Полный текст (1 810 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
(وَمَا نقص الدَّهْر أعدادكم ... إِذا شف قطرا وَأبقى بُحُورا)
(وَلَو أنصف الْمجد مَوْتَاكُم ... لَخَطّ لَهُم فِي السَّمَاء القُبُورا)
(حياتُك أحيت رَمِيم الرّجاء ... وأمطت من الْجُود ظهرا ظهيرا)
وللقيسراني قصيدة مِنْهَا
(مَا أطرق الجو حَتَّى اشرق الْأُفق ... إِن أغمد السَّيْف فالصَّمصام يأتلق)
(دون الأسى مِنْك نور الدّين فِي حلب ... مملك ينجلى عَن وَجهه الغسق)
(كُنْتَ الشَّقِيق الشفيق الْغَيْب حِين ثوى ... أراق مَاء الْكرَى من جفنك الأرق)
(تلقى الأسى من لِبَاس الصبْر فِي جنن ... حَصِينَة تحتهَا الأحشاء تحترق)
(وَمُدَّة الْأَجَل المحتوم إِن خفيت ... فَإِن أيامنا من دونهَا طرق)
(وَإِنَّمَا نَحن فِي مضمار حلبتها ... خيل إِلَى غَايَة الْأَعْمَار تسْتبِق)
(شأو إِذا ابتدر الأقوام غَايَته ... كَانَ الْمُؤخر فِيهَا من لَهُ السَّبق)
(إِن كَانَ صنوك هَذَا قد ثوى فذوى ... فَفِي مغارسك الأثمار وَالْوَرق)
(أَو أَصبَحت بعده الْأَهْوَاء نافرة ... أيدى سبا فعلى علياك تّتفق)
(مَا غَابَ من غَابَ عَن آفَاق مطلعه ... إلاَّ لِيْفترَّ عَن أنوارك الْأُفق)
(مَا دَامَ شمسك فِينَا غير آفلةٍ ... فالدين مُنْتَظم وَالْملك متسق)
стр. 212
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما توفى سيف الدّين غَازِي كَانَ أَخُوهُ قطب الدّين مودود بالموصل فاتفقت كلمة جمال الدّين وزين الدّين على تَوليته وتمليكه طلبا للسلامة مِنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ لين الْجَانِب حسن الْأَخْلَاق كثير الْحلم كريم الطباع
فأحضروه من دَاره وحلفوه لَهُم وحلفوا لَهُ وَنزل بدار المملكة وَحلف لَهُ الْأُمَرَاء والأجناد وَاسْتقر فِي الْملك وأطاعه جَمِيع مَا كَانَ لِأَخِيهِ سيف الدّين لِأَن الْمرجع كَانَ فِي جَمِيع المملكة إِلَى جمال الدّين وزين الدّين
وَلما ملك وَاسْتقر فِي الْملك تزوج امْرَأَة أَخِيه الَّتِي مَاتَ وَلم يدْخل بهَا الخاتون ابْنة حسام الدّين تمرتاش صَاحب مادرين فَولدت لقطب الدّين أَوْلَاده الَّذين ملكوا الْموصل بعده على مَا سَنذكرُهُ وَلم يملكهَا من أَوْلَاد قطب الدّين أحد غير أَوْلَادهَا
قَالَ وَكَانَت هَذِه الخاتون يحل لَهَا ان تضع خمارها عِنْد خَمْسَة عشر ملكا من آبائها وأجدادها وإخوتها وَبني إخوتها وأزواجها وَأَوْلَادهَا وَأَوْلَاد أَوْلَادهَا
ثمَّ ذكرهم ابْن الْأَثِير فِي كِتَابه وَسَمَّاهُمْ وَذكر أَنَّهَا أشبهت فِي ذَلِك فَاطِمَة بنت عبد الْملك بن مَرْوَان زوج عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ كَانَ لَهَا أَن تضع خمارها عِنْد ثَلَاثَة عشر خَليفَة وهم من مُعَاوِيَة رَضِي الله
стр. 213
عَنهُ إِلَى آخر خلفاء بني أُميَّة سوى آخِرهم وَهُوَ مَرْوَان بن مُحَمَّد فَإِنَّهُ ابْن عَم لَهَا لَيْسَ بِمحرم وَالْبَاقُونَ محارم لَهَا وَمَا تمّ لَهُ ذَلِك إِلَّا بعد ذكره أَن أمهَا عَاتِكَة بنت يزِيد بن معلوية فمعاوية جد أمهَا وَيزِيد جدها لأمها وَمُعَاوِيَة بن يزِيد خالها ومروان جدها لأَبِيهَا لبيها وَعبد الْملك أَبوهَا والوليد وَسليمَان وَهِشَام وَيزِيد إخوتها وَعمر بن عبد الْعَزِيز زَوجهَا والوليد بن يزِيد وَيزِيد بن الْوَلِيد وَإِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد أَوْلَاد أخويها وَهَؤُلَاء كلهم خلفاء وعدتهم ثَلَاثَة عشر
قلت وَهَذَا كُله مَبْنِيّ على أصل فِيهِ خلل وَهُوَ أَن فَاطِمَة بنت عبد الْملك لَيست أمهَا عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة بل أمهَا امْرَأَة مخزوميّة على مَا بَيناهُ فِي ترجمتها فِي = تَارِيخ دمشق =
وَلَكِن الصَّوَاب فِي ذَلِك أَن يُقَال كَانَ لفاطمة إِن تضع خمارها عِنْد عشرَة من الْخُلَفَاء وهم مَرْوَان بن الحكم ونسله سوى مَرْوَان بن مُحَمَّد وَأما عَاتِكَة فالجميع محرم لَهَا سوى عمر بن عبد الْعَزِيز ومروان بن مُحَمَّد بَقِي اثْنَا عشر خَليفَة كلهم محارم لَهَا مُعَاوِيَة جدها وَيزِيد أَبوهَا وَمُعَاوِيَة بن يزِيد أَخُوهَا ومروان حموها وَعبد الْملك زَوجهَا والوليد وَسليمَان وَهِشَام أَوْلَاد زَوجهَا وَيزِيد بن عبد الملك ابْنهَا والوليد بن يزِيد ابْن ابْنهَا وَيزِيد بن الْوَلِيد وَإِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد ابْنا ابْن زَوجهَا
وَلَو أضيف إِلَى ذَلِك الْمُلُوك من محارم عَاتِكَة أَو فَاطِمَة كالإخوة والأعمام والأخوال وَبني الْإِخْوَة لتضاعف الْعدَد كخالد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة أخي عَاتِكَة وَعبد الْعَزِيز بن مَرْوَان عَم فَاطِمَة ومسلمة وَعبد الله ابْني عبد الْملك هما أخوا فَاطِمَة وربيبا عَاتِكَة وَعمر بن عبد الْوَلِيد بن عبد الْملك وَغَيرهم
وَذَلِكَ ظَاهر لمن عرف أَنْسَاب بني أُميَّة
стр. 214
وَمَا ذكره ابْن الْأَثِير من أَمر بنت حسام الدّين فسِتُّ الشَّام بنت أَيُّوب أَكثر مِنْهَا محارم من الْمُلُوك يجْتَمع لَهَا من ذَلِك اكثر من ثَلَاثِينَ ملكا من إخوتها الْأَرْبَعَة الْمُعظم وَصَلَاح الدّين والعادل وَسيف الْإِسْلَام وَمن أَوْلَادهم وَأَوْلَاد أَوْلَادهم وَأَوْلَاد أَخِيهَا الْأَكْبَر شاهنشاه بن أَيُّوب تَقِيّ الدّين وَذريته أَصْحَاب حماة وفرخشاه وَابْنه الأمجد صَاحب بعلبك
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما ملك قطب الدّين الْموصل والبلاد الجزرية كَانَ أَخُوهُ نور الدّين بحلب وَهُوَ أكبر من قطب الدّين فكاتبه بعض الْأُمَرَاء وطلبوه إِلَيْهِم مِنْهُم الْأَمِير الْمُقدم وَالِد شمس الدّين بن الْمُقدم وَهُوَ حِينَئِذٍ دزدار سنجار
فَسَار نور الدّين جَرِيدَة فِي سبعين فَارِسًا من أكَابِر دولته مِنْهُم أَسد الدّين شيركوه ومجد الدّين أَبُو بكر بن الداية وَغَيرهمَا
فوصلوا إِلَى ماكِسِين فِي سِتَّة أنفس فِي يَوْم شَدِيد الْمَطَر وَعَلَيْهِم اللبابيد فَلم يعرفهُمْ الَّذين بِالْبَابِ وَأَرْسلُوا إِلَى الشّحْنَة واخبروه بوصول نفر من الأجناد وَكَأَنَّهُم تركمان فَلم يستتم القاصد كَلَامه حَتَّى وصل نور الدّين فحين رَآهُ الشّحْنَة قبّل يَده وَخرج عَن الدَّار فنزلها نور الدّين حَتَّى لحق بِهِ أَصْحَابه وَسَار مجدا إِلَى سنجار فوصلها وَلَيْسَ مَعَه إِلَّا نفر يسير فَنزل بِظَاهِر
стр. 215
الْبَلَد وَألقى نَفسه على محفورة صَغِيرَة من شدّة تَعبه وَأرْسل إِلَى الْمُقدم بالقلعة يعرفهُ وُصُوله وَكَانَ الْمُقدم قد استُدعى من الْموصل لِأَن خَبره مَعَ نور الدّين بلغ من بهَا فأرسلوا إِلَيْهِ فتوقف عدَّة أَيَّام فَلم يصل نور الدّين فَسَار إِلَى الْموصل وَترك ابْنه شمس الدّين بسنجار وَقَالَ لَهُ أَنا أتأخر فِي الطَّرِيق فَإِن وصل نور الدّين فَأرْسل من يعلمني فَلَمَّا فَارق سنجار وصل نور الدّين فَلَمَّا علم شمس الدّين بوصوله أرسل قَاصِدا إِلَى أَبِيه بالْخبر وأنهى الْحَال إِلَى نور الدّين فخاف فَوَات الْأَمر
وَوصل القاصد الَّذِي سيره ابْن الْمُقدم إِلَى أَبِيه فأدركه بتل يعفر فَعَاد إِلَى سنجار وَسلمهَا إِلَى نور الدّين وَكَاتب فَخر الدّين قرا أرسلان بن دَاوُد صَاحب الْحصن يستنجده وبذل لَهُ قلعة الْهَيْثَم فَسَار إِلَيْهِ بجنده
فَلَمَّا سمع قطب الدّين الْخَبَر جمع عساكره وَسَار عَن الْموصل نَحْو سنجار وَمَعَهُ الْجمال والزين ونزلوا بتل يعفر وَأَرْسلُوا إِلَى نور الدّين يُنكرُونَ عَلَيْهِ إقدامه وَأَخذه مَا لَيْسَ لَهُ ويهددوه بِقَصْدِهِ وإخراجه من الْبِلَاد قهرا إِن لم يرجع اخْتِيَارا فَأَعَادَ الْجَواب إِنَّنِي أَنا الْأَكْبَر وَأَنا أَحَق أَن أدبرا أَمر أخي مِنْكُم وَمَا جِئْت إِلَّا لما تَتَابَعَت إِلَى كتب الْأُمَرَاء يذكرُونَ كراهيتهم لولايتكم عَلَيْهِم يَعْنِي ولَايَة الْجمال والزين فَخفت أَن يحملهم الغيظ والأنفة على أَن يخرجُوا الْبِلَاد من أَيْدِينَا فَأَما تهدُّدُكم إياى بِالْقِتَالِ فَأَنا مَا أقاتلكم إِلَّا بجندكم
وَكَانَ قد هرب إِلَيْهِ جمَاعَة من أجنادهم فخافوا أَن يلقوه لِئَلَّا يخَامر عَلَيْهِم بَاقِي الْعَسْكَر وَدخل الْأُمَرَاء فِي الصُّلْح وَأَشَارَ بِهِ جمال الدّين الْوَزير وَقَالَ نَحن نظهر للسُّلْطَان والخليفة أننا تبع نور الدّين وَنور الدّين يظْهر للفرنج أَنه يحكمنا ويتهددهم بِنَا فَإِن كاشفناه وحاربناه فَإِن ظفر بِنَا طمع فِينَا السُّلْطَان وَإِن
стр. 216
ظفرنا بِهِ طمع فِيهِ للفرنج وَلنَا بِالشَّام حمص وَقد صَار لَهُ عندنَا سنجار فَهَذِهِ أَنْفَع لنا من تِلْكَ وَتلك أَنْفَع لَهُ من هَذِه والرأي أَن نسلم إِلَيْهِ حمص ونأخذ سنجار وَهُوَ فِي ثغر بِإِزَاءِ الفرنج وَيتَعَيَّن مساعدته
فاتفق الْجَمَاعَة على هَذَا الرَّأْي وَسَار جمال الدّين إِلَى نور الدّين وابرم مَعَه الْأَمر وتسلم حمص وَسلم سنجار إِلَى أَخِيه وَعَاد نور الدّين وَأخذ مَا كَانَ بسنجار من المَال
وَلما تسلم قطب الدّين سنجار أقطعها لزين الدّين لِأَن حمص كَانَت لِأَخِيهِ ينَال وَهُوَ مُقيم بهَا
واتفقت كلمتهم واتحدت آراؤهم وكل وَاحِد مِنْهُمَا لَا يصدر إِلَّا عَن أَمر أَخِيه
وَطلب نور الدّين أَن يكون الْجمال عِنْده فَقَالَ لَهُ الْجمال أَنْت عنْدك من الْكِفَايَة مَا تَسْتَغْنِي بِهِ عَن وَزِير ومشير وَلَيْسَ عنْدك من الْأَعْدَاء مثل مَا عِنْد أَخِيك لِأَن عَدوك كَافِر فَالنَّاس يدفعونه ديانَة وأعداء أَخِيك مُسلمُونَ فَيحْتَاج من يقوم بدفعهم وَإِذا كنت عِنْد أَخِيك فالنفع إِلَيْك عَائِد وَأُرِيد من بلادك مثل مَا لي من بِلَاد أَخِيك مَعُونَة على كَثْرَة خرجي فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك فَقَالَ لَهُ جمال الدّين أَنْت عَلَيْك خرج كثير لأجل الْكفَّار فَيجب مساعدتك وَأَنا أقنع مِنْك بِعشْرَة آلَاف دِينَار كل سنة
فَأمر لَهُ بهَا
فَكَانَ نَائِب جمال الدّين يقبضهَا كل سنة وَيَشْتَرِي بهَا أسرى من الفرنج ويطلقهم
قلت وقرأت فِي = ديوَان القيسراني = وَقَالَ فِي نور الدّين عِنْد قدومه وَقد استولى على سنجار وأعمال الرحبة والفرات وَذَلِكَ فِي منتصف ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
(هَذَا الَّذِي ولدت لَهُ الأفكار ... وتمخضت فألا بِهِ الْأَشْعَار)
(وَجَرت لَهُ خيل النهى فِي حلبة ... وَردت وصفو ضميرها الْمِضْمَار)
стр. 217
(وَأَتَتْ بِهِ نذر القوافي بُرْهَة ... إِن القوافي وحيها إنذار)
(حكمت لسيفك بالممالك عنْوَة ... حكما لعمري مَا عَلَيْهِ غُبَار)
(يأيها الْملك الْمقل نجاده ... بر يدين بهديه الْأَبْرَار)
(يَا ابْن السيوف وَهل فخرت بِنِسْبَة ... إِلَّا سما بك قَائِم وغرار)
(فارقا دَار الْملك غير مفارق ... لَك من علاك بِكُل أَرض دَار)
(فِي عَسْكَر تخفي كواكب ليله ... نقعا فيطلعها القنا الخطار)
(جرار أذيال العجاج وَرَاءه ... وأمامه بل جحفلٌ جرّار)
(تدني لَك الغايات أكبر همة ... نورية همم الْمُلُوك كبار)
(حَتَّى مَلَأت الْخَافِقين مهابة ... دَانَتْ لعظم نظامها الأقطار)
(وملكت سنجارا وَمَا من بَلْدَة ... إِلَّا تمنى أَنَّهَا سنجار)
(وَبسطت بالأموال كفا طالما ... طَالَتْ بهَا الآمال وَهِي قصار)
(وَجَرت بأمداد الْجِيَاد شعابها ... جري السُّيُول وَمَا عداك قَرَار)
(وثنى الْفُرَات إِلَى يَديك عنانه ... وَالْبَحْر مَا اتَّصَلت بِهِ الْأَنْهَار)
(وملكت رحبة مَالك فتبرَّجت ... مِنْهَا لِعَيْنِك كاعبٌ مِعطار)
(جاءتك فِي حلل الرّبيع وحليها ... قبل الرّبيع شقائق وبهار)
(نثرت عَلَيْك هوى الْقُلُوب محبَّة ... وتود لَو أَن النُّجُوم نثار)
(فأقمت كَالشَّمْسِ المنيرة إِن نأت ... عَن أفْقها فَلَها بِهَ أقمار)
(من كَانَ نور الدّين ثمَّ أجَنَّه ... ليلُ السُّرى حفّت بِهِ الْأَنْوَار)
(تَدْعُو الْبِلَاد إِلَيْك السّنة الظبى ... فتجيبك الأنجاد والأغوار)
стр. 218
(حَتَّى عَمَدت الدّين يَا ابْن عماده ... بقنا أسنتها عَلَيْهِ منار)
(وقفلت من أسفار جدك قادما ... كالصبح نمّ بثغره الْإِسْفَار)
(يغشى البصائر نور وَجهك بَعْدَمَا اعتركت ... على قسماته الْأَبْصَار)
(حَتَّى عمرت بِكُل قلب صَدره ... حِين الصُّدُور من الْقُلُوب قفار)
(إِن تُمسِ فِي حلب رياحك غضة ... فلهَا بأنطاكية إعصار)
(وغدت جيادك بِالشَّام مُقِيمَة ... وَلها بأطراف الدروب مغار)
(همم سبقت بهَا إِلَى مهج العدى ... صرف الردى ومسيره إِحْضَار)
(وَأرى صباح القمص كَانَ خديعة ... فطغى وجار وَلَيْسَ ثَمّ وِجَار)
(سَأَلَ الصنيعة غير محقوق بهَا ... والختر يهدم مَا بنى الختار)
(حَتَّى إِذا مَا غبت أقدم عائثا ... إقدام من لم يدْنُ مِنْهُ قَرَار)
(أمضى السّلاح على عدّوك بغيهُ ... بالغدر يُطعن فِي الوغى الغدار)
(فاحسم عناد ذَوي العناد بجحفل ... كالليل فِيهِ من الصفيح نَهَار)
(جند على جُرد أَمَام صدورها ... صدر عَلَيْهِ من الْيَقِين صِدَار)
(قد بَايع الْإِخْلَاص بيعَة نصْرَة ... وَلكُل هادي أمٍة أنصار)
(ملك لَهُ من عدله ووفائه ... جَيش بِهِ تستفتح الْأَمْصَار)
(وَإِذا الْمُلُوك تثاقلت عَن غَايَة ... وَأَرَادَهَا حفت بِهِ الأقدار)
(وَإِذا انتضته إِلَى الثغور عَزِيمَة ... قَامَت مقَام جُنُوده الْأَخْبَار)
وَلابْن مُنِير من قصيدة فِيهِ
(ترنح معطف الزَّوْرَاء لما ... دعَاك لزَوْرَ سنجار لمام)
стр. 219
(وزلزلت الصّعيد وَرَاء مصر ... غَدَاة علتك فِي قطنا الْخيام)
(رَجَاء هز تيك وَتلك خوف ... وَلَو قد شِئْت ضمهما قرام)
(بعيشك يَا مبيد الْخَيل ركضا ... حَمامٌ هنّ تَحْتك أم حِمام)
وَقَالَ ابْن مُنِير يهنئه بتسلم قلعة حمص من ينَال وانشده فِي القلعة القصيدة أَولهَا
(أرحها فَهِيَ أزلام الْمَعَالِي ... لهنّ إِلَى الوغى توق المغالي)
(أما ومقيلهن بِكُل نقع ... يقوّض بِالْهدى عمر الضّلال)
(وَأي سيوفك الْحمر الْحَوَاشِي ... منزلَة مَتى دُعِيتْ نَزَال)
(مَواضٍ إِن سُللن سلكن جزما ... نَفَاهُ من الطلي لفظ اعتلال)
(لقد غلت الصَّلِيب بِحَرْ حَرْب ... يشيب أوارها لمَم اللَّيَالِي)
(وشمت لنصر هَذَا الدّين بَأْسا ... تحرم مِنْهُ كل حمى حَلَال)
وَمِنْهَا
(وقائع أترعت فِي كل فج ... وقائع جوها دامي العزالي)
(تسائل حمص عَن منسىّ دين ... تقاضاه لَك الْحجَج الخوالي)
(فواتت وَهِي أُخْت النَّجْم بعدا ... ووعدا صِيغ من مطل مطال)
стр. 220
(تشامخ أنفها عزا وشدت ... على أَن لَا تنَال يدا ينَال)
(فَمَا زَالَت رقاك تجدّ نقضا ... لما تثنيه من مرر الحِبال)
(إِلَى أَن أطلق الْحَسْنَاء كرها ... وَآل إِلَى ملاوحة المآلي)
(يصد الْوَجْه عَن شمّاء أَلْقَت ... يدا لأشمّ ذِي بَاعَ طوال)
(شغلت بهَا يَمِينك والمواضي ... تكّفلُ أنّ مصرا للشمال)
(إِذا فتح الْقِتَال عَلَيْك أَرضًا ... أباحك أُخْتهَا لاَ عَنْ قتال)
فصل
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى اتَّصل الْخَبَر بِنور الدّين بإفساد الفرنج فِي الْأَعْمَال الحَوْرَانيّة بالنهب والسبي فعزم على التأهب لقصدهم وَكتب إِلَى من بِدِمَشْق يعلمهُمْ مَا عزم عَلَيْهِ من الْجِهَاد ويستدعي مِنْهُم المعونة على ذَلِك بِأَلف فَارس تصل إِلَيْهِ مَعَ مقدم يعول عَلَيْهِ وَقد كَانُوا عَاهَدُوا الفرنج أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدَة على من يقصدهم من عَسَاكِر الْمُسلمين فاحتج عَلَيْهِ وغولط
فَلَمَّا عرف ذَلِك رَحل وَنزل بمرج يبوس وَبَعض العسكرية بيعفور
فَلَمَّا قرب من دمشق وَعرف من بهَا خَبره وَلم يعلمُوا أَيْن قَصده وَقد كَانُوا راسلوا الإفرنج بِخَبَرِهِ وقرروا مَعَهم الإنجاد عَلَيْهِ وَكَانُوا قد نهضوا إِلَى نَاحيَة عسقلان لعمارة غَزَّة ووصلت أوائلهم إِلَى بانياس
وَعرف نور الدّين خبرهم فَلم يحفل بهم وَقَالَ لَا أنحرف عَن جهادهم
وَهُوَ مَعَ ذَلِك كافّ أَيدي أَصْحَابه عَن العيث والإفساد فِي الضّيَاع وَأمر بِإِحْسَان الرَّأْي فِي
стр. 221
الفلاحين وَالتَّخْفِيف عَنْهُم وَالدُّعَاء لَهُ مَعَ ذَلِك متواصل من أهل دمشق وأعمالها وَسَائِر الْبِلَاد وأطرافها
وَكَانَ الْغَيْث قد انحبس عَن حوران والمرج والغوطة ونزح أَكثر أهل حوران عَنْهَا للمحل واشتداد الْأَمر
فَلَمَّا وصل نور الدّين إِلَى بعلبك اتّفق نزُول الْمَطَر يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث ذِي الْحجَّة وَأقَام إِلَى مثله فروى الآكام والوهاد وَجَرت الأودية وزادت الْأَنْهَار وامتلأت برك حوران ودارت أرحيتها وَعَاد مَا صوح من النَّبَات وَالزَّرْع غضا طريا وجد النَّاس بِالدُّعَاءِ لنُور الدّين وَقَالُوا هَذَا ببركته وَحسن معدلته وَسيرَته
ثمَّ رَحل من منزله بالأعوج وَنزل بجسر الْخشب الْمَعْرُوف بمنازل العساكر فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَأرْسل إِلَى مجير الدّين والرئيس وَقَالَ إِنَّنِي مَا قصدت بنزولي هَذَا الْمنزل طلبا لمحاربتكم وَلَا منازلتكم وَإِنَّمَا دَعَاني إِلَى هَذَا الْأَمر كَثْرَة شكاية الْمُسلمين من أهل حوران والعربان بِأَن الفلاحين أخذت أَمْوَالهم وسبيت نِسَاؤُهُم وأطفالهم بيد الإفرنج وَعدم النَّاصِر لَهُم وَلَا يسعني مَعَ مَا أَعْطَانِي الله وَله الْحَمد من الاقتدار على نصْرَة الْمُسلمين وَجِهَاد الْمُشْركين وَكَثْرَة المَال وَالرِّجَال أَن أقعد عَنْهُم وَلَا أنتصر لَهُم مَعَ معرفتي بعجزكم عَن حفظ أَعمالكُم والذب عَنْهَا وَالتَّقْصِير الَّذِي دعَاكُمْ إِلَى الاستصراخ بالإفرنج على محاربتي وبذلكم لَهُم أَمْوَال الضُّعَفَاء وَالْمَسَاكِين من الرّعية ظلما لَهُم وتعديا عَلَيْهِم وَهَذَا مَا لَا يُرْضِي الله تَعَالَى وَلَا أحدا من الْمُسلمين وَلَا بُد من المعونة بِأَلف فَارس مُزاحِي العلّة تُجرّدُ مَعَ من يوثق بشجاعته من المقدّمين
стр. 222
لتخليص ثغر عسقلان وغزة
قَالَ فَكَانَ الْجَواب عَن هَذِه الرسَالَة لَيْسَ بَيْننَا وَبَيْنك إِلَّا السَّيْف وسيوافينا من الإفرنج مَا يُعينُنا على دفعك إِن قصدتنا وَنزلت علينا
فَلَمَّا عَاد الرَّسُول بِهَذَا الْجَواب ووقف عَلَيْهِ أَكثر التَّعَجُّب مِنْهُ وَالْإِنْكَار لَهُ وعزم على الزَّحْف إِلَى البد ومحاربته فِي غَد ذَلِك الْيَوْم فَأرْسل الله من الأمطار وتداركها ودوامها مَا مَنعه من ذَلِك
وَدخلت سنة خمس وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
فَفِي مستهل الْمحرم تقرر الصُّلْح بَين بَين نور الدّين وأرباب دمشق وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن نور الدّين أشْفق من سفك دِمَاء الْمُسلمين إِن أَقَامَ على حربها والمضايقة لَهَا بَعْدَمَا اتَّصل بِهِ من أَخْبَار دَعَتْهُ إِلَى ذَلِك
وَاتفقَ أَنهم بذلوا لَهُ الطَّاعَة وَإِقَامَة الْخطْبَة لَهُ على مِنْبَر دمشق بعد الْخَلِيفَة وَالسُّلْطَان وَكَذَا السِّكَّة وَوَقعت الْإِيمَان على ذَلِك
وخلع نور الدّين على مجير الدّين خلعة كَامِلَة بالطوق وَأَعَادَهُ مكرما مُحْتَرما وخطب لَهُ على مِنْبَر دمشق يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر محرم
ثمَّ استدعى الرئيس إِلَى المخيم وخلع عَلَيْهِ خلعة كَامِلَة أَيْضا وَأَعَادَهُ إِلَى الْبَلَد وَخرج إِلَيْهِ جمَاعَة من الأجناد والخواص إِلَى المخيم واختلطوا بِهِ وَوصل من استماحه من الطلاب والقرأة والضعفاء بِحَيْثُ مَا خَابَ قاصده وَلَا أكدى سائله ورحل عَن مخّيمه عَائِدًا إِلَى حلب بعد إحكام مَا قرر وتكميل مَا دبر
стр. 223
قلت وَفِي ذَلِك يَقُول القيسراني
(لَك الله إِن حَارَبت فالنصر وَالْفَتْح ... وَإِن شِئْت صلحا عد من حزمك الصُّلْح)
(وَهل أَنْت إِلَّا السَّيْف فِي كل حَالَة ... فطَوراً لَهُ حد وطورا لَهُ صفح)
(سقيت الرّدينيات حَتَّى رَددتهَا ... تَرَنَّحُ من سكر فَخَل القنا تصحو)
(وَمَا كَانَ كف الْعَزْم إِلَّا إِشَارَة ... إِلَى الحزم لَو لم يغْضب السَّيْف وَالرمْح)
(وَقد علم الْأَعْدَاء مُذ بِتَّ جانحا ... إِلَى السّلم مَا تنوي بِذَاكَ وَمَا تنحوا)
(إِذا مَا دمشق مَلكتك عنانها ... تَيَقّن من فِي إيليا أَنه الذّبْح)
(مَتى التف نقع الجحفلين على الْهدى ... فَلَا مهمهٌ يحوي الضلال وَلَا سفح)
(إِذا سَار نور الدّين فِي الْجَيْش غازيا ... فقولا لِليْل الْإِفْك قد طلع الصُّبْح)
(تركت قُلُوب الشّرك تَشْكُو جراحها ... فَلَا زَالَت الشكوى وَلَا اندمل الْجرْح)
(صبرت فَكَانَ الصَّبْر خير مغبة ... فسيق إِلَيْك الْملك يسْعَى بِهِ النجح)
(كَانَ القنا تجلو لَهُ وَجه أمره ... وَلَو أمهلت بلقيس مَا غرها الصرح)
(بدوليك الغراء أصبح ضدها ... بهيما وَلَوْلَا الْحسن مَا عرف الْقبْح)
(وَكم من قريح الْقلب لَو بَات وارداً موارد هَذَا الْعدْل مَا مَسّه قرح)
(سخا بك هَذَا الدَّهْر جودا على الورى ... على أَنه مَا زَالَ فِي طبعه شح)
(وَقد كَانَ يمحو رسم كل فَضِيلَة ... وَنحن نرَاهُ الْيَوْم يثبت مَا يمحو)
(بك ابتهج الْأَلْبَاب وابتهج الحجا ... وأثمرت الْآدَاب واطرد الْمَدْح)
(ولاذت بك التَّقْوَى وعاذت بك الْعلَا ... ودانت لَك الدُّنْيَا وَعز بك السَّرْح)
(فَلَا قلب إِلَّا قد تملكته هوى ... وَلَا صدر إِلَّا قد جلاه لَك النصح)
(وَمَا الْجُود فِي الْأَمْلَاك إِلَّا تِجَارَة ... فَمن فَاتَهُ حمد الورى فَاتَهُ الرِّبْح)
(وَلم أختصر مَا قلت إِلَّا لأنني ... اعبر عَمَّا لَا يقوم بِهِ الشَّرْح)
стр. 224
فصل فِي فتح عزاز
قَالَ أَبُو يعلى وَورد الْخَبَر فِي الْخَامِس من الْمحرم من نَاحيَة حلب بِأَن عسكرها من التركمان ظفر بِابْن جوسلين صَاحب عزاز وَأَصْحَابه وحصلوا فِي قَبْضَة الْأسر فِي قلعة حلب فسر هَذَا الْفَتْح كَافَّة النَّاس وَتوجه نور الدّين فِي عسكره إِلَى عزاز وَنزل عَلَيْهَا وضايقها وواظب قتالها إِلَى أَن سهل الله تَعَالَى ملكهَا بالأمان وَهِي على غَايَة من المنعة والحصانة والرفعة
فَلَمَّا تسلمها رتب فِيهَا من ثقاته من وثق بِهِ ورحل عَنْهَا ظافراً مَسْرُورا عَائِدًا إِلَى حلب فِي أَيَّام من شهر ربيع الأول
قلت وَذكر ابْن مُنِير فتح عزاز وَغَيرهَا وَأمر دمشق فِي قصيدة أَولهَا
(فدتك الْقُلُوب بألبابها ... وساح الْمُلُوك بأربابها)
(كتائب ترمي جنود الصَّلِيب ... مِنْهَا بتقطيع أصلابها)
(إِذا مَا انْثَنَتْ منَّة قراع الكماة ... كست وفدها وشي أسلابها)
(تبرنس مِنْهَا الْبُرْنُس الثِّيَاب ... وحلبه وَقع أحلابها)
(عَشِيَّة غصت على إنّب ... نفوس النَّصَارَى بغصابها)
(وَقَامَ لِأَحْمَد محمودها ... بجدع موران أحزابها)
(تجلى لَهَا حيدري المصاع ... أغلب مُودٍ بغلابها)
(مورث أركاسها من أَب ... أكول الفوارس شرابها)
(همام إِذا اعصوصبت نبوة ... دهاها بهاشم أعصابها)
стр. 225
(مضى وجنى لَك حُلْو الشهاد ... مِمَّا تمطق من صابها)
(وَأوصى بهَا لَك من بعد مَا ... تجرع ممقر أوصابها)
(واقسم جدك أَلا يَلِيق ... بغيرك ملبس أثوابها)
(صبحت دمشق بمشق الْجِيَاد ... زبور الوغى بَين أحدابها)
(وأصلت رَأْيك قبل الحسام ... فخمد جَمْرَة أجلابها)
(فأعطتك مَا لم تنله يدُ ... وفازت رقاك بأصحابها)
(وَأَنت تصرف فضل الزِّمَام ... من حمص ياخير ركابهَا)
(تخونها الْجور فاستدركت ... بعدلك أغبار ظبظابها)
(وفاجأت قُورُس بالشائلات ... تمج القنا سمّ أذنابها)
(فَمَا رِمت حَتَّى رَمَت بيضها ... إِلَيْك أزمّة ضرّابها)
(وعزت عزاز فأذللتها ... بمجر مضيق لأسهابها)
(بأشمخ من أنفها منكبا ... وَأكْثر من عد تورابها)
(دلفت لعيطاء أم النُّجُوم ... فِي الْأَمر إيطاء أترابها)
(وعذراء مذ عَمَرت مَا اهتدت ... ظنون الليالى لإخْرَابها)
(تفرعتها بِفُرُوع الوشيج ... مثمرة هام أوشابها)
(وعوج إِذا أنبضت أغمضت ... ذكاء لإرسال نشابها)
(ومحدودبات تطير الخطوب ... ملاقط ألسن خطابها)
стр. 226
(تصوب عقبان ريب الْمنون ... مَتى زبَنَتْها بأعقابها)
(وَمَا ركعت حول شم الهضاب ... إِلَّا سجدن لأنصابها)
(فلاذت بمعتصم بِالْكتاب ... وهوب الممالك سلابها)
(بمعتصمي الندى وَالْهدى ... هموس السُّرى غير هيابها)
(محلى الْمحل بِوَصْف الْفتُوح ... وَوصف التهاني وأربابها)
(وتعجز مداحه أَن تحيط ... بآدابه فلك آدابها)
(بَدَائِع لَو رد دهر رمين ... بَنات حبيب بأحبابها)
(وَأَيْنَ ابْن أَوْس وأبياته ... من اللاء أودت بحسابها)
(من اللاء عَاد عَتيق لَهَا ... ورد عَلَيْهَا ابْن خطابها)
(فأيامه من حبور تكَاد ... يطير بهَا فرط إعْجَابهَا)
(لَك الْفضل إِن راسلتك الْجِيَاد ... وَقَامَت أَدِلَّة أنجابها)
(إِذا اعتسفت همم الجائرين ... أتيت السِّيَادَة من بَابهَا)
(أَبوك أَبوهَا وَأَنت ابْنهَا العريق ... ودمية مِحْرَابهَا)
(أَقُول لمؤجره بالغرور ... تمطت هَواهَا فَأَهوى بهَا)
(حذار فَعِنْدَ ابتسام الغيوث ... يخْشَى صواعق ألهابها)
(وَلَا تخدعوا بإفترار الليوث ... فَالنَّار فِي برد أنيابها)
стр. 227
فصل فِي صفة أسر جوسلين
قَالَ ابْن الْأَثِير سَار نور الدّين إِلَى بِلَاد جوسلين وَهِي القلاع الَّتِي شمَالي حلب مِنْهَا تل بَاشر وَعين تَابَ وعزاز وَغَيرهَا من الْحُصُون
فَجمع جوسلين الفرنج فارسهم وراجلهم ولقوا نور الدّين وَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة أجلت عَن انهزام الْمُسلمين وظفر الفرنج وَأخذ جوسلين سلَاح دَار كَانَ لنُور الدّين أَسِيرًا وَأخذ مَا مَعَه من السِّلَاح فأنفذه إِلَى السُّلْطَان مَسْعُود بن قليج أرسلان السلجوقي صَاحب قونية وأقصرا وَغَيرهمَا من تِلْكَ الْأَعْمَال وَكَانَ نور الدّين قد تزوج ابْنَته وَأرْسل مَعَ السِّلَاح إِلَيْهِ يَقُول قد أنفذت لَك سلَاح صهرك وسيأتيك بعد هَذَا غَيره
فعظمت هَذِه الْحَادِثَة على نور الدّين وأعمل الْحِيلَة على جوسلين وَعلم أَنه إِن هُوَ جمع العساكر الإسلامية لقصده جمع جوسلين الفرنج وحذر وَامْتنع فَاحْضُرْ نور الدّين جمَاعَة من التركمان وبذل لَهُم الرغائب من الإقطاع وَالْأَمْوَال إِن هم ظفروا بجوسلين إِمَّا قتلا وَإِمَّا أسرا
فاتفق أَن جوسلين خرج فِي عسكره واغار على طَائِفَة من التركمان فنهب وسبى فَاسْتحْسن من السَّبي امْرَأَة مِنْهُم فَخَلا مَعهَا تَحت شَجَرَة فعاجله التركمان فَركب فرسه ليقاتلهم
стр. 228
فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا فصانعهم على مَال بذله لَهُم فرغبوا فِيهِ وأجابوه إِلَى ذَلِك وأخفوا أمره عَن نور الدّين
فَأرْسل جوسلين فِي إِحْضَار المَال فَأتى بعض التركمان إِلَى نَائِب نور الدّين بحلب فَأعلمهُ الْحَال فسير مَعَه عسكرا أخذُوا جوسلين من التركمان قهرا وَكَانَ نور الدّين حِينَئِذٍ بحمص وَكَانَ أسره من اعظم الْفتُوح على الْمُسلمين فَإِنَّهُ كَانَ شَيْطَانا عاتيا من شياطين الفرنج شَدِيد الْعَدَاوَة للْمُسلمين وَكَانَ هُوَ يتَقَدَّم على الفرنج فِي حروبهم لما يعلمُونَ من شجاعته وجودة رَأْيه وَشدَّة عداوته للملة الإسلامية وقسوة قلبه على أَهلهَا
وَأُصِيبَتْ النَّصْرَانِيَّة كَافَّة بأسره وعظمت الْمُصِيبَة عَلَيْهِم بفقده وخلت بِلَادهمْ من حاميها وثغورهم من حافظها وَسَهل أَمرهم على الْمُسلمين بعده
وَكَانَ كثير الْغدر وَالْمَكْر لَا يقف على يَمِين وَلَا يَفِي بِعَهْد
طالما صَالحه نور الدّين وهادنه فَإِذا أَمن جَانِبه بالعهود والمواثيق نكث وغدر فَلَقِيَهُ غدره وحاق بِهِ مكره ﴿وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ فَلَمَّا أسر تيَسّر فتح كثير من بِلَادهمْ وقلاعهم فَمِنْهَا عين تَابَ وعزاز وقورس والراوندان وحصن البارة وتل خَالِد وَكفر لاثا وَكفر سود وحصن بسرفوث بجبل بني عليم ودلوك ومرعش ونهر الْجَوْز وبرج الرصاص
قَالَ وَكَانَ نور الدّين ﵀ إِذا فتح حصنا لَا يرحل عَنهُ حَتَّى يملأه رجَالًا وذخائر تكفيه عشر سِنِين خوفًا من نصْرَة تتجدد للفرنج على الْمُسلمين فَتكون الْحُصُون مستعدة غير محتاجة إِلَى شَيْء وَقَالَ الشُّعَرَاء فِي
стр. 229
هَذِه الْحَادِثَة فَأَكْثرُوا مِنْهُم القيسراني
قَالَ يمدح نور الدّين بعد صدوره عَن دمشق واستقرار أمرهَا وَيذكر قتل البرنز وَأسر جوسلين وَأخذ بِلَاده
(دَعَا مَا ادّعى مَن غره النهى وَالْأَمر ... فَمَا الْملك إِلَّا مَا حباك بِهِ الْقَهْر)
(وَمن ثنت الدُّنْيَا إِلَيْهِ عنانها ... تصرف فِيمَا شَاءَ عَن إِذْنه الدَّهْر)
(وَمن رَاهن الأقدار فِي صهوة الْعلَا ... فَلَنْ تدْرك الشعري مداه وَلَا الشّعْر)
(إِذا الْجد أَمْسَى دون غَايَته المنى ... فَمَاذَا عَسى أَن يبلغ النّظم والنثر)
(وَلم لَا يَلِي أَسْنَى الممالك مَالك ... زعيم بِجَيْش من طلائعه النَّصْر)
(لِيهن دمشقا أَن كرْسِي ملكهَا ... حبي مِنْك صَدرا ضَاقَ عَن همة الصَّدْر)
(وَأَنَّك نور الدّين مُذْ زرت أرْضهَا ... سمت بك حَتَّى انحط عَن نسرها النسْر)
(خطبت فَلم يحجبك عَنْهَا وَليهَا ... وخطب الْعلَا بِالسَّيْفِ مَا دونه ستر)
(جلاها لَك الإقبال حورية السنا ... عَلَيْهَا من الفردوس أردية خضر)
(خلوب أكَنّت من هَوَاك محبَّة ... نمت فانتمت جَهرا وسر الْهوى جهر)
(فسقت إِلَيْهَا الْأَمْن وَالْعدْل نحلة ... فأمست وَلَا أسر تخَاف وَلَا إصر)
(فَإِن صافحت يمناك من بعد هجرها ... فأحلى التلاقي مَا تقدمه هجر)
(وَهل هِيَ إِلَّا كالحصان تمنعت ... دلالا وَإِن عز الحيا وغلا الْمهْر)
(وَلَكِن إِذا مَا قستها بصداقها ... فَلَيْسَ لَهُ قدر وَلَيْسَ لَهَا قدر)
(هِيَ الثغر أَمْسَى بالكراديس عَابِسا ... وَأصْبح عَن بَاب الفراديس يفترّ)
(على أَنَّهَا لَو لم تجبك إنابة ... لأرهقها من بأسك الْخَوْف والذعر)
(فإمَّا وقَفْت الْخَيل ناقعة الصّدى ... على بردى من فَوْقهَا الْوَرق النّضر)
стр. 230
(فَمن بعد مَا أوردتها حومة الوغى ... وأصدرتها وَالْبيض من علق حمر)
(وجللتها نقعا أضاع شِيَاتها ... فَلَا شُهبها شُهبٌ وَلَا شُقرها شُقر)
(علا النَّهر لما كاثر الْقصب القنا ... مكاثرةً فِي كل نحرٍ لَهَا نحر)
(وَقد شَرقَتْ أجرافه بِدَم العدى ... إِلَى أَن جرى العَاصِي وضحضاحه غمر)
(صدعتهم صدع الزجاجة لَا يَد ... لجابرها مَا كل كسر لَهُ جبر)
(فَلَا ينتحل من بعْدهَا الْفَخر دائل ... فَمن بارز الإبرنز كَانَ لَهُ الْفَخر)
(وَمن بز أنطاكية من مليكها ... أَطَاعَته ألحاظ المؤلَّلة الخزرُ)
(أَخُو اللَّيْث لَوْلَا غدره نزعت بِهِ ... إِلَى الذِّئْب أَن الذِّئْب شيمته الْغدر)
(أُتِي رَأسه ركضا وغودر شلوه ... وَلَيْسَ سوى عافي النسور لَهُ قبر)
(وَقد كَانَ فِي استبقائه لَك منَّة ... هِيَ الفتك لَو لم تغْضب الْبيض والسمر)
(كَمَا أَهْدَت الأقدار للقمص أسره ... واسعد قرن من حواه لَك الْأسر)
(طَغى وبغى عدوا على غلوائه ... فأوبقه الكفران عدواه وَالْكفْر)
(وَأَلْقَتْ بأيديها إِلَيْك حصونه ... وَلَو لم تجب طَوْعًا لجاء بهَا القسر)
(وأمست عزاز كاسمها بك عزة ... تشق على النسرين لَو أَنَّهَا الوكر)
(فسر واملأ الدُّنْيَا ضِيَاء وبهجة ... فبالأفق الداجي إِلَى ذَا السنا فقر)
(كَأَنِّي بِهَذَا الْعَزْم لَا فل حَده ... وأقصاه وَقد قضي الْأَمر)
(وَقد أصبح الْبَيْت الْمُقَدّس طَاهِرا ... وَلَيْسَ سوى جاري الدِّمَاء لَهُ طهر)
стр. 231
(وَقد أدَّت الْبيض الْحداد فروضها ... فَلَا عُهْدَة فِي عْنق سيف وَلَا نذر)
(وصلت بمعراج النَّبِي صوارم ... مساجدها شفع وساجدها وتر)
(وَإِن تتيمم سَاحل الْبَحْر مَالِكًا ... فَلَا عجب أَن يملك السّاحلَ الْبَحْر)
(سللت سيوفا أثكلت كل بَلْدَة ... بصاحبها حَتَّى تَخوَّفك الْبَدْر)
(إِذا سَار نور الدّين فِي عزماته ... فقولا لِليْل الْإِفْك قد طلع الْفجْر)
(وَلَو لم يَسِر فِي عَسْكَر من جُنُوده ... لَكَانَ لَهُ من نَفسه عَسْكَر مَجْر)
(مليك سمت شم المنابر باسمه ... كَمَا زُهيت تِيهاً بِهِ الأنجم الزُّهر)
(فيا كعبة مَا زَالَ فِي عرصاتها ... مواسم حج لَا يروّعها النَّفر)
(خلعت على الْأَيَّام من حلل العلى ... ملابس من أعلامها الْحَمد وَالشُّكْر)
(وتوجت ثغر الشَّام مِنْك جلالة ... تمنّت لَهَا بغدادُ لَو أَنَّهَا ثغر)
(فَلَا تفتخر مصر علينا بنيلها ... فُيمناك نيلٌ كل مصر بهَا مصر)
(رددت الْجِهَاد الصعب سهلا سَبيله ... وياطالما أَمْسَى ومسلكه وعر)
(وأطمعت فِي الإفرنج من كَانَ بأسه ... تخوف أَن يعتاده مِنْهُم فكر)
(وأقحمت جرد الْخَيل أَعلَى حصونها ... ولولاك لم تهجم على كَافِر كفر)
(وَمن يدعى فِي قَتلك الشّرك شركَة ... إِذا لم يكن عِنْد القوافي لَهُ ذكر)
(هِيَ القانتات الحافظات فروجها ... فشاهدها عدل ورائقها سحر)
(وَلَو لم يكن فِي فَضلهَا وكمالها ... سوى أَنَّهَا من بعد عمر الْفَتى عمر)
وَله من قصيدة يصف فِيهَا وقائعه أَولهَا
(أما وخيال زار مِمَّن أحبه ... لقد هاج من ذكرَاهُ مَا لَا أغبه)
стр. 232
(إِذا مَا صبا قلب الْمُحب إِلَى الصّبا ... ذكرت نسيما بالثغور مهُّبهُ)
(فيا نفحات الشَّام رفقا بمهجة ... يحامى عَلَيْهَا مدنف الْقلب صّبه)
(فَلَا تسألن الصب أَيْن فُؤَاده ... فَإِن فؤاد الْمَرْء مَعَ من يُحِبهُ)
(وَفِي شعب الأكوار من هُوَ عَالم ... غَدَاة استطار الْبَرْق من طَار لبه)
(يشيم ثغور المزن تهمى كَأَنَّهَا ... سنا بشر نور الدّين تنهل سُحبه)
(إِذا مَا سما فِي مُبهم الْخطب وَجهه ... تمزق عَن بدر الدُّجٌنَّة حُجبه)
(تولد بَين الْغَيْث وَاللَّيْث والتقى ... منافسه أَي الثَّلَاثَة تربه)
(يعد مضاء فِي الظبى لَا وضربه ... بهَا قلل الْأَعْدَاء مَا السَّيْف ضربه)
(مكين الحجا رَاض الزَّمَان بِنَفسِهِ ... إِلَى الْآن حَتَّى لَان وانقاد صعبه)
(حمى قبَّة الْإِسْلَام بِالْخَيْلِ فاغتدت ... واوتادها جرد الطعان وقبه)
(فكم هبوة أوقعن بالْكفْر تحتهَا ... فَمَا انقشعت إِلَّا وللذل جنبه)
(كَيَوْم الرها الورهاء والهام يَانِع ... ملي برعي الهندواني خصبه)
(وشهباء هاجتها وغى صرخدية ... ثناها وليل الْحَرْب تنقض شهبه)
(وعارم يَوْمًا بالعُريمة فاغتدت ... كوادي ثَمُود إِذْ رغا فِيهِ سقبه)
(وعاصى على العَاصِي بأرْعن خَاطب ... دم الْإِفْك حَتَّى أنكح النصل خطبه)
(بإنب لما أكسب المَال وانثنى ... بِصَاحِب أنطاكية وَهُوَ كَسبه)
(غَدَاة هوى شطرين للسيف رَأسه ... وللرمح حَتَّى توج الرَّأْس قلبه)
(على حِين للخطي فِيهِ عوامل ... يُعَاقِبهُ خفض الحسام ونصبه)
(وقائع محمودية النَّصْر لم يزل ... غَرِيبا بهَا عَن موطن السّيف غربه)
(يقوم مقَام الْجَيْش فِيهَا وعيده ... وَتفعل أَفعَال الْكَتَائِب كتبه)
(وَحين انتضته عَزمَة من قرَابَة ... مضى وَهُوَ نصل والممالك قربه)
(إِلَى أَن دَعَتْهُ رَبهَا كل بَلْدَة ... فَلَيْسَ من الْأَمْصَار مَا لَا يربه)
стр. 233
(وَلما نزا بالقمص عُجب هوى بِهِ ... على أم رَأس الْبَغي والغدر عُجبه)
(فاصبح فِي الحجلين يُنكر خطوه ... بعيد على الرجلَيْن فِي السَّعْي قربه)
(تعاقبه الْبُشْرَى بِأخذ حصونه ... فيا عانيا ضرب البشائر ضربه)
(تناجي عزاز باسمه تل بَاشر ... فيلعنه لعن الصَّرِيح وسبه)
(فَإِن يكن المقهور من ثل عَرْشه ... فَهَذَا عَمُود الْكفْر قد طاح طُنبه)
(فَقل لملوك الْخَافِقين نصيحة ... كَذَا عَن طَرِيق اللَّيْث تزأر غَلبه)
(وخلوا عَن الْآفَاق فالشرق شرقه ... بِحكم الردينيات والغرب غربه)
(وَلَا يعتصم بالدرب طاغ على القنا ... فَإِن القنا فِي ثغرة النَّحْر دربه)
(رحيب فضاء الْحلم عَن ذَات قدره ... إِذا ضَاقَ من صدر المملك رحبه)
(عَفْو عَن الْجَانِي يكَاد الَّذِي جنى ... يكرًّ بِهِ شوقا إِلَى الْعَفو ذَنبه)
(أمتخذ الْإِخْلَاص لله جنَّة ... وَمن يعتصم بِاللَّه فَالله حَسبه)
(أَبوك اسْتردَّ الشَّام بِالسَّيْفِ عنْوَة ... وللروم بَأْس طالما غال خطبه)
(إِذا ذب عَن أضغاث دُنْيَاهُ مَالك ... فَأَنت الَّذِي عَن حوزة الدّين ذبه)
(رَأَيْت ابْتَاعَ الْحق خيرا مغبة ... فأفرجت عَن رأى يَسُرك غبه)
(وأوضحت مَا بَين الْفَرِيقَيْنِ سنة ... بهَا عرف المربوب من هُوَ ربه)
(وبينت مَا قد كَانَ من كَانَ يَبْتَغِي ... دَلِيلا بِأَن الله من أَنْت حزبه)
وَقَالَ ابْن مُنِير يمدح نور الدّين بِظَاهِر حمص
(هَيْهَات يعْصم من أردْت حذار ... أَنى وَمن أوهاقك الأقدار)
стр. 234
وَمِنْهَا
(طلعت عَلَيْك بجوسلين ذَرِيعَة ... لَا سحل انشاها وَلَا إمرار)
(وسعادة مَا زلت تمري خلفهَا ... فيشف وَهُوَ الناتق المدرار)
(فأرتك مَا يجني الوفي وفاؤه ... وأرته كَيفَ يُحًّين الغدار)
(عود أَمر على أبارك طلعه ... فاحيل ذَاك الْبر وَهُوَ بوار)
(مَا زلت تنعم وَهُوَ يكفر عاتيا ... وَالله يهدم مَا بنى الْكفَّار)
(حَتَّى أتاح لِقَوْمِهِ مَا جَرّه ... لثمود من عقر الفصيل قدار)
(أسرى فَأصْبح فِي براثن آسر ... مَا زَالَ يدُمى ظفره الْأَظْفَار)
(سَام كقرن الشَّمْس يُقبس نوره ... وتغض دون مَحَله الْأَبْصَار)
(يهب التلاد من الْبِلَاد وَمَا حوت ... إِن السماحة للبحار بحار)
(يقظان يخْشَى الله فِي خلواته ... لَا مُترف لاه وَلَا جَبَّار)
(نصب المراقب للعواقب نَاظرا فِيهَا كَذَلِك تربأ الْأَبْرَار)
(لَا كَالَّذِين تعجلوا حسواتها ... وتقلسوها بعد وَهِي خسار)
(درجوا وادرج فِي ملف رفاتهم ... سوأى تساء لذكرها الْآثَار)
(والمرء من يُطوى فيَنشر طيه ... مَا أودعته صدورها الأخيار)
(قل للألى نَامُوا على نأماته ... مَا كل هبة بارح إعصار)
(لَا تأمنوا فِي الله بطشة ثَائِر ... لله ملْء سَرِيره أسرار)
(صَاف إِذا كدر الْمَعَادِن عَادل ... إِن حاف حكام الْمُلُوك وجاروا)
(أَعلَى أَبوهُ لَهُ النجاد وشيد فِي ... صهواتها مِمَّا ابتناه منار)
(مَحْمُود الْمَحْمُود آثاراً إِذا ... نظمت على جيد الدجى الأسمار)
стр. 235
(دَانَتْ لَهُ الْأَيَّام صاغرة كَمَا ... دَانَتْ لَهُ فِي ظله الْأَمْصَار)
وَله من أُخْرَى أَولهَا
(مَا الْملك إلاّ مَا حواه نجاده ...)
يَقُول فِيهَا
(وَتَدين حسده لمحكم آيه ... وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ حسّاده)
(شمس إِذا مَا الْحَرْب زر جيوبها ... حل المعاقد كره وطراده)
(ألوى أَلد حمى الشَّرِيعَة الشَّرِيعَة جهده ... وأذل نَاصِيَة الضلال جهاده)
(صعق الْبُرْنُس وَقد تلألأ برقه ... وأطار سَاكن جأشه إرعاده)
(ولى وَقد سُلَّت فَسَلَّت ضغنه ... زُبر تلقى فودهن فُؤَاده)
(مستلئما مستسلما لَا عدَّة ... رد المنى عَنهُ وَلَا استعداده)
(ولجوسلين احتثهن فَأَصْبَحت ... نهبى لَهُنَّ بِلَاده وتلاده)
(جَاءَت بِهِ بعد الشماس عوابس ... قَود يلين لعنقهن قياده)
(وتصيدته لَك السُّعُود وقلما ... ينجو بخيرٍ من أردْت مصاده)
(داني لَهُ قيناه أدهم كلما ... غناهُ طَار شماتة عوّاده)
(سلبت عزاز عزاءه وبقورس ... محجوبة فرشت لَهُ اقتاده)
(وبتل خَالِد يَوْم تل جبينها ... خلط الثرى بجبينه إخلاده)
(وَغدا يُبَاشر تل بَاشر قلُبه ... بأحر مَا حمل الْقُلُوب عداده)
(منت أمانيه بشائرك الَّتِي ... عَادَتْ لَهُنَّ مآتما أعياده)
(وحبوت ملكك من نظيم ثغوره ... حَلْياً تَتَايَه تَحْتَهُ أجياده)
стр. 236
(لَا يخدعنك فَإِنَّمَا إصْلَاح من ... يخُشى انتشاط خناقه إفساده)
(أنزلهُ حَيْثُ قَضَت لَهُ غدراته ... واحله طغيانه وعناده)
(فِي حَيْثُ لَا يأوى لَهُ سجّانه ... حنقا ويكشط جلده جلاده)
(وثن هدمت بني الضلال بهدمه ... وغدت عِبَادك عنْوَة عباده)
(فتكت بِهِ آيَات مَن لمُحَمد ... ولدينه إبداؤه وعواده)
(لَو أنشط الْبَلَد الْحَرَام تواءمت ... تثني عَلَيْهِ تلاعه ووهاده)
(وَلَو ان منبره أطَاق تكلما ... نطقت بباهر فَضله أعواده)
(نَام الْخَلِيفَة واستطار لذبه ... عَن سدتيه واستطير رقاده)
(رجعت لَك الْعِزّ الْقَدِيم سيوفه ... مَا زَان رونق مَائِهَا أغماده)
(من بعد مَا نعق الصَّلِيب لحزبه ... وَرَأَيْت زرع الْملك حَان حَصَاده)
(أَنِّي تميل الحادثات رواقه ... بهبوبها وَابْن الْعِمَاد عماده)
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما سَار نور الدّين إِلَى قلاع جوسلين ملك بَعْضًا وَبَقِي بعض فاجتمعت الفرنج فَالْتَقوا مَعَ نور الدّين بدلوك فَهَزَمَهُمْ وَاسْتولى على دلوك وَغَيرهَا فَفِيهَا يَقُول أَحْمد بن مُنِير قصيدة مِنْهَا
(هِيَ الْخَيل خير عتاد الْكَرِيم ... يحضر للهم إحضارها)
стр. 237
(ضغمت فأدردت أفواهها ... وسرت فقلمت أظفارها)
(إلام وَلم تُبق مِمَّا غزوت ... قلوبا تكابد إذعارها)
(اما فِي مفصل آي القراع ... أَن تضع الْحَرْب أَوزَارهَا)
(عَسى أَن يُحم لهَذَا الْحمام ... أَن يتوكر أوكارها)
(وَمَا يَوْم من غَلَّته وَاحِد ... فتودعه الّلسْنُ أشعارها)
(وَأَيْنَ المَقَاول مِمَّا فعلت ... وَلَو شفع الْقطر إكثارها)
(فكم أجلبت خَلفك الجافخات ... فصلصل فخرك فخارها)
(أعدت بعصرك هَذَا الأنيق ... فتوح النَّبِي وأعصارها)
(وَكَانَ مهاجرها تابعيك ... وأنصار رَأْيك أنصارها)
(فجددت إِسْلَام سلمانها ... وَعمر جدك عمارها)
(وَمَا يَوْم إنب إِلَّا كتيك ... بل طَال بالبوع أشبارها)
(وأيامك الغر من بعده ... تعيد إِلَى الطي أغرارها)
(وَلما هببت ببصرى سمكت ... بأهباء خيلك أبصارها)
(وَيَوْم على الجون جون السراة ... عز فسعَّطها عارها)
(صدمت عُريمتها صدمة ... أذابت مَعَ المَاء أحجارها)
(وَفِي تل بَاشر باشرتهم ... بزحف تسور أسوارها)
(وَإِن دالكتهم دلوك فقد ... شددت فصدقت أَخْبَارهَا)
(وشب التدامُر حَتَّى طلعت ... عَلَيْهَا فولتك أدبارها)
(مشَاهد مَشْهُورَة نمنمت ... على صفحة الدَّهْر أسطارها)
(يلذ الأغاني ترجيعها ... ويستسفر السّفر أسفارها)
стр. 238
(بنيت لوفد المنى كعبة ... تجير الْمُعَلق أستارها)
(وملكت وَالْأَرْض مغبرة ... تكَاد تُحَدِّثُ أخْبَارَها)
(فَمَا زلت تدجن حَتَّى محوت ... دجاها وشعشعت أنوارها)
(وصلت فأعززت مسكينها ... وصلت فأذللت جبارها)
(وصغت حلى من علا أحكمت ... على عنق الدَّهْر أزرارها)
قَالَ أَبُو يعلى التَّمِيمِي وَفِي رَجَب وَردت الْأَخْبَار من نَاحيَة نور الدّين بظفره بعسكر الإفرنج النازلين بإزائه قَرِيبا من تل بَاشر وعظيم النكاية فيهم والفتك بهم وامتلأت الْأَيْدِي من غنائمهم وَسَبْيهمْ وَاسْتولى على حصن خَالِد الَّذِي كَانَ مضايقه ومنازله
قَالَ وَفِي أَيَّام من الْمحرم وصل جمَاعَة من حجاج الْعرَاق وخراسان المأخوذين فِي طَرِيق الْحَج عِنْد عودهم بِجَمَاعَة من كفار العربان وحكوا مُصِيبَة مَا نزل مثلهَا بِأحد فِي السنين الخالية وَلَا يكون أبشع مِنْهَا
وَذكر أَنه كَانَ فِي هَذَا الْحَاج من وُجُوه خُرَاسَان وتنائها وفقهائها وعلمائها وقضاتها وخواتين أُمَرَاء العساكر السُّلْطَانِيَّة وَالْحرم الْعدَد الْكثير وَالْأَمْوَال الجمة والأمتعة الوافرة فَأخذ جَمِيع ذَلِك وَقتل الْأَكْثَر وَسلم الْأَقَل وهتكت النِّسَاء وسلبن وَهلك من هلك بِالْجُوعِ والعطش فضاقت الصُّدُور لهَذِهِ النَّازِلَة فكسي العارى مِنْهُم وَأطلق لَهُم مَا استعانوا بِهِ على عودهم إِلَى أوطانهم من أَصْحَاب الْمُرُوءَة بِدِمَشْق ﴿ذَلِكَ تَقْدِيُر الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
стр. 239
قَالَ وَكَانَ مُجَاهِد الدّين بزان قد توجه إِلَى حصنه صرخد لتفقد أَحْوَاله فعرضت بعده نفرة بَين مجير الدّين والرئيس بسعايات أَصْحَاب الْأَغْرَاض وَالْفساد واقتضت الْحَال استدعاء مُجَاهِد الدّين لإِصْلَاح الْحَال فوصل وَتمّ ذَلِك بوساطته على شَرط إبعاد الْحَاجِب يُوسُف صَاحب مجير الدّين عَن الْبَلَد مَعَ أَصْحَابه وتوجهوا وَلم يعرض لشَيْء من أَمْوَالهم وَقصد بعلبك فَأكْرمه وإليها
قَالَ ووردت الْأَخْبَار من مصر بالخُلف المستمر بَين وزيرها ابْن مصال وَبَين الْأَمِير المظفر ابْن السلار وَوُقُوع الْحَرْب وَسَفك الدِّمَاء إِلَى أَن أسفرت الْحَال عَن قتل ابْن مصال الْوَزير وانتصاب ابْن السلار مَوْضِعه فِي الوزارة
قَالَ وَفِي سَابِع عشر رَجَب توفى القَاضِي بهاء الدّين عبد الْملك بن الْفَقِيه عبد الْوَهَّاب الْحَنْبَلِيّ وَكَانَ إِمَامًا فَاضلا مناظرا مُسْتقِلّا مفتيا على مَذْهَب الْإِمَامَيْنِ أَحْمد وَأبي حنيفَة بِحكم مَا كَانَ عَلَيْهِ عِنْد إِقَامَته بخراسان لطلب الْعلم والتقدم وَكَانَ يعرف اللِّسَان الْفَارِسِي مَعَ الْعَرَبِيّ وَهُوَ حسن الحَدِيث فِي الْجد والهزل وَكَانَ لَهُ يَوْم مشهود وَدفن فِي جوَار أَبِيه وجده فِي مَقَابِر الشُّهَدَاء
стр. 240
قَالَ وَتُوفِّي عقيب وَفَاته الشريف القَاضِي النَّقِيب أَبُو الْحُسَيْن فَخر الدولة ابْن أبي الْجِنّ وتفجع النَّاس عَلَيْهِ لخيريته وَشرف بَيته
وَدخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
فَفِيهَا حاصر نور الدّين ﵀ دمشق لمعاضدة اهلها الفرنج واستنصارهم بهم ومدحه ابْن مُنِير بقصيدة يحرضه فِيهَا عَلَيْهِم وكتبها إِلَيْهِ من حماة وَهُوَ محاصر دمشق وَقد تخلف عَن الْخدمَة لمَرض عرض لَهُ مِنْهَا
(أخليفة الله الَّذِي ضمنت لَهُ ... تَصْدِيق واصفه سراة الْمِنْبَر)
(لَا المستطيل بِمصْر ظلّ قصوره ... والمستطال إِلَيْهِ شقة صَرْصَر)
(يَا نور دين الله وَابْن عماده ... والكوثر بن الْكَوْثَر بن الْكَوْثَر)
(صفّر بِحَدّ السَّيْف دَار أشائب ... عقلوا جيادك عَن بَنَات الْأَصْفَر)
(هم شيدوا صرح النِّفَاق وأوقدوا ... نَارا تحش بهم غَدا فِي الْمَحْشَر)
(اذكوا بجلق حرّها واستشعرت ... لفحاتها بَين الصَّفَا والمشعر)
(شرد بهم من خَلفهم مستنجدا ... مَا ظَاهر الْكفَّار من لم يكفر)
(لَا تعف بل شقّ الْهدى نفس الَّذِي ادرع ... الضّلال على أغرّ مشهر)
(قَلّدهُ مَا اهدى على لمرحب ... فَلَقَد تهكم فِي الخداع الْخَيْبَرِيّ)
стр. 241
(مَا الْغِشّ مِمَّن أمه نصرانة ... لم تختتن كالغش من تنصر)
(أذكت لنا هذي العزائم لَا خبت ... مَا غَار من سنَن الْمُلُوك الغبر)
(إثقاب آراء الْمعز وخفق رايات ... الْعَزِيز ويقظة الْمُسْتَنْصر)
(شمر فقد مدت إِلَيْك رقابها ... لَا يدْرك الغايات غير مشمر)
(أولست من مَلأ البسيطة عدله ... واجتثت بِالْمَعْرُوفِ أنف الْمُنكر)
(حدب الْأَب الْبر الْكَبِير ورأفة الْأُم ... الحفية باليتيم الْأَصْغَر)
(يَا هضبة الْإِسْلَام من يعْصم بهَا ... يُؤمن وَمن يتول عَنْهَا يكفر)
(كَانُوا على صلب الصَّلِيب سرادقا ... أنبت بنيته بِكُل مُذَكّر)
(آثَارهم نجس أذال الْمَسْجِد الْأَقْصَى ... فصن مَا دنسوه وطهر)
(حَار الْخَلِيل وَمن بغزة هَاشم ... بلهامك الْمُتَدَمْشق المتمصر)
(بعرمرم صلمت وعاوعه عرى ... أسماع جيحون وَسيف البربر)
(يفتر عَن ملك الْمُلُوك منحل الأنواء ... بل سعد السُّعُود الْأَكْبَر)
(عَن طَاعن الفرسان غير مكذب ... ومتمم الْإِحْسَان غير مكدر)
(بدر الجحافل والمحافل فَارس الآساد ... فِي غَابَ الوشيج الأسمر)
(ملك تَسَاوِي النَّاس فِي أَوْصَافه ... عذر الْمقل وَبَان عجز المكثر)
(يَا أَيهَا الْملك الْمُنَادِي جوده ... فِي سَائِر الْآفَاق هَل من مُعسر)
(إِن القصائد أَصبَحت أبكارها ... فِي ظلّ ملكك غاليات الأمهر)
стр. 242
(إِن كنت أَحييت ابْن حمدَان لَهَا ... فَأَنا الَّذِي غبرت فِي وَجه السّري)
(ولأنت أكْرم من أنَاس نوهوا ... باسم ابْن أَوْس واستخصوا البحتري)
(ذلت لدولتك الرّقاب وَلَا تزل ... إِن تغز تغنم أَو تقَاتل تظفر)
وَكتب إِلَيْهِ من حماة أَيْضا وَهُوَ محاصر دمشق قصيدة ينَال فِيهَا من صَاحبهَا مِنْهَا
(أَبوك أَب لَو كَانَ للنَّاس كلهم ... أَبَا وَرَضوا وَطْء النُّجُوم لفندوا)
(وَمَا مَاتَ حَتَّى سد ثلمة ملكه ... بك الله ترمى مَا رَمَاه فتصرد)
(صدمت ابْن ذِي اللغدين فانحل عقده ... وكالسلك قد أَمْسَى يحل ويعقد)
(يقلب خلف السجف عينا سخينة ... ويبكي بِأُخْرَى ذَات شتر ويسهد)
(وَلَا غرو قد أبقى أَبوهُ وجده ... لَهُ كل يَوْم ثوب عجز يجدد)
(فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغن ... بُيُوتًا على جيرون بالذل تعمد)
(وَقل لمبير الدّين وَهُوَ مجيره ... بزعم لَهُ وَجه الْحَقِيقَة أَرْبَد)
(حملت الصَّلِيب بَاغِيا ونبذته ... وثغراك موطوس بِبَاب وأدرد)
(وحاربت حزب الله وَالله نَاصِر ... لناصره وَدين أَحْمد أَحْمد)
(تنصرت حينا وَالْبَلَاء مُوكل ... وَلَا بُد من يَوْم بِهِ تتهود)
(وَأقسم مَا ذاق الْيَهُود بإيليا ... وموضعها من بخْتنصر أسود)
(كبعض الَّذِي جرعته فسرطته ... وأيد فِيهِ من عماك الْمُؤَيد)
стр. 243
(ولَايَته عزل إِلَيْك موجه ... وَتَصْحِيفه قتل عَلَيْك مؤبد)
(رماك بباقلا دمشق فَلم تكن ... سوى بقلة حمقاء بالحمق تحصد)
(وجالدت جلادا وانت مؤنث ... تذكرت والجلاد أدهى وَأجْلَد)
(تطاولت لَا نفس تسمى وَلَا أَب ... وَرَاءَك زحفا إِنَّمَا أَنْت مقْعد)
(أمسعاة نور الدّين تبغي ودونها الأسنة ... تبر والعوامل تعضد)
(بمحمود الْمَحْمُود سَيْفا وساعدا ... حملت لقد ناجتك صماء مؤيد)
(وَهل يَسْتَوِي سَار تأسد طاويا ... ونشوان يعلى معصما وَيُؤَيّد)
(تنصرت أما بل تمجست والدا ... وَعَما فعرق الْكفْر فِيك مردد)
(تخذت بني الصُّوفِي أسرا وأسرة ... لكَي يصلحوا مَا فِي يَديك فأفسدوا)
(لعمرى لَنِعْم العَبْد أَنْت تجيعه الموَالِي ... وتوليه هواناً فيحمد)
(إِلَيْكُم بني العلاّت عَن متُشاوس ... لَهُ الشَّام مرقا وَالْعراق مرقد)
(وَمَا مصر إِلَّا بعض أمصاره الَّتِي ... إِلَى أمره تسْعَى قماء وتحفد)
(انيبوا إِلَيْهِ فَهُوَ أرْحم قادرٍ ... لَهُ الصفح دين واقبلوا النصح تَرْشُدوا)
(وَلَا ترشفوا نفث الْمُؤَيد إِنَّه ... عَن الْخَيْر يزوي أَو إِلَى المْين يسند)
(وفروا إِلَى مولاكم وَالَّذِي لَهُ ... عَلَيْكُم أياد وَسْمُها لَيْسَ يجْحَد)
(وَلَا تكفروه إِنَّمَا أَنْتُم لَهُ ... وَمِنْه وَيَوْم عِنْد حوران يشْهد)
(غَدَاة على الجولان جول وللظبى ... رعود فريص الْمَوْت مِنْهُنَّ ترْعد)
(وَلما اكفهر الْيَوْم واربد وَجهه ... وعوذ مَرْهُون وفر مُزْبِد)
стр. 244
(وأيقن من بَين السدير وجاسم ... بِأَن الْحرار السود بالجرد تجرد)
(ردتهم على بصرى وصرخد خيله ... وَقد أَبْصرت بصرى رداها وصرخد)
(وطاروا تهز المرهفات طلاهم ... كَمَا انصاع من أَسد نعام مشرد)
(وَلَيْلَة ألْقى الشّرك بالمرج بركه ... ومارج نيران الوغى يتوقد)
(رمى وَأَخُوهُ مغرب الشَّمْس دونكم ... بمشرقها غَضْبَان يعدو ويسئد)
(فمذ وَردت مَاء الأرنط مُغِذَّةً ... أثارت بثَوْرَا غلَّة لَيْسَ تبرد)
(أيا سيف شامته يَد الْملك صَارِمًا ... فيمهد إِذْ يسري ويسري فيمهد)
(دمشق دمشق إِنَّمَا الْقُدس سرحة ... ومركزها صرح عَلَيْهَا ممرد)
(حموها لكَي يحموا وَقد بلغ المدى ... بهم أجل حتم وَعمر محدد)
(مَتى أَنا رَاء طَائِر الْفَتْح صادحا ... يرفرف فِي أرجائها ويغرد)
وَله من قصيدة أُخْرَى
(نذرك بالغوطتين قد ضمنت ... ربوتها ريعه ومقراها)
(أطلع لَهَا الشَّمْس من جبينك لم ... يرج سواهَا فِي النّوم جفناها)
(فالخيل صور إِلَى تساهم سهميها ... وملهى فِي بَيت لهياها)
(دولة من دَانَتْ الْبِلَاد لَهُ ... وعمها ظلّه فأغناها)
(لاَ بِسِواها تلِيق بهجتها ... وَلَا سواهُ تبغي رعاياها)
стр. 245
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي عَاشر الْمحرم نزلت أَوَائِل عَسْكَر نور الدّين على أَرض عذراء من عمل دمشق وَمَا والاها وَفِي الْغَد قصد فريق وافر مِنْهُم نَاحيَة السهْم والنيرب وكمنوا عِنْد الْجَبَل لعسكر دمشق فَلَمَّا خرج مِنْهَا إِلَيْهِم أسْرع النذير إِلَيْهِم فَحَذَّرَهُمْ وَقد ظهر الكمين فَانْهَزَمُوا إِلَى الْبَلَد
وَفِي الْغَد نزل نور الدّين بعسكره على عُيُون فاسريا بَين عذراء ودومة وامتدوا إِلَى تِلْكَ الْجِهَات ونزلوا من الْغَد فِي أَرَاضِي حجيرا وراوية فِي الْخلق الْكثير والجم الْغَفِير وانبثت أَيدي المفسدين من الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي والأوباش من أهل العيث وَالْفساد فِي زروع النَّاس فحصدوها وَفِي الثِّمَار فأفنوها بِلَا مَانع وَلَا دَافع وتحرك السّعر وانقطعت السابلة وَوَقع التأهب للحصار ووافت رسل نور الدّين إِلَى وُلَاة الْبَلَد يَقُول أَنا مَا أوثر إِلَّا صَلَاح أَمر الْمُسلمين وَجِهَاد الْمُشْركين وخلاص من فِي أَيْديهم من الْأُسَارَى فَإِن ظهرتم معي فِي عَسْكَر دمشق وتعاضدنا على الْجِهَاد فَذَلِك المُرَاد
فَلم يعد الْجَواب إِلَيْهِ بِمَا يرضاه فَنزل فِي أَرض مَسْجِد الْقدَم وَمَا وَالَاهُ من الشرق والغرب
وَبلغ مُنْتَهى الخيم إِلَى الْمَسْجِد الْجَدِيد قبلى الْبَلَد
قلت هُوَ الَّذِي يُسمى فِي زَمَاننَا بمقبرة الْمُعْتَمد بَين مَسْجِد الْقدَم وَمَسْجِد فلوس
قَالَ وَهَذَا منزل مَا نزله أحد من مقدمى العساكر فِيمَا سلف من السنين وأهمل الزَّحْف إِلَى الْبَلَد إشفاقا من قتل النُّفُوس
ووصلت الْأَخْبَار باحتشاد الفرنج واجتماعهم لإنجاد أهل دمشق فضاقت صُدُور أهل الصّلاح وَزَاد إنكارهم لمثل هَذِه الْأَحْوَال الْمُنكرَة والمناوشات فِي كل يَوْم
стр. 246
مُتَّصِلَة من غير مزاحفة وَلَا محاربة
فَلم يزل ذَلِك إِلَى ثَالِث عشر صفر فَرَحل الْعَسْكَر النورى من هَذِه الْمنزلَة وَنزل فِي أَرَاضِي فذايا وحلقبلتين والخامسين المصاقبة للبلد وَمَا عرف فى قديم الزَّمَان من أقدم على الدنو مِنْهَا
ثمَّ رَحل فِي الْعشْرين من صفر إِلَى نَاحيَة داريا لتواصل الإرجاف بِقرب عَسَاكِر الإفرنج من الْبَلَد لقُوَّة عزمه على لقائهم
وَصَارَ الْعَسْكَر النوري فِي عدد لَا يُحْصى وَفِي كل يَوْم يزْدَاد بِمَا يتواصل من الْجِهَات وَطَوَائِف التركمان وَنور الدّين مَعَ هَذِه الْحَال لَا يَأْذَن لأحد من عسكره فِي التسرع إِلَى قتال أحد من الْمُسلمين وَكَانُوا يَعْنِي أهل الْبَلَد يحملهم الْجَهْل والغرور على التسرع والظهور وَلَا يعودون إِلَّا خاسرين مفلولين
وَأقَام على هَذِه الصُّورَة ثمَّ رَحل إِلَى نَاحيَة الأعوج لقرب عَسْكَر الإفرنج وعزمهم على قَصده وَاقْتضى رَأْيه الرحيل إِلَى نَاحيَة الزبداني استجرارا لَهُم وأفرق من عسكره فريقاً يناهز أَرْبَعَة آلَاف فَارس مَعَ جمإعة من المقدمين ليكونوا فِي أَعمال حوران مَعَ الْعَرَب لقصد الإفرنج ولقائهم وترقبا لوصولهم وَخُرُوج الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي إِلَيْهِم واجتماعهم بهم ثمَّ يقاطع عَلَيْهِم
وَاتفقَ أَن عَسْكَر الإفرنج رَحل عقيب رحيله إِلَى الأعوج وَنزل بِهِ فِي ثَالِث ربيع الأول وَدخل مِنْهُم خلق كثير إِلَى الْبَلَد لقَضَاء حوائجهم
стр. 247
وَخرج مجير الدّين ومؤيده فِي خواصهما وَجَمَاعَة وافرة من الرّعية واجتمعا بملكهم وخواصه وَمَا صادفا عِنْده شَيْئا مِمَّا هجس فِي النُّفُوس من كَثْرَة وَلَا قُوَّة وتقرر بَينهم النُّزُول بالعسكرين على حصن بصرى لتملكه واستغلال اعماله
ثمَّ رَحل عَسْكَر الإفرنج إِلَى رَأس المَاء وَلم يتهيأ خُرُوج الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي إِلَيْهِم لعجزهم وَاخْتِلَافهمْ وَقصد من كَانَ بحوران من الْعَسْكَر النوري وَمن انضاف إِلَيْهِم من الْعَرَب فِي خلق كثير نَاحيَة الإفرنج للإيقاع بهم والنكاية فيهم والتجأ عَسْكَر الإفرنج إِلَى لجاة حوران للاعتصام بهَا ونمي الْخَبَر إِلَى نور الدّين فَرَحل وَنزل على عين الْجَرّ من الْبِقَاع عَائِدًا إِلَى دمشق وطالبا قصد الفرنج والعسكر الدِّمَشْقِي
وَكَانَ الإفرنج حِين اجْتَمعُوا مَعَ الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي قد قصدُوا بصرى لمضايقتها ومحاربتها فَلم يتهيأ ذَلِك لَهُم وَظهر إِلَيْهِم سرخاك واليها فِي رِجَاله وعادوا عَنْهَا خاسرين وانكفأ عَسْكَر الفرنج إِلَى أَعماله وراسلوا مجير الدّين ومؤيده يَلْتَمِسُونَ بَاقِي القطيعة المبذولة لَهُم على ترحيل نور الدّين عَن دمشق وَقَالُوا لَوْلَا نَحن نَدفعه مَا رَحل عَنْكُم
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي هَذِه الْأَيَّام ورد الْخَبَر بوصول الأسطول الْمصْرِيّ إِلَى ثغور السَّاحِل فِي غايٍة من الْقُوَّة وَكَثْرَة من الْعدة وَالْعدة وَذكر أَن عدَّة مراكبه سَبْعُونَ مركبا حربية مشحنة بِالرِّجَالِ وَلم يخرج مثله فِي السنين الخالية وَقد أنْفق عَلَيْهِ فِيمَا حُكيَ وَقرب ثَلَاث مئة ألف دِينَار
وَقرب من يافا من ثغور الفرنج فَقتلُوا واسروا وأحرقوا مَا ظفروا بِهِ واستولوا على عدَّة وافرة من
стр. 248
مراكب الرّوم والإفرنج ثمَّ قصدُوا ثغر عكا فَفَعَلُوا فِيهِ مثل ذَلِك وَحصل فِي أَيْديهم عدَّة وافرة من المراكب الحربية الفرنجية وَقتلُوا من حجاجهم وَغَيرهم خلقا عَظِيما وقصدوا ثغر صيدا وبيروت وطرابلس وفعلوا فِي الْكل مثل ذَلِك ووعد نور الدّين بمسيره إِلَى نَاحيَة الأسطول الْمَذْكُور لإعانته على تدويخ الفرنجية فاتفق اشْتِغَاله بِأَمْر دمشق وَعوده إِلَيْهَا لمضايقتها وَحدث نَفسه بملكها لعلمه بضعفها وميل الأجناد والرعية إِلَيْهِ وإشارتهم لولايته وعدله
قَالَ وَذكر أَن نور الدّين أَمر بِعرْض عسكره فَبلغ كَمَال ثَلَاثِينَ ألفا مقاتلة ثمَّ رَحل وَنزل بالدلهمية من عمل الْبِقَاع ثمَّ نزل بِأَرْض كوكبا غربي دارَيّا ثمَّ نزل بارض دارَيّا إِلَى جسر الْخشب وَنُودِيَ فِي الْبَلَد بِخُرُوج الأجناد والأحداث إِلَيْهِ فَلم يظْهر مِنْهُم إِلَّا الْيَسِير مِمَّن كَانَ يخرج أَولا ثمَّ تقدم وَنزل القطيعة وَمَا والاها ودنا مِنْهَا بِحَيْثُ قرب من الْبَلَد وَوَقعت المناوشة بَين الْفَرِيقَيْنِ من غير زحف وَلَا شدّ فِي محاربة تحرجا من قتل الْمُسلمين وَقَالَ لَا حَاجَة إِلَى قتل الْمُسلمين بأيدي بَعضهم بَعْضًا وَأَنا أرفُههم ليَكُون بذل نُفُوسهم فِي مجاهدة الْمُشْركين
قَالَ وَورد الْخَبَر إِلَى نور الدّين بتسلم نَائِبه الْأَمِير حسان المنبجي مَدِينَة تل بَاشر بالأمان فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول وَورد مَعَ
стр. 249
المبشر جمَاعَة من أَعْيَان تل بَاشر لتقرير الْأَحْوَال
وترددت المراسلات فِي عقد الصُّلْح مَعَ أهل دمشق على شُرُوط واقتراحات وَتردد فِيهَا الْفَقِيه برهَان الدّين عَليّ الْبَلْخِي والأمير أَسد الدّين شيركوه وَأَخُوهُ نجم الدّين أَيُّوب وتقارب الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى أَن اسْتَقَرَّتْ الْحَال على قبُول الشُّرُوط المقترحة وَوَقعت الْأَيْمَان من الْجِهَتَيْنِ على ذَلِك وَالرِّضَا بِهِ فِي عَاشر ربيع الآخر
ثمَّ رَحل نور الدّين من الْغَد طَالبا نَاحيَة بصرى للنزول عَلَيْهَا وَالْتمس من دمشق مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة من آلَات الْحَرْب لِأَن سرخاك كَانَ شاع خِلَافه وعصيانه وَمَال إِلَى الفرنج فاعتضد بهم فَأنْكر نور الدّين ذَلِك عَلَيْهِ وأنهض إِلَيْهِ فريقا وافراً من عسكره
قلت وَلابْن مُنِير فِي نور الدّين يذكر وقْعَة الجولان وَغَيرهَا قصيدة أَولهَا
(مَا برقتْ بيضك فِي غمامها ... إِلَّا وغيث الدّين لابتسامها) يَقُول فِيهَا
(مَحْمُود الْمَحْمُود جدا وجدا ... أرخص جلد الأَرْض حكم عامها)
(ملك أَزَال الرّوم عَن صلبانها ... دفاعه وكب من أصنامها)
(جال على الجولان أمس جَوْلَة ... صفرت الأدحي من نعامها)
(والجون قد جرعها أجونه ... وفل مشحوذا من اعتزامها)
(وَشد فِي الْقد لَهُ مليكها ... قَود عتود القوط فِي شبامها)
стр. 250
(وَفِي الرّها صابت لَهُ سَحَابَة ... صَارُوا جُفَاء خف فِي التطامها)
(وهب فِي هاب لَهُ عواصف ... تجهمتها الهف من جهامها)
(وَكفر لاثا لاث فِي جبينها ... لثم ظبى أَتَت على لثامها)
(وقائع يرفضُّ تَحت وقعها ... نظم الثريا فِي فضا مصامها)
(فساعة الْبيض إِذا عدّدها ... سَوط عَذَاب صب فِي أَيَّامهَا)
(وَاعجبا لعُصب الشّرك الَّتِي ... لم يعصب الرشد على أحلامها)
(حِكْمَة استواؤها فِي غيّها ... فِي نقض مَا أحصد من إبرامها)
(مظفر الرَّايَات والرأي إِذا الحربُ ... مشت تعثر فِي خطامها)
(عدت بِهِ حد الْعَلَاء همم ... هن النُّجُوم أَو نواصي هامها)
(جلت لَهُ الدُّنْيَا حلى زبرجها ... عفوا فَلم يلو على حطامها)
(رَأَتْهُ وَهُوَ اللَّيْث يدمي ظفره ... أنفذ فِي الْمُشكل من حكامها)
(فتوجته الْعِزّ فِي مرتبَة ... تمنطق الجوزاء فِي نظامها)
(غَضْبَان لِلْإِسْلَامِ لَا يغيظه استسلامها ... للقسر من إسْلَامهَا)
(خطّ على مثل أَب طاعت لَهُ الْآفَاق واستشرف لاغتنامها)
(تصرف الدُّنْيَا على إيثاره ... وعراقها مستردفا بشامها)
(لَو لم تكن دون منى فَاتَ المنى ... وأقعد الفائز من قوامها)
(وامتك مَاء مَكَّة رواضع ... يقصر بَاعَ الدَّهْر عَن فطامها)
(وَصَارَ كالجمر الْجمار وخلا ... من أَهله الْأَشْرَف من مقَامهَا)
(حميتها لَا زلت ترقى فِي حمى ... من مؤلم الأرداء أَو لمامها)
следующие страницы →