Полный текст (1 810 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
زلازل وَلَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين وَالْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهُ أَيْضا زلازل نفر النَّاس من هولها إِلَى الْجَامِع والأماكن المنكشفة وضجوا بِالتَّكْبِيرِ والتهليل وَالتَّسْبِيح وَالدُّعَاء والتضرع إِلَى الله تَعَالَى
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة انسلاخ ذِي الْقعدَة وافت زَلْزَلَة رجفت لَهَا الأَرْض وانزعج لَهَا النَّاس
قَالَ ابْن الْأَثِير فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين كَانَ بِالشَّام زَلْزَلَة شَدِيدَة ذَات رجفات عَظِيمَة متتابعة أخربت الْبِلَاد وأهلكت الْعباد وَكَانَ أَشدّهَا بِمَدِينَة حماة وحصن شيزر فَإِنَّهُمَا خربا بِمرَّة وَكَذَا مَا جاورهما كحصن بارين والمعرة وَغَيرهمَا من الْبِلَاد والقرايا
وَهلك تَحت الْهدم من الْخلق مَالا يُحْصِيه إِلَّا الله تَعَالَى وتهدمت الأسوار والدور والقلاع وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى من على الْمُسلمين بِنور الدّين جمع العساكر وَحفظ الْبِلَاد وَإِلَّا كَانَ دَخلهَا الفرنج بِغَيْر حِصَار وَلَا قتال
قَالَ وَلَقَد بَلغنِي من كَثْرَة الهلكى أَن بعض المعلمين بحماة ذكر أَنه فَارق الْمكتب لمهم فَجَاءَت الزلزلة فأخربت الدّور وَسقط الْمكتب على الصّبيان جَمِيعهم قَالَ الْمعلم فَلم يَأْتِ أحد يسْأَل عَن صبي كَانَ لَهُ فِي الْمكتب
قلت وقرأت فِي ديوَان الْأَمِير الْفَاضِل مؤيد الدولة أُسَامَة بن مرشد بن منقذ وَقَالَ فِي الزلازل الَّتِي أهلكت كثيرا من أهل الشَّام وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا فِي شهر الله رَجَب سنة إِحْدَى وَخمسين وَخمْس مئة وَهلك بهَا من هلك من الْخلق فَكَانَ نَحوا من عشرَة آلَاف نسمَة قَالَ وَكتب هَذَا الْمَكْتُوب والزلازل إِلَى الْآن تتعاهد الْبِلَاد
стр. 317
(نمنا عَن الْمَوْت والمعاد وأصبحنا ... نظن الْيَقِين احلاما)
(فحركتنا هذى الزلازل أَي ... تيقظوا كم ينَام من نَامَا)
وَقَالَ أَيْضا
(أَيهَا الغافلون عَن سكرة الْمَوْت ... وَإِذ لَا يسوغ فِي الْحلق ريق)
(كم إِلَى كم هَذَا التشاغل والغفلة ... حَار الساري وضل الطَّرِيق)
(إِنَّمَا هزت الزلازل هذي الأَرْض بالغافلين كي يستفيقوا)
وَقَالَ فِي الزلازل أَيْضا وَقد سكن النَّاس بعد الدّور والنزهة فِي أكواخ عملوها بالأخشاب لِئَلَّا تهدها الزلازل
(يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ ارْحَمْ عِبَادك من ... هذى الزلازل فَهِيَ الهلك والعطب)
(ماجت بهم أَرضهم حَتَّى كَأَنَّهُمْ ... ركاب بَحر مَعَ الأنفاس تضطرب)
(فنصفهم هَلَكُوا فِيهَا ونصفهم ... لمصرع السّلف الماضين يرتقب)
(تعوضوا من مشيدات الْمنَازل بالأكواخ ... فَهِيَ قُبُور سقفها خشب)
(كَأَنَّهَا سفن قد أَقبلت وهم ... فِيهَا فَلَا ملْجأ مِنْهَا وَلَا هرب)
وَقَالَ يرثى أَهله الَّذين هَلَكُوا بالزلازل بحصن شيزر قصيدة مِنْهَا
(مَا استدرج الْمَوْت قومِي فِي هلاكهم ... وَلَا تخرمهم مثنى ووحدانا)
(فَكنت أَصْبِر عَنْهُم صَبر محتسب ... وأحمل الْخطب فيهم عز أَو هانا)
стр. 318
(وأقتدي بالورى قبلي فكم فقدوا ... أَخا وَكم فارقوا أَهلا وجيرانا)
(لَكِن سقب المنايا وسط جمعهم ... رغا فَخَروا على الأذقان إذعانا)
(وفاجأتهم من الْأَيَّام قَارِعَة ... سقتهم بكؤوس الْمَوْت ذيفانا)
(مَاتُوا جَمِيعًا كرجع الطّرف وانقرضوا ... هَل مَا ترى تَارِك للعين إنْسَانا)
(أعزز عَليّ بهم من معشر صَبر ... على الحفيظة إِن ذُو لوثة لانا)
(لم يتْرك الدَّهْر لي من عبد فقدهم ... قلبا أجشمه صبرا وسلوانا)
(فَلَو رأوني لقالوا مَاتَ أسعدنا ... وعاش للهم وَالْأَحْزَان أشقانا)
(لم يتْرك الْمَوْت مِنْهُم من يُخْبِرنِي ... عَنْهُم فيوضح مَا قَالُوهُ تبيانا)
(بادوا جَمِيعًا وَمَا شادوا فوا عجبا ... للخطب أهلك عمارا وعمرانا)
(هذى قصورهم أمست قُبُورهم ... كَذَاك كَانُوا بهَا من قبل سكانا)
(وَيْح الزلازل افنت معشري فَإِذا ... ذكرتهم خلتني فِي الْقَوْم سكرانا)
(لَا ألتقي الدَّهْر من بعد الزلازل مَا ... حييت إِلَّا كسير الْقلب حيرانا)
(أخنت على معشري الأدنين فاصطلمت ... مِنْهُم كهولا وشبانا وولدانا)
(لم يحمهم حصنهمْ مِنْهَا وَلَا رهبت ... بَأْسا تناذره الأقران أزمانا)
(إِن أقفرت شيزر مِنْهُم فهم جعلُوا ... منيع أسوارها بيضًا وخرصانا)
(هم حموها فَلَو شاهدتها وهم ... بهَا لشاهدت آسادا وخفانا)
(تراهم فِي الوغى أسدا وَيَوْم ندى ... غيثا مغيثا وَفِي الظلماء رهبانا)
(بَنو أبي وَبَنُو عمي دمي دمهم ... وَإِن أروني مناواة وشنآنا)
стр. 319
(يطيب النَّفس عَنْهُم أَنهم رحلوا ... وخلفوني على الْآثَار عجلانا)
وَكتب إِلَيْهِ الصَّالح بن رزيك قصيدة يعزيه عَن أَهله مِنْهَا
(بَابي شخصك الَّذِي لَا يغيب ... عَن عياني فَهُوَ الْبعيد الْقَرِيب)
(يَا أخلاى بالشآم لَئِن غبتم ... فشوقي إِلَيْكُم لَا يغيب)
(غصبتنا الْأَيَّام قربكم منا ... وَلَا بُد أَن ترد الغصوب)
(كره الشَّام أَهله فَهُوَ محقوق ... بألا يُقيم فِيهِ لَبِيب)
(إِن تجلت عَنهُ الحروب قَلِيلا ... خلفتها زلازل وخطوب)
(رقصت أرضه عَشِيَّة غنى الرَّعْد ... فِي الجو والكريم طروب)
(وتثنت حيطانه إِذْ أمالتها ... شمال بزمرها وجنوب)
(لَا هبوب لنائم من أمانيه ... وللعاصفات فِيهَا هبوب)
(وَأرى الْبَرْق شامتا ضَاحِك السن ... وللجو بالغمام قطوب)
(ذكرُوا أَنه تذوب بِهِ السحب ... فَمَا للصخور أَيْضا تذوب)
(أبذنب أَصَابَهَا قدر الله ... فللأرض كالأنام ذنُوب)
(إِن ظَنِّي وَالظَّن مثل سِهَام الرَّمْي ... مِنْهَا المخطي وَمِنْهَا الْمُصِيب)
(إِن هَذَا لِأَن غَدَتْ ساحة الْقُدس ... وَمَا لِلْإِسْلَامِ فِيهَا نصيب)
(منزل الْوَحْي قبل بعث رَسُول الله ... فَهُوَ المحجوج والمحجوب)
(نزلت وَسطه الْخَنَازِير وَالْخمر ... وبارى الناقوس فِيهِ الصَّلِيب)
(لَو رَآهُ الْمَسِيح لم يرض فعلا ... ذكرُوا أَنه لَهُ مَنْسُوب)
(ابعد النَّاس عَن عبَادَة رب النَّاس ... قوم إلههم مصلوب)
стр. 320
(لهف نَفسِي على ديار من السكان ... أقوت فَلَيْسَ فِيهَا عريب)
(فاحتسب مَا اصاب قَوْمك مجد الدّين ... واصبر فالحادثات ضروب)
(إِن تخصصكم نَوَائِب مَا زَالَت ... لكم دون من سواكم تنوب)
(فكذاك الْقَنَاة يكسر يَوْم الروع ... مِنْهَا صدر وَتبقى الكعوب)
وقرأت فِي = ديوَان العرقلة = كَانَ الْمولى صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب مَعَ عبيد غُلَام الْمولى وَكَانَ عبيد هَذَا مَوْصُوفا بالثقل فِي بَيت بِمَدِينَة حماة يَوْم الزلزلة فَوَقَعت الْمَدِينَة بأسرها سوى ذَلِك الْبَيْت الَّذِي هما فِيهِ
فَقَالَ العرقلة
(قل لصلاح الدّين رب الندى ... بلغ عبيدا كل مَا أمله)
(بثقله لما تصاحبتما ... سلمك الله من الزلزله)
وقرأت فِي بعض كتب أَبى الْحُسَيْن الرَّازِيّ عَن شُيُوخه أَنه وَقع بِدِمَشْق فِي ذِي الْقعدَة سنه خمس وَأَرْبَعين ومئتين زلازل عَظِيمَة حُكيَ عَنْهَا نَحْو مِمَّا مضى ذكره وَأكْثر نسْأَل الله تَمام الْعَافِيَة
стр. 321
فصل
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى فِي ثَالِث عشر ربيع الأول توجه نور الدّين إِلَى نَاحيَة بعلبك لتفقد أحوالها وَتَقْرِير أَمر المستحفظين لَهَا وتواصلت الْأَخْبَار إِلَيْهِ من نَاحيَة حمص وحماة بإغارة الفرنج الملاعين على تِلْكَ الْأَعْمَال
وَفِي خَامِس عشر ربيع الأول ورد المبشر من الْعَسْكَر الْمَنْصُور بِرَأْس المَاء بِأَن نصْرَة الدّين أَمِير أميران لما انْتهى إِلَيْهِ خبر الفرنج أَنهم قد أنهضوا سَرِيَّة وافرة الْعدَد إِلَى نَاحيَة بانياس لتقويتها أسْرع النهضة إِلَيْهِم وعدتهم سبع مئة فَارس سوى الرجالة فأدركهم قبل الْوُصُول إِلَى بانياس وَقد خرج إِلَيْهِم من كَانَ فِيهَا من حماتها فأوقع بهم وَقد كَانَ كمن لَهُم فِي مَوَاضِع كمناء من شجعان الأتراك واندفع الْمُسلمُونَ بَين أَيْديهم فِي أول المجال وَظهر عَلَيْهِم الكمناء فَأنْزل الله نَصره على الْمُسلمين بِحَيْثُ لم ينج مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل وصاروا بأجمعهم بَين قَتِيل وجريح ومسلوب وأسير وَحصل فِي أَيدي الْمُسلمين من خيولهم وسلاحهم وَأَمْوَالهمْ وأسراهم ورؤوس قتلاهم مَا لَا يحد كَثْرَة ومحقت السيوف عَامَّة رجالتهم من الإفرنج ومسلمي جبل عاملة المضافين إِلَيْهِم ووصلت الأسرى ورؤوس الْقَتْلَى وَالْعدَد إِلَى دمشق وطيف بهم وَقد اجْتمع لمشاهدتهم الْخلق وَكَانَ يَوْمًا مشهودا
وأنفذ إِلَى نور الدّين إِلَى بعلبك جمَاعَة من أسرى الْمُشْركين فَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم صبرا
стр. 322
قَالَ وَتبع هَذَا الْفَتْح وُرُود الْبُشْرَى الثَّانِيَة من أَسد الدّين باجتماع الْعدَد الْكثير إِلَيْهِ من شجعان التركمان وَأَنه قد ظفر من الْمُشْركين بسريه وافرة ظَهرت فِي معاقلهم من نَاحيَة الشمَال فانهزمت وتخطف التركمان مِنْهُم من ظفروا بِهِ
قَالَ وَوصل أَسد الدّين إِلَى بعلبك فِي الْعَسْكَر من مقدمي التركمان وأبطالهم للْجِهَاد وهم فِي الْعدَد الْكثير والجم الْغَفِير واجتمعوا بِنور الدّين وتقررت الْحَال على قصد بِلَاد الْمُشْركين لتدويخها والابتداء بالنزول على بانياس وَقدم نور الدّين دمشق فِي إِخْرَاج آلَات الْحَرْب وتجهيزها إِلَى الْعَسْكَر بِحَيْثُ يُقيم أَيَّامًا يسيرَة وَيتَوَجَّهُ
وَأمر بالنداء بِدِمَشْق فِي الْغُزَاة والمجاهدين فَتَبِعَهُ من الْأَحْدَاث والمطوعة وَالْفُقَهَاء والصوفية والمتدينين خلق كثير وَخرج يَوْم السبت انسلاخ شهر ربيع الأول
وَفِي سَابِع ربيع الآخر عقيب نزُول نور الدّين على بانياس ومضايقته لَهَا بالمنجنيقات وَالْحَرب سقط بِدِمَشْق الطَّائِر من الْعَسْكَر الْمَنْصُور بِظَاهِر بانياس يتَضَمَّن كِتَابه الْإِعْلَام بورود المبشر من معسكر أَسد الدّين بِنَاحِيَة هونين فِي التركمان وَالْعرب بِأَن الفرنج خذلهم الله تَعَالَى أنهضوا سَرِيَّة من أَعْيَان مقدميهم وأبطالهم تزيد على مئة فَارس سوى أتباعهم لكبس الْمَذْكُورين ظنا مِنْهُم بِأَنَّهُم فِي قل وَلم يعلمُوا انهم فِي أُلُوف فَلَمَّا دنوا مِنْهُم وَثبُوا إِلَيْهِم كالليوث إِلَى فرائسها فأطبقوا عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ والأسر
стр. 323
وَالسَّلب وَلم يبْق مِنْهُم إِلَّا الْيَسِير ووصلت الأسرى ورؤوس الْقَتْلَى وعددهم من الْخُيُول المنتخبة والطوارق والقنطاريات إِلَى دمشق وطيف بهم فِيهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ تالي الْيَوْم الْمَذْكُور
قَالَ وتلا هَذِه الموهبة المتجددة سُقُوط الطَّائِر من المعسكر المحروس ببانياس فِي يَوْم الثُّلَاثَاء تلو الْمَذْكُور يذكر افْتِتَاح مَدِينَة بانياس بِالسَّيْفِ قهرا على مُضِيّ أَربع سَاعَات من يَوْم الثُّلَاثَاء الْمَذْكُور عِنْد تناهي النقب وَإِطْلَاق النَّار فِيهِ وَسُقُوط البرج المنقوب وهجوم الرِّجَال فِيهِ وبذل السَّيْف فِي قتل من فِيهِ وَنهب مَا حواه وانهزام من سلم إِلَى القلعة وانحصارهم بهَا وَأَن أَخذهم بِمَشِيئَة الله تَعَالَى لَا يبطئ وَالله يسهله ويعجله
قَالَ وَاتفقَ بعد ذَلِك أَن الفرنج تجمعُوا من معَاقلهم عازمين على استنقاذ الهنفري صَاحب بانياس وَمن مَعَه من أَصْحَابه المحصورين بقلعة بانياس وَقد أشرفوا على الْهَلَاك وَبَادرُوا وبالغوا فِي السُّؤَال لنُور الدّين الْأمان ويسلمون مَا فِي أَيْديهم من القلعة وَمَا حوته لينجوا سَالِمين فَلم يجبهم إِلَى مَا سَأَلُوا وَرَغبُوا فِيهِ فَلَمَّا وصل ملك الإفرنج فِي جمعه من الْفَارِس والراجل من نَاحيَة الْجَبَل على حِين غفله من العسكرين النَّازِل على بانياس لحصارها والنازل على الطَّرِيق لمنع الْوَاصِل إِلَيْهَا اقْتَضَت السياسة الاندفاع عَنْهَا بِحَيْثُ وصلوا إِلَيْهَا واستخلصوا من كَانَ فِيهَا وَحين
стр. 324
شاهدوا مَا عَم بانياس من إخراب سورها ومنازل سكانها يئسوا من عمارتها بعد خرابها
قَالَ وَفِي تَاسِع جُمَادَى الأولى سَقَطت الأطيار بالكتب من المعسكر النوري تَتَضَمَّن الْإِعْلَام بِأَن الْملك الْعَادِل نور الدّين أعز الله نَصره لما عرف أَن معسكر الْكَفَرَة الإفرنج على الملاحة بَين طبرية وبانياس نَهَضَ فِي عسكره الْمَنْصُور من الأتراك وَالْعرب وجد فِي السّير فَلَمَّا شارفهم وهم غَارونَ وشاهدوا راياته قد أظلتهم بَادرُوا بِلبْس السِّلَاح وَالرُّكُوب وافترقوا أَربع فرق وحملوا على الْمُسلمين فَعِنْدَ ذَلِك ترجل الْملك نور الدّين فترجلت مَعَه الْأَبْطَال وأرهقوهم بِالسِّهَامِ وخرصان الرماح حَتَّى تزلزلت بهم الْأَقْدَام ودهمهم الْبَوَار وَالْحمام فَأنْزل الله تَعَالَى نَصره على الْمُسلمين وتمكنوا من فرسانهم قتلا وأسرا واستأصلت السيوف الرجالة وهم الْعدَد الْكثير فَلم يفلت مِنْهُم غير عشرَة نفر وَقيل إِن ملكهم لَعنه الله فيهم وَقيل إِنَّه فِي جملَة الْقَتْلَى وَلم يعرف لَهُ خبر وَلم يفقد من عَسْكَر الْإِسْلَام سوى رجلَيْنِ أَحدهمَا من الْأَبْطَال الْمَذْكُورين قتل أَرْبَعَة من شجعان الْكَفَرَة وَقتل عِنْد حُضُور أَجله إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى وَالْآخر غَرِيب لَا يعرف وكل مِنْهُمَا مضى شَهِيدا مثابا مأجورا رحمهمَا الله
وامتلأت أَيدي العساكر من خيولهم وعددهم وكراعهم وأثاث سوادهم وحصلت كنيستهم فِي يَد الْملك نور الدّين بالاتها الْمَشْهُورَة وَكَانَ فتحا مُبينًا ونصرا عَزِيزًا ووصلت
стр. 325
الأسرى ورؤوس الْقَتْلَى إِلَى دمشق يَوْم الْأَحَد تالي يَوْم الْفَتْح وَقد رتبوا على كل جمل فارسين من أبطالهم ومعهما راية من راياتهم منشورة وفيهَا من جُلُود رؤوسهم بشعرها عدَّة والمقدمون مِنْهُم وولاة المعاقل والأعمال كل وَاحِد مِنْهُم على فرس وَعَلِيهِ الزردية والخوذة وَفِي يَده راية والرجالة كل ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَأَقل وَأكْثر فِي حَبل وَخرج من أهل الْبَلَد الْخلق الَّذِي لَا يُحْصى لَهُم عدد من الشُّيُوخ والشبان وَالنِّسَاء وَالصبيان لمشاهدة مَا منح الله تَعَالَى ذكره كَافَّة الْمُسلمين من هَذَا النَّصْر الْمُبين وَأَكْثرُوا شكر الله تَعَالَى وَالدُّعَاء لنُور الدّين المحامي عَنْهُم والرامي دونهم وَالثنَاء على مكارمه وَالْوَصْف لمحاسنه
ونظم فِي ذَلِك أَبْيَات فِي هَذَا الْمَعْنى
(مَا رَأينَا فِيمَا تقدم يَوْمًا ... كَامِل الْحسن غَايَة فِي الْبَهَاء)
(مثل يَوْم الفرنج حِين علتهم ... ذلة الْأسر والبلا والفناء)
(وبراياتهم على العيس زفوا ... بَين ذل وحسرة وعناء)
(بعد عز لَهُم وهيبة ذكر ... فِي مصَاف الحروب والهيجاء)
(هَكَذَا هَكَذَا هَلَاك الأعادي ... عِنْد شن الإغارة الشعواء)
(شُؤْم أَخذ الجشار كَانَ وبالا ... عمهم فِي صباحهم والمساء)
(نقضوا هدنة الصّلاح بِجَهْل ... بعد تأكيدها بِحسن الْوَفَاء)
(فَلَقوا بغيهم بِمَا كَانَ مِنْهُم ... من فَسَاد بجهلهم واعتداء)
стр. 326
(لَا حمى الله شملهم من شتات ... بمواض تفوق حد المضاء)
(فجزاء الكفور قتل واسر ... وَجَزَاء الشكُور خير الْجَزَاء)
(ولرب الْعباد حمد وشكر ... دَائِم مَعَ تواصل النعماء)
قَالَ وَشرع نور الدّين فِي قصد أَعْمَالهم لتملكها وتدويخها وَالله الْمعِين والموفق
وَقَالَ ابْن أبي طي فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين أغارت الفرنج على بلد حمص وحماة وافسدوا وَأَكْثرُوا العيث واتصل ذَلِك بِنور الدّين فأنهد إِلَيْهِم عسكرا كثيفا فأوقع بهم وَهَزَمَهُمْ إِلَى أَرض بانياس وَخرج نور الدّين حَتَّى نزل على بانياس وحاصرها أَشد حِصَار حَتَّى افتتحها فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من ربيع الأول وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ للفرنج فِيهَا وأنفذ الْغَنِيمَة وَالْأسَارَى مَعَ أَسد الدّين إِلَى دمشق وأنفذ مَعَه مِقْدَار ألف رَأس واتصل ذَلِك بالفرنج فأنهضت إِلَى مُعَارضَة أَسد الدّين قِطْعَة من خيالتها واتصل هَذَا بأسد الدّين وَقد دهمته الفرنج فَلبس لأمته وَتقدم فِي جمَاعَة من مماليكه بَين يَدي الْعَسْكَر وَأمر الرِّجَال بلقاء الفرنج وناجزهم الْحَرْب فَلم يتماسكوا بَين يَدَيْهِ وَرَجَعُوا على أدبارهم وتبعهم مِقْدَار فرسخين يقتل ويأسر وغنم مِنْهُم غنيمَة حَسَنَة وَعَاد إِلَى أَصْحَابه ظافرا وَتوجه فِي وجهته مؤيدا
стр. 327
فصل
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى وَفِي الْعشْر الثَّانِي من جُمَادَى الْآخِرَة تواصلت الْأَخْبَار بوصول ولد السُّلْطَان مَسْعُود فِي خلق كثير للنزول على أنطاكية وأوجبت الصُّورَة تَقْرِير المهادنة بَين نور الدّين وَملك الإفرنج وتكررت المراسلات بَينهمَا والاقتراحات والمشاجرات بِحَيْثُ فسد الْأَمر وَلم يسْتَقرّ على مصلحَة وَوصل نور الدّين إِلَى مقرّ عزه فِي بعض عسكره وَأقر بَاقِيه ومقدميه مَعَ الْعَرَب بِإِزَاءِ أَعمال الْمُشْركين
قَالَ وَفِي ثَالِث رَجَب توجه نور الدّين إِلَى نَاحيَة حلب وأعمالها لتجديد مشاهدتها وَالنَّظَر فِي حمايتها عِنْدَمَا عاث الْمُشْركُونَ فِيهَا وَقربت عَسَاكِر الْملك ابْن مَسْعُود مِنْهَا
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك قد تقدم من ذكر نور الدّين ونهوضه فِي عساكره من دمشق إِلَى بِلَاد الشَّام عِنْد انْتِهَاء الْخَبَر إِلَيْهِ بتجمع أحزاب الفرنج خذلهم الله تَعَالَى وقصدهم لَهَا وطمعهم فِيهَا بِحكم مَا حدث من الزلازل والرجفات المتتابعة لَهَا وَمَا هدمت من الْحُصُون والقلاع والمنازل فِي أَعمالهَا وثغورها لحمايتها والذب عَنْهَا وإيناس من سلم من أهل حمص وشيزر وَكفر طَابَ وحماة وَغَيرهَا بِحَيْثُ اجْتمع إِلَيْهِم الْعدَد الْكثير والجم الْغَفِير من رجال المعاقل والأعمال والتركمان وخيم بهم بِإِزَاءِ جمع الفرنج
стр. 328
بِالْقربِ من أنطاكية وحصرهم بِحَيْثُ لم يقدر فَارس مِنْهُم على الْإِقْدَام على الْفساد فَلَمَّا مَضَت أَيَّام من شهر رَمَضَان عرض لنُور الدّين ابْتِدَاء مرض حاد فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ وَخَافَ مِنْهُ على نفسة استدعى أَخَاهُ نصْرَة الدّين أَمِير أميران وَأسد الدّين شيركوه وأعيان الْأُمَرَاء والمقدمين وَأوصى إِلَيْهِم مَا اقْتَضَاهُ رَأْيه واستصوبه وَقرر مَعَهم كَون أَخِيه نصْرَة الدّين الْقَائِم فِي منصبه من بعده والساد لثلمة فَقده لاشتهاره بالشهامة وَشدَّة الْبَأْس وَيكون مُقيما بحلب وَيكون أَسد الدّين فِي دمشق فِي نِيَابَة نصْرَة الدّين واستحلف الْجَمَاعَة على هَذِه الْقَاعِدَة
فَلَمَّا تقررت اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض فَتوجه فِي محفة إِلَى حلب وَحصل فِي قلعتها وَتوجه أَسد الدّين إِلَى دمشق لحفظ أَعمالهَا من فَسَاد الإفرنج
وتواصلت الأراجيف بِنور الدّين فقلقت النُّفُوس وانزعجت الْقُلُوب فتقرقت جموع الْمُسلمين واضطربت الْأَعْمَال وطمع الفرنج فقصدوا مَدِينَة شيزر وهجموها وحصلوا فِيهَا فَقتلُوا واسروا ونهبوا
وَتجمع من عدَّة جِهَات خلق كثير من رجال الإسماعيلية وَغَيرهم وظهروا عَلَيْهِم فَقتلُوا مِنْهُم وأخرجوهم من شيزر
وَاتفقَ وُصُول نصْرَة الدّين إِلَى حلب فأغلق والى القلعة مجد الدّين فِي وَجهه الْأَبْوَاب وَعصى عَلَيْهِ فثارت أَحْدَاث حلب وَقَالُوا هَذَا صاحبنا وملكنا بعد أَخِيه
فزحفوا فِي السِّلَاح إِلَى بَاب الْبَلَد وكسروا أغلاقه وَدخل نصْرَة الدّين فِي أَصْحَابه وَحصل فِي الْبَلَد وَقَامَت الْأَحْدَاث على وَالِي القلعة باللوم وَالْإِنْكَار والوعيد واقترحوا على نصْرَة الدّين اقتراحات من جُمْلَتهَا إِعَادَة رسمهم فِي التأذين حَيّ على خير الْعَمَل مُحَمَّد وَعلي خَيْرُ الْبشر فأجابهم إِلَى مَا رَغِبُوا فِيهِ وَأحسن القَوْل لَهُم والوعد وَنزل فِي دَاره وأنفذ وَالِي القلعة إِلَيْهِ وَإِلَى الحلبيين يَقُول مَوْلَانَا نور الدّين حَيّ فِي نَفسه وَمَا كَانَ إِلَى مَا فعل حَاجَة
فَقيل الذَّنب فِي ذَلِك للوالي
وَصعد إِلَى القلعة من شَاهد نور الدّين حَيا
стр. 329
يفهم مَا يَقُول وَمَا يُقَال لَهُ
فَأنْكر مَا جرى وَقَالَ أَنا أصفح للأحداث عَن هَذَا الخطل وَلَا أؤاخذهم بالزلل وَمَا طلبُوا إِلَّا صَلَاح حَال أخي وَولي عهدي من بعدِي وشاعت الْأَخْبَار وانتشرت البشائر فِي الأقطار بعافيته فأنست الْقُلُوب بعد الاستيحاش وابتهجت النُّفُوس بعد القلق والانزعاج وتزايدت الْعَافِيَة وصرفت الهمم إِلَى مكاتبات المقدمين بِالْعودِ إِلَى جِهَاد الملاعين
وَكَانَ نصْرَة الدّين قد ولي مَدِينَة حران وَمَا أضيف إِلَيْهَا وَتوجه نَحْوهَا
وَلما تناصرت إلأخبار بالبشائر إِلَى أَسد الدّين بِدِمَشْق بعافية نور الدّين واعتزامه على استدعاء العساكر الإسلامية للْجِهَاد سارع بالنهوض من دمشق إِلَى حلب وَوصل إِلَيْهَا فِي خيله وَاجْتمعَ بِنور الدّين فَأكْرم لقيَاهُ وشكر مسعاه وشرعوا فِي حماية الْأَعْمَال من شَرّ عصب الْكفْر والضلال
قَالَ ونظمت هَذِه الأبيات فِي هَذَا الْمَعْنى
(لقد حسنت صفاتك يَا زماني ... وفزت بِمَا رَجَوْت من الْأَمَانِي)
(فكم أَصبَحت مرتاعا لخوف ... فبدلت المخافة بالأمان)
(وجاءتنا أراجيف بِملك ... عَظِيم الشَّأْن مَسْعُود الزّمان)
(فروعت الْقُلُوب من البرايا ... وَصَارَ شجاعها مثل الجبان)
(وثارت فتْنَة يٌخشى أذاها ... على الْإِسْلَام فِي قاصٍ ودان)
(ووافى بعد ذَاك بشير صدق ... بعافية المليك مَعَ التهاني)
(فولى الْخَوْف منهدم المباني ... وَعَاد الْأَمْن معمور المغاني)
قَالَ ابْن أَبى طي وَفِي هَذِه السّنة كَانَت الزلزلة الَّتِي هدمت شيزر
стр. 330
فَخرج نور الدّين وَأَخذهَا من بني منقذ وَسلمهَا إِلَى مجد الدّين ابْن الداية وَسَار إِلَى سرمين لِأَنَّهُ بلغه حَرَكَة الفرنج فاعترضه هُنَاكَ مرض أشفى مِنْهُ فأحضر شيركوه وأوصاه بالعساكر وَأَن يكون الْأَمر بعده لِأَخِيهِ نصْرَة الدّين أَمِير أميران
فَسَار أَسد الدّين إِلَى دمشق وَأقَام بمرج الصفر خوفًا أَن يَتَحَرَّك الفرنج إِلَى جِهَة دمشق أَو غَيرهَا وَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى تعافى نور الدّين فَعَاد إِلَى خدمته مهنئا لَهُ بالعافية
وَكَانَ أَخُوهُ نصْرَة الدّين قد حاصر قلعة حلب فِي مُدَّة مرض نور الدّين فَلَمَّا أَفَاق نور الدّين من مَرضه سيرة إِلَى حران وَجعل ولي عَهده أَخَاهُ قطب الدّين صَاحب الْموصل
قَالَ وَكَانَ مجد الدّين طمع فِي الْملك لنَفسِهِ فتحزم لأَمره وتقرب إِلَى النَّاس وَجعل لَهُ أَصْحَاب أَخْبَار وشحن الطرقات والسبل بِالرِّجَالِ بتفتيش الخارجين من حلب وَغَيرهَا والداخلين إِلَيْهَا
قلت وَلابْن مُنِير تهنئة لنُور الدّين بالعافية من مرض غير هَذَا
(يَا شمس لَا كسف وَلَا تكدار ... وَلَا خلت من نورك الْأَنْوَار)
(الْبَدْر مَنْقُوص وَأَنت كَامِل ... لَك السَّرَايَا وَله السرَار)
(برؤك لِلْإِسْلَامِ من أدوائه ... برْء وَفِي أعدائه بوار)
(مَا أَنْت إِلَّا السَّيْف صد صدأ ... عَن مَتنه مضربه البتار)
(لَو كَانَ مَحْمُولا أَذَى عَن منفس ... لحملته دُونك الْأَبْصَار)
(وَلَو فدت أَرض سَمَاء ساقت الْمُلُوك ... فِي فدائك الْأَمْصَار)
(انت غياث محلهم إِن أجدبوا ... وَخَيرهمْ إِن ذكر الْخِيَار)
(وَفِي سَرِير الْملك مِنْهَا ملك ... لله فِي سرائه أسرار)
стр. 331
(خير مُلُوك الأَرْض جدا وَأَبا ... إِن هز عطفي مَا جد نجار)
(مد على الدّين رواق دولة ... تنازعت أسمارها السمار)
(علت بناياه وحلت يَده ... فَهِيَ عَلَيْهِ السُّور والسوار)
(مَحْمُود الْمَحْمُود عصر ملكه ... فللحيا من مزنه اعتصار)
(يَا نور دين أظلمت آفاقه ... لَو لم تبلج هَذِه الْآثَار)
(لله أيامك مَا تخطه ... بالمسك من إسفارها الْأَسْفَار)
(سلمت لِلْإِسْلَامِ ترعى سرحه ... إِذا ونى رعاته وجاروا)
(شَكَوْت فالدنيا على سكانها ... قرارة جَانبهَا الْقَرار)
(كَادَت تَمُوت الأَرْض من إشفاقها ... لَوْلَا شِفَاء ردهَا تمار)
(زرت عَلَيْك التّرْك جيب نسب ... يحسدها بزيه نزار)
(لَا عَدِمت مِنْك الْأَمَانِي رَبهَا ... معطى من الإقبال مَا يخْتَار)
(مَا سمح الدَّهْر بِأَن تبقى لنا ... فَكل جرح مسنا جَبَّار)
وَله من قصيدة أُخْرَى
(لَا نُؤَدِّي لأنعم الله شكرا ... بك يَا أعظم الْبَريَّة قدرا)
(زور عشر وافى لإقلاع دَاء ... جعلا الْمِنَّة الممناة عشرا)
(ام مغناك ضَامِنا أَن أيامك ... تفني الأحقاب عصرا فعصرا)
(فِي مَحل لَهُ السماكان سمك ... وجدود لَهَا المجرة مجْرى)
(أَيهَا الْعَادِل المظفر لاقصت ... شبا الدَّهْر من شباتك ظفرا)
(جعل الله مَا اسْتهلّ من الْأَشْهر ... ينهل فِي مغازيك نصرا)
(أبدا ينشر التهاني على ساحاتك ... الزهر فِي المواسم نشرا)
стр. 332
(أَنْت أسرى الْمُلُوك نفسا وقنسا ... وَإِلَى أسرهم من الطيف أسرى)
(ملك عِنْده المشارب تستمرى ... وأخلاف الْجُود تمرى فتفرى)
(فلك الله من مثمر بذر ... يصطفي صَالحا ويحصد أجرا)
(عش لملك أَصبَحت فِي الدست مِنْهُ ... فَوق كسْرَى عدلا وشعبا وكسرا)
(تفطر الطَّيِّبَات للفطر فطرا ... وتعم الْأَعْدَاء فِي النَّحْر نحرا)
(يقتنى من كساك أنفس ملبوس ... ويقنيك مِنْهُ أطول عمرا)
(أَنْت تملي وَنحن ننظم مَا تنثره ... الغر من مساعيك نثرا)
(صرف الله عَنْك عين زمَان ... بك صَارَت بعد الْإِصَابَة عبرى)
(وتوالت لَك الْفتُوح إِلَى أَن ... تملأ الْخَافِقين نهيا وأمرا)
(كلما أنهجت ملابس نعمى ... وتميلتيهن جددت أُخْرَى)
وَقَالَ القيسراني من قصيدة
(أشرق البهو يَا جبين الْهلَال ... فحلاه لوجهك المتلالي)
(عَن لَيَال حجبن عَنَّا سناها ... إِنَّمَا غيبَة الْهلَال ليَالِي)
(لم يكن مَا ألم بالجسم شكوى ... فتهنا لوافد الإقبال)
(لَا وَلَا كَانَ زَائِرًا من سقام ... إِنَّمَا كَانَ طَائِفًا من خيال)
(وعكة أقلعت وَأَنت صَحِيح ... وَيصِح النسيم بالإعتلال)
(أَو مَا هَذِه السَّمَاء سرار الْبَدْر ... فِيهَا على طَرِيق الْكَمَال)
(نعْمَة الله لَا يخص بهَا الْخَالِق ... إِلَّا من كَانَ مِنْهُ ببال)
(ولباس من المثوبة والغفران ... ألبست ضافي الأذيال)
(فهنيئا لَك الْبَقَاء وَإِن كَانَ ... هناء يخص فِيهِ الْمَعَالِي)
стр. 333
(والتقى والندى ومقربة الْخَيل ... وبيض الظبى وَسمر العوالي)
(والخلال الَّتِي إِذا مَا تخلت ... صدرت مِنْك عَن كريم الْخلال)
(إِن وقتك النُّفُوس مَا تتوقى ... فحقيق فدا الموالى الموَالِي)
(أَو تحصنت فِي شعار من التَّقْوَى ... فَمَا زلت مِنْهُ فِي سربال)
(فشفى الله من أجل دوائيه ... صَرِيح الدُّعَاء والإبتهال)
(ملك ابدل المخافة بالأمن ... وأضحى يعد فِي الأبدال)
(وَهُوَ تَاج الْمُلُوك فالملك العاطل ... حَال بِهِ على كل حَال)
(وَإِذا النيرَان غابا فنور الدّين ... شمس فجرية الآصال)
(قد أرت وَجهك الْعلَا مَا يريها ... وَهِي مرْآة صَالح الْأَعْمَال)
(وَقضى الله أَن نجمك فِي الأنجم ... سَام وَأَن جدك عَال)
(كل يَوْم هَذَا الْمحيا محيى ... بالتهاني على يَد الإقبال)
فصل فِي ذكر حصن شيزر وَولَايَة بني منقذ
قَالَ ابْن الْأَثِير وَهُوَ حصن قريب من حماة بَينهمَا نَحْو نصف نَهَار وَهُوَ من أمنع القلاع وأحصنها على حجر عَال لَهُ طَرِيق منقور فِي طرف الْجَبَل وَقد قطع الطَّرِيق فِي وَسطه وَجعل عَلَيْهِ جسر من خشب فَإِذا قطع ذَلِك الْخشب تعذر الصعُود إِلَيْهِ
وَكَانَ لآل منقذ الكنانيين يتوارثونه من أَيَّام
стр. 334
صَالح بن مرداس إِلَى أَن انْتهى الْأَمر إِلَى الْأَمِير أَبى المرهف نصر بن عَليّ بن الْمُقَلّد بن نصر بن منقذ بن نصر بن هَاشم بعد أَبِيه أَبى الْحسن عَليّ فبقى بِهِ مُدَّة طَوِيلَة إِلَى أَن مَاتَ بشيزر سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَأَرْبع مئة وَكَانَ شجاعا كَرِيمًا صواما قواما
فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت اسْتخْلف أَخَاهُ الْأَمِير أَبَا سَلامَة مرشد بن عَليّ وَهُوَ وَالِد أُسَامَة فَقَالَ وَالله لَا وليتها ولأخرجن من الدُّنْيَا كَمَا دَخَلتهَا
وَكَانَ عَالما بِالْقُرْآنِ وَالْأَدب كثير الصّلاح فولاها اخاه أَبَا العساكر سُلْطَان بن عَليّ وَكَانَ أَصْغَر مِنْهُ فاصطحبا أجمل صُحْبَة مُدَّة من الزَّمَان فولد أَبُو سَلامَة مرشد عدَّة أَوْلَاد ذُكُور فكبروا وسادوا مِنْهُم عز الدولة أَبُو الْحسن عَليّ ومؤيد الدولة أُسَامَة بن مرشد وَغَيرهمَا وَلم يُولد لِأَخِيهِ سُلْطَان ولد ذكر إِلَى أَن كبر فَجَاءَهُ أَوْلَاد فحسد أَخَاهُ على ذَلِك فَكَانَ كلما رأى صغر أَوْلَاده وَكبر أَوْلَاد أَخِيه وسيادتهم سَاءَهُ ذَلِك وخافهم على أَوْلَاده وسعى المفسدون بَينهمَا فغيروا كلا مِنْهُمَا على أَخِيه فَكتب الْأَمِير سُلْطَان إِلَى أَخِيه شعرًا يعاتبه على أَشْيَاء بلغته عَنهُ فَأَجَابَهُ بِأَبْيَات جَيِّدَة فِي مَعْنَاهَا وَكلهمْ كَانَ أديبا شَاعِرًا فَمِنْهَا
(ظلوم أَبَت فِي الظُّلم إِلَّا تماديا ... وَفِي الصد والهجران إِلَّا تناهيا)
стр. 335
(شكت هجرنا فِي ذَاك والذنب ذنبها ... فيا عجبا من ظَالِم جَاءَ شاكيا)
(وطاوعت الواشين فِي وطالما ... عصيت عذولا فِي هَواهَا وواشيا)
(وَمَال بهَا تيه الْجمال إِلَى القلى ... وهيهات أَن أَمْسَى لَهَا الدَّهْر قاليا)
(وَلَا نَاسِيا مَا أودعت من عهودها ... وَإِن هِيَ أبدت جفوة وتناسيا)
(وَلما أَتَانِي من قريضك جَوْهَر ... جمعت الْمَعَالِي فِيهِ لي والمعانيا)
(وَكنت هجرت الشّعْر حينا لِأَنَّهُ ... تولى برغمى حِين ولى شبابيا)
(وَأَيْنَ من السِّتين لفظ مفوف ... إِذا رمت أدْني القَوْل مِنْهُ عصانيا)
(وَقلت أخي يرْعَى بني وأسرتي ... ويحفظ عهدي فيهم وذماميا)
(ويجزيهم مَا لم أكلفه فعله ... لنَفْسي فقد أعددته من تراثيا)
(فمالك لما أَن حَنى الدَّهْر صعدتي ... وثلم مني صَارِمًا كَانَ مَاضِيا)
(تنكرت حَتَّى صَار بِرٌّك قسوة ... وقربك مني جفوة وتنائيا)
(فَأَصْبَحت صفر الْكَفّ مِمَّا رجوته ... كَذَا الْيَأْس قد عفى سَبِيل رجائيا)
(على أنني مَا حلت عَمَّا عهدته ... وَلَا غيرت هذى السنون وداديا)
(فَلَا غرو عِنْد الحادثات فإنني ... أَرَاك يَمِيني والأنام شماليا)
(تهن بهَا عذراء لَو قرنت بهَا ... نُجُوم السَّمَاء لم تعد دراريا)
(تحلت بدر من صفاتك زانها ... كَمَا زَان منظوم الآلي الغوانيا)
(وعش بانيا للْجُود مَا كَانَ واهنا ... مُشيدا من الْإِحْسَان مَا كَانَ واهيا)
стр. 336
قَالَ وَكَانَ الْأَمر فِيهِ فِي حَيَاة الْأَمِير مرشد بعض السّتْر فَلَمَّا مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة قلب أَخُوهُ لأولاده ظهر الْمِجَن وبادأهم بِمَا يسؤوهم وتمادت الْأَيَّام بَينهم إِلَى أَن قوى عَلَيْهِم فَأخْرجهُمْ من شيزر
وَكَانَ أعظم الْأَسْبَاب فِي إخراجهم مَا حدثت بِهِ عَن مؤيد الدولة أُسَامَة بن مرشد قَالَ كنت من الشجَاعَة والإقدام على مَا قد علمه النَّاس فَبينا أَنا بشيزر وَإِذا قد أَتَانِي إِنْسَان فَأَخْبرنِي أَن بدجلة يقاربها أسدا ضاريا فركبت فرسي وَأخذت سَيفي وسرت إِلَيْهِ لأقتله وَلم أعلم أحدا من النَّاس لِئَلَّا أمنع من ذَلِك فَلَمَّا قربت من الْأسد نزلت عَن فرسي وربطته ومشيت نَحوه فَلَمَّا رَآنِي قصدني ووثب فضربته بِالسَّيْفِ على رَأسه فانفلق ثمَّ أجهزت عَلَيْهِ وَأخذت رَأسه فِي مخلاة فرسي وعدت إِلَى شيزر وَدخلت على والدتي وألقيت الرَّأْس بَين يَديهَا وحدثتها الْحَال
فَقَالَت يَا بني تجهز لِلْخُرُوجِ من شيزر فوَاللَّه لَا يمكنك عمك من الْمقَام وَلَا أحدا من إخْوَتك وَأَنْتُم على هَذِه الْحَال من الْإِقْدَام والجرأة
فَلَمَّا كَانَ الْغَد أَمر عمي بإخراجنا من عِنْده والزمنا بِهِ إلزاما لَا مهلة فِيهِ فتفرقنا فِي الْبِلَاد
فقصدوا الْملك الْعَادِل نور الدّين وَشَكوا إِلَيْهِ مَا لقوه من عمهم فَلم يُمكنهُ قَصده وَلَا الْأَخْذ بثأرهم وإعادتهم إِلَى أوطانهم لاشتغاله بجهاد الفرنج ولخوفه من أَن يسلم شيزر
стр. 337
إِلَى الفرنج وَبَقِي فِي نَفسه
وَتُوفِّي الْأَمِير سُلْطَان وَولى بعده أَوْلَاده فَبلغ نور الدّين عَنْهُم مراسلة الفرنج فَاشْتَدَّ مَا فِي نَفسه وَهُوَ ينْتَظر الفرصة فَلَمَّا خربَتْ القلعة بالزلزلة وَلم يسلم مِنْهَا أحد كَانَ بالحصن فبادر إِلَيْهَا وملكها وأضافها إِلَى بِلَاده وعمرها وأسوارها وأعادها كَأَن لم تخرب وَكَذَلِكَ أَيْضا فعل بِمَدِينَة حماة وكل مَا خرب بِالشَّام بِهَذِهِ الزلزلة فَعَادَت الْبِلَاد كأحسن مَا كَانَت
قلت وَسَيَأْتِي ذكر أُسَامَة بن مرشد فِي أَخْبَار سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَهِي السّنة الَّتِي قدم فِيهَا دمشق من بِلَاد الشرق وَذَلِكَ أَنه لما خرج من شيزر استوطن دمشق ثمَّ فَارقهَا إِلَى الديار المصرية وَكتب إِلَى معِين الدّين أنر أتابك صَاحب دمشق يعاتبه فِي أَسبَاب الْمُفَارقَة قصيدة أَولهَا
(وَلُوا فَلَمَّا رجونا عدلهم ظلمُوا ... فليتهم حكمُوا فِينَا بِمَا علمُوا)
(مَا مر يَوْمًا بفكري مَا يريبهم ... وَلَا سعت بِي إِلَى مَا ساءهم قدم)
(وَلَا أضعتُ لَهُم عهدا وَلَا اطَّلَعت ... على ودائعهم فِي صَدْرِي التهم)
(فَلَيْت شعري بِمَ استوجبتُ هجرهمُ ... ملوا فصدهم عَن وَصلي السأم)
(حفظت مَا ضيعوا أغضيت حِين جنوا ... وفَيْتُ إِذْ غدروا واصلت إِذْ صرموا)
(حُرِمتُ مَا كنت أَرْجُو من ودادهم ... مَا الرزق إِلَّا الَّذِي تجرى بِهِ الْقسم)
(وَبعد لَو قيل لي مَاذَا تحب وَمَا ... تخْتَار من زِينَة الدُّنيا لَقلت هم)
(لَهُم مجَال الْكرَى من مقلتي وَمن ... قلبِي مَحل المنى جاروا أَو اجترموا)
(تبدّلُوا بِي وَلَا أبغي بهم بَدَلا ... حسبي هم أنصفوا فِي الحكم أَو ظلمُوا)
стр. 338
(بلغ أَمِيري معِين الدّين مَالِكه ... من نازح الدَّار لَكِن وده أُمَم)
(وَقل لَهُ أَنْت خير التّرْك فضلك الْحيَاء ... وَالدّين والإقدام وَالْكَرم)
(هلاَّ أنفت حَيَاء أَو مُحَافظَة ... من فعل مَا أنكرته الْعَرَب والعجم)
(أسلمتنا وسيوف الْهِنْد مغمدة ... وَلم يرو سِنَان السمهري دم)
(وَكنت أَحسب من والاك فِي حرم ... لَا يَعْتَرِيه بِهِ شيب وَلَا هرم)
(وَمَا طمان بِأولى من أُسَامَة بِالْوَفَاءِ ... لَكِن جرى بالكائن الْقَلَم)
(هبنا جَنِينا ذنوبا لَا يكفرهَا ... عذر فَمَاذَا جنى الْأَطْفَال وَالْحرم)
(ألقيتهم فِي رضَا الإفرنج مُتبعا ... رضَا عدى يسْخط الرَّحْمَن فعلهم)
(جرّبهمُ مثل تجريبي لتخبرهم ... فللرجال إِذا مَا جربوا قيم)
وَهِي طَوِيلَة وطمان الْمَذْكُور خَادِم تركي كَانَ لأتابك ملك الْأُمَرَاء زنكي بن آق سنقر هرب من خدمته إِلَى دمشق فَطَلَبه ولج فِيهِ فَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ معِين الدّين للجنسية وحماه فَلَمَّا لج فِيهِ سيره إِلَى الْعَرَب وَقَامَ لَهُ بِمَا يَحْتَاجهُ إِلَى أَن رده لخدمته بِدِمَشْق
وَبَقِي أُسَامَة بِمصْر إِلَى أَن خرج مِنْهَا مَعَ عَبَّاس كَمَا سبق ذكره وَأسر الفرنج أَخَاهُ نجم الدولة مُحَمَّد بن مرشد وَطلب من ابْن عَمه نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن سُلْطَان صَاحب شيزر الْإِعَانَة فِي فكاكه فَلم يفعل قَالَ وادخر الله سُبْحَانَهُ أجر خلاصه وَحسن ذكره للْملك الْعَادِل نور الدّين رَحمَه
стр. 339
الله تَعَالَى فوهبه فَارِسًا من مقدمي الدّاوية يُقَال لَهُ المشطوب قد بذل الإفرنج فِيهِ عشرَة آلَاف دِينَار فاستخلص بِهِ أَخَاهُ من الْأسر
وَبلغ أُسَامَة أَن القَاضِي كَمَال الدّين ابْن الشهرزوري أنْشد نور الدّين
(ملكُ بنى منقذ تولى ... وَكَانَ فَوق السماك سمكه)
(فاعتبروا وانظروا وَقُولُوا ... سُبْحَانَ من لَا يَزُول ملكه)
وَالْمَعْرُوف ملك بني برمك فَغَيره المنشد لما تمثل بِهِ فِي غَرَضه فأجازهما أُسَامَة بِهَذِهِ الأبيات
(وكل ملك إِلَى زَوَال ... لَا يعتري ذَا الْيَقِين شكه)
(إِن لم يزل بانتقال حَال ... أَزَال ذَا الْملك عَنهُ هلكه)
(وَالله رب الْعباد بَاقٍ ... وهالك نده وشركه)
(فَقل لمن يظلم البرايا ... غَرَّك إمهاله وَتَركه)
(تنسى ذنوبا عَلَيْك تحصى ... يحصرها نَقده وحكه)
(كم ناسك نُسكه رِيَاء ... أوبقَه فِي الْمعَاد نُسكه)
(فاحذر فَمَا يختفي عَلَيْهِ ... من عَبده صدقه وإفكه)
وَمَا أحسن مَا قَالَ أُسَامَة فِي كبره
(مَعَ الثَّمَانِينَ عاث الضعْف فِي جلدي ... وساءني ضعف رجْلي واضطراب يدى)
(إِذا كتبت فخطى جد مُضْطَرب ... كخط مرتعش الْكَفَّيْنِ مرتعد)
(فاعجب لضعف يَدي عَن حملهَا قَلما ... من بعد حطم القنا فِي لبة الْأسد)
стр. 340
(وَإِن مشيت وَفِي كفي الْعَصَا ثقلت ... رجْلي كَأَنِّي أخوض الوحل فِي الْجلد)
(فَقل لمن يتَمَنَّى طول مدَّته ... هذي عواقب طول الْعُمر والمدد)
فصل فِي بواقي حوادث سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى تناصرت الْأَخْبَار بِظُهُور أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتفي على عَسْكَر السُّلْطَان الْمُخَالف لأَمره وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِ من عَسْكَر الْموصل وَغَيره بِحَيْثُ قتل مِنْهُم الْعدَد الْكثير ورحلوا عَن بَغْدَاد مفرقين مفلولين خاسرين بعد المضايقة والتناهي فِي المحاصرة والمصابرة
قَالَ ووردت الْأَخْبَار فِي أَوَائِل رَجَب بوفاة السُّلْطَان غياث الدُّنْيَا وَالدّين أبي الْحَارِث سنجر بن أبي الْفَتْح بن ألب أرسلان سُلْطَان خُرَاسَان عقيب خلاصه من الشدَّة الَّتِي وَقع فِيهَا والأسر الَّذِي حصل فِيهِ وَكَانَ يحب الْعدْل والإنصاف للرعايا حسن السِّيرَة جميل الْفِعْل وَقد علت سنه وَطَالَ عمره
وَكَانَ قد ورد كِتَابه فِي أَوَاخِر صفر من هَذِه السّنة إِلَى نور الدّين بالتشوق إِلَيْهِ والإحماد لخلاله وَمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ من جميل أَفعاله وإعلامه مَا من الله عَلَيْهِ بِهِ من خلاصه من الشدَّة الَّتِي وَقع فِيهَا والأسر الَّذِي بلَى بِهِ فِي أَيدي الْأَعْدَاء الْكَفَرَة من مُلُوك التركمان بحيلة دبرهَا وسياسة
стр. 341
أحكمها وقررها بِحَيْثُ عَاد إِلَى منصبه من السلطنة الْمَشْهُورَة واجتماع العساكر المتفرقة عَنهُ إِلَيْهِ
قَالَ وَفِي شهر رَمَضَان ورد الْخَبَر من نَاحيَة حلب بوفاة الشَّيْخ مخلص الدّين أَبى البركات عبد القاهر بن على بن أَبى جَرَادَة الْحلَبِي وَهُوَ الْأمين على خَزَائِن مَال نور الدّين وَكَانَ كَاتبا بليغا حسن البلاغة نظما ونثرا مستحسن الْفُنُون من التذهيب البديع وَحسن الْخط الْمُحَرر على الْأُصُول الْقَدِيمَة المستظرفة مَعَ صفاء الذِّهْن وتوقد الفطنة والذكاء
وَقَالَ وَفِي رَابِع عشر شَوَّال ورد الْخَبَر من نَاحيَة بَصرِي بِأَن واليها فَخر الدّين سرخاك قتل غيلَة بموافقة من أَعْيَان خاصته وَكَانَ فِيهِ إفراط فِي التَّحَرُّز وَاسْتِعْمَال التيقظ وَلَكِن الْقَضَاء لَا يغالب وَلَا يدافع
قَالَ وَفِي أَوَائِل ذِي الْقعدَة ورد الْخَبَر من حمص بوفاة واليها الْأَمِير الملقب بصلاح الدّين وَكَانَ فِي أَيَّام شبيبته قد حظي فِي خدمَة عماد الدّين زنكي وَتقدم عِنْده بالمناصحة وسداد التَّدْبِير وَحسن السفارة وصواب الرَّأْي وَلما علت سنة ضعف عَن ركُوب الْخَيل وألجأته الضَّرُورَة إِلَى الْحمل فِي المحفة لتقرير الْأَحْوَال وَالنَّظَر فِي الْأَعْمَال وَلم ينقص من حسه
стр. 342
وفهمه مَا يُنكر عَلَيْهِ إِلَى حِين وَفَاته وَخَلفه من بعده أَوْلَاده فِي منصبه وولايته
قَالَ وَورد إِلَى دمشق إِمَام من أَئِمَّة فُقَهَاء بَلخ فِي عنفوان شبابه وغضارة عوده مَا رَأَيْت أفْصح من لِسَانه ببلاغتيه الْعَرَبيَّة والفارسية وَلَا أسْرع من جَوَابه ببراعته وَلَا أطيش مِنْهُ قَلما فِي كِتَابَته أَبُو الْحَيَاة مُحَمَّد بن أَبى الْقَاسِم بن عمر السّلمِيّ وَوعظ فِي جَامع دمشق عدَّة أَيَّام وَالنَّاس يستحسنون وعظه ويستظرفون فنه وسلاطة لِسَانه وَسُرْعَة جَوَابه وحدة خاطره وصفاء حسه
قَالَ ابْن الْأَثِير وفيهَا فِي ذِي الْحجَّة توفّي الْأَمِير عز الدّين أَبُو بكر الدبيسى صَاحب جَزِيرَة ابْن عمر وَكَانَ من أكَابِر الْأُمَرَاء ياخذ نَفسه ماخذ الْمُلُوك وَكَانَ عَاقِلا حازما ذَا رَأْي وَكيد ومكر وَملك الجزيرة قطب الدّين مودود بن زنكي صَاحب الْموصل أَخُو نور الدّين
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَخمسين وَخمْس مئة
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى فِي أَوَائِل الْمحرم تناصرت الْأَخْبَار من نَاحيَة الفرنج المقيمين بِالشَّام خذلهم الله تَعَالَى بمضايقتهم لحصن حارم
стр. 343
ومواظبتهم على رميه بحجارة المجانيق إِلَى ان ضعف وَملك بِالسَّيْفِ وتزايد طمعهم فِي شن الغارات فِي الْأَعْمَال الشامية وَإِطْلَاق الْأَيْدِي فِي العيث وَالْفساد فِي معاقلها وضياعها بِحكم تفرق العساكر الإسلامية وَالْخلف الْوَاقِع بَينهم باشتغال نور الدّين بعقابيل الْمَرَض الْعَارِض لَهُ وَللَّه الْمَشِيئَة الَّتِي لَا تدافع والأقضية الَّتِي لَا تمانع
وَقَالَ وَفِي صفر ورد الْخَبَر والمبشر بنزول نور الدّين من حلب للتوجه إِلَى دمشق وَاتفقَ للكفرة الملاعين تَوَاتر الطمع فِي شن الغارات على أَعمال حوران والإقليم وَإِطْلَاق أَيدي الْفساد والعيث والإحراق والإخراب فِي الضّيَاع والنهب والسبي والأسر وَقصد داريا وَالنُّزُول عَلَيْهَا فِي انسلاخ صفر وإحراق منازلها وجامعها والتناهي فِي إخرابها وَظهر إِلَيْهِم العسكرية والأحداث وهموا بقصدهم والإسراع إِلَى لقائهم وكفهم فمنعوا من ذَلِك بعد أَن قربوا مِنْهُم وَحين شَاهد الْكفَّار خذلهم الله تَعَالَى كَثْرَة الْعدَد الظَّاهِر إِلَيْهِم رحلوا فِي آخر النَّهَار الْمَذْكُور إِلَى نَاحيَة الإقليم
وَوصل نور الدّين إِلَى دمشق وَحصل فِي قلعته سادس ربيع الأول سالما فِي نَفسه وَجُمْلَته وَلَقي بِأَحْسَن زِيّ وترتيب وتجمل واستبشر الْعَالم بمقدمه المسعود وابتهجوا وبالغوا فِي شكر الله تَعَالَى على سَلَامَته وعافيته وَالدُّعَاء لَهُ بدوام أَيَّامه وَشرع فِي تَدْبِير أَمر الأجناد وَالتَّأَهُّب للْجِهَاد
قَالَ وَفِي أَوَائِل ربيع الأول ورد الْخَبَر من نَاحيَة مصر بِخُرُوج فريق
стр. 344
وافر من عسكرها إِلَى غَزَّة وعسقلان وأغاروا على أَعمالهَا وَخرج إِلَيْهِم من كَانَ بهما من الفرنج الملاعين فأظهر الله تَعَالَى الْمُسلمين عَلَيْهِم قتلا وأسرا بِحَيْثُ لم يفلت مِنْهُم إِلَّا الْيَسِير وغنموا مَا ظفروا بِهِ وعادوا سَالِمين ظافرين
وَقيل إِن مقدم الْغُزَاة فِي الْبَحْر ظفر بعدة من مراكب الْمُشْركين وَهِي مشحونة بالفرنج فَقتل واسر مِنْهُم الْعدَد الْكثير وَحَازَ من أَمْوَالهم وعددهم وأثاثهم مَا لَا يكَاد يُحْصى وَعَاد ظافرا غانما
قلت وَأرْسل إِلَى مؤيد الدولة أُسَامَة بن منقذ من مصر وزيرها الْملك الصَّالح أَبُو الغارات طلائع بن رزيك قصيدة يشْرَح فِيهَا حَال هَذِه الْغُزَاة ويحرض فِيهَا نور الدّين على قتال الْمُشْركين ويذكره بِمَا من الله تَعَالَى عَلَيْهِ من العافيه والسلامة من تِلْكَ المرضة الْمُقدم ذكرهَا وَكَانَ كثيرا مَا يكاتبه طَالبا مِنْهُ إِعْلَام نور الدّين بالغزاة لحثه عَلَيْهَا وَأول هَذِه القصيدة
(إِلَّا هَكَذَا فِي الله تمضى العزائم ... وتنضى لَدَى الْحَرْب السيوف الصوارم)
(وتستنزل الْأَعْدَاء من طود عزهم ... وَلَيْسَ سوى سمر الرماح سلالم)
(وتغزى جيوش الْكفْر فِي عقر دارها ... ويوطا حماها والأنوف رواغم)
(ويوفي الْكِرَام الناذرون بنذرهم ... وَإِن بذلت فِيهَا النُّفُوس الكرائم)
(نذرنا مسير الْجَيْش فِي صفرٍ فَمَا ... مضى نصفة حَتَّى انثنى وَهُوَ غَانِم)
(بَعَثْنَاهُ من مصر إِلَى الشَّام قَاطعا ... مفاوز وخد العيس فِيهِنَّ دَائِم)
(فَمَا هاله بعد الديار وَلَا ثنى ... عزيمته جهد الظما والسمائم)
стр. 345
(يهجر والعصفور فِي قَعْر وَكره ... ويسري إِلَى الْأَعْدَاء وَاللَّيْل نَائِم)
(تباري خيولا مَا تزَال كانها ... إِذا مَا هِيَ انْقَضتْ نسور قشاعم)
(يسير بهَا ضرغام فِي كل مأزق ... وَمَا يصحب الضرغام إِلَّا الضراغم)
(ورفقته عين الزَّمَان وحاتم ... وَيحيى وَإِن لَاقَى الْمنية حَاتِم)
(وواجههم جمع الفرنج بحملة ... تهون على الشجعان فِيهَا الهزائم)
(فلقوهم زرق الاسنة وانطووا ... عَلَيْهِم فَلم يرجع من الْكفْر ناجم)
(وَمَا زَالَت الْحَرْب الْعوَان اشدها ... إِذا مَا تلاقي الْعَسْكَر المتضاجم)
(يشبههم من لَاحَ جمعهمُ لَهُ ... بلجة بَحر موجها متلاطم)
(وعادوا إِلَى سل السيوف فَقطعت ... رُؤُوس وحزت للفرنج غَلاَصِم)
(فَلم ينج مِنْهُم يَوْم ذَاك مخبر ... وَلَا قيل هَذَا وَحده الْيَوْم سَالم)
(نقتلهم بِالرَّأْيِ طورا وَتارَة ... تدوسهم منا المذاكى الصلادم)
(فَقولُوا لنُور الدّين لَا فل حَده ... وَلَا حكمت فِيهِ اللَّيَالِي الغواشم)
стр. 346
(تجهز إِلَى أَرض الْعَدو وَلَا تهن ... وَتظهر فتورا إِن مَضَت مِنْك حارم)
(فَمَا مثلهَا تبدي احتفالا بِهِ وَلَا ... تعض عَلَيْهَا للملوك الاباهم)
(فعندك من الطاف رَبك مَا بِهِ ... علمنَا يَقِينا انه بك رَاحِم)
(اعادك حَيا بعد إِن زعم الورى ... بانك قد لاقيت مَا الله حَاتِم)
(بِوَقْت أصَاب الأَرْض مَا قد أَصَابَهَا ... وحلت بهَا تِلْكَ الدَّوَاهِي العظائم)
(وخيم جَيش الْكفْر فِي أَرض شيزر ... فسيقت سَبَايَا واستحلت محارم)
(وَقد كَانَ تَارِيخ الشآم وهلكه ... وَمن يحتويه أَنه لَك عادم)
(فَقُمْ واشكر الله الْكَرِيم بنهضه ... إِلَيْهِم فَشكر الله لِلْخلقِ لَازم)
(فَنحْن على مَا قد عهِدت نروعهم ... ونحلف جهدا أننا لَا نسالم)
(وغاراتنا لَيست تفتر عَنْهُم ... وَلَيْسَ يُنجى الْقَوْم منا الهزائم)
(فاسطولنا اضعاف مَا كَانَ سائرا ... إِلَيْهِم فَلَا حصن لَهُم مِنْهُ عَاصِم)
(وَنَرْجُو بِأَن نجتاح باقيهم بِهِ ... وتحوى الْأُسَارَى مِنْهُم والغنائم)
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
(يَا سيدا يسمو بهمته ... إِلَى الرتب العليه)
(فينال مِنْهَا حِين يحرم ... غَيره أوفى مزيه)
(أَنْت الصّديق وَإِن بَعدت ... وَصَاحب الشيم الرضيه)
(ننبيك إِن جيوشنا ... فعلت فعال الْجَاهِلِيَّة)
(سَارَتْ إِلَى الْأَعْدَاء من ... أبطالها مئتا سريه)
(فَتغير هذي بكرَة ... وتعاود الْأُخْرَى عشيه)
(فالويل مِنْهَا للفرنج ... فقد لقوا جهد البليه)
стр. 347
(جَاءَت رؤوسهم تلوح ... على رُؤُوس السمهريه)
(وقلائع قد قسمت ... بَين الْجنُود على السويه)
(وخلائق كثرت من الأسرى ... تقاد إِلَى المنيه)
(فانهض فقد أنبيت مجد ... الدّين بِالْحَال الجليه)
(والمم بِنور الدّين واعلمه ... بهاتيك القضيه)
(فَهُوَ الَّذِي مَا زَالَ يخلص ... مِنْهُ أفعالا ونيه)
(ويبيد جمع الْكفْر بالبيض ... الرّقاق المشرفيه)
(فعساه ينْهض نهضه ... يفنى بهَا تِلْكَ البقيه)
(إِمَّا لنُصرة دينه ... أَو مُلكه أَو للحمية)
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
(أَيهَا المنقذي لأَنْت على الْبعد ... صديق لنا وَنعم الصّديق)
(لَيْسَ فِيمَا نأتيه من بر أفعالك ... للطَّالِب الْحُقُوق عقوق)
(فَلهَذَا نرى مُوَاصلَة الْكتب ... تباعا إِلَيْك مِمَّا يَلِيق)
(ونناجيك بالمهمات إِذْ أَنْت ... بإلقائها إِلَيْك خليق)
стр. 348
(وأهم المهم أَمر جِهَاد الْكفْر ... فاسمع فعندنا التَّحْقِيق)
(وأصلتهم منا السَّرَايَا فأشجاهم ... بكور منا لَهُم وطروق)
(وأباحت دِيَارهمْ فأباد الْقَوْم ... قتل ملازم وحريق)
(وَانْتَظرْنَا بزحفنا برْء نور الدّين ... علما منا بِأَن سيفيق)
(وَهُوَ الْآن فِي أَمَان من الله ... وَمَا يَعْتَرِيه أَمر يعوق)
(مَا لهَذَا المهم مثلك مجد الدّين ... فانهض بِهِ فانت حقيق)
(قل لَهُ لَا عداهُ رَأْي وَلَا زَالَ ... لَدَيْهِ لكل خير طَرِيق)
(أَنْت فِي حسم دَاء طاغية الْكفَّار ... ذَاك المرجو والمرموق)
(فاغتنم بِالْجِهَادِ أجرك كي يلقى ... رَفِيقًا لَهُ وَنعم الرفيق)
فَأَجَابَهُ أُسَامَة بقصيدة مِنْهَا
(يَا أَمِير الجيوش مَا زَالَ لِلْإِسْلَامِ ... وَالدّين مِنْك ركن وثيق)
(أسمعت دَعْوَة الْجِهَاد فلباها ... مليك بالمكرمات خليق)
(ملك عَادل أنار بِهِ الدّين ... فَعم الْإِسْلَام مِنْهُ الشروق)
(مَا لَهُ عَن جهاده الْكفْر وَالْعدْل ... وَفعل الْخيرَات شغل يعوق)
(هُوَ مثل الحسام صدر صقيل ... لين مَسّه وحد ذليق)
(ذُو أَنَاة يخالها الغر إهمالا ... وفيهَا حتف الأعادى المحيق)
(فاسلما لِلْإِسْلَامِ كهفين مَا طرز ... ثوب الظلام برق خفوق)
стр. 349
وَكتب الصَّالح إِلَيْهِ أَيْضا
(قل لِابْنِ منقذ الَّذِي ... قد حَاز فِي الْفضل الكمالا)
(فَلذَلِك قد أضحى الْأَنَام ... على مكارمه عيالا)
(كم قد بعثنَا نَحْوك الْأَشْعَار ... مسرعة عجالا)
(وصددت عَنْهَا حِين رامت ... من محاسنك الوصالا)
(هلا بذلت لنا مقَالا ... حِين لم تبذل فعالا)
(مَعَ أننا نوليك صبرا ... فِي الْمَوَدَّة واحتمالا)
(ونبثك الْأَخْبَار إِن ... أضحت قصاراً أَو طوَالًا)
(سَارَتْ سرايانا لقصد ... الشَّام تعتسف الرمالا)
(تزجي إِلَى الْأَعْدَاء جرد ... الْخَيل أتباعا توالى)
(تمْضِي خفافا للمغار ... بهَا وتأتينا ثقالا)
(حَتَّى لقد رام الأعادي ... من دِيَارهمْ ارتحالا)
(وعَلى الوعيرة معشر ... لم يعهدوا فِيهَا القتالا)
(لما نأت عَمَّن يحف ... بهَا يَمِينا أَو شمالا)
(نهضت إِلَيْهَا خَيْلنَا ... من مصر تحْتَمل الرجالا)
(وَالْبيض لامعة وبيض ... الْهِنْد والاسل النهالا)
(فغدت كَانَ لم يعهدوا ... فِي أرْضهَا حَيا حَلَالا)
(هَذَا وَفِي تل العجول ... ملأن بالقتلى التلالا)
стр. 350
إِذْ مر مرى لَيْسَ يلوي ... نَحْو رفقته اشتغالا)
(وَاسْتَاقَ عسكرنا لَهُ ... أَهلا يُحِبهُمْ ومالا)
(وسرية ابْن فريج الطَّائِي ... طَال بهَا وصالا)
(سَارَتْ إِلَى أَرض الْخَلِيل ... فَلم تدع فِيهَا خلالا)
(فَلَو أَن نور الدّين يَجْعَل ... فعلنَا فيهم مِثَالا)
(ويسير الأجناد جَهرا ... كي ينازلهم نزالا)
(ووفى لنا وَلأَهل دولته ... بِمَا قد كَانَ قَالَا)
(لرأيت للافرنج طرا ... فِي معاقلها اعتقالا)
(وتجهزوا للسير نَحْو ... الغرب أَو قصدُوا الشمالا)
(وَإِذا أَبى إِلَّا اطراحا ... للنصيحة واعتزالا)
(عدنا بِتَسْلِيم الْأُمُور ... لحكم خالقنا تَعَالَى)
فاجابه ابْن منقذ بقصيدة مِنْهَا
(يَا اشرف الوزراء أَخْلَاقًا ... وَأكْرمهمْ فعالا)
(نبهت عبدا طالما ... نبهته قدرا وَحَالا)
(وعتبته فأنلته ... فخرا ومجدا لن ينالا)
(لَكِن ذَاك العتب يشعل ... فِي جوانحه اشتعالا)
(أسفا لجد مَال عَنهُ ... إِلَى مساءته ومالا)
(أما السَّرَايَا حِين ترجع ... بعد خفتها ثقالا)
(فكذاك عَاد وُفُود بابك ... مثقلين ثَنَا ومالا)
стр. 351
(ومسيرها فِي كل أَرض ... تبتغي فِيهَا المجالا)
(فكذاك فضلك مثل عدلك ... فِي الدنا سارا وجالا)
(فَاسْلَمْ لنا حَتَّى نرى ... لَك فِي بني الدُّنْيَا مِثَالا)
(وَاشْدُدْ يَديك بود نور ... الدّين والق بِهِ الرجالا)
(فَهُوَ المحامي عَن بِلَاد ... الشَّام جمعا أَن تذالا)
(ومبيد أَمْلَاك الفرنج ... وجمعهم حَالا فحالا)
(ملك يتيه الدَّهْر وَالدُّنْيَا ... بدولته اختيالا)
(جمع الْخلال الصَّالِحَات ... فَلم يدع مِنْهَا خلالا)
(فَإِذا بدا للناظرين ... رَأَتْ عيونهم الكمالا)
(فبقيتما للْمُسلمين ... حمى وللدنيا جمالا)
وَكتب إِلَيْهِ الصَّالح فِي القصيدة الْمُقدم ذكرهَا فِي الزلازل
(ولعمري إِن المناصح فِي الدّين ... على الله أجره مَحْسُوب)
(وَجِهَاد الْعَدو بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل ... على كل مُسلم مَكْتُوب)
(وَلَك الرُّتْبَة الْعلية فِي الْأَمريْنِ ... مذ كنت إِذْ تشب الحروب)
(أَنْت فِيهَا الشجاع مَا لَك فِي الطعْن ... وَلَا فِي الضراب يَوْمًا ضريب)
(وَإِذا مَا حرضت فالشاعر المفلق ... فِيمَا تَقوله والخطيب)
(وَإِذا مَا أَشرت فالحزم لَا يُنكر ... أَن التَّدْبِير مِنْك مُصِيب)
(لَك رَأْي يقظان إِن ضعف الرَّأْي ... على حاملى الصَّلِيب صَلِيب)
стр. 352
(فانهض الْآن مسرعا فبأمثالك ... مَا زَالَ يدْرك الْمَطْلُوب)
(الق منا رِسَالَة عِنْد نور الدّين ... مَا فِي إلقائها مَا يريب)
(قل لَهُ دَامَ ملكه وَعَلِيهِ ... من لِبَاس الإقبال برد قشيب)
(أَيهَا الْعَادِل الَّذِي هُوَ للدّين ... شباب وللحروب شبيب)
(وَالَّذِي لم يزل قَدِيما عَن الْإِسْلَام ... بالعزم مِنْهُ تجلى الكروب)
(وَغدا مِنْهُ للفرنج إِذا لاقوه ... يَوْم من الزَّمَان عصيب)
(إِن يرم نزف حقدهم فلأشطان ... قناة فِي كل قلب قليب)
(غَيرنَا من يَقُول مَا لَيْسَ يمضيه ... بِفعل وَغَيْرك المكذوب)
(قد كتبنَا إِلَيْك مَا وضح الْآن ... بِمَاذَا عَن الْكتاب تجيب)
(قصدنا أَن يكون منا ومنكم ... أجل فِي مسيرنا مَضْرُوب)
(فلدينا من العساكر مَا ضَاقَ ... بأدناهم الفضاء الرحيب)
(وعلينا أَن يستهل على الشَّام ... مَكَان الغيوث مَال صبيب)
(أَو ترَاهَا مثل الْعَرُوس ثراها ... كُله من دم العدى مخضوب)
(لطنين السيوف فِي فلق الصُّبْح ... على هام أَهلهَا تطريب)
(ولجمع الحشود من كل حصن ... سلب مهمل لَهُم ونهوب)
стр. 353
(وبحول الْإِلَه ذَاك وَمن غَالب ... رَبِّي فَإِنَّهُ مغلوب)
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
(أَيهَا السائر الْمجد إِلَى الشَّام ... تبارى ركابه والخيول)
(خُذ على بَلْدَة بهَا دَار مجد الدّين ... لَا ريع ربعهَا المأهول)
(وتعرف أخباره واقره منا ... سَلاما فِيهِ العتاب يجول)
(قل لَهُ أَنْت نعم ذخر الصّديق الْيَوْم ... لكنك الصّديق الملول)
(مَا ظننا بِأَن حالك فِي الْقرب ... وَلَا الْبعد بالملال يحول)
(لَا كتاب وَلَا جَوَاب وَلَا قَول ... بِهِ لليقين منا حُصُول)
(غير أَنا نواصل الْكتب إِذْ قصر ... مِنْك الْبر الْكَرِيم الْوُصُول)
(ذاكرين الْفَتْح الَّذِي فتح الله ... علينا فالفضل مِنْهُ جميل)
(جَاءَنَا بعد مَا ذَكرْنَاهُ فِي كتب ... أَتَاكُم بِهن منا رَسُول)
(أَن بعض الأسطول نَالَ من الإفرنج ... مَا لَا يَنَالهُ التأميل)
(سَار فِي قلَّة وَمَا زَالَ بِاللَّه ... وَصدق النيات ينمي الْقَلِيل)
(وبقايا الأسطول لَيْسَ لَهُ بعد ... إِلَى جَانب الشَّام وُصُول)
(فحوى من عكآ وأنطرسوس ... عدَّة لم يحط بهَا التَّحْصِيل)
(جمع ديوية بهم كَانَت الإفرنج ... تسطو على الورى وتصول)
(قيد فِي وَسطهمْ مقدمهم مهدى ... إِلَيْنَا وجيده مغلول)
стр. 354
(بعد مثوى جمَاعَة هَلَكُوا بِالسَّيْفِ ... مِنْهَا الغريق والمفلول)
(هَذِه نعْمَة الْإِلَه وتعديد ... أيادي الْإِلَه شَيْء يطول)
(أبلغن قَوْلنَا إِلَى الْملك الْعَادِل ... فَهُوَ المرجو والمأمول)
(قل لَهُ كم تماطل الدّين فِي الْكفَّار ... فأحذر أَن يغْضب الممطول)
(سر إِلَى الْقُدس واحتسب ذَاك فِي الله ... فبالسير مِنْك يشفى الغليل)
(وَإِذا مَا أَبْطَا مسيرك فَالله ... إِذا حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل)
فَأَجَابَهُ أُسَامَة بقصيدة مِنْهَا
(يَا أَمِير الجيوش يَا أعدل الْحُكَّام ... فِي فعله وَفِيمَا يَقُول)
(أَنْت حليت بالمكارم أهل الْعَصْر ... حَتَّى تعرف الْمَجْهُول)
(وَقسمت الفرنج بالغزو شطرين ... فَهَذَا عان وَهَذَا قَتِيل)
(بَالغ العَبْد فِي النِّيَابَة والتحريض ... وَهُوَ المفوه المقبول)
(فَرَأى من عَزِيمَة الْغَزْو مَا كَادَت ... لَهُ الأَرْض وَالْجِبَال تميل)
(وَإِذا عاقت الْمَقَادِير فَالله ... إِذا حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل)
وَكتب الصَّالح إِلَيْهِ جَوَابا قصيدته الطائية الَّتِي أَولهَا
(هِيَ الْبَدْر لَكِن الثريا لَهَا قرط ... وَمن أنجم الجوزاء فِي نحرها سمط)
ثمَّ قَالَ بعد وصف السيوف
(ذخرنا سطاها للفرنج لِأَنَّهَا ... بهم دون أهل الأَرْض أَجْدَر أَن تسطو)
стр. 355
(وَقد كاتبوا فِي الصُّلْح لَكِن جوابهم ... بحضرتنا مَا تنْبت الْخط لَا الْخط)
(سطور خُيُول لَا تغب دِيَارهمْ ... بهَا بالمواضي والقنا الشكل والنقط)
(إِذا أرْسلت فرعا من النَّقْع فاحما ... أثيثا فأسنان الرماح لَهَا مشط)
(رددنا بِهِ ابْن الفنش عَنَّا وَإِنَّمَا ... يُثبتهُ فِي سَرْجه الشد والربط)
(فَقولُوا لنُور الدّين لَيْسَ لجائف الْجِرَاحَات ... إِلَّا الكي فِي الطِّبّ والبط)
(وحسم أصُول الدَّاء أولى بعاقل ... لَبِيب إِذا استولى على المدنف الْخَلْط)
(فدع عَنْك ميلًا للفرنج وهدنة ... بهَا أبدا يخطي سواهُم وَلم يخطوا)
(تَأمل فكم شَرط شرطت عَلَيْهِم ... قَدِيما وَكم غدر بِهِ نقض الشَّرْط)
(وشمر فَإنَّا قد أعنا بِكُل مَا ... سَأَلت وجهزنا الجيوش وَلنْ يبطوا)
قَالَ الْعِمَاد فِي = كتاب الخريدة = الصَّالح أَبُو الغارات طلائع بن رزيك سُلْطَان مصر فِي زمَان الفائز وَأول زمَان العاضد ملك مصر وَاسْتولى على أَمر صَاحب الْقصر ونفق فِي زَمَانه النّظم والنثر وَقرب الْفُضَلَاء واتخذهم جلساء ورحل إِلَيْهِ ذَوُو الرَّجَاء وأفاض على الداني والقاصي الْعَطاء
وَله قصائد كَثِيرَة مستحسنة نفذها إِلَى الشَّام يذكر فِيهَا قِيَامه بنصر الْإِسْلَام وَمَا يصدق أحد أَن ذَلِك شعره لجودته وإحكام مباني حكمته وأقسام مَعَاني
следующие страницы →