Полный текст (1 810 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مُتَّصِلَة من غير مزاحفة وَلَا محاربة
فَلم يزل ذَلِك إِلَى ثَالِث عشر صفر فَرَحل الْعَسْكَر النورى من هَذِه الْمنزلَة وَنزل فِي أَرَاضِي فذايا وحلقبلتين والخامسين المصاقبة للبلد وَمَا عرف فى قديم الزَّمَان من أقدم على الدنو مِنْهَا
ثمَّ رَحل فِي الْعشْرين من صفر إِلَى نَاحيَة داريا لتواصل الإرجاف بِقرب عَسَاكِر الإفرنج من الْبَلَد لقُوَّة عزمه على لقائهم
وَصَارَ الْعَسْكَر النوري فِي عدد لَا يُحْصى وَفِي كل يَوْم يزْدَاد بِمَا يتواصل من الْجِهَات وَطَوَائِف التركمان وَنور الدّين مَعَ هَذِه الْحَال لَا يَأْذَن لأحد من عسكره فِي التسرع إِلَى قتال أحد من الْمُسلمين وَكَانُوا يَعْنِي أهل الْبَلَد يحملهم الْجَهْل والغرور على التسرع والظهور وَلَا يعودون إِلَّا خاسرين مفلولين
وَأقَام على هَذِه الصُّورَة ثمَّ رَحل إِلَى نَاحيَة الأعوج لقرب عَسْكَر الإفرنج وعزمهم على قَصده وَاقْتضى رَأْيه الرحيل إِلَى نَاحيَة الزبداني استجرارا لَهُم وأفرق من عسكره فريقاً يناهز أَرْبَعَة آلَاف فَارس مَعَ جمإعة من المقدمين ليكونوا فِي أَعمال حوران مَعَ الْعَرَب لقصد الإفرنج ولقائهم وترقبا لوصولهم وَخُرُوج الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي إِلَيْهِم واجتماعهم بهم ثمَّ يقاطع عَلَيْهِم
وَاتفقَ أَن عَسْكَر الإفرنج رَحل عقيب رحيله إِلَى الأعوج وَنزل بِهِ فِي ثَالِث ربيع الأول وَدخل مِنْهُم خلق كثير إِلَى الْبَلَد لقَضَاء حوائجهم
стр. 247
وَخرج مجير الدّين ومؤيده فِي خواصهما وَجَمَاعَة وافرة من الرّعية واجتمعا بملكهم وخواصه وَمَا صادفا عِنْده شَيْئا مِمَّا هجس فِي النُّفُوس من كَثْرَة وَلَا قُوَّة وتقرر بَينهم النُّزُول بالعسكرين على حصن بصرى لتملكه واستغلال اعماله
ثمَّ رَحل عَسْكَر الإفرنج إِلَى رَأس المَاء وَلم يتهيأ خُرُوج الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي إِلَيْهِم لعجزهم وَاخْتِلَافهمْ وَقصد من كَانَ بحوران من الْعَسْكَر النوري وَمن انضاف إِلَيْهِم من الْعَرَب فِي خلق كثير نَاحيَة الإفرنج للإيقاع بهم والنكاية فيهم والتجأ عَسْكَر الإفرنج إِلَى لجاة حوران للاعتصام بهَا ونمي الْخَبَر إِلَى نور الدّين فَرَحل وَنزل على عين الْجَرّ من الْبِقَاع عَائِدًا إِلَى دمشق وطالبا قصد الفرنج والعسكر الدِّمَشْقِي
وَكَانَ الإفرنج حِين اجْتَمعُوا مَعَ الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي قد قصدُوا بصرى لمضايقتها ومحاربتها فَلم يتهيأ ذَلِك لَهُم وَظهر إِلَيْهِم سرخاك واليها فِي رِجَاله وعادوا عَنْهَا خاسرين وانكفأ عَسْكَر الفرنج إِلَى أَعماله وراسلوا مجير الدّين ومؤيده يَلْتَمِسُونَ بَاقِي القطيعة المبذولة لَهُم على ترحيل نور الدّين عَن دمشق وَقَالُوا لَوْلَا نَحن نَدفعه مَا رَحل عَنْكُم
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي هَذِه الْأَيَّام ورد الْخَبَر بوصول الأسطول الْمصْرِيّ إِلَى ثغور السَّاحِل فِي غايٍة من الْقُوَّة وَكَثْرَة من الْعدة وَالْعدة وَذكر أَن عدَّة مراكبه سَبْعُونَ مركبا حربية مشحنة بِالرِّجَالِ وَلم يخرج مثله فِي السنين الخالية وَقد أنْفق عَلَيْهِ فِيمَا حُكيَ وَقرب ثَلَاث مئة ألف دِينَار
وَقرب من يافا من ثغور الفرنج فَقتلُوا واسروا وأحرقوا مَا ظفروا بِهِ واستولوا على عدَّة وافرة من
стр. 248
مراكب الرّوم والإفرنج ثمَّ قصدُوا ثغر عكا فَفَعَلُوا فِيهِ مثل ذَلِك وَحصل فِي أَيْديهم عدَّة وافرة من المراكب الحربية الفرنجية وَقتلُوا من حجاجهم وَغَيرهم خلقا عَظِيما وقصدوا ثغر صيدا وبيروت وطرابلس وفعلوا فِي الْكل مثل ذَلِك ووعد نور الدّين بمسيره إِلَى نَاحيَة الأسطول الْمَذْكُور لإعانته على تدويخ الفرنجية فاتفق اشْتِغَاله بِأَمْر دمشق وَعوده إِلَيْهَا لمضايقتها وَحدث نَفسه بملكها لعلمه بضعفها وميل الأجناد والرعية إِلَيْهِ وإشارتهم لولايته وعدله
قَالَ وَذكر أَن نور الدّين أَمر بِعرْض عسكره فَبلغ كَمَال ثَلَاثِينَ ألفا مقاتلة ثمَّ رَحل وَنزل بالدلهمية من عمل الْبِقَاع ثمَّ نزل بِأَرْض كوكبا غربي دارَيّا ثمَّ نزل بارض دارَيّا إِلَى جسر الْخشب وَنُودِيَ فِي الْبَلَد بِخُرُوج الأجناد والأحداث إِلَيْهِ فَلم يظْهر مِنْهُم إِلَّا الْيَسِير مِمَّن كَانَ يخرج أَولا ثمَّ تقدم وَنزل القطيعة وَمَا والاها ودنا مِنْهَا بِحَيْثُ قرب من الْبَلَد وَوَقعت المناوشة بَين الْفَرِيقَيْنِ من غير زحف وَلَا شدّ فِي محاربة تحرجا من قتل الْمُسلمين وَقَالَ لَا حَاجَة إِلَى قتل الْمُسلمين بأيدي بَعضهم بَعْضًا وَأَنا أرفُههم ليَكُون بذل نُفُوسهم فِي مجاهدة الْمُشْركين
قَالَ وَورد الْخَبَر إِلَى نور الدّين بتسلم نَائِبه الْأَمِير حسان المنبجي مَدِينَة تل بَاشر بالأمان فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول وَورد مَعَ
стр. 249
المبشر جمَاعَة من أَعْيَان تل بَاشر لتقرير الْأَحْوَال
وترددت المراسلات فِي عقد الصُّلْح مَعَ أهل دمشق على شُرُوط واقتراحات وَتردد فِيهَا الْفَقِيه برهَان الدّين عَليّ الْبَلْخِي والأمير أَسد الدّين شيركوه وَأَخُوهُ نجم الدّين أَيُّوب وتقارب الْأَمر فِي ذَلِك إِلَى أَن اسْتَقَرَّتْ الْحَال على قبُول الشُّرُوط المقترحة وَوَقعت الْأَيْمَان من الْجِهَتَيْنِ على ذَلِك وَالرِّضَا بِهِ فِي عَاشر ربيع الآخر
ثمَّ رَحل نور الدّين من الْغَد طَالبا نَاحيَة بصرى للنزول عَلَيْهَا وَالْتمس من دمشق مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجة من آلَات الْحَرْب لِأَن سرخاك كَانَ شاع خِلَافه وعصيانه وَمَال إِلَى الفرنج فاعتضد بهم فَأنْكر نور الدّين ذَلِك عَلَيْهِ وأنهض إِلَيْهِ فريقا وافراً من عسكره
قلت وَلابْن مُنِير فِي نور الدّين يذكر وقْعَة الجولان وَغَيرهَا قصيدة أَولهَا
(مَا برقتْ بيضك فِي غمامها ... إِلَّا وغيث الدّين لابتسامها) يَقُول فِيهَا
(مَحْمُود الْمَحْمُود جدا وجدا ... أرخص جلد الأَرْض حكم عامها)
(ملك أَزَال الرّوم عَن صلبانها ... دفاعه وكب من أصنامها)
(جال على الجولان أمس جَوْلَة ... صفرت الأدحي من نعامها)
(والجون قد جرعها أجونه ... وفل مشحوذا من اعتزامها)
(وَشد فِي الْقد لَهُ مليكها ... قَود عتود القوط فِي شبامها)
стр. 250
(وَفِي الرّها صابت لَهُ سَحَابَة ... صَارُوا جُفَاء خف فِي التطامها)
(وهب فِي هاب لَهُ عواصف ... تجهمتها الهف من جهامها)
(وَكفر لاثا لاث فِي جبينها ... لثم ظبى أَتَت على لثامها)
(وقائع يرفضُّ تَحت وقعها ... نظم الثريا فِي فضا مصامها)
(فساعة الْبيض إِذا عدّدها ... سَوط عَذَاب صب فِي أَيَّامهَا)
(وَاعجبا لعُصب الشّرك الَّتِي ... لم يعصب الرشد على أحلامها)
(حِكْمَة استواؤها فِي غيّها ... فِي نقض مَا أحصد من إبرامها)
(مظفر الرَّايَات والرأي إِذا الحربُ ... مشت تعثر فِي خطامها)
(عدت بِهِ حد الْعَلَاء همم ... هن النُّجُوم أَو نواصي هامها)
(جلت لَهُ الدُّنْيَا حلى زبرجها ... عفوا فَلم يلو على حطامها)
(رَأَتْهُ وَهُوَ اللَّيْث يدمي ظفره ... أنفذ فِي الْمُشكل من حكامها)
(فتوجته الْعِزّ فِي مرتبَة ... تمنطق الجوزاء فِي نظامها)
(غَضْبَان لِلْإِسْلَامِ لَا يغيظه استسلامها ... للقسر من إسْلَامهَا)
(خطّ على مثل أَب طاعت لَهُ الْآفَاق واستشرف لاغتنامها)
(تصرف الدُّنْيَا على إيثاره ... وعراقها مستردفا بشامها)
(لَو لم تكن دون منى فَاتَ المنى ... وأقعد الفائز من قوامها)
(وامتك مَاء مَكَّة رواضع ... يقصر بَاعَ الدَّهْر عَن فطامها)
(وَصَارَ كالجمر الْجمار وخلا ... من أَهله الْأَشْرَف من مقَامهَا)
(حميتها لَا زلت ترقى فِي حمى ... من مؤلم الأرداء أَو لمامها)
стр. 251
(تُلْبس بَيت الله وشى يَمَن ... يقْرَأ آياتك من أعلامها)
(فَإِنَّمَا الدّين رحى قطبتها ... وبازل مُكّنت من زمامها)
(أمّت بِنَا الآمال مِنْك كعبة ... سلم اللَّيَالِي آيَة استسلامها)
(وأرشفتنا بك ثغر نعْمَة ... لَا نسْأَل الله سوى دوامها)
وَقَالَ أَيْضا يمدحه
(بجدك أصحب الْجد الحزون ... وأطلع فجره الْفَتْح الْمُبين)
(وَفِي كنفيك سولمت اللَّيَالِي ... وَفَارق طبعه الزَّمن الخؤون)
(ومنك تعلم الْقطع المواضي ... وَقد زبنت بهَا الْحَرْب الزبون)
(وَأَنت السَّيْف لم تمسسه نَار ... وَلَا شحذت مضاربه القيون)
(ترَقْرقُ فَوق صفحته الْأَمَانِي ... وتقطر من غراريه الْمنون)
(وقبلك مَا سَمِعت بذى فقار ... يبُير الْفقر كَانَ وَلَا يكون)
(وَلَا غيث سماوته سَرِير ... وَلَا لَيْث وسادته عرين)
(وَلَا قمر لَهُ الهيجاء هال ... وَلَا تَاج لَهُ الدُّنْيَا جبين)
(جبلت ندى وعفوا وانتقاما ... وَمَاء كل مجبول وطين)
(وملكك عمم الأقطار قطرا ... فأمرعت الأواعث والحزون)
(تلألأ تَحْتَهُ غرر اللَّيَالِي ... إِذْ الْأَيَّام عِنْد سواك جون)
(وَأَنت أَقمت للجدوى مناراً يبين لشائميه وَلَا يبين)
(وعندك مشرب النعمى زلال ... إِذا عنفت مشاربها الأجون)
(تحكم فِي عطائك كل عاط ... وَقد شيدت من الُمنع الْحُصُون)
(لقد أشعرت دين الله عزا ... تتيه لَهُ المشاعر والحجون)
стр. 252
(وَقَامَ بنصره وَالنَّاس فوضى ... قوى مِنْك فِي الجلى أَمِين)
(رجعت مُلُوكهمْ وهم خيوف ... أَسِير فِي صفادك أَو كنين)
(فبرنست الْبُرْنُس لقاع خسف ... وجرع مرّ جوسك جوسلين)
(إِذا مَا الْفِعْل عُلَّ تلاه حذف ... يتاح لمنتهاهُ أَو سُكُون)
(غنوا حَتَّى غزوتهم فغنى الصدى ... فِي أَرضهم خف القطين)
(وَكم عبر الصَّلِيب بهم صليبا ... فَردته قناك وَفِيه لين)
(وَمَا خطرت بدار الشّرك إِلَّا ... هوى الناقوس وارتفع الأذين)
(مَلَأت عِظَام ساحِهُم عظاما ... فَكل مَلأ لقوك بِهِ جرين)
(بإنب والقنا تجْرِي نجيعا ... كَأَن عُيُون أكعبها عُيُون)
(وَبَين حِرار صرخد ذُبْنَ حَرًّا ... لَهُ فِي كل خبخبة كمين)
(وفئن من العُرَيْمة فِي عَرام ... لَهُ فِي جونها الْأَقْصَى وجون)
(وَكم حرم بحارم غادرته ... ودارته لمنسفها درين)
(وَفِي شعراء قُورُس صغن شعرًا ... تدار على غراريه اللحون)
(وقائع صِرْن فِي صنعاء طيرا ... يوقعها على عدن عدون)
(نماك أَب إِذا عد انتسابا ... تراقى مصعدا وَالنَّاس دون)
(شمالا كَانَ أَمْلَاك البرايا ... وَقد قيسوا بِهِ وَهُوَ الْيَمين)
(قضى وقضاؤه فِي الأَرْض حتم ... وَطَاعَة أَهلهَا لِبَنِيهِ دين)
(لهَذَا الْيَوْم تنتخب القوافي ... ويذخر نَفسه الدّرّ المصون)
(وَنحن أَحَق مِنْك بِأَن نهنا ... إِذا قرّت برؤَيِتك الْعُيُون)
(سلمت لنا فَإنَّا كل صَعب ... نوازنه بِأَن تبقى يهون)
(ترابطنا بعقوتك التهاني ... وتغبطنا بدولتك الْقُرُون)
стр. 253
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ أَبُو يعلى وَورد الْخَبَر من نَاحيَة ديار مصر بِأَن أهل دمياط حدث فيهم فنَاء مَا عهد مثله فِي حَدِيث وَلَا قديم بِحَيْثُ أحصي الْمَفْقُود مِنْهُم فِي سنة خمس وَأَرْبَعين سَبْعَة آلَاف شخص وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين مثلهم فَصَارَ الْجَمِيع أَرْبَعَة عشر ألفا وخلت دور كَثِيرَة من أَهلهَا وَبقيت مغلقة لَا سَاكن فِيهَا وَلَا طَالب لَهَا
قَالَ وَفِي ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة توفى القَاضِي السديد الْخَطِيب أَبُو الْحُسَيْن بن أبي الْحَدِيد خطيب دمشق وَكَانَ خَطِيبًا بليغا صيتًا عفيفا وَلم يكن لَهُ من يقوم مقَامه فِي منصبه سوى أَبى الْحسن الْفضل ولد وَلَده وَهُوَ حدث السن فنصب مَكَانَهُ وخطب وَصلى بِالنَّاسِ وَاسْتمرّ الْأَمر لَهُ وَمضى فِيهِ
قَالَ ووردت الحكايات بحدوث زَلْزَلَة وأفت اللَّيْلَة الثَّالِثَة عشرَة من جُمَادَى الاخرة اهتزت الأَرْض لَهَا ثَلَاث رجفات فِي أَعمال بُصرى وحوران وَمَا والاها من سَائِر الْجِهَات وهدمت عدَّة وافرة من حيطان الْمنَازل ببصرى وَغَيرهَا ثمَّ سكنت بقدرة من حركها سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
стр. 254
قَالَ وَفِي ثَانِي عشر رَجَب توجه مجير الدّين صَاحب دمشق إِلَى حلب فِي خواصه وَوصل إِلَيْهَا وَدخل على نور الدّين صَاحبهَا فَأكْرمه وَبَالغ فِي الْفِعْل الْجَمِيل فِي حَقه وَقرر مَعَه تقريرات اقترحها عَلَيْهِ بعد أَن بذل لَهُ الطَّاعَة وَحسن النِّيَابَة عَنهُ فِي دمشق وَرجع إِلَى دمشق مَسْرُورا فِي سادس شعْبَان
قلت وَفِي ذَلِك يَقُول القيسراني
(وفت لَك الدُّنْيَا بميعادها ... باذلة أفلاذ أكبادها)
(وأوفدت غر سلاطينها ... عَلَيْك فِي بهمة أنجادها)
(تبغى سناء اقصدت قَصده ... طَائِعَة طَاعَة أجنادها)
(خاضعة تَعْتَد أعمارها ... يَوْم التلاقي يَوْم ميلادها)
(شامت دمشق بك بَرْق الْعلَا ... فَأرْسلت أصدق روّادها)
(رأتك نور الدّين نَار الْهدى ... قد اشرق الْأُفق بإيقادها)
(فيممت مِنْك حَيا مزنة ... بيض الأيادي ورد ورّادها)
(فاسأل مجير الدّين عَن خُبره ... أوردهَا مَحْمُود إيرادها)
(تبوأت من عزها قبَّة ... سُمر القنا أطناب أوتادها)
(تنافس النَّاس على دولة ... فت بهَا أعين حسادها)
(يَغْدُو المعُادي كالموالى لَهَا ... فوالها إِن شِئْت أَو عادها)
(يَا ملكا تزهى بأسمائه ... مَنَابِر تسمو بأعوادها)
(وَتَأْخُذ الأسماع أَوْصَافه ... عَن جمع الدُّنْيَا وأعيادها)
стр. 255
(كمْ للمعالي فِيك من رغبةٍ ... تفنى الْأَمَانِي دون تعدادها)
(لَك المساعي الغر يَا جَامعا ... من طرفيها بَين أضدادها)
(تغشى الوغى أَفرس فرسانها ... وَفِي التقى أزْهد زهادها)
(فَأَنت نُسْكاً غيث أبدالها ... وَأَنت فتكا لَيْث آسادها)
(فِي أمّة أَنْت حِمَى دينهَا ... حينا وحينا شمس عبادها)
(يطوى بك العمرُ إِلَى غايةٍ ... حَسبك تقوى الله من زَادهَا)
(هَذَا وَكم من سنة بدعةٍ ... أعدمْتها من بعد إيجادها)
(مآثرٌ لَو عَدِمت رَاوِيا ... تكفَّل النّظم بإسنادها)
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي أَوَاخِر شعْبَان أغار بعض التّركمان على ظَاهر بانياس فَخرج إِلَيْهِم واليها من الإفرنج فِي أَصْحَابه وَظهر التركمان عَلَيْهِم فَقتلُوا وأسروا
وَفِي رَمَضَان قصد بعض الفرنج نَاحيَة من الْبِقَاع وأغاروا فأنهض إِلَيْهِم وَالِي بعلبك رجالة
فلحقوهم وَقد أرسل الله عَلَيْهِم من الثلوج المتداركة مَا ثبطهم فاستخلصوا مِنْهُم الْغَنِيمَة
قلت والى بعلبك هَذَا هُوَ نجم الدّين أيّوب وَالِد صَلَاح الدّين يُوسُف
قَالَ ابْن أبي طي فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين أغار التركمان على بانياس فَخرج أهل بانياس من الفرنج ليستنقذوا مَا أَخَذُوهُ فَعَاد التركمان عَلَيْهِم فكسروهم ونهبوهم واتصل ذَلِك بِصَاحِب دمشق فأغضبه فعل التركمان لِمَكان الْهُدْنَة المنعقدة بَينه وَبَين الفرنج فأنفذ عسكراً إِلَى التركمان
стр. 256
استعاد مِنْهُم مَا أَخَذُوهُ واتصل خبر التركمان بالفرنج فجيشوا وَخَرجُوا فِي جَيش عَظِيم وشنوا الْغَارة على الْبِقَاع وَالنَّاس غافلون فامتلأت أَيْديهم من الْغَنَائِم وَالْأسَارَى واتصل خبر غَارة الفرنج بِنَجْم الدّين أَيُّوب وَهُوَ فِي بعلبك وَعِنْده جمَاعَة من عَسْكَر دمشق وَأَصْحَابه فَقدم عَلَيْهِم وَلَده شمس الدولة فَخرج وأوقع بالفرنج وَاتفقَ أَنه كَانَ قد أصَاب الفرنج ثلج عَظِيم هلك بِهِ أَكْثَرهم وَجَاء شمس الدولة وهم متورطون فَقتل فيهم مقتلة عَظِيمَة وخلص من كَانَ مَعَ الفرنج من الْأُسَارَى
قَالَ وَفِي هَذِه السّنة فَارق صَلَاح الدّين وَالِده وَصَارَ إِلَى خدمَة عَمه أَسد الدّين بحلب فقدّمه بَين يَدي نور الدّين فَقبله واقطعه إقطاعا حسنا
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي ثَانِي شَوَّال وَهُوَ الثّاني من شباط وافت قُبيل الظّهْر زَلْزَلَة اهتزت لَهَا الأَرْض ثَلَاث هزات هائلة وتحركت الدّور والجدران ثمَّ سكنت
قلت وَفِي هَذِه السّنة فِي غرَّة جُمَادَى الأولى كتب أَحْمد بن مُنِير من حماة إِلَى نور الدّين قصيدة يهنئه بوصول الْخلْع إِلَيْهِ من بَغْدَاد من عِنْد الْخَلِيفَة على يَد الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون ويصف الْفرس الْأَصْفَر الْأسود القوائم والمعارف وَالسيف الْعَرَبِيّ أَولهَا
(لعلائك التأييد والتأميل ... ولملكك التَّأْبِيد والتكميل)
(أبدا تهم وتقتفي فتنال مَا ... عز الورى إِدْرَاكه وتنيل)
(إِمَّا كتاب يسْتَقلّ بِهِ الْكَتَائِب ... أَو رَسُول للنجاح رسيل)
стр. 257
(لَك من أبي سعد زعيم سَعَادَة ... فَمن تفاءل فِيك لَيْسَ يفيل)
(نعم الحسامُ جلوته وبلوته ... يرضيك حِين يصل ثمَّ يصول)
(سهم تُعّود فِي الكنانة عوده ... وَيقصر الْمَطْلُوب وَهُوَ طَوِيل)
(سددته فَمضى وقرطس صادرا ... كالنجم لَا وَهل وَلَا تهليل)
(فَثنى الْقُلُوب إِلَى ولائك حول ... مِنْهُ بِمَا يجني رضاك كَفِيل)
(وَأقَام ينشر فِي الْعرَاق ودجلة ... آيا تأولها لمصر النّيل)
(وكساك من رَأْي الْخَلِيفَة جنَّة ... لَا النّقص يُوهيها وَلَا التقليل)
(كنت الشريف أفضت فِي تشريفه ... مَاء عَلَيْهِ من سَناك دَلِيل)
(أليوسف لما طلعت مقرطقا ... طمثت حصانٌ واستخف أبيل)
(أم عَن سُلَيْمَان يفرج ضَاحِكا ... سجف الرواق وضعضع الكيول)
(ومملك فِي السرّج أم ملك سطت ... لبهائه عقلٌ وتاه عقول)
(وبرزت فِي لبس الْخلَافَة كالهلال ... جلاه فِي حلل الدجى التهليل)
(خلع خلعن على الْقُلُوب مَسَرَّة ... سدكا بهَا التَّعْظِيم والتبجيل)
(نثرت نضارا جَامِدا أعلامها ... وتكاد تجْرِي رقة وتسيل)
(لقضى لَهَا أَن لَا عديل لِفَخرها ... رب براك فَمَا تلاك عديل)
(أَنْت المهَّند مُنذ سَّلتْهُ العُلا ... لم يخلُ من مهج عَلَيْهِ تسيل)
(مذ هز قائمه الإِمَام تألقت ... غرر شدخن لملكه وحجول)
(والَيْت دولَته فتِهتَ بدولةٍ ... متُكلل بصعيدها الإكليل)
стр. 258
(ونصرته فحَلاك أَبيض دونه ... صَرْف الزَّمَان إِذا استكل كليل)
(قلدته وكلاكما متلهذم ... عضب فزان المغمد المسلول)
(وحبا ركابك حِين قر بزحفه الْقُرْآن ... واستخذى لهُ الْإِنْجِيل)
(بأَقب أصفر مشرف الْهَادِي لَهُ التحجيل ... لون واللما تحجيل)
(قسم الدجى بَين الغدائر والشوى ... واعتام رونقه الْأَصِيل أصيل)
(وتقاسم الراؤوه تَحْتك أَنه ... حيزوم صرف عطفه جِبْرِيل)
(يختال فِي حبك الحُلىّ مخيلا ... أَن الشّوامخ للبدور خُيُول)
(مُرْخَى الذوائب كالعروس يزينُه ... طرف بأطراف الرّماح كحيل)
(تتصاعق النعرات تَحت لبانه ... إِن شب زفر واستجش صَهِيل)
(لم يحب مثلك مثله مهد وَلم ... يشلل على برق سواهُ شليل)
وأنشده فِي هَذِه السّنة أَيْضا بحمص قصيدة مِنْهَا
(الدَّهْر أَنْت ودارك الدُّنْيَا وَمن ... فِي الْعد بعد مُؤَمل وحسود)
(وأزمة الأقدار طوع يَديك وَالْأَيَّام ... جندك والأنام عبيد)
(فت الورى وعقدت نَاصِيَة المدى ... بمذمر الشعري فَأَيْنَ تُرِيدُ)
(تال أَبَاك فَهَل سليمانٌ يُرى ... فِي الدَّست مهد مُلكه دَاوُد)
(جَلَّى وسدت مُصَليا لَا يرفع الْمَعْدُوم ... مَا لم يشفع الْمَوْجُود)
(لم يخُترم جدٌّ نماك وَلَا أَب ... إِن النباهة فِي الخليف خُلُود)
(شمخت منارُك فِي اليفاع وَأمّهَا ... من لم يسُدْ فَأَرتْه كَيفَ يسود)
(وهَبَبْت لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ مصوح ... فاهتز أهضاب ورق نجود)
(وفثأت جَمْرَة صالمية بصيلم ... يضع الأجنةَ يومُها الْمَشْهُود)
(خطمتهم فَوق الخطيم لوافح نفس الأرين لَو أرهن)
(ورُمُوا على الجولان مِنْك بجولة ... توئيدها نسر الضلال وئيد)
стр. 259
(ولحا عظامهم بعرقة عارق ... مَا زلت تمخض جوه فتجود)
(وشللت بالروج السُّرُوج وفوقها ... زرع تحصده الرماح حصيد)
(وعَلى عزاز عنوْا وثل عروشهم ... ملك مُقَيّد من عَصَاهُ مُقَيّد)
(وبتل باشِرَ باشُروك فعافسوا ... أهب الأساود حشوهنّ أسود)
(أودوا كَمَا أودى بعاد غيها ... وعقوا كَمَا استغوى الفصيل ثَمُود)
(إِن آلموا عقراً فَإنَّك صَالح ... أَو آلموا غدراً فَإنَّك هود)
(وزَّعتهم فبكُلّ مهِبط تَلْعَةٍ ... خدٌّ بِهِ من وازع أخدُود)
(وعصبتهم بعصائب ملْء الملا ... شَتَّى وَإِن خل البسالة عود)
(آثارها محمودة وإثارها ... مَشْهُودَة وشعارها مَحْمُود)
(لبست من اسْمك فِي الكريهة ملبسا ... يبْلى جَدِيد الدَّهْر وَهُوَ جَدِيد)
(وقصيرة الْآجَال طول بَاعهَا ... بوع يسامي هامها وقدود)
(مطرورة الأسلاب مذ هزعتها ... تاه الْهدى وتبختر التّوحيد)
(أشرعتها فعلي شَرِيعَة أَحْمد ... مِمَّا جنته بوارق وعقود)
(وَلكم نثرت نظيمها فِي موقف ... تغريد صالى حره التغريد)
(يجلو سناك ظلامه وَيحل مَا ... عقدت قناهُ لواؤك الْمَعْقُود)
(فِي هبوة زحم السَّمَاء رواقها ... وَالْأَرْض ترجف تَحْتَهُ وتميد)
(ضربت مخيمها فَكَانَ كماتها ... أوتاده القصوى وَأَنت عَمُود)
(فِي كل يَوْم من فتوحك صادِحٌ ... هزج الْغناء وطائر غريد)
(تهدي لغانة كأسه فرغانة ... وتسيغ زبدة مَا شداه زبيد)
стр. 260
(فغرار سَيْفك للأحابش محبس ... ومثار نقعك للصعيد صَعِيد)
(لَا تَعْدَ من هَذَا الْمُقَلّد أمة ... ملقى إِلَيْهِ لرعيها الإقليد)
(الْورْد قر والمسارح رحبة ... والرفد مد والظلال مديد)
(والعيش ابلج مشرق القسمات وَالْأَشْجَار ... غر والأصائل غيد)
(وَالْملك مَمْدُود الرواق منور الْآفَاق ... وضاء المنى مَحْسُود)
(فِي دولة مُذْ هَبّ نشر ربيعها ... نُشِر الرَفاتُ وأثمر الجُلمود)
(محمودة الْآثَار محمودية ... كل المواسم عِنْدهَا تعييد)
وَقَالَ يهنئه بليلة الميلاد ويصف النازلين فِي الْجَبَل من قلعة حلب قصيدة مِنْهَا
(هنيت زوري ذراك صومك والميلاد ... جَاءَا والسعد فِي نسق)
(فَذَاك بخلت فِيهِ كل ند ... وَذَاكَ أخملت فِيهِ كل تَقِيّ)
(وَجه كصدر الحسام تصبو لَهُ الْعين ... وينقد الْقلب من فرق)
(ومقلة شوقها ليقظتها ... شوق لحسادها إِلَى الأرق)
(ومرتقى تَعْجبُ السَّمَاء لَهُ ... إِذا استطالت إِلَيْهِ كَيفَ رقي)
(توجت شهباءها بمشرقة ... مشرفة شهبها على الْأُفق)
(جو تهاوى مِنْهُ كواكبه ... طرفه طرف رجوم مُسترق)
(فوارس تذْهلُ الفوارس أَن ... تهافت من أرشاقها الرّشق)
(من راكضٍ فِي الْهَوَاء أَهْوى من الْفَتْح ... مجر من تَحْتَهُ لبق)
(شاو من الْحَضَر لَو تحاوله الْخضر ... لزلت عَن موطئ زلق)
(يَقُول من دينه الفروسة مَا ... لاقك إِلَّا ضرب من الإلق)
(بَدائعٌ تغبط السَّمَاء بهَا الأَرْض ... وتذكي الإشفاق فِي الشَّفق)
стр. 261
(فِي دولة جمعت إيالتها ... من بدد الْحسن كل مفترق)
(تَزَّر أطواقُها على ملِك ... مكتفلٍ رزق كل مرتزق)
(مَحْمُود اسْما وميسما وندى ... واعتصب الدَّم كل مرتفق)
(طبّق طوفانُه فلسْت ترى ... إِلَّا مغيثا مشف على غرق)
(يَا بَحر لاَ خلق تدعى شبها ... فَاتَ المدى مَا حَويتَ من خُلُق)
(ملكك هَذَا الَّذِي تملأه ... صباه يجْرِي والدهر فِي طلق)
ثمَّ دخلت سنة سبع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
قَالَ أَبُو يعلى وَورد الْخَبَر فِي الْمحرم بنزول نور الدّين على حِصْن أنطرسوس فِي عسكره وافتتاحه وَقتل من كَانَ فِيهِ من الإفرنج وَطلب الْبَاقُونَ الْأمان على النُّفُوس فأجيبوا إِلَى ذَلِك ورتب فِيهِ الْحفظَة وَعَاد عَنهُ وَملك عدَّة من الْحُصُون بِالسَّبْيِ وَالسيف والإخراب والإحراق والأمان
قَالَ وَورد أَيْضا ظفر رجال عسقلان بالإفرنج المجاورين لَهُم بغَزة بِحَيْثُ هلك مِنْهُم الْعدَد الْكثير وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ
قلت وقرأت فِي ديوَان ابْن مُنِير يمدح نور الدّين ويهنئه بِفَتْح أنطرسوس ويحمور وعوْده عَنْهُمَا قصيدة مِنْهَا
(أبدا تباشر وَجه غزوك ضَاحِكا ... وتؤوب مِنْهُ مؤيداً منصورا)
(تدني لَك الأمل البعيدَ سواهُم ... محقت أهلتها وَكن بدورا)
(مثل السِّهَام لَو ابْتغى ذُو أرْبع ... فِي الجو مطلبا لَكِن طيورا)
стр. 262
(نبذت علائقها بحمص وأعلقت ... سحرًا بمعرق عرقه الأظفورا)
(وعدون صافيثاء لَاحَ شوارها ... قد أتلعت عُنقاً إِلَيْك مُشِيرا)
(الْقلب أَنْت فَإِن تعامى عَن هدى ... عُضْوٌ أهَابَ بِه فَعَاد بَصيرًا)
(عرفُوا مَكَانك والظهيرة بَينهم ... يفري بَيَاض أديمها ديجورا)
(أَيْن الذبال من من الغزالة أشرقت ... وَجها وطبقت البسيطة نورا)
(غضبانُ اقْسمْ لَا يَشيم حسامه ... وَالْأَرْض تحمل فِي الكُفور كَفورا)
(غسل العواصم أمس من أدرانهم ... وَالْيَوْم رد بِهِ السواحل بورا)
(لم يُبْقِ بَين الحولتين وآمد ... وترا لِمُضْطغنٍ ولاَ مَوتورا)
(أخلى ديار الشّرك من أوثانها ... حَتَّى غَدا ثالوثهن نكيرا)
(رفع الْقُصُور على نضَائد هامِهِم ... من بعد مَا جعل الْقُصُور قبورا)
(بشواحِب الألياط تقطو فِي الظلام ... قطا وتهوي فِي الصَّباح نسورا)
(غادرت أنطرسوس كالطرس امحى ... رسما وحمر درعها يحمورا)
(وَهِي الزِّنَاد لفتنة كَانَت على الْإِسْلَام ... أحكم كَسره إكسيرا)
(هتمت طرابلسا فَأصْبح ثغرها البسام ... من عز الثغور ثغيرا)
(إقليدها كَانَت وَقد أنطيته ... واسأل بِهِ مِمَّن دهته خَبِيرا)
(إِن الألى أمنُوا وقاعك بعْدهَا ... غروا وَقد ركبُوا الأغَرّ غرُورًا)
(ألق الْعَصَا فِيمَن أطَاع وَمن عصى ... مِنْهُم وَدَمرَ أَرضهم تدميرا)
(لَا يلههم أَن قد مننت وشنها ... شعواء تُصلى الْكَافرين سعيرا)
(باكر برَكز قِنَا تنسف أسها ... وَالْخَيْل صور كي تزيرك صورا)
(وتريك لامعة التريك بِسَاحَة الْأَقْصَى ... مُطهرة لَهَا تَطْهِيرا)
(أولَستَ من قوم إِذا هزوا القنا ... فتلوا معاصمهم لَهَا تسويرا)
стр. 263
(وَإِذا هم خطبوا اليراع عزيزة ... ساقوا الشفار على المهار مهورا)
(ألْقى قسيماهم إِلَيْك أزمة الْملك ... المطل على السُّها تَأْثِيرا)
(ضحِكت لَك الْأَيَّام واكتأب العدى ... قلقا فَجئْت مبشرا وَنَذِيرا)
(لَا ملك إِلَّا ملك مَحْمُود الّذي ... تَخِذَ الْكتاب مُظاهراً ووزيرا)
(تمشى وَرَاء حُدُوده أَحْكَامه ... تأتمهن فَيحكم التقديرا)
(بقظان ينشر عدله فِي دولةٍ ... جَاءَت لِمَطْوِىَّ السّماح نُشورا)
(خلف الخلائف قَائِما عَنْهُم بِمَا ... عَيُّوا بِهِ ألوى أَلد غيورا)
(الْبر والمعصوم وَالْمهْدِي والمأمون ... والسفاح والمنصورا)
(نشرُوا بِهِ فعهودهم وعهادهم ... يمْتَحن تَحت لوائه منشورا)
وأنشده بحلب فِي هَذِه السّنة قصيدة أوّلها
(المجدُ مَا أدرعت ثراك هضابه ... وتثقفتك شعوبه وشعابه)
(ملك تكنّفَ دين أَحْمد كنه ... فأضاء نِّيرهُ وصاب شهابه)
(فالعدل حَيْثُ تصرفت أَحْكَامه ... والأمن حَيْثُ تصرمت أسرابه)
(متهلل وَالْمَوْت فِي نبراته ... يُرْجَى ويرهب خَوفه وعقابه)
(عقد اللِّوَاء وَسَار يقدمهُ وَمَا ... حلت عقودَ تَميمِها أترابه)
(أَسد فرائسه الفوارس والظبى ... أَظْفَاره والسمهرية غابه)
(طبع الْحَدِيد فَكَانَ مِنْهُ جنانه ... وسنانه وإهابه وثيابه)
(ويهش إِن كبت الوجوهُ كانما ... أعداؤه تَحت الوغى أحبابه)
(نشرت بمحمود شَرِيعَة أَحْمد ... وَأرى الصّحابة مَا احتذاه صحابه)
(مَا غَابَ أصلع هَاشم فِيهَا وَلَا الْفَارُوق ... بَاء بخطبه خطّابه)
стр. 264
(أَبنَاء قيلة قائمون بنصره ... إِن أجلبت من قاسط احزابه)
(صبحوا محلقة الْبُرْنُس بحالق ... حرش الضباب من الْقُلُوب ضبابه)
(مَا زَالَ يغلب من بغاه ضلاله ... حَتَّى أتيح من الْهدى غلابه)
(ملقى بوحش الأصرمين تزيلت ... آرابه وتزايلت آلابه)
(دون الأرنط سخت بِهِ نجداته ... ونجاده وقرابه وقرابه)
(سلبته دُرّةَ تاجه يدُ ضيغم ... لم تنْجه من بأسه أسلابه)
(واتته تجلب جُوسلين جنائبٌ ... هّبت فقلّ إِلَى الْقِتَال هبابه)
(أسرته لَا منعت سراه وغره ... بالقاع إِن رام الْوُرُود سرابه)
(يمشي فتسمعه قعاقع قَيده ... هزجا تقيء دَمًا لَهُ أندابه)
(لَا تل بَاشرهُ وَلَا كيسونه ... صدت منّى عَنهُ وَلَا عنتابه)
(ضمنت شقاوته سَعَادَة صافحٍ ... غطى على إعناته إعتابه)
(مَا زَالَ يغدر ثمَّ يغدر قَادِرًا ... حَتَّى أَتَاهُ بجامح أَصْحَابه)
(قصر الْأَمَانِي أَن يملئ عصرك الْإِسْلَام مَضْرُوبا عَلَيْهِ حجابه)
(مجر يجر إِلَى الْغَنَائِم قبه ... وَحمى يزار على الْفتُوح قبابه)
وأنشده بحلب أَيْضا فِي شَوَّال من هَذِه السّنة قصيدة مِنْهَا
(لقد أوطأت دين الله عزَّا ... أَدِيم الشعريين لَهُ رغام)
(دعَاك وَقد تناوشت الرزايا ... لَهُ اهًباً يوزعها العذام)
стр. 265
(فَقُمْت بنصره وَالنَّاس فوضى ... فِئَام ذمّ مَا اقترفت فِئَام)
(جذبت بضْبِعه من قَعْر يّمٍ ... لَهُ من فَوق مقسمه التطام)
(صببت على الصَّلِيب صَلِيب بأسٍ ... قواه تَحت كلكله حطام)
(وملت على معاقلهم فخرت ... وَلَاء مثل مَا انْتقض النظام)
(بصرخد والخطيم وَفِي عزاز ... وقائع هز مشهدها الْأَنَام)
(وَلَو لم تعترق وتشم لأمسى ... واصبح لَا عراق وَلَا شآم)
(وَيَوْم بالعُرَيْمة كَانَ حتفاً ... على الْإِشْرَاك أمقره العرام)
(لقوك كَأَن مَا سلوه شيح ... وَمَا اعتقلوه من خور ثمام)
(وهاب وقورس وبكفر لاثا ... ذممت وَأَنت للجلىّ ذمام)
(صدمتهمُ بأرعنَ مُرجحَنّ ... كَأَن مطار أنسره غمام)
(وأية لَيْلَة لم تلف فِيهَا ... لَهُم طيفاً يروع بِهِ مَنَام)
(بِنور الدّين أنشر كل عدل ... تعفت فِي الثرى مِنْهُ الرمام)
(وَعَاد الْحق بعد كلال حدٍ ... حمى من أَن تراع لَهُ سوام)
(تألق عدله وذكت سطاه ... فَلاَ حيف يخَاف وَلَا اهتضام)
(بقأؤك خير مَا يرجوه راج ... وأنقع مَا يبل بِهِ أوام)
стр. 266
فصل
وَفِي هَذِه السّنة ولد لنُور الدّين بحمص ابْن سَمَّاهُ أَحْمد وهنأه بِهِ ابْن مُنِير فِي بعض قصائده ثمَّ توفّي بِدِمَشْق وقبره خلف قبر مُعَاوِيَة ﵁ دَاخل الحظيرة فِي مَقَابِر الْبَاب الصَّغِير
وقصيدة ابْن مُنِير قد تقدم بَعْضهَا فِي أول الْكتاب وَمِنْهَا فِي ذكر الْمَوْلُود
(توالت الأعيادُ لَا زلت لَهَا ... تبلي ديابيج الْبَقَاء وتجد)
(الْفطر والميلاد والمولود لَو ... قابله بدر التّمام لسجد)
(ثَلَاثَة تعرب عَن ثَلَاثَة ... لمثلهَا يذخر حمدا من حمد)
(فتح مُبين وطلاب مدرك ... ودولة مَا تَنْتَهِي إِلَى أمد)
وَله من أُخْرَى
(وَجئْت بأحمدٍ فملأت حمداً ... موارد كَانَ معدنُها عذَابا)
(تهلل وَجه ملكك يَوْم أَهْدَت ... قوابلُه لَك الْملك الّلبابا)
(شبيهك لَا يُغَادر مِنْك شَيْئا ... سنا وَحيا وبذلا واستلابا)
(قسيم الْحَمد إِلَّا أَن حرفا ... من اسْمك زَاد للمعنى منابا)
(أَلا لله يَوْم فَرَّ عَنهُ ... وَركب نصّ بالبشرى الرّكابا)
قَالَ أَبُو يعلى فِي أَوَاخِر صفر توجه مجير الدّين فِي الْعَسْكَر وَمَعَهُ مؤيد الدّين الْوَزير إِلَى نَاحيَة حصن بُصرى وَنزل عَلَيْهِ محاصرا لسرخاك واليه لمُخَالفَته وجوره وَأَرَادَ مجير الدّين الْمصير إِلَى حصن صرخد
стр. 267
لمشاهدته فَاسْتَأْذن مُجَاهِد الدّين واليه فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُ هَذَا الْمَكَان بحكمك وَأَنا فِيهِ وَال من قبلك
وأنفذ إِلَى وَلَده سيف الدّين مُحَمَّد النَّائِب فِيهِ بإعداد مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وتلقي مجير الدّين بِمَا يجب لَهُ
فَخرج إِلَيْهِ فِي أَصْحَابه وَمَعَهُ المفاتيح وأخلى الْحصن من الرِّجَال وَدخل إِلَيْهِ فِي خواصه وسر بذلك وتعجب من فعل مُجَاهِد الدّين وشكره على ذَلِك وَعَاد إِلَى مخيمه على بصرى وحاربها عدَّة أَيَّام إِلَى أَن اسْتَقر الصُّلْح وَالدُّخُول فِيمَا أَرَادَ وَعَاد إِلَى دمشق
قَالَ وَفِي شَوَّال توفّي الْأَمِير سعد الدولة أَو عبد الله مُحَمَّد بن المحسن بن الملحي وَدفن فِي مَقَابِر الْكَهْف وَكَانَ فِيهِ أدب وافر وَكِتَابَة حَسَنَة ونظم جيد
وَتقدم وَالِده فِي حلب فِي التَّدْبِير والسياسة وَعرض الأجناد
قَالَ ابْن الْأَثِير وفيهَا توفّي السُّلْطَان مَسْعُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه بهمذان وعهد إِلَى ابْن أَخِيه ملكشاه بن السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد وخطب لَهُ بِبِلَاد الْجَبَل
وَكَانَ الْغَالِب على الْبِلَاد والعساكر أَيَّام السُّلْطَان مَسْعُود خاصبك بن بلنكرى فَقَامَ بِأَمْر ملكشاه وَلم يمهله غير قَلِيل حَتَّى قبض عَلَيْهِ وَكتب إِلَى أَخِيه الْملك مُحَمَّد بن مَحْمُود وَهُوَ بخوزستان يستدعيه إِلَيْهِ ليخطب لَهُ بالسلطنة وَكَانَ غَرَض خاصبك أَن يقبض عَلَيْهِ أَيْضا فيخلو وَجهه من مُنَازع من السلجوقية وَحِينَئِذٍ يطْلب السلطنة لنَفسِهِ
فَلَمَّا كَاتب مُحَمَّدًا أَجَابَهُ إِلَى الْحُضُور عِنْده وَسَار إِلَيْهِ وَهُوَ بهمذان وَاجْتمعَ
стр. 268
بِهِ وخدمه خاصّبك خدمَة عَظِيمَة فَلَمَّا كَانَ الْغَد دخل عَلَيْهِ خاصبك فَقتله مُحَمَّد وَألقى رَأسه إِلَى أَصْحَابه فَتَفَرَّقُوا وَاسْتقر مُحَمَّد وَثبتت قدمه وَاسْتولى على بِلَاد الْجَبَل جَمِيعهَا
وَكَانَ قتل خاصبك سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَبَقِي مطروحا حَتَّى أَكلته الْكلاب
وَكَانَ ابْتِدَاء أمره أَنه كَانَ من بعض أَوْلَاد التركمان فخدم السُّلْطَان فَمَال إِلَيْهِ وَقدمه حَتَّى فاق سَائِر الْأُمَرَاء وَاسْتولى على أَكثر الْبِلَاد وَهُوَ كَانَ السَّبَب فِي أَكثر الْحَوَادِث الشاغلة للسُّلْطَان مَسْعُود فَإِن الْأُمَرَاء الأكابر كَانُوا يأنفون من اتّباعه لما كَانَ يُقابلهم بِهِ من الهوان والاحتشام عَلَيْهِم
وَذكر الْوَزير يحيى بن هُبَيْرَة فِي = كتاب الإفصاح = أَنه لما تطاول على الْخَلِيفَة المقتفي أَصْحَاب مَسْعُود وأساؤوا الْأَدَب وَلم يُمكن المجاهرة بالمحاربة اتّفق الرأى على الدُّعَاء على مَسْعُود بن مُحَمَّد شهرا كَمَا دَعَا رَسُول الله ﷺ على رعل وذكوان شهرا فابتدأ هُوَ والخليفة سِرّا كل وَاحِد فِي مَوْضِعه يَدْعُو سحرًا من لَيْلَة تسع وَعشْرين من جُمَادَى الأولى سنة سبع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة وَاسْتمرّ الْأَمر على ذَلِك كل لَيْلَة فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة تسع وَعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة كَانَ موت مَسْعُود على سَرِيره لم يزدْ عَن الشَّهْر
стр. 269
يَوْمًا وَلَا نقص يَوْمًا
وَوصل القُصّادُ بذلك من همذان إِلَى بَغْدَاد فِي سِتَّة أَيَّام فأزال الله يَده وَيَد اتِّبَاعه عَن الْعرَاق وأورثنا أَرضهم وديارهم فَتَبَارَكَ الله رب الْعَالمين مُجيب دَعْوَة الداعين
قَالَ وَكَانَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن يحيى يَقُول لَا أدل على وجود مَوْجُود أعظم من إِن يُدعى فيجيب
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
فَفِيهَا أخذت الفرنج خذلهم الله تَعَالَى عسقلان وَبقيت فِي أَيْديهم إِلَى أَن فتحهَا صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ﵀ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى التَّمِيمِي وتواصلت الْأَخْبَار من نَاحيَة نور الدّين بِقُوَّة عزمه على جمع العساكر والتركمان من سَائِر الْأَعْمَال والبلدان للغزو فِي أحزاب الشّرك والطغيان ولنصرة أهل عسقلان على الإفرنج النازلين عَلَيْهَا وَقد ضايقوها بالزحف إِلَيْهَا بالبرج المخذول وهم فِي الْجمع الْكثير
واقتضت الْحَال توجه مجير الدّين صَاحب دمشق إِلَى نور الدّين فِي جُمْهُور عسكره للتعاضد على الْجِهَاد فِي ثَالِث عشر محرم وَاجْتمعَ مَعَه فِي نَاحيَة الشمَال وَقد ملك نور الدّين الْحصن الْمَعْرُوف بإفليس بِالسَّيْفِ وَهُوَ فِي
стр. 270
غَايَة المنعة والحصانة وَقتل من كَانَ فِيهِ من الإفرنج والأرمن وَحصل للعسكر من المَال والسبي الشَّيْء الْكثير ونهضوا طَالِبين ثغر بانياس ونزلوا عَلَيْهِ فِي آخر صفر وَقد خلا من حماته وتسهلت أَسبَاب ملكته
وَقد تواصلت استغاثة أهل عسقلان واستنصارهم بِنور الدّين فَقضى الله تعإلى بالخلف بَينهم وَالْقَتْل وهم فِي تَقْدِير عشرَة آلَاف فَارس وراجل فأجفلوا عَنْهَا من غير طَارق من الإفرنج طرقهم وَلَا عَسْكَر رهقهم ونزلوا على الْمنزل الْمَعْرُوف بالأعوج وعزموا على معاودة النُّزُول على بانياس وَأَخذهَا ثمَّ أحجموا عَن ذَلِك من غير سَبَب وَلَا مُوجب وَتَفَرَّقُوا وَعَاد مجير الدّين إِلَى دمشق ودخلها سالما فِي نَفسه وَجُمْلَته حادي عشر ربيع الأول وَعَاد نور الدّين إِلَى حمص وَنزل بهَا فِي عسكره
ووردت الْأَخْبَار بوصول أسطول مصر إِلَى عسقلان فَقَوِيت نفوس من بهَا بِالْمَالِ وَالرِّجَال والغلال وظفروا بعدة وافرة من مراكب الفرنج فِي الْبَحْر وهم على حَالهم فِي محاصرتها ومضايقتها والزحف بالبرج إِلَيْهَا
وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى أَن تيسرت لَهُم أَسبَاب الهجوم عَلَيْهَا من بعض جَوَانِب سورها فهدموه وهجموا الْبَلَد وَقتل من الْفَرِيقَيْنِ الْخلق الْكثير وألجأت الضَّرُورَة وَالْغَلَبَة إِلَى طلب الْأمان فأجيبوا إِلَيْهِ وَخرج من أمكنة الْخُرُوج فِي الْبر وَالْبَحْر إِلَى نَاحيَة مصر وَغَيرهَا
وَقيل إِن فِي هَذَا الثغر المفتتح من العُدد الحربية وَالْأَمْوَال والميرة والغلال مَا لَا يحصر فيذكر
وَلما شاع هَذَا الْخَبَر فِي الأقطار سَاءَ سَمَاعه وَضَاقَتْ الصُّدُور وتضاعفت الأفكار بحدوث مثله فسبحان من لَا يُردُّ نَافِذ قَضَائِهِ وَلَا يُدفع محتوم أمره عِنْد نُفُوذه ومضائه
قَالَ وَعرض بَين الرئيس ابْن الصُّوفِي وَبَين أَخَوَيْهِ عز الدولة وزينها
стр. 271
مشاحنات ومشاجرات اقْتَضَت المساعاة إِلَى مجير الدّين فِي جُمَادَى الأولى فأنفذ مجير الدّين إِلَى الرئيس يستدعيه للإصلاح بَينهم فِي القلعة فَامْتنعَ من ذَلِك وَجلسَ فِي دَاره وهم بالتحصن عَنهُ بأحداث الْبَلَد والغوغاء وآلت الْحَال إِلَى تمكُّن زين الدولة مِنْهُ بمعاونة مجير الدّين عَلَيْهِ وتقرر بَينهمَا إِخْرَاج الرئيس من الْبَلَد وَجَمَاعَة إِلَى حصن صرخد مَعَ مُجَاهِد الدّين بزان واليه بعد أَن قرر لَهُ بَقَاء دَاره وبستانه وَمَا يَخُصُّهُ ويخص أَصْحَابه
وتقلد أَخُوهُ زين الدولة مَكَانَهُ وَأمر وَنهى وَنفذ الأشغال على عَادَته فِي الْعَجز وَالتَّقْصِير وَسُوء الفعال والتماس الرشا على أقل الْأَعْمَال
وَرَأى مجير الدّين عقيب ذَلِك التَّوَصُّل إِلَى بعلبك لتطييب نفس واليها عَطاء الْخَادِم واستصحابه مَعَه إِلَى دمشق لينوب عَنهُ فِي تَدْبِير الْأُمُور وَعَاد وَهُوَ مَعَه
واستشعر مُجَاهِد الدّين بزان أَن نِيَّة مجير الدّين قد تَغَيَّرت فِيهِ فاستوحش من عَوْده إِلَى الْبَلَد بِغَيْر يَمِين يحلف لَهُ بهَا على أَمَانه فِي نَفسه فوعد بالإجابة فَعَاد إِلَى دَاره بِدِمَشْق
ثمَّ هجس فِي خاطره من مجير الدّين وَأَصْحَابه مَا أوحشه مِنْهُم فَدَعَاهُ ذَلِك إِلَى الْخُرُوج من الْبَلَد سرا طَالبا صرخد فحين عرف خَبره أنهض فِي طلبه وقص أَثَره فَأدْرك وَقد قرب من صرخد فَقبض عَلَيْهِ وأعيد إِلَى القلعة بِدِمَشْق واعتقل بهَا اعتقالا جميلا
ثمَّ تجدّد من الرئيس الْوَزير حيدرة الْمُقدم ذكره اشياء ظَهرت عَنهُ مَعَ مَا فِي نفس الْملك مجير الدّين مِنْهُ وَمن أَخِيه الْمسيب من الْمعرفَة بالسعي
стр. 272
وَالْفساد مَا اقْتَضَت الْحَال استدعاءه إِلَى القلعة على حِين غَفلَة عَن الْقَضَاء النَّازِل بِهِ لسوء أَفعاله وقبح ظلمه وخبثه
ثمَّ عدل بِهِ الجانْدَارِية إِلَى الْحمام بالقلعة مستهل ذِي الْقعدَة وَضربت عُنُقه صبرا وَأخرج رَأسه وَنصب على حافة الخَنْدَق ثمَّ طيف بِهِ وَالنَّاس يلعنونه ويصفون أَنْوَاع ظلمه وتفننه فِي الْفساد ومقاسمه اللُّصُوص وقطاع الطَّرِيق على أَمْوَال النَّاس المستباحة بتقديره وتدبيره وحمايته وَكثر السرُور بمصرعه وابتهج بِهِ
ثمَّ زحفت الْعَامَّة والغوغاء وَمن كَانَ من أعوانه على الْفساد من أهل العيث إِلَى مَنَازِله وخزائنه ومخازن غلاته وأثاثه وذخائره فانتبهوا مِنْهَا مَا لَا يُحْصى وغلبوا أعوان السُّلْطَان وجنده عَلَيْهَا بِالْكَثْرَةِ فَلم يحصل للسُّلْطَان من ذَلِك إِلَّا النزر الْيَسِير
ورد أَمر الرياسة وَالنَّظَر فِي الْبَلَد إِلَى الرئيس رضىّ الدّين أَبى غَالب عبد الْمُنعم بن مُحَمَّد بن أَسد بن عَليّ التَّمِيمِي فِي الْيَوْم الْمُقدم ذكره فَطَافَ فِي الْبَلَد مَعَ أَقَاربه وَأَهله وسكنت الدّهماء وبولغ فِي إخْراب منَازِل الظَّالِم وَنقل أخشابها
قَالَ وَكَانَ عَطاء الْخَادِم قد استبد بتدبير الْأُمُور وَمد يَده فِي الظُّلم وَأطلق لِسَانه بالهجر وافرط فِي الاحتجاب وَقصر فِي قَضَاء الأشغال فَتقدم مجير الدّين باعتقاله وتقييده والاستيلاء على مَا فِي دَاره ومطالبته بِتَسْلِيم بعلبك وَمَا فِيهَا من مَال وغلال ثمَّ ضربت عُنُقه ونهبت الْعَوام والغوغاء بيُوت أَسبَابه وَأَصْحَابه
стр. 273
قَالَ وَورد الْخَبَر من نَاحيَة مصر بِأَن الْعَادِل الْمَعْرُوف بِابْن السّلار الَّذِي كَانَت رتبته قد علت ومنزلته فِي الوزارة قد تمكنت كَانَ لزوجته ولد يعرف بالأمير عَبَّاس قد قدمه وَاعْتمد عَلَيْهِ فِي الْأَعْمَال ولعباس هَذَا ولد قدمه الْوَزير وأنعم عَلَيْهِ وَأذن لَهُ فِي الدُّخُول بِغَيْر إِذن إِلَيْهِ فَدخل عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِم فِي فرشته فَقطع رَأسه وَحصل عّباس فِي منصب الْعَادِل ثمَّ كَانَ من أمره مَا سَيَأْتِي ذكره
قلت هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن السّلار وَزِير خَليفَة مصر وَهُوَ الَّذِي بنى مدرسة الشّافعية بالاسكندرية لِلْحَافِظِ أَبى طَاهِر السلَفِي ﵀
وَكَانَ قَتله فِي سادس الْمحرم بمواطأةٍ من الْخَلِيفَة الملقب بالظافر بن الْحَافِظ
قَالَ وفيهَا فِي آخر شعْبَان توفى الْفَقِيه برهَان الدّين أَبُو الْحسن عَليّ الْبَلْخِي رَئِيس الْحَنَفِيَّة وَدفن فِي مَقَابِر الْبَاب الصَّغِير الْمُجَاورَة لقبور الشُّهَدَاء
وَكَانَ من التفقه على مذْهبه مَا هُوَ مَشْهُور شَائِع مَعَ الْوَرع
стр. 274
وَالدّين والعفاف والتصون وَحفظ ناموس الْعلم والتواضع والتودد إِلَى النَّاس على طَريقَة مرضية وسجية محمودة
قَالَ وَورد الْخَبَر من نَاحيَة حلب بوفاة الأديب أَبى الْحُسَيْن أَحْمد بن مُنِير الشَّاعِر فِي جُمَادَى الاخرة
وَوصل فِي ثَانِي عشر شعْبَان إِلَى دمشق الأديب الشَّاعِر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نصر بن صَغِير القيسراني من حلب باستدعاء مجير الدّين لَهُ وَمَات بعد عشرَة أَيَّام فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان
قلت هما شَاعِرًا الشَّام فِي وقتهما وَقد شبههما الْعِمَاد الْكَاتِب فِي = كتاب الخريدة = بالفرزدق وَجَرِير وَكَذَلِكَ كَانَ اتّفق مَوْتهمَا فِي سنة وَاحِدَة وَمَات جرير بعد الفرزدق بِقَلِيل وَقد سبق من شعرهما فِي مدح نور الدّين ﵀ قصائد حَسَنَة وَسَيَأْتِي غير ذَلِك فِي مَوْضِعه لغَرَض سَنذكرُهُ
стр. 275
وَمِمَّا قَالَه ابْن مُنِير من قصيدة لَهُ
(أيا سَيْفا أعز الدّين مِنْهُ الغرار ... العضب وَالنَّوْم الغرار)
(مَلَأت جوانح الاقطار رجفاً ... كَأَن الأَرْض خامرها دوار)
(علاك حلى على الدُّنْيَا فتاج ... بمفرقها وَفِي يَدهَا سوار)
(أَضَاءَت شمس عدلك فِي دجاها ... فكلُّ زمَان ساكنها نَهَار)
(تُحرق من عصاك وَأَنت مَاء ... وتغرق من رجاك وَأَنت نَار)
(أَلا لله وَجهك والمنايا ... مكحلة وللبيض افترار)
(هتكت حجابه والنصر غيب ... وللهبوات طي وانتشار)
(بطعن للقلوب بِهِ انتظام ... وَضرب للرؤوس بِهِ انتثار)
(تبادره كَأَن الْمَوْت غنم ... وَمَا من عَادَة الْبَدْر البدار)
(أنخت على الصَّلِيب مطا صليبا ... بِهِ من صك مبركه هدار)
(بمشرفة المناكب مقربات ... لَهُنَّ بمتن كل وغى حِصَار)
(جَنِين بإنب أنب العناصي ... وإضن وللقنا مِنْهَا ثمار)
(وَفِي هاب أهْبت بهَا فَجَاءَت ... كَمَا أجلى من الكشم الصوار)
(وَكم فِي فج حارم من حريمٍ ... عفته فَلَا جدير وَلَا جِدَار)
(وأنطاكية استنت إِلَيْهَا ... فأجفل خيطها وَله عرار)
(وصبح فِي عزاز بهَا عزاز ... فأمسى وَهُوَ وعث أَو خبار)
(يشق بهَا دجى الغمرات عسفا ... جواد لَا يُشق لَهُ غُبَار)
стр. 276
وَله من أُخْرَى
(وَمَا يَوْم الفرنجة مِنْك فذ ... فتحصر عدّهُ خطط الْحساب)
(أجاش الْأَرْبَعَاء لَهُم خميساً ... بعيد الْغَوْر ملتطم الْعباب)
(واحكم بالخطيم لَهُم خطاما ... أَمر بريمه مرّ الضراب)
(مَشوا متساندين إِلَى صَلِيب ... تبرقع هبوة الصمّ الصلاب)
(تُلفُّهم المنايا فِي الثنايا ... وتفجؤهم شَعوبُ من الشّعاب)
(أطاشت سهم كبشهم هناة ... فَكنت ذُبَاب طائشة الذّباب)
(حللت التّاج عَنهُ وَحل تاجا ... مَكَان العقد من عقد الكعاب)
(أناف على الْعقَاب فَكَانَ أشهى ... وأبهى مِنْهُ فِي ظلّ الْعقَاب)
(فاشرف وَهُوَ عَن شرف معوق ... واصعد وَهُوَ غَايَة الأنصباب)
(تكاشره الشوامت وَهُوَ مغض ... ثناه مناه عَن رَجَعَ الْجَواب)
(بَعيدا من قراع وافتراع ... يؤوب لَهُ إِلَى يَوْم المآب)
(وَكم سَوط بخيلك اقبلوه الصُّدُور ... فَكَانَ سَوْطًا من عَذَاب)
(تَركتهم بِأَرْض الشَّام شاما ... لِظُفٍر تتقيه أَو لِنَاب)
(هتكت حجابه وَالشَّمْس وسنى ... بشمس لَا توارى بالحجاب)
(بأبيض من حَبِيك الْهِنْد صافٍ ... مَصُون الْمَتْن مبتذل الذّباب)
(لَهُ سمة الشُّيُوخ صفاء شيب ... وَفِي خطراته نزق الشَّبَاب)
(ألاَ يَا نَاظر الدُّنْيَا بِعَين ... أرته علانها خدع السراب)
(تبطنها فطّلقَها ثَلَاثًا ... على عزّ التملق والخلاب)
(فَلَا يأوى إِلَى رأى شَعاعٍ ... وَلَا يثنى إِلَى أمل خراب)
(ترفع عَن محاورة الْأَمَانِي ... وَحلق عَن محاضرة التصابي)
стр. 277
(صَلَاة الله كل ذرور شمس ... على مثوى أَبِيك من التّراب)
(فقد ألْقى إِلَى الْإِسْلَام عضباً ... يطّبق فِي النوائب غير نابي)
(تجيش لَهُ رَوَاسٍ كالرّواسي ... تمد لَهَا جِفان كالجوابي)
وَله من أُخْرَى
(مُظفر الْعَزْم مَمْدُود الرواق على ... معالم الدّين يرفيها ويبنيها)
(رد الْكَنَائِس كنسا للهدى فخبت ... نَار الضلال ووارتها أثافيها)
(وَأورد الْعلم عدا من ايالته ... فاستن وافتنّ عبّا فِي صوافيها)
(وَبث للشرك أشراكاً فَمَا درجت ... طريدة مِنْهُ إِلَّا استوهقت فِيهَا)
(يَا بدرُ مُذْ أشرقت فِي الدست غرته ... غيث الرّعية واخضلت مراعيها)
(أَقَامَ أَحْمد من محمودها علما ... بِهِ استقام على الْبَيْضَاء ساريها)
(محيى شَرِيعَته من بعد مَا انْهَدَمت ... واستعجمت بعد إفصاح مَعَانِيهَا)
(شابت مواهبه فِيهَا مهابته ... حَتَّى اسْتَقَرَّتْ على سمت سواريها)
وَله من أُخْرَى
(عزت سيوفك فالعراق عراقها ... وَالشَّام غير مدافعات شامهاً)
(إِن اغمدت حل العزائم حلهَا ... أَو جردت حرم الْكرَى إحرامها)
(شجيت عداك بهَا فَلَا إشراقها ... بمفازة مِنْهَا وَلَا إعتامها)
(سربت فصبحها بهَا يقظانُها ... هدأت فمستها بهَا أحلامها)
(كَالْمَاءِ إِلَّا أَن فِي رشفاته ... نَارا حشاشات النّفوس ضِرامها)
(خفت على أَيْمَانكُم أوزانها ... يَوْم الوغى واستثقلتها هامُها)
(حَتَّى أحلن الشَّام شاما صرصرت ... فِيهِ جنادبها وصدح هامها)
(ورحضن أدران الجزيرة بَعْدَمَا ... غمرت بهَا وهداتها وإكامها)
стр. 278
(شطرا أبرت وَمثله أنظرته ... وَقع الخطوب تكرها أَيَّامهَا)
(بالخابطات الغاب تزأر أسده ... والمجفلي الْحَيّ اللقَاح صيامها)
(أوردتها أجمات أنطاكية ... عنقًا وَقد شب الصدا اجمامها)
(تلقى المشافر فِي مراشف كلما ... بردت بهَا الأكباد زَاد هيامها)
(فغدت وَقد عز السراح سراحها ... وتوزعت فِي كنسها آرامها)
(وَمَشى الضلال الْقَهْقَرِي واستأصل الآذان ... من رَجَعَ الْأَذَان صلامها)
(وَغدا يخللها الْخَيل سواحبا ... عذبا يمر لَهَا الْعَذَاب غمامها)
(غَضبا لدين الله حص جنَاحه ... بغيا وأدمى صفحتيه لدامها)
(فالان رد النُّور فِيهِ نوره ... وانجاب من تِلْكَ الهنات ظلامها)
(مَحْمُود الْمَحْمُود اقداما إِذا ... خام الكماة وزلزت أَقْدَامهَا)
(الفارج الكرب الْعِظَام تضاجمت ... أشداقها وفرى الْقُلُوب ضغامها)
وَله من أُخْرَى
(اما الرعايا فَإِنَّهَا رشفت ... لديك نعمى عذبا ثناياها)
(سلكت نهج الْعدْل القويم بهَا ... فاحمدت دينهَا ودنياها)
(وَكم أميتت خوفًا فَأَمَّنَهَا ... متالف الْخَوْف خوفك الله)
(لله اقطارك الَّتِي قطرت ... لَهَا مناها إِلَى مناياها)
(أنب فِي إنب فوارسها ... تردى فتردي أولاك أخراها)
(أشجت لهاة الْبُرْنُس هبوتها ... وَكم عتا عاتيا فأشجاها)
(وجوسلين استساغ نطفتها ... فاحتلب الذل تَحت مغداها)
(ردته صفرا من كل مَا ملكت ... يَدَاهُ ايد مَا ضل مسراها)
(جويس جاستك اوجه لَا رَأَتْ ... بؤسا وجاد الحيا محياها)
(فِي سَرِيَّة لَو تكون فارسها ... يَوْمئِذٍ مَا انْبَعَثَ اشقاها)
(لَا زَالَ ظلّ النعماء عَن ملك ... مَا الشَّمْس كُفؤًا لَهُ إِذا باهى)
стр. 279
(وَللَّه جازيه عَن معبدة ... اعزها الله مذ تولاها)
(مَحْمُود المعتلى إِلَى فلك الْحَمد ... وثيرا لَهُ ولاياها)
(أعطاكه جدك المتوج بالجد ... وَنَفس لله مغزاها)
(نفس عزوف عَن الْخَنَا طبعت ... نزهها الله يَوْم سواهَا)
(أَنْت الَّذِي سلم الْأَنَام لَهُ ... يمنى طباق الْعلَا ويسراها)
(وَأَنت مولى الْمُلُوك قاطبة ... من كَانَ فَنًّا خسرو شاهنشاها)
(وَالشعر هَذَا لَا قَول أَحْمَده ... أوه بديل من قولتي واها)
وَله من أُخْرَى
(يَا ابْن الَّذِي لم يأل فِي نجدة الْإِسْلَام ... إدلاجا وتهجيرا)
(تكنف الشَّام وَقد شام برق ... الْخَوْف إنجادا وتغويرا)
(وكف كلب الرّوم من بعد أَن ... أنشبه نابا وأظفورا)
(فأهله رقك إِن أنصفوا ... رقا بِحَدّ السَّيْف مسطورا)
(بدر هوى واستخلف الشَّمْس فِي ... دستك إشراقا وتأثيرا)
وَله من أُخْرَى
(ملك كسا الْإِسْلَام من ذبه ... بردا بتدبيج الظبى معلما)
(من أصبح الشَّام بِهِ شامة ... يقطر من قتل عداهُ دَمًا)
(لَو لم يقم منصلتا دونه ... لم تلق فِي أقطارها مُسلما)
стр. 280
وَله يمدحه بعد مصالحة صَاحب حماة واهتمامه بالعرس وَعوده إِلَى حلب
(الدَّهْر مَا رضته بالجود والباس ... مقسم بَين أغراس وأعراس)
(فتح يُعَاقِبهُ فتح ومطلب ... داني المنال وَملك ثَابت راسي)
(نصرا ببصرى وصفحا عَن حماة لقد ... أَحْسَنت للداء حسما أَيهَا الآسي)
(يَا ابْن الَّذِي عنت الدُّنْيَا لدولته ... من فاطمي أعزته وعباسي)
وَله فِيهِ
(غَدا الدّين بِاسْمِك سامي الْعلم ... أَمِين الْعِمَاد مكين الْقدَم)
(لذَلِك لقبت نورا لَهُ ... وَقد أغطش الظُّلم فِيهِ الظُّلم)
(أَضَاءَت بعدلك آفاقه ... وفضت عرى الدّين لما ادلهم)
(وَلم تمش رهوا لنصر الرها ... وَمثلك أدْرك لما عزم)
(وَيَوْم بسوطا بسطت الْحمام ... على الهضب من ركنها فانهدم)
(وَبصرى وصرخد لَو لم تثر ... دراكا لكانا رَديَفْى إرم)
(ومذ فض جيشك فِي الغوطتين ... فض الصَّلِيب لَهُ مَا نظم)
(وَفِي كفر لاثا وهاب حللت ... عقد الْبُرْنُس ببيض خذم)
(معودة أَنَّهَا لَا تسل ... إِلَّا مقمقمة للقمم)
(وَيَوْم بسرفود جرعتهم ... أجاجا أغصهم وَاصْطلمَ)
(وَفَوق العريمة غشاهم ... عرام جيوشك سيل العرم)
(وأبت بكلبهم فِي الكبول ... مُبَاح الْحَرِيم مذال الْحرم)
(وبارتهم آذَنت أَنَّهَا ... أبارتهم فليبؤوا بذم)
стр. 281
(بنوها وأعلوا وَلم يعلمُوا ... بِمَا خطّ فِي اللَّوْح مِنْك الْقَلَم)
(وانك خارم مَا احكموه ... وَمن ديننَا راقع مَا انخرم)
(ترفع من بعد خفض هدى ... وتخفض من بعد رفع صنم)
(سمكت الْمدَارِس فَوق النُّجُوم ... فكم منجم تحتهَا قد نجم)
(وعاش الحنيفي وَالشَّافِعِيّ ... بِمَا شدت مِنْهَا وَكَانَا رمم)
(وَإِن لم تكن هاشمي الْأُصُول ... فَإنَّك فرع الهزبر الهشم)
(وَمن يَدعِي فِي الْعلَا مَا ادعيت ... وَأَنت ابْن من عز لما احتكم)
(واقسم مَا غَابَ ميت سقت ... مغارسه عين هذي الشيم)
قلت وقصائد ابْن مُنِير فِي مدح نور الدّين كَثِيرَة وَنَفسه فِيهَا طَوِيل وَلم يبْق بعد موت القيسراني وَابْن مُنِير فَحل من الشُّعَرَاء يصف مَنَاقِب نور الدّين كَمَا يَنْبَغِي إِلَّا ابْن أسعد الموصلى وَسَيَأْتِي شَيْء من شعره إِلَى أَن قدم الْعِمَاد الْكَاتِب الشَّام فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فتسلم هَذَا الْأَمر وَعبر عَن أَوْصَاف نور الدّين ومناقبه وغزواته بِأَحْسَن الْعبارَات وأتمها نظما ونثرا وَسَيَأْتِي كل ذَلِك فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي هَذِه السّنة توفّي صَاحب ماردين حسام الدّين تمرتاش ووليها بعده نجم الدّين ألبي بن تمرتاش ابْن أرتق قلت وَقد مدحه القيسراني والعرقلة وَغَيرهمَا من الشُّعَرَاء
стр. 282
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
قَالَ ابْن الْأَثِير فَفِيهَا ملك نور الدّين مَدِينَة دمشق وَأَخذهَا من صَاحبهَا مجير الدّين آبق بن مُحَمَّد وَكَانَ الَّذِي حمل نور الدّين على الْجد فِي ملكهَا أَن الفرنج ملكوا فِي السّنة الخالية عسقلان وَهِي مَدِينَة فلسطين حسنا وحصانة
وَلما كَانُوا يحصرونها كَانَ نور الدّين يتلهف وَلَا يقدر على إزعاجهم عَنْهَا لِأَن دمشق فِي طَرِيقه وَلَيْسَ لَهُ على غَيرهَا معبر لاعتراض بِلَاد الإفرنج فِي الْوسط
وَقَوي الفرنج بملكها حَتَّى طمعوا فِي دمشق واستضعفوا مجير الدّين وتابعوا الْغَارة على أَعماله وَأَكْثرُوا الْقَتْل بهَا والنهب والسبي وَزَاد الْأَمر بِالْمُسْلِمين بهَا إِلَى أَن جعل الفرنج على أهل الْمَدِينَة قطيعة كل سنة وَكَانَ رسولهم يَجِيء إِلَى دمشق ويجبيها من أهل الْبَلَد
ثمَّ اشْتَدَّ الْبلَاء على أَهلهَا حِين أرسل الفرنج واستعرضوا عبيدهم وإماءهم الَّذين نهبوا من سَائِر بِلَاد النَّصْرَانِيَّة وخيروهم بَين الْمقَام عِنْد مواليهم وَالْعود إِلَى أوطانهم فَمن أحب الْمقَام تَرَكُوهُ وَمن أحب وَطنه سَار إِلَيْهِ
وزالت طَاعَة مجير الدّين عَن أهل الْبَلَد إِلَى أَن حَضَرُوهُ فِي القلعة مَعَ إِنْسَان مِنْهُم كَانَ يُقَال لَهُ مؤيد الدّين بن الصُّوفِي فَلَمَّا كَانَت الْأُمُور بهَا هَكَذَا خَافَ أَهلهَا وَأَشْفَقُوا من الْعَدو فجأروا إِلَى الله تَعَالَى وَدعوهُ أَن يكْشف مَا بهم من الْخَوْف فَاسْتَجَاب لَهُم وَأذن فِي خلاصهم مِمَّا هم فِيهِ على يَد أحب عباده إِلَيْهِ وَأَحْسَنهمْ طَريقَة وأمثلهم سيرة وَهُوَ الْملك الْعَادِل حَقًا نور الدّين مَحْمُود فَحسن لَهُ السَّعْي فِي ملك الْبَلدة وألقاه فِي روعه
فَلَمَّا خطر لَهُ ذَلِك
стр. 283
أفكر فِيهِ فَعلم أَنه أَن رام ملكه بِالْقُوَّةِ والحصار تعذر عَلَيْهِ لِأَن صَاحبه مَتى رأى شَيْئا من ذَلِك راسل الفرنج واستعان بهم واستمالهم
قلت وَكَانَ قد سبق لَهُ سوابق قد تقدم ذكر شَيْء مِنْهَا وَلذَلِك قَالَ العرقلة يمدح أتابكه معِين الدّين أنر من قصيدة
(يظنّ صَلَاح الدّين فرسَان جلق ... كفرسانه مَا الْأسد مثل الثعالب)
(غَدا تطلع الشَّام الفرنج بفيلق ... معودة أبطاله للمصائب)
(رجال إِذا قَامَ الصَّلِيب تصلبت ... رماحهم فِي كل ماش وراكب)
(لَهَا اللَّيْل نقع والأسنة أنجم ... فَمَا غير أبطال وَغير جنائب)
وَصَلَاح الدّين هَذَا الْمَذْكُور لَيْسَ هُوَ يُوسُف بن أَيُّوب الْمَشْهُور فَإِن ذَلِك حِينَئِذٍ لم يكن ملكا يَقُود الجيوش وَإِنَّمَا هَذَا صَلَاح الدّين مُحَمَّد ين أَيُّوب الياغبساني صَاحب حماة أحد أَصْحَاب زنكي وَقد تقدم ذكره مرَارًا وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي مُقَدّمَة الْجَيْش النوري لما قصد دمشق فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأَوليين أَو فِي إِحْدَاهمَا أَو فِي زمن حِصَار زنكي لَهَا وَالله أعلم
قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ أبْغض الْأَشْيَاء إِلَى الفرنج أَن يملك نور الدّين دمشق لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ حصونهم ومعاقلهم وَلَيْسَت لَهُ دمشق فَكيف إِذا أَخذهَا وَقَوي بهَا وانضاف إِلَى ذَلِك كراهيته لسفك دِمَاء الْمُسلمين فَإِن الدَّم كَانَ عِنْده عَظِيما لما كَانَ قد جبل عَلَيْهِ من الرأفة وَالرَّحْمَة وَالْعدْل
فَلَمَّا رأى الْحَال هَكَذَا عمد إِلَى إِعْمَال الْحِيلَة فراسل مجير الدّين صَاحبهَا
стр. 284
واستماله وواصله بالهدايا وَأظْهر لَهُ الْمَوَدَّة حَتَّى وثق إِلَيْهِ ثمَّ صَار يكاتبه فِي بعض الْأَوْقَات وَيَقُول لَهُ إِن فلَانا وَيذكر بعض الْأُمَرَاء الَّذين لمجير الدّين قد كاتبني فِي المخامرة عَلَيْك فاحذره
فَتَارَة يَأْخُذ إقطاع أحدهم وَتارَة يقبض عَلَيْهِ
فَلَمَّا خلت دمشق من الْأُمَرَاء قدم أَمِيرا كَانَ عِنْده يُسمى عَطاء بن حفاظ السّلمِيّ الْخَادِم وَكَانَ شهما شجاعا وفوض إِلَيْهِ أَمر دولته وَكَانَ نور الدّين لَا يتَمَكَّن من دمشق مَعَه
فَقبض عَلَيْهِ مجير الدّين وَقَتله فَقَالَ لَهُ عِنْد قَتله إِن الْحِيلَة قد تمت عَلَيْك فَلَا تقتلني فَإِنَّهُ سَيظْهر لَك مَا أَقُول
فَلم يصغ إِلَى قَوْله وَقَتله
قلت وَفِي بعض قصائد ابْن مُنِير مَا يدل على أَن عَطاء هَذَا كَانَ لَهُ مَعَ نور الدّين فِي دمشق حَدِيث فَإِنَّهُ قَالَ
(ودمشق فِي دمشق رجال سلم ... لحور نِسَائِهِم مِنْهُم نسَاء)
(هِيَ الفردوس اصبح وَهُوَ عاف ... من الْعَافِي وَمن خَال خلاء)
(جنان تعرف الجنات فِيهَا ... وَلَا رأى هُنَاكَ وَلَا رواء)
(لأسمح صعبها وَدنت قصاها ... وأمكنك اقتياد وامتطاء) وَيَا نعم الْعَطاء عَطاء رب ... توسطه فانشطه عَطاء)
(تفاءل بإسمه فالفال وعد ... يكون على ظباك بِهِ الْوَفَاء)
(هُوَ السَّبَب الَّذِي شزرت قواه ... وهذبه لخدمتك الصفاء)
(وَسيف إِن تشمه تشم حساما ... وَإِن تغمد فَنَار بل ذكاء)
(جنتة لَك السَّعَادَة قطف رَأْي ... لنقب الخادعيك بِهِ هناء)
وَيجوز أَنه لم يكن لعطاء فِي ذَلِك حَدِيث وَإِنَّمَا هَذِه الأبيات أَو مَا فِي مَعْنَاهَا كَانَت سَبَب قَتله لما بلغ مجير الدّين ذَلِك
وَعَطَاء هَذَا هُوَ الَّذِي ينْسب
стр. 285
إِلَيْهِ مَسْجِد عَطاء خَارج الْبَاب الشَّرْقِي بِدِمَشْق وجورة عَطاء بِبَيْت أَبْيَات وَهِي أَرض فِيهَا أخشاب كبار من الْحور تربى أوتادا لجامع دمشق وَهِي وقف عَلَيْهِ
وَقد مدحه العرقلة وَغَيره من الشُّعَرَاء
قَالَ ابْن الْأَثِير فَلَمَّا قتل عَطاء قوى طمع نور الدّين فِي دمشق فراسل أَحْدَاث الْبَلَد وزناطرته واستمالهم فَأَجَابُوهُ إِلَى تَسْلِيم الْبَلَد فَسَار إِلَيْهِم وحاصرهم عشرَة أَيَّام
فكاتب مجير الدّين الفرنج وبذل لَهُم الْأَمْوَال وقلعة بعلبك إِن رحلوا نور الدّين عَنهُ
فَإلَى أَن اجْتَمعُوا وجاؤوا بَلغهُمْ أَخذ نور الدّين بِدِمَشْق فعادوا بخفي حنين
وَأما نور الدّين فَإِنَّهُ لما حَاصَرَهُمْ وضيق عَليّ من بِهِ ثار الْأَحْدَاث الَّذين كاتبهم نور الدّين وسلموا إِلَيْهِ الْبَلَد من الْبَاب الشَّرْقِي فدخله بالأمان عَاشر صفر وَحصر مجير الدّين فِي القلعة وراسله وبذل لَهُ الإقطاع الْكثير من جملَته مَدِينَة حمص فَأجَاب إِلَى تَسْلِيم القلعة وَسَار إِلَى حمص
وَقَالَ ابْن أبي طي أنفذ نور الدّين أَسد الدّين شيركوه رَسُولا إِلَى صَاحب دمشق فَخرج فِي تجمل عَظِيم وَمَعَهُ ألف فَارس فَعظم على مجير الدّين ذَلِك وَقَالَ مَا هَذِه رِسَالَة هَذِه مكيدة
وَلم يتجاسر على الْخُرُوج إِلَى لِقَائِه وَلَا أحد من أُمَرَاء دمشق فاستوحش أَسد الدّين وَنزل بمرج الْقصب وَأَغْلظ لصَاحب دمشق فِي الْمقَال وانفذ إِلَى نور الدّين يعرفهُ بِمَا جرى عَلَيْهِ
فَسَار نور الدّين فِي عساكره وزحف إِلَى الْبَلَد من شرقيه وَكَانَت الْحَرْب فِي عَاشر صفر وَتَوَلَّى أَسد الدّين الْقِتَال وأبلى الْجهد فَكسر عَسَاكِر دمشق إِلَى
следующие страницы →