← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

قلت وشواهد مَا ذكر القَاضِي من ذَلِك كَثِيرَة وَقد سبقت مفرقة فِي وقعاته ﵀ مِنْهَا مَا قاساه على حِصَار حصن كَوْكَب من الأمطار والأوحال وَقَالَ الرشيد ابْن النابلسي من قصيدة لَهُ (مَا أبهج الدّين وَالدُّنْيَا بمالكها الصّديق ... يُوسُف لَا لاذت بِهِ الْغَيْر) (ملك تساوى جُمَادَى فِي الْجِهَاد وتموز ... لَدَيْهِ وضاهى ناجرا صفر) (فَلَيْسَ يثنيه حر إِن توقد عَن ... رضَا الْإِلَه وَلَا إِن أغدق الْمَطَر) (وَلَا ينهنهه عَمَّا يكابده ... ضج أعيذ معاليه وَلَا ضجر) (وَلَا يرى الرّوح إِلَّا ظهر سلهبة ... فِي بطن معركة مركوبها وعر) (صَبر جميل كطعم الشهد فِي فَمه ... وَعند كل مليك طعمه الصَّبْر) قَالَ القَاضِي وَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يتَقرَّب إِلَيْهِ يحثه على الْجِهَاد أَو يذكر شَيْئا من أَخْبَار الْجِهَاد وَلَقَد ألف لَهُ كتب عدَّة فِي الْجِهَاد وَأَنا مِمَّن جمع لَهُ فِيهِ كتابا جمعت فِيهِ آدابه وكل آيَة وَردت فِيهِ وكل حَدِيث رُوِيَ فِيهِ وشرحت غريبها وَكَانَ ﵀ كثيرا مَا يطالعه حَتَّى أَخذه مِنْهُ وَلَده الْأَفْضَل

стр. 1717

قَالَ ولأحكين عَنهُ مَا سَمِعت مِنْهُ فِي ذَلِك وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد أَخذ كَوْكَب فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأعْطى العساكر دستورا وَأخذ عَسْكَر مصر فِي الْعود إِلَى مصر وَكَانَ مقدمه أَخَاهُ الْعَادِل فَسَار مَعَه ليودعه ويحظى بِصَلَاة الْعِيد فِي الْقُدس فَفعل وَوَقع لَهُ أَنه يمْضِي مَعَهم إِلَى عسقلان ويودعهم ثمَّ يعود على طَرِيق السَّاحِل يتفقد الْبِلَاد الساحلية إِلَى عكا ويرتب أحوالها فأشاروا عَلَيْهِ أَن لَا يفعل فَإِن العساكر إِذا فارقتنا نبقى فِي عدَّة يسيرَة والفرنج كلهم بصور وَهَذِه مخاطرة عَظِيمَة فَلم يلْتَفت وودع أَخَاهُ والعسكر بعسقلان ثمَّ سرنا على السَّاحِل طالبي عكا وَكَانَ الزَّمَان شتاء عَظِيما وَالْبَحْر هائجا هيجانا عَظِيما وموجه كالجبال كَمَا قَالَ الله تَعَالَى وَكنت حَدِيث عهد بِرُؤْيَة الْبَحْر فَعظم أَمر الْبَحْر عِنْدِي حَتَّى خيل لي أنني لَو قَالَ لي قَادر لَو جزت فِي الْبَحْر ميلًا وَاحِدًا مَلكتك الدُّنْيَا لما كنت أفعل واستخففت رَأْي من يركب الْبَحْر رَجَاء كسب دِينَار أَو دِرْهَم واستحسنت رَأْي من لَا يقبل شَهَادَة رَاكب الْبَحْر هَذَا كُله خطر لي لعظم الهول الَّذِي شاهدته من حَرَكَة البحروتموجه فَبينا أَنا فِي ذَلِك إِذْ الْتفت إِلَيّ وَقَالَ فِي نَفسِي أَنه مَتى يسر الله تَعَالَى فتح بَقِيَّة السَّاحِل قسمت الْبِلَاد وأوصيت وودعت وَركبت هَذَا الْبَحْر إِلَى جزائرهم أتتبعهم فِيهَا حَتَّى لَا أُبْقِي على

стр. 1718

وَجه الأَرْض من يكفر بِاللَّه أَو أَمُوت فَعظم وَقع هَذَا الْكَلَام عِنْدِي حَيْثُ نَاقض مَا كَانَ يخْطر لي وَقلت لَهُ لَيْسَ فِي الأَرْض أَشْجَع نفسا من الْمولى وَلَا أقوى نِيَّة مِنْهُ فِي نصْرَة دين الله وحكيت لَهُ مَا خطر لي ثمَّ قلت مَا هَذِه إِلَّا نِيَّة جميلَة وَلَكِن الْمولى يسير فِي الْبَحْر العساكر وَهُوَ سور الْإِسْلَام وَلَا يَنْبَغِي أَن يخاطر بِنَفسِهِ فَقَالَ أَنا أستفتيك مَا أشرف الميتات فَقلت الْمَوْت فِي سَبِيل الله فَقَالَ غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن أَمُوت أشرف الميتات قَالَ فَانْظُر إِلَى هَذِه الطوية مَا أطهرها وَإِلَى هَذِه النَّفس مَا أشجعها وأجسرها اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنه بذل جهده فِي نصْرَة دينك رَجَاء رحمتك فارحمه قَالَ وَأما صبره فَلَقَد رَأَيْته بمرج عكا وَهُوَ على غَايَة من مرض اعتراه بِسَبَب كَثْرَة دماميل كَانَت ظَهرت عَلَيْهِ من وَسطه إِلَى ركبته بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع الْجُلُوس وَإِنَّمَا يكون مُتكئا على جَانِبه إِذا كَانَ فِي الْخَيْمَة وَامْتنع من مد الطَّعَام بَين يَدَيْهِ لعَجزه عَن الْجُلُوس وَكَانَ يَأْمر أَن يفرق على النَّاس وَكَانَ مَعَ ذَلِك كُله يركب من بكرَة النَّهَار إِلَى صَلَاة الظّهْر يطوف على الأطلاب وَمن الْعَصْر إِلَى صَلَاة الْمغرب وَهُوَ صابر على شدَّة الْأَلَم وَقُوَّة ضَرْبَان الدماميل وَكُنَّا نعجب من ذَلِك فَيَقُول ﵀ إِذا ركبت يَزُول عني ألمها حَتَّى أنزل قَالَ وَهَذِه عناية ربانية

стр. 1719

وَلَقَد مرض وَنحن على الخروبة وَكَانَ قد تَأَخّر عَن تل الحجل بِسَبَب مَرضه فَبلغ الفرنج ذَلِك فَخَرجُوا طَمَعا فِي أَن ينالوا من الْمُسلمين شَيْئا بِسَبَب مَرضه وَهِي نوبَة النَّهر فَخَرجُوا فِي مرحلة إِلَى الْآبَار الَّتِي تَحت التل ثمَّ رَحل الْعَدو فِي الْيَوْم الثَّانِي يطلبنا فَركب ﵀ على مضض ورتب العساكر للحرب وَجعل أَوْلَاده فِي الْقلب وَنزل هُوَ وَرَاء الْقَوْم بِطَلَبِهِ وَكلما سَار الْعَدو يطْلب رَأس النَّهر سَار هُوَ يستدير إِلَى ورائهم حَتَّى يقطع بَينهم وَبَين خيامهم وَهُوَ ﵀ يسير سَاعَة ثمَّ ينزل يستريح ويظلل بمنديل على رَأسه من شدَّة وَقع الشَّمْس وَلَا تنصب لَهُ خيمة حَتَّى لَا يرى الْعَدو ضعفا وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى نزل الْعَدو بِرَأْس النَّهر وَنزل هُوَ على تل قبالتهم مطل عَلَيْهِم إِلَى أَن دخل اللَّيْل ثمَّ أَمر العساكر أَن تعود إِلَى مَحل المصابرة وَأَن يبيتوا تَحت السِّلَاح وَتَأَخر هُوَ إِلَى قمة الْجَبَل وَضربت لَهُ خيمة لَطِيفَة وَبت تِلْكَ اللَّيْلَة أجمع أَنا والطبيب نمرضه ونشاغله وَهُوَ ينَام تَارَة وَيَسْتَيْقِظ أُخْرَى حَتَّى لَاحَ الصَّباح ثمَّ ضرب البوق وَركب ﵀ وَركبت العساكر وَأَحْدَقَتْ بالعدو ورحل الْعَدو عَائِدًا إِلَى خيمه من الْجَانِب الغربي للنهر وضايقه الْمُسلمُونَ مضايقة شَدِيدَة

стр. 1720

وَفِي ذَلِك الْيَوْم قدم أَوْلَاده بَين يَدَيْهِ احتسابا الْأَفْضَل وَالظَّاهِر والظافر وَجَمِيع من حَضَره مِنْهُم وَلم يزل يبْعَث من عِنْده حَتَّى لم يبْق عِنْده إِلَّا أَنا وطبيب وعارض الْجَيْش والغلمان بِأَيْدِيهِم الْأَعْلَام والبيارق لَا غير فيظن الرَّائِي لَهَا عَن بعد أَن تحتهَا خلقا كثيرا وَلَيْسَ تحتهَا إِلَّا وَاحِد بِخلق عَظِيم ﵀ وَبَقِي فِي مَوْضِعه والعساكر على ظُهُور الْخَيل قبالة الْعَدو إِلَى آخر النَّهَار ثمَّ أَمرهم أَن يبيتوا على مثل مَا باتوا عَلَيْهِ بارحتهم وبتنا على مَا بتنا عَلَيْهِ إِلَى الصَّباح وَعَاد الْعَسْكَر إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ بالْأَمْس من مضايقة الْعَدو قَالَ وَلَقَد رَأَيْته لَيْلَة على صفد وَهُوَ يحاصرها وَقَالَ لَا ننام اللَّيْلَة حَتَّى ينصب لنا خَمْسَة مجانيق ورتب لكل منجنيق قوما يتولون نَصبه وَكُنَّا طول اللَّيْل فِي خدمته فِي ألذ فكاهة وأرغد عَيْش وَالرسل تتواصل مخبرة بِأَنَّهُ نصب من المنجنيق الْفُلَانِيّ كَذَا وَمن الآخر كَذَا حَتَّى أَتَى الصَّباح وَقد فرغ مِنْهَا وَكَانَت من أطول اللَّيَالِي وأشدها بردا ومطرا قَالَ وَلَقَد رَأَيْته وَقد جَاءَهُ خبر وَفَاة ولد لَهُ بَالغ أَو مراهق يُسمى إِسْمَاعِيل فَوقف على الْكتاب وَلم يعرف أحدا وَلم نَعْرِف حَتَّى سمعناه من غَيره وَلم يظْهر عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك سوى أَنه لما قَرَأَ الْكتاب دَمَعَتْ عينه ﵀ قَالَ وَلَقَد رَأَيْته وَقد وَصله خبر وَفَاة تَقِيّ الدّين وَنحن فِي مُقَابلَة الفرنج جَرِيدَة على الرملة وَفِي كل لَيْلَة تقع الصَّيْحَة فتقلع

стр. 1721

الْخيام وَيقف النَّاس على ظهر إِلَى الصَّباح والعدو بيازور بَيْننَا وَبَينه شوط فرس لَا غير فأحضر الْعَادِل وَابْن جندر وَابْن الْمُقدم وَابْن الداية سَابق الدّين وَأمر بِالنَّاسِ فأبعدوا عَن الْخَيْمَة بِحَيْثُ لم يبْق حولهَا أحد عَن غلوة سهم ثمَّ أظهر الْكتاب ووقف عَلَيْهِ وَبكى بكاء شَدِيدا حَتَّى أبكانا من غير أَن نعلم السَّبَب ثمَّ قَالَ ﵀ وَالْعبْرَة تخنقه توفّي تَقِيّ الدّين فَاشْتَدَّ بكاؤه وبكاء الْجَمَاعَة ثمَّ عدت إِلَى نَفسِي فَقلت اسْتَغْفرُوا الله من هَذِه الْحَالة وانظروا أَيْن أَنْتُم وفيم أَنْتُم واعرضوا عَمَّا سواهُ فَقَالَ ﵀ نعم أسْتَغْفر الله وَأخذ يكررها ثمَّ قَالَ لَا يعلم هَذَا أحد قَالَ وَكَانَ ﵀ شَدِيد الشوق والشغف بأولاده الصغار وَهُوَ صابر على مفارقتهم رَاض ببعدهم عَنهُ وَكَانَ صَابِرًا على مر الْعَيْش وخشونته مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة على غير ذَلِك احتسابا لله تَعَالَى اللَّهُمَّ إِنَّه ترك ذَلِك كُله ابْتِغَاء لمرضاتك فارض عَنهُ قَالَ وَلَقَد كَانَ ﵀ حَلِيمًا متجاوزا قَلِيل الْغَضَب وَلَقَد كنت بخدمته بمرج عُيُون قبل خُرُوج الفرنج إِلَى عكا يسر الله فتحهَا وَكَانَ من عَادَته أَنه يركب فِي وَقت الرّكُوب ثمَّ ينزل فيمد الطَّعَام وَيَأْكُل مَعَ النَّاس ثمَّ ينْهض إِلَى خيمة خَاص لَهُ

стр. 1722

ينَام فِيهَا ثمَّ يَسْتَيْقِظ من مَنَامه وَيُصلي وَيجْلس خلْوَة وَأَنا فِي خدمته نَقْرَأ شَيْئا من الحَدِيث أَو شَيْئا من الْفِقْه وَلَقَد قَرَأَ عَليّ كتابا مُخْتَصرا لسليم الرَّازِيّ يشْتَمل على الأرباع الْأَرْبَعَة من الْفِقْه فَنزل يَوْمًا على عَادَته وَمد الطَّعَام بَين يَدَيْهِ ثمَّ عزم على النهوض فَقيل لَهُ إِن وَقت الصَّلَاة قد قرب فَعَاد إِلَى الْجُلُوس وَقَالَ نصلي وننام ثمَّ جلس يتحدث حَدِيث متضجر وَقد أخلي الْمَكَان إِلَّا عَن لزم فَتقدم إِلَيْهِ مَمْلُوك كَبِير مُحْتَرم عِنْده وَعرض عَلَيْهِ قصَّة لبَعض الْمُجَاهدين فَقَالَ لَهُ أَنا الْآن ضجر أَخّرهَا سَاعَة فَلم يفعل وقدمها إِلَى قريب من وَجهه الْكَرِيم بِيَدِهِ وَفتحهَا بِحَيْثُ يقْرؤهَا فَوقف على الِاسْم الْمَكْتُوب فِي رَأسهَا فَعرفهُ وَقَالَ رجل مُسْتَحقّ فَقَالَ يُوقع لَهُ الْمولى فَقَالَ لَيست الدواة حَاضِرَة الْآن وَكَانَ ﵀ جَالِسا فِي بَاب الخركاه بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيع أحد الدُّخُول إِلَيْهَا والدواة فِي صدر الخركاه والخركاه كَبِيرَة فَقَالَ لَهُ الْمُخَاطب هَا هِيَ الدواة فِي صدر الخركاه

стр. 1723

قَالَ القَاضِي فَلَيْسَ لهَذَا معنى إِلَّا أمره إِيَّاه بإحضار الدواة لَا غير فَالْتَفت ﵀ فَرَأى الدواة فَقَالَ وَالله لقد صدق ثمَّ امْتَدَّ على يَده الْيُسْرَى وَمد يَده الْيُمْنَى وأحضرها وَوَقع لَهُ فَقلت قَالَ الله تَعَالَى فِي حق نبيه ﷺ ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ وَمَا أرى الْمولى إِلَّا قد شَاركهُ فِي هَذَا الْخلق فَقَالَ مَا ضرنا شَيْء قضينا حَاجته وَحصل الثَّوَاب قَالَ القَاضِي وَلَو وَقعت هَذِه الْوَاقِعَة لآحاد النَّاس لقام وَقعد وَمن الَّذِي يقدر أَن يُخَاطب أحدا هُوَ تَحت حكمه بِمثل ذَلِك وَهَذَا غَايَة الاحسان والحلم وَالله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ قَالَ وَلَقَد كَانَت طراحته تداس عِنْد التزاحم عَلَيْهِ لعرض الْقَصَص وَهُوَ لَا يتأثر لذَلِك وَلَقَد نفرت يَوْمًا بغلتي من الْجمال وَأَنا رَاكب فِي خدمته فزحمت وركه حَتَّى آلمته وَهُوَ يتبسم وَلَقَد دخلت بَين يَدَيْهِ فِي يَوْم ريح مطير إِلَى الْقُدس كثيرالوحل فنضحت البغلة عَلَيْهِ من الطين حَتَّى أهلكت جَمِيع مَا كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ يتبسم وَأَرَدْت التَّأَخُّر عَنهُ بِسَبَب ذَلِك فَمَا تركني وَلَقَد كَانَ يسمع من المستغيثين إِلَيْهِ والمتظلمين أغْلظ مَا يُمكن أَن يسمع ويلقى ذَلِك بالبشر وَالْقَبُول

стр. 1724

ثمَّ قَالَ القَاضِي وَهَذِه حِكَايَة ينْدر أَن يسطر مثلهَا فَذكر مَا تقدم من امْتنَاع عسكره من الهجوم على الإنكلتير وَهُوَ فِي جمع يسير من أَصْحَابه بعد أَن أطافوا بهم وواجه الْجنَاح السُّلْطَان بذلك الْكَلَام الخشن فَرجع السُّلْطَان مغضبا وَظن أَنه رُبمَا صلب وَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم فَنزل بيازور وَقد وَصله من دمشق فَاكِهَة كَثِيرَة فَطلب الْأُمَرَاء ليأكلوا فَحَضَرُوا فَرَأَوْا من بشره وانبساطه مَا أحدث لَهُم الطُّمَأْنِينَة والأمن وَالسُّرُور قَالَ وَكَانَ ﵀ كثير الْمُرُوءَة ندي الْوَجْه كثير الْحيَاء منبسطا لمن يرد عَلَيْهِ من الضيوف يكرم الْوَافِد عَلَيْهِ وَإِن كَانَ كَافِرًا وَلَقَد وَفد عَلَيْهِ الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية فَمَا أحس بِهِ إِلَّا وَهُوَ وَاقِف على بَاب خيمته بعد وُقُوع الصُّلْح فِي شَوَّال عِنْد مُنْصَرفه من الْقُدس إِلَى دمشق وَقد تقدم ذَلِك عرض لَهُ فِي الطَّرِيق وَطلب مِنْهُ شَيْئا فَأعْطَاهُ العمق وَهِي بِلَاد كَانَ أَخذهَا مِنْهُ عَام فتح السَّاحِل سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَلَقَد رَأَيْته وَقد دخل إِلَيْهِ صَاحب صيدا فاحترمه وأكرمه وَأكل مَعَه وَعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام وَذكر لَهُ طرفا من محاسنه وحثه عَلَيْهِ

стр. 1725

وَكَانَ يكرم من يرد عَلَيْهِ من الْمَشَايِخ وأرباب الْعلم وَالْفضل وَذَوي الأقدار وَكَانَ يوصينا لِئَلَّا نغفل عَمَّن يجتاز بالخيم من الْمَشَايِخ المعروفين حَتَّى نحضرهم عِنْده وينالهم من إحسانه وَلَقَد مر بِنَا سنة أَربع وَثَمَانِينَ رجل جمع بَين الْعلم والتصوف وَكَانَ من ذَوي الأقدار وَكَانَ أَبوهُ صَاحب توزير فَأَعْرض هُوَ عَن فن أَبِيه واشتغل بِالْعلمِ وَالْعَمَل وَحج وَوصل زَائِرًا لبيت الله الْمُقَدّس وَلما قضى لبانته مِنْهُ وَرَأى آثَار السُّلْطَان فِيهِ وَقع لَهُ زيارته فوصل إِلَيْنَا إِلَى الْعَسْكَر فَلَقِيته ورحبت بِهِ وَعرفت السُّلْطَان وُصُوله فَاسْتَحْضرهُ وشكره عَن الْإِسْلَام وحثه على الْخَيْر وَانْصَرف وَبَات عِنْدِي فِي الْخَيْمَة فَلَمَّا صلينَا الصُّبْح أَخذ يودعني فقبحت لَهُ الْمسير دون وداع السُّلْطَان فَلم يلْتَفت وَلم يلو على ذَلِك وَقَالَ قضيت حَاجَتي مِنْهُ وَلَا غَرَض لي فِيمَا عدا رُؤْيَته وزيارته ثمَّ انْصَرف من سَاعَته وَمضى على ذَلِك لَيَال فَسَأَلَ السُّلْطَان عَنهُ فَأَخْبَرته بِفِعْلِهِ فَظهر عَلَيْهِ آثَار التعتب كَيفَ لم أخبرهُ برواحه وَقَالَ كَيفَ يطرقنا مثل هَذَا الرجل وينصرف عَنَّا من غير إِحْسَان يمسهُ منا وشدد النكير عَليّ فِي ذَلِك فَمَا وجدت بدا من أَن أكتب كتابا إِلَى محيي الدّين قَاضِي دمشق كلفته فِيهِ السُّؤَال عَن حَال الرجل وإيصال رقْعَة كتبتها إِلَيْهِ طي كتابي أخْبرته فِيهَا بانكار السُّلْطَان

стр. 1726

رَوَاحه من غير اجْتِمَاع بِهِ وَحسنت لَهُ فِيهَا الْعود وَكَانَ بيني وَبَينه صداقة تَقْتَضِي مثل ذَلِك فَعَاد وَاجْتمعَ بالسلطان فَرَحَّبَ بِهِ وانبسط مَعَه واستوحش لَهُ وأمسكه أَيَّامًا ثمَّ خلع عَلَيْهِ خلعة حَسَنَة وَأَعْطَاهُ مركوبا لائقا وثيابا كَثِيرَة ليحملها إِلَى أهل بَيته وَأَتْبَاعه وجيرانه وَنَفَقَة يرتفق بهَا وَانْصَرف عَنهُ وَهُوَ أشكر النَّاس لَهُ وأخلصهم دُعَاء لأيامه قَالَ وَلَقَد رَأَيْته ﵀ وَقد مثل بَين يَدَيْهِ أَسِير فرنجي وَقد هابه بِحَيْثُ ظهر عَلَيْهِ أَمَارَات الْخَوْف والجزع فَقَالَ لَهُ الترجمان من أَي شَيْء تخَاف فَأجرى الله على لِسَانه أَن قَالَ كنت أَخَاف قبل أَن أرى هَذَا الْوَجْه فَبعد رؤيتي لَهُ وحضوري بَين يَدَيْهِ أيقنت أَنِّي مَا أرى إِلَّا الْخَيْر فرق لَهُ وَمن عَلَيْهِ وَأطْلقهُ قَالَ وَكنت رَاكِبًا فِي خدمته فِي بعض الْأَيَّام قبالة الفرنج وَقد وصل بعض اليزكية وَمَعَهُ إمرأة شَدِيدَة التحرق كَثِيرَة الْبكاء متواترة الدق على صدرها فَذكر قصَّة أم الرَّضِيع الَّذِي سرق وَقد مَضَت قَالَ وَكَانَ ﵀ لَا يرى الاساءة إِلَى من صَحبه

стр. 1727

وَإِن أفرط فِي الْجِنَايَة وَلَقَد قلب فِي خزانته كيسَان من الذَّهَب الْمصْرِيّ بكيسين من الْفُلُوس فَمَا عمل بالنواب شَيْئا سوى أَنه صرفهم من عَمَلهم لَا غير وَكَانَ ﵀ حسن الْعشْرَة لطيف الْأَخْلَاق طيب الفكاهة حَافِظًا لأنساب الْعَرَب ووقائعهم عَارِفًا بسيرهم وأحوالهم حَافِظًا لأنساب خيلهم عَالما بعجائب الدُّنْيَا ونوادرها بِحَيْثُ كَانَ يَسْتَفِيد محاضره مِنْهُ مَا لَا يسمعهُ من غَيره وَكَانَ يسْأَل الْوَاحِد منا عَن مَرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أَحْوَاله وَكَانَ طَاهِر الْمجْلس لَا يذكر بَين يَدَيْهِ أحد إِلَّا بِالْخَيرِ وطاهر السّمع فَلَا يحب أَن يسمع عَن أحد إِلَّا بِالْخَيرِ وطاهر اللِّسَان فَمَا رَأَيْته أولع بشتم قطّ وطاهر الْقَلَم فَمَا كتب بقلمه أَذَى لمُسلم قطّ وَكَانَ حسن الْعَهْد وَالْوَفَاء فَمَا أحضر بَين يَدَيْهِ يَتِيم إِلَّا وترحم على مخلفه وجبر قلبه وَأَعْطَاهُ خبز مخلفه إِن كَانَ لَهُ من أَهله كَبِير يعْتَمد عَلَيْهِ وَسلمهُ إِلَيْهِ وَإِلَّا أبقى لَهُ من الْخبز مَا يَكْفِي حَاجته وَسلمهُ إِلَى من يكفله ويعتني بتربيته وَكَانَ مَا يرى شَيخا إِلَّا ويرق لَهُ وَيُعْطِيه وَيحسن إِلَيْهِ وَلم يزل على هَذِه الْأَخْلَاق إِلَى أَن توفاه الله إِلَى مقرّ رَحمته وَمحل رضوانه

стр. 1728

قلت ولجعفر ابْن شمس الْخلَافَة من قصيدة رثاء بهَا (أَلَسْت ترى كَيفَ انبرى الْخطب ثائرا ... وَمد يدا مِنْهُ إِلَى دَافع الْخطب) (إِلَى النَّاصِر الْملك الَّذِي ملئت بِهِ ... قُلُوب البرايا من رَجَاء وَمن رعب) (كريم أَتَاهُ الْمَوْت ضيفا فَلم يكن ... لينزله إِلَّا على السهل والرحب) (وَلَو خَابَ مِنْهُ قبل ذَلِك سَائل ... لخاب وَلَيْسَ الْبُخْل من شيم السحب) (قضى فَقضى الْمَعْرُوف وانقرض الندى ... وحطت رحال الْوَفْد فِي الشرق والغرب) (أَفَاضَ على الدُّنْيَا سِجَال نواله ... فَفَاضَتْ عَلَيْهِ أعين الْعَجم وَالْعرب) (وَلَو أَنه يبكى على قدر حَقه ... أسَال دموع المزن من أعين الشهب) (جزاه عَن الْإِسْلَام خيرا إلهه ... فَمَا كل عَنهُ من دفاع وَمن ذب) (تَدَارُكه بعد ابتذال فقد غَدا ... وَكَانَ شَدِيد الْخَوْف فِي أمنع الْحجب) (وَأصْبح للبيت الْمُقَدّس منقذا ... بأصلب عزم من مُقَارنَة الصلب) (أذلّ لَهُ الله العدى مذ أطاعه ... وَسَهل مِنْهُم كل مُمْتَنع صَعب) (فَفِي الْخلد عِنْد الله دَار مقره ... يمتع مِنْهُ بالجوار وبالقرب) فصل فِي انقسام ممالكه بَين أَوْلَاده وَإِخْوَته وَبَعض مَا جرى بعد وَفَاته قَالَ الْعِمَاد فِي كتاب الْبَرْق خلف السُّلْطَان سَبْعَة عشر ولدا

стр. 1729

أكبرهم الْملك الْأَفْضَل نور الدّين أَبُو الْحسن عليّ ومولده بِمصْر يَوْم عيد الْفطر سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مئة وَتَوَلَّى بعده دمشق إِلَى أَن خرج مِنْهَا إِلَى صرخد وتولاها عَمه الْعَادِل فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين مُضَافَة إِلَى ممالكه بالبلاد الشرقية والجزيرة وديار بكر ثمَّ الْملك الْعَزِيز عماد الدّين أَبُو الْفَتْح عُثْمَان ومولده بِمصْر ثامن جُمَادَى الأولى سنة سبع وَسِتِّينَ وَتُوفِّي بهَا فِي ملكه لَيْلَة الْأَحَد الْعشْرين من محرم سنة خمس وَتِسْعين وَتَوَلَّى بعده أحد أَوْلَاده الصغار ثمَّ الْملك الظَّاهِر غياث الدّين غَازِي ومولده بِمصْر منتصف شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَتَوَلَّى حلب وأعمالها قَالَ وَلَقَد أنشأت الرسَالَة الموسومة بالعتبى والعقبى فِيمَا طَرَأَ بعد السُّلْطَان إِلَى آخر سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَقَالَ فِي كتاب الْفَتْح تولى الْملك الْأَفْضَل دمشق والساحل وَمَا يجْرِي مَعَ ذَلِك من الْبِلَاد وَهُوَ الَّذِي حضر وَفَاة وَالِده وَقَامَ بِسنة العزاء وَفرض الِاقْتِدَاء بِأَبِيهِ فِي إِيلَاء الآلاء وإدناء الْأَوْلِيَاء وخلع على الأماثل والأمراء والأفاضل وَالْعُلَمَاء وآوى إِلَيْهِ إخْوَته وَضم جماعته وجهز أَخَاهُ الظافر خضرًا مظفر الدّين وأنهضه لإنجاد عَمه الْعَادِل كَمَا سَنذكرُهُ وَكَانَت

стр. 1730

حمص والمناظر والرحبة وبعلبك وَمَا يجْرِي مَعهَا فِي المملكة الْأَفْضَلِيَّة دَاخِلَة وَقدم عَلَيْهِ سلطاناهما الْملك الْمُجَاهِد والأمجد إِلَى دمشق فتأكدت بَينهم الْقَرَابَة والألفة وَلما اسْتَقر الْأَفْضَل بِدِمَشْق فِي مقَام وَالِده قدم إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز نجابين بإنهاء الْحَال ثمَّ ندب ضِيَاء الدّين ابْن الشهرزوري فِي الرسَالَة وأصحبه عدَّة وَالِده فِي الْغُزَاة وسيفه وَدِرْعه وحصانه وأضاف إِلَى ذَلِك من الْهَدَايَا والتحف وَالْخَيْل العراب مَا استنفد وَسعه وإمكانه فَمَا تهَيَّأ مسير الرَّسُول إِلَّا فِي أَوَاخِر جُمَادَى الْآخِرَة حَتَّى حصل كل مَا أَرَادَ من الْهَدَايَا الفاخرة وَحَتَّى كَاتب مصر وحلب وَأعلم بمسير رَسُوله حَتَّى لَا يظنّ أَنه انْفَرد بسوله وَقصد مداراة إخْوَته وَفضل بِفضل نخوته وَذَلِكَ بعد أَن جدد نقش الدِّينَار وَالدِّرْهَم بسمتي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَولي الْعَهْد عدَّة الدّين وَقَالَ ابْن القادسي وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء مستهل رَمَضَان حمل ابْن الشهرزوري مَا كَانَ أَصْحَبهُ الْأَفْضَل من حمل الشَّام إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز وَهُوَ صَلِيب الصلبوت الَّذِي كَانَ قد أَخذه وَالِده وَذكر أَنه ذهب يزِيد على الْعشْرين رطلا مرصعا بالجواهر

стр. 1731

وَمَعَهُ خَادِم مُخْتَصّ بخدمته وَحمل فرس أَبِيه وزرديته وخوذته وَكَانَت صفراء مذهبَة ودبوس حَدِيد وَسيف وَأَرْبع زرديات وَقَالُوا هَذِه تركته وَبهَا كَانَ يُقَاتل وتحفا جمة من الثِّيَاب وَحمل فِي جملَة التحف أَربع جوَار من بَنَات مُلُوك الرّوم فِيهِنَّ ابْنة بيرزان وَبنت صَاحب جبلة قَالَ الْعِمَاد وَأَمرَنِي بإنشاء الْكتب وتحريرها وتقريب الْمَقَاصِد وتقريرها مِنْهَا أصدر العَبْد هَذِه الْخدمَة وصدره منشرح بِالْوَلَاءِ وَقَلبه معمور بالصفاء وَيَده مَرْفُوعَة إِلَى السَّمَاء للابتهال بِالدُّعَاءِ وَلسَانه نَاطِق بشكر النعماء وجنانه ثَابت من المهابة والمحبة على الْخَوْف والرجاء وطرفه مغض من الْحيَاء وَهُوَ للْأَرْض مقبل وللفرض متقبل وَهُوَ يمت بِمَا قدمه وأسلفه من الخدمات وذخره ذخر الأقوات لهَذِهِ الْأَوْقَات وَقد أحاطت الْعُلُوم الشَّرِيفَة بِأَن الْوَالِد السعيد الشَّهِيد الشَّديد السديد المبير للشرك المبيد لم يزل أَيَّام حَيَاته وَإِلَى سَاعَة وَفَاته مُسْتَقِيمًا على جدد الْجد مستنيما فِي صون فَرِيضَة الْجِهَاد إِلَى بذل الْجهد ومصر بل الْأَمْصَار بِاجْتِهَادِهِ فِي الْجِهَاد شاهدة والأنجاد والأغوار فِي نظر عزمه وَاحِدَة وَالْبَيْت الْمُقَدّس من فتوحاته وَالْملك الْعَقِيم من نتائج عزماته

стр. 1732

وَهُوَ الَّذِي ملك مُلُوك الشّرك وغل أعناقها وَأسر طواغيت الْكفْر وَشد خناقها وقمع عَبدة الصلبان وقصم أصلابها وَجمع كلمة الايمان وعصم جنابها ونظم أَسبَابهَا وسد الثغور وسدد الْأُمُور وَقبض وعدله مَبْسُوط وَأمره محوط ووزره محطوط وَعَمله بالصلاح مَنُوط وَمَا خرج من الدُّنْيَا إِلَّا وَهُوَ فِي حكم الطَّاعَة الامامية دَاخل وبمتجرها الرابح إِلَى دَار المقامة راحل وَلم تكن لَهُ وَصِيَّة إِلَّا بالاستمرار على جادتها والاستكثار من مادتها وَإِن مضى الْوَالِد على طَاعَة إِمَامه فالمماليك أَوْلَاده وأخواه فِي مقَامه قَالَ وَتَوَلَّى وَلَده الْملك الْعَزِيز أَبُو الْفَتْح عُثْمَان مصر وَجَمِيع أَعمالهَا وأبقاها على اعتدالها ونفاها من شوائب اختلالها واعتلالها وَأَحْيَا سنتي الْجُود والباس وَثَبت الْقَوَاعِد من حسن السياسة على الأساس وَأطلق كل مَا كَانَ يُؤْخَذ من التُّجَّار وَغَيرهم باسم الزَّكَاة وضاعف مَا كَانَ يُطلق برسم العفاة وَقدم أَمر بَيت الله الْمُقَدّس وَعجل لَهُ عشرَة آلَاف دِينَار مصرية لتصرف فِي وُجُوه ضَرُورِيَّة ثمَّ أمده بِالْحملِ وأفاض عَلَيْهِ

стр. 1733

من الْفضل وَقرر واليه عز الدّين جرديك على ولَايَته وقوى يَده برعايته ووالى حمل الغلات من مصر إِلَى الْقُدس وأبدل وحشته بوفاة وَالِده من وَفَاته بالأنس ثمَّ أشْفق من غدر الفرنج فِي فسخ الْهُدْنَة فَأتى من تجهيز العساكر إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس بِكُل مَا فِي المكنة ثمَّ سمع بحركة المواصلة وَمن تَابعهمْ وبايعهم وشايعهم وَقد خَرجُوا فِي إِيمَانهم حانثين ولعقد أَيْمَانهم ناكثين فخيم ببركة الْجب وَاسْتَشَارَ أمراءه أهل الرَّأْي واللب وجهز جَيْشًا فوصلوا إِلَى دمشق وَقد فرغ الْعَادِل من حَرْب الْقَوْم وسلمهم وهز مِنْهُم أعطاف الاستكانة لَهُ بعد هَزَمَهُمْ فَرَأى أَن الْحَمد أَعُود وَالْعود أَحْمد قَالَ وَتَوَلَّى حلب وأعمالها وحصونها ومعاقلها وكرائم الْبِلَاد وعقائلها الْملك الظَّاهِر غَازِي وَهُوَ برجاحته وسماحته الطود والجود الموازن الموازي وَملك مملكة أقطارها وَاسِعَة وأمصارها شاسعة فحماها وحواها وبماء الْعدْل رَوَاهَا وقواها وَأقر البيرة وأعمالها وَمَا يجْرِي مَعهَا على أَخِيه الْملك الزَّاهِر مجير الدّين دَاوُد وَدخل فِي أمره صَاحب حماه ابْن تَقِيّ الدّين فأعزه وحماه

стр. 1734

قلت وَهُوَ مأوى ذُرِّيَّة وَالِده وَبَقِي الْملك مِنْهُم فِي عقبه وأنحاز كل من إخْوَته وَأَوْلَادهمْ إِلَيْهِ وعولوا فِي تمشية أُمُورهم عَلَيْهِ وَالْأَمر مُسْتَمر على ذَلِك فِي عقبه إِلَى الْآن وَالله تَعَالَى ولي الْإِحْسَان ثمَّ زَالَ ملك هَذَا الْبَيْت فِي صفر سنة ثَمَان وَخمسين وست مئة بِسَبَب غَلَبَة التتار الْكَفَرَة على الْبِلَاد ﴿وَالله بَصِير بالعباد﴾ وَمن كَلَام القَاضِي الْفَاضِل فِي جَوَاب كتاب ورد عَلَيْهِ مِنْهُ بعد موت السُّلْطَان مَتى رأى الْمَمْلُوك خطّ مَوْلَانَا طالعا فِي كتاب وطليعة على خطاب تمثل ذَلِك الشَّخْص الْكَرِيم وَذَلِكَ السُّلْطَان الْعَظِيم وَذَلِكَ الْخلق الْكَرِيم وَذَلِكَ الْعَهْد الْقَدِيم فحيي بعد مَوته وَسبح من يحيي الْعِظَام وَهِي رَمِيم وَرفع يَده بِمَا الله رافعه ودعا بِصَالح الله سامعه قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ الْملك الْعَادِل مَعَ السُّلْطَان فِي الصَّيْد قبل وَفَاته وَكَانَ موافقه ومرافقه فِي مقتضياته فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان إِلَى دمشق ودعه وَمضى إِلَى حصنه بالكرك فنابه النَّائِب وَلم يحضر وَقت احتضاره الْأَخ الْغَائِب فَلَمَّا عرف وصل إِلَى دمشق بعد أَيَّام وَلم يطلّ الْمقَام ورحل طَالبا لبلاده بالجزيرة حذرا عَلَيْهَا من أهل الجريرة

стр. 1735

وَكَانَ السُّلْطَان جعل لَهُ كل مَا هُوَ شَرْقي الْفُرَات من الْبِلَاد والولايات فَلَمَّا وصل إِلَى الْفُرَات وجد مِمَّا خافه دَلَائِل الفترات فَأَقَامَ بقلعة جعبر وسير إِلَى الولايات الْوُلَاة ووصى برعاياه الرُّعَاة واستناب فِي ميافارقين وحاني وسميساط وحران والرها وشحنها بالشحن وَعلم العدى أَنه فِي خف فخفوا وعرضوا وصفوا وَكَانَ سيف الدّين بكتمر صَاحب خلاط قد استبشر بِمَوْت السُّلْطَان وتلقب بِالْملكِ النَّاصِر وَحدث أمله بجر العساكر وراسل صَاحِبي الْموصل وسنجار وطير إِلَيْهِم كتب الاستنفار وَضم إِلَيْهِ من ماردين ماردين وطار وطاش وارتاش وانتاش فَبينا هُوَ فِي أثْنَاء ذَلِك قتلته الاسماعيلية بخلاط رَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأول من بَدَأَ أمره بِالْخرُوجِ على بِلَاد السُّلْطَان مُتَوَلِّي ماردين وَنزل على حصن الموزر وَهَذَا الْحصن كَانَ السُّلْطَان اقتطعه عَن أَعمال ماردين حِين صَالح أَهلهَا وأضافه إِلَى نَائِبه بالرها ثمَّ تحرّك عز الدّين أتابك صَاحب الْموصل وَأَخُوهُ عماد الدّين زنكي صَاحب سنجار بنصيبين وَأَرْسلُوا إِلَى الْعَادِل تخرج من بِلَادنَا وَتدْخل فِي مرادنا

стр. 1736

فَكتب إِلَى بني أَخِيه يستنجدهم ويستنفرهم فأنجدوه وَكَانَ إنجاد حلب أقرب وَتقدم ذكر نجدة الْأَفْضَل مَعَ أَخِيه الظافر ونجدة الْعَزِيز الْوَاصِلَة إِلَى دمشق بعد نجاز الْأَمر ووصلت المواصلة إِلَى رَأس عين والعادل بحران وتقارب العسكران حَتَّى إِن الطَّلَائِع تتواجه وتتجابه فَمَرض صَاحب الْموصل وَلم يطق الاقامة فَعَاد وَرجع عماد الدّين أَخُوهُ وتضرع صَاحب ماردين وَتشفع بالأمراء الأكابر فَرضِي الْعَادِل عَنهُ وبلغه قدوم ابْن أَخِيه الظافر إِلَى الْفُرَات فَكتب إِلَيْهِ بمنازلة سروج وَهِي من أَعمال ماردين وأمده بِابْن تَقِيّ الدّين وَابْن الْمُقدم فنزلوا عَلَيْهَا ثامن رَجَب وفتحوها تاسعه ورحل الْعَادِل منتصف رَجَب إِلَى الرقة وتسلمها ثمَّ تملك بلد الخابور جَمِيعه وَجَاء إِلَى نَصِيبين فَنزل بظاهرها وَشرع فِي ضم ذخائرها فَجَاءَت الرُّسُل الْعمادِيَّة فِي طلب الصُّلْح فَرَحل وَنزل دَارا وَأَتَاهُ وَفَاة صَاحب الْموصل وَتَسْلِيم بَلَده إِلَى وَلَده نور الدّين أرسلان شاه وَجرى بَينهم وَبَينه صلح ثمَّ كَاتبه أهل خلاط فَرَحل إِلَيْهَا فَرَأى أَن الْبرد يشْتَد وأمد الْحصار يَمْتَد فَعَاد إِلَى حران والرها وَأعْرض عَن مُخَالطَة خلاط وَتَأَخر إِلَى الرّبيع أمرهَا

стр. 1737

قَالَ وإقليم الْيمن مُسْتَقر للْملك ظهير الدّين سيف الْإِسْلَام طغتكين بن أَيُّوب أخي السُّلْطَان وَهُوَ هُنَاكَ سُلْطَان عَظِيم الشان مستول على جَمِيع الْبلدَانِ وَكَانَ قد وصل وَلَده مَعَ الْحَاج قبل وَفَاة السُّلْطَان بأيام فَلَمَّا اسْتَقر الْملك الْأَفْضَل على سَرِير أَبِيه كَاتب عَمه سيف الْإِسْلَام فصل فِي وَفَاة صَاحب الْموصل وتتمة أَخْبَار هَذِه الْفِتْنَة بِبِلَاد الشرق قَالَ عز الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن الْأَثِير لما وصل خبر وَفَاة صَلَاح الدّين إِلَى صَاحب الْموصل عز الدّين اسْتَشَارَ فِي الَّذِي يَفْعَله فَأَشَارَ عَلَيْهِ أخي مجد الدّين أَبُو السعادات بالاسراع فِي الْحَرَكَة وَقصد الْبِلَاد الجزرية فَإِنَّهَا لَا مَانع لَهَا مِنْهُ وَقَالَ مُجَاهِد الدّين قايماز لَيْسَ هَذَا بِرَأْي فَإنَّا نَتْرُك وَرَاءَنَا مثل الْمولى عماد الدّين صَاحب سنجار ومعز الدّين صَاحب الجزيرة ومظفر الدّين صَاحب إربل ونسير إِنَّمَا الرَّأْي أَنا نراسلهم ونستميلهم ونأخذ رَأْيهمْ وَنَنْظُر مَا يَقُولُونَ فَقَالَ أخي إِن كُنْتُم تَفْعَلُونَ مَا يشيرون بِهِ ويرونه فَاقْعُدْ فَإِنَّهُم لَا يرَوْنَ إِلَّا هَذَا لأَنهم لَا يؤثرون حركتكم وَلَا قوتكم إِنَّمَا الرَّأْي أَن يبرز هَذَا السُّلْطَان ويكاتبهم ويراسلهم ويستميلهم ويبذل

стр. 1738

لَهُم الْيَمين على مَا بِأَيْدِيهِم وَيُعلمهُم أَنه على الْحَرَكَة فَلَيْسَ فيهم من يُمكنهُ يُخَالف خوفًا من قصد ولَايَته لَا سِيمَا إِذا رَأَوْا جدة وخلو الْبِلَاد الجزرية من مَانع وَحَام فهم لَا يَشكونَ أَنه يملكهَا سَرِيعا فيحملهم ذَلِك على مُوَافَقَته وَمَتى أَرَادَ الْإِنْسَان أَن يفعل فعلا لَا تتطرق إِلَيْهِ الِاحْتِمَالَات بطلت أَفعاله إِنَّمَا إِذا كَانَت الْمصلحَة أَكثر من الْمضرَّة أقدم وَإِن كَانَ الْعَكْس أحجم فظهرت أَمَارَات الغيظ على مُجَاهِد الدّين فَسكت أخي لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ مخدوم الْجَمِيع على الْحَقِيقَة وَالْحَاكِم فيهم وَاتبع المرحوم يَعْنِي صَاحب الْموصل قَول مُجَاهِد الدّين وَأقَام بالموصل عدَّة شهور يراسل الْمَذْكُورين فَلم يَنْتَظِم بَينه وَبَين أحد مِنْهُم حَال غير أَخِيه عماد الدّين فَإِنَّهُمَا اتفقَا على قَوَاعِد اسْتَقَرَّتْ بَينهمَا فَإلَى أَن انْفَصل الْحَال وصل الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب من الشَّام إِلَى حران وَأقَام هُنَاكَ وجاءته العساكر من دمشق وحمص وحماة وحلب وامتنعت الْبِلَاد بِهِ وَسَار عز الدّين عَن الْموصل إِلَى نَصِيبين وَقد ابْتَدَأَ بِهِ إسهال قريب وَاجْتمعَ بهَا بأَخيه عماد الدّين وسارا فِي عساكرهما إِلَى تل موزن من شبختان لقصد الرها فَأرْسل الْعَادِل حِينَئِذٍ يطْلب الصُّلْح وَأَن تكون الْبِلَاد الجزرية الرها وحران والرقة وَمَا مَعهَا بِيَدِهِ على سَبِيل الاقطاع من عز الدّين فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك

стр. 1739

وَقَوي الْمَرَض بِهِ وَاشْتَدَّ إِلَى أَن عجز عَن الْحَرَكَة فَعَاد إِلَى الْموصل فِي طَائِفَة يسيرَة من الْعَسْكَر فَلَمَّا وصل دنيسررأى ضعفا شَدِيدا فأحضر أخي وَكتب وَصِيَّة ثمَّ سَار إِلَى الْموصل فوصلها مَرِيضا بالاسهال وَبَقِي كَذَلِك إِلَى أَن توفّي فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة قَالَ وَلم أسمع عَن أحد من النَّاس بِمثل حَاله فِي مَرضه فَإِنَّهُ كَانَ لَا يزَال ذَاكِرًا لله تَعَالَى حَتَّى إِنَّه كَانَ إِذا تحدث مَعَ إِنْسَان يقطع حَدِيثه مرَارًا وَيَقُول أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد يحيي وَيُمِيت وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوت بِيَدِهِ الْخَيْر وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا ﷺ عَبده وَرَسُوله وَأشْهد أَن الْمَوْت حق وَعَذَاب الْقَبْر حق وسؤال مُنكر وَنَكِير حق والصراط حق وَالْمِيزَان حق ﴿وَأَن السَّاعَة آتِيَة لَا ريب فِيهَا وَأَن الله يبْعَث من فِي الْقُبُور﴾ وَيَقُول لمن عِنْده يخاطبه أشهد لي بِهَذَا عِنْد الله تَعَالَى ثمَّ يعود إِلَى حَدِيثه وأحضر عِنْده من يقْرَأ الْقُرْآن فَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن توفّي ﵀ وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بباطن الْموصل مُقَابل دَار المملكة وَهِي لِلْفَرِيقَيْنِ الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة وَكَانَت مَمْلَكَته نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر وَكَانَ أسمر مليح الْوَجْه حسن اللِّحْيَة خَفِيف العارضين وَحكى لي

стр. 1740

وَالِدي قَالَ هُوَ أشبه النَّاس بجده الشَّهِيد قدس الله روحه قَالَ وَكَانَ ﵀ دينا خيرا قد ابتنى فِي دَاره مَسْجِدا يخرج إِلَيْهِ فِي اللَّيْل وَيُصلي أورادا كَانَت لَهُ ويلبس فرجية كَانَ قد أَخذهَا من الشَّيْخ عمر النَّسَائِيّ الصُّوفِي وَيُصلي فِيهَا وَكَانَ قد حج وَلبس بِمَكَّة حرسها الله خرقَة التصوف من الشَّيْخ عمر النَّسَائِيّ الْمَذْكُور وَكَانَ من الصَّالِحين وَأوصى بِالْملكِ لِابْنِهِ نور الدّين أرسلان شاه وَأَرَادَ أَخُوهُ شرف الدّين بن مودود بن زنكي أَن يوليه فَلم يفعل وَبَقِي نور الدّين إِلَى سنة سبع وست مئة فَتوفي فِي شهر رَجَب مِنْهَا وَدفن بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي أَنْشَأَهَا بباطن الْموصل حذاء دَار السلطنة وَكَانَ عهد بِالْملكِ لِابْنِهِ القاهر عز الدّين مَسْعُود وَجعل الْأَمِير بدر الدّين لُؤْلُؤ الْقَائِم بِأَمْر دولته وولاه إِمَارَة الجيوش والعساكر وسياسة الْقَبَائِل والعشائر ثمَّ توفّي الْملك القاهر فِي ربيع الأول من سنة خمس عشرَة وست مئة فَجْأَة وَخلف ثَلَاثَة بَنِينَ صغَارًا قَالَ وَأما عماد الدّين زنكي بن مودود بن زنكي صهر نور الدّين ﵀ وَهُوَ صَاحب سنجار فَإِنَّهُ توفّي فِي الْمحرم سنة أَربع وَتِسْعين وَكَانَت ولَايَته ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ عدله قد عَم الْبِلَاد وغمر

стр. 1741

الْعباد وأريقت الْخُمُور وحد شاربها وَكَانَت صدقاته تصل إِلَى أقاصي الْبِلَاد وَتَوَلَّى بعده وَلَده الْأَكْبَر قطب الدّين مُحَمَّد بن زنكي وَكَانَ مُتَوَلِّي أمره مُجَاهِد الدّين يرنقش الْعِمَادِيّ قَالَ وحاضر الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب ماردين فِي سنة خمس وَتِسْعين فَبَقيَ محاصرا لَهَا أحد عشر شهرا وَلم يبْق إِلَّا الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا فَبَيْنَمَا الْعَادِل يحاصرها إِذْ توفّي ابْن أَخِيه الْملك الْعَزِيز صَاحب مصر وَكَانَ عسكره مَعَ عَمه الْعَادِل على ماردين فَلَمَّا توفّي ملك أَخُوهُ الْأَفْضَل مصر وَكَانَ بَينه وَبَين عَمه الْعَادِل نفرة فَلَمَّا ملك مصر أرسل إِلَى الْعَسْكَر الْمصْرِيّ الَّذِي مَعَ عَمه يَأْمُرهُم بمفارقته ففارقوه وعادوا إِلَى مصر فَقل جمعه وَعَسْكَره ثمَّ خرج الْأَفْضَل من مصر عَازِمًا على حصر دمشق واستعادتها من عَمه فَسَار الْعَادِل عَن ماردين جَرِيدَة إِلَى دمشق ليحفظها بَعْدَمَا كَانَ قد طلع سنجقه إِلَى قلعة ماردين وَترك وَلَده الْملك الْكَامِل مُحَمَّدًا محاصرا لَهَا إِلَى أَن اجْتمع صَاحب سنجار وَصَاحب الْموصل على ترحيله عَنْهَا فَرَحل قَالَ وَفِي سنة سِتّ وست مئة سَار الْملك الْعَادِل بن أَيُّوب من الشَّام إِلَى سنجار فِي العساكر الشامية والمصرية والجزرية والديار بكرية فحصرها وَنزل عَلَيْهَا من كل جَانب وَنصب أحد عشر منجنيقا ثَلَاثَة أشهر وانتخى صَاحب الْموصل وَصَاحب إربل

стр. 1742

لصَاحب سنجار وأنفذ الْخَلِيفَة رسله فَأصْلح الْأَمر وانتظم الصُّلْح وَللَّه الْحَمد فصل وَأما رِسَالَة الْعِمَاد الْكَاتِب الْمَعْرُوفَة بالعتبى والعقبى الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا فِي آخر كتاب الْبَرْق فِيمَا جرى بعد وَفَاة السُّلْطَان إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين فقد وقفت عَلَيْهَا وَحَاصِل مَا فِيهَا أَن قَالَ لما توفّي السُّلْطَان ﵀ وملكت أَوْلَاده كَانَ الْعَزِيز بِمصْر يقرب أَصْحَاب أَبِيه ويكرمهم وَالْأَفْضَل بِدِمَشْق يفعل ضد ذَلِك يقرب الْأَجَانِب وَيبعد الْأَقَارِب وَأَشَارَ عَلَيْهِ بذلك جمَاعَة داروا حوله كالوزير الْجَزرِي الَّذِي استوزه قلت هُوَ الضياء ابْن الْأَثِير أَخُو عز الدّين المؤرخ ومجد الدّين أبي السعادات وَفِيه يَقُول الشهَاب فتيَان الشاغوري (مَتى أرى وزيركم ... وَمَا لَهُ من وزر) (يقلعه الله فَذا ... أَوَان قلع الجزر)

стр. 1743

قَالَ الْعِمَاد فَلَمَّا طلب من الْأُمَرَاء أَن يحلفوا لَهُ أظهرُوا لَهُ أيمانا وهم قد أضمروا الْحِنْث فِيهَا وَلم يخف ذَلِك عَلَيْهِ وَلما رأى الْفَاضِل أُمُور الْأَفْضَل مختلة تَركه وَسَار إِلَى مصر وَشرع الْوَزير الْجَزرِي فِي تَفْرِيق الْعصبَة الناصرية وَمَا مِنْهُم إِلَّا من فَارق إِلَى الديار المصرية وَكَانَ قد أُشير على الْأَفْضَل باخلاء الْبَيْت الْمُقَدّس لنواب الْعَزِيز بِأَعْمَالِهِ حذرا عَلَيْهِ من تكاليفه وأثقاله فَأجَاب إِلَى ذَلِك وَقد كَانَت نابلس وأعمالها قد وقف السُّلْطَان ثلثهَا على مصَالح الْقُدس وباقيها على ابْن الْأَمِير عَليّ بن أَحْمد المشطوب فشاركه أحد الْأُمَرَاء الأكراد فِيهِ فمدوا أَيْديهم إِلَى الْوَقْف وَسَاءَتْ سيرتهم وتخوفوا من إِنْكَار الْملك الْعَزِيز عَلَيْهِم فلجؤوا إِلَى الْأَفْضَل فأفضل عَلَيْهِم وَسكن إِلَيْهِم فتأثر الْملك الْعَزِيز لذَلِك وَأقوى الْأَسْبَاب فِيمَا حدث من النفار نفار الْأُمَرَاء الناصرية الْكِبَار ومفارقتهم دمشق إِلَى مصر على سَبِيل الِاضْطِرَاب والاضطرار فأعزهم الْعَزِيز ورفعهم فاتفقوا على أَن تكون كلمة الْإِسْلَام مجتمعة على الْملك الْعَزِيز لاحياء سنة وَالِده فِي الْجُود والبأس وَالْكَرم وَمن جملَة الْأَسْبَاب الباعثة تسلم الفرنج ثغر جبيل من بعض مستحفظيه وَضعف الْأَفْضَل عَن استخلاصه فَقيل للعزيز إِن توانيت استولت الفرنج على الْبِلَاد

стр. 1744

فَخرج الْعَزِيز بعساكره وَبلغ الْأَفْضَل فَضَاقَ صَدره وَاجْتمعَ بِمن فِي خدمته من الْأُمَرَاء بِرَأْس المَاء وَأَرَادَ أَن يستعطف قايماز النجمي وَكَانَ فِي إقطاعه بِالسَّوَادِ وَكَانَ بَينه وَبَين الْأَفْضَل شقَاق وعناد فَأرْسل إِلَيْهِ فَلم يقبل ورحل إِلَى عَسْكَر الْعَزِيز وَرَأى الْأَفْضَل أَن يكْتب إِلَى أَخِيه بِكُل مَا يحب من إعلاء كَلمته والاجتماع عَلَيْهِ وَيكون الْأَفْضَل من بعض القائمين بَين يَدَيْهِ طلبا لتسكين الْفِتَن ورغبة فِي ذهَاب الاحن فأشير عَلَيْهِ بِغَيْر الصَّوَاب وَقيل أَنْت الْكَبِير وَإِلَيْك التَّدْبِير فجد واجتهد وَلَا تعلم أَصْحَابك بِهَذَا الخور الَّذِي داخلك والجبن الَّذِي نازلك وَنحن بَين يَديك وكلنَا عاقدون بالخناصر عَلَيْك وَوصل رَسُول الْملك الظَّاهِر والكتب من الْمُلُوك الأكابر بالانجاد المتظاهر للأفضل وسير الْأَفْضَل إِلَى عَمه الْعَادِل وَهُوَ بحران والرها كتبا ورسلا فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ سير عز الدّين عُثْمَان بن الزنجيلي على نجيب ليسرع وَيَأْتِي بِهِ عَن قريب وَكتبه واصلة بعزمه على نَصره ونجدته وَذَلِكَ فِي أَوَائِل جُمَادَى الْآخِرَة من شهور سنة تسعين وَلم يشْعر الْأَفْضَل إِلَّا والعزيز بعساكره قد وصل إِلَى الفوار فَعجل الرحيل وَقد خالطت عَسَاكِر الْعَزِيز ساقة جَيش الْأَفْضَل فأسرع وَدخل دمشق يَوْم الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى وَنزل الْعَزِيز يَوْم

стр. 1745

السبت بالكسوة وَنزل على دمشق يَوْم الْأَحَد فَلم يزل الْأَفْضَل يمانع ويدافع حَتَّى وصل عَمه الْعَادِل فَكتب إِلَى الْعَزِيز يسْأَله الِاجْتِمَاع فتواعدا واجتمعا راكبين بصحراء المزة فعذله فِي أَخِيه واستنزله عَمَّا كَانَ فِيهِ فَقَالَ عَليّ رضاك وَاتِّبَاع هَوَاك فَقَالَ نفس عَن الْبَلَد الخناق وَكَانَ قد بلي الْبَلَد مِنْهُم بِمَا لَا يُطَاق من قطع الْأَنْهَار وقطف الثِّمَار فَتَأَخر الْعَزِيز إِلَى صوب داريا والأعوج وَكَانَ قد اجْتمع عِنْد الْأَفْضَل من الْمُلُوك عَمه الْعَادِل والمجاهد أَسد الدّين شيركوه بن نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه بن شاذي صَاحب حمص والأمجد مجد الدّين بهْرَام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب بن شاذي صَاحب بعلبك والمنصور نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب حماة ثمَّ وصل الْملك الظَّاهِر غياث الدّين غَازِي بن السُّلْطَان فاتفقوا على عقد يُؤَكد وعهد يمهد ورحل الْعَزِيز إِلَى مرج الصفر لكَون الْمقَام بِهِ أرْفق فَمَرض حَتَّى أيس مِنْهُ ثمَّ أَفَاق وَأرْسل من جَانِبه الْأَمِير فَخر الدّين أياز جركس وَاعْتمد عَلَيْهِ فِي هَذِه النّوبَة فوصل إِلَى الْعَادِل فِي تَعْدِيل الْأُمُور فتقرر بَينهم الصُّلْح وَتزَوج الْعَزِيز ابْنة عَمه الْعَادِل وَخرج الْمُلُوك لتوديع الْملك الْعَزِيز فِي أول شعْبَان وَاحِدًا بعد

стр. 1746

وَاحِد فَخرج الظَّاهِر أَولا والتقيا وَنزلا بمرج الصفر وَبَات عِنْده لَيْلَة ثمَّ رَجَعَ وَخرج الْعَادِل ثمَّ الْأَفْضَل فَلَمَّا اجْتمع بأَخيه فَارقه وَمَا ثوى وَرجع كل إِلَى بَلَده وَلما اسْتَقر الْأَفْضَل بِدِمَشْق قضى حُقُوق الْجَمَاعَة وشكرهم ورحل الظَّاهِر صوب حلب رَابِع عشر شعْبَان وَأقَام الْعَادِل إِلَى تَاسِع شهر رَمَضَان ورحل إِلَى بَلَده الرها وحران ثمَّ إِن الْأَفْضَل نظم أبياتا يَكْتُبهَا إِلَى أَخِيه الْعَزِيز فِي استعطافه واستمالته وَقَالَ كنت فَارَقت أخي مذ تسع سِنِين وَمَا الْتَقَيْنَا إِلَّا فِي هَذِه السّنة (نظرتك نظرة من بعد تسع ... تقضت بالتفرق من سِنِين) (وغض الدَّهْر عَنْهَا طرف غدر ... مَسَافَة قرب طرف من جبين) (وَعَاد إِلَى سجيته فَأجرى ... بفرقتنا الْعُيُون من الْعُيُون) (فويح الدَّهْر لم يسمح بوصل ... يعود بِهِ الهجوع إِلَى الجفون) (فراقا ثمَّ يعقبه ببين ... يُعِيد إِلَى الحشا عدم السّكُون) (وَلَا يُبْدِي جيوش الْقرب حَتَّى ... يرتب جَيش بعد فِي كمين) (وَلَا يدني محلي مِنْك إِلَّا ... إِذا دارت رحى الْحَرْب الزبون) (فليت الدَّهْر يسمح لي بِأُخْرَى ... وَلَو أمضى بهَا حكم الْمنون) قَالَ ثمَّ كثر الشَّرّ مِمَّن حول الْأَفْضَل فِي حق الْأُمَرَاء الْكِبَار ذَوي الأقدار فأنفوا من ذَلِك وأزمعوا على الِانْفِصَال لسوء تِلْكَ

стр. 1747

الْحَال فَمِمَّنْ سَار إِلَى مصر عز الدّين سامة وحرض الْعَزِيز على الْقيام لنصرة الدولة الناصرية وعرفه أَن أَخَاهُ الْأَفْضَل مسلوب الِاخْتِيَار مَعَ من حوله من الأشرار وَمِمَّنْ سَار إِلَى مصر القَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن أبي عصرون وَتَوَلَّى بعد أشهر قَضَاء الْقُضَاة بِمصْر وأعمالها وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين فاستمرت ولَايَته إِلَى أَن عَاد الْعَزِيز من الشَّام وَتَبعهُ الْعَادِل فَصَرفهُ وَأعَاد الْقَضَاء إِلَى زين الدّين عَليّ بن شرف الدّين يُوسُف الدِّمَشْقِي وَكَانَ نَائِبا لصدر الدّين عبد الْملك بن عِيسَى بن درباس ثمَّ اسْتَقل ثمَّ عزل بِابْن أبي عصرون ثمَّ أُعِيد إِلَيْهِ وَكَانَ الْأَفْضَل قد اشْتغل بعد انصراف أَخِيه باللذات وتشاغل عَن أُمُور النَّاس بادمان الشَّرَاب مَعَ من حوله من الْأَصْحَاب ثمَّ أقلع عَن ذَلِك وَتَابَ وجد فِي الذّكر والزهد وأناب وَشرع فِي كتب مصحف بِخَطِّهِ وَحسنت طَرِيقَته وَظَهَرت حَقِيقَته وَذَلِكَ فِي أَوَائِل سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَفِي هَذِه السّنة فِي ربيع الآخر وصل الْخَبَر بِأَن الْعَزِيز قادم

стр. 1748

لحصر دمشق ثَانِيَة فَاشْتَدَّ غم الْأَفْضَل فأشير عَلَيْهِ بِأَن يرحل إِلَى عَمه الْعَادِل وَيَأْتِي بِهِ لدفع هَذَا الْقَضَاء النَّازِل فَرَحل رَابِع عشر جُمَادَى الأولى والتقى بِعَمِّهِ بصفين وَطلب مِنْهُ الرُّجُوع مَعَه إِلَى دمشق فَفعل وَوصل الْعَادِل إِلَيْهَا تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة وتخلف عَنهُ الْأَفْضَل وَقد قصد حلب للاستظهار بأَخيه الظَّاهِر فوثق مَعَه الْأَيْمَان على مَا كَانَا عَلَيْهِ من الصفاء وَكَذَلِكَ فعل بِابْن تَقِيّ الدّين بحماة وَوصل إِلَى دمشق وَاجْتمعَ مَعَ عَمه الْعَادِل وَكَانَ الْعَادِل أبدا يُشِير بِصَرْف الْوَزير الْجَزرِي وَكَانَ قد استولى على الْأَفْضَل فَلم يقبل فَكَانَ الْعَادِل أبدا مغتما لذَلِك فَبَالغ الْأَفْضَل فِي إكرام عَمه وَإِزَالَة غمه حَتَّى ترك لَهُ سنجقه وَصَارَ يركب فِي خدمَة عَمه وضاق أَخُوهُ الظافر من هَذِه الْحَال وَكَانَ الظَّاهِر قد نفر عَلَيْهِ جمَاعَة من الْمُلُوك والأمراء مِمَّن هم فِي طَاعَته من جُمْلَتهمْ صَاحب حماة وَعز الدّين بن الْمُقدم صَاحب بارين فراسلا الْعَادِل فِي الِاعْتِصَام بِهِ وَكَانَ من جَمَاعَتهمْ بدر الدّين دلدرم بن بهاء الدولة بن ياروق صَاحب تل بَاشر فاعتقله الظَّاهِر وَبني عَمه وَطلب مِنْهُ تَسْلِيم حصنه فشفع الْعَادِل فيهم وكفل أَنه يَكفهمْ ويكفيهم واستصحبهم إِلَى دمشق فَطلب مِنْهُ الظَّاهِر الْوَفَاء بضمانه فَتعذر عَلَيْهِ ردهم وتيسر لَهُ ودهم فَغَضب الظَّاهِر لذَلِك وراسل الْعَزِيز يحثه على الاسراع فِي الْقدوم فَأقبل الْعَزِيز وخيم بالفوار

стр. 1749

وَشرع الْعَادِل فِي تَدْبِير أُمُور الْأَفْضَل فكاتب الْأُمَرَاء الأَسدِية من أَصْحَاب الْعَزِيز يحثهم على تَركه والانقطاع إِلَى حزب الْأَفْضَل وسلكه وَكَانَت الأَسدِية أبدا فِي عناء من تقدم الناصرية عَلَيْهَا وراسل الْعَادِل أَيْضا الْعَزِيز بخوفه من قبل الأَسدِية ويعرفه مَا انطوت عَلَيْهِ قُلُوبهم من الغل فَكَانُوا إِذا لَقِيَهُمْ عرفُوا فِي وَجهه التَّغَيُّر عَلَيْهِم فرغبوا عَنهُ وحسنوا للأكراد مرافقتهم فِي الِانْصِرَاف عَنهُ فَفَعَلُوا وَكَانَ أَمِير أُمَرَاء الأكراد أَبُو الهيجاء السمين فدارت الأكراد حوله وَقَالُوا لَا نَأْمَن عَلَيْك من الناصرية فأبرموا أَمرهم وعجلوا رحيلهم فَرَحل أَبُو الهيجاء والمهرانية والأسدية عَشِيَّة الِاثْنَيْنِ رَابِع شَوَّال وَكَانُوا أَكثر الْعَسْكَر وَعلم الْعَزِيز بهم فَمَا بالى بانصرافهم وَقَالَ صُفُونا من أكدارهم وَلم يَأْمر أَصْحَابه باتبَاعهمْ وردهم وَبَقِي فِي خواصه مُقيما فِي تِلْكَ اللَّيْلَة ثمَّ رَحل عَائِدًا إِلَى مصر فجَاء رَسُول أبي الهيجاء السمين إِلَى الْعَادِل يُعلمهُ برحيل الْعَزِيز خَائفًا ويأمره بالقدوم ليلحقوه ويأخذوه ويتسلموا ملك الديار المصرية فتحالف الْعَادِل وَالْأَفْضَل على ملك مصر على أَن يكون للعادل الثُّلُث وللأفضل الثُّلُثَانِ وخرجا يَوْم الْأَرْبَعَاء فِي الجيوش واستناب الْأَفْضَل بِدِمَشْق أَخَاهُ الْأَصْغَر قطب الدّين مُوسَى وَأما الْعَزِيز فَإِنَّهُ سَار وَأخذ طَرِيق اللجون والرملة وَفرق من

стр. 1750

الأَسدِية الَّذين بِالْقَاهِرَةِ أَن يَفْعَلُوا فعل إخْوَانهمْ فيمنعوه من دُخُول الْبَلَد وَكَانَ مقدمهم الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش وَهُوَ أكبر الْأُمَرَاء الأَسدِية قد استنابه الْعَزِيز بالديار المصرية فَهُوَ مُقيم على الصفاء والمودة وإلاخاء فَلَمَّا وصل الْعَزِيز تلقوهُ وَإِلَى ذرْوَة سلطنته رقوه وَأما الْعَادِل وَالْأَفْضَل فاجتمعا بالمتخلفين عَن الْعَزِيز وحرصت الأَسدِية أَن يسْبقُوا الْعَزِيز فَلم يقدروا واجتهدوا أَن يدركوه ويتقدموا فتأخروا فَأَمرهمْ الْعَادِل بالثبات وتسلم الْقُدس وأعماله وَمَا يجاوره من أَعمال السَّاحِل أَبُو الهيجاء السمين بِأَمْر الْأَفْضَل والعادل فرتب فِيهَا نوابه وأسكنها أَصْحَابه وصحبهم إِلَى الديار المصرية لمحالفة الأَسدِية وَمُخَالفَة الناصرية فَنزل الْعَادِل بهم على بلبيس وَكَانَ أَوَان أَخذ زِيَادَة النّيل فِي الِانْتِهَاء والسعر غال وَظَهَرت ندامة الأَسدِية وضعفت معونتهم وضوعفت مؤونتهم فخاف من مَكْرهمْ والعدول إِلَى مستقرهم فَأرْسل إِلَى القَاضِي الْفَاضِل يستوفده للاستزارة ويسترشده بالاستشارة فألزمه الْعَزِيز باجابة سُؤَاله فَخرج إِلَيْهِ واستبشر النَّاس بِخُرُوجِهِ رَجَاء الصُّلْح وَركب الْعَادِل وتلقاه على فراسخ واجتمعا وأصلحا الْأُمُور على مَا يحب الْفَرِيقَانِ وَعَفا الْعَزِيز عَن الأَسدِية وَأقَام الْعَادِل عِنْد الْعَزِيز وَأما الْأَفْضَل فَإِن الْعَزِيز خرج إِلَيْهِ وودعه فَانْصَرف وَمَعَهُ

стр. 1751

أَبُو الهيجاء السمين وَتَوَلَّى الْقُدس وَوصل الْأَفْضَل إِلَى دمشق غرَّة الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين ثمَّ إِن الْأَفْضَل لَازم صِيَامه وقيامه وقلل شرابه وَطَعَامه وَحسن شعاره واستوى ليله ونهاره ووزيره الْجَزرِي قد بلي النَّاس مِنْهُ ببلايا وَهُوَ فِي غَفلَة عَن تِلْكَ القضايا وَكَانَ يدْخل إِلَيْهِ ويوهمه من قبل أَقوام أَنهم عَلَيْهِ وَأَنَّهُمْ يميلون إِلَى أَخِيه فيصدقه الْأَفْضَل فِيمَا يَدعِيهِ فَصَارَ يبلغ الْعَادِل عَنهُ أَحْوَال مَا تعجبه بل تغضبه وَصَارَ يتَّصل بِهِ كل من هَاجر من الشَّام إِلَى مصر وَمَا مِنْهُم إِلَّا من يشكو من الْوَزير الْجَزرِي وَكَانَ قايماز النجمي قد لصق بالعادل وَكَذَلِكَ عز الدّين سامة وصاهر الْعَادِل وَظَاهره وَكَانَ الْعَادِل بِمصْر مستوطنا للقصر فوعد الْجَمَاعَة بازالة يَد الْوَزير الْجَزرِي ورده إِلَى بِلَاده وَقرر مَعَ الْعَزِيز تسيير عسكره مَعَه إِلَى الشَّام ليمهد لَهُ قَاعِدَة الْملك فِي سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام فَأخْرج الْعَادِل العساكر إِلَى بركَة الْجب وَخرج الْعَزِيز لتشييعه وَذَلِكَ مستهل ربيع الأول وَوصل الْملك الزَّاهِر مجير الدّين دَاوُد من حلب إِلَى أَخِيه الْعَزِيز من جَانب الظَّاهِر لتسكين هَذَا الرهج الثائر وَمَعَهُ سَابق الدّين عُثْمَان صَاحب شيزر وَالْقَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد

стр. 1752

ثمَّ إِن الْعَادِل أَشَارَ على الْعَزِيز بِأَن يُوَافقهُ على الْمسير ويرافقه فِيهِ فَرَآهُ عين التَّدْبِير فسارا بالعساكر نَحْو الشَّام وَلما انصرفت رسل الظَّاهِر من مصر بِمَا طلبُوا مروا بِدِمَشْق فأعلموا الْملك الْأَفْضَل بِمَا أبرم من الْأَمر فَضَاقَ صَدره وَطَالَ فكره وَاسْتَشَارَ أَصْحَابه فَأَشَارَ عَلَيْهِ شُيُوخ الدولة بِأَن يسْتَقْبل أَخَاهُ وَعَمه وَيسلم لَهما حكمه وَأَشَارَ الْجَزرِي وَأَصْحَابه بالتصميم على مُخَالفَة وَترك المجاملة والملاطفة ثمَّ دخل عَلَيْهِ أَخُوهُ الْملك الظافر خضر فشجعه وَصَبره وَتَوَلَّى أَسبَاب التحصين وحلفوا الْأُمَرَاء والمقدمين وَقَطعُوا مَا فَوق الْمصلى عِنْد مَسْجِد فلوس بفصيل ورتبوا رجَالًا حوالي الْبَلَد يتناوبون لحفظه فِي البكرة والأصيل وتفرق الْأُمَرَاء على الأسوار والأبراج وَجَاءَت الرُّسُل الظَّاهِرِيَّة لاظهار المظاهرة وَندب الْأَفْضَل فلك الدّين أَخا الْعَادِل إِلَيْهِ مِنْهُ رَسُولا فوصل إِلَى الْعَسْكَر العزيزي بالداروم وغزة وَلَقي عِنْد الْعَزِيز من قبُوله الْعِزَّة فَبَقيَ فلك الدّين هُنَاكَ أَيَّامًا فِي إصْلَاح ذَات الْبَين وَلَا شكّ أَنهم اشترطوا على الْأَفْضَل شُرُوطًا وردوه بهَا وَأَقَامُوا ينتظرون الْجَواب فنفذ من ذكر أَن الْأَفْضَل أَبى ذَلِك فَلَمَّا رأى الأكابر وشيوخ الدولة أَن الْأَفْضَل لَا يسمع من رَأْيهمْ وَأَنه عازم على الْمُحَاربَة وَلَا يعدل عَن رَأْي وزيره مَعَ مَا قد عرفه من شُؤْم

стр. 1753

تَدْبيره شرعوا فِي إصْلَاح أُمُورهم فِي الْبَاطِن فراسلوا الْعَزِيز والعادل وَاسْتظْهر كل لنَفسِهِ وَأقَام الْعَسْكَر مذ عَاشر رَجَب على الْبَلَد مستظهرا بِالْعدَدِ وَالْعدَد لَا يحدث حَدثا وَلَا يعبث بِالْبَلَدِ إِلَّا عَبَثا فَكتب الْأَوْلِيَاء من الْبَلَد إِلَى الْعَزِيز والعادل بانتهاز الفرصة فَرَكبُوا وتأهبوا يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من رَجَب وَسَاقُوا فَمَا صدهم عَن قصد الْبَلَد أحد وَمَا كَانَ فِي طريقهم إِلَّا الْملك الظافر وَمَعَهُ عَسْكَر حلب فقاتل على ظن قتال الْجَمَاعَة وَمَا عِنْده علم بِمَا دبروه من المخامرة فجاوزا وَلم يكترثوا وَوصل الْعَزِيز إِلَى الميدان الْأَخْضَر وَوصل الْعَادِل إِلَى بَاب توما وَكَانَ الْأَمِير الْأمين بِهِ قد استنهضه إِلَيْهِ بكتبه ففتحه لَهُ فَدخل الْعَادِل وَأَصْحَابه من بَاب توما وَالْبَاب الشَّرْقِي وَبَات الْعَادِل فِي الدَّار الأَسدِية وَدخل الْعَزِيز من بَاب الْفرج وَبَات فِي دَار عمته الحسامية وَخرج إِلَيْهِ الْأَفْضَل ولقيه وتجرع من هم زَوَال ملكه مَا سقيه فَلَمَّا ملك الْعَزِيز دمشق أَقَامَ أَيَّامًا بالميدان الْأَخْضَر الْكَبِير إِلَى أَن انْتقل الْأَفْضَل من القلعة بأَهْله وَأَصْحَابه وَأخرج وزيره الْجَزرِي مخفيا فِي صناديقه إشفاقا عَلَيْهِ من قَتله وتحريقه وتحول الْأَفْضَل تِلْكَ الْأَيَّام إِلَى مَسْجِد خاتون وَمَا يجاوره وَمَعَهُ وزيره فهرب لَيْلًا إِلَى بِلَاده وَقد ادخر فِيهَا أَمْوَال دمشق وأعمالها ثَلَاث سِنِين قَالَ وَكَانَ الْعَزِيز قرر مَعَ الْعَادِل أَن يُقيم الْعَزِيز بِدِمَشْق

стр. 1754

ويستنيب الْعَادِل بِمصْر فَلَمَّا ملك دمشق نَدم على مَا قَرَّرَهُ وَرجع عَمَّا دبره وَنفذ إِلَى أَخِيه الْأَفْضَل فِي السِّرّ يعْتَذر إِلَيْهِ وَيُشِير عَلَيْهِ بِمَا كَانَ اشْترط عَلَيْهِ فأظهر الْأَفْضَل هَذَا السِّرّ لصحبه والمخصوصين بِقُرْبِهِ فَقَالُوا لَا تنخدع بِهَذَا القَوْل فَرُبمَا كَانَت خديعة وأطلع عمك الْعَادِل على هَذَا السِّرّ فَإِنَّهُ يرى ذَلِك عين الْبر فَأرْسل إِلَى الْعَادِل من أعلمهُ بذلك فعزت عَلَيْهِ مراسلة الْعَزِيز الْأَفْضَل وَاجْتمعَ بالعزيز وعتبه وقرعه بِمَا أنبئ بِهِ وأنبه وَقَالَ أبني وتهدم وأوجد مصالحك وتعدم فَأنْكر الْحَال وأحالها وانتقض الْأَمر قبل إبرامه وَوجه إِلَى الْأَفْضَل من أزعجه وَإِلَى صرخد أخرجه وسد طَرِيق الاستنصار على أَخِيه الظافر حَتَّى أسلم فِي تَسْلِيم بصرى الظفر بسلامته وبذلها وَلم يتبعهَا بندامته ورحل إِلَى حلب وَأظْهر الظَّاهِر الاحتفال بِهِ وَأما الْأَفْضَل فَإِنَّهُ سَار إِلَى قلعة صرخد وسكنها وحول أَهله وأخاه قطب الدّين إِلَيْهَا وتوطنها وَعند خُرُوج الْأَفْضَل من قلعة دمشق دخل الْعَزِيز إِلَيْهَا يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع شعْبَان وَجلسَ يَوْم الْجُمُعَة فِي دَار الْعدْل واعتقد النَّاس أَنه يطول مقَامه عِنْدهم فَلم يشعروا بِهِ إِلَّا وَقد برز للرحيل وَتقدم إِلَى الْعَادِل بِأَن يتَوَلَّى الْبِلَاد وَفَارق دمشق عَشِيَّة الِاثْنَيْنِ تَاسِع الشَّهْر وَنزل بالمخيم فَوق

стр. 1755

مَسْجِد الْقدَم ثمَّ تحول إِلَى الْكسْوَة وودعه بهَا يَوْم السبت رَابِع عشر الشَّهْر فَلَمَّا عَاد الْعَادِل من وداع الْعَزِيز قرئ بالجامع منشورة العزيزي بالبلاد والأعمال وَالنَّظَر فِي جَمِيع الْأَحْوَال وأشاع أَنه نَائِب الْعَزِيز وَهُوَ سُلْطَانه وَأبقى الْخطْبَة باسم الْعَزِيز خَالِيَة من اسْمه حَالية برسمه وَضرب الدِّينَار وَالدِّرْهَم على سكته وَأظْهر أَنه قوي بشوكته وشكته وَجلسَ يومي الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيس للعدل وَبسط يَده لجمع الْأَمْوَال وخزنها لوقت عُمُوم الْحَاجة إِلَى صرفهَا فصل هَذَا آخر مَا انطوت عَلَيْهِ رِسَالَة العتبى من أَخْبَار مَا جرى بعد موت السُّلْطَان ﵀ وللعماد أَيْضا كتاب آخر سَمَّاهُ نحلة الرحلة ذكر فِيهِ أَيْضا نَحوا من ذَلِك وَهُوَ أَن الْأَحْوَال اختلت وتغيرت بعد موت السُّلْطَان وَأَرَادَ الْعِمَاد الرحيل إِلَى مصر فأصحبه الْأَفْضَل رِسَالَة إِلَى أَخِيه الْعَزِيز فَمضى إِلَيْهِ وَعِنْده عَمه الْعَادِل فَلم يتَمَكَّن من الرُّجُوع إِلَّا مَعَهُمَا لما خرجا بالعساكر فَذكر الحَدِيث فِي أَخذ الْبَلَد
следующие страницы →