرْض وَأَن اليبس قد تزايد بِهِ تزايدا عَظِيما وخارت الْقُوَّة واستشعر الْأَطِبَّاء
стр. 1685
وَلما رأى الْملك الْأَفْضَل مَا حل بوالده وَتحقّق الْيَأْس مِنْهُ شرع فِي تَحْلِيف النَّاس وَجلسَ فِي دَار رضوَان الْمَعْرُوفَة بسكنه واستحضر الْقُضَاة وَعمل لَهُ نُسْخَة يَمِين مختصرة محصلة للمقاصد تَتَضَمَّن الْحلف للسُّلْطَان مُدَّة حَيَاته وَله من بعد وَفَاته وَاعْتذر إِلَى النَّاس بِأَن الْمَرَض قد اشْتَدَّ وَمَا نعلم مَا يكون وَمَا نَفْعل هَذَا إِلَّا احْتِيَاطًا على جاري عَادَة الْمُلُوك
ثمَّ سمى القَاضِي مِمَّن حلف لَهُ جمَاعَة مِنْهُم سعد الدّين مَسْعُود أَخُو بدر الدّين مودود الشّحْنَة وناصر الدّين صَاحب صهيون وسابق الدّين صَاحب شيزر وخشترين الهكاري ونوشروان الزرزاري وعلكان ومنكلان ثمَّ مد الخوان وأكلوا
وَلما كَانَ الْعَصْر أُعِيد مجْلِس التَّحْلِيف وأحضر مَيْمُون القصري وشمس الدّين سنقر الْكَبِير وسامة وسنقر المشطوب واليكي الْفَارِس وأيبك الْأَفْطَس وأخو الْأَمِير سياروخ وحسام الدّين بِشَارَة وَبَعْضهمْ اشْترط فِي يَمِينه وَبَعْضهمْ لم يشْتَرط وَلم يحضر أحد من الْأُمَرَاء المصريين وَلم يتَعَرَّض لَهُم
وَلما كَانَت لَيْلَة الْأَرْبَعَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر وَهِي لَيْلَة الثَّانِي عشر من مَرضه اشْتَدَّ مَرضه وضعفت قوته وَوَقع فِي أَوَائِل
стр. 1686
الْأَمر من أَوَائِل اللَّيْل وَحَال بَيْننَا وَبَينه النِّسَاء واستحضرت أَنا وَالْقَاضِي الْفَاضِل فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَابْن الزكي وَلم تكن عَادَته الْحُضُور فِي ذَلِك الْوَقْت
وَعرض علينا الْملك الْأَفْضَل أَن نبيت عِنْده فَلم ير الْفَاضِل ذَلِك رَأيا فَإِن النَّاس كَانُوا فِي كل لَيْلَة ينتظرون نزولنا من القلعة فخاف أَن لَا ننزل فَيَقَع الصَّوْت فِي الْبَلَد وَرُبمَا نهب النَّاس بَعضهم بَعْضًا فَرَأى الْمصلحَة فِي نزولنا واستحضار الشَّيْخ أبي جَعْفَر إِمَام الكلاسة وَهُوَ رجل صَالح يبيت بالقلعة حَتَّى إِن احْتضرَ بِاللَّيْلِ حضر عِنْده وَحَال بَينه وَبَين النِّسَاء وَذكره بِالشَّهَادَةِ وَذكر الله تَعَالَى فَفعل ذَلِك فنزلنا وكل منا يود لَو فدَاه بِنَفسِهِ وَبَات فِي تِلْكَ اللَّيْلَة على حَال المنتقلين إِلَى الله تَعَالَى وَالشَّيْخ أَبُو جَعْفَر يقْرَأ عِنْده الْقُرْآن ويذكره بِاللَّه تَعَالَى وَكَانَ ذهنه غَائِبا من لَيْلَة التَّاسِع لَا يكَاد يفِيق إِلَّا فِي الأحيان
وَذكر الشَّيْخ أَبُو جَعْفَر أَنه لما انْتهى إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة﴾ سَمعه وَهُوَ يَقُول صَحِيح وَهَذِه يقظة فِي وَقت الْحَاجة وعناية من الله تَعَالَى بِهِ فَللَّه الْحَمد على ذَلِك
стр. 1687
وَكَانَت وَفَاته ﵀ عَلَيْهِ بعد صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة وبادر القَاضِي الْفَاضِل بعد طُلُوع الصُّبْح فَحَضَرَ وَفَاته ووصلت أَنا وَقد مَاتَ وانتقل إِلَى رضوَان الله وَمحل كرامته
وَلَقَد حُكيَ لي أَنه لما بلغ الشَّيْخ أَبُو جَعْفَر إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت﴾ تَبَسم وتهلل وَجهه وَسلمهَا إِلَى ربه وَكَانَ يَوْمًا لم يصب الْإِسْلَام والمسلمون بِمثلِهِ مُنْذُ فقد الْخُلَفَاء الراشدون وَغشيَ القلعة والبلد وَالدُّنْيَا من الوحشة مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى
وتالله لقد كنت أسمع من بعض النَّاس أَنهم يتمنون فدَاء من يعز عَلَيْهِم بنفوسهم فَكنت أحمل ذَلِك على ضرب من التَّجَوُّز والترخص إِلَى ذَلِك الْيَوْم فَإِنِّي علمت من نَفسِي وَمن غَيْرِي أَنه لَو قبل الْفِدَاء لفدي بِالنَّفسِ
ثمَّ جلس وَلَده الْأَفْضَل للعزاء فِي الإيوان الشمالي وَحفظ بَاب القلعة إِلَّا عَن الْخَواص من الْأُمَرَاء والمعممين وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما قد شغل كل إِنْسَان مَا عِنْده من الْحزن والأسف والبكاء والاستغاثة عَن أَن ينظر إِلَى غَيره وَحفظ الْمجْلس عَن أَن ينشد فِيهِ شَاعِر أَو يتَكَلَّم فِيهِ فصَال أَو وعاظ
وَكَانَ أَوْلَاده يخرجُون مستغيثين بَين النَّاس فتكاد النُّفُوس
стр. 1688
تزهق لهول منظرهم ودام الْحَال على ذَلِك إِلَى بعد صَلَاة الظّهْر ثمَّ اشْتغل بتغسيله وتكفينه فَمَا مكنا أَن ندخل فِي تَجْهِيزه مَا قِيمَته حَبَّة وَاحِدَة إِلَّا بالقرض حَتَّى فِي ثمن التِّبْن الَّذِي يلت بِهِ الطين وغسله الدولعي الْفَقِيه وندبت إِلَى الْوُقُوف على غسله فَلم يكن لي قُوَّة تحمل ذَلِك المنظروأخرج بعد صَلَاة الظّهْر فِي تَابُوت مسجى بِثَوْب فوط وَكَانَ ذَلِك وَجَمِيع مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ من الثِّيَاب فِي تكفينه قد أحضرهُ الْفَاضِل من وَجه حل عرفه
وَارْتَفَعت الْأَصْوَات عِنْد مشاهدته وَعظم الضجيج حَتَّى إِن الْعَاقِل يتخيل أَن الدُّنْيَا كلهَا تصيح صَوتا وَاحِدًا وَغشيَ النَّاس من الْبكاء والعويل مَا شغلهمْ عَن الصَّلَاة وَصلى عَلَيْهِ النَّاس أَرْسَالًا وَكَانَ أول من أم بِالنَّاسِ القَاضِي محيي الدّين بن الزكي ثمَّ أُعِيد ﵀ عَلَيْهِ إِلَى الدَّار الَّتِي فِي الْبُسْتَان الَّتِي كَانَ متمرضا بهَا وَدفن فِي الصّفة الغربية مِنْهَا وَكَانَ نُزُوله فِي حفرته قَرِيبا من صَلَاة الْعَصْر ثمَّ نزل فِي أثْنَاء النَّهَار وَلَده الظافر وعزى النَّاس فِيهِ وَسكن قُلُوب النَّاس
وَكَانَ النَّاس قد شغلهمْ الْحزن والبكاء عَن الِاشْتِغَال بالنهب وَالْفساد فَمَا يُوجد قلب إِلَّا حَزِين وَلَا عين إِلَّا باكية إِلَّا من شَاءَ الله ثمَّ رَجَعَ النَّاس إِلَى بُيُوتهم أقبح رُجُوع وَلم يعد منا أحد
стр. 1689
فِي تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَّا أَنا حَضَرنَا وقرأنا وجددنا حَالا من الْحزن واشتغل ذَلِك الْيَوْم الْملك الْأَفْضَل بكتب الْكتب إِلَى إخْوَته وَعَمه يُخْبِرهُمْ بِهَذَا الْحَادِث
وَفِي الْيَوْم الثَّانِي جلس للعزاء جُلُوسًا عَاما وَأطلق بَاب القلعة للفقهاء وَالْعُلَمَاء وَتكلم المتكلمون وَلم ينشد شَاعِر ثمَّ انفض الْمجْلس فِي ظهيرة ذَلِك الْيَوْم وَاسْتمرّ الْحَال فِي حُضُور النَّاس بكرَة وَعَشِيَّة لقِرَاءَة الْقُرْآن وَالدُّعَاء لَهُ ﵀
وَقَالَ الْعِمَاد جلس السُّلْطَان لَيْلَة السبت سادس عشر صفر وَنحن عِنْده حَتَّى مضى من اللَّيْل ثلثه وَهُوَ يحدثنا وَنحن نحدثه ثمَّ صلى بِهِ وبنا إِمَامه وحان قِيَامه وانفصلنا بإحسانه مغتبطين وبامتنانه مرتبطين وأصبحنا يَوْم السبت وَجَلَسْنَا فِي الإيوان نَنْتَظِر خُرُوجه لوضع الخوان ووجدناه وَقد أغلق بإغلاق بَابه رَهنه وَلم نشعر بِمَا قَضَاهُ الْقدر وأجنه وَخرج من خدمه من أخبر بسقمه وَدخُول الْخَوْف إِلَى حرمه
وَأمر الْملك الْأَفْضَل بِأَن يجلس فِي الإيوان لبسط الخوان فَجَلَسَ فِي مَكَان وَالِده متربعا وَكَانَ من شَرط الْأَدَب أَن يخلي لَهُ
стр. 1690
موضعا فتطيرنا من تِلْكَ الْحَالة وتكرهنا مِنْهَا سوء الدّلَالَة فتلاعبت فِيهِ الْعُيُون وتراجمت الظنون ودخلنا إِلَيْهِ لَيْلَة الْأَحَد للعيادة ومرضه فِي الزِّيَادَة وَفِي كل يَوْم تضعف الْقُلُوب وتتضاعف الكروب وانتقل من دَار الفناء إِلَى دَار الْبَقَاء فِي سحرة يَوْم الْأَرْبَعَاء ونابت الظلماء عَن الضياء وَدخل قمره لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين فِي السرَار ودجت مطالع الْأَنْوَار وَمَات لمَوْته رَجَاء الرِّجَال وأظلم بغروب شمسه فضاء الأفضال وغاضت الأيادي وفاضت الأعادي وَدفن بقلعة دمشق فِي مَسْكَنه وَدفن جماع الْكَرم وَالْفضل وَالدّين بمدفنه ثمَّ بنى الْملك الْأَفْضَل قبَّة شمَالي الْجَامِع بجواره بشباك إِلَى الْجَامِع لزواره وَنَقله إِلَيْهَا يَوْم عَاشُورَاء سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين واسترجعنا وَقُلْنَا مَا لنا إِلَّا أَن نستعيذ بِاللَّه ونستعين
قَالَ وَمِمَّا قلته ربَاعِية فِي المرثية
(قَالَ الْملك النَّاصِر من كلفني ... فِي الْجُود بشيمتي فَمَا أنصفني)
(مَا يعلم أَن ذَا الْملك فني ... لم يبْق من الْجُود إِلَّا كفني)
وَقَالَ الْعِمَاد أَيْضا فِي رسَالَته الموسومة بعتبى الزَّمَان وَكَانَ السُّلْطَان ﵀ لما توفّي دفن بالقلعة فِي منزله وَمَا
стр. 1691
زَالَ الْأَفْضَل يتروى فِي مَوضِع يَنْقُلهُ إِلَيْهِ وَاسْتَشَارَ فِي ذَلِك فأشير عَلَيْهِ فِي سنة وَتِسْعين بِأَن تبنى تربته عِنْد مَسْجِد الْقدَم ويبنى عِنْدهَا مدرسة للشَّافِعِيَّة وَقَالُوا إِذا وصل الْملك الْعَزِيز اسْتغنى بزيارتها عَن الدُّخُول إِلَى دمشق لأَجلهَا
وَقَالُوا إِن السُّلْطَان ﵀ لما مرض سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ بحران وصّى أَن يدْفن بِدِمَشْق قبلي ميدان الْحَصَى وَيكون قَبره على النهج السابل وَطَرِيق القوافل ليدعو لَهُ الْوَارِد والصادر والبادي والحاضر وَتجوز عَلَيْهِ فِي الْغَزَوَات العساكر
قَالُوا وَإِن تناءت هَذِه الأَرْض عَن مَكَان الْوَصِيَّة فَهِيَ مِنْهُ قريبَة فَأمر الْأَفْضَل بِبِنَاء التربة عِنْد مَسْجِد الْقدَم وَتَوَلَّى عمارتها بدر الدّين مودود وَالِي دمشق فاتفق وُصُول الْعَزِيز تِلْكَ السّنة للحصار وهم قد شرعوا فِي عمارتها فخرب مَا كَانَ قد ارْتَفع من الْبناء ثمَّ استقرى الْأَفْضَل حُدُود الْجَامِع ليجعل التربة فِيهَا فوفق لداركانت لبَعض الصَّالِحين وَهِي فِي حد الْمَكَان الَّذِي زَاده الْأَجَل الْفَاضِل فِي الْمَسْجِد فاشتراها مِنْهُ وَأمر بعمارتها فِيهِ فعمرت وَنقل إِلَيْهَا السُّلْطَان يَوْم عَاشُورَاء من سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين بكرَة الْخَمِيس وَمَشى الْأَفْضَل بَين يَدي تابوته
وَأَرَادَ الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء حمله على أَعْنَاقهم الَّتِي فِيهَا منته فَقَالَ الْأَفْضَل كفته أدعيتكم الصالحه الَّتِي هِيَ فِي الْمعَاد جنته وَحمله مماليكه وخدمه وأولياؤه وحشمه وَأخرج من بَاب القلعة فِي الْبَلَد
стр. 1692
على دَار الحَدِيث إِلَى بَاب الْبَرِيد وَأدْخل مِنْهُ إِلَى الْجَامِع وَوضع قُدَّام بَاب النسْر وَصلى عَلَيْهِ القَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الْقرشِي بِإِذن الْأَفْضَل ثمَّ حمل مِنْهُ على الرؤوس إِلَى بطن ملحده ثمَّ جَاءَ الْأَفْضَل وَحده وَدخل لحده وأودعه وَخرج وسد الْبَاب على أَبِيه وَجلسَ هُنَاكَ فِي الْجَامِع ثَلَاثَة أَيَّام للعزاء وأنفقت سِتّ الشَّام أُخْت السُّلْطَان فِي هَذِه النّوبَة أَمْوَالًا كَثِيرَة
قَالَ مُحَمَّد بن القادسي وَفِي يَوْم السبت ثَالِث عشر ربيع الأول شاعت الْأَخْبَار يَعْنِي بِبَغْدَاد بوفاة صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَذكر أَنه دفن مَعَه سَيْفه الَّذِي كَانَ مَعَه فِي الْجِهَاد وَكَانَ ذَلِك بِرَأْي الْفَاضِل وَقيل عَنهُ هَذَا يتَوَكَّأ عَلَيْهِ إِلَى الْجنَّة وَأَن الْفَاضِل كَفنه من مَاله وَتَوَلَّى غسله الْفَاضِل وخطيب دمشق
قلت وَحكي لي أَنه رُؤِيَ النَّبِي ﷺ فِي جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ زاروا قبر صَلَاح الدّين ﵀ وَأَنَّهُمْ لما صَارُوا عِنْد الشباك سجدوا وَوجدت فِي بعض الْكتب الْفَاضِلِيَّةِ أَن رجلا رأى لَيْلَة وَفَاة السُّلْطَان كَأَن قَائِلا يَقُول لَهُ قد خرج اللَّيْلَة يُوسُف من السجْن وَهُوَ من الْأَثر النَّبَوِيّ الدُّنْيَا سجن الْمُؤمن وجنة الْكَافِر
стр. 1693
قَالَ وَمَا كَانَ يوسفنا رَحْمَة الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بالاضافة إِلَى مَا صَار إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة إِلَّا فِي سجن رَضِي الله عَن تِلْكَ الرّوح وَفتح لَهُ بَاب الْجنَّة فَهُوَ آخر مَا كَانَ يَرْجُو من الْفتُوح
وَمن كَلَام غَيره فِي وَفَاة السُّلْطَان رَحمَه الله تَعَالَى أفلت الشَّمْس عِنْد الصَّباح وَذَهَبت روح الدُّنْيَا الَّذِي ذهب بذهابها كثيرمن الْأَرْوَاح وَتلك سَاعَة ظلت لَهَا الْأَلْبَاب حائرة وتمثلت فِيهَا السَّمَاء مائرة وَالْجِبَال سائرة وأغمد سيف الله الَّذِي كَانَ على أعدائه دَائِم التَّجْرِيد وَخفت الأَرْض من جبلها الَّذِي كَانَ يمْنَعهَا أَن تميد وَأصْبح الْإِسْلَام وَقد فقد ناصره فَهُوَ أعظم فَاقِد لأعظم فقيد وَلَيْسَ أحد من النَّاس إِلَّا وَقد صم عَن الْخَبَر وَأُصِيب فِي سَواد الْقلب وَالْبَصَر وَقَالَ وَقد توفّي رَسُول الله ﷺ بقول عمر
وَختم الْعِمَاد كِتَابه الْبَرْق الشَّامي بقصيدة رثى بهَا السُّلْطَان ﵀ عَددهَا فِي ديوانه بِخَطِّهِ مئتان وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ بَيْتا أَولهَا
(شَمل الْهدى وَالْملك عَم شتاته ... والدهر سَاءَ وأقلعت حَسَنَاته)
(أَيْن الَّذِي مذ لم يزل مخشية ... مرجوة هباته وهباته)
(أَيْن الَّذِي كَانَت لَهُ طاعاتنا ... مبذولة ولربه طاعاته)
(بِاللَّه أَيْن النَّاصِر الْملك الَّذِي ... لله خَالِصَة صفت نياته)
(أَيْن الَّذِي مَا زَالَ سُلْطَانا لنا ... يُرْجَى نداه وتتقى سطواته)
стр. 1694
(أَيْن الَّذِي شرف الزَّمَان بفضله ... وسمت على الْفُضَلَاء تشريفاته)
(أَيْن الَّذِي عنت الفرنج لِبَأْسِهِ ... ذلا وَمِنْهَا أدْركْت ثاراته)
(أغلال أَعْنَاق العدى أسيافه ... أطواق أجياد الورى مناته)
(لم يجد تَدْبِير الطَّبِيب وَكم وَكم ... أَجدت لطب الدَّهْر تدبيراته)
(من فِي الْجِهَاد صفاحه مَا أغمدت ... بالنصر حَتَّى أغمدت صفحاته)
(من فِي صُدُور الْكفْر صدر قناته ... حَتَّى تَوَارَتْ بالصفيح قناته)
(لذا المتاعب فِي الْجِهَاد وَلم تكن ... مذ عَاشَ قطّ لذاته لذاته)
(مسعودة غدواته محمودة ... روحاته مَيْمُونَة ضحواته)
(فِي نصْرَة الْإِسْلَام يسهر دَائِما ... ليطول فِي روض الْجنان سباته)
(لَا تحسبوه مَاتَ شخص وَاحِد ... فممات كل الْعَالمين مماته)
(ملك عَن الْإِسْلَام كَانَ محاميا ... أبدا لماذا أسلمته حماته)
(قد أظلمت مذ غَابَ عَنْهَا دوره ... لما خلت من بدره داراته)
(دفن السماح فَلَيْسَ تنشر بَعْدَمَا ... أودى إِلَى يَوْم النشور رفاته)
(الدّين بعد أبي المظفر يُوسُف ... أقوت قواه وأقفرت ساحاته)
(جبل تضعضع من تضعضع رُكْنه ... أركاننا وتهدنا هداته)
(مَا كنت أعلم أَن طودا شامخا ... يهوي وَلَا تهوي بِنَا مهواته)
(مَا كنت أعلم أَن بحرا طاميا ... فِينَا يطم وتنتهي زخراته)
стр. 1695
(بَحر خلا من وارديه وَلم تزل ... محفوفة بوفوده حَافَّاته)
(من لِلْيَتَامَى والأرامل رَاحِم ... متعطف مفضوضة صدقاته)
(لَو كَانَ فِي عصر النَّبِي لأنزلت ... فِي ذكره من ذكره آيَاته)
(فعلى صَلَاح الدّين يُوسُف دَائِما ... رضوَان رب الْعَرْش بل صلواته)
(لضريحه سقيا السَّحَاب فَإِن يغب ... تحضر لرحمة ربه سقياته)
(وكعادة الْبَيْت الْمُقَدّس يحزن الْبَيْت ... الْحَرَام عَلَيْهِ بل عرفاته)
(من للثغور وَقد عَداهَا حفظه ... من للْجِهَاد وَلم تعد عاداته)
(بَكت الصوارم والصواهل إِذْ خلت ... من سلها وركوبها غَزَوَاته)
(وبسيفه صدأ لحزن مصابه ... إِذْ لَيْسَ يشفى بعده صدياته)
(يَا وحشتا للبيض فِي أغمادها ... لَا تنتضيها للوغى عزماته)
(يَا وَحْشَة الْإِسْلَام يَوْم تمكنت ... فِي كل قلب مُؤمن روعاته)
(يَا حسرتا من يأس راجيه الَّذِي ... يقْضى الزَّمَان وَمَا انْقَضتْ حسراته)
(مَلَأت مهابته الْبِلَاد فَإِنَّهُ ... أَسد وَإِن بِلَاده غاباته)
(مَا كَانَ أسْرع عصره لما انْقَضى ... فَكَأَنَّمَا سنواته ساعاته)
(لم أنس يَوْم السبت وَهُوَ لما بِهِ ... يُبْدِي السبات وَقد بَدَت غشياته)
(والبشر مِنْهُ تبلجت أنواره ... وَالْوَجْه مِنْهُ تلألأت سبحاته)
(وَيَقُول لله الْمُهَيْمِن حكمه ... فِي مَرضه حصلت بهَا مرضاته)
(وقف الْمُلُوك على انْتِظَار ركُوبه ... لَهُم فَفِيمَ تَأَخَّرت ركباته)
стр. 1696
(كَانُوا وقوفا أمس تَحت ركابه ... وَالْيَوْم هم حول السرير مشاته)
(وممالك الْآفَاق ساعية لَهُ ... فَمَتَى تَجِيء بفتحهن سعاته)
(هذي مناشير الممالك تَقْتَضِي ... توقيعه فِيهَا فَأَيْنَ دواته)
(هذي الجيوش من الْبِلَاد تواصلت ... فعلام لَا تسمو لَهَا راياته)
(قد كَانَ وَعدك فِي الرّبيع بجمعها ... هَذَا الرّبيع وَقد دنا مِيقَاته)
(والجند فِي الدِّيوَان جدد عرضه ... وَإِذا أمرت تَجَدَّدَتْ نفقاته)
(والقدس طامحة إِلَيْك عيونه ... عجل فقد طمحت إِلَيْهِ عداته)
(والغرب منتظر طلوعك نَحوه ... حَتَّى تفيء إِلَى هداك بغاته)
(والشرق يَرْجُو غرب عزمك مَاضِيا ... فِي ملكه حَتَّى تطيع عصاته)
(مغرى بإسداء الْجَمِيل كَأَنَّمَا ... فرضت عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ صلَاته)
(هَل للملوك مضاؤه فِي موقف ... شدت على أعدائه شداته)
(وَإِذا الْمُلُوك سعوا وَقصر سَعْيهمْ ... رجحت وَقد نجحت بِهِ مسعاته)
(كم جَاءَهُ التَّوْفِيق فِي وقعاته ... من كَانَ بالتوفيق توقيعاته)
قَالَ بِخَط الْعِمَاد فِي حَاشِيَة ديوانه كَانَت علامته الْحَمد لله وَبِه توفيقي
(يَا رَاعيا للدّين حِين تمكنت ... مِنْهُ الذئاب وأسلمته رعاته)
(مَا كَانَ ضرك لَو أَقمت مراعيا ... دينا تولى مذ رحلت ولاته)
(أضجرت منا أم أنفت فَلم تكن ... مِمَّن تصاب لشدَّة ضجراته)
(أرضيت تَحت الأَرْض يَا من لم تزل ... فَوق السَّمَاء علية درجاته)
(فَارَقت ملكا غير بَاقٍ متعبا ... ووصلت ملكا بَاقِيا راحاته)
стр. 1697
(أعزز على عَيْني بِرُؤْيَة بهجة الدُّنْيَا ... ووجهك لَا ترى بهجاته)
(أبني صَلَاح الدّين إِن أَبَاكُم ... مَا زَالَ يَأْبَى مَا الْكِرَام أباته)
(لَا تقتدوا إِلَّا بِسنة فَضله ... لتطيب فِي مهد النَّعيم سناته)
(وردوا موارد عدله وسماحه ... لِترد عَن نهج الشمات شماته)
(وَلَئِن هوى جبل لقد بنيت لنا ... ببنيه من هضباته ذرواته)
(وبفضل أفضله وَعز عزيزه ... وَظُهُور ظَاهره لنا سرواته)
(الْأَفْضَل الْملك الَّذِي ظَهرت على الدُّنْيَا ... بزهر جَلَاله جلواته)
(وَالدّين بِالْملكِ الْعَزِيز عماده ... عُثْمَان حَالية لنا حالاته)
(وَالْملك غَازِي الظَّاهِر العالي الَّذِي ... صحت لاظهار العلى مغزاته)
(وَلنَا بِسيف الدّين أظهر نصْرَة ... بالعادل الْملك المطهر ذَاته)
وللعماد فِيهِ من قصيدة أُخْرَى
(من للعلا من للذرى من للهدى ... يحميه من للبأس من للنائل)
(طلب الْبَقَاء لملكه فِي آجل ... إِذْ لم يَثِق بِبَقَاء ملك العاجل)
(بَحر أعَاد الْبر بحرا بره ... وبسيفه فتحت بِلَاد السَّاحِل)
(من كَانَ أهل الْحق فِي أَيَّامه ... وبعزه يردون أهل الْبَاطِل)
(وفتوحه والقدس من أبكارها ... أبقت لَهُ فضلا بِغَيْر مساجل)
(مَا كنت أستسقي لقبرك وابلا ... وَرَأَيْت جودك مخجلا للوابل)
(فسقاك رضوَان الْإِلَه لإنني ... لَا أرتضي سقيا الْغَمَام الهاطل)
стр. 1698
فصل فِي تَرِكَة السُّلْطَان وَوصف أخلاقه ﵀
ذكر القَاضِي ابْن شَدَّاد أَنه لما مَاتَ لم يخلف فِي خزانته من الذَّهَب وَالْفِضَّة إِلَّا سَبْعَة وَأَرْبَعين درهما ناصرية وجرما وَاحِدًا ذَهَبا صوريا وَلم يخلف ملكا لَا دَارا وَلَا عقارا وَلَا بستانا وَلَا قَرْيَة وَلَا مزرعة يَعْنِي لَا فِي الْبَلَد مسقفا وَلَا ظَاهرا مستغلا من أَنْوَاع الْأَمْلَاك
وَقَالَ الْعِمَاد فِي كتاب الْفَتْح خلف السُّلْطَان صَلَاح الدّين ﵀ سَبْعَة عشر ولدا ذكرا وَابْنَة صَغِيرَة وَأبقى لَهُ مآثر أثيرة ومحاسن كَثِيرَة وَلم يخلف فِي خزانته سوى دِينَار وَاحِد وَسِتَّة وَثَلَاثِينَ درهما فَإِنَّهُ كَانَ بِإِخْرَاج مَا يدْخل من الْأَمْوَال فِي المكرمات والغرامات مغرما
وَكَانَ يجود بِالْمَالِ قبل الْحُصُول ويقطعه عَن خزانته بالحوالات عَن الْوُصُول وَإِذا عرف بوصول حمل وَقع عَلَيْهِ بأضعافه وَخص الْآحَاد من ذَوي الْغناء فِي الْجِهَاد بآلافه وَلَا جبه
стр. 1699
أحدا بِالرَّدِّ إِذا سَأَلَهُ بل تلطف لَهُ كَأَنَّهُ استمهله فَإِنَّهُ يَقُول مَا عندنَا شَيْء السَّاعَة وَمَفْهُومه أَنه يُعْطي وَإِن كَانَ يبطي وَأَنه يُصِيبهُ بالنوال وَلَا يخطي
وَكَانَ مشغوفا فِي سَبِيل الله بالانفاق مَوْقُوفا عزمه فِي الْأَعْدَاء بادناء الْآجَال وَفِي الْأَوْلِيَاء باجراء الأرزاق وَمَا عقر فِي سَبِيل الله فرس أَو جرح إِلَّا وَعوض مَالِكه مثله وزاده من زَاده فضلَة
وَحسب مَا وهبه من الْخَيل العراب والأكاديش الْجِيَاد للحاضرين مَعَه فِي صف الْجِهَاد مُدَّة ثَلَاث سِنِين وَشهر مذ نزل الفرنج على عكا فِي رَجَب سنة خمس وَثَمَانِينَ إِلَى يَوْم انفصالهم بالسلم فِي شعْبَان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ فَكَانَ تَقْدِيره اثْنَي عشر ألف رَأس من حصان وَحجر وإكديش وَذَلِكَ غير مَا أطلقهُ من المَال فِي أَثمَان الْخَيل المصابة فِي الْقِتَال
وَلم يكن لَهُ فرس يركبه إِلَّا وَهُوَ موهوب أَو مَوْعُود بِهِ وَصَاحبه ملازم فِي طلبه وَمَا حضر اللِّقَاء إِلَّا اسْتعَار فرسا فَرَكبهُ وهجر جياده فَإِذا نزل جَاءَ صَاحبه واستعاده فكلهم يركب خيله وَيطْلب خَيره وَهُوَ يستعير جوادا ويستعر فِي الْجِهَاد اجْتِهَادًا
وَقَالَ فِي الْبَرْق وَحَضَرت بعده عِنْد بعض الْمُلُوك وَقد
стр. 1700
قيدت إِلَيْهِ عراب فَقيل لَهُ كَانَ السُّلْطَان يضيع هَذِه وَمَا عِنْده لَهَا حِسَاب ونسبوا جوده بهَا إِلَى السَّرف وعدوه من معايبه وأعرضوا عَن ذكر مفاخره ومناقبه وبمثل ذَلِك استتبت لَهُ الْفتُوح وخلصت لَهُ طَاعَة كتائبه
قَالَ فِي الْفَتْح وَكَانَ لَا يلبس إِلَّا مَا يحل لبسه وتطيب بِهِ نَفسه كالكتان والقطن وَالصُّوف وَكسوته يُخرجهَا فِي إسداء الْمَعْرُوف
وَكَانَت محاضره مصونة من الْحَظْر وخلواته مُقَدَّسَة بِالطُّهْرِ ومجالسه منزهة من الهزء والهزل ومحافله حافلة آهلة بِأَهْل الْفضل وَمَا سَمِعت لَهُ قطّ كلمة تسْقط وَلَا لَفْظَة فظة تسخط ويغلظ على الْكَافرين الفاجرين ويلين للْمُؤْمِنين الْمُتَّقِينَ
ويؤثر سَماع الْأَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ ويكلم الْعلمَاء عِنْده فِي الْعلم الشَّرْعِيّ الْمُفِيد وَكَانَ لمداومة الْكَلَام مَعَ الْفُقَهَاء ومشاركة الْقُضَاة فِي الْقَضَاء أعلم مِنْهُم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة والأسباب المرضية والأدلة المرعية
وَكَانَ من جالسه لَا يعلم أَنه جليس السُّلْطَان بل يعْتَقد أَنه جليس أَخ من الإخوان وَكَانَ حَلِيمًا مقيلا للعثرات متجاوزا عَن الهفوات تقيا نقيا وفيا صفيا ويغضي وَلَا يغْضب ويبشر وَلَا
стр. 1701
يتقطب مَا رد سَائِلًا وَلَا صد نائلا وَلَا أخجل قَائِلا وَلَا خيب آملا
قَالَ وَمن جملَة مناقبه أَنه تَأَخّر عَنهُ فِي بعض سفراته الْأَمِير أَيُّوب بن كنان فَلَمَّا وصل سَأَلَهُ عَن سَبَب تخلفه فَذكر دينا فأحضر غرماءه وَتقبل بِالدّينِ وَكَانَ أثني عشر ألف دِينَار مصرية وكسرا
قَالَ وَلما كُنَّا بالقدس فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ كتب إِلَيْهِ سيف الدولة بن منقذ نَائِبه بِمصْر أَن وَاحِدًا ضمن مُعَاملَة بمبلغ فاستنض مِنْهَا ألفي دِينَار وتسحب وَرُبمَا وصل إِلَى الْبَاب فتحيل وتمحل وَكذب فجَاء من أخبر السُّلْطَان بِأَن الرجل بِالْبَابِ فَقَالَ قل لَهُ إِن ابْن منقذ يطلبك فاجتهد أَن لَا تقع فِي عينه فعجبنا من حلمه وَكَرمه بعد أَن قُلْنَا قدم الرجل إِلَى حِينه بقدمه
قَالَ وَمِمَّا أذكرهُ لَهُ فِي أول سفرتي مَعَه إِلَى مصر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين أَنه حُوسِبَ صَاحب ديوانه عَمَّا تولاه فِي زَمَانه فَكَانَت سِيَاقَة الْحساب عَلَيْهِ سبعين ألف دِينَار بَاقِيَة عَلَيْهِ فَمَا طلبَهَا وَلَا ذكرهَا وَأرَاهُ أَنه مَا عرفهَا على أَن صَاحب الدِّيوَان مَا أنكرها
стр. 1702
وَكَانَ يرضى من الْأَعْمَال بِمَا يحمل صفوا عفوا وَيحصل عذبا حلوا وَكله يخرج فِي الْجُود وَالْجهَاد ثمَّ لم يرض لَهُ بالعطلة فولاه ديوَان جَيْشه
قَالَ وَلما كُنَّا بِظَاهِر حران عَم بصدقاته الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَكتب إِلَى نوابه فِي الولايات بِإِخْرَاج الصَّدقَات وَقَالَ لي اكْتُبْ إِلَى الصفي بن الْقَابِض بِدِمَشْق أَن يتَصَدَّق بِخَمْسَة آلَاف دِينَار صورية فَقلت لَهُ الذَّهَب الَّذِي عِنْده مصري فَقَالَ فَيتَصَدَّق بِخَمْسَة آلَاف دِينَار مصرية وأشفق من صرف الْمصْرِيّ بالصوري فَيكون حَرَامًا ويرتكب فِي كسب الْأجر آثاما فسمح ومنح وتاجر الله وَربح
وَلما عزم على الرحيل من حران أَفَاضَ بهَا الْفضل وَبث الاحسان وَقَالَ لي انْظُر يَوْم الرحيل كم بَقِي بِالْبَابِ من الوافدين أَبنَاء السَّبِيل وَهَذِه ثَلَاث مئة دِينَار اقسمها عَلَيْهِم بالقلم على أقدارهم وَكَانُوا عدَّة يسيرَة لم تبلغ عشرَة فعينت لكل اسْم قسما فَبلغ أَربع مئة دِينَار فأعلمته وَقلت أنقص من كل اسْم ربعا فَقَالَ أجر مَا جرى بِهِ الْقَلَم
قَالَ وَكَانَ ﵀ إِذا أطلق لعاف عارفه وَقلت لَهُ هَذِه مَا تكفيه ردهَا مضاعفة
стр. 1703
قَالَ وَكَانَ يغْضب للكبائر وَلَا يغضي عَن الصَّغَائِر ويرشد إِلَى الْهدى وَيهْدِي إِلَى الرشاد ويسدد الْأَمر وَيَأْمُر بالسداد فَكَانَ مماليكه وخواصه بل أمراؤه وأجناده أعف من الزهاد والعباد
قَالَ وَرَأى لي يَوْمًا دَوَاة محلاة بِالْفِضَّةِ فأنكرها فَقلت لَهُ إِن الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد وَالِد أبي الْمَعَالِي قد ذكر وَجها فِي جَوَازهَا ثمَّ لم أكتب بهَا عِنْده بعْدهَا
وَكَانَ محافظا على الصَّلَوَات الْخمس فِي أَوَائِل أَوْقَاتهَا مواظبا على أَدَاء مفروضاتها ومسنوناتها فَمَا رَأَيْته صلى إِلَّا فِي جمَاعَة وَلم يُؤَخر لَهُ صَلَاة من سَاعَة إِلَى سَاعَة وَكَانَ لَهُ إِمَام راتب ملازم مواظب فَإِن غَابَ يَوْمًا صلى بِهِ من حَضَره من أهل الْعلم إِذا عرفه متقيا متجنبا للاثم
وَكَانَ يَأْخُذ بِالشَّرْعِ وَيُعْطِي بِهِ وَلم يكن إِلَى المنجم مصغيا وَلم يزل لقَوْله ملغيا وَلَا يتعيف وَلَا يتطير وَلَا يعين وَلَا يتَخَيَّر بل إِذا عزم توكل على الله فَلَا يفضل يَوْمًا على يَوْم وَلَا زَمَانا على زمَان إِلَّا بتفضيل الشَّرْع وَمَا زَالَ ناصرا للتوحيد وقامعا جمع أهل الْبدع بالتبديد
стр. 1704
شَافِعِيّ الْمَذْهَب أصولا وفروعا مُعْتَقدًا لَهُ معقولا ومسموعا يدني أهل التَّنْزِيه ويقصي أهل التَّشْبِيه ويديم استفادة فقه الْفَقِيه واستزادة نباهة النبيه ووجاهة الْوَجِيه فالعالمون فِي عدله والعالمون فِي فَضله والبلاد فِي أَمنه والعباد فِي مِنْهُ
فصل
قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد كَانَ مولد السُّلْطَان ﵀ فِي شهور سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة بقلعة تكريت وَكَانَ وَالِده أَيُّوب بن شاذي واليا بهَا وَكَانَ كَرِيمًا أريحيا حَلِيمًا حسن الْأَخْلَاق مولده بدوين ثمَّ اتّفق لَهُ الِانْتِقَال من تكريت إِلَى الْموصل وانتقل وَلَده الْمَذْكُور مَعَه وَأقَام بهَا إِلَى ان ترعرع
وَكَانَ وَالِده مُحْتَرما مقدما هُوَ وَأَخُوهُ أَسد الدّين شيركوه عِنْد أتابك زنكي وَاتفقَ لوالده الِانْتِقَال إِلَى الشَّام وَأعْطِي بعلبك وَأقَام بهَا مُدَّة وَمَعَهُ وَلَده الْمَذْكُور فَأَقَامَ فِي خدمَة وَالِده يتربى تجت حجره ويرتضع ثدي محَاسِن أخلاقه حَتَّى بَدَت مِنْهُ أَمَارَات السَّعَادَة ولاحت عَلَيْهِ لوائح التَّقَدُّم والسيادة وَقدمه الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ وعول عَلَيْهِ وَنظر إِلَيْهِ وقربه وخصصه وَلم يزل كلما تقدم قدما تبدو مِنْهُ أَسبَاب تَقْتَضِي تَقْدِيمه إِلَى مَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ حَتَّى اتّفق لِعَمِّهِ أَسد الدّين شيركوه
стр. 1705
الْحَرَكَة إِلَى مصر والنهوض إِلَيْهَا وَقد مضى ذَلِك
ثمَّ قَالَ ذكر مَا شَاهَدْنَاهُ من مواظبته على الْقَوَاعِد الدِّينِيَّة وملاحظته للأمور الشَّرْعِيَّة ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَالْحج إِلَى بَيت الله الْحَرَام
وَكَانَ ﵀ حسن العقيدة كثير الذّكر لله تَعَالَى قد أَخذ عقيدته عَن الدَّلِيل بِوَاسِطَة الْبَحْث مَعَ مَشَايِخ أهل الْعلم وأكابر الْفُقَهَاء وَيفهم من ذَلِك مَا يحْتَاج إِلَى تفهمه بِحَيْثُ كَانَ إِذا جرى الْكَلَام بَين يَدَيْهِ يَقُول فِيهِ قولا حسنا وَإِن لم يكن بِعِبَارَة الْفُقَهَاء فَتحصل من ذَلِك سَلامَة عقيدته عَن كدر التَّشْبِيه والتعطيل جَارِيَة على نمط الاسْتقَامَة
وَكَانَ قد جمع لَهُ الشَّيْخ الامام قطب الدّين النَّيْسَابُورِي ﵀ عقيدة تجمع جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَاب وَكَانَ من شدَّة حرصه عَلَيْهَا يعلمهَا الصغار من أَوْلَاده حَتَّى تترسخ فِي أذهانهم من الصغر ورأيته وَهُوَ يَأْخُذهَا عَلَيْهِم وهم يقرؤونها من حفظهم بَين يَدَيْهِ
стр. 1706
وَأما الصَّلَاة فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيد الْمُوَاظبَة عَلَيْهَا بِالْجَمَاعَة حَتَّى إِنَّه ذكر ﵀ يَوْمًا أَن لَهُ سِنِين مَا صلى إِلَّا جمَاعَة وَكَانَ إِذا مرض يَسْتَدْعِي الامام وَحده ويكلف نَفسه الْقيام وَيُصلي جمَاعَة
وَكَانَ يواظب على السّنَن الرَّوَاتِب وَكَانَ لَهُ رَكْعَات يُصليهَا إِن اسْتَيْقَظَ بِوَقْت من اللَّيْل وَإِلَّا أَتَى بهَا قبل صَلَاة الصُّبْح وَمَا كَانَ يتْرك الصَّلَاة مَا دَامَ عقله عَلَيْهِ وَلَقَد رَأَيْته يُصَلِّي فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَائِما وَمَا ترك الصَّلَاة إِلَّا فِي الْأَيَّام الثَّلَاثَة الَّتِي تغيب فِيهَا ذهنه وَكَانَ إِذا أَدْرَكته الصَّلَاة وَهُوَ سَائِر نزل وَصلى
وَأما الزَّكَاة فَإِنَّهُ مَاتَ ﵁ وَلم يحفظ مَا وَجَبت عَلَيْهِ بِهِ الزَّكَاة وَأما صَدَقَة النَّفْل فانها استنفذت جَمِيع مَا ملكه من الْأَمْوَال
وَأما صَوْم رَمَضَان فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ فوائت بِسَبَب أمراض تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ فِي رمضانات مُتعَدِّدَة
وَكَانَ القَاضِي الْفَاضِل قد تولى ثَبت تِلْكَ الْأَيَّام وَشرع ﵀ فِي قَضَاء فوائت ذَلِك فِي الْقُدس الشريف فِي السّنة الَّتِي توفّي فِيهَا وواظب على الصَّوْم مِقْدَارًا زَائِدا على شهر فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ فوائت رمضانين شغلته الْأَمْرَاض وملازمة الْجِهَاد عَن قَضَائهَا
стр. 1707
وَكَانَ الصَّوْم لَا يُوَافق مزاجه فألهمه الله الصَّوْم لقَضَاء الْفَوَائِت فَكَانَ يَصُوم وَأَنا أثبت الْأَيَّام الَّتِي يصومها فَإِن القَاضِي كَانَ غَائِبا والطبيب يلومه وَهُوَ لَا يسمع وَيَقُول مَا أعلم مَا يكون فَكَأَنَّهُ كَانَ ملهما بَرَاءَة ذمَّته وَلم يزل حَتَّى قضى مَا عَلَيْهِ ﵀
وَأما الْحَج فَإِنَّهُ لم يزل عَازِمًا عَلَيْهِ وناويا لَهُ لَا سِيمَا فِي الْعَام الَّذِي توفّي فِيهِ فَإِنَّهُ صمم الْعَزْم عَلَيْهِ وَأمر بالتأهب وعملت الزوادة وَلم يبْق إِلَّا الْمسير فاعتاق عَن ذَلِك بِسَبَب ضيق الْوَقْت وفراغ الْيَد عَمَّا يَلِيق بأمثاله فَأَخَّرَهُ إِلَى الْعَام الْمُسْتَقْبل فَقضى الله مَا قضى قَالَ وَهَذَا شَيْء اشْترك فِي الْعلم بِهِ الْخَاص وَالْعَام
وَكَانَ ﵀ يحب سَماع الْقُرْآن الْعَظِيم حَتَّى إِنَّه كَانَ يستخير إِمَامه وَيشْتَرط عَلَيْهِ أَن يكون عَالما بعلوم الْقُرْآن الْعَظِيم متقنا لحفظه وَكَانَ يستقرئ من يحضرهُ فِي اللَّيْل وَهُوَ فِي برجه الجزأين وَالثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وَهُوَ يسمع وَكَانَ يستقرئ فِي مَجْلِسه الْعَام من جرت عَادَته بذلك الْآيَة وَالْعِشْرين وَالزَّائِد على ذَلِك وَلَقَد اجتاز على صَغِير بَين يَدي أَبِيه وَهُوَ يقْرَأ الْقُرْآن فَاسْتحْسن قِرَاءَته فقربه وَجعل لَهُ حظا من خَاص طَعَامه ووقف عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه جُزْءا من مزرعة
وَكَانَ ﵀ خاشع الْقلب رَقِيق الدمعة إِذا سمع الْقُرْآن الْعَزِيز يخشع قلبه وتدمع عينه فِي مُعظم أوقاته
وَكَانَ شَدِيد الرَّغْبَة فِي سَماع الحَدِيث وَمَتى سمع عَن شيخ
стр. 1708
ذِي رِوَايَة عالية وَسَمَاع كثير فَإِن كَانَ مِمَّن يحضر عِنْده استحضره وَسمع عَلَيْهِ وأسمع من يحضرهُ فِي ذَلِك الْمَكَان من أَوْلَاده ومماليكه والمختصين بِهِ وَكَانَ يَأْمر النَّاس بِالْجُلُوسِ عِنْد سَماع الحَدِيث إجلالا لَهُ وَإِن كَانَ الشَّيْخ مِمَّن لَا يطْرق أَبْوَاب السلاطين ويتحامى عَن الْحُضُور فِي مجَالِسهمْ سعى إِلَيْهِ وَسمع عَلَيْهِ تردد إِلَى الْحَافِظ السلَفِي بالاسكندرية وروى عَنهُ أَحَادِيث كَثِيرَة
وَكَانَ يحب أَن يقْرَأ الحَدِيث بِنَفسِهِ فَكَانَ يستحضرني فِي خلوته ويحضر شَيْئا من كتب الحَدِيث وَيقْرَأ هُوَ فاذا مر بِحَدِيث فِيهِ عِبْرَة رق قلبه ودمعت عينه
وَكَانَ كثير التَّعْظِيم لشعائر الدّين قَائِلا ببعث الْأَجْسَام ونشورها ومجازاة المحسن بِالْجنَّةِ والمسيئ بالنَّار مُصدقا لجَمِيع مَا وَردت بِهِ الشَّرَائِع منشرحا بذلك صَدره مبغضا للفلاسفة والمعطلة والدهرية وَمن يعاند الشَّرِيعَة المطهرة
وَلَقَد أَمر وَلَده الظَّاهِر صَاحب حلب بقتل شَاب كَانَ نَشأ يُقَال لَهُ السهروردي قيل عَنهُ إِنَّه كَانَ معاندا للشرائع مُبْطلًا وَكَانَ قد قبض عَلَيْهِ وَلَده الْمَذْكُور لما بلغه من خَبره وَعرف السُّلْطَان بِهِ فَأمر بقتْله وصلبه أَيَّامًا فَقتله
стр. 1709
وَكَانَ حسن الظَّن بِاللَّه كثير الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ عَظِيم الانابة إِلَيْهِ وَلَقَد شاهدت من آثَار ذَلِك مَا أحكيه فَحكى التجاءه إِلَى الله تَعَالَى عِنْد خَوفه من قصد الفرنج بَيت الْمُقَدّس وَامْتِنَاع أَصْحَابه من دُخُوله للحصر فصلى ودعا فكفي ذَلِك وَقد تقدم ذكره
ثمَّ قَالَ وَكَانَ ﵀ عادلا رؤوفا رحِيما ناصرا للضعيف على الْقوي وَكَانَ يجلس للعدل فِي كل يَوْم اثْنَيْنِ وخميس فِي مجْلِس عَام يحضرهُ الْفُقَهَاء والقضاة وَالْعُلَمَاء وَيفتح الْبَاب للمتحاكمين حَتَّى يصل إِلَيْهِ كل أحد من كَبِير وصغير وعجوز هرمة وَشَيخ كَبِير وَكَانَ يفعل ذَلِك سفرا وحضرا على أَنه كَانَ فِي جَمِيع زَمَانه قَابلا لما يعرض عَلَيْهِ من الْقَصَص كاشفا لما ينْهَى إِلَيْهِ من الْمَظَالِم وَكَانَ يجمع الْقَصَص فِي كل يَوْم ثمَّ يجلس مَعَ الْكَاتِب سَاعَة إِمَّا فِي اللَّيْل أَو فِي النَّهَار ويوقع على كل قصَّة بِمَا يُطلق الله على قلبه وَمَا اسْتَغَاثَ إِلَيْهِ أحد إِلَّا وقف وَسمع ظلامته وَأخذ قصَّته وكشف قَضيته
وَلَقَد رَأَيْته وَقد اسْتَغَاثَ إِلَيْهِ إِنْسَان من أهل دمشق يُقَال لَهُ ابْن زُهَيْر على تَقِيّ الدّين ابْن أَخِيه وأنفذ إِلَيْهِ ليحضره فِي مجْلِس الحكم فَمَا خلصه إِلَّا أَن أشهد عَلَيْهِ شَاهِدين أَنه وكل القَاضِي أَمِين الدّين أَبَا الْقَاسِم قَاضِي حماة فِي الْمُخَاصمَة فأقاما
стр. 1710
الشَّهَادَة عِنْدِي فِي مَجْلِسه فَأمرت أَبَا الْقَاسِم بمساواة الْخصم فساواه وَكَانَ من خَواص جلساء السُّلْطَان ثمَّ جرت المحاكمة بَينهمَا واتجهت الْيَمين على تَقِيّ الدّين وَكَانَ تَقِيّ الدّين من أعز النَّاس عَلَيْهِ وأعظمهم عِنْده وَلم يحابه فِي الْحق
قَالَ وَكنت يَوْمًا فِي مجْلِس الحكم بالقدس الشريف إِذْ دخل عَليّ شيخ حسن تَاجر مَعْرُوف يُسمى عمر الخلاطي وَمَعَهُ كتاب حكمي سَأَلَ فَتحه وَقَالَ خصمي السُّلْطَان وَهَذَا بِسَاط الشَّرْع وَقد سمعنَا أَنَّك لَا تحابي فَقلت وَفِي أَي قَضِيَّة هُوَ خصمك فَقَالَ إِن سنقر الخلاطي كَانَ مملوكي وَلم يزل على ملكي إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ فِي يَده أَمْوَال عَظِيمَة كلهَا لي وَمَات عَنْهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا السُّلْطَان وَأَنا مطالبه بهَا
فَقلت يَا شيخ وَمَا الَّذِي أقعدك إِلَى هَذِه الْغَايَة فَقَالَ الْحُقُوق لَا تبطل بِالتَّأْخِيرِ وَهَذَا الْكتاب الْحكمِي ينْطق بِأَنَّهُ لم يزل فِي ملكي إِلَى أَن مَاتَ فَأخذت الْكتاب مِنْهُ وتصفحت مضمونه فَوَجَدته يتَضَمَّن حلية سنقر الخلاطي وَأَنه قد اشْتَرَاهُ من فلَان التَّاجِر بأرجيش فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ من شهر كَذَا من سنة كَذَا وَأَنه لم يزل فِي ملكه إِلَى أَن شَذَّ عَن يَده فِي سنة كَذَا وَمَا عرف شُهُود هَذَا الْكتاب خُرُوجه عَن ملكه بِوَجْه وتمم الشَّرْط إِلَى آخِره
стр. 1711
فتعجبت من هَذِه الْقِصَّة وأعلمت السُّلْطَان بذلك فَأحْضرهُ واستدناه حَتَّى جلس بَين يَدي وَكنت إِلَى جَانِبه ثمَّ انفرك من طراحته حَتَّى ساواه رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ ادّعى الرجل وَفتح كِتَابه وقرئ تَارِيخه
فَقَالَ السُّلْطَان إِن لي من يشْهد أَن هَذَا سنقر فِي هَذَا التَّارِيخ كَانَ فِي ملكي وَفِي يَدي بِمصْر وَأَنِّي اشْتَرَيْته مَعَ ثَمَانِيَة أنفس فِي تَارِيخ مُتَقَدم على هَذَا التَّارِيخ بِسنة وَأَنه لم يزل فِي يَدي وملكي إِلَى أَن أَعتَقته
ثمَّ استحضر جمَاعَة من أَعْيَان الْأُمَرَاء الْمُجَاهدين فَشَهِدُوا بذلك وحكوا الْقَضِيَّة كَمَا ذكرهَا وَذكروا التَّارِيخ كَمَا إدعاه فَأبْلسَ الرجل فَقلت لَهُ يَا مَوْلَانَا هَذَا الرجل مَا فعل ذَلِك إِلَّا طلبا لمراحم السُّلْطَان وَقد حضر بَين يَدي الْمولى وَمَا يحسن أَن يرجع خائب الْقَصْد فَقَالَ هَذَا بَاب آخر وَتقدم لَهُ بخلعة وَنَفَقَة بَالِغَة
قَالَ فَانْظُر إِلَى مَا فِي طي هَذِه الْقَضِيَّة من الْمعَانِي الغريبة العجيبة من التَّوَاضُع والإنقياد إِلَى الْحق وإرغام النَّفس وَالْكَرم فِي مَوضِع الْمُؤَاخَذَة مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة رَحْمَة الله عَلَيْهِ
قَالَ وَكَرمه كَانَ أظهر من أَن يسطر كَانَ رَحمَه الله
стр. 1712
يهب الأقاليم وَفتح آمد فطلبها مِنْهُ ابْن قرا أرسلان فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا ورأيته وَقد اجْتمع عِنْده وُفُود بالقدس وَلم يكن فِي الخزانة مَا يعطيهم فَبَاعَ قَرْيَة من بَيت المَال وفضضنا ثمنهَا عَلَيْهِم وَلم يفضل مِنْهُ دِرْهَم وَاحِد
وَكَانَ يُعْطي فِي وَقت الضائقة كَمَا يُعْطي فِي حَال السعَة وَكَانَ نواب خزانته يخفون عَنهُ شَيْئا من المَال خوفًا أَن يفجأهم مُهِمّ لعلمهم أَنه مَتى علم بِهِ أخرجه وسمعته يَوْمًا يَقُول يُمكن أَن يكون فِي النَّاس من ينظر إِلَى المَال كَمَا ينظر إِلَى التُّرَاب فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بذلك نَفسه
وَكَانَ يُعْطي فَوق مَا يؤمل الطَّالِب وَمَا سمعته قطّ يَقُول أعطينا لفُلَان وَكَانَ يُعْطي الْكثير ويبسط وَجهه للمعطى بسط من لم يُعْطه شَيْئا وَكَانَ النَّاس يستزيدونه فِي كل وَقت وَمَا سمعته قطّ يَقُول قد زِدْت مرَارًا فكم أَزِيد وَأكْثر الرسائل فِي ذَلِك كَانَ يكون على لساني ويدي وَكنت أخجل من كَثْرَة مَا يطْلبُونَ وَلَا أخجل مِنْهُ لعلمي بِعَدَمِ مؤاخذته بذلك وَمَا خدمه أحد قطّ إِلَّا وأغناه عَن سُؤال غَيره
وَأما تعداد عطاياه وتعداد صنوفها فَلَا تطمع فِيهِ أصلا وَلَقَد سَمِعت من صَاحب ديوانه يَقُول لي وَقد تجارينا عطاياه فَقَالَ حصرنا عدد مَا وهب من الْخَيل بمرج عكا لَا غير فَكَانَ
стр. 1713
عشرَة آلَاف فرس وَمن شَاهد مواهبه يسْتَقلّ هَذَا الْقدر اللَّهُمَّ إِنَّك ألهمته الْكَرم وَأَنت أكْرم الأكرمين فتكرم عَلَيْهِ بِرَحْمَتك ورضوانك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
وَقَالَ وَكَانَ ﵀ من عُظَمَاء الشجعان قوي النَّفس شَدِيد الْبَأْس عَظِيم الثَّبَات لَا يهوله أَمر وَلَقَد رَأَيْته مرابطا فِي مُقَابلَة عدَّة عَظِيمَة من الفرنج ونجدتهم تتواصل وعساكرهم تتواتر وَهُوَ لَا يزْدَاد إِلَّا قُوَّة نفس وصبرا
وَلَقَد وصل فِي لَيْلَة وَاحِدَة مِنْهُم نَيف وَسَبْعُونَ مركبا على عكا وَأَنا أعدهَا من بعد صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس وَهُوَ لَا يزْدَاد إِلَّا قُوَّة نفس
وَلَقَد كَانَ يُعْطي دستورا فِي أَوَائِل الشتَاء وَيبقى فِي شرذمة يسيرَة فِي مُقَابلَة عدتهمْ الْكَثِيرَة وَلَقَد سَأَلت باليان بن بارزان وَهُوَ من كبار مُلُوك السَّاحِل وَهُوَ جَالس بَين يَدَيْهِ يَوْم انْعِقَاد الصُّلْح عَن عدتهمْ فَقَالَ الترجمان عَنهُ إِنَّه يَقُول كنت أَنا وَصَاحب صيدا وَكَانَ أَيْضا من مُلُوكهمْ وعقلائهم قَاصِدين عسكرنا من صور فَلَمَّا أَشْرَفنَا عَلَيْهِ تحازرناه فحزره هُوَ بِخمْس مئة ألف وحزرته أَنا بست مئة ألف أَو قَالَ عكس ذَلِك فَقلت فكم هلك مِنْهُم فَقَالَ
стр. 1714
أما بِالْقَتْلِ فقربت من مئة ألف وَأما بِالْمَوْتِ وَالْغَرق فَلَا يعلم وَمَا رَجَعَ من هَذَا الْعَالم إِلَّا الْأَقَل
قَالَ وَكَانَ لَا بُد لَهُ من أَن يطوف حول الْعَدو كل يَوْم مرّة أَو مرَّتَيْنِ إِذا كُنَّا قَرِيبا مِنْهُم وَكَانَ إِذا اشْتَدَّ الْحَرْب يطوف بَين الصفين وَمَعَهُ صبي وَاحِد وعَلى يَده جنيب ويخرق العساكر من الميمنة إِلَى الميسرة يرتب الأطلاب وَيَأْمُرهُمْ بالتقدم وَالْوُقُوف فِي مَوَاضِع يَرَاهَا وَكَانَ يشارف الْعَدو ويجاوره
وَلَقَد قرئ عَلَيْهِ جُزْء من الحَدِيث بَين الصفين وَذَلِكَ أَنِّي قلت لَهُ قد سمع الحَدِيث فِي جَمِيع المواطن الشَّرِيفَة وَمَا نقل أَنه سمع بَين الصفين فَإِن رأى الْمولى أَن يُؤثر عَنهُ ذَلِك كَانَ حسنا فَأذن فِي ذَلِك فأحضر جُزْء هُنَاكَ من لَهُ بِهِ سَماع فقرى عَلَيْهِ وَنحن على ظُهُور الدَّوَابّ بَين الصفين يمشي تَارَة وَيقف أُخْرَى
وَمَا رَأَيْته استكثر الْعَدو أصلا وَلَا استعظم أَمرهم قطّ وَكَانَ مَعَ ذَلِك فِي حَال الْفِكر وَالتَّدْبِير يذكر بَين يَدَيْهِ الْأَقْسَام كلهَا ويرتب على كل قسم مُقْتَضَاهُ من غير حِدة وَلَا غضب يَعْتَرِيه وَلَقَد انهزم الْمُسلمُونَ فِي يَوْم المصاف الْأَكْبَر بمرج عكا حَتَّى الْقلب وَرِجَاله وَوَقع الكوس وَالْعلم وَهُوَ ثَابت الْقدَم فِي نفر يسير وَقد انحاز إِلَى الْجَبَل يجمع النَّاس ويردهم ويخجلهم حَتَّى يرجِعوا وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى عكر الْمُسلمُونَ على الْعَدو فِي ذَلِك الْيَوْم وَقتل مِنْهُم زهاء سَبْعَة آلَاف مَا بَين راجل وَفَارِس
стр. 1715
وَلم يزل مصابرا لَهُم وهم فِي الْعدة الوافرة إِلَى أَن ظهر لَهُ ضعف الْمُسلمين فَصَالح وَهُوَ مسؤول من جانبهم فَإِن الضعْف والهلاك كَانَ فيهم أَكثر وَلَكنهُمْ كَانُوا يتوقعون النجدة وَنحن لَا نتوقعها وَكَانَت الْمصلحَة فِي الصُّلْح
وَكَانَ ﵀ يمرض وَيصِح وتعتريه أَحْوَال مهولة وَهُوَ مصابر مرابط وتتراءى الناران ونسمع مِنْهُم صَوت الناقوس ويسمعون منا صَوت الْأَذَان إِلَى أَن انْقَضى الْأَمر
قَالَ وَكَانَ ﵀ شَدِيد الْمُوَاظبَة على الْجِهَاد عَظِيم الاهتمام بِهِ وَلَو حلف حَالف أَنه مَا أنْفق بعد خُرُوجه إِلَى الْجِهَاد دِينَارا وَلَا درهما إِلَّا فِي الْجِهَاد أَو فِي الارفاد لصدق وبر فِي يَمِينه
وَلَقَد كَانَ الْجِهَاد وحبه والشغف بِهِ قد استولى على قلبه وَسَائِر جوانحه اسْتِيلَاء عَظِيما بِحَيْثُ مَا كَانَ لَهُ حَدِيث إِلَّا فِيهِ وَلَا نظر إِلَّا فِي آلَته وَلَا اهتمام إِلَّا بِرِجَالِهِ وَلَا ميل إِلَّا إِلَى من يذكرهُ ويحث عَلَيْهِ وَلَقَد هجر فِي محبَّة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله أَهله وَأَوْلَاده ووطنه وسكنه وَسَائِر بِلَاده وقنع من الدُّنْيَا بِالسُّكُونِ فِي ظلّ خيمة تهب بهَا الرِّيَاح يمنة ويسرة وَلَقَد وَقعت عَلَيْهِ الْخَيْمَة فِي لَيْلَة ريحة على مرج عكا فَلَو لم يكن فِي البرج وَإِلَّا قتلته وَلَا يزِيدهُ ذَلِك إِلَّا رَغْبَة ومصابرة واهتماما
стр. 1716
قلت وشواهد مَا ذكر القَاضِي من ذَلِك كَثِيرَة وَقد سبقت مفرقة فِي وقعاته ﵀ مِنْهَا مَا قاساه على حِصَار حصن كَوْكَب من الأمطار والأوحال
وَقَالَ الرشيد ابْن النابلسي من قصيدة لَهُ
(مَا أبهج الدّين وَالدُّنْيَا بمالكها الصّديق ... يُوسُف لَا لاذت بِهِ الْغَيْر)
(ملك تساوى جُمَادَى فِي الْجِهَاد وتموز ... لَدَيْهِ وضاهى ناجرا صفر)
(فَلَيْسَ يثنيه حر إِن توقد عَن ... رضَا الْإِلَه وَلَا إِن أغدق الْمَطَر)
(وَلَا ينهنهه عَمَّا يكابده ... ضج أعيذ معاليه وَلَا ضجر)
(وَلَا يرى الرّوح إِلَّا ظهر سلهبة ... فِي بطن معركة مركوبها وعر)
(صَبر جميل كطعم الشهد فِي فَمه ... وَعند كل مليك طعمه الصَّبْر)
قَالَ القَاضِي وَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يتَقرَّب إِلَيْهِ يحثه على الْجِهَاد أَو يذكر شَيْئا من أَخْبَار الْجِهَاد وَلَقَد ألف لَهُ كتب عدَّة فِي الْجِهَاد وَأَنا مِمَّن جمع لَهُ فِيهِ كتابا جمعت فِيهِ آدابه وكل آيَة وَردت فِيهِ وكل حَدِيث رُوِيَ فِيهِ وشرحت غريبها وَكَانَ ﵀ كثيرا مَا يطالعه حَتَّى أَخذه مِنْهُ وَلَده الْأَفْضَل
стр. 1717
قَالَ ولأحكين عَنهُ مَا سَمِعت مِنْهُ فِي ذَلِك وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد أَخذ كَوْكَب فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأعْطى العساكر دستورا وَأخذ عَسْكَر مصر فِي الْعود إِلَى مصر وَكَانَ مقدمه أَخَاهُ الْعَادِل فَسَار مَعَه ليودعه ويحظى بِصَلَاة الْعِيد فِي الْقُدس فَفعل وَوَقع لَهُ أَنه يمْضِي مَعَهم إِلَى عسقلان ويودعهم ثمَّ يعود على طَرِيق السَّاحِل يتفقد الْبِلَاد الساحلية إِلَى عكا ويرتب أحوالها فأشاروا عَلَيْهِ أَن لَا يفعل فَإِن العساكر إِذا فارقتنا نبقى فِي عدَّة يسيرَة والفرنج كلهم بصور وَهَذِه مخاطرة عَظِيمَة فَلم يلْتَفت وودع أَخَاهُ والعسكر بعسقلان ثمَّ سرنا على السَّاحِل طالبي عكا وَكَانَ الزَّمَان شتاء عَظِيما وَالْبَحْر هائجا هيجانا عَظِيما وموجه كالجبال كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَكنت حَدِيث عهد بِرُؤْيَة الْبَحْر فَعظم أَمر الْبَحْر عِنْدِي حَتَّى خيل لي أنني لَو قَالَ لي قَادر لَو جزت فِي الْبَحْر ميلًا وَاحِدًا مَلكتك الدُّنْيَا لما كنت أفعل واستخففت رَأْي من يركب الْبَحْر رَجَاء كسب دِينَار أَو دِرْهَم واستحسنت رَأْي من لَا يقبل شَهَادَة رَاكب الْبَحْر
هَذَا كُله خطر لي لعظم الهول الَّذِي شاهدته من حَرَكَة البحروتموجه فَبينا أَنا فِي ذَلِك إِذْ الْتفت إِلَيّ وَقَالَ فِي نَفسِي أَنه مَتى يسر الله تَعَالَى فتح بَقِيَّة السَّاحِل قسمت الْبِلَاد وأوصيت وودعت وَركبت هَذَا الْبَحْر إِلَى جزائرهم أتتبعهم فِيهَا حَتَّى لَا أُبْقِي على
стр. 1718
وَجه الأَرْض من يكفر بِاللَّه أَو أَمُوت
فَعظم وَقع هَذَا الْكَلَام عِنْدِي حَيْثُ نَاقض مَا كَانَ يخْطر لي وَقلت لَهُ لَيْسَ فِي الأَرْض أَشْجَع نفسا من الْمولى وَلَا أقوى نِيَّة مِنْهُ فِي نصْرَة دين الله وحكيت لَهُ مَا خطر لي ثمَّ قلت مَا هَذِه إِلَّا نِيَّة جميلَة وَلَكِن الْمولى يسير فِي الْبَحْر العساكر وَهُوَ سور الْإِسْلَام وَلَا يَنْبَغِي أَن يخاطر بِنَفسِهِ فَقَالَ أَنا أستفتيك مَا أشرف الميتات فَقلت الْمَوْت فِي سَبِيل الله فَقَالَ غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن أَمُوت أشرف الميتات
قَالَ فَانْظُر إِلَى هَذِه الطوية مَا أطهرها وَإِلَى هَذِه النَّفس مَا أشجعها وأجسرها اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه بذل جهده فِي نصْرَة دينك رَجَاء رحمتك فارحمه
قَالَ وَأما صبره فَلَقَد رَأَيْته بمرج عكا وَهُوَ على غَايَة من مرض اعتراه بِسَبَب كَثْرَة دماميل كَانَت ظَهرت عَلَيْهِ من وَسطه إِلَى ركبته بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْجُلُوس وَإِنَّمَا يكون مُتكئا على جَانِبه إِذا كَانَ فِي الْخَيْمَة وَامْتنع من مد الطَّعَام بَين يَدَيْهِ لعَجزه عَن الْجُلُوس وَكَانَ يَأْمر أَن يفرق على النَّاس وَكَانَ مَعَ ذَلِك كُله يركب من بكرَة النَّهَار إِلَى صَلَاة الظّهْر يطوف على الأطلاب وَمن الْعَصْر إِلَى صَلَاة الْمغرب وَهُوَ صابر على شدَّة الْأَلَم وَقُوَّة ضَرْبَان الدماميل وَكُنَّا نعجب من ذَلِك فَيَقُول ﵀ إِذا ركبت يَزُول عني ألمها حَتَّى أنزل قَالَ وَهَذِه عناية ربانية
стр. 1719
وَلَقَد مرض وَنحن على الخروبة وَكَانَ قد تَأَخّر عَن تل الحجل بِسَبَب مَرضه فَبلغ الفرنج ذَلِك فَخَرجُوا طَمَعا فِي أَن ينالوا من الْمُسلمين شَيْئا بِسَبَب مَرضه وَهِي نوبَة النَّهر فَخَرجُوا فِي مرحلة إِلَى الْآبَار الَّتِي تَحت التل ثمَّ رَحل الْعَدو فِي الْيَوْم الثَّانِي يطلبنا فَركب ﵀ على مضض ورتب العساكر للحرب وَجعل أَوْلَاده فِي الْقلب وَنزل هُوَ وَرَاء الْقَوْم بِطَلَبِهِ
وَكلما سَار الْعَدو يطْلب رَأس النَّهر سَار هُوَ يستدير إِلَى ورائهم حَتَّى يقطع بَينهم وَبَين خيامهم وَهُوَ ﵀ يسير سَاعَة ثمَّ ينزل يستريح ويظلل بمنديل على رَأسه من شدَّة وَقع الشَّمْس وَلَا تنصب لَهُ خيمة حَتَّى لَا يرى الْعَدو ضعفا وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى نزل الْعَدو بِرَأْس النَّهر وَنزل هُوَ على تل قبالتهم مطل عَلَيْهِم إِلَى أَن دخل اللَّيْل
ثمَّ أَمر العساكر أَن تعود إِلَى مَحل المصابرة وَأَن يبيتوا تَحت السِّلَاح وَتَأَخر هُوَ إِلَى قمة الْجَبَل وَضربت لَهُ خيمة لَطِيفَة وَبت تِلْكَ اللَّيْلَة أجمع أَنا والطبيب نمرضه ونشاغله وَهُوَ ينَام تَارَة وَيَسْتَيْقِظ أُخْرَى حَتَّى لَاحَ الصَّباح ثمَّ ضرب البوق وَركب ﵀ وَركبت العساكر وَأَحْدَقَتْ بالعدو ورحل الْعَدو عَائِدًا إِلَى خيمه من الْجَانِب الغربي للنهر وضايقه الْمُسلمُونَ مضايقة شَدِيدَة
стр. 1720
وَفِي ذَلِك الْيَوْم قدم أَوْلَاده بَين يَدَيْهِ احتسابا الْأَفْضَل وَالظَّاهِر والظافر وَجَمِيع من حَضَره مِنْهُم وَلم يزل يبْعَث من عِنْده حَتَّى لم يبْق عِنْده إِلَّا أَنا وطبيب وعارض الْجَيْش والغلمان بِأَيْدِيهِم الْأَعْلَام والبيارق لَا غير فيظن الرَّائِي لَهَا عَن بعد أَن تحتهَا خلقا كثيرا وَلَيْسَ تحتهَا إِلَّا وَاحِد بِخلق عَظِيم ﵀
وَبَقِي فِي مَوْضِعه والعساكر على ظُهُور الْخَيل قبالة الْعَدو إِلَى آخر النَّهَار ثمَّ أَمرهم أَن يبيتوا على مثل مَا باتوا عَلَيْهِ بارحتهم وبتنا على مَا بتنا عَلَيْهِ إِلَى الصَّباح وَعَاد الْعَسْكَر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بالْأَمْس من مضايقة الْعَدو
قَالَ وَلَقَد رَأَيْته لَيْلَة على صفد وَهُوَ يحاصرها وَقَالَ لَا ننام اللَّيْلَة حَتَّى ينصب لنا خَمْسَة مجانيق ورتب لكل منجنيق قوما يتولون نَصبه وَكُنَّا طول اللَّيْل فِي خدمته فِي ألذ فكاهة وأرغد عَيْش وَالرسل تتواصل مخبرة بِأَنَّهُ نصب من المنجنيق الْفُلَانِيّ كَذَا وَمن الآخر كَذَا حَتَّى أَتَى الصَّباح وَقد فرغ مِنْهَا وَكَانَت من أطول اللَّيَالِي وأشدها بردا ومطرا
قَالَ وَلَقَد رَأَيْته وَقد جَاءَهُ خبر وَفَاة ولد لَهُ بَالغ أَو مراهق يُسمى إِسْمَاعِيل فَوقف على الْكتاب وَلم يعرف أحدا وَلم نَعْرِف حَتَّى سمعناه من غَيره وَلم يظْهر عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك سوى أَنه لما قَرَأَ الْكتاب دَمَعَتْ عينه ﵀
قَالَ وَلَقَد رَأَيْته وَقد وَصله خبر وَفَاة تَقِيّ الدّين وَنحن فِي مُقَابلَة الفرنج جَرِيدَة على الرملة وَفِي كل لَيْلَة تقع الصَّيْحَة فتقلع
следующие страницы →