Полный текст (1 810 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
(بنوها وأعلوا وَلم يعلمُوا ... بِمَا خطّ فِي اللَّوْح مِنْك الْقَلَم)
(وانك خارم مَا احكموه ... وَمن ديننَا راقع مَا انخرم)
(ترفع من بعد خفض هدى ... وتخفض من بعد رفع صنم)
(سمكت الْمدَارِس فَوق النُّجُوم ... فكم منجم تحتهَا قد نجم)
(وعاش الحنيفي وَالشَّافِعِيّ ... بِمَا شدت مِنْهَا وَكَانَا رمم)
(وَإِن لم تكن هاشمي الْأُصُول ... فَإنَّك فرع الهزبر الهشم)
(وَمن يَدعِي فِي الْعلَا مَا ادعيت ... وَأَنت ابْن من عز لما احتكم)
(واقسم مَا غَابَ ميت سقت ... مغارسه عين هذي الشيم)
قلت وقصائد ابْن مُنِير فِي مدح نور الدّين كَثِيرَة وَنَفسه فِيهَا طَوِيل وَلم يبْق بعد موت القيسراني وَابْن مُنِير فَحل من الشُّعَرَاء يصف مَنَاقِب نور الدّين كَمَا يَنْبَغِي إِلَّا ابْن أسعد الموصلى وَسَيَأْتِي شَيْء من شعره إِلَى أَن قدم الْعِمَاد الْكَاتِب الشَّام فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ فتسلم هَذَا الْأَمر وَعبر عَن أَوْصَاف نور الدّين ومناقبه وغزواته بِأَحْسَن الْعبارَات وأتمها نظما ونثرا وَسَيَأْتِي كل ذَلِك فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي هَذِه السّنة توفّي صَاحب ماردين حسام الدّين تمرتاش ووليها بعده نجم الدّين ألبي بن تمرتاش ابْن أرتق قلت وَقد مدحه القيسراني والعرقلة وَغَيرهمَا من الشُّعَرَاء
стр. 282
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
قَالَ ابْن الْأَثِير فَفِيهَا ملك نور الدّين مَدِينَة دمشق وَأَخذهَا من صَاحبهَا مجير الدّين آبق بن مُحَمَّد وَكَانَ الَّذِي حمل نور الدّين على الْجد فِي ملكهَا أَن الفرنج ملكوا فِي السّنة الخالية عسقلان وَهِي مَدِينَة فلسطين حسنا وحصانة
وَلما كَانُوا يحصرونها كَانَ نور الدّين يتلهف وَلَا يقدر على إزعاجهم عَنْهَا لِأَن دمشق فِي طَرِيقه وَلَيْسَ لَهُ على غَيرهَا معبر لاعتراض بِلَاد الإفرنج فِي الْوسط
وَقَوي الفرنج بملكها حَتَّى طمعوا فِي دمشق واستضعفوا مجير الدّين وتابعوا الْغَارة على أَعماله وَأَكْثرُوا الْقَتْل بهَا والنهب والسبي وَزَاد الْأَمر بِالْمُسْلِمين بهَا إِلَى أَن جعل الفرنج على أهل الْمَدِينَة قطيعة كل سنة وَكَانَ رسولهم يَجِيء إِلَى دمشق ويجبيها من أهل الْبَلَد
ثمَّ اشْتَدَّ الْبلَاء على أَهلهَا حِين أرسل الفرنج واستعرضوا عبيدهم وإماءهم الَّذين نهبوا من سَائِر بِلَاد النَّصْرَانِيَّة وخيروهم بَين الْمقَام عِنْد مواليهم وَالْعود إِلَى أوطانهم فَمن أحب الْمقَام تَرَكُوهُ وَمن أحب وَطنه سَار إِلَيْهِ
وزالت طَاعَة مجير الدّين عَن أهل الْبَلَد إِلَى أَن حَضَرُوهُ فِي القلعة مَعَ إِنْسَان مِنْهُم كَانَ يُقَال لَهُ مؤيد الدّين بن الصُّوفِي فَلَمَّا كَانَت الْأُمُور بهَا هَكَذَا خَافَ أَهلهَا وَأَشْفَقُوا من الْعَدو فجأروا إِلَى الله تَعَالَى وَدعوهُ أَن يكْشف مَا بهم من الْخَوْف فَاسْتَجَاب لَهُم وَأذن فِي خلاصهم مِمَّا هم فِيهِ على يَد أحب عباده إِلَيْهِ وَأَحْسَنهمْ طَريقَة وأمثلهم سيرة وَهُوَ الْملك الْعَادِل حَقًا نور الدّين مَحْمُود فَحسن لَهُ السَّعْي فِي ملك الْبَلدة وألقاه فِي روعه
فَلَمَّا خطر لَهُ ذَلِك
стр. 283
أفكر فِيهِ فَعلم أَنه أَن رام ملكه بِالْقُوَّةِ والحصار تعذر عَلَيْهِ لِأَن صَاحبه مَتى رأى شَيْئا من ذَلِك راسل الفرنج واستعان بهم واستمالهم
قلت وَكَانَ قد سبق لَهُ سوابق قد تقدم ذكر شَيْء مِنْهَا وَلذَلِك قَالَ العرقلة يمدح أتابكه معِين الدّين أنر من قصيدة
(يظنّ صَلَاح الدّين فرسَان جلق ... كفرسانه مَا الْأسد مثل الثعالب)
(غَدا تطلع الشَّام الفرنج بفيلق ... معودة أبطاله للمصائب)
(رجال إِذا قَامَ الصَّلِيب تصلبت ... رماحهم فِي كل ماش وراكب)
(لَهَا اللَّيْل نقع والأسنة أنجم ... فَمَا غير أبطال وَغير جنائب)
وَصَلَاح الدّين هَذَا الْمَذْكُور لَيْسَ هُوَ يُوسُف بن أَيُّوب الْمَشْهُور فَإِن ذَلِك حِينَئِذٍ لم يكن ملكا يَقُود الجيوش وَإِنَّمَا هَذَا صَلَاح الدّين مُحَمَّد ين أَيُّوب الياغبساني صَاحب حماة أحد أَصْحَاب زنكي وَقد تقدم ذكره مرَارًا وَكَأَنَّهُ كَانَ فِي مُقَدّمَة الْجَيْش النوري لما قصد دمشق فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأَوليين أَو فِي إِحْدَاهمَا أَو فِي زمن حِصَار زنكي لَهَا وَالله أعلم
قَالَ ابْن الْأَثِير وَكَانَ أبْغض الْأَشْيَاء إِلَى الفرنج أَن يملك نور الدّين دمشق لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ حصونهم ومعاقلهم وَلَيْسَت لَهُ دمشق فَكيف إِذا أَخذهَا وَقَوي بهَا وانضاف إِلَى ذَلِك كراهيته لسفك دِمَاء الْمُسلمين فَإِن الدَّم كَانَ عِنْده عَظِيما لما كَانَ قد جبل عَلَيْهِ من الرأفة وَالرَّحْمَة وَالْعدْل
فَلَمَّا رأى الْحَال هَكَذَا عمد إِلَى إِعْمَال الْحِيلَة فراسل مجير الدّين صَاحبهَا
стр. 284
واستماله وواصله بالهدايا وَأظْهر لَهُ الْمَوَدَّة حَتَّى وثق إِلَيْهِ ثمَّ صَار يكاتبه فِي بعض الْأَوْقَات وَيَقُول لَهُ إِن فلَانا وَيذكر بعض الْأُمَرَاء الَّذين لمجير الدّين قد كاتبني فِي المخامرة عَلَيْك فاحذره
فَتَارَة يَأْخُذ إقطاع أحدهم وَتارَة يقبض عَلَيْهِ
فَلَمَّا خلت دمشق من الْأُمَرَاء قدم أَمِيرا كَانَ عِنْده يُسمى عَطاء بن حفاظ السّلمِيّ الْخَادِم وَكَانَ شهما شجاعا وفوض إِلَيْهِ أَمر دولته وَكَانَ نور الدّين لَا يتَمَكَّن من دمشق مَعَه
فَقبض عَلَيْهِ مجير الدّين وَقَتله فَقَالَ لَهُ عِنْد قَتله إِن الْحِيلَة قد تمت عَلَيْك فَلَا تقتلني فَإِنَّهُ سَيظْهر لَك مَا أَقُول
فَلم يصغ إِلَى قَوْله وَقَتله
قلت وَفِي بعض قصائد ابْن مُنِير مَا يدل على أَن عَطاء هَذَا كَانَ لَهُ مَعَ نور الدّين فِي دمشق حَدِيث فَإِنَّهُ قَالَ
(ودمشق فِي دمشق رجال سلم ... لحور نِسَائِهِم مِنْهُم نسَاء)
(هِيَ الفردوس اصبح وَهُوَ عاف ... من الْعَافِي وَمن خَال خلاء)
(جنان تعرف الجنات فِيهَا ... وَلَا رأى هُنَاكَ وَلَا رواء)
(لأسمح صعبها وَدنت قصاها ... وأمكنك اقتياد وامتطاء) وَيَا نعم الْعَطاء عَطاء رب ... توسطه فانشطه عَطاء)
(تفاءل بإسمه فالفال وعد ... يكون على ظباك بِهِ الْوَفَاء)
(هُوَ السَّبَب الَّذِي شزرت قواه ... وهذبه لخدمتك الصفاء)
(وَسيف إِن تشمه تشم حساما ... وَإِن تغمد فَنَار بل ذكاء)
(جنتة لَك السَّعَادَة قطف رَأْي ... لنقب الخادعيك بِهِ هناء)
وَيجوز أَنه لم يكن لعطاء فِي ذَلِك حَدِيث وَإِنَّمَا هَذِه الأبيات أَو مَا فِي مَعْنَاهَا كَانَت سَبَب قَتله لما بلغ مجير الدّين ذَلِك
وَعَطَاء هَذَا هُوَ الَّذِي ينْسب
стр. 285
إِلَيْهِ مَسْجِد عَطاء خَارج الْبَاب الشَّرْقِي بِدِمَشْق وجورة عَطاء بِبَيْت أَبْيَات وَهِي أَرض فِيهَا أخشاب كبار من الْحور تربى أوتادا لجامع دمشق وَهِي وقف عَلَيْهِ
وَقد مدحه العرقلة وَغَيره من الشُّعَرَاء
قَالَ ابْن الْأَثِير فَلَمَّا قتل عَطاء قوى طمع نور الدّين فِي دمشق فراسل أَحْدَاث الْبَلَد وزناطرته واستمالهم فَأَجَابُوهُ إِلَى تَسْلِيم الْبَلَد فَسَار إِلَيْهِم وحاصرهم عشرَة أَيَّام
فكاتب مجير الدّين الفرنج وبذل لَهُم الْأَمْوَال وقلعة بعلبك إِن رحلوا نور الدّين عَنهُ
فَإلَى أَن اجْتَمعُوا وجاؤوا بَلغهُمْ أَخذ نور الدّين بِدِمَشْق فعادوا بخفي حنين
وَأما نور الدّين فَإِنَّهُ لما حَاصَرَهُمْ وضيق عَليّ من بِهِ ثار الْأَحْدَاث الَّذين كاتبهم نور الدّين وسلموا إِلَيْهِ الْبَلَد من الْبَاب الشَّرْقِي فدخله بالأمان عَاشر صفر وَحصر مجير الدّين فِي القلعة وراسله وبذل لَهُ الإقطاع الْكثير من جملَته مَدِينَة حمص فَأجَاب إِلَى تَسْلِيم القلعة وَسَار إِلَى حمص
وَقَالَ ابْن أبي طي أنفذ نور الدّين أَسد الدّين شيركوه رَسُولا إِلَى صَاحب دمشق فَخرج فِي تجمل عَظِيم وَمَعَهُ ألف فَارس فَعظم على مجير الدّين ذَلِك وَقَالَ مَا هَذِه رِسَالَة هَذِه مكيدة
وَلم يتجاسر على الْخُرُوج إِلَى لِقَائِه وَلَا أحد من أُمَرَاء دمشق فاستوحش أَسد الدّين وَنزل بمرج الْقصب وَأَغْلظ لصَاحب دمشق فِي الْمقَال وانفذ إِلَى نور الدّين يعرفهُ بِمَا جرى عَلَيْهِ
فَسَار نور الدّين فِي عساكره وزحف إِلَى الْبَلَد من شرقيه وَكَانَت الْحَرْب فِي عَاشر صفر وَتَوَلَّى أَسد الدّين الْقِتَال وأبلى الْجهد فَكسر عَسَاكِر دمشق إِلَى
стр. 286
الأسوار من قبلي الْبَلَد وَلم يكن أحد من الْمُقَاتلَة على السُّور من ذَلِك الْجَانِب لِأَن نور الدّين كَانَ من شرقيها وَجل الْعَسْكَر مُقَابِله وَرَأى من كَانَ مَعَ نور الدّين من الجاندارية والحلبيين خلو السُّور من الْمُقَاتلَة فتسرعوا إِلَى السُّور وتعلقوا بِهِ وحصلوا فِي الْحَال على الأسوار وَيُقَال إِن امْرَأَة كَانَت على السُّور فدلت حبلا فَصَعِدُوا فِيهِ وَصَارَ على السُّور جمَاعَة ونصبوا السلالم وَصعد جمَاعَة أُخْرَى ونصبوا علما وصاحوا بشعار نور الدّين فَوَقع على أهل الْبَلَد الخذلان وَكسر بَاب الْبَلَد وَدخلت الخيالة مِنْهُ وَملك نور الدّين دمشق
وَكَانَ لأسد الدّين الْيَد الطولي فِي فتحهَا فولاه نور الدّين أمرهَا ورد إِلَيْهِ جَمِيع أحوالها
وَفِي هَذِه السّنة أقطعه نور الدّين الرحبة
وَقَالَ الرئيس أَبُو يعلى فِي الْعشْر الثَّانِي من الْمحرم وصل الْأَمِير أَسد الدّين شيركوه رَسُولا من نور الدّين إِلَى ظَاهر دمشق وخيم بِنَاحِيَة الْقصب من المرج فِي عَسْكَر يناهز الْألف فَأنْكر ذَلِك وَوَقع الاستيحاش مِنْهُ وإهمال الْخُرُوج إِلَيْهِ لتلقيه والاختلاط بِهِ وتكررت المراسلات فِيمَا اقتضته الْحَال وَلم تسفر عَن سداد وَلَا نيل مُرَاد وَعلا سعر الأقوات لانْقِطَاع الواصلين بالغلات
وَوصل نور الدّين بعسكره إِلَى شيركوه ثَالِث صفر وخيم بعيون الفاسريا عِنْد دومة ورحل فِي الْغَد وَنزل بَيت الْآبَار من الغوطة وزحف إِلَى الْبَلَد من شرقيه وزحف إِلَيْهِ من عسكره وأحداثه الْخلق الْكثير وَوَقع الطراد بَينهم ثمَّ عَاد كل من الْفَرِيقَيْنِ إِلَى مَكَانَهُ ثمَّ زحف يَوْمًا بعد يَوْم وتأكد الزَّحْف يَوْم الْأَحَد عَاشر صفر وَظهر إِلَيْهِ الْعَسْكَر الدِّمَشْقِي فَانْدفع بَين أَيْديهم حَتَّى قربوا من سور بَاب كيسَان والدباغة من قبلي الْبَلَد وَلَيْسَ على السُّور أحد من العسكرية والبلدية لسوء تَدْبِير صَاحب الْأَمر غير نفر يسير لَا يؤبه لَهُم فتسرع بعض الرجالة إِلَى السُّور وَعَلِيهِ امْرَأَة يهوديه فَأرْسلت إِلَيْهِ حبلا فَصَعدَ فِيهِ وَحصل على السُّور وَلم يشْعر بِهِ أحد وَتَبعهُ
стр. 287
من تبعه واطلعوا علما نصبوه على السُّور وصاحوا نور الدّين يَا مَنْصُور
وَامْتنع الأجناد والرعية من الممانعة لما هم عَلَيْهِ من الْمحبَّة لنُور الدّين وعدله وَحسن ذكره
وبادر بعض قطاعي الْخشب بفأسه إِلَى الْبَاب الشَّرْقِي فَكسر أغلاقه وفتحه فَدخل مِنْهُ الْعَسْكَر وَسعوا فِي الطرقات وَلم يقف أحد بَين أَيْديهم
وَفتح بَاب توما ايضا وَدخل النَّاس مِنْهُ ثمَّ دخل نور الدّين وخواصه وسر كَافَّة النَّاس من الأجناد والعسكرية لما هم عَلَيْهِ من الْجُوع وَغَلَاء الأسعار وَالْخَوْف من منازلة الفرنج الْكفَّار
وَكَانَ مجير الدّين لما أحس بالغلبة والقهر قد انهزم فِي خواصه إِلَى القلعة وأنفذ إِلَيْهِ وأومن على نَفسه وَمَاله وَخرج إِلَى نور الدّين فطيب نَفسه ووعده الْجَمِيل
وَدخل نور الدّين القلعة فِي يَوْم الْأَحَد الْمُقدم ذكره وَأمر بالمناداة بالأمان للرعية وَالْمَنْع من انتهاب شَيْء من دُورهمْ وتسرع قوم من الرعاع والأوباش إِلَى سوق عَليّ وَغَيره فعاثوا ونهبوا وانفذ نور الدّين إِلَى أهل الْبَلَد بِمَا طيب نُفُوسهم وأزال نفرتهم
واخرج مجير الدّين مَا كَانَ لَهُ فِي دوره بالقلعة والخزائن من المَال والآلات والأثاث على كثرته إِلَى الدَّار الأتابكية دَار جده وَأقَام أَيَّامًا ثمَّ تقدم إِلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى حمص فِي خواصه وَمن أَرَادَ الْكَوْن مَعَه من أَسبَابه وَأَتْبَاعه بعد أَن كتب لَهُ المنشور بإقطاعه عدَّة ضيَاع بأعمال حمص برسمه ورسم جنده وَتوجه إِلَى حمص على القضيه المقررة
ثمَّ أحضر نور الدّين غذ ذَلِك الْيَوْم أماكل الرّعية من الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء والتجار وخوطبوا بِمَا زَاد فِي إيناسهم وسرور نُفُوسهم وَحسن النّظر لَهُم بِمَا يعود بصلاح أَحْوَالهم وَتَحْقِيق آمالهم فَأَكْثرُوا الدُّعَاء لَهُ وَالثنَاء عَلَيْهِ وَالشُّكْر لله تَعَالَى على مَا أصاره إِلَيْهِ
ثمَّ تَلا ذَلِك أبطال حُقُوق دَار الْبِطِّيخ
стр. 288
وسوق البقل وَضَمان الْأَنْهَار وَأَنْشَأَ بذلك المنشور وقريء على الْمِنْبَر بعد صَلَاة الْجُمُعَة فَاسْتَبْشَرَ النَّاس بصلاح الْحَال وأعلن النَّاس بِرَفْع الدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى بدوام أَيَّامه ونصرة أَعْلَامه
وَقَالَ ابْن الْأَثِير لما اسْتَقل نور الدّين فِي الْبَلَد عمل مَعَ أَهله مكرمَة عَظِيمَة واظهر فيهم عدلا عَاما
قلت قد تقدم ذكره فِي أول الْكتاب وَسَيَأْتِي مِنْهُ أَشْيَاء مفرقة فِيمَا بعد
قَالَ وَألقى الْإِسْلَام جرانه بِدِمَشْق وَثبتت أوتاده وأيقن الْكفَّار بالبوار ووهنوا واستكانوا وَصَارَ جَمِيع مَا بِالشَّام من الْبِلَاد الإسلامية بيد نور الدّين
وَأما مجير الدّين فَإِنَّهُ أَقَامَ بحمص وراسل أهل دمشق فِي إثارة الْفِتْنَة فَانْتهى الْأَمر إِلَى نور الدّين فخاف أَن يحدث مَا يشق تلافيه بل رُبمَا تعذر لاسيما مَعَ مجاورة الإفرنج فَأخذ حمص من مجير الدّين وعوضه عَنْهَا مَدِينَة بالس فَلم يرضها وَسَار عَن الشَّام إِلَى الْعرَاق فَأَقَامَ بِبَغْدَاد وابتنى دَارا تجاور الْمدرسَة النظامية وَتُوفِّي بهَا
стр. 289
قَالَ وَلما ملك نور الدّين دمشق خافه الفرنج كَافَّة وَعَلمُوا أَنه لَا يقْعد عَن غَزْو بِلَادهمْ والمبادرة إِلَى قِتَالهمْ فراسله كل كند وقمص وتقربوا إِلَيْهِ
ثمَّ إِن من بتل بَاشر راسلوه وبذلوا لَهُ تَسْلِيمهَا إِلَيْهِ فَأرْسل إِلَى الْأَمِير حسان المنبجي وَهُوَ من أكَابِر أُمَرَاء نور الدّين وإقطاعه منبج فَأمره أَن يتسلمها مِنْهُم
فَسَار إِلَيْهَا وتسلمها وحصنها وَرفع إِلَيْهَا ذخائر كَثِيرَة
فصل
قَالَ الرئيس ابو يعلى وَقد كَانَ مُجَاهِد الدّين بزان أطلق يَوْم الْفَتْح من الاعتقال وأعيد إِلَى دَاره
وَوصل الرئيس مؤيد الدّين المسّيب إِلَى دمشق مَعَ وَلَده النَّائِب عَنهُ فِي صرخد إِلَى دَاره معولا على لُزُومهَا وَترك التَّعَرُّض لشَيْء من التَّصَرُّفَات والأعمال
فَبَدَا مِنْهُ من الْأَسْبَاب المعربة عَن إِضْمَار الْفساد والعدول إِلَى خلاف مناهج السداد والرشاد مَا كَانَ دَاعيا إِلَى فَسَاد النِّيَّة فِيهِ
وَكَانَ فِي إِحْدَى رجلَيْهِ فتح قد طَال بِهِ ونسيه ثمَّ لحقه مرض وانطلاق متدارك أفرط عَلَيْهِ واسقط قوته مَعَ فهاق مُتَّصِل وقلاع فِي فِيهِ زَائِد فَقضى نحبه فِي رَابِع ربيع الأول وَدفن فِي دَاره واستبشر النَّاس بهلاكه والراحة من سوء أَفعاله
стр. 290
قَالَ ووردت الْأَخْبَار بقتل خَليفَة مصر الملقب بالظافر بن الْحَافِظ وأقيم وَلَده عِيسَى مقَامه وَهُوَ صَغِير يناهز ثَلَاث سِنِين ولقبوه بالفائز وعباس الْوَزير
ثمَّ ورد الْخَبَر بِأَن الْأَمِير فَارس الْمُسلمين طلائع بن رزيك وَهُوَ من أكَابِر الْأُمَرَاء المقدمين والشجعان الْمَذْكُورين لما انْتهى إِلَيْهِ الْخَبَر وَهُوَ غَائِب عَن مصر قلق لذَلِك وامتعض وَجمع واحتشد وَقصد الْعود إِلَى مصر
فَلَمَّا عرف عَبَّاس بِمَا جمع خَافَ الْغَلَبَة فتأهب للهرب فِي خواصه واسبابه وَحرمه وَمَا تهَيَّأ من مَاله وَسَار مغذا فَلَمَّا قرب من أَعمال عسقلان وغزة خرج إِلَيْهِ جمَاعَة من خيالة الإفرنج فاغتر بِكَثْرَة من مَعَه وَقلة من قَصده فَلَمَّا حملُوا عَلَيْهِ فشل أَصْحَابه وأعانوا عَلَيْهِ وانهزموا اقبح هزيمَة هُوَ وَابْنه الصَّغِير وَأسر ابْنه الْكَبِير الَّذِي قتل الْعَادِل بن السلار مَعَ وَلَده وَحرمه وَمَاله وكراعه وحصلوا فِي أَيدي الفرنج وَمن هرب لَقِي من الْجُوع والعطش شدَّة وَمَات الْعدَد الْكثير من النَّاس وَالدَّوَاب وَوصل فِي أثر هروبهم فَارس الْمُسلمين وَوضع السَّيْف فِيمَن ظفر بِهِ من أَصْحَاب عَبَّاس وانتصب فِي الوزارة وتدبير الْأُمُور مَوْضِعه وَوصل إِلَى دمشق مِنْهُم من نجاه الْهَرَب على أشنع صفة من الْعَدَم والعري فِي آخر ربيع الآخر
стр. 291
قلت وَفِي ذَلِك يَقُول عمَارَة الْيُمْنَى من قصيدة لَهُ
(لكم يَا بني رزيك لَا زَالَ ظلكم ... مَوَاطِن سحب الْمَوْت فِيهَا مواطر)
(سللتم على عَبَّاس بيض صوارم ... قهرتم بهَا سُلْطَانه وَهُوَ قاهر)
وَذكر الْأَمِير أُسَامَة بن منقذ فِي = كتاب الِاعْتِبَار = أَن نصر بن عَبَّاس لما قتل ابْن السلار وتوزر أَبوهُ عَبَّاس كَانَ نصر يعاشر الْخَلِيفَة الظافر ويخالطه وعباس كَارِه لذَلِك مستوحش من ابْنه لعلمه بِمذهب الْقَوْم وَضرب بعض النَّاس بِبَعْض حَتَّى يفنوهم
وَشرع الظافر مَعَ ابْن عَبَّاس فِي حمله على أَبِيه ومواصلته بالعطايا الْكَثِيرَة ففاتحني فِي ذَلِك فنهيته فَأطلع وَالِده على الْأَمر فاستماله أَبوهُ ولطف بِهِ وَقرر مَعَه قتل الظافر وَكَانَا يخرجَانِ متنكرين وهما تربان سنهما وَاحِد
فَدَعَاهُ إِلَى دَاره ورتب من أَصْحَابه مَعَه فِي جَانب الدَّار نَفرا ثمَّ لما اسْتَقر بِهِ الْمجْلس خَرجُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَذَلِكَ سلخ محرم سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة ورماه فِي جب الدَّار
واصبح عَبَّاس جَاءَ إِلَى الْقصر ضحوة نَهَار للسلام فَجَلَسَ فِي مجْلِس الوزارة ينْتَظر جُلُوس الظافر فَلَمَّا تجَاوز وَقت جُلُوسه استدعى زِمَام الْقصر
стр. 292
وَقَالَ مَا لمولانا مَا جلس للسلام فتلبد الْأُسْتَاذ فِي الْجَواب فصاح عَلَيْهِ وَقَالَ مَالك لَا تجاوبني قَالَ يَا مولَايَ مَوْلَانَا مَا نَدْرِي أَيْن هُوَ
قَالَ مثل مَوْلَانَا يضيع ارْجع واكشف الْحَال
فَمضى وَرجع فَقَالَ مَا وجدنَا مَوْلَانَا
فَقَالَ يبْقى النَّاس بِلَا خَليفَة ادخل إِلَى الموَالِي إخْوَته يخرج مِنْهُم وَاحِد لنبايعه
فَمضى وَعَاد وَقَالَ الموَالِي يَقُولُونَ لَك مَا لنا فِي الْأَمر شَيْء والدنا عَزله عَنَّا وَجعله فِي الظافر وَالْأَمر لوَلَده بعده
قَالَ أَخْرجُوهُ حَتَّى نُبَايِعهُ
قَالَ وعباس قد قتل الظافر وعزم على أَن يَقُول لإخوته أَنْتُم قَتَلْتُمُوهُ ويقتلهم
فَخرج ولد الظافر وَلَعَلَّ عمره خمس سِنِين يحملهُ الْأُسْتَاذ فَأَخذه عَبَّاس فَحَمله وَبكى النَّاس ثمَّ دخل بِهِ إِلَى مجْلِس أَبِيه وَهُوَ حامله وَفِيه أَوْلَاد الْحَافِظ
قَالَ ابْن منقذ وَنحن فِي الرواق جُلُوس وَفِي الْقصر أَكثر من ألف رجل من المصريين فَمَا رَاعنا إِلَّا قوم قد خَرجُوا من الْمجْلس مُجْتَمعين إِلَى القاعة فَإِذا السيوف تخْتَلف على إِنْسَان فَقلت لغلام لي أرمني ابصر من هَذَا الْمَقْتُول
فَمضى وَعَاد وَقَالَ مَا هَؤُلَاءِ مُسلمين هَذَا مولَايَ أَبُو
стр. 293
الْأَمَانَة جِبْرِيل بن الْحَافِظ قد قَتَلُوهُ وَوَاحِد قد شقّ بَطْنه يجذب مصارينه
ثمَّ خرج عَبَّاس وَهُوَ آخذ بِرَأْس الْأَمِير يُوسُف تَحت إبطه وَفِي رَأسه ضَرْبَة سيف وَالدَّم يفور مِنْهَا وَأَبُو الْبَقَاء ابْن أخيهم مَعَ ابْنه نصر ثمَّ أدخلوهما خزانَة فِي الْقصر فَقَتَلُوهُمَا وَفِي الْقصر ألف سيف مُجَرّد قَالَ وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم من أَشد الْأَيَّام الَّتِي جرت عَليّ لِأَنِّي رَأَيْت من الْفساد وَالْبَغي مَا يُنكره الله سُبْحَانَهُ وَجَمِيع خلقه
وَذكر الْأَمِير أُسَامَة بن منقذ فِي = ديوانه = قَالَ كَانَ لعباس أَربع مئة جمل تحمل أثقاله ومئتا بغل ومئتا جنيب فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج من مصر يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر ربيع الأول سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة وَقد قَامَ عَلَيْهِ أهل مصر وعسكريتها فارسهم وراجلهم تقدم بشد خيله وبغاله وجماله ليتحمل وَيخرج فَلَمَّا صَار الْجَمِيع على بَاب دَاره وَقد مَلَأت ذَلِك الفضاء إِلَى قصر السُّلْطَان إِلَى الايوان خرج غُلَام يُقَال لَهُ عنبر كَانَ على أشغاله وغلمانه كلهم تَحت يَده فَقَالَ للجمالين والخربندية والركابية روحوا إِلَى بُيُوتكُمْ وسيبوا الدَّوَابّ
فَفَعَلُوا ذَلِك وانحاز هُوَ إِلَى المصريين
стр. 294
يقاتله مَعَهم
وَكَانَ مَا جرى من تهميل الدَّوَابّ لطفا من الله تَعَالَى بِهِ فَإِنَّهَا سدت الطَّرِيق بَينه وَبَين المصريين ومنعتهم من الْوُصُول إِلَيْهِ وهم فِي خلق كثير وَنحن فِي قلَّة مَا نبلغ خمسين رجلا وغلمان عَبَّاس مماليكه فِي ألف ومئتي غُلَام بالخيول الْجِيَاد وَالسِّلَاح التَّام وثماني مئة فَارس من الأتراك خَرجُوا كلهم من بَاب النَّصْر ووقفوا فِي الفضاء الَّذِي بَينه وَبَين رَأس الطابية فِرَارًا من الْقِتَال
فشرع المصريون فِي نهب الْخَيل وَالْجمال وَالْبِغَال فَلَمَّا فتحُوا طريقهم إِلَيْهِ خرج عَبَّاس من بَاب النَّصْر وجاؤوا فِي إثره حَتَّى أقفلوا الْبَاب وعادوا إِلَى نهب دوره
وَكَانَ عَبَّاس قد أحضر من الْعَرَب نَحوا من ثَلَاثَة آلَاف فَارس يتقوى بهم على المصريين واستحلفهم ووهبهم هبات عَظِيمَة
فَلَمَّا خرج من بَاب مصر غدروا بِهِ وقاتلوه أَشد قتال سِتَّة أَيَّام يقاتلهم من الْفجْر إِلَى اللَّيْل فَإِذا نزل أمهلوه إِلَى نصف اللَّيْل ثمَّ يركبون ويهدون خيلهم على جَانب النَّاس ويصيحون صَيْحَة وَاحِدَة فتجفل الْخَيل وتقطع وَيخرج إِلَيْهِم مِنْهَا مَا فِيهِ منَّة وَقُوَّة فيأخذونه فَكَانَ ذَلِك سَبَب هَلَاك خيله وَتمكن الإفرنج مِنْهُ واشتغاله عَن سلوك طَرِيق لَا يقْصد الفرنج إِلَيْهِ
قَالَ ودامت الْحَرْب بَينه وَبينهمْ من يَوْم الْجُمُعَة ضحى نَهَار إِلَى آخر يَوْم الْخَمِيس ثمَّ جاؤوا إِلَيْهِ وَأخذُوا مِنْهُ حسبا على أَمْوَالهم وأنفسهم
стр. 295
وَبُيُوتهمْ ظنا مِنْهُم أَن لَهُ عودة إِلَيْهِم وَانْصَرفُوا عَنهُ وهم أَكثر من ثَلَاثَة آلَاف فَارس
وَيَوْم الْأَحَد صبحهمْ الإفرنج وَقد هلك النَّاس من الْجُوع والعطش وَمَاتَتْ خيلهم فَقتلُوا عباسا وَابْنه الْأَوْسَط واسروا ابْنه لأكبر وَقتلُوا خلقا كثيرا وَأخذُوا نسَاء عَبَّاس وخزائنه وأسروا أَوْلَادًا لَهُ صغَارًا وَانْصَرفُوا
قلت عَبَّاس هَذَا هُوَ عَبَّاس بن أَبى الْفتُوح بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس الْحِمْيَرِي ويلقب بالأفضل ركن الدّين ويكنى بأبى الْفضل وَرَأَيْت علامته فِي الْكتب أَيَّام وزارته الْحَمد لله وَبِه أَثِق وَفِيه يَقُول أُسَامَة بن منقذ
(لقد عَم جود الْأَفْضَل السَّيِّد الورى ... وأغنى غناء الْغَيْث حَيْثُ يصوب)
وَمن أَبْيَات لِابْنِ أسعد فِيهِ لما قتل الظافر
(وَأنْفق من إنعامهم فِي هلاكهم ... وَأظْهر مَا قد كَانَ عَنهُ ينافق)
(وَمد يدا هم طولوها إِلَيْهِم ... وحلت بِأَهْل الْقصر مِنْهُ البوائق)
(سقى ربه كاس المنايا وَمَا انْقَضى ... لَهُ الشَّهْر إِلَّا وَهُوَ للكأس ذائق)
стр. 296
وَكَانَ عَبَّاس قد تخيل من أُسَامَة عِنْد خُرُوجه من مصر لما يُعلمهُ بَينه وَبَين الْملك الصَّالح من الْمَوَدَّة والمصافاة فَأحْضرهُ واستحلفه أَنه لَا ينْفَصل عَنهُ ثمَّ لم يقنعه ذَلِك حَتَّى نفذ من أستاذى دَاره من يدْخل على حرمه إِلَى دَاره فَأخذ أَهله وَأَوْلَاده فتركهم عِنْد أَهله وَأَوْلَاده وَقَالَ لَهُ قد حملت ثقلهم عَنْك لَهُم أُسْوَة بوالدة نَاصِر الدّين يَعْنِي وَلَده نَاصِر الدّين وبإخوانه
فَلَمَّا خَرجُوا ونهبت دُورهمْ ودوابهم عجز عَن حمل من يَخُصُّهُ فأعادهم أُسَامَة من بلبيس وَنفذ إِلَى الْملك الصَّالح يَقُول لَهُ قد نفذت أَهلِي وأولادي إِلَيْك وَأَنت ولى مَا ترَاهُ فيهم
فأنزلهم فِي دَار وأجرى عَلَيْهِم الْجَارِي الْوَاسِع واحسن إِلَيْهِم غَايَة الْإِحْسَان
وَكَانَ يكاتبه فِي الرُّجُوع إِلَى مصر وَهُوَ يتلطف الْأَمر مَعَه قصدا لخلاص أَهله وَأَوْلَاده فَلَمَّا عرف ذَلِك مِنْهُ نسبه إِلَى وَحْشَة قلبه من الْقُصُور ونفوره من المصريين
فنفذ إِلَيْهِ يَقُول لَهُ تصل إِلَى مَكَّة فِي الْمَوْسِم ويلقاك رَسُولي إِلَيْهَا يسلم إِلَيْك مَدِينَة أسوان وأنفذ إِلَيْك أهلك وأمدك بالأموال وَهِي كَمَا علمت الثغر بَيْننَا وَبَين السودَان وَمَا يسد ذَلِك الثغر مثلك
وَأكْثر من الْوَعْد وَذكر رغبته فِي قربه ورعايته مَا بَينه وَبَينه من قديم الصُّحْبَة
فَاسْتَأْذن أُسَامَة فِي ذَلِك الْملك الْعَادِل نور الدّين وَكَانَ فِي خدمته
فَقَالَ يَا فلَان مَا تَسَاوِي الْحَيَاة الشتات وَالرُّجُوع إِلَى الأخطار والبعد عَن الأوطان
وَمنعه من ذَلِك بإحسانه ووعده أَن يستخلص أَهله
فَكتب أُسَامَة إِلَى الْملك الصَّالح يعْتَذر ويسأله تسيير أَهله
وترددت بَينهمَا مكاتبات وأشعار متصلات إِلَى أَن سيرهم وهم نَيف وَخَمْسُونَ نسمَة فِي الْإِكْرَام والاحترام إِلَى آخر ولَايَته
وَذكر أَن أهل الْقُصُور والأمراء أَنْكَرُوا تسييرهم وَقَالُوا يكون أَهله رهائن عندنَا لنأمن مَا يكون مِنْهُ
وَوَصله بعض أَصْحَابه من دمشق وَهُوَ بالعسكر النوري بحلب فَأخْبرهُ أَن من كَانَ لَهُ بِمصْر من الْأَهْل وَالْأَوْلَاد وَالْأَصْحَاب وصلوا وَأَن الْمركب انْكَسَرَ بهم فِي سَاحل عكا وَنهب الفرنج كل مَا فِيهِ وَلم يصلوا إِلَى دمشق إِلَّا
стр. 297
بِأَنْفسِهِم وَأَن متملك الإفرنج أَعْطَاهُم خمس مئة دِينَار اصلحوا مِنْهَا حَالهم واكتروا ظهرا ظهرا إِلَى دمشق فَقَالَ أُسَامَة
(إِلَى الله أَشْكُو فرقة دميت لَهَا ... جفوني وأذكت بالهموم ضميري)
(تمادت إِلَى أَن لاذت النَّفس بالمنى ... وطارت بهَا الأشواق كل مطير)
(فَلَمَّا قضى الله اللِّقَاء تعرضت ... مساءة دهري فِي طَرِيق سروري)
فصل
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي آخر ربيع الأول وصل الْأَمِير مجد الدّين أَبُو بكر مُحَمَّد نَائِب نور الدّين فِي حلب إِلَى دمشق عقيب عوده من الْحَج وَأقَام أَيَّامًا وَعَاد إِلَى منصبه فِي حلب وتدبير أَعمالهَا
قلت هَذَا هُوَ ابْن الداية وَكَانَ نور الدّين كثير الِاعْتِمَاد عَلَيْهِ وعَلى أخوته وسيتكرر ذكرهم فِي هَذَا الْكتاب ومجد الدّين أكبر أخوته وَقد مدحه الشُّعَرَاء
قَالَ القيسراني من بعض مَا قَالَه فِيهِ
(دعوا مَا مضى من قبل هَذَا لما بعد ... فأقسم لَوْلَا الْمجد مَا عرف الْمجد)
(كريم سمت أَوْصَافه لعفاته ... قَرَائِن كل اثْنَيْنِ بَينهمَا عقد)
(محياه والبشرى ويمناه والندى ... ونجواه وَالدُّنْيَا وتقواه والزهد)
стр. 298
(فَفِي قربه الزلفى وَفِي وعده الْغنى ... وَفِي نيله الْحسنى وَفِي رَأْيه الرشد)
(إِذا وَجه نور الدّين قَابل مجده ... فَقل فِي كَمَال الْبَدْر قابله السعد)
وَفِي موسم هَذِه السّنة مَاتَ أَمِير الْحَرَمَيْنِ هَاشم بن فليتة وَولى الْحَرَمَيْنِ وَلَده قَاسم بن هَاشم وَهُوَ الَّذِي أرسل عمَارَة الْيُمْنَى الْفَقِيه الشَّاعِر إِلَى الديار المصرية وَسَيَأْتِي ذكره
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي ثامن جُمَادَى الأولى ورد الْخَبَر من نَاحيَة مصر بَان عدَّة وافرة من مراكب الفرنج من صقلية وصلت إِلَى مَدِينَة تنيس على حِين غَفلَة من أَهلهَا فهجمت عَلَيْهَا وَقتلت وأسرت وسبت ونهبت وعادت بالغنائم بعد ثَلَاثَة أَيَّام وتركتها صفرا وَبعد ذَلِك عَاد من كَانَ هرب مِنْهَا فِي الْبَحْر بعد الْحَادِثَة وَمن سلم واختفى وَضَاقَتْ الصُّدُور عِنْد اسْتِمَاع هَذَا الْخَبَر الْمَكْرُوه
قَالَ وَفِي شهر رَمَضَان ورد الْخَبَر من نَاحيَة حلب بوفاة القَاضِي فَخر الدّين أَبى مَنْصُور مُحَمَّد بن عبد الصَّمد بن الطرسوسي وَكَانَ ذَا همة مَاضِيَة ويقظة
стр. 299
مضيئة ومروءة ظَاهِرَة فِي دَاره وَولده وَمن يلم بِهِ من غَرِيب ووافد وَقد نفذ أمره وتصرفه فِي أَعمال حلب فِي الْأَيَّام النورية واثر فِي الْوُقُوف أثرا حسنا توفر بِهِ ارتفاعها ثمَّ اعتزل عَن ذَلِك أجمل اعتزال
ثمَّ دخلت سنة خمسين وَخمْس مئة
فَفِيهَا تسلم نور الدّين بعلبك من واليها ضحاك وَذكر ابْن الْأَثِير أَن ذَلِك كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَقَالَ كَانَ ضحاك البقاعي يَنُوب ببعلبك عَن صَاحب دمشق فَلَمَّا ملك نور الدّين دمشق امْتنع بهَا وَلم يُمكن نور الدّين محاصرتها لقُرْبه من الفرنج فلطف الْحَال مَعَه إِلَى ذَلِك الْوَقْت فملكها وَاسْتولى عَلَيْهَا
وَقَالَ ابْن أَبى طي لما فتح نور الدّين دمشق اتَّصل ذَلِك بِنَجْم الدّين أَيُّوب فكاتب نور الدّين فِي تَسْلِيم بعلبك فأنفذ إِلَيْهِ وتسلمها مِنْهُ وألحقه بِأَصْحَابِهِ
قَالَ وَرَأَيْت بعض المؤرخين قد ذكر إِن مجير الدّين صَاحب دمشق أنزل نجم الدّين من القلعة وَجعله فِي الْبَلَد وَولى القلعة رجلا يُقَال لَهُ ضحاك
فَلَمَّا ملك نور الدّين دمشق خرج إِلَى بعلبك واستنزل مِنْهَا ضَاحِكا وتوسط أَسد الدّين فِي امْر أَخِيه نجم الدّين مَعَ نور الدّين فأقطعه إقطاعا وسيره إِلَى دمشق فَأَقَامَ فِيهَا ورد نظر دمشق إِلَيْهِ وَولى وَلَده
стр. 300
تورانشاه شحنكية دمشق فساسها أحسن سياسة وَلم يزل بهَا إِلَى أَن توفّي فولى صَلَاح الدّين شحنكية دمشق
قلت هَذَا وهم
تورانشاه هُوَ الْملك الْمُعظم شمس الدولة الَّذِي فتح الْيمن فِي أَيَّام أَخِيه صَلَاح الدّين فَكيف يَقُول انه مَاتَ قبل أَن يَلِي صَلَاح الدّين شحنكية دمشق وَأما كَونه ولى الشحنكية بِدِمَشْق قبل صَلَاح الدّين فَهَذَا قريب وَقد رَأَيْت مَا يؤكده
قَرَأت فِي = ديوَان العرقلة = وَقَالَ يهنئه بالشحنكية بِدِمَشْق وَهُوَ فِي دَار عَمه أَسد الدّين شيركوه ابْن شاذي
(قلت لحسادك زيدوا فِي الْحَسَد ... قد سكن الدَّار وَقد حَاز الْبَلَد)
(لَا تعجبوا إِن حل دَار عَمه ... أما تحل الشَّمْس فِي برج الْأسد)
وَقَالَ فِي صَلَاح الدّين لما ولي الشحنكية الشحنكية
(لصوص الشَّام تُوبُوا من ذنُوب ... تكفرها الْعقُوبَة والأصفاد)
(لَئِن كَانَ الْفساد لكم صلاحا ... فمولاي الصّلاح لكم فَسَاد)
وَله فِيهِ
(رويدكم يالصوص الشّآم ... فَإِنِّي لكم نَاصح فِي مقالي)
(وَإِيَّاكُم وَسمي النَّبِي ... يُوسُف رب الحجا وَالْجمال)
(فَذَاك مقطع أَيدي النِّسَاء ... وَهَذَا مقطع أَيدي الرِّجَال)
стр. 301
قَالَ ابْن أَبى طي وَولى صَلَاح الدّين شحنكية دمشق والديوان فَأَقَامَ فِيهِ أَيَّامًا ثمَّ تَركه وَصَارَ إِلَى حلب لأجل وَاقعَة جرت بَينه وَبَين صَاحب الدِّيوَان أَبى سَالم بن همام
فأنفذ نور الدّين وَأخذ ابْن همام وَحلق لحيته وطيف بِهِ فِي دمشق
قلت وَابْن همام هَذَا هُوَ الَّذِي ذكره الشنباشي فِي قصيدته وَأَشَارَ إِلَى حلق لحيته بقوله
(كابى سَالم بن همام لما ... قَامَ للنصح عَاد يمشي ملثم)
ثمَّ قَالَ ابْن أبي طي واستخص نور الدّين صَلَاح الدّين وألحقه بخواصّه فَكَانَ لَا يُفَارِقهُ فِي سفر وَلَا حضر وَكَانَ يفوق النَّاس جَمِيعًا فِي لعب الكرة وَكَانَ نور الدّين يحب لعب الكرة
قَالَ أَبُو يعلى وَنزل نور الدّين بعسكره بِالْأَعْمَالِ المختصة بِالْملكِ قليج أرسلان بن الْملك مَسْعُود بن قليج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قتلمش ملك قونية وَمَا والاها فَملك عدَّة من قلاعها وحصونها بِالسَّيْفِ والأمان وَكَانَ الْملك قليج أرسلان وأخواه ذُو النُّون ودولات مشتغلين بمحاربة أَوْلَاد
стр. 302
الدانشمند ونصروا عَلَيْهِم فِي وقْعَة كَانَت بأقصرا فِي شعْبَان
فَلَمَّا عَاد قليج أرسلان وَعرف مَا كَانَ من نور الدّين فِي بِلَاده عظم عَلَيْهِ هَذَا الْأَمر واستبشعه مَعَ مَا بَينهمَا من الْمُوَادَعَة والمهادنة والصهر وراسله بالمعاتبة وَالْإِنْكَار والوعيد والتهديد فَأَجَابَهُ نور الدّين بِحسن الِاعْتِذَار وَجَمِيل الْمقَال وَبَقِي الْأَمر بَينهَا مستمرا على هَذِه الْحَال وَعَاد نور الدّين من حلب إِلَى دمشق
قَالَ وَولى الأسطول الْمصْرِيّ مقدم شَدِيد الباس بَصِير بأشغال الْبَحْر فَاخْتَارَ جمَاعَة من رجال الْبَحْر يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَان الفرنج وألبسهم ثِيَابهمْ ونهض بهم فِي عدَّة من المراكب الأسطولية وأقلع فِي الْبَحْر لكشف الْأَمَاكِن والمكامن والمسالك الْمَعْرُوفَة بمراكب الرّوم وتعرف أحوالها ثمَّ قصد ميناء صور وَقد ذكر لَهُ أَن فِيهِ شختورة رُومِية كَبِيرَة فِيهَا رجال كثير وَمَال وافر فهجم عَلَيْهَا وملكها وَقتل من فِيهَا وَاسْتولى على مَا حوته وَأقَام ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أحرقها وَعَاد عَنْهَا فِي الْبَحْر فظفر بمراكب حجاج الفرنج فَقتل وانتهب وَأسر وَعَاد إِلَى مصر بالغنائم والأسرى
قلت وَفِي هَذِه السّنة ورد أَمر الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد وَهُوَ المقتفي إِلَى
стр. 303
أَمِير الْحَرَمَيْنِ قَاسم بن هَاشم يَأْمُرهُ أَن يركب على بَاب الْكَعْبَة المكرمة بَاب سَاج جَدِيدا قد ألبس جَمِيع خشبه فضَّة وطلي بِذَهَب وَأَن يَأْخُذ أَمِير الْحَرَمَيْنِ حلية الْبَاب الْقَدِيم لنَفسِهِ ويسير إِلَيْهِ خشب الْبَاب الْقَدِيم مُجَردا ليجعله تابوتا يدْفن فِيهِ عِنْد مَوته
ذكر ذَلِك الْفَقِيه عمَارَة الشَّاعِر وَقَالَ سَأَلَني أَمِير الْحَرَمَيْنِ أَن أبيع لَهُ الْفضة الَّتِي أَخذهَا من الْبَاب فِي الْيمن ومبلغ وَزنهَا خَمْسَة عشر ألف دِرْهَم فتوجهت إِلَى زبيد وعدن من مَكَّة فِي صفر سنة إِحْدَى وَخمسين وَحَجَجْت فِي الْمَوْسِم مِنْهَا فَدفعت لأمير الْحَرَمَيْنِ مَاله وألزمني الترسل عَنهُ إِلَى مصر يعْنى مرّة ثَانِيَة بِسَبَب جِنَايَة جناها خدمه على حَاج مصر وَالشَّام
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَخمْس مئة
قَالَ ابْن الْأَثِير فِيهَا حاصر نور الدّين قلعة حارم وَهِي حصن غربي حلب بِالْقربِ من أنطاكية وضيق على أَهلهَا وَهِي من أمنع الْحُصُون وأحصنها فِي نحور الْمُسلمين فاجتمعت الفرنج من قرب مِنْهَا وَمن بعد وَسَارُوا نَحوه لمَنعه وَكَانَ بالحصن شَيْطَان من شياطين الفرنج يرجعُونَ إِلَى رَأْيه فَأرْسل إِلَيْهِم يعرفهُمْ قوتهم وَأَنَّهُمْ قادرون على حفظ الْحصن والذب عَنهُ بِمَا عِنْدهم من الْعدَد وَالْعدَد وحصانة القلعة وَيُشِير عَلَيْهِم بالمطاولة وَترك اللِّقَاء وَقَالَ لَهُم إِن لقيتموه هزمكم وَأخذ حارم وَغَيرهَا وَإِن حفظتم أَنفسكُم مِنْهُ أطقنا الِامْتِنَاع عَلَيْهِ
فَفَعَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِم وراسلوا نور الدّين فِي الصُّلْح على أَن يعطوه حِصَّة من أَعمال حارم فَأبى أَن
стр. 304
يُجِيبهُمْ إِلَّا على مُنَاصَفَة الْولَايَة فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك فَصَالحهُمْ وَعَاد
وفى ذَلِك يَقُول بعض الشُّعَرَاء من قصيدة
فَذكر أبياتا من قصيدة لِابْنِ مُنِير
وَقد سبق أَن ابْن مُنِير توفى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين فإمَّا أَن يكون ابْن مُنِير قَالَ هَذَا الشّعْر فِي غير هَذِه الْغُزَاة وَإِمَّا أَن تكون هَذِه الْغُزَاة فِي غير هَذِه السّنة
وَقد قَرَأت فِي ديوَان ابْن مُنِير وَقَالَ يمدحه ويهنئه بِالْعودِ من غزَاة حارم
(مَا فَوق شأوك فِي الْعلَا مزداد ... فعلام يقلق عزمك الإجهاد)
(همم ضربن على السَّمَاء سرادقا ... فالشهب اطنابٌ لَهَا وعماد)
(أَنْت الَّذِي خطبت لَهُ حساده ... وَالْفضل مَا اعْترفت بِهِ الحساد)
(قَامَ الدَّلِيل وَسلم الْخصم اليلندد ... وانجلى للآثر الْإِسْنَاد)
(زهرت لدولتك الْبِلَاد فروحها ... أرج المهب ودوحها مياد)
(أَحْيَا ربيع الْعدْل ميت ربوعها ... فالبرض لج والهشيم مُرَاد)
(فالعيش إِلَّا فِي جنابك ميتَة ... وَالنَّوْم إِلَّا فِي حماك سهاد)
(وَإِذا العدى زرعوا النِّفَاق وأحصدوا ... كيدا فعزمك نَاقض حصاد)
(بالمقربات كَانَ فَوق متونها ... جن الملا وَكَأَنَّهَا أطواد)
(تذأى وَمن وَحي الكماة صفورها ... فالزجر قيد والندا قياد)
(سحب إِذا سحبت بِأَرْض ذيلها ... فالحزن سهل والهضاب وهاد)
стр. 305
(يهدى النواظر فِي دُجُنّة نقعها ... بدر بسرجك نير وقاد)
(ألبست دين مُحَمَّد يَا نوره ... عزا لَهُ فَوق السها إسآد)
(مَا زلت تسمكه بمياد القنا ... حَتَّى تثقف عوده المنآد)
(لم يبْق مذ أرهفت عزمك دونه ... عدد يراع بِهِ وَلَا استعداد)
(إِن المنابر لَو تطِيق تكلما ... حمدتك عَن خطبائها الأعواد)
(وَلَئِن حمت مِنْك الأعادي مهلة ... فَلهم إِلَى المرعى الوبى معاد)
(وَلَكَمْ لَكُمْ فِي أَرضهم من مشْهد ... قَامَت بِهِ لِظُباكمُ الأشهاد)
(مُلقٍ بأطراف الفرنجة كلكلا ... طرفاه ضرب صَادِق وجلاد)
(حاموا فَلَمَّا عاينوا حَوْض الردى ... حاموا برائش كيدهم أَو كَادُوا)
(وَرَجا الْبُرْنُس وَقد تبرنس ذلة ... حرما بحارم والمصاد مصاد)
(ضجت ثعالبه فأخرس جرسها ... بيض تناسب فِي الْحَدِيد حداد)
(وسواعد ضربت بِهن وبالقنا ... من دون مِلَّة أَحْمد الأسداد)
(يركزن فِي حلب وَمن أفنانها ... تجني فواكه أمنها بَغْدَاد)
(يَا من إِذا عصفت زعازع بأسه ... خمدت جحيم الشّرك فَهِيَ رماد)
(عجبا لقوم حاولوك وحاولوا ... عودا فواتاهم إِلَيْهِ مُرَاد)
(وَرَأَوا لِوَاء النَّصْر فَوْقك خافقا ... فَأَقَامَ مِنْهُم فِي الضلوع فؤاد)
стр. 306
(من مُنكر أَن ينسف السَّيْل الزبى ... وَأَبوهُ ذَاك الْعَارِض المداد)
(أَو أَن يُعِيد الشَّمْس كاسفة السنا ... نَار لَهَا ذَاك الشهَاب زناد)
(لَا ينفع الْآبَاء مَا سمكوا من العلياء ... حَتَّى ترفع الْأَوْلَاد)
(ملك يُقيد خَوفه ورجاؤه ... ولقلما تتضافر الأضداد)
وَقَالَ يهنئه بالنصر يَوْم حارم قصيدة أَولهَا
(لملكك مَا نشَاء من الدَّوَام ...)
يَقُول فِيهَا
(حظيت من الْمَعَالِي بالمعاني ... ولاذ النَّاس بعْدك بالأسامي)
(عَزِيز المنتمى عالي المراقي ... بعيد المرتمى غالى المسامي)
(فَمَا أحد إِلَى العلياء يدلى ... بمحتدك القسيمى القسامى)
(أَبوك المعتلى قمم الأعادي ... إِذا استعرت مذامرة القمام)
(زكا عرق الْعرَاق وَقد تكنى ... بِهِ وَأطَال من شمم الشآم)
(وَجدك جد حَتَّى قَالَ قوم ... على الْفلك ابتنى عمد الْخيام)
(فخرت ففت آبَاء عظاما ... إِذا فَخر المنافر بالعظام)
(وقفنا والنواظر مسجدات ... وروح الْعِزّ دَاري الختام)
(أساطر كالزبور مفصلات ... كَانَا من صَلَاة فِي نظام)
(لَدَى ملك سجاياه سِجَال ... تعاقب بَين عَفْو وانتقام)
стр. 307
(فأهللنا لسالفتي هِلَال ... وكفرنا لضاحكتي حسام)
(ذهلنا والسماط يخال سمطا ... وَقد سجد المقاول للسلام)
(هَل الدَّست اسْتَقل بليث غَابَ ... أم الْفلك ارتدى بدر التَّمام)
(كريم أكثرت يَده أيادي العفاة ... وقللت عدد الْكِرَام)
(وَخير سَمَاعه ضرب مدام ... إِذا طرب الْمُلُوك إِلَى المُدام)
(تطير بِهِ إِلَى العلياء نفس ... غرُوب عَن ملاءمة الملام)
(سقِِي الله العوامل من جبال ... شققْنَ النَّقْع عَن نقع الأوام)
(فكم أنتجت من أمل عقيم ... بهَا وحسمت من دَاء عقام)
(بإنب والرعال كَأَن ثولا ... تطاوح تَحت عير من إيام)
(وأيدي الْخَيل تذرع لج بَحر ... من الدَّم مُزْبِد الثَّجَّيْن طامى)
(مقَام كنت قطب رحاه ارجي ... مقَام بَين زَمْزَم وَالْمقَام)
(أحلّت الدّين فِيهِ وَكَانَ هما ... عَزِيز الْقَوْم معتدل القوام)
(رميتهم بأرعن مرجحن ... أبارهم وَكنت أبر رامي)
(وَفِي شجراء حارم شاجرتهم ... سواهُم كالسهام بكالسهام)
(نَظَائِر حممت لَهُم حَماما ... تطاير تَحْتَهُ مثل الْحمام)
(فَلَو قد مثل الْإِسْلَام شخصا ... لرشف مَا وطِئت من السَّلَام)
(حماه وَقد تناعس كل رَاع ... وَقَامَ وَقد تقاعس كل حام)
(فأكذب مدعين هفوا وغروا ... بِأَن الأَرْض تَخْلُو من إِمَام)
стр. 308
(أولي الْأَبْصَار كم هَذَا التعاشي ... عَن النُّور الْمُبين بل التعامي)
(عَن الْقَمَر الَّذِي يجلوه ظلّ العواصم ... فِي ضيا اللَّيْل التهامي)
(هُوَ الْمهْدي لَا من ضل فِيهِ ... كثير واستخف سوى هِشَام)
(وقائم عصرنا لَا مَا تمنى ... بِهِ من صوغ أضغاث الْمَنَام)
(بِنور الدّين انشر كل حق ... أطيل ثواؤه تَحت الرجام)
(وطالت قبَّة الْإِسْلَام حَتَّى اسْتَوَت ... بَين الفوارس والنعام)
(تطابق لاسمه لفظ وَمعنى ... أحلاه الطباق على الْأَنَام)
(جرى قدامه ابْن سبكتكين ... وَقبل الوبل هينمة الرهام)
(وَكَانَ من النُّجُوم بِحَيْثُ تومى ... إِلَيْهِ من غيابات التكامي)
(وَجئْت فَصَارَ أشمخ مَا بناه ... لما شيدت الطأ من رغام)
(أطاعك إِذْ أَطَعْت الله جد ... ركبت بِهِ الزَّمَان بِلَا زِمَام)
(أَلا يَا رُبمَا اتّفق الْأَسَامِي ... وفاضل بَينهَا درج التسامي)
(جنى شرفا من استغواه حتف ... إِلَيْك وَكم حَيَاة من حمام)
(ترشفك الكماة وَأَنت موت ... كَأَنَّك من طعان فِي طَعَام)
стр. 309
فصل
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى توجه نور الدّين إِلَى نَاحيَة حلب فِي بعض عسكره فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من صفر عِنْد انْتِهَاء خبر الفرنج إِلَيْهِ بعيثهم فِي أَعمال حلب وإفسادهم وصادفه فِي طَرِيقه المبشر بظفر عسكره الْحلَبِي بالإفرنج المفسدين على حارم وَقتل جمَاعَة مِنْهُم وأسرهم وَوصل مَعَ المبشر عدَّة وافرة من رُؤُوس الإفرنج الْمَذْكُورين وطيف بهَا فِي دمشق
قَالَ وَعَاد نور الدّين إِلَى دمشق فِي رَمَضَان سالما بعد تَهْذِيب حلب وأعمالها وتفقد أحوالها واستقرت الْمُوَادَعَة بَينه وَبَين ولد السُّلْطَان مَسْعُود صَاحب قونية وَزَالَ مَا كَانَ حدث بَينهمَا
وَفِي شَوَّال تقررت الْمُوَادَعَة والمهادنة بَينه وَبَين ملك الإفرنج مُدَّة سنة كَامِلَة أَولهَا شعْبَان وَأَن المقاطعة المحمولة إِلَيْهِم من دمشق ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار صورية وكتبت المواصفة بذلك بعد تأكيدها بالأيمان والمواثيق الْمُشَدّدَة
قَالَ وَفِي الْعشْر الْأَخير من ذِي الْحجَّة غدر الإفرنج وَنَقَضُوا مَا كَانَ اسْتَقر من الْمُوَادَعَة والمهادنة بِحكم وُصُول عدَّة وافرة من الفرنج فِي الْبَحْر
стр. 310
وَقُوَّة شوكتهم بهم ونهضوا إِلَى نَاحيَة الشُّعَرَاء الْمُجَاورَة لبانياس وَقد اجْتمع فِيهَا من جشارات خُيُول العسكرية والرعية وعوامل فلاحي الضّيَاع ومواشي الجلابين وَالْعرب والفلاحين الشَّيْء الْكثير الَّذِي لَا يُحْصى فيذكر للْحَاجة إِلَى الرَّعْي بهَا والسكون إِلَى الْهُدْنَة المستقرة وَوَقع للمندوبين بحفظها تَقْصِير فانتهزوا الفرصة وَاسْتَاقُوا جَمِيع مَا وجدوه وأفقروا أَهله مِنْهُ مَعَ من أسروه من تركمان وَغَيرهم وعادوا ظافرين غَانِمِينَ آثمين
وَالله عَادل فِي حكمه يتَوَلَّى الْمُكَافَأَة لَهُم والإدالة مِنْهُم
وَقد فعل سُبْحَانَهُ ذَلِك على مَا سَيَأْتِي فِي حوادث السّنة الْآتِيَة
قلت وَفِي هَذِه السّنة توفّي القَاضِي أَبُو الْفَتْح مَحْمُود بن إِسْمَاعِيل بن قادوس كَاتب الْإِنْشَاء بالحضرة المصرية وَأَصله من دمياط ذكره الْعِمَاد الْكَاتِب فِي = الخريدة = وَأثْنى عَلَيْهِ
وَمن شعره فِي رجل كَانَ يكثر التَّكْبِير فِي أول الصَّلَاة
(وفاتر النِّيَّة عنينها ... مَعَ كَثْرَة الرعدة والهزه)
(مكبر سبعين فِي مرّة ... كَأَنَّهُ صلى على حمزه)
стр. 311
وَله فِي صفة كتاب
(مداده فِي الطرس لما بدا ... قبله الصب وَمن يزهد)
(كَأَنَّمَا قد حل فِيهِ اللّمى ... أَو ذاب فِيهِ الْحجر الْأسود)
وَبَلغنِي أَن القَاضِي الْفَاضِل كَانَ يعظمه كثيرا ويسميه ذَا البلاغتين وَهُوَ أحد من اشْتغل الْفَاضِل عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يتَمَكَّن من اقتباس فَوَائده غَالِبا إِلَّا فِي ركُوبه من الْقصر إِلَى منزله بِمصْر وَمن منزله إِلَى الْقصر فيسايره الْفَاضِل ويجاريه فِي فنون الْكِتَابَة وَالْأَدب وَالشعر
قَالَ وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّالِث من ربيع الأول من السّنة توفى الْفَقِيه الزَّاهِد أَبُو الْبَيَان نبا بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الحوراني وَكَانَ حسن الطَّرِيقَة مذ نَشأ صَبيا إِلَى أَن قضى متدينا تقيا عفيفا سخيا محبا للْعلم وَالْأَدب والمطالعة للغة الْعَرَب
وَكَانَ لَهُ عِنْد خُرُوج سَرِيره لقبره فِي مَقَابِر بَاب الصَّغِير الْمُجَاورَة لقبور الصَّحَابَة من الشُّهَدَاء ﵃ يَوْم مشهود من كَثْرَة المتأسفين لَهُ والمثنين عَلَيْهِ
قلت وَفِي هَذِه السّنة وَالَّتِي بعْدهَا كثرت الزلازل بِالشَّام
قَالَ أَبُو يعلى فِي لَيْلَة الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان وافت زَلْزَلَة
стр. 312
هائلة وَجَاءَت قبلهَا وَبعدهَا مثلهَا فِي النَّهَار وَفِي اللَّيْل ثمَّ جَاءَ بعد ذَلِك ثَلَاث دونهن بِحَيْثُ أحصين سِتّ مَرَّات
وَفِي لَيْلَة الْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهُ جَاءَت زَلْزَلَة ارتاع النَّاس مِنْهَا فِي أول النَّهَار وَآخره وتواصلت الْأَخْبَار من نَاحيَة حلب وحماة بانهدام مَوَاضِع كَثِيرَة وانهدام برج من أبراج أفامية بِهَذِهِ الزلازل المباركه
وَذكر أَن الَّذِي أحصى عدده مِنْهَا تَقْدِير الْأَرْبَعين وَمَا عرف مثل ذَلِك فِي السنين الْمَاضِيَة والأعصار الخلية
وَفِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر بِعَيْنِه وافت زَلْزَلَة آخر النَّهَار وبالليل ثَانِيَة فِي آخِره وَفِي أول شهر رَمَضَان زَلْزَلَة مروعة وثانية وثالثة وَفِي ثَالِث رَمَضَان ثَلَاث زلازل وَأُخْرَى وَقت الظّهْر وَأُخْرَى هائلة أيقظت النيام وروعت الْقُلُوب انتصاف اللَّيْل
وَفِي لَيْلَة نصف رَمَضَان زَلْزَلَة هائلة أعظم مِمَّا سبق وَعند الصَّباح أُخْرَى وَفِي اللَّيْلَة الَّتِي تَلِيهَا زلزلتان أَولهَا وَآخِرهَا وَفِي الْيَوْم الَّذِي بعد يَوْمهَا وَفِي لَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين زَلْزَلَة مزعجة
وَفِي ثَانِي شَوَّال زَلْزَلَة أعظم مِمَّا تقدم وَفِي سابعه وسادس عشره وَفِي الْيَوْم الَّذِي جَاءَ بعده أَربع زلازل وَلَيْلَة الثَّانِي وَالْعِشْرين مِنْهُ
وَدفع الله تَعَالَى عَن دمشق وضواحيها مَا خَافَ أَهلهَا من توالي ذَلِك وتتابعه برأفته بهم وَرَحمته لَهُم فَلهُ الْحَمد وَالشُّكْر
لَكِن وَردت الْأَخْبَار من نَاحيَة حلب بِكَثْرَة ذَلِك فِيهَا وانهدام مساكنها
وَأما شيزر فَإِن الْكثير من مساكنها انْهَدم على سكانه بِحَيْثُ قتل مِنْهُم الْعدَد الْكثير
وَأما كفر طَابَ فهرب أَهلهَا مِنْهَا خوفًا على
стр. 313
أَرْوَاحهم
وَأما حماة فَكَانَت كَذَلِك
وَأما بَاقِي الْأَعْمَال الشامية فَمَا عرف مَا حدث فِيهَا من هَذِه الْقُدْرَة الباهرة
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخمْس مئة
فَفِي لَيْلَة تَاسِع عشر صفر وافت زَلْزَلَة عَظِيمَة وتلاها أُخْرَى وَكَذَا فِي لَيْلَة الْعشْرين وَالْيَوْم بعْدهَا وتواصلت الْأَخْبَار من نَاحيَة الشمَال بعظيم تَأْثِير هَذِه الزلازل
وَفِي لَيْلَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى وافت أَربع زلازل وضج النَّاس بالتهليل وَالتَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس وَفِي لَيْلَة رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة وافت زلزلتان
وتواصلت الْأَخْبَار من نَاحيَة الشمَال بِأَن هَذِه الزلازل أثرت فِي حلب تَأْثِيرا أزعج أَهلهَا وأقلقهم وَكَذَا فِي حمص وهدمت مَوَاضِع فِيهَا وَفِي حماة وَكفر طَابَ وأفامية وهدمت مَا كَانَ بني من مهدوم الزلازل الأول وَحكي أَن تيماء أثرت فِيهَا هَذِه الزلازل تَأْثِيرا مهولا
وَفِي رَابِع رَجَب نَهَارا وافت بِدِمَشْق زَلْزَلَة عَظِيمَة لم ير مثلهَا فِيمَا تقدم ودامت رجفاتها حَتَّى خَافَ النَّاس على أنفسهم ومنازلهم وهربوا من الدّور والحوانيت والسقائف وانزعجوا وأثرت فِي مَوَاضِع كَثِيرَة ورمت من فص الْجَامِع الشَّيْء الْكثير الَّذِي يعجز عَن إِعَادَة مثله ثمَّ وافت عقيبها زَلْزَلَة فِي الْحَال ثمَّ سكنتا بقدرة من حركهما
ثمَّ تبع ذَلِك فِي أول لَيْلَة الْيَوْم
стр. 314
الْمَذْكُور زَلْزَلَة وَفِي وَسطه زَلْزَلَة وَفِي آخِره زَلْزَلَة وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة ثامن رَجَب زَلْزَلَة مهولة أزعجت النَّاس وتلاها فِي النّصْف مِنْهَا ثَانِيَة وَعند انبلاج الصُّبْح ثَالِثَة وَكَذَلِكَ فِي لَيْلَة السبت وَلَيْلَة الْأَحَد وَلَيْلَة الِاثْنَيْنِ وَتَتَابَعَتْ بعد ذَلِك بِمَا يطول بِهِ الشَّرْح
ووردت الْأَخْبَار من نَاحيَة الشمَال بِمَا يسوء سَمَاعه ويرعب النُّفُوس ذكره بِحَيْثُ انْهَدَمت حماة وقلعتها وَسَائِر دورها ومنازلها على أَهلهَا من الشُّيُوخ والشبان والأطفال والنسوان وهم الْعدَد الْكثير والجم الْغَفِير بِحَيْثُ لم يسلم مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل الْيَسِير
وَأما شيزر فَإِن ربضها سلم إِلَّا مَا كَانَ خرب أَولا وَأما حصنها الْمَشْهُور فَإِنَّهُ انْهَدم على واليها تَاج الدولة بن أبي العساكر بن منقذ وَمن تبعه إِلَّا الْيَسِير مِمَّن كَانَ خَارِجا
وَأما حمص فَإِن أَهلهَا كَانُوا قد اخْتلفُوا مِنْهَا إِلَى ظَاهرهَا فَسَلمُوا وَتَلفت مساكنهم وَتَلفت قلعتها
وَأما حلب فهدمت بعض دورها وَخرج أَهلهَا مِنْهَا إِلَى ظَاهر الْبَلَد وَكفر طَابَ وأفامية وَمَا والاها ودنا مِنْهَا وَبعد عَنْهَا من الْحُصُون والمعاقل إِلَى جبلة وجبيل فأثرت بهَا الْآثَار المستبشعة وأتلفت سلمية وَمَا اتَّصل بهَا إِلَى نَاحيَة الرحبة وَمَا جاورها وَلَو لم يدْرك الْعباد والبلاد رَحْمَة الله تَعَالَى ولطفه ورأفته لَكَانَ الْخطب أفظع
وَقد نظم فِي ذَلِك من قَالَ
(روعتنا زلازل حادثات ... بِقَضَاء قضاهُ رب السَّمَاء)
(هدمت حصن شيزر وحماة ... أهلكت أَهله بِسوء الْقَضَاء)
(وبلادا كَثِيرَة وحصونا ... وثغورا موثقات الْبناء)
(فَإِذا مَا رنت عُيُون إِلَيْهَا ... أجرت الدمع عِنْدهَا بالدماء)
стр. 315
(وَإِذا مَا قضى من الله أَمر ... سَابق فِي عباده بالمضاء)
(حَار قلب اللبيب فِيهِ وَمن كَانَ ... لَهُ فطنة وَحسن ذكاء)
(وتراه مسبحا باكي الْعين ... مروعا من سخطَة وبلاء)
(جلّ رَبِّي فِي ملكه وَتَعَالَى ... عَن مقَال الْجُهَّال والسفهاء)
قَالَ وَأما أهل دمشق فَلَمَّا وافتهم الزلزلة فِي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَجَب ارتاع النَّاس من هولها وأجفلوا من مَنَازِلهمْ والمسقف إِلَى الْجَامِع والأماكن الخالية من الْبُنيان خوفًا على أنفسهم ووافت بعد ذَلِك أُخْرَى فَفتح الْبَلَد وَخرج النَّاس إِلَى ظَاهره والبساتين والصحراء وَأَقَامُوا عدَّة لَيَال وَأَيَّام على الْخَوْف والجزع يسبحون ويهللون ويرغبون إِلَى خالقهم ورازقهم فِي اللطف بهم وَالْعَفو عَنْهُم
قَالَ وَفِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان وافت دمشق زَلْزَلَة روعت النَّاس وأزعجتهم لما وَقع فِي نُفُوسهم مِمَّا قد جرى على بِلَاد الشَّام من تتَابع الزلازل فِيهَا
ووافت الْأَخْبَار من نَاحيَة حلب بَان هَذِه الزلزلة جَاءَت فِيهَا هائلة فقلقلت من دورها وجدرانها الْعدَد الْكثير وَأَنَّهَا كَانَت بحماة أعظم مِمَّا كَانَت فِي غَيرهَا وَأَنَّهَا هدمت مَا كَانَ عمر فِيهَا من بيُوت يلتجأ إِلَيْهَا وَأَنَّهَا دَامَت فِيهَا أَيَّامًا كَثِيرَة فِي كل يَوْم عدَّة وافرة من الرجفات الهائله يتبعهَا صيحات مختلفات توفى على أصوات الرعود القاصفة المزعجة فسبحان من لَهُ الحكم وَالْأَمر
وتلا ذَلِك ردفات مُتَوَالِيَة أخف من غَيْرهنَّ
فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة السبت الْعَاشِر من شَوَّال وافت زَلْزَلَة هائلة بعد صَلَاة عشَاء الْآخِرَة أزعجت وأقلقت وتلاها فِي إثْرهَا هزة خَفِيفَة
وَكَذَا لَيْلَة الْعَاشِر من ذِي الْقعدَة وَفِي غدها
стр. 316
زلازل وَلَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين وَالْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهُ أَيْضا زلازل نفر النَّاس من هولها إِلَى الْجَامِع والأماكن المنكشفة وضجوا بِالتَّكْبِيرِ والتهليل وَالتَّسْبِيح وَالدُّعَاء والتضرع إِلَى الله تَعَالَى
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة انسلاخ ذِي الْقعدَة وافت زَلْزَلَة رجفت لَهَا الأَرْض وانزعج لَهَا النَّاس
قَالَ ابْن الْأَثِير فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين كَانَ بِالشَّام زَلْزَلَة شَدِيدَة ذَات رجفات عَظِيمَة متتابعة أخربت الْبِلَاد وأهلكت الْعباد وَكَانَ أَشدّهَا بِمَدِينَة حماة وحصن شيزر فَإِنَّهُمَا خربا بِمرَّة وَكَذَا مَا جاورهما كحصن بارين والمعرة وَغَيرهمَا من الْبِلَاد والقرايا
وَهلك تَحت الْهدم من الْخلق مَالا يُحْصِيه إِلَّا الله تَعَالَى وتهدمت الأسوار والدور والقلاع وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى من على الْمُسلمين بِنور الدّين جمع العساكر وَحفظ الْبِلَاد وَإِلَّا كَانَ دَخلهَا الفرنج بِغَيْر حِصَار وَلَا قتال
قَالَ وَلَقَد بَلغنِي من كَثْرَة الهلكى أَن بعض المعلمين بحماة ذكر أَنه فَارق الْمكتب لمهم فَجَاءَت الزلزلة فأخربت الدّور وَسقط الْمكتب على الصّبيان جَمِيعهم قَالَ الْمعلم فَلم يَأْتِ أحد يسْأَل عَن صبي كَانَ لَهُ فِي الْمكتب
قلت وقرأت فِي ديوَان الْأَمِير الْفَاضِل مؤيد الدولة أُسَامَة بن مرشد بن منقذ وَقَالَ فِي الزلازل الَّتِي أهلكت كثيرا من أهل الشَّام وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا فِي شهر الله رَجَب سنة إِحْدَى وَخمسين وَخمْس مئة وَهلك بهَا من هلك من الْخلق فَكَانَ نَحوا من عشرَة آلَاف نسمَة قَالَ وَكتب هَذَا الْمَكْتُوب والزلازل إِلَى الْآن تتعاهد الْبِلَاد
стр. 317
(نمنا عَن الْمَوْت والمعاد وأصبحنا ... نظن الْيَقِين احلاما)
(فحركتنا هذى الزلازل أَي ... تيقظوا كم ينَام من نَامَا)
وَقَالَ أَيْضا
(أَيهَا الغافلون عَن سكرة الْمَوْت ... وَإِذ لَا يسوغ فِي الْحلق ريق)
(كم إِلَى كم هَذَا التشاغل والغفلة ... حَار الساري وضل الطَّرِيق)
(إِنَّمَا هزت الزلازل هذي الأَرْض بالغافلين كي يستفيقوا)
وَقَالَ فِي الزلازل أَيْضا وَقد سكن النَّاس بعد الدّور والنزهة فِي أكواخ عملوها بالأخشاب لِئَلَّا تهدها الزلازل
(يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ارْحَمْ عِبَادك من ... هذى الزلازل فَهِيَ الهلك والعطب)
(ماجت بهم أَرضهم حَتَّى كَأَنَّهُمْ ... ركاب بَحر مَعَ الأنفاس تضطرب)
(فنصفهم هَلَكُوا فِيهَا ونصفهم ... لمصرع السّلف الماضين يرتقب)
(تعوضوا من مشيدات الْمنَازل بالأكواخ ... فَهِيَ قُبُور سقفها خشب)
(كَأَنَّهَا سفن قد أَقبلت وهم ... فِيهَا فَلَا ملْجأ مِنْهَا وَلَا هرب)
وَقَالَ يرثى أَهله الَّذين هَلَكُوا بالزلازل بحصن شيزر قصيدة مِنْهَا
(مَا استدرج الْمَوْت قومِي فِي هلاكهم ... وَلَا تخرمهم مثنى ووحدانا)
(فَكنت أَصْبِر عَنْهُم صَبر محتسب ... وأحمل الْخطب فيهم عز أَو هانا)
стр. 318
(وأقتدي بالورى قبلي فكم فقدوا ... أَخا وَكم فارقوا أَهلا وجيرانا)
(لَكِن سقب المنايا وسط جمعهم ... رغا فَخَروا على الأذقان إذعانا)
(وفاجأتهم من الْأَيَّام قَارِعَة ... سقتهم بكؤوس الْمَوْت ذيفانا)
(مَاتُوا جَمِيعًا كرجع الطّرف وانقرضوا ... هَل مَا ترى تَارِك للعين إنْسَانا)
(أعزز عَليّ بهم من معشر صَبر ... على الحفيظة إِن ذُو لوثة لانا)
(لم يتْرك الدَّهْر لي من عبد فقدهم ... قلبا أجشمه صبرا وسلوانا)
(فَلَو رأوني لقالوا مَاتَ أسعدنا ... وعاش للهم وَالْأَحْزَان أشقانا)
(لم يتْرك الْمَوْت مِنْهُم من يُخْبِرنِي ... عَنْهُم فيوضح مَا قَالُوهُ تبيانا)
(بادوا جَمِيعًا وَمَا شادوا فوا عجبا ... للخطب أهلك عمارا وعمرانا)
(هذى قصورهم أمست قُبُورهم ... كَذَاك كَانُوا بهَا من قبل سكانا)
(وَيْح الزلازل افنت معشري فَإِذا ... ذكرتهم خلتني فِي الْقَوْم سكرانا)
(لَا ألتقي الدَّهْر من بعد الزلازل مَا ... حييت إِلَّا كسير الْقلب حيرانا)
(أخنت على معشري الأدنين فاصطلمت ... مِنْهُم كهولا وشبانا وولدانا)
(لم يحمهم حصنهمْ مِنْهَا وَلَا رهبت ... بَأْسا تناذره الأقران أزمانا)
(إِن أقفرت شيزر مِنْهُم فهم جعلُوا ... منيع أسوارها بيضًا وخرصانا)
(هم حموها فَلَو شاهدتها وهم ... بهَا لشاهدت آسادا وخفانا)
(تراهم فِي الوغى أسدا وَيَوْم ندى ... غيثا مغيثا وَفِي الظلماء رهبانا)
(بَنو أبي وَبَنُو عمي دمي دمهم ... وَإِن أروني مناواة وشنآنا)
стр. 319
(يطيب النَّفس عَنْهُم أَنهم رحلوا ... وخلفوني على الْآثَار عجلانا)
وَكتب إِلَيْهِ الصَّالح بن رزيك قصيدة يعزيه عَن أَهله مِنْهَا
(بَابي شخصك الَّذِي لَا يغيب ... عَن عياني فَهُوَ الْبعيد الْقَرِيب)
(يَا أخلاى بالشآم لَئِن غبتم ... فشوقي إِلَيْكُم لَا يغيب)
(غصبتنا الْأَيَّام قربكم منا ... وَلَا بُد أَن ترد الغصوب)
(كره الشَّام أَهله فَهُوَ محقوق ... بألا يُقيم فِيهِ لَبِيب)
(إِن تجلت عَنهُ الحروب قَلِيلا ... خلفتها زلازل وخطوب)
(رقصت أرضه عَشِيَّة غنى الرَّعْد ... فِي الجو والكريم طروب)
(وتثنت حيطانه إِذْ أمالتها ... شمال بزمرها وجنوب)
(لَا هبوب لنائم من أمانيه ... وللعاصفات فِيهَا هبوب)
(وَأرى الْبَرْق شامتا ضَاحِك السن ... وللجو بالغمام قطوب)
(ذكرُوا أَنه تذوب بِهِ السحب ... فَمَا للصخور أَيْضا تذوب)
(أبذنب أَصَابَهَا قدر الله ... فللأرض كالأنام ذنُوب)
(إِن ظَنِّي وَالظَّن مثل سِهَام الرَّمْي ... مِنْهَا المخطي وَمِنْهَا الْمُصِيب)
(إِن هَذَا لِأَن غَدَتْ ساحة الْقُدس ... وَمَا لِلْإِسْلَامِ فِيهَا نصيب)
(منزل الْوَحْي قبل بعث رَسُول الله ... فَهُوَ المحجوج والمحجوب)
(نزلت وَسطه الْخَنَازِير وَالْخمر ... وبارى الناقوس فِيهِ الصَّلِيب)
(لَو رَآهُ الْمَسِيح لم يرض فعلا ... ذكرُوا أَنه لَهُ مَنْسُوب)
(ابعد النَّاس عَن عبَادَة رب النَّاس ... قوم إلههم مصلوب)
стр. 320
(لهف نَفسِي على ديار من السكان ... أقوت فَلَيْسَ فِيهَا عريب)
(فاحتسب مَا اصاب قَوْمك مجد الدّين ... واصبر فالحادثات ضروب)
(إِن تخصصكم نَوَائِب مَا زَالَت ... لكم دون من سواكم تنوب)
(فكذاك الْقَنَاة يكسر يَوْم الروع ... مِنْهَا صدر وَتبقى الكعوب)
وقرأت فِي = ديوَان العرقلة = كَانَ الْمولى صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب مَعَ عبيد غُلَام الْمولى وَكَانَ عبيد هَذَا مَوْصُوفا بالثقل فِي بَيت بِمَدِينَة حماة يَوْم الزلزلة فَوَقَعت الْمَدِينَة بأسرها سوى ذَلِك الْبَيْت الَّذِي هما فِيهِ
فَقَالَ العرقلة
(قل لصلاح الدّين رب الندى ... بلغ عبيدا كل مَا أمله)
(بثقله لما تصاحبتما ... سلمك الله من الزلزله)
وقرأت فِي بعض كتب أَبى الْحُسَيْن الرَّازِيّ عَن شُيُوخه أَنه وَقع بِدِمَشْق فِي ذِي الْقعدَة سنه خمس وَأَرْبَعين ومئتين زلازل عَظِيمَة حُكيَ عَنْهَا نَحْو مِمَّا مضى ذكره وَأكْثر نسْأَل الله تَمام الْعَافِيَة
следующие страницы →