Полный текст (1 810 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
(ومسيرها فِي كل أَرض ... تبتغي فِيهَا المجالا)
(فكذاك فضلك مثل عدلك ... فِي الدنا سارا وجالا)
(فَاسْلَمْ لنا حَتَّى نرى ... لَك فِي بني الدُّنْيَا مِثَالا)
(وَاشْدُدْ يَديك بود نور ... الدّين والق بِهِ الرجالا)
(فَهُوَ المحامي عَن بِلَاد ... الشَّام جمعا أَن تذالا)
(ومبيد أَمْلَاك الفرنج ... وجمعهم حَالا فحالا)
(ملك يتيه الدَّهْر وَالدُّنْيَا ... بدولته اختيالا)
(جمع الْخلال الصَّالِحَات ... فَلم يدع مِنْهَا خلالا)
(فَإِذا بدا للناظرين ... رَأَتْ عيونهم الكمالا)
(فبقيتما للْمُسلمين ... حمى وللدنيا جمالا)
وَكتب إِلَيْهِ الصَّالح فِي القصيدة الْمُقدم ذكرهَا فِي الزلازل
(ولعمري إِن المناصح فِي الدّين ... على الله أجره مَحْسُوب)
(وَجِهَاد الْعَدو بِالْفِعْلِ وَالْقَوْل ... على كل مُسلم مَكْتُوب)
(وَلَك الرُّتْبَة الْعلية فِي الْأَمريْنِ ... مذ كنت إِذْ تشب الحروب)
(أَنْت فِيهَا الشجاع مَا لَك فِي الطعْن ... وَلَا فِي الضراب يَوْمًا ضريب)
(وَإِذا مَا حرضت فالشاعر المفلق ... فِيمَا تَقوله والخطيب)
(وَإِذا مَا أَشرت فالحزم لَا يُنكر ... أَن التَّدْبِير مِنْك مُصِيب)
(لَك رَأْي يقظان إِن ضعف الرَّأْي ... على حاملى الصَّلِيب صَلِيب)
стр. 352
(فانهض الْآن مسرعا فبأمثالك ... مَا زَالَ يدْرك الْمَطْلُوب)
(الق منا رِسَالَة عِنْد نور الدّين ... مَا فِي إلقائها مَا يريب)
(قل لَهُ دَامَ ملكه وَعَلِيهِ ... من لِبَاس الإقبال برد قشيب)
(أَيهَا الْعَادِل الَّذِي هُوَ للدّين ... شباب وللحروب شبيب)
(وَالَّذِي لم يزل قَدِيما عَن الْإِسْلَام ... بالعزم مِنْهُ تجلى الكروب)
(وَغدا مِنْهُ للفرنج إِذا لاقوه ... يَوْم من الزَّمَان عصيب)
(إِن يرم نزف حقدهم فلأشطان ... قناة فِي كل قلب قليب)
(غَيرنَا من يَقُول مَا لَيْسَ يمضيه ... بِفعل وَغَيْرك المكذوب)
(قد كتبنَا إِلَيْك مَا وضح الْآن ... بِمَاذَا عَن الْكتاب تجيب)
(قصدنا أَن يكون منا ومنكم ... أجل فِي مسيرنا مَضْرُوب)
(فلدينا من العساكر مَا ضَاقَ ... بأدناهم الفضاء الرحيب)
(وعلينا أَن يستهل على الشَّام ... مَكَان الغيوث مَال صبيب)
(أَو ترَاهَا مثل الْعَرُوس ثراها ... كُله من دم العدى مخضوب)
(لطنين السيوف فِي فلق الصُّبْح ... على هام أَهلهَا تطريب)
(ولجمع الحشود من كل حصن ... سلب مهمل لَهُم ونهوب)
стр. 353
(وبحول الْإِلَه ذَاك وَمن غَالب ... رَبِّي فَإِنَّهُ مغلوب)
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
(أَيهَا السائر الْمجد إِلَى الشَّام ... تبارى ركابه والخيول)
(خُذ على بَلْدَة بهَا دَار مجد الدّين ... لَا ريع ربعهَا المأهول)
(وتعرف أخباره واقره منا ... سَلاما فِيهِ العتاب يجول)
(قل لَهُ أَنْت نعم ذخر الصّديق الْيَوْم ... لكنك الصّديق الملول)
(مَا ظننا بِأَن حالك فِي الْقرب ... وَلَا الْبعد بالملال يحول)
(لَا كتاب وَلَا جَوَاب وَلَا قَول ... بِهِ لليقين منا حُصُول)
(غير أَنا نواصل الْكتب إِذْ قصر ... مِنْك الْبر الْكَرِيم الْوُصُول)
(ذاكرين الْفَتْح الَّذِي فتح الله ... علينا فالفضل مِنْهُ جميل)
(جَاءَنَا بعد مَا ذَكرْنَاهُ فِي كتب ... أَتَاكُم بِهن منا رَسُول)
(أَن بعض الأسطول نَالَ من الإفرنج ... مَا لَا يَنَالهُ التأميل)
(سَار فِي قلَّة وَمَا زَالَ بِاللَّه ... وَصدق النيات ينمي الْقَلِيل)
(وبقايا الأسطول لَيْسَ لَهُ بعد ... إِلَى جَانب الشَّام وُصُول)
(فحوى من عكآ وأنطرسوس ... عدَّة لم يحط بهَا التَّحْصِيل)
(جمع ديوية بهم كَانَت الإفرنج ... تسطو على الورى وتصول)
(قيد فِي وَسطهمْ مقدمهم مهدى ... إِلَيْنَا وجيده مغلول)
стр. 354
(بعد مثوى جمَاعَة هَلَكُوا بِالسَّيْفِ ... مِنْهَا الغريق والمفلول)
(هَذِه نعْمَة الْإِلَه وتعديد ... أيادي الْإِلَه شَيْء يطول)
(أبلغن قَوْلنَا إِلَى الْملك الْعَادِل ... فَهُوَ المرجو والمأمول)
(قل لَهُ كم تماطل الدّين فِي الْكفَّار ... فأحذر أَن يغْضب الممطول)
(سر إِلَى الْقُدس واحتسب ذَاك فِي الله ... فبالسير مِنْك يشفى الغليل)
(وَإِذا مَا أَبْطَا مسيرك فَالله ... إِذا حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل)
فَأَجَابَهُ أُسَامَة بقصيدة مِنْهَا
(يَا أَمِير الجيوش يَا أعدل الْحُكَّام ... فِي فعله وَفِيمَا يَقُول)
(أَنْت حليت بالمكارم أهل الْعَصْر ... حَتَّى تعرف الْمَجْهُول)
(وَقسمت الفرنج بالغزو شطرين ... فَهَذَا عان وَهَذَا قَتِيل)
(بَالغ العَبْد فِي النِّيَابَة والتحريض ... وَهُوَ المفوه المقبول)
(فَرَأى من عَزِيمَة الْغَزْو مَا كَادَت ... لَهُ الأَرْض وَالْجِبَال تميل)
(وَإِذا عاقت الْمَقَادِير فَالله ... إِذا حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل)
وَكتب الصَّالح إِلَيْهِ جَوَابا قصيدته الطائية الَّتِي أَولهَا
(هِيَ الْبَدْر لَكِن الثريا لَهَا قرط ... وَمن أنجم الجوزاء فِي نحرها سمط)
ثمَّ قَالَ بعد وصف السيوف
(ذخرنا سطاها للفرنج لِأَنَّهَا ... بهم دون أهل الأَرْض أَجْدَر أَن تسطو)
стр. 355
(وَقد كاتبوا فِي الصُّلْح لَكِن جوابهم ... بحضرتنا مَا تنْبت الْخط لَا الْخط)
(سطور خُيُول لَا تغب دِيَارهمْ ... بهَا بالمواضي والقنا الشكل والنقط)
(إِذا أرْسلت فرعا من النَّقْع فاحما ... أثيثا فأسنان الرماح لَهَا مشط)
(رددنا بِهِ ابْن الفنش عَنَّا وَإِنَّمَا ... يُثبتهُ فِي سَرْجه الشد والربط)
(فَقولُوا لنُور الدّين لَيْسَ لجائف الْجِرَاحَات ... إِلَّا الكي فِي الطِّبّ والبط)
(وحسم أصُول الدَّاء أولى بعاقل ... لَبِيب إِذا استولى على المدنف الْخَلْط)
(فدع عَنْك ميلًا للفرنج وهدنة ... بهَا أبدا يخطي سواهُم وَلم يخطوا)
(تَأمل فكم شَرط شرطت عَلَيْهِم ... قَدِيما وَكم غدر بِهِ نقض الشَّرْط)
(وشمر فَإنَّا قد أعنا بِكُل مَا ... سَأَلت وجهزنا الجيوش وَلنْ يبطوا)
قَالَ الْعِمَاد فِي = كتاب الخريدة = الصَّالح أَبُو الغارات طلائع بن رزيك سُلْطَان مصر فِي زمَان الفائز وَأول زمَان العاضد ملك مصر وَاسْتولى على أَمر صَاحب الْقصر ونفق فِي زَمَانه النّظم والنثر وَقرب الْفُضَلَاء واتخذهم جلساء ورحل إِلَيْهِ ذَوُو الرَّجَاء وأفاض على الداني والقاصي الْعَطاء
وَله قصائد كَثِيرَة مستحسنة نفذها إِلَى الشَّام يذكر فِيهَا قِيَامه بنصر الْإِسْلَام وَمَا يصدق أحد أَن ذَلِك شعره لجودته وإحكام مباني حكمته وأقسام مَعَاني
стр. 356
بلاغته فَيُقَال إِن الْمُهَذّب ابْن الزبير كَانَ ينظم لَهُ وَأَن الجليس بن الْجبَاب كَانَ يُعينهُ وَله ديوَان كَبِير وإحسان كثير
وَلما جلس فِي دست الوزارة نظم هَذِه الأبيات بديهة
(انْظُر إِلَى ذِي الدَّار كم ... قد حل ساحتها وَزِير)
(وَلكم تبختر آمنا ... وسط الصُّفُوف بهَا أَمِير)
(ذَهَبُوا فَلَا وَالله مَا ... يبْقى الصَّغِير وَلَا الْكَبِير)
(ولمثل مَا صَارُوا إِلَيْهِ من الفناء غَدا نصير)
فصل
قَالَ أَبُو يعلى ورد الْخَبَر فِي خَامِس عشر ربيع الأول من نَاحيَة حلب بحدوث زَلْزَلَة روعت أَهلهَا وأزعجتهم وزعزعت مَوَاضِع من مساكنها ثمَّ سكنت بقدرة محركها
وَفِي لَيْلَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول وافت زَلْزَلَة فِي دمشق روعت وأقلقت ثمَّ سكنت
стр. 357
وَفِي التَّاسِع من ربيع الآخر برز نور الدّين من دمشق إِلَى جسر الْخشب فِي الْعَسْكَر الْمَنْصُور بآلات الْحَرْب لجهاد الْكَفَرَة
وَقد كَانَ أَسد الدّين قبل ذَلِك عِنْد وُصُوله فِيمَن جمعه من فرسَان التركمان أغار بهم على أَعمال صيدا وَمَا قرب مِنْهَا فغنموا أحسن غنيمَة وأوفرها وَخرج إِلَيْهِم من كَانَ بهَا من خيالة الفرنج ورجالتها وَقد كمنوا لَهُم فغنموهم وَقتل أَكْثَرهم واسر الْبَاقُونَ وَفِيهِمْ ولد الْمُقدم الْمُتَوَلِي حصن حارم وعادوا سَالِمين بالأسرى ورؤوس الْقَتْلَى وَالْغنيمَة وَلم يصب مِنْهُم غير فَارس وَاحِد
قَالَ وَفِي أَوَائِل شهر تموز الْمُوَافق لأوّل جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة وافى فِي الْبِقَاع مطر هطال بِحَيْثُ حدث مِنْهُ سيل أَحْمَر كَمَا جرت بِهِ الْعَادة فِي تنبوك الشتَاء وَوصل إِلَى بردى وَوصل إِلَى دمشق وَكثر التَّعَجُّب من اثار قدرَة الله تَعَالَى بحدوث مثل ذَلِك فِي هَذَا الْوَقْت
قَالَ وَفِي لَيْلَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَجَب وافت زَلْزَلَة عِنْد تأذين الْغَدَاة ثمَّ أُخْرَى فِي اللَّيْلَة بعْدهَا وَقت صَلَاة الْغَدَاة
وَورد الْخَبَر من الْعَسْكَر بِأَن الفرنج تجمعُوا وزحفوا إِلَى الْعَسْكَر الْمَنْصُور وان الْمولى نور الدّين نَهَضَ فِي الْحَال فِي الْعَسْكَر والتقى الْجَمْعَانِ وَاتفقَ إِن عَسْكَر الْإِسْلَام حدث فِيهِ فشل لبَعض المقدمين فاندفعوا وَتَفَرَّقُوا بعد الِاجْتِمَاع وبقى نور الدّين ثَابتا مَكَانَهُ فِي عدَّة يسيرَة من شجعان غلمانه وأبطال خواصه
стр. 358
فِي وُجُوه الفرنج وأطلقوا فيهم السِّهَام فَقتلُوا مِنْهُم وَمن خيولهم الْعدَد الْكثير ثمَّ ولوا منهزمين خوفًا من كمين يظْهر عَلَيْهِم من عَسْكَر الْإِسْلَام ونجى الله وَله الْحَمد نور الدّين من بأسهم بمعونة الله تَعَالَى وَشدَّة بأسه وثبات جأشه ومشهور شجاعته وَعَاد إِلَى مخيمه سالما فِي جماعته وَلَام من كَانَ السَّبَب فِي اندفاعه بَين يَدي الفرنج وتفرق جمع الفرنج إِلَى أَعْمَالهم وراسل ملكهم لنُور الدّين فِي طلب الصُّلْح والمهادنة وحرص على ذَلِك وترددت بَين الْفَرِيقَيْنِ مراسلات وَلم يسْتَقرّ بَينهمَا حَال وَعَاد نور الدّين إِلَى دمشق سالما
قلت وَذكر أَبُو الْفَتْح بنجير بن أبي الْحسن بن بنجير الأشترى المعيد كَانَ بِالْمَدْرَسَةِ النظامية فِي سيرة مختصرة جمعهَا لنُور الدّين وَقد تقدم شَيْء مِنْهَا رحمهمَا الله قَالَ وبلغنا أَن نور الدّين خرج إِلَى الْجِهَاد فِي سنة سِتّ وَخمسين وَخمْس مئة فَقضى الله بانهزام عَسْكَر الْمُسلمين وَبَقِي الْملك الْعَادِل مَعَ شرذمة قَليلَة وَطَائِفَة يسيرَة وَاقِفًا على تل يُقَال لَهُ تل حُبَيْش وَقد قرب عَسْكَر الْكفَّار بِحَيْثُ اخْتَلَط رجالة الْمُسلمين مَعَ رجالة الْكفَّار فَوقف الْملك الْعَادِل بحذائهم موليا وَجهه إِلَى قبْلَة الدُّعَاء حَاضرا بِجَمِيعِ قلبه مناجيا ربه بسره يَقُول يَا رب الْعباد أَنا العَبْد الضَّعِيف ملكتني هَذِه الْولَايَة وأعطيتني هَذِه النِّيَابَة عمرت بلادك وَنَصَحْت عِبَادك وأمرتهم بِمَا أَمرتنِي بِهِ ونهيتهم عَمَّا نهيتني عَنهُ فَرفعت الْمُنْكَرَات من بَينهم وأظهرت شعار دينك فِي بِلَادهمْ وَقد انهزم الْمُسلمُونَ وَأَنا لَا أقدر على دفع هَؤُلَاءِ الْكفَّار أَعدَاء دينك وَنَبِيك مُحَمَّد ﷺ وَلَا أملك إِلَّا نَفسِي هَذِه وَقد سلمتها إِلَيْهِم ذابا عَن دينك وناصرا لنبيك
فَاسْتَجَاب الله
стр. 359
تَعَالَى دعاءه وأوقع فِي قُلُوبهم الرعب وَأرْسل عَلَيْهِم الخذلان فوقفوا مواضعهم وَمَا جسروا على الْإِقْدَام عَلَيْهِ وظنوا أَن الْملك الْعَادِل عمل عَلَيْهِم الْحِيلَة وَأَن عَسْكَر الْمُسلمين فِي الكمين فَإِن أقدموا عَلَيْهِ تخرج عَسَاكِر الْمُسلمين من الكمين فَلَا ينفلت مِنْهُم أحد فوقفوا وَمَا أقدموا عَلَيْهِ
قَالَ وَلَوْلَا ذَلِك الإلهام من الله تَعَالَى لكانوا قد استأسروا الْمُسلمين وَمَا كَانَ ينفلت وَاحِد من الْمُسلمين فَوقف عَسْكَر الْكفَّار وبرز اثْنَان مِنْهُم يجولان بَين الصفين يطلبان البرَاز من الْمُسلمين فَأمر الْملك الْعَادِل بخطلخ الزَّاهِد مولى الشَّهِيد بِالْخرُوجِ إِلَيْهِمَا فَخرج وجال بَينهمَا سَاعَة وَحمل على وَاحِد مِنْهُمَا فَقتله ثمَّ جال سَاعَة وَعمل حِيلَة وخدعه وَرجع إِلَى قريب صف الْكفَّار وَحمل على الآخر فَقتله وَرجع إِلَى الصَّفّ
قَالَ وَحدثنَا الشَّيْخ دَاوُد الْمَقْدِسِي خَادِم قبر شُعَيْب على نَبينَا وَعَلِيهِ السَّلَام قَالَ كَانَ أَعْطَانِي ملك الْقُدس بغلة كنت رَاكِبًا عَلَيْهَا يَعْنِي فِي ذَلِك الْيَوْم وَاقِفًا مَعَ الْملك الْعَادِل فَلَمَّا وصل الْكفَّار وقربوا منا شمت بغلتي رَائِحَة خيل الْكفَّار فصهلت تطلب خيلهم فَسَمِعُوا صَهِيل بغلتي فَقَالُوا هَذَا دَاوُد رَاكب على البغلة مَعَ نور الدّين وَاقِف وَلَوْلَا الْحِيلَة والكمين من الْمُسلمين لما وقفُوا مَعَ هَذِه الشرذمة القليلة والطائفة الْيَسِيرَة فتحقق ذَلِك فِي قُلُوبهم فوقفوا وَمَا جسروا على الْإِقْدَام عَلَيْهِ قَالَ فترجل كل من كَانَ مَعَ الْملك الْعَادِل وتشفعوا إِلَيْهِ وباسوا الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَقَالُوا أَيهَا الْملك أَنْت بِجَمِيعِ الْمُسلمين فِي هَذَا الْموضع وَفِي هَذَا الإقليم فَإِن جرى وَالْعِيَاذ بِاللَّه وَهن وَضعف من اسْتِيلَاء الْكفَّار على الْمُسلمين من الَّذِي يقدر على تَدَارُكه قَالَ وَحلف هَذَا الشَّيْخ دَاوُد أَنهم أخذُوا بعنان
стр. 360
فرسه كرها ورحلوا من ذَلِك الْموضع وَمَا كَانَ فِي عزم الْملك الْعَادِل أَن يرحل من ذَلِك الْموضع
فَلَمَّا عرف الْكفَّار ذَلِك وَأَنه مَا كَانَ عَلَيْهِم حِيلَة وَلَا كمين ندموا على ذَلِك ندامة عَظِيمَة
قَالَ وَكَانَ قبل هَذِه الْوَقْعَة بِسنة كسر الْملك الْعَادِل الْكفَّار وَقتل مِنْهُم مقتلة عَظِيمَة واسر مِنْهُم خلقا كثيرا على مَا حكى عَن صَلَاح الدّين صَاحب حمص أَنه قَالَ فد جَازَ التركمان علينا فَحصل فِي الجريدة ألف أَسِير مَعَ التركمان
هَذَا مَا جَازَ على بلد حمص وَحده وَكَانَ قد انفلت ملك الْقُدس وَدخل إِلَى قليعة فَمَا جن عَلَيْهِ اللَّيْل خرج من القلعة وَمضى
فصل
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي رَجَب تجمع قوم من السُّفَهَاء الْعَوام وعزموا على التحريض لنُور الدّين على إِعَادَة مَا كَانَ أبطل وسامح بِهِ أهل دمشق من رسوم دَار الْبِطِّيخ وعرصة البقل والأنهار وصانهم من إعنات شرار الضَّمَان وحوالة الأجناد
وكرروا لسخف عُقُولهمْ الْخطاب وضمنوا الْقيام بِعشْرَة آلَاف دِينَار بيض وَكَتَبُوا بذلك حَتَّى أجِيبُوا إِلَى مَا راموا وشرعوا فِي فَرضهَا على أَرْبَاب الْأَمْلَاك من المقدمين والأعيان والرعايا فَمَا اهتدوا إِلَى صَوَاب وَلَا نجح لَهُم قصد فِي خطاب وَلَا جَوَاب وعسفوا بِالنَّاسِ بجهلهم بِحَيْثُ تألموا وَأَكْثرُوا الضجيج والاستغاثة إِلَى نور الدّين فصرف همة إِلَى النّظر فِي هَذَا الْأَمر فنتجت لَهُ السَّعَادَة وإيثار الْعدْل فِي الرّعية الْإِعَادَة إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَأمر فِي عَاشر رَمَضَان بِإِعَادَة الرسوم الْمُعَادَة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من إماتتها وتعفيه أثر ضَمَانهَا وأضاف إِلَى ذَلِك تَبَرعا من نَفسه إبِْطَال ضَمَان الهريسة والجبن
стр. 361
وَاللَّبن ورسم بِكِتَابَة منشور يقْرَأ على كَافَّة النَّاس بِإِبْطَال هَذِه الرسوم جَمِيعهَا وتعفية ذكرهَا فَبَالغ الْعَالم عِنْد ذَلِك فِي مُوَاصلَة الْأَدْعِيَة وَالثنَاء عَلَيْهِ والنشر لمحاسنه
قَالَ وَفِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان وصل الْحَاجِب مَحْمُود المسترشدي من نَاحيَة مصر بِجَوَاب مَا تحمله من المراسلات من الْملك الصَّالح مُتَوَلِّي أمرهَا وَمَعَهُ رَسُول من مقدمي أمرائها وَمَعَهُ المَال المنفذ برسم الخزانة النورية وأنواع الأثواب المصرية والجياد الْعَرَبيَّة
وَكَانَت فرقة من الإفرنج خذلهم الله قد ضربوا لَهُم فِي المعابر فأظفر الله بهم فَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل النزر
ثمَّ تَلا ذَلِك وُرُود الْخَبَر من الْعَسْكَر الْمصْرِيّ بظفره بجملة وافرة من الفرنج تناهز أَربع مئة فَارس وتزيد على ذَلِك فِي نَاحيَة الْعَريش من الجفار بِحَيْثُ استولى عَلَيْهِم الْقَتْل والأسر وَالسَّلب
قَالَ وَقد كَانَت الْأَخْبَار تناصرت من نَاحيَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي ذِي الْحجَّة ببروز ملك الرّوم مِنْهَا بِالْعدَدِ الْكثير لقصد الْأَعْمَال والمعاقل الإسلامية ووصوله إِلَى مروج الديباج وتخييمه فِيهَا وَبث سراياه للإغارة على أَعمال أنطاكية وَمَا والاها وَأَن قوما من التركمان ظفروا بِجَمَاعَة مِنْهُم هَذَا بعد أَن افْتتح من أَعمال لاوين ملك الأرمن عدَّة من حصونه ومعاقله
وَلما عرف نور الدّين هَذَا شرع فِي مُكَاتبَة وُلَاة الْأَعْمَال والمعاقل بإعلامهم مَا حدث من الرّوم وبعثهم على اسْتِعْمَال التيقظ وَالتَّأَهُّب للْجِهَاد فيهم والاستعداد للنكاية بِمن يظْهر مِنْهُم
стр. 362
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين سَار الْملك مُحَمَّد بن السُّلْطَان مَحْمُود فحصر بَغْدَاد وَبهَا الْخَلِيفَة المقتفى لأمر الله وَمَعَهُ وزيره عون الدّين بن هُبَيْرَة فكاتب أَصْحَاب الْأَطْرَاف فتحركوا وَوصل الْخَبَر إِلَى الْملك مُحَمَّد بِأَن أَخَاهُ ملكشاه قصد همذان ودخلها فِي عَسْكَر كَبِير ونهبها وَأخذ نسَاء الْأُمَرَاء الَّذين مَعَه وَأَوْلَادهمْ فاختلط الْعَسْكَر وَتَفَرَّقُوا وَعَاد مُحَمَّد نَحْو همذان وَخرج أهل بَغْدَاد فنهبوا أَوَاخِر الْعَسْكَر المنقطعين وشعثوا دَار السُّلْطَان
قلت وَفِي هَذِه السّنة توفى أَبُو الْوَقْت عبد الأول الْمُحدث الْمُنْفَرد بعلو رِوَايَة = كتاب الْجَامِع الصَّحِيح = للْبُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخمسين وَخمْس مئة
قَالَ أَبُو يعلى فِي أول يَوْم مِنْهَا وافت زَلْزَلَة عَظِيمَة ضحى نَهَاره وتلاها ثِنْتَانِ دونهَا
стр. 363
وَكَانَ قد عرض لنُور الدّين مرض تزايد بِهِ بِحَيْثُ أَضْعَف قوته وَوَقع الإرجاف بِهِ من حساد دولته والمفسدين من عوام رَعيته وارتاعت الرعايا وأعيان الأجناد وَضَاقَتْ صُدُور قطان الثغور والبلاد خوفًا عَلَيْهِ وإشفاقا من سوء يصل إِلَيْهِ لَا سِيمَا مَعَ أَخْبَار الرّوم والفرنج وَلما أحس من نَفسه بالضعف تقدم إِلَى خَواص أَصْحَابه وَقَالَ لَهُم إِنَّنِي قد عزمت على وَصِيّه إِلَيْكُم بِمَا قد وَقع فِي نَفسِي فكونوا لَهَا سَامِعين مُطِيعِينَ وبشروطها عاملين
إِنِّي مُشفق على الرعايا وكافة الْمُسلمين مِمَّن يكون بعدى من الْوُلَاة الْجَاهِلين والظلمة الجائرين فَإِن أخي نصْرَة الدّين أعرف من أخلاقه وَسُوء أَفعاله مَا لَا أرتضي مَعَه بتوليته أمرا من أُمُور الْمُسلمين وَقد وَقع اخْتِيَاري على أخي الْأَمِير قطب الدّين مودود مُتَوَلِّي الْموصل لما يرجع إِلَيْهِ من عقل وسداد وَدين وَصِحَّة اعْتِقَاد
فَحَلَفُوا لَهُ وأنفذ رسله إِلَى أَخِيه بإعلامه صُورَة الْحَال ليَكُون لَهَا مستعدا
ثمَّ تفضل الله تَعَالَى بإبلاله من الْمَرَض وتزايد الْقُوَّة فِي النَّفس والحس وَجلسَ للدخول إِلَيْهِ وَالسَّلَام عَلَيْهِ
وَكَانَ الْأَمِير مجد الدّين النَّائِب فِي حلب قد رتب فِي الطرقات من يحفظ السالكين فِيهَا فظفر الْمُقِيم فِي منبج بِرَجُل حمال من أهل دمشق وَمَعَهُ كتب فأنفذ بهَا إِلَى مجد الدّين مُتَوَلِّي حلب فَلَمَّا وقف عَلَيْهَا أَمر بصلب متحملها وأنفذها فِي الْحَال إِلَى نور الدّين فَوَجَدَهَا من أَمِين الدّين زين الْحَاج أَبى الْقَاسِم مُتَوَلِّي ديوانه وَمن عز الدّين وَالِي القلعة مَمْلُوكه وَمن مُحَمَّد بن جفرى أحد حجابه إِلَى أَخِيه نصْرَة الدّين أَمِير أميران صَاحب حران بإعلامه بِوُقُوع الْيَأْس من أَخِيه ويحضونه على الْمُبَادرَة والإسراع إِلَى دمشق لتسلم إِلَيْهِ
فَلَمَّا عرف نور الدّين ذَلِك عرض الْكتب على أَرْبَابهَا فَاعْتَرفُوا بهَا فَأمر باعتقالهم وَكَانَ رابعهم سعد الدّين
стр. 364
عُثْمَان وَكَانَ قد خَافَ فهرب قبل ذَلِك بيومين
وَورد فِي الْحَال = كتاب صَاحب قلعة جعبر = يخبر بِقطع نصْرَة الدّين الْفُرَات مجدا إِلَى دمشق فأنهض أَسد الدّين فِي الْعَسْكَر الْمَنْصُور لرده وَمنعه من الْوُصُول فاتصل بِهِ خبر عوده إِلَى مقره عِنْد مَعْرفَته بعافية أَخِيه فَعَاد أَسد الدّين إِلَى دمشق ووصلت رسل الْملك الْعَادِل من نَاحيَة الْموصل بِجَوَاب مَا تَحملُوهُ إِلَى أَخِيه قطب الدّين وفارقوه وَقد برز فِي عسكره مُتَوَجها إِلَى نَاحيَة دمشق فَلَمَّا فصل عَن الْموصل اتَّصل بِهِ خبر عافيته فَأَقَامَ بِحَيْثُ هُوَ وأنفذ وزيره جمال الدّين أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ لكشف الْحَال فوصل إِلَى دمشق يَوْم السبت الثَّامِن من صفر فِي أحسن زِيّ وأبهى تجمل وَخرج إِلَى لِقَائِه الْخلق الْكثير
قَالَ وَهَذَا الْوَزير قد ألهمه الله تَعَالَى من جميل الْأَفْعَال وَحميد الْخلال وكرم النَّفس وإنفاق أَمْوَاله فِي أَبْوَاب الْبر والصلات وَالصَّدقَات ومستحسن الْآثَار فِي مَدِينَة الرَّسُول ﵇ وَمَكَّة ذَات الْحرم وَالْبَيْت الْمُعظم شرفه الله تَعَالَى مَا قد شاع ذكره وتضاعف عَلَيْهِ حَمده وشكره وَاجْتمعَ مَعَ نور الدّين وَجرى بَينهمَا من المفاوضات والتقريرات مَا انْتهى إِلَى عوده إِلَى جِهَته بعد الْإِكْرَام لَهُ وتوفيتة حَقه من الاحترام وأصحبه برسم قطب الدّين أَخِيه وخواصه من الملاطفة مَا اقتضته الْحَال الْحَاضِرَة وَتوجه مَعَه الامير أَسد الدّين
وَقَالَ ابْن أَبى طي لما وصل الْوَزير جمال الدّين إِلَى حلب تَلقاهُ
стр. 365
موكب نور الدّين وَفِيه وُجُوه الدولة وكبراء الْمَدِينَة وَأنزل فِي دَار ابْن الصُّوفِي وَأكْرم غَايَة الْإِكْرَام وأعيد إِلَى صَاحبه شاكرا عَن نور الدّين وسير مَعَه الْأَمِير أَسد الدّين شيركوه رَسُولا إِلَى قطب الدّين بالشكر لَهُ وَالثنَاء عَلَيْهِ وأنفذت مَعَه هَدَايَا سنية فَسَار وَعَاد إِلَى حلب مكرما فَوجدَ نور الدّين عَازِمًا على الْخُرُوج إِلَى دمشق لما بلغه من إِفْسَاد الفرنج فِي بلد حوران فَسَار فِي صحابته وَوصل نور الدّين إِلَى دمشق فَأمر النَّاس بالتجهز لقِتَال الفرنج ثمَّ أنهض أَسد الدّين فِي قِطْعَة من الْعَسْكَر للإغارة على بلد صيدا فَسَار وَسَار مَعَه أَخُوهُ نجم الدّين أَيُّوب وَأَوْلَاده وَلم يشْعر الفرنج إِلَّا وَهُوَ قد عاث فِي بلد صيدا وَقتل وَأسر عَالما عَظِيما وغنم غنيمَة جليلة وَعَاد فَاجْتمع بِنور الدّين على جسر الْخشب
قلت وَهَذَا هُوَ مَا تقدم ذكره بعد المرضة الأولى وَكَأن ابْن أَبى طي جعل المرضتين وَاحِدَة بحلب وَأَبُو يعلى ذكر أَن الأولى بحلب وَالثَّانيَِة بِدِمَشْق وَهُوَ الْأَصَح وَالله أعلم
فصل
قَالَ أَبُو يعلى كَانَ قد وصل من ملك الرّوم رَسُول من مُعَسْكَره وَمَعَهُ هَدِيَّة أتحف بهَا الْملك الْعَادِل من أَثوَاب ديباج وَغير ذَلِك وَجَمِيل خطاب وفعال وقوبل بِمثل ذَلِك
وَحكى عَن ملك الفرنج خذله الله إِن الْمُصَالحَة بَينه وَبَين ملك الرّوم تقررت والمهادنة انْعَقَدت وَالله يرد باس كل
стр. 366
وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى نَحره ويذيقه عَاقِبَة غدره ومكره
قَالَ ووردت أَخْبَار من نَاحيَة ملك الرّوم باعتزامه على أنطاكية وَقصد المعاقل الإسلامية فبادر نور الدّين بالتوجه إِلَى الْبِلَاد الشامية لإيناس أَهلهَا من استيحاشهم من شَرّ الرّوم والإفرنج خذلهم الله تَعَالَى فَسَار فِي الْعَسْكَر صوب حمص وحماة وشيزر
قَالَ وَفِي ثَالِث ربيع الأول وافت زَلْزَلَة هائلة ماجت أَربع موجات وأيقظت النيام وأزعجت اليقظى وَخَافَ كل ذِي مسكن مُضْطَرب على نَفسه وعَلى مَسْكَنه
قَالَ وَفِي تَاسِع جُمَادَى الأولى هبت ريح عاصف شَدِيدَة أَقَامَت يَوْمهَا وليلتها فأتلفت أَكثر الثِّمَار صيفيها وشتويها وأفسدت بعض الْأَشْجَار ثمَّ وافت آخر اللَّيْل زَلْزَلَة هائلة ماجت موجتين أزعجت وأقلقت
قَالَ وتجددت المهادنة الْمُؤَكّدَة لنُور الدّين مَعَ ملك الرّوم بعد تكَرر المراسلات والاقتراحات فِي التقريرات وَأجِيب ملك الرّوم إِلَى مَا التمسه من إِطْلَاق مقدمي الإفرنج المقيمين فِي حبس نور الدّين فأنفذهم بأسرهم
وقابل ملك الرّوم هَذَا الْفضل بِمَا يضاهيه من الإتحاف بأثواب الديباج الفاخرة الْمُخْتَلفَة الْأَجْنَاس الوافرة الْعدَد وَمن الْجَوْهَر النفيس وخيمة من الدبياج لَهَا قيمَة وافرة وَمَا اسْتحْسنَ من الْخُيُول الجبلية
ثمَّ رَحل عقيب ذَلِك
стр. 367
فِي عساكره من منزله عَائِدًا إِلَى بِلَاده مشكورا مَحْمُودًا وَلم يؤذ أحدا من الْمُسلمين فِي الْعشْر الْأَوْسَط من جُمَادَى الأولى فاطمأنت الْقُلُوب بعد انزعاجها وقلقها
قَالَ وَورد بعد ذَلِك الْخَبَر بِأَن نور الدّين صنع لِأَخِيهِ قطب الدّين ولعسكره وَلمن ورد مَعَه من المقدمين والولاة وأصحابهم الواردين لجهاد الرّوم والإفرنج سماطا عَظِيما هائلا تناهى فِيهِ وَفرق من الْحصن الْعَرَبيَّة والخيول وَالْبِغَال الْعدَد الْكثير وَمن الْخلْع من أَنْوَاع الديباج الْمُخْتَلف وَغَيره والتخوت الذَّهَب الشَّيْء الْكثير الزَّائِد على الْكَثْرَة وَكَانَ يَوْمًا مشهودا فِي الْحسن والتجمل
وَاتفقَ أَن جمَاعَة من غرباء التركمان وجدوا من النَّاس غَفلَة باشتغالهم بالسماط وانتهابه فغاروا على الْعَرَب من بني سامة وَغَيرهم وَاسْتَاقُوا مَوَاشِيهمْ فَلَمَّا ورد الْخَبَر بذلك أنهض نور الدّين فِي أَثَرهم فريقا وافرا من الْعَسْكَر فأدركوهم واستخلصوا مِنْهُم جَمِيع مَا أَخَذُوهُ وأعيد إِلَى أربابه
قَالَ وتقرر الرَّأْي النورى على التَّوَجُّه إِلَى مَدِينَة حران لمنازلتها واستعادتها من يَد أَخِيه نصْرَة الدّين حَسْبَمَا رَآهُ فِي ذَلِك من الصّلاح فَرَحل فِي عسكره أول جُمَادَى الْآخِرَة فَلَمَّا نزل عَلَيْهَا وأحاط بهَا وَقعت المراسلات إِلَى أَن تقرر الْحَال على أَمَان من بهَا وسلمت فِي يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة وقررت أحوالها وَأحسن النّظر فِي أَحْوَال
стр. 368
أَهلهَا وَسلمهَا للأمير زين الدّين عَليّ على سَبِيل الإقطاع وفوض إِلَيْهِ تَدْبِير أمورها
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وَخمْس مئة
قَالَ الرئيس أَبُو يعلى فِي صفر توفى الْأَمِير مُجَاهِد الدّين بزان بن مامين أحد مقدمي أُمَرَاء الأكراد وَهُوَ من ذوى الوجاهة فِي الدولة مَوْصُوف بالشجاعة والبسالة والسماحة مواظب على بَث الصلات وَالصَّدقَات فِي الْمَسَاكِين والضعفاء والفقراء مَعَ الزَّمَان فِي كل عصر يَنْقَضِي وَأَوَان جميل الْمحيا حسن الْبشر فِي اللِّقَاء
وَحمل من دَاره بِبَاب الفراديس إِلَى الْجَامِع للصَّلَاة ثمَّ إِلَى الْمدرسَة الْمَشْهُورَة باسمه فَدفن فِيهَا من الْيَوْم وَلم يخل من باك عَلَيْهِ ومؤبن لَهُ ومتأسف على فَقده لجميل أَفعاله وَحميد خلاله
قلت وَله أوقاف على أَبْوَاب الْبر مِنْهُ المدرستان المنسوبتان إِلَيْهِ إِحْدَاهمَا الَّتِي دفن فِيهَا وَهِي لزيق بَاب الفراديس المجدد وَالْأُخْرَى قبالة
стр. 369
بَاب دَار سيف الغربى فِي صف مدرسة نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى
وَله وقف على من يقْرَأ السَّبع كل يَوْم بمقصورة الْخضر بِجَامِع دمشق وَغير ذَلِك وَقد مدحه العرقلة وَغَيره
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي مستهل صفر رفع القَاضِي زكى الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن يحيى بن عَليّ الْقرشِي قَاضِي دمشق إِلَى الْملك الْعَادِل نور الدّين رقْعَة يسْأَله فِيهَا الإعفاء من الْقَضَاء والاستبدال بِهِ فَأجَاب سُؤَاله وَولى قَضَاء دمشق القَاضِي كَمَال الدّين ابْن الشهرزوري وَهُوَ الْمَشْهُور بالتقدم ووفور الْعلم وصفاء الْفَهم والمعرفة بقوانين الْأَحْكَام وشروط اسْتِعْمَال الْإِنْصَاف وَالْعدْل والنزاهة وتجنب الْهوى وَالظُّلم
واستقام لَهُ الْأَمر على مَا يهواه ويؤثره ويرضاه على أَن الْقَضَاء من بعض أدواته وَاسْتقر أَن يكون النَّائِب عَنهُ عِنْد اشْتِغَاله وَلَده
قلت ولكمال الدّين رَحمَه الله تَعَالَى الصَّدَقَة الْجَارِيَة بعده على الْفُقَرَاء كل يَوْم جُمُعَة وَإِلَيْهِ ينْسب الشباك الكمالي بِجَامِع دمشق من الغرب وَهُوَ الَّذِي حكمت فِيهِ الْقُضَاة مُدَّة وَيصلونَ فِيهِ الْجُمُعَة فِي زَمَاننَا
وَإِلَى هَهُنَا انْتهى مَا نَقَلْنَاهُ من كتاب الرئيس أبي يعلى التَّمِيمِي فَإِنَّهُ آخر كِتَابه
وَفِي هَذِه السّنة توفّي رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 370
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة خمس وَخمسين توفّي أَمِير الْمُؤمنِينَ المقتفي بن المستظهر ومولده سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة وَكَانَت خِلَافَته أَرْبعا وَعشْرين سنة وشهرين وبويع وَلَده أَبُو المظفر يُوسُف ولقب المستنجد بِاللَّه فَأقر ابْن هُبَيْرَة على وزارته
قَالَ وفيهَا حج زين الدّين عَليّ وَأحسن إِلَى النَّاس فِي طَرِيق مَكَّة وَأكْثر الصَّدقَات فَلَمَّا وصل بَغْدَاد أكْرمه المستنجد بِاللَّه فَلَمَّا لبس الخلعة كَانَت طَوِيلَة وَكَانَ قَصِيرا جدا فَمد يَده إِلَى كمراته وَأخرج مَا شدّ بِهِ وَسطه وَقصر الْجُبَّة فَنظر المستنجد إِلَيْهِ وَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ وَقَالَ لمن عِنْده مثل هَذَا يكون الْأَمِير والجندي لَا مثلكُمْ
قلت وَفِي هَذِه السّنة توفّي الْمُسْتَخْلف بِمصْر الملقب بالفائز بن الظافر بن الْحَافِظ وَولي بعده ابْن عَمه العاضد بن يُوسُف بن الْحَافِظ وَهُوَ أخر خلفاء مصر
وَوصل من الصَّالح بن رزيك كتاب إِلَى ابْن منقذ أُسَامَة بذلك فَكتب إِلَيْهِ
(هناء بنعمى قل عَن قدرهَا الشُّكْر ... وصبرا لرزء لَا يقوم بِهِ الصَّبْر)
(مضى الفائز الطُّهْر الإِمَام وَقَامَ بِالْإِمَامَةِ ... فِينَا بعده العاضد الطُّهْر)
(إِمَامًا هدى لله فِي نقل ذَا إِلَى ... كرامته وَفِي إِقَامَة ذَا سر)
(فعش أبدا واسلم لَهُم يَا كفيلهم ... تدافع عَنْهُم كل حَادِثَة تعرو)
стр. 371
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَخمْس مئة
قَالَ ابْن أبي طي فِي هَذِه السّنة حج أَسد الدّين من الشَّام وَخرج فِي تجمل عَظِيم وشارة رائعة واستصحب مَعَه من الأزواد والكسى أَشْيَاء عَظِيمَة وَيُقَال إِنَّه كَانَ مَعَه ألف نفس يجرى عَلَيْهِم الطَّعَام وَالشرَاب
وَحج على كوجك الْمَعْرُوف بزين الدّين من الْعرَاق وَحج ملهم أَخُو ضرغام وَزِير مصر فَكَانَ الْمَوْسِم بهؤلاء الثَّلَاثَة كثير الْخَيْر وَاسْتغْنى بسببهم أهل الْحجاز وَعَاد أَسد الدّين سالما وَخرج نور الدّين إِلَى لِقَائِه وَكَانَ يَوْم وُرُوده يَوْمًا عَظِيما
وَقَالَ أَيْضا فِيهَا قتل الصَّالح بن رزيك بِمصْر وَكَانَ سَبَب قَتله إِن عمَّة العاضد عملت على قَتله ونفذت الْأَمْوَال إِلَى الْأُمَرَاء فَبلغ ذَلِك الصَّالح فاستعاد الْأَمْوَال واحتاط على عمَّة العاضد
قَالَ وَإِنَّمَا كرهته عمَّة العاضد لاستيلائه على الْأُمُور والدولة وَحفظه للأموال وَقتل الصَّالح بِسَبَبِهَا جمَاعَة من الْأُمَرَاء ونكبهم وَتمكن من الدولة تمَكنا حسنا
ثمَّ إِن عمَّة العاضد عَادَتْ وأحكمت الْحِيلَة عَلَيْهِ وبذلت لقوم من السودَان مَالا جزيلا
стр. 372
حَتَّى أوقعوا بِهِ الْفِعْل جَلَسُوا لَهُ فِي بَيت فِي دهليز الْقصر مختفين فِيهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْم تَاسِع عشر رَمَضَان ركب إِلَى الْقصر ودخله وَسلم على العاضد وَخرج من عِنْده فَخرج عَلَيْهِ الْجَمَاعَة وَوَقعت الصَّيْحَة فعثر الصَّالح بأذياله فطعنه أحدهم بِالسَّيْفِ فِي ظَاهر رقبته فَقطع أحد عمودي الرَّقَبَة وَحمل إِلَى بَاب الْقصر وَأُصِيب وَلَده رزيك فِي كتفه
وَلما حصل الصَّالح فِي دَاره أوصى وَلَده رزيك وَمَات بعد سَاعَة من ذَلِك الْيَوْم
قَالَ الْعِمَاد وانكسفت شمس الْفَضَائِل وَرخّص سعر الشّعْر وانخفض علم الْعلم وضاق فضاء الْفضل وَعم رزء ابْن رزيك وَملك صرف الدَّهْر ذَلِك المليك فَلم تزل مصر بعده منجوسة الْحَظ منحوسة الْجد منكوسة الرَّايَة معكوسة الْآيَة إِلَى أَن ملكهَا يوسفها الثَّانِي وَجعلهَا مغاني الْمعَانِي وأنشر رميمها وعطر نسيمها وتسلم قصرهَا وَالْتزم خصرها
قَالَ زين الدّين الْوَاعِظ عمل فَارس الْمُسلمين أَخُو الصَّالح دَعْوَة فِي شبعان من السّنة الَّتِي قتل فِيهَا فَعمل هَذِه الأبيات وَسلمهَا إِلَيّ
(أنست بكم دهرا فَلَمَّا ظعنتم اسْتَقَرَّتْ ... بقلبي وَحْشَة للتفرق)
وَمِنْهَا
(وأعجب شَيْء أنني يَوْم بَيْنكُم ... بقيت وقلبي بَين جَنْبي مَا بقى)
(أرى الْبعد مَا بيني وَبَين أحبتي ... كبعد المدى مَا بَين غرب ومشرق)
стр. 373
أَلا جددي يَا نفس وجدا وحسرة ... فَهَذَا فِرَاق بعده لَيْسَ نَلْتَقِي)
قَالَ فَلم يبْق بعْدهَا لَهُم اجْتِمَاع فِي مَسَرَّة وَقتل فِي شهر رَمَضَان
قلت ولعمارة اليمني وَلغيره فِي الصَّالح مدائح ومراث جليلة وَقد أثنى عَلَيْهِ كثيرا فِي = كتاب الوزراء الْمصْرِيّ = وَقَالَ لم يكن مجْلِس أنسه يَنْقَطِع إِلَّا بالمذاكرة فِي أَنْوَاع الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والأدبية وَفِي مذاكرة وقائع الحروب مَعَ أُمَرَاء دولته
قَالَ وَكَانَ مرتاضا قد شم أَطْرَاف المعارف وتميز عَن أجلاف الْمُلُوك وَكَانَ شَاعِرًا يحب الْأَدَب وَأَهله يكرم جليسه ويبسط أنيسه وَلكنه كَانَ مفرط العصبية فِي مَذْهَب الإمامية وَكَانَ مرتاضا حصيفا قد لَقِي فِي ولَايَته فُقَهَاء السّنة وَسمع كَلَامهم
قَالَ وَدخلت عَلَيْهِ قبل أَن يَمُوت بِثَلَاث لَيَال وَفِي يَده قرطاس قد كتب فِيهِ بَيْتَيْنِ من شعره عملهما فِي تِلْكَ السَّاعَة وهما
(نَحن فِي غَفلَة ونوم وللموت ... عُيُون يقظانة لَا تنام)
(قد رحلنا إِلَى الْحمام سنينا ... لَيْت شعري مَتى يكون الْحمام)
قَالَ وَمن عَجِيب الِاتِّفَاق أَنِّي أنشدت ابْنه مجد الْإِسْلَام فِي دَار سعيد السُّعَدَاء ليله السَّادِس عشر من شهر رَمَضَان أَو السَّابِع عشر قصيدة أَقُول فِيهَا
(أَبوك الَّذِي تسطو اللَّيَالِي بحده ... وَأَنت يَمِين إِن سَطَا وشمال)
(لرتبته الْعُظْمَى وَإِن طَال عمره ... إِلَيْك مصير وَاجِب ومآل)
(تخالسك اللحظ المصون ودونها ... حجاب شرِيف لَا انْقَضى وحجال)
стр. 374
قَالَ فانتقل الْملك بعد ثَلَاث إِلَيْهِ
قَالَ وَمِمَّا رثيته بِهِ وَإِن كَانَ كثيرا قولي
(أفى أهل ذَا النادي عليم أسائله ... فَأَنِّي لما بِي ذَاهِب اللب ذاهله)
(سَمِعت حَدِيثا أحسد الصم عِنْده ... وَيذْهل واعيه ويخرس قَائِله)
(فقد رَابَنِي من شَاهد الْحَال أنني ... أرى الدست مَنْصُوبًا وَمَا فِيهِ كافله)
(وَأَنِّي أرى فَوق الْوُجُوه كآبة ... تدل على أَن الْوُجُوه ثواكله)
(دَعونِي فَمَا هَذَا بِوَقْت بكائه ... سَيَأْتِيكُمْ طل الْبكاء ووابله)
(وَلم لَا نبكيه ونندب فَقده ... وَأَوْلَادنَا أيتامه وأرامله)
(فيا لَيْت شعري بعد حسن فعاله ... وَقد غَابَ عَنَّا مَا بِنَا الدَّهْر فَاعله)
(أيكرم مثوى ضيفكم وغريبكم ... فيسكن أم تطوى ببين مراحله)
وَله من أُخْرَى يرثيه وَيذكر ولَايَة ابْنه
(طمع الْمَرْء فِي الْحَيَاة غرور ... وطويل الآمال فِيهَا قصير)
وَمِنْهَا
(وَلكم قدر الْفَتى فَأَتَتْهُ ... نوب لم يحط بهَا التَّقْدِير)
(فض ختم الْحَيَاة عَنْك حمام ... لَا يُرَاعى إِذْنا وَلَا يستشير)
(مَا تخطى إِلَى جلالك إِلَّا ... قدر أمره علينا قدير)
(يَا أَمِير الجيوش هَل لَك علم ... أَن حر الأسى علينا أَمِير)
(إِن قبرا حللته لغنى ... إِن دهرا فارقته لفقير)
(انطوى ذَلِك الْبسَاط وعهدي ... وَهُوَ بِالْعلمِ والندى معمور)
стр. 375
(لَا تظن الْأَنَام أَنَّك ميت ... لم يمت من ثَنَاؤُهُ منشور)
(إِن مضى كافل فَهَذَا كَفِيل ... أَو وَزِير يغب فَهَذَا وَزِير)
(دولة صالحية خلفتها ... دولة عادلية لَا تجور)
(أعقب الدَّهْر بؤسه بنعيم ... رب حزن فِي الطي مِنْهُ سرُور)
(مَا شَكَوْنَا كسر النوائب حَتَّى ... قيل فِي الْحَال كسركم مجبور)
(نصر النَّاصِر الْعلَا بالعوالي ... ولنعم الْمولى وَنعم النصير)
وَقَالَ أَيْضا يرثيه وَيذكر الظفر بقاتليه ويصف نقل تابوته إِلَى مشهده بالقرافة قصيدة طَوِيلَة مِنْهَا
(قد كنت أشرق من ثماد مدامعي ... أسفا فَكيف وَقد طمى التيار)
(عَم الورى يَوْم الْخَمِيس وخصني ... خطب بأنف الدَّهْر مِنْهُ صغَار)
(مَا أوحش الدُّنْيَا غدية فَارَقت ... قطبا رحى الدُّنْيَا عَلَيْهِ تدار)
(خربَتْ ربوع المكرمات لوَاحِد ... عمرت بِهِ الأجداث وَهِي قفار)
(نعش الجدود العاثرات مشيع ... عشيت بِرُؤْيَة نعشه الْأَبْصَار)
(نعش تود بَنَات نعش لَو غَدَتْ ... ونظامها أسفا عَلَيْهِ نثار)
(شخص الْأَنَام إِلَيْهِ تَحت جَنَازَة ... خفضت لرفعة قدرهَا الأقدار)
(سَار الإِمَام أمامها فَعلمت إِن ... قد شيعتها الْخَمْسَة الْأَبْرَار)
(وَمَشى الْمُلُوك بهَا حُفَاة بعد مَا ... حفت مَلَائِكَة بهَا أطهار)
(فَكَأَنَّهَا تَابُوت مُوسَى أودعت ... فِي جانبيه سكينَة ووقار)
(لكنه مَا ضم غير بَقِيَّة الْإِسْلَام ... وَهُوَ الصَّالح الْمُخْتَار)
(أقطنته دَار الوزارة ريثما ... بنيت لنقلته الْكَرِيمَة دَار)
(وتغاير الهرمان والحرمان فِي ... تابوته وعَلى الْكَرِيم يغار)
(آثرت مصرا مِنْهُ بالشرف الَّذِي ... حسدت قرافتها لَهُ الْأَمْصَار)
(وجعلتها أمنا بِهِ ومثابة ... ترجو مثابة قَصدهَا الزوار)
стр. 376
(قد قلت إِذْ نقلوه نقلة ظاعن ... نزحت بِهِ دَار وشط مَزَار)
(مَا كَانَ إِلَّا السَّيْف جدد غمده ... بسواه وَهُوَ الصارم البتار)
(والبدر فَارق برجه مبتدلا ... برجا بِهِ تتشعشع الْأَنْوَار)
(والغيث روى بَلْدَة ثمَّ انتحى ... أُخْرَى فنوء سحابه مدرار)
(يَا مُسبل الأستار دون جَلَاله ... مَاذَا الَّذِي رفعت لَهُ الأستار)
(مَالِي أرى الزوار بعد مهابة ... فوضى وَلَا إِذن وَلَا استئمار)
(غضب الْإِلَه على رجال أقدموا ... جهلا عَلَيْك وَآخَرين أشاروا)
(لَا تَعَجبا لقدار نَاقَة صَالح ... فَلِكُل دهر نَاقَة وقدار)
(واخجلتا للبيض كَيفَ تطاولت ... سفها بأيدي السود وَهِي قصار)
(واحسرتا كَيفَ انْفَرَدت لأعبد ... وعبيدك السادات والأحرار)
(رصدوك فِي ضيق المجال بِحَيْثُ لَا الخطي ... متسع وَلَا الخطار)
(مَا كَانَ أقصر باعهم عَن مثلهَا ... لَو كنت متروكا وَمَا تخْتَار)
(وَلَقَد ثَبت ثبات مقتدر على ... خذلانهم لَو ساعد الْمِقْدَار)
(وتعثرت أَقْدَامهم بك هَيْبَة ... لَو لم يكن لَك بالذيول عثار)
(أحللت دَار كَرَامَة لَا تَنْقَضِي ... أبدا وَحل بقاتليك بوار)
(يَا لَيْت عَيْنك شاهدت أَحْوَالهم ... من بعْدهَا وَرَأَتْ إِلَى مَا صَارُوا)
(وَقع الْقصاص بهم وَلَيْسوا مقنعا ... يُرْضِي وَأَيْنَ من السَّمَاء غُبَار)
(ضَاقَتْ بهم سَعَة الفجاج وَرُبمَا ... نَام الْعَدو وَلَا ينَام الثار)
(وتوهموا أَن الْفِرَار مَطِيَّة ... تنجي وَأَيْنَ من الْقَضَاء فرار)
(طاروا فَمد أَبُو الشجاع لصيدهم ... شرك الردى فكأنهم مَا طاروا)
(فتهن بِالْأَجْرِ الجزيل وميتة ... درجت عَلَيْهَا قبلك الأخيار)
стр. 377
(مَاتَ الْوَصِيّ بهَا وَحَمْزَة عَمه ... وَابْن البتول وجعفر الطيار)
(نلْت السَّعَادَة وَالشَّهَادَة والعلا ... حَيا وَمَيتًا إِن ذَا لفخار)
(وَلَقَد أقرّ الْعين بعْدك أروع ... لولاه لم يَك للعلا اسْتِقْرَار)
(النَّاصِر الْهَادِي الَّذِي حَسَنَاته ... عَن سيئات زَمَاننَا أعذار)
(لما استقام لحفظ أمة أَحْمد ... عمرت بِهِ الأوطان والأوطار)
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وَخمْس مئة
قَالَ ابْن الْأَثِير فِيهَا جمع نور الدّين العساكر بحلب وَسَار إِلَى قلعة حارم وحصرها وجد فِي قتالها فامتنعت عَلَيْهِ لحصانتها وَكَثْرَة من بهَا من فرسَان الفرنج وشجعانهم وَاجْتمعَ الفرنج من سَائِر الْبِلَاد وَسَارُوا نَحوه ليرحلوه عَنْهَا فَلَمَّا قاربوه طلب مِنْهُم المصاف فَلم يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِك وراسلوه وتلطفوا الْحَال مَعَه فَعَاد إِلَى بِلَاده
وَمِمَّنْ كَانَ مَعَه فِي هَذِه الْغُزَاة الْأَمِير مؤيد الدولة أُسَامَة بن مرشد بن منقذ وَكَانَ من الشجَاعَة فِي الْغَايَة الَّتِي لَا مزِيد عَلَيْهَا فَلَمَّا عَاد إِلَى حلب دخل إِلَى مَسْجِد سِيرِين وَكَانَ قد دخله فِي الْعَام الْمَاضِي سائرا إِلَى الْحَج فَلَمَّا دخله عامئذ كتب على حَائِطه
(لَك الْحَمد يَا مولَايَ كم لَك منَّة ... على وَفضل لَا يُحِيط بِهِ شكري)
(نزلت بِهَذَا الْمَسْجِد الْعَام قَافِلًا ... من الْغَزْو موفور النَّصِيب من الْأجر)
(وَمِنْه رحلت العيس فِي عَامي الَّذِي ... مضى نَحْو بَيت الله ذِي الرُّكْن وَالْحجر)
(فأديت مفروضي وأسقطت ثقل مَا ... تحملت من وزر الشبيبة عَن ظَهْري)
стр. 378
قلت أذكرني هَذَا مَا كتبه أُسَامَة أَيْضا بِمَدِينَة صور وَقد دخل دَار ابْن أبي عقيل فرآها وَقد تهدمت وتغيرت زخرفتها فَكتب على لوح من رُخَام
(احذر من الدُّنْيَا وَلَا ... تغتر بالعمر الْقصير)
(وَتنظر إِلَى آثَار من ... صرعته منا بالغرور)
(عمروا وشادوا مَا ترَاهُ ... من الْمنَازل والقصور)
(وتحولوا من بعد سكناهَا ... إِلَى سكني الْقُبُور)
قلت ابْن أَبى عقيل هَذَا هُوَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الله بن عِيَاض بن أَبى عقيل صَاحب صور ويلقب عين الدولة مَاتَ سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبع مئة وَاسْتولى على صور ابْنه النفيس
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَخمْس مئة
قَالَ ابْن الْأَثِير فِيهَا جمع نور الدّين عساكره وَدخل بِلَاد الفرنج فَنزل بالبقيعة تَحت حصن الأكراد وَهُوَ للفرنج عَازِمًا على دُخُول بِلَادهمْ ومنازلة طرابلس فَبَيْنَمَا النَّاس فِي بعض الْأَيَّام فِي خيامهم وسط النَّهَار لم يرعهم إِلَّا ظُهُور صلبان الفرنج من وَرَاء الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ الْحصن فكبسوهم فَأَرَادَ الْمُسلمُونَ دفعهم فَلم يطيقوا فَانْهَزَمُوا وَوضع الفرنج السَّيْف وَأَكْثرُوا الْقَتْل والأسر وقصدوا خيمة الْملك الْعَادِل فَخرج من ظهر خيمته عجلا بِغَيْر قبَاء فَركب فرسا هُنَاكَ للنوبة ولسرعته رَكبه وَفِي رجله شبحة فَنزل)
стр. 379
إِنْسَان من الأكراد فقطعها فنجا نور الدّين وَقتل الْكرْدِي فَسَأَلَ نور الدّين عَن مخلفي ذَلِك الْكرْدِي فَأحْسن إِلَيْهِم جَزَاء لفعله وَكَانَ أَكثر الْقَتْل فِي السوقة والغلمان
وَسَار نور الدّين إِلَى مَدِينَة حمص فَأَقَامَ بظاهرها وأحضر مِنْهَا مَا فِيهَا من الْخيام ونصبها على بحيرة قدس على فَرسَخ من حمص وَبَينهَا وَبَين مَكَان الْوَقْعَة أَرْبَعَة فراسخ وَكَانَ النَّاس يظنون أَنه لَا يقف دون حلب وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى أَشْجَع من ذَلِك وَأقوى عزما
وَلما نزل على بحيرة قدس اجْتمع إِلَيْهِ كل من نجا من المعركة فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه لَيْسَ من الرَّأْي أَن تقيم هَهُنَا فَإِن الفرنج رُبمَا حملهمْ الطمع على الْمَجِيء إِلَيْنَا وَنحن على هَذِه الْحَال
فوبخه وأسكته وَقَالَ إِذا كَانَ معي ألف فَارس فَلَا أُبَالِي بهم قلوا أَو كَثُرُوا وَوَاللَّه لَا أستظل بجدار حَتَّى اخذ بثأر الْإِسْلَام وثأري
ثمَّ إِنَّه أرسل إِلَى حلب ودمشق وأحضر الْأَمْوَال وَالدَّوَاب والأسلحة والخيام وَسَائِر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْجند فَأكْثر وَفرق ذَلِك جَمِيعه على من سلم وَأما من قتل فانه أقرّ إقطاعه على أَوْلَاده فَإِن لم يكن لَهُ ولد فعلى بعض أَهله فَعَاد الْعَسْكَر كَأَنَّهُ لم يفقد مِنْهُ أحد
وَأما الفرنج فَإِنَّهُم كَانُوا عازمين على قصد حمص بعد الْهَزِيمَة لِأَنَّهَا أقرب الْبِلَاد إِلَيْهِم فَلَمَّا بَلغهُمْ مقَام نور الدّين عِنْدهَا قَالُوا إِنَّه لم يفعل هَذَا إِلَّا وَعِنْده من الْقُوَّة أَن يمنعنا
وَكَانَ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى قد أَكثر الخرج إِلَى أَن قسم فِي يَوْم وَاحِد مئتي ألف دِينَار سوى غَيرهَا من الدَّوَابّ والخيام وَالسِّلَاح وَغير ذَلِك
وَتقدم إِلَى ديوانه أَن يحضروا الْجند ويسألوا كل وَاحِد مِنْهُم عَن الَّذِي أَخذ مِنْهُ فَكل من ذكر شَيْئا أَعْطوهُ عوضه فَحَضَرَ بعض الْجند وَادّعى شَيْئا كثيرا
стр. 380
علم بعض النواب كذبه فِيمَا ادْعاه لمعرفتهم بِحَالهِ فأرسلوا إِلَى نور الدّين ينهون إِلَيْهِ الْقَضِيَّة ويستأذنونه فِي تَحْلِيف الجندي على مَا ادَّعَاهُ
فَأَعَادَ الْجَواب لَا تكدروا عطاءنا فَإِنِّي أَرْجُو الثَّوَاب وَالْأَجْر على قَلِيله وَكَثِيره
وَقَالَ لَهُ أَصْحَابه إِن لَك فِي بلادك إدرارتٍ كَثِيرَة وصلات عَظِيمَة للفقهاء والفقراء والصوفية والقراء فَلَو استعنت بهَا لآن لَكَانَ أمثل فَغَضب من هَذَا وَقَالَ وَالله إِنِّي لَا أَرْجُو النَّصْر إِلَّا بأولئك فَإِنَّمَا ترزقون وتنصرون بضعفائكم
كَيفَ أقطع صلات قوم يُقَاتلُون عَنى وَأَنا نَائِم فِي فِرَاشِي بسهام لَا تخطئ وأصرفها إِلَى من يُقَاتل عَنى إِذا رَآنِي بسهام قد تخطئ وتصيب ثمَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَهُم نصيب فِي بَيت المَال أصرفه إِلَيْهِم كَيفَ أعْطِيه غَيرهم فَسَكَتُوا
ثمَّ إِن الفرنج أرْسلُوا إِلَى نور الدّين فِي المهادنة فَلم يجبهم إِلَيْهَا فتركوا عِنْد الْحصن من يحميه وعادوا إِلَى بِلَادهمْ وَتَفَرَّقُوا
قلت وَفِي هَذِه الْحَادِثَة تَحت حصن الأكراد يَقُول أَبُو الْفرج
стр. 381
عبد الله بن أسعد الْموصِلِي نزيل حمص من جملَة قصيدة فائقة يمدح بهَا نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى أَولهَا
(ظبى المواضي وأطراف القنا الذبل ... ضوامن لَك مَا حازوه من نفل)
(وكافل لَك كَاف مَا تحاوله ... عز وعزم وبأس غير منتحل)
(وَمَا يعيبك مَا حازوه من سلب ... بالختل قد تؤسر الآساد بالحيل)
(وَإِنَّمَا أخلدوا جبنا إِلَى خدع ... إِذْ لم يكن لَهُم بالجيش من قبل)
(واستيقظوا وَأَرَادَ الله غفلتكم ... لينفذ الْقدر المحتوم فِي الْأَزَل)
(حَتَّى أَتَوْكُم وَلَا الماذي من أُمَم ... وَلَا الظبي كثب من مرهق عجل)
(قِنَا لقى وقسي غير موترة ... وَالْخَيْل عازبة ترعى مَعَ الهمل)
(مَا يصنع اللَّيْث لَا نَاب وَلَا ظفر ... بِمَا حواليه من عفر وَمن وعل)
(هلا وَقد ركب الْأسد الصقور وَقد ... سلوا الظبى تَحت غابات من الأسل)
(وَإِنَّمَا هم أضاعوا حزمهم ثِقَة ... بِجَمْعِهِمْ وَلكم من واثق خجل)
(بنى الأصافر مَا نلتم بمكركم ... وَالْمَكْر فِي كل إِنْسَان أَخُو الفشل)
(وَمَا رجعتم بأسرى خَابَ سعيكم ... غير الأراذل والأتباع والسفل)
стр. 382
(سلبتم الجرد معراة بِلَا لجم ... والسمر مركوزة وَالْبيض فِي الْخلَل)
(هَل اخذ الْخَيل قد أردى فوارسها ... مِثَال آخذها فِي الشكل والطول)
(أم سالب الرمْح مركوزا كسالبه ... وَالْحَرب دَائِرَة من كف معتقل)
(جَيش أَصَابَتْهُم عين الْكَمَال وَمَا ... يَخْلُو من الْعين إِلَّا غير مكتمل)
(لَهُم بِيَوْم حنين أُسْوَة وهم ... خير الْأَنَام وَفِيهِمْ خَاتم الرُّسُل)
(سيقتضيكم بِضَرْب عِنْد أهونه ... الْبيض كالبيض والأدراع كالحلل)
(ملك بعيد من الأدناس ذُو كلف ... بِالصّدقِ فِي القَوْل وَالْإِخْلَاص فِي الْعَمَل)
وَمِنْهَا
(فالسمر مَا أَصبَحت وَالشَّمْس مَا أفلت ... وَالسيف مَا فل والأطواد لم تزل)
(كم قد تجلت بِنور الدّين من ظلم ... للظلم وإنجاب للإضلال من ظلل)
(قل لِلْمُولّين كفوا الطّرف من جبن ... عِنْد اللِّقَاء وغضوا الطّرف من خجل)
(طلبتم السهل تبغون النجَاة وَلَو ... لذتم بملككم لذتم إِلَى جبل)
(أسلمتموه ووليتم فسلمكم ... بثبتة لَو بغاها الطود لم ينل)
(فَقَامَ فَردا وَقد ولت جحافله ... فَكَانَ من نَفسه فِي جحفل زجل)
(فِي مشْهد لَوْ لُيُوث الغيل تشهده ... خرت لأذقانها من شدَّة الوهل)
(وسط العدى وَحده ثَبت الْجنان وَقد ... طارت قُلُوب على بعد من الوجل)
(يعود عَنْهُم رويدا غير مكثرث ... بهم وَقد كرّ فيهم غير محتفل)
(يزْدَاد قدما إِلَيْهِم من تيقنه ... أَن التَّأَخُّر لَا يحمى من الْأَجَل)
стр. 383
(مَا كَانَ أقربهم من أسر أبعدكم ... لَو أَنهم لم يَكُونُوا مِنْهُ فِي شغل)
(ثباته فِي صُدُور الْخَيل أنقذكم ... لَا تحسبوا وثبات الضمّر الذلّل)
(مَا كل حِين تصاب الْأسد غافلة ... وَلَا يُصِيب الشَّديد الْبَطْش ذُو الشلل)
(وَالله عونك فِيمَا أَنْت مزمعه ... كَمَا أعانك فِي أيامك الأول)
(كم قد ملكت لَهُم ملكا بِلَا عوض ... وحزت من بلد مِنْهَا بِلَا بدل)
(وَكم سقيت العوالي من طلى ملك ... وَكم قريت العوافي من قرا بَطل)
(لَا نكبت سهمك الأقدار عَن غَرَض ... وَلَا ثنت يدك الْأَيَّام عَن أمل)
قلت حاول ابْن أسعد فِي هَذِه القصيدة مَا حاوله المتنبي فِي قَوْله
(غَيْرِي بِأَكْثَرَ هَذَا النَّاس ينخدع ...) القصيدة
فَإِن كل وَاحِد مِنْهُمَا اعتذر عَن أَصْحَابه ومدحهم وهم المنهزمون وَقد أحسنا مَعًا عَفا الله عَنْهُمَا
وَعبد الله بن أسعد هَذَا فَقِيه فَاضل وشاعر مفلق كَانَ مدرسا بحمص يعرف بِابْن الدهان وَله تَرْجَمَة فِي = تَارِيخ دمشق =
وَقد ذكره الْعِمَاد
стр. 384
الْكَاتِب فِي = خريدته = فَأحْسن ذكره وَأكْثر الثَّنَاء على علمه وشعره وَسَيَأْتِي ذكره أَيْضا فِي هَذَا الْكتاب فِي أَخْبَار سنة سبعين وست وَسبعين وثمان وَسبعين إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة ثَمَان وَخمسين توفى عبد الْمُؤمن بن عَليّ خَليفَة الْمهْدي مُحَمَّد بن تومرت صَاحب الْمغرب وَولى بعده ابْنه يُوسُف
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وَخمْس مئة
فَفِيهَا سَار أَسد الدّين شيركوه بن شاذي إِلَى مصر الْمرة الأولى وَهُوَ من أكَابِر الْأُمَرَاء الَّذين فِي الْخدمَة النورية عَازِمًا على ملك الديار المصرية واستضافتها إِلَى المملكة النورية
وَكَانَ أَسد الدّين وَأَخُوهُ نجم الدّين أَيُّوب وَهُوَ الْأَكْبَر ابْنا شاذي من بلد دوين وَهِي بَلْدَة من آخر بِلَاد أذْرَبِيجان مِمَّا يَلِي الرّوم واصلهما من الأكراد الروادية وَهَذَا الْقَبِيل من اشرف الأكراد وقدما الْعرَاق وخدما
стр. 385
مُجَاهِد الدّين بهروز الْخَادِم وَهُوَ شِحنة الْعرَاق فَرَأى من نجم الدّين عقلا ورأيا وَحسن سيرة فَجعله دزدارا بتكريت وَهِي لَهُ فَسَار إِلَيْهَا وَمَعَهُ أَخُوهُ أَسد الدّين
فَلَمَّا انهزم أتابك زنكي الشَّهِيد وَالِد نور الدّين بالعراق من قراجه الساقي وَهُوَ أتابك دَاوُد بن السُّلْطَان مَحْمُود وَذَلِكَ زمن المسترشد بِاللَّه سنة سِتّ وَعشْرين وَخمْس مئة وصل إِلَى تكريت فخدمه نجم الدّين أَيُّوب وَأقَام لَهُ السفن فَعبر دجلة هُنَاكَ وَتَبعهُ أَصْحَابه فَأحْسن نجم الدّين صحبتهم وسيرهم
ثمَّ إِن أَسد الدّين قتل إنْسَانا نَصْرَانِيّا بتكريت لملاحاة جرت بَينهمَا فَأرْسل مُجَاهِد الدّين إِلَيْهِ وَإِلَى أَخِيه نجم الدّين فأخرجهما من تكريت
وَقيل إِن أَيُّوب كَانَ يحسن الرماية فَرمى شخصا من مماليك بهروز بِسَهْم فَقتله فخشى على نَفسه فَتوجه نَحْو الشَّام وخدم مَعَ زنكي وَقيل
стр. 386
لما قتل أَسد الدّين شيركوه النَّصْرَانِي وَكَانَ عَزِيزًا عِنْد بهروز هرب إِلَى الْموصل والتحق أَيُّوب بِهِ وسنوضح هَذِه الْقَضِيَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى عِنْد ذكر وَفَاة أَيُّوب فِي أَخْبَار سنة ثَمَان وَسِتِّينَ
ثمَّ إِن أَيُّوب وشيركوه قصدا أتابك الشَّهِيد فَأحْسن إِلَيْهِمَا وَعرف لَهما خدمتهما وأقطعهما إقطاعاً حسنا وصارا من جملَة جنده فَلَمَّا فتح حصن بعلبك جعل نجم الدّين دزداراً فِيهِ فَلَمَّا قُتل الشَّهِيد حّصر عَسْكَر دمشق نجم الدّين فَأرْسل إِلَى سيف الدّين غَازِي وَقد قَامَ بِالْملكِ بعد وَالِده يُنْهِي الْحَال إِلَيْهِ فَلم يتفرغ لبعلبك وضاق الْأَمر على من بهَا وَخَافَ نجم الدّين أَن تُؤْخَذ عنْوَة ويناله أَذَى فَأرْسل فِي تَسْلِيم القلعة وَطلب إقطاعا ذكره فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وَحلف لَهُ صَاحب دمشق عَلَيْهِ وَسلم القلعة ووفى لَهُ بِمَا حلف عَلَيْهِ من الإقطاع والتقدم وَصَارَ عِنْده من أكَابِر الْأُمَرَاء
واتصل أَخُوهُ أَسد الدّين شيركوه بِالْخدمَةِ النورية بعد قتل الشَّهِيد وَكَانَ يَخْدمه فِي أَيَّام وَالِده فقربه نور الدّين وأقطعه وَرَأى مِنْهُ فِي حروبه ومشاهده آثارا يعجز عَنْهَا غَيره لشجاعته وجرأته فزاده إقطاعاً وقرباً حَتَّى صَارَت لَهُ حمص والرحبة وَغَيرهمَا وَجعله مقدم عسكره
فَلَمَّا تعلّقت الهمة النورية بِملك دمشق أَمر أَسد الدّين فراسل أَخَاهُ نجم الدّين وَهُوَ بهَا فِي ذَلِك وَطلب مِنْهُ المساعدة على فتحهَا فَأجَاب إِلَى مَا يُرَاد مِنْهُ وَطلب هُوَ وَأسد الدّين من نور الدّين كثيرا من الإقطاع والأملاك بِبَلَد دمشق وَغَيرهَا فبذل لَهما مَا طلبا مِنْهُ وَحلف لَهما عَلَيْهِ ووفى لَهما لما ملكهَا وصارا عِنْده فِي أَعلَى الْمنَازل لاسيما نجم الدّين فَإِن
стр. 387
جَمِيع الْأُمَرَاء كَانُوا لَا يَقْعُدُونَ عِنْد نور الدّين إِلَّا أَن يَأْمُرهُم أَو أحدهم بذلك إِلَّا نجم الدّين فَإِنَّهُ كَانَ إِذا دخل إِلَيْهِ قعد من غير أَن يُؤمر بذلك
فَلَمَّا كَانَ سنة تسع وَخمسين عزم نور الدّين على إرْسَال العساكر إِلَى مصر وَلم ير لهَذَا الْأَمر الْكَبِير أقوم وَلَا أَشْجَع من أَسد الدّين فسيره
وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن شاور بن مجير أَبَا شُجَاع السَّعْدِيّ وَهُوَ الملقب أَمِير الجيوش الَّذِي يَقُول فِيهِ عُمارة من جملَة قصيدة
(ضجر الْحَدِيد من الْحَدِيد وشاور ... فِي نصر آل مُحَمَّد لم يضجر)
(حلف الزَّمَان ليَأْتِيَن بِمثلِهِ ... حنثت يَمِينك يَا زمَان فَكفر)
وَهُوَ وَزِير الملقب بالعاضد لدين الله آخر المستخلفين بِمصْر كَانَ قد وصل إِلَى دمشق فِي سنة ثَمَان وَخمسين فِي سادس ربيع الأول إِلَى نور الدّين مستنجداً بِهِ على من أَخذ مِنْهُ منصبه قهرا
وَكَانَت عَادَة المصريين أَنه إِذا غلب شخص صَاحب المنصب وَعجز صَاحب المنصب عَن دَفعه وَعرفُوا عَجزه وَقَعُوا للقاهر مِنْهُم ورتبوه ومكنوه فَإِن قوتهم إِنَّمَا كَانَت تكون بعسكر وزيرهم وَهُوَ الملقب عِنْدهم بالسلطان وَمَا كَانُوا يرَوْنَ المكاشفة وأغراضهم مستتبة وقواعدهم مُسْتَقِرَّة من أول زمانهم على هَذَا الْمِثَال
وَكَانَ شاور قد غلب على الوزارة وانتزعها من بني رزيك وَقتل
стр. 388
الْعَادِل بن الصَّالح بن رزيك الَّذِي وزر بعد أَبِيه واسْمه رزيك ويلقب بالناصر أَيْضا وَهُوَ الَّذِي استحضر القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم بن عَليّ من الْإسْكَنْدَريَّة واستخدمه بِحَضْرَتِهِ وَبَين يَدَيْهِ فِي ديوَان الْجَيْش على مَا ذكره عمَارَة اليمني فِي = كتاب الوزراء المصرية = وَقَالَ غرس مِنْهُ للدولة بل للملة شَجَرَة مباركة متزايدة النَّمَاء اصلها ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء
ثمَّ خرج على شاور نَائِب الْبَاب وَهُوَ أَمِير يُقَال لَهُ ضرغام بن سوار ويلقب بالمنصور فَجمع لَهُ جموعاً كَثِيرَة لم يكن لَهُ بهَا قبل فغلبه وَأخرجه من الْقَاهِرَة وَقتل وَلَده طيئا وَاسْتولى على الوزارة
فَرَحل شاور إِلَى الشَّام قَاصِدا خدمَة نور الدّين مستصرخا بِهِ ومستنصرا فَأحْسن لقاءه واكرم مثواه فَطلب مِنْهُ إرْسَال العساكر إِلَى مصر ليعود إِلَيْهَا وَيكون لَهُ فِيهِ حِصَّة ذكرهَا لَهُ ويتصرف على أمره وَنَهْيه واختياره
نور الدّين يقدم فِي ذَلِك رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى تَارَة تحمله رِعَايَة قصد شاور وَطلب الزِّيَادَة فِي الْملك والتقَّوى على الفرنج وَتارَة يمنعهُ خطر الطَّرِيق وَكَون الفرنج فِيهِ إِلَّا أَن يوغلوا فِي الْبر فيتعرضوا لخطر آخر مَعَ الْخَوْف من الفرنج أَيْضا
ثمَّ استخار الله تَعَالَى وَأمر أَسد الدّين بالتجهز للمسير مَعَه قَضَاء لحق الْوَافِد المستصرخ وجسا للبلاد وتطلعا على أحوالها
وَكَانَ هوى أَسد الدّين فِي ذَلِك وَعِنْده من الشجَاعَة وَقُوَّة النَّفس مَا لَا يُبَالِي بمخافة
فتجهز وَسَار مَعَ شاور فِي جُمَادَى الْآخِرَة من سنة تسع وَخمسين هَكَذَا ذكر ابْن الْأَثِير والعماد الْكَاتِب
وَقَالَ القَاضِي
стр. 389
ابْن شَدَّاد كَانَ ذَلِك سنة ثَمَان وَخمسين وَالْقَوْل فِي ذَلِك قَوْلهمَا فقد بَينا أَن قدوم شاور إِلَى الشَّام كَانَ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وإرسال نور الدّين الْعَسْكَر كَانَ فِي جُمَادَى سنة تسع وَخمسين
قَالُوا وَأمر نور الدّين أَسد الدّين بِإِعَادَة شاور إِلَى منصبه والانتقام مِمَّن نازعه فِي الوزارة
وَسَارُوا جَمِيعًا وَسَار مَعَهم نور الدّين إِلَى أَطْرَاف بِلَاد الْإِسْلَام مِمَّا يَلِي الفرنج بعساكره ليشغلهم عَن التَّعَرُّض لأسد الدّين فَكَانَ قصارى الفرنج حفظ بِلَادهمْ من نور الدّين
وَوصل أَسد الدّين سالما إِلَى مصر هُوَ وَمن مَعَه فهرب المنازع لشاور فِي الوزارة وَقتل وطيف بِرَأْسِهِ وَعَاد شاور وزيرا وَتمكن من منصبه
وَكَانَ عمَارَة قد مدح ضرغاما بقصيدة مِنْهَا
(وأحق من وزر الْخلَافَة من نشا ... فِي حَضْرَة الْإِكْرَام والإجلال)
(واختص بالخلفاء وانكشفت لَهُ ... أسرارها بقرائن الْأَحْوَال)
(وَتصرف الوزراء عَن آرائه ... كتصرف الْأَسْمَاء بالأفعال)
قَالَ عمَارَة وَلما جازوا بِرَأْسِهِ على الخليج وَكنت أسكن صف الخليج بِالْقَاهِرَةِ قلت ارتجالا
(أرى حنك الوزارة صَار سَيْفا ... يجذ بحده صيد الرّقاب)
(كَأَنَّك رائد الْبلوى وَإِلَّا ... بشير بالمنية والمصاب)
ولعمارة اليمني من قصيدة مدح بهَا شاور وَذكر وزارتيه
стр. 390
(فنصرت فِي الأولى بِضَرْب زلزل الْأَقْدَام ... وَهِي شَدِيدَة الْإِقْدَام)
(ونصرت فِي الْأُخْرَى بِضَرْب صَادِق ... أضحى يطير بِهِ غراب الْهَام)
(أدْركْت ثأرا وارتجعت وزارة ... نزعا بسيفك من يَدي ضرغام)
وَكَانَ ضرغام أَولا من أَصْحَاب شاور واتباعه وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك عمَارَة فِي قَوْله من قصيدة لَهُ
(كَانَت وزارتك الْقَدِيمَة مشرعاً ... صفواً وَلَكِن كدرت غدرانها)
(غصبت رجال تاجه وسريره ... من بعد مَا سجدت لَهُ تيجانها)
وَله من قصيدة أُخْرَى فِي شاور
(وَزِير تمنته الوزارة أَولا ... وثانية عفوا بِغَيْر طلاب)
(فخانته فِي الأولى بطانة وده ... وَرب حبيب فِي قَمِيص حباب)
(وجاءته تبغى الصُّلْح ثَانِي مرّة ... فَلم يرض إِلَّا بعد ضرب رِقَاب)
وَلم يغلب وَزِير لَهُم وَعَاد غير شاور
وَكَانَ مُدَّة أَخذ الوزارة مِنْهُ إِلَى أَن عَادَتْ إِلَيْهِ تِسْعَة أشهر سَوَاء وَهِي مُدَّة الْحمل نَص عمَارَة على ذَلِك وَقَالَ قتل وَلَده طي يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَجَاز رَأسه على رمح تَحت الطيقان وَالنِّسَاء يولولن بالصراخ وَكَانَ فِيهِنَّ وَاحِدَة تحفظ قولي فِي الصَّالح
следующие страницы →