← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

لما قتل أَسد الدّين شيركوه النَّصْرَانِي وَكَانَ عَزِيزًا عِنْد بهروز هرب إِلَى الْموصل والتحق أَيُّوب بِهِ وسنوضح هَذِه الْقَضِيَّة إِن شَاءَ الله تَعَالَى عِنْد ذكر وَفَاة أَيُّوب فِي أَخْبَار سنة ثَمَان وَسِتِّينَ ثمَّ إِن أَيُّوب وشيركوه قصدا أتابك الشَّهِيد فَأحْسن إِلَيْهِمَا وَعرف لَهما خدمتهما وأقطعهما إقطاعاً حسنا وصارا من جملَة جنده فَلَمَّا فتح حصن بعلبك جعل نجم الدّين دزداراً فِيهِ فَلَمَّا قُتل الشَّهِيد حّصر عَسْكَر دمشق نجم الدّين فَأرْسل إِلَى سيف الدّين غَازِي وَقد قَامَ بِالْملكِ بعد وَالِده يُنْهِي الْحَال إِلَيْهِ فَلم يتفرغ لبعلبك وضاق الْأَمر على من بهَا وَخَافَ نجم الدّين أَن تُؤْخَذ عنْوَة ويناله أَذَى فَأرْسل فِي تَسْلِيم القلعة وَطلب إقطاعا ذكره فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وَحلف لَهُ صَاحب دمشق عَلَيْهِ وَسلم القلعة ووفى لَهُ بِمَا حلف عَلَيْهِ من الإقطاع والتقدم وَصَارَ عِنْده من أكَابِر الْأُمَرَاء واتصل أَخُوهُ أَسد الدّين شيركوه بِالْخدمَةِ النورية بعد قتل الشَّهِيد وَكَانَ يَخْدمه فِي أَيَّام وَالِده فقربه نور الدّين وأقطعه وَرَأى مِنْهُ فِي حروبه ومشاهده آثارا يعجز عَنْهَا غَيره لشجاعته وجرأته فزاده إقطاعاً وقرباً حَتَّى صَارَت لَهُ حمص والرحبة وَغَيرهمَا وَجعله مقدم عسكره فَلَمَّا تعلّقت الهمة النورية بِملك دمشق أَمر أَسد الدّين فراسل أَخَاهُ نجم الدّين وَهُوَ بهَا فِي ذَلِك وَطلب مِنْهُ المساعدة على فتحهَا فَأجَاب إِلَى مَا يُرَاد مِنْهُ وَطلب هُوَ وَأسد الدّين من نور الدّين كثيرا من الإقطاع والأملاك بِبَلَد دمشق وَغَيرهَا فبذل لَهما مَا طلبا مِنْهُ وَحلف لَهما عَلَيْهِ ووفى لَهما لما ملكهَا وصارا عِنْده فِي أَعلَى الْمنَازل لاسيما نجم الدّين فَإِن

стр. 387

جَمِيع الْأُمَرَاء كَانُوا لَا يَقْعُدُونَ عِنْد نور الدّين إِلَّا أَن يَأْمُرهُم أَو أحدهم بذلك إِلَّا نجم الدّين فَإِنَّهُ كَانَ إِذا دخل إِلَيْهِ قعد من غير أَن يُؤمر بذلك فَلَمَّا كَانَ سنة تسع وَخمسين عزم نور الدّين على إرْسَال العساكر إِلَى مصر وَلم ير لهَذَا الْأَمر الْكَبِير أقوم وَلَا أَشْجَع من أَسد الدّين فسيره وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن شاور بن مجير أَبَا شُجَاع السَّعْدِيّ وَهُوَ الملقب أَمِير الجيوش الَّذِي يَقُول فِيهِ عُمارة من جملَة قصيدة (ضجر الْحَدِيد من الْحَدِيد وشاور ... فِي نصر آل مُحَمَّد لم يضجر) (حلف الزَّمَان ليَأْتِيَن بِمثلِهِ ... حنثت يَمِينك يَا زمَان فَكفر) وَهُوَ وَزِير الملقب بالعاضد لدين الله آخر المستخلفين بِمصْر كَانَ قد وصل إِلَى دمشق فِي سنة ثَمَان وَخمسين فِي سادس ربيع الأول إِلَى نور الدّين مستنجداً بِهِ على من أَخذ مِنْهُ منصبه قهرا وَكَانَت عَادَة المصريين أَنه إِذا غلب شخص صَاحب المنصب وَعجز صَاحب المنصب عَن دَفعه وَعرفُوا عَجزه وَقَعُوا للقاهر مِنْهُم ورتبوه ومكنوه فَإِن قوتهم إِنَّمَا كَانَت تكون بعسكر وزيرهم وَهُوَ الملقب عِنْدهم بالسلطان وَمَا كَانُوا يرَوْنَ المكاشفة وأغراضهم مستتبة وقواعدهم مُسْتَقِرَّة من أول زمانهم على هَذَا الْمِثَال وَكَانَ شاور قد غلب على الوزارة وانتزعها من بني رزيك وَقتل

стр. 388

الْعَادِل بن الصَّالح بن رزيك الَّذِي وزر بعد أَبِيه واسْمه رزيك ويلقب بالناصر أَيْضا وَهُوَ الَّذِي استحضر القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم بن عَليّ من الْإسْكَنْدَريَّة واستخدمه بِحَضْرَتِهِ وَبَين يَدَيْهِ فِي ديوَان الْجَيْش على مَا ذكره عمَارَة اليمني فِي = كتاب الوزراء المصرية = وَقَالَ غرس مِنْهُ للدولة بل للملة شَجَرَة مباركة متزايدة النَّمَاء اصلها ثَابت وفرعها فِي السَّمَاء ثمَّ خرج على شاور نَائِب الْبَاب وَهُوَ أَمِير يُقَال لَهُ ضرغام بن سوار ويلقب بالمنصور فَجمع لَهُ جموعاً كَثِيرَة لم يكن لَهُ بهَا قبل فغلبه وَأخرجه من الْقَاهِرَة وَقتل وَلَده طيئا وَاسْتولى على الوزارة فَرَحل شاور إِلَى الشَّام قَاصِدا خدمَة نور الدّين مستصرخا بِهِ ومستنصرا فَأحْسن لقاءه واكرم مثواه فَطلب مِنْهُ إرْسَال العساكر إِلَى مصر ليعود إِلَيْهَا وَيكون لَهُ فِيهِ حِصَّة ذكرهَا لَهُ ويتصرف على أمره وَنَهْيه واختياره نور الدّين يقدم فِي ذَلِك رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى تَارَة تحمله رِعَايَة قصد شاور وَطلب الزِّيَادَة فِي الْملك والتقَّوى على الفرنج وَتارَة يمنعهُ خطر الطَّرِيق وَكَون الفرنج فِيهِ إِلَّا أَن يوغلوا فِي الْبر فيتعرضوا لخطر آخر مَعَ الْخَوْف من الفرنج أَيْضا ثمَّ استخار الله تَعَالَى وَأمر أَسد الدّين بالتجهز للمسير مَعَه قَضَاء لحق الْوَافِد المستصرخ وجسا للبلاد وتطلعا على أحوالها وَكَانَ هوى أَسد الدّين فِي ذَلِك وَعِنْده من الشجَاعَة وَقُوَّة النَّفس مَا لَا يُبَالِي بمخافة فتجهز وَسَار مَعَ شاور فِي جُمَادَى الْآخِرَة من سنة تسع وَخمسين هَكَذَا ذكر ابْن الْأَثِير والعماد الْكَاتِب وَقَالَ القَاضِي

стр. 389

ابْن شَدَّاد كَانَ ذَلِك سنة ثَمَان وَخمسين وَالْقَوْل فِي ذَلِك قَوْلهمَا فقد بَينا أَن قدوم شاور إِلَى الشَّام كَانَ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وإرسال نور الدّين الْعَسْكَر كَانَ فِي جُمَادَى سنة تسع وَخمسين قَالُوا وَأمر نور الدّين أَسد الدّين بِإِعَادَة شاور إِلَى منصبه والانتقام مِمَّن نازعه فِي الوزارة وَسَارُوا جَمِيعًا وَسَار مَعَهم نور الدّين إِلَى أَطْرَاف بِلَاد الْإِسْلَام مِمَّا يَلِي الفرنج بعساكره ليشغلهم عَن التَّعَرُّض لأسد الدّين فَكَانَ قصارى الفرنج حفظ بِلَادهمْ من نور الدّين وَوصل أَسد الدّين سالما إِلَى مصر هُوَ وَمن مَعَه فهرب المنازع لشاور فِي الوزارة وَقتل وطيف بِرَأْسِهِ وَعَاد شاور وزيرا وَتمكن من منصبه وَكَانَ عمَارَة قد مدح ضرغاما بقصيدة مِنْهَا (وأحق من وزر الْخلَافَة من نشا ... فِي حَضْرَة الْإِكْرَام والإجلال) (واختص بالخلفاء وانكشفت لَهُ ... أسرارها بقرائن الْأَحْوَال) (وَتصرف الوزراء عَن آرائه ... كتصرف الْأَسْمَاء بالأفعال) قَالَ عمَارَة وَلما جازوا بِرَأْسِهِ على الخليج وَكنت أسكن صف الخليج بِالْقَاهِرَةِ قلت ارتجالا (أرى حنك الوزارة صَار سَيْفا ... يجذ بحده صيد الرّقاب) (كَأَنَّك رائد الْبلوى وَإِلَّا ... بشير بالمنية والمصاب) ولعمارة اليمني من قصيدة مدح بهَا شاور وَذكر وزارتيه

стр. 390

(فنصرت فِي الأولى بِضَرْب زلزل الْأَقْدَام ... وَهِي شَدِيدَة الْإِقْدَام) (ونصرت فِي الْأُخْرَى بِضَرْب صَادِق ... أضحى يطير بِهِ غراب الْهَام) (أدْركْت ثأرا وارتجعت وزارة ... نزعا بسيفك من يَدي ضرغام) وَكَانَ ضرغام أَولا من أَصْحَاب شاور واتباعه وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك عمَارَة فِي قَوْله من قصيدة لَهُ (كَانَت وزارتك الْقَدِيمَة مشرعاً ... صفواً وَلَكِن كدرت غدرانها) (غصبت رجال تاجه وسريره ... من بعد مَا سجدت لَهُ تيجانها) وَله من قصيدة أُخْرَى فِي شاور (وَزِير تمنته الوزارة أَولا ... وثانية عفوا بِغَيْر طلاب) (فخانته فِي الأولى بطانة وده ... وَرب حبيب فِي قَمِيص حباب) (وجاءته تبغى الصُّلْح ثَانِي مرّة ... فَلم يرض إِلَّا بعد ضرب رِقَاب) وَلم يغلب وَزِير لَهُم وَعَاد غير شاور وَكَانَ مُدَّة أَخذ الوزارة مِنْهُ إِلَى أَن عَادَتْ إِلَيْهِ تِسْعَة أشهر سَوَاء وَهِي مُدَّة الْحمل نَص عمَارَة على ذَلِك وَقَالَ قتل وَلَده طي يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَجَاز رَأسه على رمح تَحت الطيقان وَالنِّسَاء يولولن بالصراخ وَكَانَ فِيهِنَّ وَاحِدَة تحفظ قولي فِي الصَّالح

стр. 391

(أينسى وَفِي الْعَينَيْنِ صُورَة وَجهه الْكَرِيم ... وعهد الإنتقال قريب) فَمَا زَالَت تكرره حَتَّى رَأَتْ رَأس ضرغام قَالَ وَأدْركَ شاور ثَأْره فِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة فَيكون بَينهمَا تِسْعَة أشهر قَالَ وَقلت فِي ذَلِك (ونزعت ملكك من رجال نازعوا ... فِيهِ وَكنت بِهِ أَحَق وأقعدا) (جذبوا رداءك غاصبين فَلم تزل ... حَتَّى كسوت الْقَوْم أردية الردى) (وَبَردت قَلْبك من حرارة حرقة ... أمرت نسيم اللَّيْل أَلا يبردا) (تَارِيخ هَذَا نلته فِي مثله ... يَوْمًا بِيَوْم عِبْرَة لمن اهْتَدَى) (حملت بِهِ الْأَيَّام تِسْعَة أشهر ... حَتَّى جعلن لَهُ جُمَادَى مولدا) وَله فِيهِ أَيْضا فِي ذَلِك (لله دَرك موتورا أقض بِهِ ... دست وسرج وأجفان ومضطجع) (مَا غبت إِلَّا يَسِيرا ثمَّ لحت لنا ... والثأر مُسْتَدْرك وَالْملك مرتجع) (قَضِيَّة لم ينل مِنْهَا ابْن ذِي يزن ... إِلَّا كَمَا نلْت والْآثَار تتبع) (فافخر على الْحَيّ من قيس وَمن يمنٍ ... أَبَا شُجَاع فَلَيْسَ الْحق ينْدَفع)

стр. 392

قَالَ ابْن الْأَثِير وَأقَام أَسد الدّين بِظَاهِر الْقَاهِرَة وغدر بِهِ شاور وَعَاد عَمَّا كَانَ قَرَّرَهُ لنُور الدّين من الْبِلَاد المصرية ولأسد الدّين أَيْضا وَأرْسل إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بِالْعودِ إِلَى الشَّام فَأَنف أَسد الدّين من هَذِه الْحَال وَأعَاد الْجَواب يطْلب مَا كَانَ اسْتَقر فَلم يجبهُ شاور إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى ذَلِك أرسل نوابه فتسلموا مَدِينَة بلبيس وَحكم على الْبِلَاد الشرقية فَأرْسل شاور إِلَى الفرنج يستمدهم ويخوفهم من نور الدّين إِن ملك مصر وَكَانَ الفرنج قد أيقنوا بِالْهَلَاكِ إِن ملكهَا نور الدّين فهم خائفون فَلَمَّا أرسل شاور إِلَيْهِم يستنجدهم وَيطْلب مِنْهُم أَن يساعدوه على إِخْرَاج أَسد الدّين من الْبِلَاد جَاءَهُم فرج لم يحتسبوه وسارعوا إِلَى تَلْبِيَة دَعوته والمبادرة إِلَى نصرته وطمعوا فِي ملك ديار مصر وَكَانَ قد بذل لَهُم مَالا على الْمسير إِلَيْهِ فتجهزوا وَسَارُوا فَلَمَّا بلغ نور الدّين خبر تجهزهم للمسير سَار بعساكره فِي أَطْرَاف بِلَاده مِمَّا يَلِي الإفرنج ليمتنعوا من الْمسير فَلم يمتنعوا لعلمهم أَن الْخطر فِي مقامهم إِذا ملك أَسد الدّين مصر أَشد من الْخطر فِي مَسِيرهمْ فتركوا فِي بِلَادهمْ من يحفظها وَسَار ملك الْقُدس فِي البَاقِينَ إِلَى مصر وَكَانَ قد وصل إِلَى السَّاحِل جمع كثير من الفرنج فِي الْبَحْر لزيارة الْبَيْت المقدَّس فاستعان بهم ملك الإفرنج فأعانوه وَسَار بَعضهم مَعَه وَأقَام بعض فِي الْبِلَاد يحفظها فَلَمَّا قَارب الفرنج مصر فَارقهَا أَسد الدّين وَقصد مَدِينَة بلبيس وَأقَام بهَا هُوَ وَعَسْكَره وَجعلهَا ظهرا يتحصن بِهِ فاجتمعت العساكر المصرية والفرنجية ونازلوا أَسد الدّين بِمَدِينَة بلبيس وحصروه بهَا ثَلَاثَة أشهر وَقد امْتنع أَسد الدّين بهَا وسورها من طين قصير جدا وَلَيْسَ لَهُ خَنْدَق

стр. 393

وَلَا فصيل يحميها وَهُوَ يغاديهم الْقِتَال ويراوحهم فَلم يبلغُوا مِنْهُ غَرضا وَلَا نالوا مِنْهُ شَيْئا فَبينا هم كَذَلِك إِذْ أَتَاهُم الْخَبَر بهزيمة الفرنج بحارم وَملك نور الدّين الْحصن ومسيره إِلَى بانياس فَحِينَئِذٍ سقط فِي أَيْديهم وَأَرَادُوا الْعود إِلَى الْبِلَاد ليحفظوها ولعلهم يدركون بانياس قبل أَخذهَا فَلم يدركوها إِلَّا وَقد ملكهَا على مَا سَيَأْتِي بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وراسلوا أَسد الدّين فِي الصُّلْح وَالْعود إِلَى الشَّام ومفارقة مصر وَتَسْلِيم مَا بِيَدِهِ مِنْهَا إِلَى المصريين فأجابهم إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ لم يعلم بِمَا فعله نور الدّين بالفرنج فِي السَّاحِل قَالَ ابْن الْأَثِير فَحَدثني من رأى أَسد الدّين حِين خرج من بلبيس قَالَ رَأَيْته وَقد أخرج أَصْحَابه بَين يَدَيْهِ وَبَقِي فِي آخِرهم وَبِيَدِهِ لت من حَدِيد يحمي ساقتهم والمسلمون والفرنج ينظرُونَ قَالَ فَأَتَاهُ فرنجي من الفرنج الغرباء فَقَالَ لَهُ أما تخَاف أَن يغدر بك هَؤُلَاءِ الْمُسلمُونَ والفرنج وَقد أحاطوا بك وبأصحابك فَلَا يبْقى لَك مَعَهم بَقِيَّة فَقَالَ شيركوه يَا ليتهم فعلوا حَتَّى كنت ترى مَا لم تَرَ مثله كنت وَالله أَضَع سَيفي فَلَا أُقتل حَتَّى أقتُل رجَالًا وَحِينَئِذٍ يقصدهم الْملك الْعَادِل نور الدّين وَقد ضعفوا وفني أبطالهم فَيملك بِلَادهمْ ويفني من بَقِي مِنْهُم وَوَاللَّه لَو أَطَاعَنِي هَؤُلَاءِ يَعْنِي أَصْحَابه لَخَرَجت إِلَيْكُم أول يَوْم لكِنهمْ امْتَنعُوا فصلّب الفرنجي على وَجهه وَقَالَ كُنَّا نعجب من فرنج هَذِه الديار ومبالغتهم فِي

стр. 394

صِفَتك وخوفهم مِنْك والآن فقد عذرناهم ثمَّ رَجَعَ عَنهُ وَسَار شيركوه إِلَى الشَّام وَعَاد سالما وَقَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب وصل شاور إِلَى نور الدّين ملتجئا فألفاه على عدوه معديا مشكيا وسير مَعَه أَسد الدّين على قَرَار عينه وَأمر بَينه وبغية يُدْرِكهَا وخطة يملكهَا ومحجة وَاضِحَة فِي الْملك يسلكها فَمضى مَعَه وَنَصره وأصفى لَهُ مشرعة واسترد لَهُ مَوْضِعه وأظهره بعلوه وأظفره بعدوه فَلَمَّا باد خَصمه بدا وصمه وغدر بعهده وأخلف فِي وعده وَكَانَ قد راسل الفرنج وهداهم فِي حَرْب الْإِسْلَام فوصلوا فتحصن شيركوه وَمن مَعَه بِمَدِينَة بلبيس فحاصره شاور بِجُنُود مصر والفرنج ثَلَاثَة أشهر من مستهل رَمَضَان إِلَى ذِي الْحجَّة فبذلوا لَهُ قطيعة فَانْصَرف عَنْهُم وَعَاد إِلَى الشَّام وَفِي قلبه من شَرّ شاور الإحن وَكَيف تمت بغدره تِلْكَ المحن قلت وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك عُمارة فِي قَوْله فِي مدح شاور وَذكر الإفرنج فَقَالَ (وأنقذت من مصر عدواًّ بِمثلِهِ ... فَللَّه من ظفر فللت وناب) (صدمت جموع الْكفْر وَالشَّام صدمة ... أَقمت بهَا للْقَوْم سوق ضراب) (وَقد جرّدت أجناد مصر عزائماً ... مضاربها فِي الصخر غير نوابي) (تولّوا عَن الإفرنج فادح ثقلهَا ... ودارت رحاها مِنْهُم بهضاب) (أَقَامَت دروع الْجند تسعين لَيْلَة ... ثيابًا لَهُم مَا بدلت بِثِيَاب) (وهم بَين مطروح هُنَاكَ وطارح ... وَبَين مُصِيب خَصمه ومصاب) وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد سَار أَسد الدّين إِلَى مصر واستصحب مَعَه

стр. 395

ابْن أَخِيه صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَجعله مقدم عسكره وَصَاحب رَأْيه وَكَانَ لَا يفصل أمرا وَلَا يُقرر حَالا إِلَّا بمشورته ورأيه لما لَاحَ لَهُ مِنْهُ من آثَار الإقبال والسعادة والفكرة الصَّحِيحَة واقتران النَّصْر بحركاته وسكناته فَسَارُوا حَتَّى وصلوا مصر وشاور مَعَهم وَكَانَ لوصولهم إِلَى مصر وَقع عَظِيم وخافه أهل مصر وَنصر شاور على خَصمه وَأَعَادَهُ إِلَى منصبه ومرتبته وَقرر قَوَاعِده وَشَاهد الْبِلَاد وَعرف أحوالها وَعلم أَنَّهَا بِلَاد بِغَيْر رجال تمشي الْأُمُور فِيهَا بِمُجَرَّد الْإِيهَام والمحال وَكَانَ ابْتِدَاء رحيله عَنْهَا مُتَوَجها إِلَى الشَّام فِي السَّابِع من ذِي الْحجَّة فَأَقَامَ بِالشَّام مُدبرا لأَمره مفكراً فِي كَيْفيَّة رُجُوعه إِلَى الْبِلَاد المصرية مُحدثا بذلك نَفسه مقرراً لقواعد ذَلِك مَعَ نور الدّين إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ قلت ولفعل شاور مَا فعل مَعَ أَسد الدّين وَصفه الشُّعَرَاء بالغدر ووقعوا فِيهِ قبل قَتله وَبعده على مَا سَنذكرُهُ وَبَقِي متخوفاً من أَسد الدّين فَقَالَ عرقلة الْكَلْبِيّ من جملَة قصيدة لَهُ (وَهل هم يَوْمًا شيركوه بجلق ... إِلَى الصّيد إِلَّا ارتاع فِي مصر شاور) (هُوَ الْملك الْمَنْصُور والأسد الَّذِي ... شذا ذكره فِي الشرق والغرب سَائِر) فِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة احترقت جيرون بعد رُجُوع أَسد الدّين إِلَى دمشق فَقَالَ العرقلة بمدحه وَيذكر ذَلِك (جَازَ صرف الردى على جيرون ... وَسَقَى أَهلهَا كؤوس الْمنون)

стр. 396

(أَصبَحت جنَّة وأمست جحيما ... تتلظى بِكُل قلب حَزِين) (كَيفَ لَا تذرف الدُّمُوع عَلَيْهَا ... وَهِي فِي الشَّام نزهة للعيون) (حبذا حصنها الْحصين لقد كَانَ ... جمالا لكل حصن حُصَيْن) (أَي سيف سَطَا على دَار سيف ... وزبون أَتَى بِحَرب زبون) (خلت نيرانها وكل ظلامٍ ... نَار ليلى تلوح للمجنون) (كم غنيِّ الْيَمين أَمْسَى فَقِيرا ... وفقير أَمْسَى غنيَِّ الْيَمين) (كل حِين لَهَا حريق جَدِيد ... لَيْت شعري مَاذَا لَهَا بعد حِين) (كل هَذَا الْبلَاء عَاقِبَة الْفسق ... وَشرب الْخُمُور والتلحين) (وَلَقَد ردهَا بعزم وحزم ... أَسد الدّين غَايَة الْمِسْكِين) (وَحمى الْجَامِع الْمُقَدّس والمشهد ... من جمرها بِمَاء معِين) (ملك فعله بدَلْجَة وَالْبَاب ... فعال الإِمَام فِي صفّين) فصل فِي فتح حارم قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب وَفِي تِلْكَ السّنة يَعْنِي سنة تسع وَخمسين اغتنم نور الدّين خلو الشَّام من الفرنج وقصدهم واجتمعوا على حارم فَضرب مَعَهم المصاف فرزقه الله تَعَالَى الانتقام مِنْهُم فأسرهم وقتلهم

стр. 397

وَوَقع فِي الإسار إبرنس أنطاكية وقومص طرابلس وَابْن لجوسلين ودوك الرّوم وَذَلِكَ فِي رَمَضَان وَقَالَ فِي = الخريدة = كَانَت نوبَة البقيعة نوبَة عَظِيمَة على الْمُسلمين وأفلت نور الدّين فِي قل من عسكره ثمَّ كسر الإفرنج بعد ثَلَاثَة أشهر على حارم وَقتل فِي معركة وَاحِدَة مِنْهُم عشرُون ألفا وَأسر من نجا وَأخذ القومص والإبرنس والدوقس وَجَمِيع مُلُوكهمْ وَكَانَ منحا عَظِيما وفتحا مُبينًا قَالَ ابْن الْأَثِير وَالسَّبَب فِي هَذَا الْفَتْح أَن نور الدّين لما عَاد مُنْهَزِمًا على مَا سبق من غَزْوَة نَاحيَة حصن الأكراد اقبل على الْجد وَالِاجْتِهَاد والاستعداد للْجِهَاد وَالْأَخْذ بثاره وغزو الْعَدو فِي عقر دَاره وليرتق ذَلِك الفتق ويمحو سمة الوهن وَيُعِيد رونق الْملك فراسل أَخَاهُ قطب الدّين بالموصل وفخر الدّين قرا أرسلان بالحصن وَنجم الدّين ألبي بماردين وَغَيرهم من أَصْحَاب الْأَطْرَاف

стр. 398

أما قطب الدّين أتابك فَإِنَّهُ جمع عساكره وَسَار مجدا وعَلى مُقَدّمَة عسكره زين الدّين نَائِبه واما فَخر الدّين قرا أرسلان فَإِنَّهُ بَلغنِي عَنهُ أَنه قَالَ لَهُ خواصه على أَي شَيْء عزمت فَقَالَ على الْقعُود فَإِن نور الدّين قد تحشف من كَثْرَة الصَّوْم وَالصَّلَاة فَهُوَ يلقِي نَفسه وَالنَّاس مَعَه فِي المهالك وَكلهمْ وَافقه على ذَلِك فَلَمَّا كَانَ الْغَد أَمر بالنداء فِي الْعَسْكَر بالتجهز للغزاة فَقَالَ لَهُ أُولَئِكَ مَا عدا مِمَّا بدا فارقناك بالْأَمْس على حَال ونرى الْآن ضدها فَقَالَ إِن نور الدّين قد سلك معي طَرِيقا إِن لم أنجده خرج أهل بلادي عَن طَاعَتي وأخرجوا الْبِلَاد عَن يَدي فَإِنَّهُ كَاتب زهادها وعبادها والمنقطعين عَن الدُّنْيَا يذكر لَهُم مَا لَقِي الْمُسلمُونَ من الفرنج وَمَا نالهم من الْقَتْل والأسر والنهب ويستمد مِنْهُم الدُّعَاء وَيطْلب مِنْهُم أَن يحثُّوا الْمُسلمين على الْغُزَاة فقد قعد كل وَاحِد من أُولَئِكَ وَمَعَهُ أَتْبَاعه وَأَصْحَابه وهم يقرؤون كتب نور الدّين ويبكون ويلعنونني وَيدعونَ عَليّ فَلَا بُد من إِجَابَة دَعوته ثمَّ تجهز أَيْضا وَسَار إِلَى نور الدّين بِنَفسِهِ وَأما نجم الدّين ألبي فَإِنَّهُ سيّر عسكراً فَلَمَّا اجْتمعت العساكر سَار نَحْو حارم فَنزل عَلَيْهَا وحصرها وَبلغ الْخَبَر إِلَى من بَقِي من الفرنج بالسَّاحل لم يسر إِلَى مصر فحشدوا وجاؤوا ومقدم الفرنج الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية والقمص صَاحب طرابلس وأعمالها وَابْن جوسلين وَهُوَ من مشاهير الفرنج وأبطالها والدوك مَعَهم وَهُوَ رَئِيس الرّوم ومقدمها وجمعوا من الراجل مَا لَا يَقع عَلَيْهِ الإحصاء قد ملؤوا الأَرْض وحجبوا بقسطلهم السَّمَاء فحرض نور الدّين أَصْحَابه وَفرق نفائس الْأَمْوَال على شجعان الرِّجَال فَلَمَّا قاربه الفرنج رَحل عَن حارم إِلَى ارْتَاحَ وَهُوَ إِلَى لقائهم مرتاح وَإِنَّمَا رَحل طَمَعا أَن يتبعوه ويتمكن مِنْهُم

стр. 399

إِذا لقوه فَسَارُوا حَتَّى نزلُوا علم عِمَّ وَهُوَ على الْحَقِيقَة تَصْحِيف مَا لقوه من الْغم ثمَّ تيقنوا أَنهم لَا طَاقَة لَهُم بقتاله وَلَا قدرَة لَهُم على نزاله فعادوا إِلَى حارم وَقد حرمتهم كل خير وتبعهم نور الدّين فَلَمَّا تقاربوا اصطفوا لِلْقِتَالِ وبدأت الفرنج بالحملة على ميمنة الْمُسلمين وَبهَا عَسْكَر حلب وفخر الدّين فبددوا نظامهم وزلزلوا أَقْدَامهم وولوا الأدبار وتبعهم الفرنج وَكَانَت تِلْكَ الفرَّة من الميمنة عَن اتِّفَاق ورأي دبروه ومكر بالعدو مَكْرُوه وَهُوَ أَن يبعدوا عَن راجلهم فيميل عَلَيْهِم من بَقِي من الْمُسلمين ويضعوا فيهم السيوف ويرغموا مِنْهُم الأنوف فَإِذا عَاد فرسانهم من أثر المنهزمين لم يلْقوا رَاجِلا يلجؤون إِلَيْهِ وَيعود المنهزمون فِي آثَارهم وتأخذهم سيوف الله من بَين أَيْديهم وَمن خَلفهم فَكَانَ الْأَمر على مَا دبروا فَإِن الفرنج لما تبعوا المنهزمين عطف زين الدّين فِي عَسْكَر الْموصل على راجلهم فأفناهم قتلا وأسرا وعادت خيالتهم وَلم يمنعوا فِي الطّلب خوفًا على راجلهم من العطب فصادفوا راجلهم على الصَّعِيد معفرين وبدمائهم مضرجين فَسقط فِي أَيْديهم وَرَأَوا أَنهم قد ضلوا وخضعت رقابهم وذلوا فَلَمَّا رجعُوا عطف المنهزمون أعنتهم وعادوا فَبَقيَ الْعَدو فِي الْوسط وَقد أحدق بهم الْمُسلمُونَ من كل جَانب فَحِينَئِذٍ حمي الْوَطِيس وباشر الْحَرْب المرؤوس والرئيس وَقَاتل الفرنج قتال من يَرْجُو بإقدامه النجَاة وحاربوا حَرْب من أيس من الْحَيَاة وَانْقَضَت العساكر الإسلامية عَلَيْهِم انقضاض الصقور على بغاث الطُّيُور فمزقوهم بددا وجعلوهم قدادا فَألْقى الفرنج بِأَيْدِيهِم إِلَى الإسار وعجزوا عَن الْهَزِيمَة والفرار وَأكْثر الْمُسلمُونَ فيهم الْقَتْل وزادت عدَّة الْقَتْلَى على عشرَة آلَاف

стр. 400

وَأما الأسرى فَلم يحصوا كَثْرَة وَيَكْفِيك دَلِيلا على كثرتهم أَن مُلُوكهمْ أَسرُّوا وهم الَّذين من قبل ذكرُوا وَسَار نور الدّين بعد الكسرة إِلَى حارم فملكها فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان واشار أَصْحَابه عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى أنطاكية ليملكها لخلوها مِمَّن يحميها وَيدْفَع عَنْهَا فَلم يفعل وَقَالَ أما الْمَدِينَة فَأمرهَا سهل وَأما القلعة الَّتِي لَهَا فَهِيَ منيعة لَا تُؤْخَذ إِلَّا بعد طول حِصَار وَإِذا ضيقنا عَلَيْهِم ارسلوا إِلَى صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة وسلموها إِلَيْهِ ومجاورة بيمند أحب إليّ من مجاورة ملك الرّوم وَبث سراياه فِي تِلْكَ الْأَعْمَال والولايات فنهبوا وَسبوا وأوغلوا فِي الْبِلَاد حَتَّى بلغُوا اللاذقية والسويداء وَغير ذَلِك وعادوا سَالِمين ثمَّ إِن نور الدّين أطلق بيمند صَاحب أنطاكية بِمَال جزيل أَخذه مِنْهُ وَأسرى كَثِيرَة من الْمُسلمين أطلقهُم وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم كسر نور الدّين الرّوم والأرمن والفرنج على حارم وَكَانَ عدتهمْ ثَلَاثِينَ ألفا قَالَ وَوَقع بيمنت فِي أسره فِي نوبَة حارم وَبَاعه نَفسه بِمَال عَظِيم أنفقهُ فِي الْجِهَاد قلت وَبَلغنِي أَن نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى لما التقى الْجَمْعَانِ أَو قبيله انْفَرد تَحت تل حارم وَسجد لرَبه ومرغ وَجهه وتضرع وَقَالَ يَا رب هَؤُلَاءِ عبيدك وهم أولياؤك وَهَؤُلَاء عبيدك وهم أعداؤك

стр. 401

فانصر أولياءك على اعدائك إيش فضول مَحْمُود فِي الْوسط يُشِير إِلَى أَنَّك يَا رب إِن نصرت الْمُسلمين فدينك نصرت فَلَا تمنعهم النَّصْر بِسَبَب مَحْمُود إِن كَانَ غير مُسْتَحقّ للنصر وَبَلغنِي أَنه قَالَ اللَّهُمَّ انصر دينك وَلَا تنصر مَحْمُودًا من هُوَ مَحْمُود الْكَلْب حَتَّى ينصر وَجرى بِسَبَب ذَلِك مَنَام حسن نذكرهُ فِي أَخْبَار سنة خمس وَسِتِّينَ عِنْد رحيل الفرنج عَن دمياط بعد نزولهم عَلَيْهَا وَهَذَا فتح عَظِيم وَنصر عَزِيز أنعم الله بِهِ على نور الدّين وَالْمُسْلِمين مَعَ أَن جَيْشه عامئذ كَانَ مِنْهُ طَائِفَة كَبِيرَة بِمصْر مَعَ شيركوه كَمَا سبق وَهَذَا من عَجِيب مَا وَقع وَاتفقَ فصل فِي ذكر وَزِير الْموصل جمال الدّين الْجواد الممدح ووفاته فِي هَذِه السّنة رَحمَه الله تَعَالَى وَقد ذكره الْعِمَاد الْكَاتِب فِي مَوَاضِع من مصنفاته وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء عَظِيما حسنا فمما ذكره فِي كِتَابه الموسوم = بنصرة الفترة وعصرة الْفطْرَة فِي أَخْبَار الوزراء السلجوقية = أَن قَالَ ذكر جمال الدّين أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي مَنْصُور كَانَ وَالِده من أصفهان يدعى الْكَامِل عَليّ وَهُوَ صَاحب الْوَزير شمس المُلك بن نظام الْملك وَكَانَ أَبوهُ أَبُو مَنْصُور

стр. 402

فهّاداً فِي عهد السُّلْطَان ملكشاه بن ألب أرسلان وَابْنه الْكَامِل أديب لَبِيب وزادت أَيَّامه فِي السمو وايامنه فِي النمو حَتَّى تنافس فِي استخدامه الْمُلُوك والوزراء واستضاءت بِرَأْيهِ فِي الْحَوَادِث الآراء وَقد كَانَ زوّج بِنْتا لَهُ بِبَعْض أَوْلَاد أخوال الْعَزِيز يَعْنِي عَم الْعِمَاد الْكَاتِب قَالَ فَاشْتَمَلَ لذَلِك الْعَزِيز رَحمَه الله تَعَالَى على وَلَده جمال الدّين ابي جَعْفَر مُحَمَّد وخرجه فِي الْأَدَب ودرجه فِي الرتب فَأول مَا رتبه فِي ديوَان الْعرض السلطاني المحمودي وَغلب فِي تحليته ذكر الأبلج فنعته الأتراك بالأبلج واستقام فِي نجابته على الْمنْهَج وَاتفقَ انه لما تولى زنكي بن آق سنقر الشَّام تزوج بِامْرَأَة الْأَمِير كندغدي وَوَلدهَا خاصبك بن كندغدي من أُمَرَاء الدولة وَأَبْنَاء المملكة وَهُوَ يسير مَعهَا فرتبه الْعَزِيز لخاصبك وزيرا فَسَار فِي الصُّحْبَة وَكَانَ مقبل الوجاهة مَقْبُول الفكاهة شهي الهشاشة بهي البشاشة فتوفرت منى زنكي على منادمته وَقصر صباحه ومساءه على مساهمته وعول عَلَيْهِ فِي آخر عمره فِي إشراف ديوانه وَزَاد المَال وزان الْحَال بتمكينه ومكانه فَلم يظْهر لجمال الدّين فِي زمَان زنكي جود وَلَا عرف لَهُ مَوْجُود فَإِنَّهُ كَانَ يقتنع بأقواته وتزجية أوقاته وَيرْفَع جَمِيع مَا يحصل لَهُ إِلَى خزانَة زنكي اسْتِبْقَاء لجاهه واستعلاء بِهِ على اشباهه فمكنه زنكي من أَصْحَاب ديوانه فَمنهمْ من استنصر بإساءته وَمِنْهُم من انْتفع بإحسانه وَلما قتل زنكي صَار للدولة الأتابكية ملاذا وللبيت الآق سنقري معَاذًا

стр. 403

واستوزره الْأَمِير غَازِي بن زنكي وآزره عَليّ كوجك على وزارته وَحلف لَهُ على مظاهرته ومظافرته وَجرى بَين جمال الدّين الْوَزير وَبَين زين الدّين عَليّ كوجك وَبَين سيف الدّين غَازِي التعاقد على التعاضد والتعاهد على التساعد وَتَوَلَّى جمال الدّين وزارة الْموصل وَاسْتولى فَعَاشَ بنداه الْجُود وعشا إِلَى نَادِيه الْوُفُود وعادت بِهِ الْموصل قبْلَة الإقبال وكعبة الآمال فأنارت مطالع سعوده وسارت فِي الْآفَاق صنائع جوده وَعمر الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَشَمل بِالْبرِّ أهلهما وَجمع بالأمن شملهما وأجرى بَحر السماح ونادى حيّ على الْفَلاح فصاحت بأفضاله أَلْفَاظ الفصاح وَأتوا إِلَيْهِ من كل فج عميق وَقصد من كل بلد سحيق وقصده العظماء ومدحه الشُّعَرَاء وَمِمَّنْ وَفد إِلَيْهِ أَبُو الفوارس سعد بن مُحَمَّد بن الصيفي الْمَعْرُوف بحيص بيص قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ فِيهِ قصيدة أَولهَا (يَا للصوارم والرماح الذبل ... نصرا وَمن أنجدتما لم يخذل) (لَو شئتما ومشيئة بِمَشِيئَة ... جاد الزَّمَان وبالعلا لم يبخل) (فاقني فخارك يَا مجاشع واعلمي ... أَنِّي لكم من همتي فِي جحفل) (أَنا فَارس الْيَوْمَيْنِ يَوْم مقَالَة ... ووغى أصُول بصارمي وبمقولي) (ظلمت فضائلي المقاول مِثْلَمَا ... ظلمت جمال الدّين مأوى العُيَّل) (مدحوه كي يحووا مَنَاقِب نَفسه ... فَطَمَتْ فسالت بالمدائح من عل) (فَأتيت ابذل مَا اسْتَطَعْت وَمن يرد ... نقل الخضم إِلَى المزادة يخجل) (شمس من الْإِحْسَان عَم ضياؤها ... بل آيَة جَاءَت بِحجَّة مُرْسل)

стр. 404

(يُعْطي الجزيل لسائلي معروفه ... ويجود بالنعمى إِذا لم يسْأَل) (وتزيده شوس الخطوب طلاقة ... فَيكون أبسم مَا يرى فِي المعضل) (ثقُلت بِهِ الْأَعْنَاق من منن الندى ... فالهام مطرقة لذاك المثقل) (فَإِذا تلاقي النَّاس كَانَ حَدِيثهمْ ... عَن كل جفن بالحجالة مسدل) (أسراء مَعْرُوف الْوَزير فكلهم ... عاف ترَاهُ مُطلقًا كمكبل) (من سَمَرْقَنْد إِلَى تهَامَة شَاهد ... فضل الْجمال على الحيا المتهلل) (السحب تمطر مَا تظل وجوده ... يسري وَدَار مقَامه بالموصل) (وتقر عين مُحَمَّد بِمُحَمد ... محيي دريسي علمه والمنزل) (معمار مرقده وحافظ دينه ... ومعين أمته بجود مُسبل) (جعل الْمَدِينَة مصر ريف آهلا ... نشوان يمرح بالنعيم المخضل) (فَكَأَنَّهَا بِالْخصْبِ من قرباته ... بلد على شط الْفُرَات السلسل) (فَلَو انه فِي عصره نزلت لَهُ ... فِي مدحه سُور الْكتاب الْمنزل) (عبد أخٌ فِي ضَيفه ووداده ... لَا يَسْتَحِيل وَسيد فِي المحفل) (خرق يناط قَمِيصه وَرِدَاؤُهُ ... بعباب زخار وهضبة يذبل) وَقَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب وَكنت أَنا فِي ذَلِك الْعَهْد متفقها بِبَغْدَاد وَاتفقَ حضوري بالموصل فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخمْس مئة فَحَضَرت عِنْد جمال الدّين بالجامع فِي جمعتين وتكلمت عِنْده مَعَ الْفُقَهَاء فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَمِمَّا مدحته بِهِ قصيدة أَولهَا

стр. 405

(أظنهم وَقد عزموا ارتحالا ... ثنوا عَنَّا جمالا لَا جمالا) (سروا وَالصُّبْح مبيضٌ الْحَوَاشِي ... فَلَمَّا حَال عهد الْوَصْل حَالا) (هم اعتادوا الملال فَكيف ملوا ... وصالهم وَمَا ملوا الملالا) (أحادي عيسهم بِاللَّه رفقا ... فَإِن السّير اورثها الكلالا) (وعُج نَحْو الْأَرَاك بهَا فَإِنِّي ... أرَاهُ لِاجْتِمَاع الشمل فالا) (سقى صوب الحيا تلعات نجد ... وحيَّا بالحمى تِلْكَ التلالا) (سقى صوب الحيا تلعات نجد ... وَحيا بالحمى تِلْكَ التلالا) (أخلائي وَهل فِي النَّاس خل ... بِهِ أُخْلي من الأحزان بَالا) (لَئِن لم أشف صَدْرِي من حسودي ... وَلم أذق العدى دَاء عضالاً) (فَلَا أدْركْت من أدبي مرَادا ... وَلَا صادفت من حسبي منالا) (وَلَا وخدت إِلَيْكُم بِي جِمال ... وَلَا واليت مَوْلَانَا الجَمالا) (هُوَ المغنى إِذا مَا الْمَرْء أقوى ... هُوَ المنجي إِذا مَا الْخطب هالا) (وقائلة أَفِي الدُّنْيَا كريم ... سواهُ فَقلت لَا وَأبي الْعلَا لَا) (أطلت على الورى كرما وفخرا ... كَذَلِك من حوى هذَيْن طالا) (وحزت الْمجد عَن كسب وإرث ... فيا صدر الورى حزت الكمالا) (خصصت بِكُل منقبة وَفضل ... تَعَالَى من حباك بِهِ تَعَالَى) قلت وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فِي مدحه مِنْهُم العرقلة لَهُ من قصيدة (يهوى تجنيه والصدود كَمَا ... يهوى الْمَعَالِي مُحَمَّد بن عَليّ) (جمال دين الْإِلَه خير فَتى ... للرزق أقلامه وللأجل) (معطي الْقرى والقرى لقاصده ... من غير من وَالْخَيْل والخول) (مثل فتوح الْفَارُوق نائله ... شرقا وغربا فِي السهل والجبل)

стр. 406

(من قَالَ لم يحو ذَا ويسكن ذِي ... اصبح مِمَّا يَقُول فِي خجل) (مُحَمَّد حَاتِم الْكِرَام كَمَا ... سميه كَانَ خَاتم الرُّسُل) وَفِيه يَقُول أَحْمد بن مُنِير من قصيدة (كسا الْحَرَمَيْنِ لبسة عبد شمس ... وهَاشِم غرتي نسل الْخَلِيل) (وللبلد الْأمين أجدَّ أمنا ... تكنَّف مثله جدث الرَّسُول) (عشيتم يَا وُلَاة الْأَمر عمَّا ... أتيح لَهُ من الْأَثر الْجَمِيل) (وطار لَهَا وأشفقتم فَشد الْيَدَيْنِ ... على عُرى الْمجد الأثيل) (بيُوت بالحجاز مقدسات ... رَمَاهَا الدَّهْر بالخطب الْجَلِيل) (وَكَانَ أذا لَهُنَّ فصاب صونا ... لمن آوته من ولد البتول) (مآثر باقيات يَوْم يجنى الْمقَال ... ويجتنى طيب المقيل) (وَكم للموصل الحدباء مِمَّا ... تُنيل يَدَاهُ من ريف ونيل) (بَرُود الصفح ملتهب الْحَوَاشِي ... مهيب الْبَطْش فرَّاس الدُّخُول) وَلأبي الْمجد بن قسيم الْحَمَوِيّ فِيهِ من قصيدة (أغر تبصر مِنْهُ النَّاس فِي رجل ... وَاللَّيْث فِي بشر والبدر فِي غضن) (سما بهمتَّه فِي المكرمات إِلَى ... علياء تقصر عَنْهَا همة الزَّمن) (يلقاك واضحَ ليل الْفِكر رَاجِح نيل ... الْكَفّ طاهرَ ذيل السِّرّ والعلن) (ماضي الْعَزِيمَة مَيْمُون النقيبة رئبال ... الكتيبة عين الْقَائِل اللسن) (إِذا تكلم واستجليت غرته ... فِي محفل رحت حَالي الْعين وَالْأُذن)

стр. 407

(كَأَن فِي الدست مِنْهُ حِين تنظره ... شمس النَّهَار وَصوب الْعَارِض الهتن) قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي شعْبَان من هَذِه السّنة وَهِي سنة تسع وَخمسين وَخمْس مئة توفّي الْوَزير جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي مَنْصُور الْأَصْفَهَانِي وَكَانَ قد خدم الشَّهِيد فولاه نَصِيبين وَظَهَرت كِفَايَته فأضاف إِلَيْهِ الرحبة فأبان عَن كِفَايَة وعفة وَكَانَ من خواصه فَجعله مشرف مَمْلَكَته كلهَا وَحكمه تحكيما لَا مزِيد عَلَيْهِ حَتَّى كَانَ وَزِير الشَّهِيد وَالْحَاكِم فِي بِلَاده ضِيَاء الدّين بن الكَفَرْتُوثي يَحْكِي عَن جمال الدّين قَالَ كَانَ يدْخل إِلَى الشَّهِيد أتابك قبلي وَيخرج بعدِي وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن قتل الشَّهِيد ثمَّ وزر لوَلَدي الشَّهِيد سيف الدّين ثمَّ قطب الدّين وَكَانَ بَينه وَبَين زين الدّين عَليّ كوجك عهود ومواثيق على المصافاة والاتفاق وَكَانَ أَصْحَاب زين الدّين يكرهونه ويقعون فِيهِ عِنْد زين الدّين فنهاهم وَكَانَت الْموصل فِي أَيَّامه ملْجأ لكل ملهوف ومأمنا لكل خَائِف فسعى بِهِ الحساد إِلَى قطب الدّين حَتَّى أوغروا صَدره عَلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ إِنَّه يَأْخُذ أموالك فَيتَصَدَّق بهَا فَلم يُمكنهُ أَن يغيِّر عَلَيْهِ شَيْئا بِسَبَب اتفاقه مَعَ زين الدّين فَوضع على زين الدّين من غَيره عَن مصافاته ومؤاخاته فَقبض عَلَيْهِ قطب الدّين وحبسه بقلعة الْموصل ثمَّ نَدم زين الدّين على الْمُوَافقَة على قَبضه لِأَن خَواص قطب الدّين وَأَصْحَابه كَانُوا يخَافُونَ جمال الدّين فَلَمَّا قُبض تبَّسطوا فِي الْأَمر وَالنَّهْي على خلاف غَرَض زين الدّين فَبَقيَ جمالُ الدّين فِي الْحَبْس نَحوا من سنة ثمَّ مرض وَمضى لسبيله عَظِيم الْقدر والخطر

стр. 408

كريم الْورْد والصدر عديم النظير فِي سَعَة نفس لم يُروْ فِي كتب الْأَوَّلين أَن أحدا من الوزراء اتسعت نَفسه ومروءته لما اتسعت لَهُ نفس جمال الدّين فَلَقَد كَانَ عَظِيم الفتوة كَامِل الْمَرْوَة قَالَ ابْن الْأَثِير حكى لي جمَاعَة عَن الشَّيْخ أبي الْقَاسِم الصُّوفِي وَهُوَ رجل من الصَّالِحين كَانَ يتَوَلَّى خدمَة جمال الدّين فِي محبسه قَالَ لم يزل الْجمال مَشْغُولًا بِأَمْر آخرته مُدَّة حَبسه وَكَانَ يَقُول كنت أخْشَى أَن أُنقل من الدست إِلَى الْقَبْر قَالَ فَلَمَّا مرض قَالَ لي بعض الْأَيَّام يَا أَبَا الْقَاسِم إِذا جَاءَ طَائِر أَبيض إِلَى الدَّار فعرِّفني فَقلت فِي نَفسِي قد اخْتَلَط الرجل فَلَمَّا كَانَ الْغَد أَكثر السُّؤَال عَن ذَلِك الطَّائِر وَإِذا طَائِر ابيض لم أر مثله قد سقط فَقلت لَهُ جَاءَ الطَّائِر فَاسْتَبْشَرَ ثمَّ قَالَ جَاءَ الْحق وَأَقْبل على الشَّهَادَة وَذكر الله تَعَالَى وَتُوفِّي فَلَمَّا توفّي طَار ذَلِك الطَّائِر قَالَ فَعلمت أَنه رأى شَيْئا فِي مَعْنَاهُ وَدفن بالموصل نَحْو سنة وَكَانَ قد قَالَ للشَّيْخ أبي الْقَاسِم إِن بيني وَبَين أَسد الدّين شيركوه عهدا من مَاتَ منا قبل صَاحبه حمله الْحَيّ إِلَى الْمَدِينَة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فدفنه بهَا فِي التربة الَّتِي عملتها فَإِن أَنا مت فَامْضِ إِلَيْهِ وَذكره فَلَمَّا توفّي سَار الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم إِلَى أَسد الدّين فِي هَذَا الْمَعْنى فَأعْطَاهُ مَالا صَالحا ليحمله بِهِ إِلَى مَكَّة وَالْمَدينَة وَأمر أَن يحجّ مَعَه جمَاعَة من الصُّوفِيَّة وَمن يقْرَأ بَين يَدي تابوته عِنْد النُّزُول والرحيل وقدوم مَدِينَة تكون فِي الطَّرِيق وينادون فِي الْبِلَاد الصَّلَاة على فلَان فَفَعَلُوا ذَلِك فَكَانَ يصلى عَلَيْهِ فِي كل مَدِينَة خلق كثير فَلَمَّا كَانَ فِي الْحِلَّة اجْتمع النَّاس للصَّلَاة عَلَيْهِ فَإِذا شَاب قد ارْتَفع على مَوضِع عَال ونادى بِأَعْلَى صَوته

стр. 409

(سرى نعشه فَوق الرّقاب وطالما ... سرى بره فَوق الركاب ونائله) (يمر على الْوَادي فتثني رماله ... عَلَيْهِ وَفِي النادي فتبكي أرامله) فَلم ير باكياً أَكثر من ذَلِك الْيَوْم ثمَّ وصلوا بِهِ إِلَى مَكَّة فطافوا بِهِ حول الْكَعْبَة وصلوا عَلَيْهِ بِالْحرم وَحَمَلُوهُ إِلَى الْمَدِينَة فصلوا عيله أَيْضا ودفنوه بالرباط الَّذِي أنشأه بهَا وَبَينه وَبَين قبر النَّبِي ﷺ خَمْسَة عشر ذِرَاعا قلت كَذَا قَالَ ابْن الْأَثِير وَقد رَأَيْت الْمَكَان وَلَعَلَّه أَرَادَ الْحَائِط الشَّرْقِي من مَسْجِد النَّبِي ﷺ لَا نفس الْقَبْر الشريف زَاده الله شرفا وَصلى على ساكنه ثمَّ قَالَ كَانَ جمال الدّين ﵀ أسخى النَّاس وَأَكْثَرهم عَطاء وبذلا لِلْمَالِ رحِيما بِالنَّاسِ متعطفاً عَلَيْهِم عادلا فيهم فَمن أَعماله الْحَسَنَة أَنه جدد

стр. 410

بِنَاء مَسْجِد الْخيف بمنى وَغرم عَلَيْهِ أَمْوَالًا عَظِيمَة وَبنى الْحجر بِجَانِب الْكَعْبَة وَرَأَيْت اسْمه عَلَيْهِ ثمَّ غير وَبني غَيره سنة سِتّ وَسبعين وَخمْس مئة وزخرف الْكَعْبَة بِالذَّهَب والنقرة فَكل مَا فِيهَا من ذَلِك فَهُوَ عمله إِلَى سنة تسع وست مئة وَلما أَرَادَ ذَلِك أرسل إِلَى الإِمَام المقتفي لأمر الله هَدِيَّة جليلة حَتَّى أذن لَهُ فِيهِ وَأرْسل إِلَى أَمِير مَكَّة عِيسَى بن أبي هَاشم خلعا سنية وهدية كَثِيرَة حَتَّى مكنه مِنْهُ وَعمر أَيْضا الْمَسْجِد الَّذِي على جبل عَرَفَات وَعمل الدرج الَّتِي يصعد فِيهَا إِلَيْهِ وَكَانَ النَّاس يلقون شدَّة فِي صعودهم وَعمل بِعَرَفَات مصانع للْمَاء وأجرى المَاء إِلَيْهَا من نعْمَان فِي طَرِيق معمولة تَحت الْجَبَل مَبْنِيَّة بالكلس فغرم على ذَلِك مَالا كثيرا وَكَانَ يُعْطي أهل نعْمَان كل سنة مَالا كثيرا ليتركوا المَاء يجْرِي إِلَى المصانع أَيَّام مقَام الْحجَّاج بِعَرَفَات فَكَانَ النَّاس يَجدونَ بِهِ رَاحَة عَظِيمَة قَالَ وَمن أعظم الْأَعْمَال الَّتِي عَملهَا نفعا أَنه بنى سوراً على مَدِينَة النَّبِي ﵇ فَإِنَّهَا كَانَت بِغَيْر سور ينهبها الْأَعْرَاب وَكَانَ أَهلهَا فِي ضنك وضر مَعَهم رَأَيْت بِالْمَدِينَةِ إنْسَانا يُصَلِّي الْجُمُعَة فَلَمَّا فرغ ترحم على جمال الدّين ودعا لَهُ فَسَأَلْنَاهُ عَن سَبَب ذَلِك فَقَالَ يجب على كل من

стр. 411

بِالْمَدِينَةِ أَن يَدْعُو لَهُ لأَنا كُنَّا فِي ضرّ وضيق ونكد عَيْش مَعَ الْعَرَب لَا يتركون لِأَحَدِنَا مَا يواريه ويشبع جوعته فَبنى علينا سوراً احتمينا بِهِ مِمَّن يريدنا بِسوء فاستغنينا فَكيف لَا نَدْعُو لَهُ قَالَ وَكَانَ الْخَطِيب بِالْمَدِينَةِ يَقُول فِي خطبَته اللَّهُمَّ صُنْ حَرِيم من صان حرم نبيك بالسور مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي مَنْصُور قَالَ فَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا هَذِه المكرمة لكفاه فخرا فَكيف وَقد كَانَت صدقاته تجوب شَرق الأَرْض وغربها وَسمعت عَن مُتَوَلِّي ديوَان صدقاته الَّتِي يُخرجهَا على بَاب دَاره للْفُقَرَاء سوى الإدرارات والتعهدات قَالَ كَانَ لَهُ كل يَوْم مئة دِينَار أميرية يتَصَدَّق بهَا على بَاب دَاره قَالَ وَمن أبنيته العجيبة الَّتِي لم ير النَّاس مثلهَا الجسر الَّذِي بناه على دجلة عِنْد جَزِيرَة ابْن عمر بِالْحجرِ المنحوت وَالْحَدِيد والرصاص والكلس إِلَّا أَنه لم يفرغ لِأَنَّهُ قُبض قبل فَرَاغه وَبنى أَيْضا جِسْرًا على نهر الأريار عِنْد الجزيرة أَيْضا وَبنى الرَّبْط بالموصل وسنجار ونصيبين وَغَيرهَا وقصده النَّاس من أقطار الأَرْض ويكفيه أَن صدر الدّين الخجندي رَئِيس

стр. 412

أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵁ بأصبهان وَابْن الْكَافِي قَاضِي قُضَاة همذان قصداه فَأخْرج عَلَيْهِمَا مَالا جزيلا وَكَذَلِكَ غَيرهمَا من الصُّدُور وَالْعُلَمَاء ومشايخ الصُّوفِيَّة وَصَارَت الْموصل فِي أَيَّامه مقصدا وملجأ وَكَانَ أحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ إِخْرَاج المَال فِي الصَّدقَات وَكَانَ يضيق على نَفسه وبيته ليتصدق حكى لي وَالِدي قَالَ كنت يَوْمًا عِنْده وَقد أحضر بَين

стр. 413

يَدَيْهِ قندز ليُعمل على وبر ليلبسه بِخَمْسَة دَنَانِير فَقَالَ هَذَا الثّمن كثير اشْتَروا لي قندزا بدينارين وتصدقوا بِثَلَاثَة دَنَانِير قَالَ فراجعناه غير مرّة فَلم يفعل قَالَ وَحكى لي من أَثِق إِلَيْهِ من الْعُدُول بالموصل أَن الأقوات تَعَذَّرَتْ فِي بعض السنين بهَا وغلت الأسعار وَكَانَ بالموصل رجل من الصَّالِحين يُقَال لَهُ الشَّيْخ عمر الملاء فَأحْضرهُ جمال الدّين وَسلم إِلَيْهِ مَالا وَقَالَ لَهُ تخرج هَذَا المَال على مُسْتَحقّه وَكلما فرغ أرسل إِلَيّ لأنفذ غَيره فَلم تمض إِلَّا أَيَّام يسيرَة حَتَّى فرغ ذَلِك المَال لِكَثْرَة المحتاجين فأنفذ لَهُ شَيْئا آخر ففنى ثمَّ أرسل يطْلب مَا يُخرجهُ فَقَالَ جمال الدّين للرسول وَالله مَا عِنْدِي شَيْء وَلَكِن خُذ هَذِه المحافر الَّتِي فِي دَاري فبيعوها وتصدقوا بِثمنِهَا إِلَى أَن يأتينا شَيْء آخر فنرسله إِلَى الشَّيْخ عمر فبيعت المحافر وتصدقوا بِثمنِهَا وعرفوه ذَلِك فَلم يكن عِنْده مَا يُرْسِلهُ فَأعْطَاهُ ثِيَابه الَّتِي كَانَ يلبسهَا مَعَ الْعِمَامَة الَّتِي كَانَت على رَأسه وَأرْسل الْجَمِيع وَقَالَ للرسول قل للشَّيْخ لَا يمْتَنع من الطّلب فَهَذِهِ أَيَّام مواساة فَلَمَّا وصلت الثِّيَاب إِلَى الشَّيْخ عمر بَكَى وباعها وَتصدق بِثمنِهَا قَالَ وَحكى لي بعض الصُّوفِيَّة مِمَّن كَانَ يصحب الشَّيْخ عمر النَّسَائِيّ شيخ الشُّيُوخ بالموصل قَالَ أحضرني الشَّيْخ فَقَالَ لي انْطلق

стр. 414

إِلَى مَسْجِد الْوَزير وَهُوَ بِظَاهِر الْموصل واقعد هُنَاكَ فَإِذا أَتَاك شَيْء فاحفظه إِلَى أَن أحضر عنْدك فَفعلت وَإِذا قد اقبل جمع كثير من الحمالين يحملون أحمالا من النصافي والخام وَإِذا قد جَاءَ نَائِب جمال الدّين مَعَ الشَّيْخ ومعهما قماش كثير وَثَمَانِية عشر ألف دِينَار وعدة كَثِيرَة من الْجمال فَقَالَ لي تَأْخُذ هَذِه الْأَحْمَال وتسير إِلَى الرحبة فتوصل هَذِه الرزمة وَهَذَا الْكتاب إِلَى متوليها فلَان فَإِذا أحضر لَك فلَانا الْعَرَبِيّ فتوصل إِلَيْهِ هَذِه الرزمة الْأُخْرَى وَهَذَا الْكتاب وتسير مَعَه فَإِذا أوصلك إِلَى فلَان الْعَرَبِيّ فتوصل إِلَيْهِ هَذِه الرزمة وَهَذَا الْكتاب وَهَكَذَا إِلَى الْمَدِينَة على ساكنها السَّلَام توصَل إِلَى وَكيلِي فلَان هَذِه الْأَحْمَال وَهَذِه الكسوات وَالْمَال الَّذِي عَلَيْهِ اسْم الْمَدِينَة ليخرجها بِمُقْتَضى هَذِه الجريدة ثمَّ تَأْخُذ الْبَاقِي الَّذِي عَلَيْهِ اسْم الْمَدِينَة ليخرجها بِمُقْتَضى هَذِه الجريدة ثمَّ تَأْخُذ الْبَاقِي الَّذِي عَلَيْهِ اسْم مَكَّة وتسير إِلَيْهَا فَيتَصَدَّق بِهِ وَكيلِي بهَا بِمُوجب الجريدة الْأُخْرَى قَالَ فسرنا كَذَلِك إِلَى وَادي القُرى فَرَأَيْنَا بِهِ نَحْو مئة جمل تحمل الطَّعَام إِلَى الْمَدِينَة وَقد مَنعهم خوف الطَّرِيق فَلَمَّا رأونا سَارُوا مَعنا إِلَيْهَا فوصلناها وَالْحِنْطَة بهَا كل صَاعَيْنِ بِدِينَار مصري والصاع خَمْسَة عشر رطلا بالبغدادي فَلَمَّا رَأَوْا الطَّعَام وَالْمَال اشْتَروا كل سَبْعَة آصَع بِدِينَار فَانْقَلَبت الْمَدِينَة بِالدُّعَاءِ لَهُ ثمَّ سرنا إِلَى مَكَّة فَفَعَلْنَا مَا أمرنَا قَالَ وَحكى لي وَالِدي قَالَ رَأَيْت جمال الدّين وَقد حضر عِنْده رجل فَقِيه قبل أَن يصير وزيرا فَطلب مِنْهُ شَيْئا وَتردد إِلَيْهِ عدَّة أَيَّام ثمَّ انْقَطع فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه سَافر فشق ذَلِك عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ هَكَذَا تَنْصَرِف الْأَحْرَار عَن دور الْكلاب وردد ذَلِك غير مرّة ثمَّ سَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه سَار نَحْو ماردين فَأرْسل إِلَيْهِ خلعة وَنَفَقَة إِلَى ماردين

стр. 415

قَالَ وَلَو رُمت شرح مُفْرَدَات أَعماله لأطلت وأضجرت وَهِي ظَاهِرَة لَا تحْتَاج إِلَى بَيَان فَلهَذَا تركنَا أَكْثَرهَا قلت وَقد ذكره الْأَمِير مؤيد الدولة أُسَامَة بن منقذ فِي = كتاب الِاعْتِبَار = فَقَالَ اجْتمعت بِجَمَال الدّين فِي الْموصل سنة خمس وَخمسين وَخمْس مئة وَأَنا مُتَوَجّه إِلَى الْحَج وَكَانَت بيني وَبَينه مَوَدَّة قديمَة وَعشرَة ومؤانسة فَعرض عليّ الدُّخُول إِلَى دَار فِي الْموصل فامتنعت وَنزلت بخيمتي على الشط فَكَانَ مُدَّة مقَامي كل يَوْم يركب يجوز على الجسر نَحْو نِينَوَى وأتابك قد ركب إِلَى الميدان وَينفذ إليّ يَقُول أركب فَأَنا وَاقِف أنتظرك فأركب فأسير أَنا وَهُوَ فنتحدث فَوجدت يَوْمًا مِنْهُ خلْوَة من أَصْحَابِي فَقلت لَهُ فِي نَفسِي شَيْء يتَرَدَّد من حَيْثُ اجْتَمَعنَا أشتهي أَن أقوله لَك وَمَا يتَّفق لي خلْوَة وَقد خلونا السَّاعَة قَالَ قل قلت أَقُول لَك مَا قَالَه الشريف الرضي (مَا ناصحتك خفايا الود من أحد ... مَا لم يصبك بمكروه من العذل) (مودتي لَك تأبى أَن تسامحني ... بِأَن أَرَاك على شَيْء من الزلل) وَقد بسطت يدك فِي إِنْفَاق المَال فِي الصَّدقَات ووجوه الْبر وَالْمَعْرُوف والسلاطين مَا يحْتَملُونَ إِخْرَاج المَال وَلَا تصبر نُفُوسهم عَلَيْهِ وَلَو أَن الْإِنْسَان يُخرجهُ من مِيرَاثه وَهَذَا الَّذِي أهلك البرامكة فَانْظُر لنَفسك كَيفَ

стр. 416

الْمخْرج مِمَّا قد دخلت فِيهِ فَأَطْرَقَ سَاعَة وَقَالَ جَزَاك الله خيرا لَكِن الْأَمر قد عَبَر عَمَّا تخافه ففارقته وسرت إِلَى الْحجاز وعدت من مَكَّة على طَرِيق الشَّام ونكب جمال الدّين وَمَات فِي الْحَبْس قلت ولعلم الدّين الْحسن بن سعيد الشاتاني فِي هَذَا الْوَزير الْجواد لما نكب (مَا حط قدرك من أوج الْعلَا الْقدر ... كلا وَلَا غيرت أفعالك الْغَيْر) (أَنْت الَّذِي عَم أهل الأَرْض نائله ... وَلم ينل شأوه فِي سؤدد بشر) (سَارَتْ صفاتك فِي الْآفَاق واتضحت ... وَصدق السّمع عَنْهَا مَا رأى الْبَصَر) (فاصبر لصرف زمَان قد منيت بِهِ ... فآخر الصَّبْر يَا طود النُّهى الظفر) (فَمَا ترى أحدا فِي الْخلق يسلم من ... صروف دهر لَهُ فِي أَهله غير) (سعوا بقصدك سرا لَو استتب لَهُم ... وَلَو سعوا نَحوه جَهرا لما قدرُوا) (لَوْلَا الْأَمَانِي الَّتِي تحيا النُّفُوس بهَا ... لمتّ من لوعة فِي الْقلب تستعر) وَمِنْهَا فِي ذكر الشَّيْخ عمر الملاء (واصدق النَّاس فِي حفظ العهود إِذا ... ميزت بالفكر أَحْوَال الورى عُمَر) (الزاهدُ العابدُ البَرُّ التقي وَمن ... يزوره وَيُقَوِّي أزره الْخضر)

стр. 417

وَقَالَ العرقلة يرثى جمال الدّين الْوَزير والصالح بن رزيك (لَا خير فِي الدُّنْيَا وَلَا أَهلهَا ... بعد جمال الدّين والصالح) (بحران لَوْلَا دمع باكيهما ... مَا كَانَ مَاء الْبَحْر بالمالح) قَالَ ابْن الْأَثِير وَقَالَ وَالِدي كنت أرى من الْوَزير جمال الدّين فِي الْأَيَّام الشهيدية من الْكِفَايَة وَالنَّظَر فِي صَغِير الْأُمُور وكبيرها والمحاققة فِيهَا مَا يدل على تمكنه من الْكِفَايَة فَلَمَّا وصل الْأَمر إِلَى الْملك قطب الدّين مودود بن أتابك الشَّهِيد وجمال الدّين وزيره حِينَئِذٍ وَقد تمكن زين الدّين عليّ بن بكتكين فِي الدولة تمَكنا عَظِيما وَتقدم عِنْد قطب الدّين جمَاعَة من أَصْحَابه فَكَانَ جمال الدّين مَعَ تمكنه وعلو مَحَله يهمل بعض الْأُمُور قَالَ فَقلت لَهُ يَوْمًا أَيْن تِلْكَ الْكِفَايَة الَّتِي كُنَّا نرَاهَا مِنْك فِي الْأَيَّام الشهيدية مَا أرى الْآن مِنْهَا شَيْئا فَقَالَ لي والآن مَا عِنْدِي كِفَايَة فَقلت مَا هَذَا الْعَمَل من ذَلِك بِشَيْء فَقَالَ أَنْت صبي غرٌّ لَيست الْكِفَايَة عبارَة عَن فعل وَاحِد فِي كل زمَان إِنَّمَا الْكِفَايَة أَن يسْلك الْإِنْسَان فِي كل زمَان مَا يُنَاسِبه ذَلِك الْوَقْت كَانَ لنا صَاحب مُتَمَكن قوي الْعَزْم لَا يتجاسر أحد على الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ وَلَا يَتلون بأقوال أَصْحَابه فحفظناه فَكَانَ مَا أَفعلهُ هُوَ الْكِفَايَة وَأما الْآن فلنا سُلْطَان غير مُتَمَكن وَهُوَ مَحْكُوم عَلَيْهِ فَهَذَا الَّذِي أَفعلهُ هُوَ الْكِفَايَة

стр. 418

ثمَّ دخلت سنة سِتِّينَ وَخمْس مئة قَالَ ابْن الْأَثِير فِيهَا فتح نور الدّين قلعة بانياس من الفرنج وَكَانَ قد سَار إِلَيْهَا بعد عوده من فتح حارم وَأذن لعسكر الْموصل وديار بكر بِالْعودِ إِلَى بِلَادهمْ وَأظْهر أَنه يُرِيد طبرية فَجعل من بَقِي من الفرنج هَمهمْ حفظهَا وتقويتها فَسَار نور الدّين مجداً إِلَى بانياس لعلمه بقلة من فِيهَا من الحماة الممانعين عَنْهَا ونازلها وضيق عَلَيْهَا وقاتلها وَكَانَ فِي جملَة عسكره أَخُوهُ نصْرَة الدّين أَمِير أميران فَأَصَابَهُ سهم أذهب إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَلَمَّا رَآهُ نور الدّين قَالَ لَهُ لَو كُشف لَك عَن الْأجر الَّذِي أعد لَك لتمنيت أَن تذْهب الْأُخْرَى قلت وَفِي نصْرَة الدّين هَذَا يَقُول أَحْمد بن مُنِير من قصيدة لَهُ (يَا نصْرَة الدّين الَّذِي عزمه ... مِنْهُ ترجى نصْرَة الدّين) (وَابْن الَّذِي زلزل من خَوفه ... مَا بَين أغمات إِلَى الصين) قَالَ ابْن الْأَثِير وجد فِي حصارها وَسمع الفرنج بذلك فَجمعُوا لَهُ فَلم تتكامل عدتهمْ حَتَّى فَتحه الله تَعَالَى على أَن الفرنج كَانُوا قد ضعفوا بقتل رِجَالهمْ بحارم وأسرهم فَملك القلعة وملأها ذخائر وعدة ورجالا عدَّة وَعَاد نور الدّين إِلَى دمشق وَفِي يَده خَاتم بفص ياقوت من أحسن الْجَوْهَر فَسقط من يَده فِي شعراء بانياس وَهِي كَثِيرَة الْأَشْجَار ملتفة الأغصان فَلَمَّا أبعد من الْمَكَان الَّذِي ضَاعَ فِيهِ الفص علم بِهِ فَأَعَادَ بعض أَصْحَابه فِي طلبه ودلهم على مَكَانَهُ وَقَالَ أَظُنهُ هُنَاكَ ضَاعَ فعادوا إِلَيْهِ

стр. 419

فوجدوه فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء الشاميين وَأَظنهُ أَحْمد بن مُنِير من جملَة قصيدة يمدحه بهَا ويهنئه بِهَذِهِ الْغُزَاة وعود الفص الْيَاقُوت (إِن يِمتر الشكاك فِيك فَإنَّك الْمهْدي ... مطفئ جَمْرَة الدَّجَّال) (فلعودة الْجَبَل الَّذِي أضللته ... بالْأَمْس بَين غياطل وجبال) (مسترجعاً لَك بالسعادة آيَة ... ردَّتْ مطال الفال غير مطال) (لم يُعْطهَا إِلَّا سُلَيْمَان وَقد ... نلْت الرفاء بموشك الإعجال) (زجر جرى لسرير ملكك أَنه ... كسريره عَن كل جدر عَال) (فَلَو الْبحار السَّبْعَة استهوينه ... وأمرتهن قذفنه فِي الْحَال) قلت هَذِه الأبيات لِابْنِ مُنِير بِلَا شكّ وَلَكِن فِي غير هَذِه الْغُزَاة فَإِن ابْن مُنِير قد سبق أَنه توفّي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَفتح بانياس كَمَا ترَاهُ فِي سنة سِتِّينَ وَقد قَرَأت فِي ديوَان ابْن مُنِير وَقَالَ يمدحه يَعْنِي نور الدّين ويهنئه بِالْعودِ من غزَاة وضياع فص ياقوت جبل من يَده لاشتغاله بالصيد شراه ألف ومئة دِينَار وَفِي نسخه ووجدان خَاتم ضَاعَ مِنْهُ فِي الصَّيْد قِيمَته ألف ومئة دِينَار وأنشده إِيَّاهَا بقلعة حمص فَذكر القصيدة وأولها (يوماك يَوْم ندى وَيَوْم نزال ...) يَقُول فِيهَا (أخرست شقشقة الضلال وقدته ... قَود الذلول أطَاع بعد صيال) (ورميت دَار الْمُشْركين بصيلم ... ألقحت فِيهَا الْحَرْب بعد حِيَال) (وسعرت بَين تريبهم وترابهم ... ذعرا يشيب نواصي الْأَطْفَال) (فَوق الخطيم وَقد خطمت زعيمهم ... ضربا سوابقه بِغَيْر توالي)

стр. 420

(ضربا مَلَأت فرنجةً من حرِّه ... رهباً بِهِ سيف الصقالب صالي) (وبفج حارم أَحرمت لقراعهم ... هيم أحلن النّوم غير حَلَال) (عجموا على الجسر الْحَدِيد حديدها ... نبعاً يعاذمه أديرد صال) (زلزلت أَرضهم بِوَقع صواعق ... أعطيننا أمنا من الزلزال) (فِي مأزق شمرت ذيلك تَحْتَهُ ... والنصر فَوْقك مُسبل الأذيال) (فِي دولة غراء محمودية ... سحبت رِدَاء الْحَمد غير مذال) (تنسى الْفتُوح بهَا الْفتُوح وتجتنى ... زُهر الْمقَال بباهر الْأَفْعَال) (لبست بِنور الدّين نور حدائق ... ثمراتهن غرائب الأفضال) (ملك تحجبّ فِي السرير بزأرة ... زرّت حواشيها على رئبال) (تنجاب عَن ذِي لبدتين شذاته ... فِي بردتي بدل من الأبدال) (رفع الرواق بروق أنطاكية ... فَرمى الخليج بمرهق البلبال) (بدر لأَرْبَع عشرَة اقتبس السنا ... من خمس عشرَة سُورَة الْأَنْفَال) (فوز الْمَآل أخاضه مَاء الطلى ... وسواه يُقعده احتيازُ المَال) (متقسم بَين القسيمين الْعلَا ... عَن عَم عَم أَو مخايل خَال) (لَا زلت تطلع من ثنايا جحفل ... يقفو لواءك كاللوى الْمنْهَال) (تغزو فتنهب أَو تؤوب فتنهب العافين ... سلب قِنَا وَكسب نصال) (لَك أَن تطل على الْكَوَاكِب راقيا ولحاسديك بكا على الأطلال) وَمِمَّا يُنَاسب هَذِه السَّعَادَة فِي وجدان الْخَاتم بعد وُقُوعه فِي مَظَنَّة الْهَلَاك والضياع مَا بَلغنِي أَن مُوسَى الْهَادِي لما ولي الْخلَافَة سَأَلَ عَن خَاتم عَظِيم الْقيمَة كَانَ لِأَبِيهِ الْمهْدي فَبَلغهُ أَن أَخَاهُ الرشيد أَخذه فَطَلَبه مِنْهُ فَامْتنعَ فألح عَلَيْهِ فِيهِ فحنق الرشيد وَمر على جسر بَغْدَاد فَرَمَاهُ فِي دجلة فَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي وَولي الرشيد الْخلَافَة أَتَى ذَلِك الْمَكَان بِعَيْنِه وَمَعَهُ خَاتم من رصاص فَرَمَاهُ ثَمَّ وَأمر الغطاسين أَن يلتمسوه فَفَعَلُوا فَاسْتَخْرَجُوا الْخَاتم الأول فعُد ذَلِك من سَعَادَة الرشيد وَبَقَاء ملكه

стр. 421

قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما فتح نور الدّين حصن بانياس كَانَ ولد معِين الدّين أنر الَّذِي سلم بانياس إِلَى الإفرنج قَائِما على رَأسه فَالْتَفت إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ للنَّاس بِهَذَا الْفَتْح فرحة وَاحِدَة وَلَك فرحتان فَقَالَ كَيفَ ذَلِك قَالَ لِأَن الله تَعَالَى الْيَوْم برد جلدَة والدك من نَار جَهَنَّم وَقد تقدم أَنه كَانَ صانع بهَا عَن دمشق لما نزل الفرنج عَلَيْهَا وفيهَا توفّي وَزِير بَغْدَاد عون الدّين أَبُو المظفر يحيى بن مُحَمَّد بن هُبَيْرَة الشَّيْبَانِيّ من بني ذهل بن شَيبَان بن ثَعْلَبَة بن الْحصن وَكَانَ عَالما دينا مُدبرا حنبلي الْمَذْهَب وزر للمقتفي ثمَّ للمستنجد بعده وَله عدَّة مصنفات مِنْهَا = الإفصاح فِي شرح الْأَحَادِيث الصِّحَاح = وَكَانَ يجمع فِي مَجْلِسه أفاضل الْوَقْت من أَعْيَان الْمذَاهب الْأَرْبَعَة والنحاة وَغَيرهم وَيجْرِي بحضرتهم فَوَائِد كَثِيرَة توفّي وَهُوَ ساجد فِي صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْأَحَد ثَالِث

стр. 422

عشر جُمَادَى الأولى سنة سِتِّينَ وَخمْس مئة ورئيت لَهُ منامات حَسَنَة ومدحه جمَاعَة من الْفُضَلَاء ومولده فِي ربيع الآخر سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبع مئة بقرية من أَعمال دجيل تعرف بالدور وَهُوَ الَّذِي محا رسوم سلاطين الْعَجم من الْعرَاق وأجلاهم عَن خطتها بِحسن تَدْبيره وَمن كَلَامه لبَعض من كَانَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ اجْتهد أَن تستر العصاة فَإِن ظُهُور معاصيهم عيب فِي الْإِسْلَام وَأولى الْأُمُور ستر الْعُيُوب

стр. 423

ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخمْس مئة فَفِيهَا توفّي فتح الدّين بن أَسد الدّين شيركوه أَخُو نَاصِر الدّين وقبره بالمقبرة النجمية إِلَى جَانب قبر ابْن عَمه شاهنشاه بن أَيُّوب فِي قبَّة فِيهَا أَرْبَعَة قُبُور هما الأوسطان مِنْهَا وَفِي هَذِه الْأَخَوَيْنِ نَاصِر الدّين وَفتح الدّين يَقُول العرقلة حسان (لله شبلا أَسد خادر ... مَا فيهمَا جبن وَلَا شح) (مَا أَقبلَا إِلَّا وَقَالَ الورى ... قد جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَاْلفَتْحُ) وفيهَا سَار نور الدّين أَيْضا إِلَى حصن المنيطرة وَهُوَ للفرنج وَلم يحشد لَهُ وَلَا جمع عساكره إِنَّمَا سَار إِلَيْهِ على غرَّة من الفرنج وَعلم أَنه إِن جمع العساكر حذروا وجمعوا فانتهز الفرصة وَسَار إِلَى المنيطرة وحصرها وجد فِي قتالها وَأَخذهَا عنْوَة وقهراً وَقتل من بهَا وسبى

стр. 424

وغنم غنيمَة كَثِيرَة لأَمِنْ من بِهِ فَأَخَذتهم خيل الله بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ وَلم يقدر الفرنج على أَن يجتمعوا لدفعه إِلَّا وَقد ملكه وَلَو علمُوا أَنه جَرِيدَة لأسرعوا وَإِنَّمَا ظنُّوا أَن نور الدّين فِي جمع كثير فَلَمَّا ملكه تفَرقُوا وَأَيِسُوا مِنْهُ هَذَا قَول ابْن الْأَثِير وَذكر القَاضِي ابْن شَدَّاد أَن ذَلِك كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ كَمَا سَيَأْتِي وَالله أعلم وفيهَا توفّي الجليس بن الْجبَاب بِمصْر قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة القَاضِي الجليس أَبُو الْمَعَالِي عبد الْعَزِيز بن الْحُسَيْن بن الْجبَاب الأغلبي السَّعْدِيّ التَّمِيمِي جليس صَاحب مصر فَضله مَشْهُور وشعره مأثور وَكَانَ أوحد عصره فِي مصره نظما ونثرا ترسلا وشعرا وَمَات بهَا فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَقد أناف على السّبْعين انشدني لَهُ الْأَمِير نجم الدّين بن مصال من قصيدة يَقُول فِيهَا

стр. 425

(وَمن عجب أَن السيوف لديهُم ... تحيض دِمَاء وَالسُّيُوف ذُكُور) (وأعجب من ذَا أَنَّهَا فِي أكفهم ... تأججُ نَارا والأكف بحور) قَالَ وأنشدني لَهُ الشريف إِدْرِيس الإدريسي قصيدة سيَّرها إِلَى الصَّالح بن رزيك قبل وزارته يحرضه على إِدْرَاك ثأر الظافر وَكَانَ عَبَّاس وزيرهم قَتله وَقتل أَخَوَيْهِ يُوسُف وَجِبْرِيل يَقُول فِيهَا (أصادفهُم قولا وغيباً ومشهداً ... نحوهم على عمد بِفعل أعادي) (فَأَيْنَ بِنور رزيك عَنْهَا ونصرهم ... وَمَا لَهُم من مَنْعَة وذياد) (تدارك من الْإِيمَان قبل دثُورِه ... حشاشة نفس آذَنت بنفاد) (فَلَو عَايَنت عَيْنَاك بِالْقصرِ يومهم ... ومصرعهم لم تكتحل برقاد)
следующие страницы →