← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما فتح نور الدّين حصن بانياس كَانَ ولد معِين الدّين أنر الَّذِي سلم بانياس إِلَى الإفرنج قَائِما على رَأسه فَالْتَفت إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ للنَّاس بِهَذَا الْفَتْح فرحة وَاحِدَة وَلَك فرحتان فَقَالَ كَيفَ ذَلِك قَالَ لِأَن الله تَعَالَى الْيَوْم برد جلدَة والدك من نَار جَهَنَّم وَقد تقدم أَنه كَانَ صانع بهَا عَن دمشق لما نزل الفرنج عَلَيْهَا وفيهَا توفّي وَزِير بَغْدَاد عون الدّين أَبُو المظفر يحيى بن مُحَمَّد بن هُبَيْرَة الشَّيْبَانِيّ من بني ذهل بن شَيبَان بن ثَعْلَبَة بن الْحصن وَكَانَ عَالما دينا مُدبرا حنبلي الْمَذْهَب وزر للمقتفي ثمَّ للمستنجد بعده وَله عدَّة مصنفات مِنْهَا = الإفصاح فِي شرح الْأَحَادِيث الصِّحَاح = وَكَانَ يجمع فِي مَجْلِسه أفاضل الْوَقْت من أَعْيَان الْمذَاهب الْأَرْبَعَة والنحاة وَغَيرهم وَيجْرِي بحضرتهم فَوَائِد كَثِيرَة توفّي وَهُوَ ساجد فِي صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الْأَحَد ثَالِث

стр. 422

عشر جُمَادَى الأولى سنة سِتِّينَ وَخمْس مئة ورئيت لَهُ منامات حَسَنَة ومدحه جمَاعَة من الْفُضَلَاء ومولده فِي ربيع الآخر سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبع مئة بقرية من أَعمال دجيل تعرف بالدور وَهُوَ الَّذِي محا رسوم سلاطين الْعَجم من الْعرَاق وأجلاهم عَن خطتها بِحسن تَدْبيره وَمن كَلَامه لبَعض من كَانَ يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ اجْتهد أَن تستر العصاة فَإِن ظُهُور معاصيهم عيب فِي الْإِسْلَام وَأولى الْأُمُور ستر الْعُيُوب

стр. 423

ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخمْس مئة فَفِيهَا توفّي فتح الدّين بن أَسد الدّين شيركوه أَخُو نَاصِر الدّين وقبره بالمقبرة النجمية إِلَى جَانب قبر ابْن عَمه شاهنشاه بن أَيُّوب فِي قبَّة فِيهَا أَرْبَعَة قُبُور هما الأوسطان مِنْهَا وَفِي هَذِه الْأَخَوَيْنِ نَاصِر الدّين وَفتح الدّين يَقُول العرقلة حسان (لله شبلا أَسد خادر ... مَا فيهمَا جبن وَلَا شح) (مَا أَقبلَا إِلَّا وَقَالَ الورى ... قد جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَاْلفَتْحُ) وفيهَا سَار نور الدّين أَيْضا إِلَى حصن المنيطرة وَهُوَ للفرنج وَلم يحشد لَهُ وَلَا جمع عساكره إِنَّمَا سَار إِلَيْهِ على غرَّة من الفرنج وَعلم أَنه إِن جمع العساكر حذروا وجمعوا فانتهز الفرصة وَسَار إِلَى المنيطرة وحصرها وجد فِي قتالها وَأَخذهَا عنْوَة وقهراً وَقتل من بهَا وسبى

стр. 424

وغنم غنيمَة كَثِيرَة لأَمِنْ من بِهِ فَأَخَذتهم خيل الله بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ وَلم يقدر الفرنج على أَن يجتمعوا لدفعه إِلَّا وَقد ملكه وَلَو علمُوا أَنه جَرِيدَة لأسرعوا وَإِنَّمَا ظنُّوا أَن نور الدّين فِي جمع كثير فَلَمَّا ملكه تفَرقُوا وَأَيِسُوا مِنْهُ هَذَا قَول ابْن الْأَثِير وَذكر القَاضِي ابْن شَدَّاد أَن ذَلِك كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ كَمَا سَيَأْتِي وَالله أعلم وفيهَا توفّي الجليس بن الْجبَاب بِمصْر قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة القَاضِي الجليس أَبُو الْمَعَالِي عبد الْعَزِيز بن الْحُسَيْن بن الْجبَاب الأغلبي السَّعْدِيّ التَّمِيمِي جليس صَاحب مصر فَضله مَشْهُور وشعره مأثور وَكَانَ أوحد عصره فِي مصره نظما ونثرا ترسلا وشعرا وَمَات بهَا فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَقد أناف على السّبْعين انشدني لَهُ الْأَمِير نجم الدّين بن مصال من قصيدة يَقُول فِيهَا

стр. 425

(وَمن عجب أَن السيوف لديهُم ... تحيض دِمَاء وَالسُّيُوف ذُكُور) (وأعجب من ذَا أَنَّهَا فِي أكفهم ... تأججُ نَارا والأكف بحور) قَالَ وأنشدني لَهُ الشريف إِدْرِيس الإدريسي قصيدة سيَّرها إِلَى الصَّالح بن رزيك قبل وزارته يحرضه على إِدْرَاك ثأر الظافر وَكَانَ عَبَّاس وزيرهم قَتله وَقتل أَخَوَيْهِ يُوسُف وَجِبْرِيل يَقُول فِيهَا (أصادفهُم قولا وغيباً ومشهداً ... نحوهم على عمد بِفعل أعادي) (فَأَيْنَ بِنور رزيك عَنْهَا ونصرهم ... وَمَا لَهُم من مَنْعَة وذياد) (تدارك من الْإِيمَان قبل دثُورِه ... حشاشة نفس آذَنت بنفاد) (فَلَو عَايَنت عَيْنَاك بِالْقصرِ يومهم ... ومصرعهم لم تكتحل برقاد)

стр. 426

(فمزق جموع المارقين فَإِنَّهَا ... بقايا زروع آذَنت بحصاد) وَله فِيهِ من أُخْرَى فِي هَذِه الْحَادِثَة (وَلما ترامى الْبَرْبَرِي بجهله ... إِلَى فتكة مَا رامها قطّ رائم) (ركبت إِلَيْهِ متن عزمتك الَّتِي ... بأمثالها تُلقى الخطوب العظائم) (أعدت إِلَيْهِم ملكهم بعد مَا لوى ... بِهِ غَاصِب حق الْإِمَامَة ظَالِم) وأنفذ إِلَيْهِ فِي الْمَعْنى (أعدت إِلَى جسم الوزارة روحها ... وَمَا كَانَ يُرْجَى بعثها ونشورها) (أَقَامَت زَمَانا عِنْد غَيْرك طامثاً ... فَهَذَا الأوان قرؤها وطهورها) (من الْعدْل أَن يجتابها مستحقُّها ... ويخلعها مَرْدُودَة مستعيرها) (إِذا ملك الْحَسْنَاء من لَيْسَ كفأها ... أَشَارَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاق مشيرها) وَله يشكو طَبِيبا (وأصل بليتي من قد غزاني ... من السَّقَم الملحّ بعسكرين) (طَبِيب طبُّه كغراب بَين ... يفرق بَين عافيتي وبيني)

стр. 427

(أَتَى الْحمى وَقد شاخت وباخت ... فَرد لَهَا الشَّبَاب بنسختين) (ودبرها بتدبير لطيف ... حَكَاهُ عَن سِنَان أَو حنين) (وَكَانَت نوبَة فِي كل يَوْم ... فصيّرها بحذق نوبتين) قلت الأبيات الرائية تمثل بهَا الجليس وَهِي لصردر قرأتها فِي ديوانه وَهِي من قصيدة مدح بهَا وَزِير الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد فَخر الدولة أَبَا نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جهير ويهنئه بعوده إِلَى الوزارة وَأول القصيدة (لجاجةُ قلب مَا يفِيق غرورها ... وحاجة نفس لَيْسَ يُقضي يسيرها) وَهِي طَوِيلَة يَقُول فِيهَا متغزلا (وقفنا صُفُوفا فِي الديار كَأَنَّهَا ... صَحَائِف ملقاة وَنحن سطورها) (يَقُول خليلي والظباء سوانح ... أهذي الَّتِي تهوى فَقلت نظيرها) (وَقد قلتما لي لَيْسَ فِي الأَرْض جنَّة ... أما هَذِه فَوق الركائب حورها)

стр. 428

(أراكَ الحْمى قل لي بِأَيّ وَسِيلَة ... وصلت إِلَى أَن صادقتك ثغورها) (وَمَا لي بهَا علم فَهَل أَنْت عَالم ... أأفواهها أولى بهَا أم نحورها) (على رسلكُمْ فِي الهجر إنَّا عِصَابَة ... إِذا ظَفرت فِي الْحبّ عف ضميرها) وَيَقُول فِي مديحها (فَقل لليالي كَيفَ شِئْت تقلبَّي ... فَفِي يَد عبل الساعدين أمورها) (أمانيُّ فِي نفس الوزارة بُلِّغت ... بِهِ كنهها حَتَّى اسْتحقَّت نذورها) (لوَتْ وَجههَا عَن كل طَالب مُتْعَة ... إِلَى خاطبٍ حلُّ عَلَيْهِ سفورها) (إِذا مثل الأقوام دون عرينه ... تساوى بِهِ ذُو طيشها ووقورها) (تكَاد لما قد أُلبسْت من سكينَة ... ترف على تِلْكَ الرؤوس من طيورها) ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخمْس مئة فَفِيهَا عَاد أَسد الدّين إِلَى مصر تَاسِع ربيع الآخر وَقد كَانَ بعد رُجُوعه من مصر لَا يزَال يحدث نَفسه بقصدها ومعاودتها حَرِيصًا على الدُّخُول إِلَيْهَا يتحدث بِهِ مَعَ كل من يَثِق إِلَيْهِ وَكَانَ مِمَّا يهيجه على الْعود زِيَادَة حقده على شاور وَمَا عمل مَعَه فَلَمَّا كَانَ هَذِه السّنة تجهز وَسَار إِلَيْهَا وسير نور الدّين مَعَه جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَابْن أَخِيه صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَفِي ذَلِك يَقُول العرقلة (أَقُول والأتراك قد ازمعت ... مصرَ إِلَى حَرْب الأعاريب)

стр. 429

(رب كَمَا ملكتها يُوسُف الصّديق ... من أَوْلَاد يَعْقُوب) (ملكهَا فِي عصرنا يُوسُف الصَّادِق ... من أَوْلَاد أَيُّوب) (من لم يزل ضرّاب هام العدى ... حَقًا وضرّاب العراقيب) ثمَّ إِن أَسد الدّين جدَ فِي السّير على البرّ وَترك بِلَاد الإفرنج عَن يَمِينه فوصل إِلَى الديار المصرية وَقصد إطفيح وَعبر النّيل عِنْدهَا إِلَى الْجَانِب الغربي وَنزل بالجيزة مُقَابل مصر وَتصرف فِي الْبِلَاد الغريبة وَأقَام بهَا نيفاً وَخمسين يَوْمًا وَكَانَ شاور لما بلغه مَجِيء أَسد الدّين قد راسل الفرنج يستغيث بهم ويستصرخهم فَأتوهُ على الصعب والذلول فَتَارَة يحثهم طمعهم فِي ملك مصر على الْجد والتشمير وَتارَة يحدوهم خوفهم من أَن يملكهَا الْعَسْكَر النُّوري على الْإِسْرَاع فِي الْمسير فالرجاء يقودهم وَالْخَوْف يسوقهم فَلَمَّا وصلوا إِلَى مصر عبروا إِلَى الْجَانِب الغربي وَكَانَ أَسد الدّين والعسكر النُّوري قد سَارُوا إِلَى الصَّعِيد فبلغوا مَكَانا يعرف بالبابين وسارت العساكر المصرية والفرنج وَرَاءَهُمْ فأدركوهم بِهِ فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من جمادي الأولى وَكَانَ قد أرسل إِلَيْهِم جواسيس فعادوا وَأَخْبرُوهُ بِكَثْرَة عَددهمْ وعددُهم وجدهم فِي طلبه فعزم على لقائهم وقتالهم وَأَن تحكم السيوف بَينه وَبينهمْ إِلَّا أَنه خَافَ من أَصْحَابه أَن تضعف نُفُوسهم عَن

стр. 430

الثَّبَات فِي هَذَا الْمقَام الْخطر الَّذِي عطبهم فِيهِ أقرب من السَّلامَة لقلَّة عَددهمْ وبعدهم عَن بِلَادهمْ فاستشارهم فكلهم أَشَارَ عَلَيْهِ بعبور النّيل إِلَى الْجَانِب الشَّرْقِي وَالْعود إِلَى الشَّام وَقَالُوا لَهُ إِن نَحن انهزمنا وَهُوَ الَّذِي لَا شكّ فِيهِ فَإلَى أَيْن نلتجئ وبمن نحتمي وكل من فِي هَذِه الديار من جندي وعامي وفلاح عدوُّ لنا ويودون لَو شربوا دماءنا وَحقّ لعسكر عدتهمْ ألفا فَارس قد بعدُوا عَن دِيَارهمْ ونأى ناصرهم أَن يرتاع من لِقَاء عشرات أُلُوف مَعَ أَن كل أهل الْبِلَاد عَدو لَهُم فَلَمَّا قَالُوا ذَلِك قَامَ إِنْسَان من المماليك النُّورية يُقَال لَهُ شرف الدّين بزغش وَكَانَ من الشجَاعَة بِالْمَكَانِ الْمَشْهُور وَقَالَ من يخَاف الْقَتْل والجراح والأسر فَلَا يخْدم الْمُلُوك بل يكون فلاحاً أَو مَعَ النِّسَاء فِي بَيته وَالله لَئِن عدتم إِلَى الْملك الْعَادِل من غير غَلَبَة وبلاء تعُذرون فِيهِ ليأخذن إقطاعاتكم وليعودنَّ عَلَيْكُم بِجَمِيعِ مَا أخذتموه إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَيَقُول لكم أتأخذون أَمْوَال الْمُسلمين وتفرون عَن عدوهم وتسلمون مثل هَذِه الديار المصرية يتَصَرَّف فِيهَا الْكفَّار قَالَ أَسد الدّين هَذَا رَأْيِي وَبِه أعمل وَوَافَقَهُمَا صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ثمَّ كثر الموافقون لَهُم على الْقِتَال فاجتمعت الْكَلِمَة على اللِّقَاء فَأَقَامَ بمكانه حَتَّى أدْركهُ المصريون والفرنج وَهُوَ على تعبئة وَقد

стр. 431

جعل الأثقال فِي الْقلب يتكثر بهَا وَلِأَنَّهُ لم يُمكنهُ أَن يَتْرُكهَا بمَكَان آخر فينهبها أهل الْبِلَاد ثمَّ إِنَّه جعل صَلَاح الدّين ابْن أَخِيه فِي الْقلب وَقَالَ لَهُ وَلمن مَعَه إِن الفرنج والمصريين يظنون أنني فِي الْقلب فهم يجْعَلُونَ جمرتهم بإزائه وحملتهم عَلَيْهِ فَإِذا حملُوا عَلَيْكُم فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ الْقِتَال وَلَا تهلكوا نفوسكم واندفعوا بَين أَيْديهم فَإِذا عَادوا عَنْكُم فَارْجِعُوا فِي أَعْقَابهم وَاخْتَارَ من شجعان أَصْحَابه جمعا يَثِق إِلَيْهِم وَيعرف صبرهم وشجاعتهم ووقف بهم فِي الميمنة فَلَمَّا تقَابل الطائفتان فعل الفرنج مَا ذكره أَسد الدّين وحملوا على الْقلب ظنا مِنْهُم أَنه فِيهِ فَقَاتلهُمْ من بِهِ قتالا يَسِيرا ثمَّ انْهَزمُوا بَين أَيْديهم فتبعوهم فَحمل حِينَئِذٍ أَسد الدّين فِيمَن مَعَه على من تخلف من الفرنج الَّذين حملُوا على الْقلب من الْمُسلمين والفرنج فَهَزَمَهُمْ وَوضع السَّيْف فيهم فأثخن وَأكْثر الْقَتْل والأسر وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ فَلَمَّا عَاد الفرنج من أثر المنهزمين الَّذين كَانُوا فِي الْقلب رَأَوْا مَكَان المعركة من أَصْحَابهم بلقعاً لَيْسَ بهَا مِنْهُم ديار فَانْهَزَمُوا أَيْضا وَكَانَ هَذَا من أعجب مَا يؤرخ أَن ألفي فَارس تهزم عَسَاكِر مصر وفرنج السَّاحِل ثمَّ سَار أَسد الدّين إِلَى ثغر الْإسْكَنْدَريَّة وجبى مَا فِي طريقها من القرايا والسواد من الْأَمْوَال وَوصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فتسلمها من غير قتال سلمهَا أَهلهَا إِلَيْهِ فاستناب بهَا صَلَاح الدّين ابْن أَخِيه وَعَاد إِلَى الصَّعِيد وتملكه وجبى أَمْوَاله وَأقَام بِهِ حَتَّى صَامَ رَمَضَان

стр. 432

وَأما المصريون والفرنج فَإِنَّهُم عَادوا إِلَى الْقَاهِرَة وجمعوا أَصْحَابهم وَأَقَامُوا عوض من قتل مِنْهُم واستكثروا وحشدوا وَسَارُوا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَبهَا صَلَاح الدّين فِي عَسْكَر يمنعونها مِنْهُم وَقد أعانهم أَهلهَا خوفًا من الفرنج فَاشْتَدَّ الْحصار وَقل الطَّعَام بِالْبَلَدِ فَصَبر أَهله على ذَلِك ثمَّ إِن أَسد الدّين سَار من الصَّعِيد نحوهم وَكَانَ شاور قد أفسد بعض من مَعَه من التركمان وَوَصله رسل المصريين والفرنج يطْلبُونَ الصُّلْح وبذلوا لَهُ خمسين ألف دِينَار سوى مَا أَخذه من الْبِلَاد فأجابهم إِلَى ذَلِك وَشرط أَن الفرنج لَا يُقِيمُونَ بِمصْر وَلَا يتسلمون مِنْهَا قَرْيَة وَاحِدَة وَأَن الْإسْكَنْدَريَّة تُعَاد إِلَى المصريين فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِك واصطلحوا وَعَاد إِلَى الشَّام فوصل دمشق ثامن عشر ذِي الْقعدَة وتسلم المصريون الْإسْكَنْدَريَّة فِي النّصْف من شَوَّال وَأما الفرنج فَإِنَّهُم اسْتَقر بَينهم وَبَين المصريين أَن يكون لَهُم بِالْقَاهِرَةِ شحنة وَتَكون أَبْوَابهَا بيد فرسانهم ليمتنع الْملك الْعَادِل من إِنْفَاذ عَسْكَر إِلَيْهِم وَيكون للفرنج من دخل مصر كل سنة مئة ألف دِينَار هَذَا كُله يجْرِي بَين الفرنج وشاور وَأما العاضد صَاحب مصر فَلَيْسَ إِلَيْهِ من الْأَمر شَيْء وَلَا يعلم بِشَيْء من ذَلِك قد حكم عَلَيْهِ شاور وحجبه وَعَاد الفرنج إِلَى بِلَادهمْ وَتركُوا جمَاعَة من فرسانهم ومشاهير أعيانهم بِمصْر والقاهرة على الْقَاعِدَة الْمَذْكُورَة ثمَّ إِن الْكَامِل شُجَاع بن شاور راسل نور الدّين مَعَ شهَاب الدّين مَحْمُود الحارمي وَهُوَ من أكَابِر أُمَرَاء الْملك الْعَادِل وَهُوَ خَال صَلَاح الدّين يُوسُف ينْهَى محبته وولاءه ويسأله أَن يَأْمر بإصلاح الْحَال وَجمع

стр. 433

الْكَلِمَة بِمصْر على من طَاعَته وبجمع كلمة الْإِسْلَام وبذل مَالا يحملهُ كل سنة فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وحملوا إِلَى نور الدّين مَالا جزيلا فَبَقيَ الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن قصد الفرنج مصر لتملكها فَكَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي أَخْبَار سنة أَربع وَسِتِّينَ قَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن ذكر عود أَسد الدّين إِلَى مصر فِي الْمرة الثَّانِيَة وَهِي الْمَعْرُوفَة بوقعة البابيْن لم يزل أَسد الدّين يتحدث بذلك بَين النَّاس حَتَّى بلغ شاور ذَلِك وداخله الْخَوْف على الْبِلَاد من الأتراك وَعلم أَن أَسد الدّين قد طمع فِي الْبِلَاد وَأَنه لَا بُد لَهُ من قَصدهَا فكاتب الفرنج وَقرر مَعَهم أَنهم يجيئون إِلَى الْبِلَاد ويمكنونه فِيهَا تمكيناً كلياً ويعينونه على استئصال أعدائه بِحَيْثُ يسْتَقرّ قدمه فِيهَا وَبلغ ذَلِك نور الدّين وَأسد الدّين فَاشْتَدَّ خوفهما على مصر أَن يملكهَا الْكفَّار فيستولوا على الْبِلَاد كلهَا فتجهز أَسد الدّين وأنفذ نور الدّين مَعَه الْعَسْكَر وألزم صَلَاح الدّين ﵀ بِالْمَسِيرِ مَعَه على كَرَاهِيَة مِنْهُ لذَلِك وَذَلِكَ فِي اثناء ربيع الأول وَكَانَ وصولهم إِلَى الْبِلَاد المصرية مُقَارنًا لوصول الفرنج إِلَيْهَا وَاتفقَ شاور مَعَ الفرنج على أَسد الدّين والمصريون بأسرهم وَجرى بَينهم حروب كَثِيرَة ووقعات شَدِيدَة وانفصل الفرنج عَن الديار المصرية وانفصل أَسد الدّين وَكَانَ سَبَب عود الفرنج أَن نور الدّين قدس الله روحه جرد العساكر إِلَى بِلَاد الإفرنج وَأخذ المنيطرة وَعلم الفرنج ذَلِك فخافوا على بِلَادهمْ وعادوا وَكَانَ سَبَب عود أَسد الدّين ضعف عسكره بِسَبَب مواقعة الفرنج

стр. 434

والمصريين وَمَا عانوه من الشدائد وعاينوه من الْأَهْوَال وَمَا عَاد حَتَّى صَالح الفرنج على أَن ينصرفوا كلهم عَن مصر وَعَاد إِلَى الشَّام فِي بَقِيَّة السّنة وَقد انْضَمَّ إِلَى قُوَّة الطمع فِي الْبِلَاد شدَّة الْخَوْف عَلَيْهَا من الفرنج لعلمه بِأَنَّهُم قد كشفوها كَمَا كشفها وعرفوها من الْوَجْه الَّذِي عرفهَا فَأَقَامَ بِالشَّام على مضض وَقَلبه مقلقل وَالْقَضَاء يجره إِلَى شَيْء قد قدر لغيره وَهُوَ لَا يشْعر بذلك قَالَ وَفِي اثناء سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ ملك نور الدّين قلعة المنيطرة بعد مسير أَسد الدّين فِي رَجَب وَخرب قلعة اكاف بالبرية وَفِي رَمَضَان مِنْهَا اجْتمع نور الدّين وَأَخُوهُ قطب الدّين وزين الدّين بحماة للغزاة وَسَارُوا إِلَى بِلَاد الفرنج فخربوا هُونين فِي شَوَّال مِنْهَا وَفِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا كَانَ عود أَسد الدّين من مصر وَفِيه مَاتَ قرا أرسلان بديار بكر فصل وَفِي شعْبَان من هَذِه السّنة قدم دمشق عماد الدّين الْكَاتِب ابو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد الاصفهاني مُصَنف كتابي الْفَتْح والبرق فأنزله قَاضِي

стр. 435

الْقُضَاة كَمَال الدّين ابو الْفضل مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم الشهرزوري بِالْمَدْرَسَةِ النورية الشَّافِعِيَّة عِنْد حمام الْقصير بِبَاب الْفرج المنسوبة الان الى الْعِمَاد وانما نسبت اليه لَان نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى ولاه إِيَّاهَا فِي رَجَب سنة سبع وَسِتِّينَ بعد الشَّيْخ الْفَقِيه ابْن عبد وَكَانَ الْعِمَاد لَهُ معرفَة بِنَجْم الدّين ايوب واسد الدّين شيركوه ابْني شاذي من تكريت بِسَبَب ان عَمه الْعَزِيز احْمَد بن حَامِد اعتقله السُّلْطَان مَحْمُود بن مُحَمَّد بن ملكشاه بقلعة تكريت وَنجم الدّين ايوب اذ ذَاك واليها فانتسجت الْمَوَدَّة بَينهم من هُنَاكَ فَلَمَّا سمع نجم الدّين بوصوله بكر الى منزله لتبجيله وَكَانَ شيركوه وَصَلَاح الدّين حِينَئِذٍ بِمصْر فمدح الْعِمَاد نجم الدّين ايوب بقصيدة مِنْهَا اولها (يَوْم النَّوَى لَيْسَ من عمري بمحسوب ... وَلَا الْفِرَاق الى عيشي بمنسوب)

стр. 436

(مَا اخْتَرْت بعْدك لَكِن الزَّمَان اتى ... كرها بِمَا لَيْسَ يَا مَحْبُوب محبوبي) (ارجو ايابي اليكم ظافراً عجلا ... فقد ظَفرت بِنَجْم الدّين ايوب) (موفق الرَّأْي ماضي الْعَزْم مُرْتَفع ... على الاعاجم مجداً والاعاريب) (احبك الله اذ لازمت نجدته ... على جبين بتاج الْملك معصوب) (اخوك وابنك صدقا مِنْهُمَا اعتصما ... بِاللَّه والنصر وعد غير مَكْذُوب) (هما همامان فِي يومي وغى وقرى ... تعودا ضرب هام أَو عراقيب) (غَدا يشبان فِي الْكفَّار نَار وغى ... بلفحها يصبح الشبَّان كالشيب) (بِملك مصر وَنصر الْمُؤمنِينَ غَدا ... تحظى النُّفُوس بتأنيس وتطييب) (ويستقر بِمصْر يُوسُف وَبِه ... تقر بعد التنائي عين يَعْقُوب) (ويلتقي يُوسُف فِيهَا بأخوته ... وَالله يجمعهُمْ من غير تَثْرِيب) وَكَانَ انشاده هَذِه القصيدة فِي اخر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَتمّ ملكهم مصر بعد سنتَيْن قَالَ فنظمت مَا فِي الْغَيْب تَقْدِيره قَالَ وَكَانَ اسد الدّين قد جمع وَسَار الى مصر فِي الرمل فِي النّصْف من ربيع الاول وَوصل فِي سادس ربيع الاخر الى اطفيح وَعبر مِنْهَا الى الْجَانِب الغربي واناخ بالجيزة محاذاة مصر فَأَقَامَ عَلَيْهَا نيفاً وَخمسين يَوْمًا واستعان شاور بالفرنج ورتبوا لَهُم سوقاً بِالْقَاهِرَةِ وعبروا بهم من الْبِلَاد

стр. 437

الشرقية الى الغرب وَعلم اسد الدّين فَسَار امامهم فَالْتَقوا بِموضع يعرف بالبابين فكسرهم اسد الدّين واصحابه وَقتلُوا من الفرنج وَمِمَّنْ تَبِعَهُمْ من المصريين الوفا وَحصل مِنْهُم فِي الاسار سَبْعُونَ فَارِسًا من بارونيتهم فَلَمَّا تمت لَهُم هَذِه الكسرة رحلوا الْإسْكَنْدَريَّة فوجدوا مساعدة أَهلهَا فَدَخَلُوهَا ثمَّ قَالَ أَسد الدّين أَنا لَا يمكنني أَن أحْصر نَفسِي فَأخذ الْعَسْكَر وَسَار بِهِ إِلَى بِلَاد الصَّعِيد فاستولى عَلَيْهَا وجبى خراجها وَأقَام صَلَاح الدّين بالإسكندرية فَسَار إِلَيْهِ شاور والفرنج فحاصروه أَرْبَعَة أشهر وَصدق أهل الْإسْكَنْدَريَّة الْقِتَال مَعَ صَلَاح الدّين وقوى أَسد الدّين بقوص واستنهض لقصد الْقَوْم الْعُمُوم وَالْخُصُوص فَسمع الفرنج أَنه جَاءَ يقصدهم فرحلوا عَن الْحصار وَكَانَ شاور قد استمال جمَاعَة من التركمان الَّذين مَعَ أَسد الدّين بِالذَّهَب فَلَمَّا راسلوه فِي المهادنة أجَاب وَطلب مِنْهُم عوض مَا غرمه فبذلوا لَهُ خمسين ألف دِينَار فَخَرجُوا من الْإسْكَنْدَريَّة فِي النّصْف من شَوَّال ووصلوا إِلَى دمشق ثامن عشر ذِي الْقعدَة وعادوا إِلَى الْخدمَة النورية فَاجْتمع الْعِمَاد بأسد الدّين وأنشده هَذِه القصيدة (بلغت بالجد مَالا يبلغ الْبشر ... ونلت مَا عجزت من نيله القُدر) (من يَهْتَدِي للَّذي أَنْت اهتديت لَهُ ... وَمن لَهُ مثل مَا أثرّته أثر) (أسرِت أم بِسُراك الأرضُ قد طويت ... فَأَنت إسكندرٌ فِي السّير أم خَضِر) (أوردت خيلا بأقصى النّيل صادرةً ... عَن الْفُرَات يقاضي وِرْدَها الصَّدَر) (تناقلت ذكرك الدُّنْيَا فَلَيْسَ لَهَا ... إِلَّا حَدِيثك مَا بَين الورى سمر)

стр. 438

(فَأَنت من زانت الْإِسْلَام سيرته ... وَزَاد فَوق الَّذِي جَاءَ بِهِ السيِّر) (لَو فِي زمَان رَسُول الله كنت أَتَت ... فِي هَذِه السِّيرَة المحمودة السُّور) (أَصبَحت بِالْعَدْلِ والإقدام مُنْفَردا ... فَقل لنا أعليٌّ أَنْت أم عمر) (إسكندرٌ ذكرُوا أَخْبَار حكمته ... وَنحن فِيك رَأينَا كل مَا ذكرُوا) (ورُسْتُمٌ خبرونا عَن شجاعته ... وَصَارَ فِيك عيَانًا ذَلِك الْخَبَر) (اِفخر فَإِن مُلُوك الأَرْض أذهلهم ... مَا قد فعلت فَكل فِيك مفتكر) (سهرت إِذْ رقدوا بل هجت إِذْ سكنوا ... وصُلت إِذْ جبنوا بل طُلت إِذْ قُصروا) (يستعظمون الَّذِي أَدْرَكته عجبا ... وَذَاكَ فِي جنب مَا نرجوه محتقر) (قضى الْقَضَاء بِمَا نرجوه عَن كثب ... حتما ووافقك التَّوْفِيق وَالْقدر) (شكت خيولك إدمان السرى وَشَكتْ ... من فَلِّها البيضُ بل من حَطْمها السُّمر) (يسرت فتح بِلَاد كَانَ أيسرها ... لغير رَأْيك قفلاً فَتحه عسر) (قرنت بالحزم مِنْك الْعَزْم فاتسقت ... مَا رب لَك عَنْهَا أَسْفر السّفر) (وَمن يكون بِنور الدّين مهتديا ... فِي امْرَهْ كَيفَ لَا يقوى لَهُ المرر) (يرى بِرَأْيِك مَا فِي الْملك يبرمه ... فَأَنت مِنْهُ بِحَيْثُ السّمع والبَصر) (لقد بَغت فئةُ الإفرنج فانتصفت ... مِنْهَا بإقدامك الْهِنْدِيَّة البتر) (غرست فِي أَرض مصرٍ من جسومهمُ ... أَشجَار خطّ لَهَا من هامهم ثَمَر) (وسال بَحر نجيع فِي مقَام وغي ... بِهِ الْحَدِيد غمامٌ وَالدَّم الْمَطَر) (أنهرت مِنْهُم دِمَاء بالصعيد جرى ... مِنْهَا إِلَى النّيل فِي واديهمُ نهر)

стр. 439

(رَأَوْا إِلَيْك عبور النّيل إِذْ عدموا ... نصرا فَمَا عبروا حَتَّى قد اعتبروا) (تَحت الصوارم هامُ الْمُشْركين كَمَا ... تَحت الصوالج يَوْمًا خفتّ الأكر) (أفنت سيوفك من لاقت فَإِن تركت ... قوما فهم نفر من قبلهَا نفروا) (لم ينج إِلَّا الَّذِي عافته من خبث ... وَحش الفلا وَهُوَ للمحذور منتظر) (والساكنون الْقُصُور القاهرية قد ... نَادَى القصورُ عَلَيْهِم أَنهم قُهروا) (وشاورٌ شاوره فِي مكايدهم ... فكاده الكيد لما خانه الحذر) (كَانُوا من الرعب موتى فِي جُلُودهمْ ... وَحين أمنتهم من خوفهم نُشروا) (وَإِن من شيركوه الشّرك منخزلٌ ... والكفرَ منخذل وَالدّين منتصر) (عوِّل على فئةٍ عِنْد اللِّقَاء وفت ... وعدِّ عَن تركمان قبله غدروا) (وَكَيف يُخذل جَيش أَنْت مَالِكه ... والقائدان لَهُ التأييد وَالظفر) (أجَاب فِيك إِلَه الْخلق دَعْوَة من ... يطيب بِاللَّيْلِ من أنفاسه السحر) قَالَ الْعِمَاد واتصلت بيني وَبَين صَلَاح الدّين ابْن أَخِيه مَوَدَّة تمت لي بهَا على الزَّمَان عُدة وَلم يزل يستهديني نظمي ونثري ويشعرني أَنه يمِيل إِلَى شعري فَأول مَا خدمته بِهِ هَذِه الْكَلِمَة (كَيفَ قُلْتُمْ بمقلتيه فتور ... وأراها بِلَا فتور تجور) وَمِنْهَا

стр. 440

(مستجيز جوري وَإِنِّي مِنْهُ ... يَا ابْن أَيُّوب يُوسُف مستجير) (فَضله فِي يَد الزَّمَان سوار ... مِثْلَمَا رَأْيه على الْملك سور) (كرمٌ سابغ وجودٌ عميم ... وندىً سَائِغ وَفضل غزير) (أَنْت من لم يزل يحن إِلَيْهِ ... وَهُوَ فِي المهد سَرْجه والسرير) (من دم الغادرين غادرت بالْأَمْس ... صَعِيد الصَّعِيد وَهُوَ غَدِير) (وَلكُل لما تطاولت فيهم ... أمل قَاصِر وَعمر قصير) (لَاذَ بالنيل شاور مثل فِرْعَوْن ... فذل اللاجيّ وَعز العُبور) (شَارك الْمُشْركين بغياُ وقدماً ... شاركتها قريظةٌ وَالنضير) (وَالَّذِي يدعى الإمامةَ بِالْقَاهِرَةِ ... ارتاع أَنه مقهور) (وَغدا الْمَلْك خَائفًا من سُطاكم ... ذَا ارتعاد كَأَنَّهُ مقرور) (وَبَنُو الهنفري هانوا فَفرُّوا ... وَمن الْأسد كلُّ كلب فرور) (إِنَّمَا كَانَ للكلاب عواء ... حَيْثُ مَا كَانَ للأسود زئير) (وفليب عِنْد الْفِرَار سليب ... فَهُوَ بِالرُّعْبِ مُطلق مأسور) (لم يبقوا سوى الأصاغر للسبي ... فودوا أَن الْكَبِير صَغِير) (وحميت الْإسْكَنْدَريَّة عَنْهُم ... ورحى حربهم عَلَيْهِم تَدور) (حاصروها وَمَا الَّذِي بَان من ذبك ... عَنْهَا وحفظها مَحْصُور) (كحصار الْأَحْزَاب طيبَة قدماً ... ونبيُّ الْهدى بهَا مَنْصُور) (فاشكر الله حِين أولاك نصرا ... فَهُوَ نعم الْمولى وَنعم النصير) (وَلكم أرجف الأعادي فَقُلْنَا ... مَا لما تذكرونه تَأْثِير) (ورقبنا كالعيد عودك فاليوم ... بِهِ للأنام عيد كَبِير)

стр. 441

(عَاد من مصر يُوسُف وَإِلَى يَعْقُوب ... بالتهنئات جَاءَ البشير) (فلأيوب من إياب صَلَاح الدّين ... يَوْم بِهِ توفيَّ النذور) (وَلكم عودة إِلَى مصر بالنصر ... على ذكرهَا تمر العصور) (فاستردوا حق الْإِمَامَة مِمَّن ... خَان فِيهَا فَإِنَّهُ مستعير) (وافترعها بكرا لَهَا أَبَد الدَّهْر ... رواح فِي مدحكم وبكور) (أَنا سيرت طالع الْعَزْم مني ... وَإِلَى قصدك انْتهى التسيير) (وَأرى خاطري لمدحك إلفاً ... إِنَّمَا يألف الخطير الخطير) وَهِي وَالَّتِي قبلهَا طويلتان جدا فانتظمت معرفَة الْعِمَاد بصلاح الدّين وَكَانَ لَهُ مساعداً عِنْد نور الدّين وقرأت فِي ديوَان العرقلة وَقَالَ يمدح أَسد الدّين شيركوه وَقد أَخذ الشقيف ورحل طَالبا حصنا يُقَال لَهُ الْعرَاق (رحلت من الشقيف إِلَى الْعرَاق ... بعزم كالمهندة الرقَاق) (ونكست الأعادي مِنْهُ قهرا ... ومجدك فِي ذرا الجوزاء راق) (بجأشك لَا بجيشك نلْت هَذَا ... وبالتوفيق لَا بالإتفاق) (فداؤك من مضى بالحصن قبلي ... إِلَى دَار الخلود من الرفاق) (وَمَا نخشى على الْإِسْلَام بؤساً ... إِذا هلك الْجَمِيع وَأَنت بَاقِي) (أشاور كم تُشاور كل خب ... وتنفق عِنْد مثلك بالنفاق)

стр. 442

(أتصبر إِن أتتك بحار خيل ... وقدماً مَا صبرت على السواقي) (مَتى رفعت لَك السودَان رَأْسا ... وَقد خلاهم مثل الزقاق) (وعيشك مَا لَهُ من مصر بُد ... وَمن عِنْدِي ثَلَاثًا بِالطَّلَاق) (هُوَ الْأسد الَّذِي مَا زَالَ حَتَّى ... بنى مجداً على السَّبع الطباق) فصل قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي هَذِه السّنة أرسل نور الدّين إِلَى أَخِيه قطب الدّين يطْلب أَن يعبر الْفُرَات إِلَيْهِ بعساكره فتجهز وَسَار هُوَ وزين الدّين فِي العساكر الْكَثِيرَة فَاجْتمعُوا بِنور الدّين على حمص فَدخل بالعساكر الإسلامية بِلَاد الفرنج واجتاز على حصن الأكراد فَأَغَارُوا ونهبوا وأسروا وقصدوا عرقة ونزلوا عَلَيْهَا وحاصروها وحصروا جَبَلَة وأخربوها وتوجهت عَسَاكِر الْمُسلمين يَمِينا وَشمَالًا تغير وتخرب الْبِلَاد وَفتح العَرِيمة وصافيثا وَعَاد إِلَى حمص فصَام بهَا شهر رَمَضَان ثمَّ سَار إِلَى بانياس وَقصد قلعة هُونين وَهِي للفرنج ايضاً من قلاعهم المنيعة فَانْهَزَمَ الفرنج عَنْهَا وأحرقوها فقصدها نور الدّين فوصلها من الْغَد وَخرب سورها جَمِيعه وَأَرَادَ الدُّخُول إِلَى بيروت فتجدد فِي الْعَسْكَر خُلف أوجب التَّفَرُّق فَعَاد وَسَار قطب الدّين إِلَى الْموصل وأقطعه مَدِينَة الرقة فَأَخذهَا فِي طَرِيقه قَالَ وَفِي هَذِه السّنة عصى الْأَمِير غَازِي بن حسان المنبجي صَاحب مَنْبِج على نور الدّين وَهُوَ كَانَ أقطعه إِيَّاهَا فَأرْسل إِلَيْهِ نور الدّين عسكرا

стр. 443

حصروه بهَا وَأَخذهَا مِنْهُ وأقطعها أَخَاهُ قطب الدّين ينَال بن حسان وَكَانَ عَاقِلا خيرا حسن السِّيرَة فبقى بهَا إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُ صَلَاح الدّين سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين كَمَا سَيَأْتِي وَفِي هَذِه السّنة توفّي القَاضِي الرشيد أَحْمد بن عَليّ بن الزبير صَاحب كتاب الْجنان قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة كَانَ ذَا علم غزير وَفضل كثير قَتله شاورَ صبرا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَنسب إِلَيْهِ أَنه شَارك أَسد الدّين شيركوه فِي قَصده وَأَخُوهُ الْمُهَذّب أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن عَليّ بن الزبير أشعر مِنْهُ وَتُوفِّي قبله بِسنة وَلم يكن فِي زَمَانه أشعر مِنْهُ أحد وَله شعر كثير مِنْهُ قصيدة غراء فِي مدح الصَّالح بن رزيك وَذكر فِيهَا نور الدّين أَولهَا

стр. 444

(أعلمت حِين تجَاوز الْحَيَّانِ ... أَن الْقُلُوب مواقد النيرَان) (يَا كاسر الْأَصْنَام قُم فانهض بِنَا ... حَتَّى تصير مكسِّر الصلبان) (فالشام ملكك قد ورثت بِلَاده ... عَن قَوْمك الماضين من غَسَّان) (وَإِذا شَككت بِأَنَّهَا أوطانهم ... قدما فسل عَن حَارِث الجولان) (أَو رمت أَن تتلوا محَاسِن ذكرهم ... فاسند رِوَايَتهَا إِلَى حسان) (مَا زلزلت أَرض العدى بل ذَاك مَا ... بقلوب أهليها من الخفقان) (وَأَقُول إِن حصونهم سجدت لما ... أُوتيت من ملك وَمن سُلْطَان) (وَلَقَد بعثت إِلَى الفرنج كتائباً ... كالأسد حِين تصول فِي خّفَّان) (لبسوا الدروع وَلم نخل مِنْ قبلهم ... أَن الْبحار تحل فِي غُدران) (عجلت فِي تل العَجُول قراهم ... وهم لَك الضيفان بالذِّيفان) (وثللت فِي يَوْم الْعَريش عروشهم ... بشبا ضراب صَادِق وطعان) (ألجأتهم للبحر لما أَن جرى ... مِنْهُ وَمن دمهم مَعًا بحران) (وَلَقَد أَتَى الأسطول حِين غزا بِمَا ... لم يَأْتِ فِي حِين من الأحيان) (وأعدت رُسل ابْن القسيم إِلَيْهِ فِي ... شعْبَان كي يتلاءم الشَّعبان) (والفال يشْهد فِي اسْمه أَن سَوف يَغْدُو ... الشَّام وَهُوَ عَلَيْكُمَا قِسْمَانِ) (ورآك من بعد الشَّهِيد أَبَا لَهُ ... وَجَعَلته من أقرب الإخوان)

стр. 445

(وَهُوَ الَّذِي مَا زَالَ يفعل فِي العدى ... مَا لم يكن لِيُعَدَّ فِي الْإِمْكَان) (قتل الْبُرْنُس وَمن عساه أَعَانَهُ ... لما عسا فِي الْبَغي والعدوان) (وَأرى الْبَريَّة حِين عَاد بِرَأْسِهِ ... مُرَّ الجنى يَبْدُو على المران) (وتعجبوا من زرقة فِي طرفه ... وَكَأن فَوق الرمْح نصلاً ثَانِي) (عجبا لجود يَدَيْهِ إِذْ يَبْنِي الْعلَا ... والسيل يهدم ثَابت الْأَركان) (قلدت أَعْنَاق الْبَريَّة كلهَا ... منناً تحمل ثقلهَا الثَّقَلَان) (حَتَّى تساوى النَّاس فِيك وَأصْبح القاصي ... بِمَنْزِلَة الْقَرِيب الداني) وَفِي هَذِه السّنة ذكر القَاضِي كَمَال الدّين بن الشَّهْرَزَوْرِي للسُّلْطَان نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى حَال الْعِمَاد الْكَاتِب وعرفه بِهِ وَعرض عَلَيْهِ قصيدة لَهُ فِي مدحه مطْلعهَا (لَو حفظت يَوْم النَّوَى عهودها ... مَا مُطلت بوصلكم وعودها) وَمِنْهَا (وَإِنَّمَا يحمد عيشي بَلْدَة ... مَالِكهَا بعدله محمودها) (مؤيد أُمُوره بعزمة ... من السَّمَوَات الْعلَا تأييدها) (آثاره حميدة وَإِنَّمَا ... للمرء من آثاره حميدها) (إِن الورى بحبه وبغضه ... يعرف من شقيها سعيدها)

стр. 446

(قد جَاءَكُم نور من الله فَمن ... بِهِ اهْتَدَى فَإِنَّهُ رشيدها) (جلا ظلام الظُّلم نور الدّين عَن ... أَرض الشآم فَلهُ تحميدها) (إِن الرعايا مِنْهُ فِي رِعَايَة ... ونعمة مستوجب مزيدها) (لنومها يسهر بل لأمنها ... يخَاف بل لخصبها يجودها) (بِالدّينِ وَالْملك لَهُ قِيَامه ... وللملوك عَنْهُمَا قعودها) (ودأبه ثلم ثغور الْكفْر لَا ... لثم ثغور ناقع برودها) (قد أَسْبغ الله لنا بعدله ... ظلال أَمن وارف مديدها) (غَدا مُلُوك الرّوم فِي دولته ... وهم على رغمهم عبيدها) (لما أَبَت هاماتهم سجودها ... لله أضحى للظبي سجودها) (إِن فَارَقت سيوفه غمودها ... فَإِن هاماتهم غمودها) (كم مغلقات من حصون عزمه ... مفتاحها وسيفه إقليدها) (قد ودَّت الفرنج لَو فرَّت نجت ... مِنْك وَلَكِن روعها مبيدها) (قهرتها حَتَّى لودَّ حيُّها ... من ذلة لَو أَنه فقيدها) (أماتها رعبك فِي حصونها ... كَأَنَّمَا حصونها لحودها) (وَإِن مصرا لَك تعنوا بَعْدَمَا ... لسيفك العضب عَنَّا صعيدها) (وَالْملَّة الغراء خَال بالها ... عَال سناها بك حالٍ جيدها) (مفترة ثغورها مَمْنُوعَة ... ثغورها مَحْفُوظَة حُدُودهَا) (وَإِن بغى جالوتها ضَلَالَة ... فَأَنت فِي إهلاكه داودها) (يَا ابْن قسيم الدولة الْملك الَّذِي ... خرت لَهُ من الْمُلُوك صيدها) (دع العدى بغيظها فَإِنَّمَا ... تذيب أكباد العدى حقودها) (يَا دولة نورية أَمن الورى ... وخصبها وجودهَا وجودهَا)

стр. 447

(مَا مثل الدُّنْيَا لمن يجمعها ... بالحرص إِلَّا قَزَّة ودودها) (أَنْت الَّذِي ترفضها عَن قدرَة ... فَلَا يشوب زهده زهيدها) (فابق لنا يَا ملكا بَقَاؤُهُ ... فِي كل عَام للرعايا عيدها) (فِي نعْمَة جَدِيدَة سعودها ... ودولة سعيدة جدودها) وَهِي طَوِيلَة فرتبه نور الدّين فِي ديوانه منشئاً لاستقبال سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ قَالَ وَوجدت على الْأَيَّام مِنْهُ الإعزاز والتمكين قلت وَذَلِكَ بعد أَن استعفى أَبُو اليُسر شَاكر بن عبد الله من الْخدمَة فِي كِتَابَة الْإِنْشَاء وَقعد فِي بَيته كَذَا ذكر الْعِمَاد فِي الخريدة وَقَالَ تولى ديوَان الْإِنْشَاء بِالشَّام سِنِين كَثِيرَة وَله مَقَاصِد حَسَنَة فِي الْكتب وَهُوَ حميد السِّيرَة جميل السريرة وفيهَا توفّي الْحَافِظ أَبُو سعد عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ الْمروزِي رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 448

ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخمْس مئة فَذكر الْعِمَاد أَن نور الدّين رَحل إِلَى حمص ثمَّ مضى إِلَى حماة ثمَّ شتَّى بقلعة حلب وَمَعَهُ الْأسد والصّلاح وَنزل الْعِمَاد بمدرسة ابْن العجمي وَكتب إِلَى صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَقد عثر فرسه فِي الميدان وَهُوَ يلْعَب بالكرة مَعَ نور نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى (لَا تنكرن لسابح عثرت بِهِ ... قدم وَقد حمل الخضم الزاخرا) (ألْقى على السُّلْطَان طرِفك طرفه ... فهوى هُنَالك للسلام مبادرا) (سبق الرِّيَاح بجريه وكففته ... عَنْهَا فَلَيْسَ على خِلافك قَادِرًا) (ضعفت قواه إِذْ تذكر أَنه ... فِي السرج مِنْك يُقل ليثاً خادراً) (وَمَتى تطِيق الرّيح طوداً شامخاً ... أَو يَسْتَطِيع الْبَرْق جوناً ماطرا) (فاعذر سُقُوط الْبَرْق عِنْد مسيره ... فالبرق يسْقط حِين يخطف سائرا) (وأّقِلْ جوادك عَثْرَة ندرت لَهُ ... إِن الجوادَ لَمَن يُقيل العاثرا) (وتوقّ من عين الحسود وشرها ... لَا كَانَ ناظرها بِسوء نَاظرا) (واسلم لنُور الدّين سُلْطَان الورى ... فِي الحادثات معاضدا ومؤازرا) (وَإِذا صَلَاح الدّين دَامَ لأَهله ... لم يحذروا للدهر صَرفاً ضائرا)

стр. 449

وَجَرت بَين الْعِمَاد وَبَين الإِمَام شرف الدّين أبي سعد عبد الله بن أبي عصرون مكاتبات كتب إِلَيْهِ الْعِمَاد (أيا شرف الدّين إِن الشتا ... بكافاته كفّ آفاته) (وكفك من كرم كافها ... لقد كفلت لي بكافاته) (وَإنَّك مَن عرفه شكرنا ... غَدا عَاجِزا عَن مكافاته) قَالَ فَكتب إليَّ شرف الدّين فِي جوابها (إِذا مَا الشتَاء وأمطاره ... عَن الْخَيْر حابسة رادعه) (فكافاته السِّت أُعطيتها ... وحوشيتَ من كافه الرابعه) (وكف المهابة والإحتشام ... لكفِّيَ عَن بره مانعه) (وهمة كل كريم النِّجار ... بميسور أحبابه قانعه) (وَنَفْسِي فِي بسط عُذْري إِلَيْهِ ... جعلت الْفِدَاء لَهُ طامعه) (وشوقي إِلَى قربه زَائِد ... ومعذرتي إِن جَفا واسعه)

стр. 450

قَالَ فَكتبت إِلَيْهِ فِي جوابها (أيا من لَهُ همة فِي الْعلَا ... لذروتها أبدا فارعة) (وَمن كَفه دِيمَة مَا تزَال ... بِالْعرْفِ هامية هامعه) (وللفضل فِي سوق أفضاله ... بضائع نافقة نافعه) (وَهل كَابْن عَصْرون فِي عصرنا ... إِمَام أدلته قاطعه) (فحبر فَوَائده جمة ... وبحر موارده واسعه) (أيا شرف الدّين شرفتني ... بإهداء رائقة رائعه) (أَطَعْت أوامرك الساميات ... وَمَا برحتْ همتي طائعه) (أرى كل جارحة لي تودّ ... لَو أَنَّهَا أذن سامعه) (وَأما الشتَاء وكافاته ... وكفُّك عَن كافه الرابعه) (فنفسي منزهة بالعفاف ... عَنْهَا وَفِي غَيرهَا طامعه) (وماذا تُطيق إِذا لم تكن ... بميسور سيدنَا قانعه) وَهِي أَكثر من هَذَا قَالَ وَكَانَ ابْن حسان صَاحب منبج قد ساءت أَفعاله فَبعث إِلَيْهِ نور الدّين من حاصره وانتزعها مِنْهُ ثمَّ توجّه نور الدّين إِلَيْهَا لتهذيب

стр. 451

أحوالها ومدحه الْعِمَاد بقصيدة مِنْهَا (بشرَى الممالك فتح قلعة منبج ... فلْيَهْنِ هَذَا النَّصْر كل متوج) (أُعطيت هَذَا الْفَتْح مفتاحاً بِهِ ... فِي الْملك يفتح كل بَاب مرتج) (وافي يبشر بالفتوح وَرَاءه ... فانهض إِلَيْهَا بالجيوش وعرِّج) (أبشِر فبيت الْقُدس يَتْلُو منبجاً ... ولَمَنبج لسواه كالأنموذج) (مَا أعجزتك الشهب فِي أبراجها ... طلبا فَكيف خوارج فِي أبرُج) (ولقدرُ من يعصيك أَحْقَر أَن يرى ... أثر العبوس بِوَجْهِك المتبلج) (لَكِن تهذب من عصاك سياسة ... فِي ضمنهَا تَقْوِيم كل معوج) (فانهد إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس غازياً ... وعَلى طرابلسٍ ونابلسٍ عج) (قد سرت فِي الْإِسْلَام أحسن سيرة ... مأثورة وسلكت أوضح مَنْهَج) (وَجَمِيع مَا استقريت من سنَن الْهدى ... جددت مِنْهُ كل رسم مَنْهَج) قَالَ الْعِمَاد وَسَار نور الدّين من منبج إِلَى قلعة نجم وَعبر الْفُرَات إِلَى الرُّها وَكَانَ بهَا ينَال صَاحب مَنْبِج وَهُوَ سديد الرَّأْي رشيد الْمنْهَج فنقله إِلَيْهَا مٌقْطَعاً ووالياً وَأقَام نور الدّين بقلعة الرها

стр. 452

مُدَّة فمدحه الْعِمَاد بقصيدة وتحجَّب لَهُ صَلَاح الدّين فِي عرضهَا وَهِي (أدْركْت من أَمر الزَّمَان المشتهى ... وَبَلغت من نيل الْأَمَانِي الْمُنْتَهى) (وَبقيت فِي كنف السَّلامَة آمنا ... متكرماً بالطبع لَا متكرها) (لَا زلت نور الدّين فِي فلك الهُدى ... ذَا غرَّة للْعَالمين بهَا الْبها) (يَا محييَ الْعدْل الَّذِي فِي ظله ... مِن عَدْله رَعَت الأسودُ مَعَ المها) (مَحْمُود الْمَحْمُود من أَيَّامه ... لبهائها ضحك الزَّمَان وقهقها) (مولى الورى مولي الندى معلي الْهدى ... مردي العدى مسدي الجدا معطي اللها) (آراؤه بصوابها مقرونة ... وبمقتضاها دائرُ فلك النهى) (متلِّبس بحصافة وحصانة ... متقِّدس عَن شَوْب مكر أودها) (يَا من أطَاع الله فِي خلواته ... متأوباً من خَوفه متأوها) (أبدا تقدم فِي المعاش لوجهه ... عملا يبيض فِي الْمعَاد الأوجها) (كل الْأُمُور وَهِي وأمرك مبرم ... مستحكم لَا نقض فِيهِ وَلَا وَهَا) (مَا صين عَنْك الصّين لَِوْ حاولتها ... والمشرقان فَكيف منبجُ والرُّها) (مَا للملوك لَدَى ظهورك رونق ... وَإِذا بَدْت شمس الضُّحَى خَفَى السُّها) (إِن الْمُلُوك لَهْوا وَإنَّك من غَدا ... وبماله وَالْملك مِنْهُ مَاَلَها)

стр. 453

(شرهت نفوسهُم إِلَى دنياهم ... وأبى لِنَفسِك زهدها أَن تشرها) (مَا نمت عَن خير وَلم يَك نَائِما ... من لايزال على الْجَمِيل منبّها) (أخملت ذكر الْجَاهِلين وَلم تزل ... ملكا بِذكر الْعَالمين منوها) (وَرَأَيْت إرعاء الرعايا وَاجِبا ... تغنى فَقِيرا أَو تجير مدلها) (لرضاهمُ متحفظا ولحالهم ... متفقداً ولدينهم متفقها) (وَبِمَا بِهِ أمرَ الْإِلَه أَمرتهم ... من طَاعَة ونهيتهم عَمَّا نهى) (عَن رَحْمَة لصغيرهم لم تشتغل ... عَن رأفة لكبيرهم لن تُشدها) (باليأس عنْدك آمل لم يُمتحن ... بِالرَّدِّ دُونك سَائل لن يُجْبها) (أَتعبت نَفسك كي تنَال رفاهة ... من لَيْسَ يتعب لَا يعِيش مرفهّا) (فقت الْمُلُوك سماحة وحماسة ... حَتَّى عدمنا فيهُم لَك مشبها) (وَلَك الفخار على الْجَمِيع فدونهم ... أَصبَحت عَن كل الْعُيُوب منزها) (وأراك تحلمُ حِين تصبح ساخطا ... ويكاد غَيْرك ساخطاً أَن يسفها) قلت رحم الله الْعِمَاد فقد نظم أَوْصَاف نور الدّين الجليلة بِأَحْسَن لفظ وأرقه وَهَذَا الْبَيْت الْأَخير مُؤَكد لما نَقَلْنَاهُ فِي أول الْكتاب من قَول الْحَافِظ أبي الْقَاسِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي وصف نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى إِنَّه لم تسمع مِنْهُ كلمة فحش فِي رِضَاهُ وَلَا فِي ضجره وقلَّ من الْمُلُوك من لَهُ حَظّ من هَذِه الْأَوْصَاف الفاضلة والنعوت الْكَامِلَة

стр. 454

قَالَ الْعِمَاد ثمَّ عَاد نور الدّين إِلَى حلب فِي شهر رَجَب وَضربت خيمته فِي رَأس الميدان الْأَخْضَر قَالَ وَكَانَ مُولَعا بِضَرْب الكرة وَرُبمَا دخل الظلام فلعب بهَا بالشموع فِي اللَّيْلَة المسفرة ويركب صَلَاح الدّين مذكرا كل بكرَة وَهُوَ عَارِف بآدابها فِي الْخدمَة وشروطها الْمُعْتَبرَة وأقطعه فِي تِلْكَ السّنة ضيعتين إِحْدَاهمَا من ضيَاع حلب وَالْأُخْرَى من ضيَاع كفر طَابَ قَالَ وكتبت إِلَيْهِ فِي طلب كنبوش (أَصبَحت بغلتي تشكى من العري ... وأسراجها بِلَا كنبوش) (قلت كفي فَخير يوميك عِنْدِي ... أَن تفوزي بالتبن أَو بالحشيش) (وافرحي لَيْلَة الشّعير كَمَا يفرح ... قوم بليلة الماشوش) (لَو تبصرت حالتي لتصبرت ... فإياك عِنْدهَا أَن تطيشي)

стр. 455

(أوما مَاتَ فِي الشتَاء من الْبرد ... وَمن فرط جوعه إكديشي) (فثقي واسكني بجود صَلَاح الدّين ... غرس الْمُلُوك مَلْك الجيوش) (فَهُوَ يجلوك للعيون بكنبوش ... جَدِيد مستحسن منقوش) (كم عَدو من بأسه فِي عثار ... وَولى بجوده منعوش) (والموالي على الأسرة والأعداء ... تَحت الهوان فَوق النعوش) قَالَ وأقطع أَسد الدّين حمص وأعمالها فَسَار إِلَيْهَا فسد ثغورها وَضبط أمورها وَحمى جمهورها وَكَانَ نور الدّين قد جدد سورها وحصن دورها وبلى الفرنج مِنْهُ بالمغاور المراوغ ذِي الْبَأْس الدامغ وَسَأَلَهُ نور الدّين فِي السلو عَن حب مصر وَقَالَ قد تعبت مرَّتَيْنِ وَاجْتَهَدت وَلم يحصل لَك مَا طلبت وَقد أذعنوا بِالطَّاعَةِ وشفعوا السُّؤَال بالشفاعة وسمحوا بِكُل مَا يدْخل تَحت الِاسْتِطَاعَة قلت وَأنْشد الْعِمَاد أَسد الدّين فِي رَجَب من هَذِه السّنة (دمت فِي الْملك آمراً ذَا نَفاذ ... أَسد الدّين شيركوه بن شاذي) (يَا كَرِيمًا عَن كل شَرّ بطيئاً ... وَإِلَى الْخَيْر دَائِم الإغذاذ) (وملاذ الْإِسْلَام أَنْت فَلَا زلت ... لأهل الْإِسْلَام خير ملاذ)

стр. 456

(فِي نفوس الْكفَّار رعبك قد حلَّ ... بصَدع الأكباد والأفلاذ) (لم تدع بالظبى رؤوسا وأصناما ... من الْمُشْركين غير جذاذ) (أَنْت من نَازل الدعيين فِي مصر ... لنصر الإِمَام فِي بغذاذ) (وبلاد الْإِسْلَام أنقذتها أَنْت ... من الشّرك أَيّمَا إنقاذ) فصل فِي وَفَاة زين الدّين وَالِد مظفر الدّين صَاحب إربل قَالَ ابْن الْأَثِير وَغَيره فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ سَار زين الدّين عَليّ بن بكتكين نَائِب أتابك قطب الدّين عَن الْموصل إِلَى إربل وَسلم جَمِيع مَا كَانَ بِيَدِهِ من الْبِلَاد والقلاع إِلَى قطب الدّين مَا عدا إربل فَإِنَّهَا كَانَت لَهُ من أتابك زنكي رَحمَه الله تَعَالَى فَمن ذَلِك سنجار وحرَّان وقلعة عَقْر الحُمَيدية وقلاع الهكارية جَمِيعهَا وَكَانَ نَائِبه بتكريت الْأَمِير تبر فَأرْسل إِلَيْهِ ليسلمها فَقَالَ إِن الْمولى أتابك لَا يُقيم بتكريت وَلَا بُد لَهُ من نَائِب فِيهَا وَأَنا أكون ذَلِك النَّائِب فَلَيْسَ لَهُ مثلي فَمَا أمكن محاققته لأجل مجاورة بَغْدَاد وَأما شَهْرَزَوْر فَكَانَ بهَا الْأَمِير بوزان فَقَالَ مثله أَيْضا فأُقرَّت بِيَدِهِ فَكَانَا فِي طَاعَة قطب الدّين

стр. 457

وَسبب فِرَاق زين الدّين أَنه أَصَابَهُ عمى وصمم وَأقَام بإربل إِلَى أَن توفّي بهَا فِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة وَكَانَ قد استولى عَلَيْهِ الْهَرم وضعفت قوته وَكَانَ خيِّراً عادلا حسن السِّيرَة جواداً محافظاً على حسن الْعَهْد وَأَدَاء الْأَمَانَة قَلِيل الْغدر بل عديمه وَكَانَ إِذا وعد بِشَيْء لَا بُد لَهُ من أَن يَفْعَله وَإِن كَانَ فعله خطيراً وَكَانَ حَاله من أعجب الْأَحْوَال بَيْنَمَا يَبْدُو مِنْهُ مَا يدل على سَلامَة صَدره وغفلته حَتَّى يَبْدُو مِنْهُ مَا يدل على إفراط الذكاء وَغَلَبَة الدهاء بَلغنِي أَنه أَتَاهُ بعض أَصْحَابه بذنب فرس ذكر أَنه نفق لَهُ فَأمر لَهُ بفرس فَأخذ ذَلِك الذَّنب أَيْضا غَيره من الأجناد وأحضره وَذكر أَنه نفق لَهُ دَابَّة فَأمر لَهُ بفرس وتداول ذَلِك الذَّنب اثْنَا عشر رجلا كلهم يَأْخُذ فرسا فَلَمَّا أحضرهُ آخِرهم قَالَ لَهُم أما تستحيون مني كَمَا استحيي مِنْكُم قد أحضر هَذَا عِنْدِي اثْنَا عشر رجلا وَأَنا أتغافل لِئَلَّا يخجل أحدكُم أتظنون أنني لاأعرفه بلَى وَالله وَإِنَّمَا أردْت أَن يصلكم عطائي بِغَيْر من وَلَا تكدير فَلم تتركوني (لَيْسَ الغبيّ بسيِّدٍ فِي قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابي)

стр. 458

قَالَ وَكَانَ يُعْطي كثيرا ويخلع عَظِيما وَكَانَ لَهُ الْبِلَاد الْكَثِيرَة فَلم يخلف شَيْئا بل أنفذه جَمِيعه فِي العطايا والإنعام على النَّاس وَكَانَ يلبس الغليظ ويشدّ على وَسطه كلّ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من سكين ودرفش ومطرقة ومسلة وخيوط ودسترك وَغير ذَلِك وَكَانَ أَشْجَع النَّاس مَيْمُون النقيبة لم تنهزم لَهُ راية وَكَانَ يقوم الْمقَام الخطير فَيسلم مِنْهُ بِحسن نِيَّته وَكَانَ تركياً أسمر اللَّوْن خَفِيف العارضين قَصِيرا جدا وَبنى مدارس ورُبطاً بالموصل وَغَيرهَا وَبَلغنِي أَنه مدحه الحيص بيص فَلَمَّا أَرَادَ الإنشاد قَالَ لَهُ أَنا لاأدري مَا تَقول لَكِن أعلم أَنَّك تُرِيدُ شَيْئا وَأمر لَهُ بِخمْس مئة دِينَار وَأَعْطَاهُ فرسا وخلعا وثياباً يكون مَجْمُوع ذَلِك ألف دِينَار قَالَ ومكارمه كَثِيرَة وَلما توفّي بإربل كَانَ الْحَاكِم بهَا خادمه مُجَاهِد الدّين قايماز وَهُوَ الْمُتَوَلِي لأمورها وَولى بعد زين الدّين وَلَده مظفر كوكبوري مُدَّة ثمَّ

стр. 459

فَارقهَا لُخْلِفٍ كَانَ بَينه وَبَين مُجَاهِد الدّين قايماز وَجَرت أمورٌ يطول ذكرهَا وَلما فَارق زين الدّين الْموصل استناب أتابك قطب الدّين بقلعة الْموصل بعده مَمْلُوكه فَخر الدّين عبد الْمَسِيح فسلك غير طَرِيق زين الدّين فكرهه النَّاس وذموه وَلم تطل أَيَّامه وَسَيَجِيءُ ذكر عَزله فِي أَخْبَار سنة سِتّ وَسِتِّينَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة فَفِي أَولهَا ملك نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى قلعة جعبر وَأَخذهَا من صَاحبهَا شهَاب الدّين مَالك بن عَليّ بن مَالك الْعقيلِيّ من آل عقيل من بني المسيّب وَكَانَت بِيَدِهِ وَيَد آبَائِهِ من قبله من أَيَّام السُّلْطَان ملكشاه وَقد تقدم ذكر ذَلِك وَهِي من أمنع الْحُصُون وأحسنها مطلَّة على الْفُرَات لَا يطْمع فِيهَا بحصار وَقد أعجز جمَاعَة من الْمُلُوك أَخذهَا مِنْهُ وقُتِلَ عَلَيْهَا عماد الدّين زنكي وَالِد نور الدّين ثمَّ اتّفق أَن خرج صَاحبهَا مِنْهَا يَوْمًا يتصيد فصاده بَنو كلب فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا وأوثقوه وَحَمَلُوهُ إِلَى نور الدّين فتقربوا بِهِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ فِي

стр. 460

رَجَب من ثَلَاث وَسِتِّينَ فحبسه بحلب وَأحسن إِلَيْهِ ورغبه فِي الإقطاع وَالْمَال ليسلم إِلَيْهِ القلعة فَلم يفعل فَعدل بِهِ نور الدّين إِلَى الشدَّة والعنف وتهدده فَلم يفعل أَيْضا فسير إِلَيْهَا عسكرا مقدمه الْأَمِير فَخر الدّين مسعُود بن أبي عَليّ الزَّعْفَرَانِي فحصرها مُدَّة فَلم يظفر مِنْهَا بِشَيْء فَأَمَدَّهُمْ بعسكر آخر وَجعل على الْجَمِيع الْأَمِير مجد الدّين أَبَا بكر الْمَعْرُوف بِابْن الداية وَهُوَ أكبر أُمَرَاء نور الدّين ورضيعه ووالى معاقله فَأَقَامَ عَلَيْهَا وَطَاف حواليها فَلم ير لَهُ فِي فتحهَا مجالا وَرَأى أَخذهَا بالحصر متعذرا محالا فسلك مَعَ صَاحبهَا طَرِيق اللين وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأخذ الْعِوَض من نور الدّين وَلم يزل يتوسط مَعَه حَتَّى أذعن على أَن يعْطى سروج وأعمالها والملوحة الَّتِي فِي عمل حلب وَبَاب بزاعة وَعشْرين ألف دِينَار مُعجلَة فَأخذ جَمِيع مَا شَرطه مكْرها فِي صُورَة مُخْتَار قَالَ ابْن الْأَثِير وَهَذَا إقطاع عَظِيم جدا لكنه لَا حصن لَهُ فِيهِ وتسلم مجد الدّين قلعة جعبر وَصعد إِلَيْهَا منتصف الْمحرم وَوصل كِتَابه إِلَى نور الدّين بحلب فَسَار إِلَيْهَا وَصعد القلعة فِي الْعشْرين من
следующие страницы →