Полный текст (1 810 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
(فِي نفوس الْكفَّار رعبك قد حلَّ ... بصَدع الأكباد والأفلاذ)
(لم تدع بالظبى رؤوسا وأصناما ... من الْمُشْركين غير جذاذ)
(أَنْت من نَازل الدعيين فِي مصر ... لنصر الإِمَام فِي بغذاذ)
(وبلاد الْإِسْلَام أنقذتها أَنْت ... من الشّرك أَيّمَا إنقاذ)
فصل فِي وَفَاة زين الدّين وَالِد مظفر الدّين صَاحب إربل
قَالَ ابْن الْأَثِير وَغَيره فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ سَار زين الدّين عَليّ بن بكتكين نَائِب أتابك قطب الدّين عَن الْموصل إِلَى إربل وَسلم جَمِيع مَا كَانَ بِيَدِهِ من الْبِلَاد والقلاع إِلَى قطب الدّين مَا عدا إربل فَإِنَّهَا كَانَت لَهُ من أتابك زنكي رَحمَه الله تَعَالَى فَمن ذَلِك سنجار وحرَّان وقلعة عَقْر الحُمَيدية وقلاع الهكارية جَمِيعهَا وَكَانَ نَائِبه بتكريت الْأَمِير تبر فَأرْسل إِلَيْهِ ليسلمها فَقَالَ إِن الْمولى أتابك لَا يُقيم بتكريت وَلَا بُد لَهُ من نَائِب فِيهَا وَأَنا أكون ذَلِك النَّائِب فَلَيْسَ لَهُ مثلي فَمَا أمكن محاققته لأجل مجاورة بَغْدَاد وَأما شَهْرَزَوْر فَكَانَ بهَا الْأَمِير بوزان فَقَالَ مثله أَيْضا فأُقرَّت بِيَدِهِ فَكَانَا فِي طَاعَة قطب الدّين
стр. 457
وَسبب فِرَاق زين الدّين أَنه أَصَابَهُ عمى وصمم وَأقَام بإربل إِلَى أَن توفّي بهَا فِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة وَكَانَ قد استولى عَلَيْهِ الْهَرم وضعفت قوته
وَكَانَ خيِّراً عادلا حسن السِّيرَة جواداً محافظاً على حسن الْعَهْد وَأَدَاء الْأَمَانَة قَلِيل الْغدر بل عديمه وَكَانَ إِذا وعد بِشَيْء لَا بُد لَهُ من أَن يَفْعَله وَإِن كَانَ فعله خطيراً وَكَانَ حَاله من أعجب الْأَحْوَال بَيْنَمَا يَبْدُو مِنْهُ مَا يدل على سَلامَة صَدره وغفلته حَتَّى يَبْدُو مِنْهُ مَا يدل على إفراط الذكاء وَغَلَبَة الدهاء بَلغنِي أَنه أَتَاهُ بعض أَصْحَابه بذنب فرس ذكر أَنه نفق لَهُ فَأمر لَهُ بفرس فَأخذ ذَلِك الذَّنب أَيْضا غَيره من الأجناد وأحضره وَذكر أَنه نفق لَهُ دَابَّة فَأمر لَهُ بفرس وتداول ذَلِك الذَّنب اثْنَا عشر رجلا كلهم يَأْخُذ فرسا فَلَمَّا أحضرهُ آخِرهم قَالَ لَهُم أما تستحيون مني كَمَا استحيي مِنْكُم قد أحضر هَذَا عِنْدِي اثْنَا عشر رجلا وَأَنا أتغافل لِئَلَّا يخجل أحدكُم أتظنون أنني لاأعرفه بلَى وَالله وَإِنَّمَا أردْت أَن يصلكم عطائي بِغَيْر من وَلَا تكدير فَلم تتركوني
(لَيْسَ الغبيّ بسيِّدٍ فِي قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابي)
стр. 458
قَالَ وَكَانَ يُعْطي كثيرا ويخلع عَظِيما وَكَانَ لَهُ الْبِلَاد الْكَثِيرَة فَلم يخلف شَيْئا بل أنفذه جَمِيعه فِي العطايا والإنعام على النَّاس وَكَانَ يلبس الغليظ ويشدّ على وَسطه كلّ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من سكين ودرفش ومطرقة ومسلة وخيوط ودسترك وَغير ذَلِك وَكَانَ أَشْجَع النَّاس مَيْمُون النقيبة لم تنهزم لَهُ راية وَكَانَ يقوم الْمقَام الخطير فَيسلم مِنْهُ بِحسن نِيَّته وَكَانَ تركياً أسمر اللَّوْن خَفِيف العارضين قَصِيرا جدا وَبنى مدارس ورُبطاً بالموصل وَغَيرهَا وَبَلغنِي أَنه مدحه الحيص بيص فَلَمَّا أَرَادَ الإنشاد قَالَ لَهُ أَنا لاأدري مَا تَقول لَكِن أعلم أَنَّك تُرِيدُ شَيْئا وَأمر لَهُ بِخمْس مئة دِينَار وَأَعْطَاهُ فرسا وخلعا وثياباً يكون مَجْمُوع ذَلِك ألف دِينَار قَالَ ومكارمه كَثِيرَة
وَلما توفّي بإربل كَانَ الْحَاكِم بهَا خادمه مُجَاهِد الدّين قايماز وَهُوَ الْمُتَوَلِي لأمورها وَولى بعد زين الدّين وَلَده مظفر كوكبوري مُدَّة ثمَّ
стр. 459
فَارقهَا لُخْلِفٍ كَانَ بَينه وَبَين مُجَاهِد الدّين قايماز وَجَرت أمورٌ يطول ذكرهَا
وَلما فَارق زين الدّين الْموصل استناب أتابك قطب الدّين بقلعة الْموصل بعده مَمْلُوكه فَخر الدّين عبد الْمَسِيح فسلك غير طَرِيق زين الدّين فكرهه النَّاس وذموه وَلم تطل أَيَّامه وَسَيَجِيءُ ذكر عَزله فِي أَخْبَار سنة سِتّ وَسِتِّينَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة
فَفِي أَولهَا ملك نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى قلعة جعبر وَأَخذهَا من صَاحبهَا شهَاب الدّين مَالك بن عَليّ بن مَالك الْعقيلِيّ من آل عقيل من بني المسيّب وَكَانَت بِيَدِهِ وَيَد آبَائِهِ من قبله من أَيَّام السُّلْطَان ملكشاه وَقد تقدم ذكر ذَلِك وَهِي من أمنع الْحُصُون وأحسنها مطلَّة على الْفُرَات لَا يطْمع فِيهَا بحصار وَقد أعجز جمَاعَة من الْمُلُوك أَخذهَا مِنْهُ وقُتِلَ عَلَيْهَا عماد الدّين زنكي وَالِد نور الدّين
ثمَّ اتّفق أَن خرج صَاحبهَا مِنْهَا يَوْمًا يتصيد فصاده بَنو كلب فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا وأوثقوه وَحَمَلُوهُ إِلَى نور الدّين فتقربوا بِهِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ فِي
стр. 460
رَجَب من ثَلَاث وَسِتِّينَ فحبسه بحلب وَأحسن إِلَيْهِ ورغبه فِي الإقطاع وَالْمَال ليسلم إِلَيْهِ القلعة فَلم يفعل فَعدل بِهِ نور الدّين إِلَى الشدَّة والعنف وتهدده فَلم يفعل أَيْضا فسير إِلَيْهَا عسكرا مقدمه الْأَمِير فَخر الدّين مسعُود بن أبي عَليّ الزَّعْفَرَانِي فحصرها مُدَّة فَلم يظفر مِنْهَا بِشَيْء فَأَمَدَّهُمْ بعسكر آخر وَجعل على الْجَمِيع الْأَمِير مجد الدّين أَبَا بكر الْمَعْرُوف بِابْن الداية وَهُوَ أكبر أُمَرَاء نور الدّين ورضيعه ووالى معاقله فَأَقَامَ عَلَيْهَا وَطَاف حواليها فَلم ير لَهُ فِي فتحهَا مجالا وَرَأى أَخذهَا بالحصر متعذرا محالا فسلك مَعَ صَاحبهَا طَرِيق اللين وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأخذ الْعِوَض من نور الدّين وَلم يزل يتوسط مَعَه حَتَّى أذعن على أَن يعْطى سروج وأعمالها والملوحة الَّتِي فِي عمل حلب وَبَاب بزاعة وَعشْرين ألف دِينَار مُعجلَة فَأخذ جَمِيع مَا شَرطه مكْرها فِي صُورَة مُخْتَار قَالَ ابْن الْأَثِير وَهَذَا إقطاع عَظِيم جدا لكنه لَا حصن لَهُ فِيهِ
وتسلم مجد الدّين قلعة جعبر وَصعد إِلَيْهَا منتصف الْمحرم وَوصل كِتَابه إِلَى نور الدّين بحلب فَسَار إِلَيْهَا وَصعد القلعة فِي الْعشْرين من
стр. 461
الْمحرم ثمَّ سلمهَا نور الدّين إِلَى مجد الدّين ابْن الداية فولاها أَخَاهُ شمس الدّين عليا وَكَانَ هَذَا آخر أَمر بني مَالك وَلكُل أَمر آخر وَلكُل ولَايَة نِهَايَة يُؤْتِي الله الْملك من يَشَاء وينزعه مِمَّن يَشَاء
قَالَ ابْن الْأَثِير بَلغنِي أَنه قيل لشهاب الدّين أيُّما أحب إِلَيْك وَأحسن مقَاما أسَرُوج وَالشَّام أم القلعة فَقَالَ هَذَا أَكثر مَالا والعز بالقلعة فارقناه
قَالَ الْعِمَاد وأنشدت نور الدّين بقلعة جعبر قصيدة أَولهَا
(اسْلَمْ لبكر الْفتُوح مفترعاً ... ودُمْ لملك الْبِلَاد منتزعا)
(فَإِن أولى الورى بهَا ملك ... غَدا بعبء الخطوب مضطلعاً)
(إِن ضَاقَ أَمر فَغير همته ... لكشف ضيق الْأُمُور لن يسعا)
(يَا محيي الْعدْل بعد ميتَته ... وَرَافِع الْحق بَعْدَمَا اتضعا)
(وَنور دين الْهدى الَّذِي قمع الشّرك ... وعفَّى الضلال والبدعا)
(أَنْت سُلَيْمَان فِي العفاف وَفِي الْملك ... وتحكي بزهدك اليسعا)
(حزت التقى وَالْحيَاء وَالْكَرم الْمَحْض ... وحُسن الْيَقِين والورعا)
(أسقطت أقساط مَا وجدت من المكس ... بعدلٍ والقاسط ارتدعا)
стр. 462
وَلم تدع فِي ابْتِغَاء مصلحَة الدّين ... لنا بَاقِيا ولنْ تدعا)
(وكل مَا فِي الْمُلُوك مُفترق ... من الْمَعَالِي لملكك اجْتمعَا)
(همتك الرَّبْط والمدارس تبنيها ... ثَوابًا وتهدم البيعا)
(مَا زلت ذَا فطنة مؤيدة ... على غيوب الْأَسْرَار مطلعاً)
(ببأسك الْبيض والطُّلي اصطحبت ... بعدلك الذِّئْب والطَّلا رتعا)
(كم صائدٍ لم يَقع لَهُ قنص ... فِي شرك وَهُوَ فِيهِ قد وَقعا)
(ومالكٍ حِين رُمت قلعته ... غَدا مُطيعًا لِلْأَمْرِ متبَّعا)
(عَنَّا خُشُوعاً لرب مملكة ... لغير ربّ السَّمَاء مَا خشعا)
(كَانَ مُقيما مِنْهَا على الْفلك الْأَعْلَى ... شهاباً بنوره سطعا)
(لكنما الشهب مَا تنير إِذا ... لَاحَ عمودُ الصَّباح فانصدعا)
(يَدْفَعهَا طَائِعا إِلَيْك وَكم ... عَنْهَا إباءً بِجهْدِهِ دفعا)
(هِيَ الَّتِي فِي علوها زحل ... كرَّ على وردهَا وَمَا كرعا)
(وَهِي الَّتِي قاربت عُطَارِد فِي الْأُفق ... فلاحاً والفرقدين مَعًا)
(كَأَن مِنْهَا السُّها إِذا اسْترق السّمع ... أَتَاهَا فِي خُفْيَة ودعا)
стр. 463
(هضبة عزّ لولاك مَا أرتقيت ... وطود ملك لولاك مَا فرعا)
(مَا قبلت فِي ارتقاء ذروتها ... من ملك لَا رقى وَلَا خدعا)
(عزت على الْمَالِك الشَّهِيد وأعطتك ... قيادا مَا زَالَ مُمْتَنعا)
(للْأَب لَو حل خطبهَا لغدا ... محرما لِابْنِهِ وَمَا شرعا)
(لَا زلت مَحْمُود فِي أمورك مَحْمُودًا ... بِثَوْب الإقبال مدرعا)
(وَفِي سَابِع عشر صفر من هَذِه السّنة توفّي بهاء الدّين عمر أَخُو مجد الدّين ابْن الداية وَفِيه وَفِي إخْوَته يَقُول الْعِمَاد الْكَاتِب من قصيدة
(أَنْتُم لمحمود كآل مُحَمَّد ... متصادفي الْأَفْعَال والأسماء)
(يَتْلُو أَبَا بكر عَلَى حَسَنَاته ... عمرُ الممدَّح فِي سنا وسناء)
(ويليه عُثْمَان المرَّجي للعُلا ... وعليُّ المأمول فِي اللأواء)
(وَيقبل الْحسن الممجَّد مجدهم ... فهمُ ذُوو الْإِحْسَان والنعماء)
(فرعت بمجد الدّين إخْوَته الذرى ... دون الورى فِي الْمجد والعلياء)
(من سَابق كرماً وشمس سيادة ... شرفاً وَبدر دُجنة وبهاء)
(سُرُج الْهدى سُحُب النَّدى شُهُب النُّهى ... أسدُ الحروب ضراغم الهيجاء)
يُرِيد سَابق الدّين عُثْمَان وشمس الدّين عليا وَبدر الدّين حسنا وبهاء الدّين عمر ومجد الدّين الْأَكْبَر فهم خَمْسَة رَحِمهم الله تَعَالَى
стр. 464
فصل
وَفِي هَذِه السّنة فتحت الديار المصرية سَار إِلَيْهَا أَسد الدّين مرّة ثَالِثَة فَهزمَ الْعَدو وَقتل شاوراً وَولى الوزارة مَكَانَهُ ثمَّ مَاتَ فوليها صَلَاح الدّين
وَسبب ذَلِك ان الْفرج كَانُوا فِي النوبتين الْأَوليين اللَّتَيْنِ اسْتَعَانَ بهم شاور فيهمَا على أَسد الدّين شيركوه قد خبروا الديار المصرية واطلعوا على عوراتها فطمعوا فِيهَا وَنَقَضُوا مَا كَانَ اسْتَقر بَينهم وَبَين المصريين وَأسد الدّين من الْقَوَاعِد فَجمعُوا وحشدوا وَقَالُوا مَا بِمصْر من يصدنا وَإِذا أردناها فَمن يردنا ثمَّ قَالُوا نور الدّين فِي الْبِلَاد الشمالية والجهة الفراتية وعسكر الشَّام متفرق كل مِنْهُم فِي بَلَده حَافظ لما فِي يَده وَنحن ننهض إِلَى مصر وَلَا نطيل بهَا الْحصْر فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا معقل وَلَا لأَهْلهَا منا موئل وَإِلَى أَن تَجْتَمِع عَسَاكِر الشَّام نَكُون قد حصلنا على المرام وقوينا بتملك الديار المصرية على سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام فتوجهوا إِلَيْهَا سائرين وَنَحْوهَا ثائرين وأظهروا أَنهم على قصد حمص وشايعهم على قصد مصر جمَاعَة من أَهلهَا كَابْن الْخياط وَابْن قرجلة وَغَيرهمَا من أَعدَاء شاور
стр. 465
وَكَانَ الفرنج قد جعلُوا لَهُم شحنة بِمصْر والقاهرة وَسكن فرسانهم أَبْوَاب البلدين والمفاتيح مَعَهم على مَا سبق ذكره وتحكموا تحكما كثيرا فطمعوا فِي الْبِلَاد وَأَرْسلُوا إِلَى ملكهم مُرَّى وَلم يكن ملك الفرنج مذ خَرجُوا إِلَى الشَّام مثله شجاعة ومكراً ودهاءً يستدعونه ليملك الْبِلَاد وأعلموه خلوها من ممانع عَنْهَا وسهلوا أمرهَا عَلَيْهِ فَلم يجبهم إِلَى الْمسير وَاجْتمعَ فرسَان الفرنج وذوو الرَّأْي والتقدم وأشاروا عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا والاستيلاء عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُم الرَّأْي عِنْدِي أَلا نقصدها فَإِنَّهَا طعمة لنا وأموالها تساق إِلَيْنَا نتقوى بهَا على نور الدّين وَإِن نَحن قصدناها لنملكها فَإِن صَاحبهَا وعساكره وَعَامة أهل بِلَاده وفلاحيه لَا يسلمونها إِلَيْنَا ويقاتلوننا دونهَا ويحملهم الْخَوْف منا على تَسْلِيمهَا إِلَى نور الدّين وَإِن أَخذهَا وَصَارَ لَهُ فِيهَا مثل أَسد الدّين فَهُوَ هَلَاك الفرنج وإجلاؤهم من أَرض الشَّام فَلم يصغوا إِلَى قَوْله وَقَالُوا إِن مصر لاحافظ لَهَا وَلَا مَانع وَإِلَى أَن يصل الْخَبَر إِلَى نور الدّين ويجهز العساكر ويسيرهم إِلَيْنَا نَكُون نَحن قد ملكناها وفرغنا من أمرهَا وَحِينَئِذٍ يتَمَنَّى نور الدّين منا السَّلامَة فَلَا يقدر عَلَيْهَا وَكَانُوا قد عرفُوا الْبِلَاد وانكشف لَهُم أمرهَا فأجابهم إِلَى ذَلِك على كره شَدِيد وتجهزوا وأظهروا أَنهم على قصد الشَّام وخاصة مَدِينَة حمص وتوجهوا من عسقلان فِي النّصْف من الْمحرم ووصلوا أول يَوْم من صفر إِلَى بلبيس ونازلوها وحصروها فملكوها قهرا ونهبوها وَسبوا أَهلهَا وَأَقَامُوا بهَا خَمْسَة أَيَّام ثمَّ أناخوا على الْقَاهِرَة وحصروها عَاشر صفر فخاف النَّاس مِنْهُم أَن يَفْعَلُوا بهم مثل فعلهم بِأَهْل بلبيس فحملهم
стр. 466
الْخَوْف مِنْهُم على الِامْتِنَاع فحفظوا الْبَلَد وقاتلوا دونه وبذلوا جهدهمْ فِي حفظه وَلَو أَن الفرنج أَحْسنُوا السِّيرَة مَعَ أهل بلبيس لملكوا مصر والقاهرة سرعَة وَلَكِن الله تَعَالَى حسَّن لَهُم ذَلِك ﴿ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَكَانَ شاور أَمر بإحراق مَدِينَة مصر تَاسِع صفر قبل نزُول الفرنج عَلَيْهِم بِيَوْم وَاحِد خوفًا عَلَيْهَا من الفرنج فَبَقيت النَّار فِيهَا تحرقها أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا إِلَى خَامِس ربيع الآخر
ثمَّ ضَاقَ الْحصار وَخيف الْبَوَار وَعرف شاور أَنه يضعف عَن الحماية فشرع فِي تمحل الْحِيَل وَأرْسل إِلَى ملك الإفرنج يذكر لَهُ مودته ومحبته الْقَدِيمَة وَأَن هَوَاهُ مَعَه وتخوفه من نور الدّين والعاضد وَإِنَّمَا الْمُسلمُونَ لَا يوافقونه على التَّسْلِيم إِلَيْهِ وَيُشِير عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ وَأخذ مَال لِئَلَّا تسلم الْبِلَاد إِلَى نور الدّين فَأَجَابَهُ إِلَى الصُّلْح على أَخذ ألف دِينَار مصرية يعجل الْبَعْض وَيُؤَخر الْبَعْض واستقرت الْقَاعِدَة على ذَلِك وَرَأى الفرنج أَن الْبِلَاد امْتنعت عَلَيْهِم وَرُبمَا سلمت إِلَى نور الدّين فَأَجَابُوا كارهين وَقَالُوا نَأْخُذ المَال نتقوى بِهِ ونكثر من الرِّجَال ثمَّ نعود إِلَى الْبِلَاد بِقُوَّة لَا نبالي مَعهَا بِنور الدّين وَلَا غَيره ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِين﴾ فَعجل لَهُم شاور مئة ألف دِينَار وسألهم الرحيل عَن الْبَلَد ليجمع لَهُم المَال فرحلوا قَرِيبا
وَكَانَ خَليفَة مصر العاضد عقيب حريق مصر أرسل إِلَى نور الدّين
стр. 467
يستغيث بِهِ ويعرفه ضعف الْمُسلمين عَن الفرنج وَأرْسل فِي الْكتب شُعُور النِّسَاء وَقَالَ لَهُ هَذِه شُعُور نسَائِي من قصري يستغثن بك لتُنقذهن من الفرنج فَقَامَ نور الدّين لذَلِك وَقعد وَشرع فِي تجهيز العساكر إِلَى مصر وَلما صَالح شاور الفرنج على ذَلِك المَال عاود العاضد مراسلة نور الدّين وإعلامه بِمَا لَقِي الْمُسلمُونَ من الفرنج وبذل لَهُ ثلث بِلَاد مصر وَأَن يكون أَسد الدّين شيركوه مُقيما عِنْده فِي عَسْكَر وإقطاعهم عَلَيْهِ خَارِجا عَن الثُّلُث الَّذِي لنُور الدّين هَذَا قَول ابْن الْأَثِير
وَقَالَ الْعِمَاد عجل شاور لملك الفرنج بمئة ألف دِينَار حِيلَة وخداعا وإرغابا لَهُ وإطماعاً وواصل بكتبه إِلَى نور الدّين مستصرخاً مستنفراً وَبِمَا نَاب الْإِسْلَام من الْكفْر مخبرا وَيَقُول إِن لم تبادر ذهبت الْبِلَاد وسيَّر الْكتب مسودة بمدادها كاسية لِبَاس حدادها وَفِي طيها ذوائب مجزوزة وعصائب محزوزة ظن أَنَّهَا شُعُور أهل الْقصر للأشعار بِمَا عراهم من بليَّة الْحصْر وأرسلها تباعا وَأَرْدَفَ بهَا نجَّابين سرَاعًا وَأقَام منتظراً ودام متحيراً وعامل الفرنج بالمطال ينقذهم فِي كل حِين مَالا وَيطْلب مِنْهُم إمهالا وَمَا زَالَ يعطيهم ويستمهلهم حَتَّى أَتَى الْغَوْث بعساكر نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 468
فصل فِيمَا فعله نور الدّين
كَانَ نور الدّين لما أَتَاهُ الرُّسُل أَولا من العاضد قد أرسل إِلَى أَسد الدّين يستدعيه من حمص وَهِي إقطاعه فَلَمَّا خرج القاصد من حلب لَقِي أَسد الدّين قد وَصلهَا وَكَانَ سَبَب وُصُوله أَن كتب المصريين أَيْضا وصلته فِي هَذَا الْأَمر فَبَقيَ مسلوب الْقَرار مغلوب الاصطبار لِأَنَّهُ كَانَ قد طمع فِي بِلَاد مصر فخاف خُرُوجهَا من يَده وَأَن يستولي عَلَيْهَا الْكفْر فساق فِي لَيْلَة وَاحِدَة من حمص إِلَى حلب وَاجْتمعَ بِنور الدّين سَاعَة وُصُوله فتعجب نور الدّين من ذَلِك وتفاءل بِهِ وسرَّه وَأمره بالتجهز إِلَى مصر والسرعة فِي ذَلِك وَأَعْطَاهُ مئتي ألف دِينَار سوى الثِّيَاب وَالدَّوَاب والآلات والأسلحة وَحكمه فِي العساكر والخزائن فَاخْتَارَ من الْعَسْكَر ألفي فَارس وَأخذ المَال وَجمع من التركمان سِتَّة آلَاف فَارس وَكَانَ فِي مُدَّة حشده للتركمان سَار نور الدّين لتسلم قلعة جعبر ثمَّ سَار هُوَ وَنور الدّين إِلَى دمشق ورحلا فِي جَمِيع العساكر إِلَى رَأس المَاء وَأعْطى نور الدّين كل فَارس من الْعَسْكَر الَّذين مَعَ أَسد الدّين عشْرين دِينَارا مَعُونَة لَهُم على الطَّرِيق غير محسوبة من الْقَرار الَّذِي لَهُ وأضاف إِلَى أَسد الدّين جمَاعَة من الْأُمَرَاء والمماليك مِنْهُم مَمْلُوكه عز الدّين جرديك وغرس الدّين قليج وَشرف الدّين بزغش
стр. 469
وناصح الدّين خمارتكين وَعين الدولة بن الياروقي وقطب الدّين ينَال بن حسان المنبجي وَغَيرهم ورحلوا على قصد مصر مستنزلين من الله تَعَالَى النَّصْر وَذَلِكَ منتصف ربيع الأول
وخيم نور الدّين فِيمَن أَقَامَ مَعَه بِرَأْس المَاء وَأقَام ينْتَظر وُرُود الْمُبَشِّرَات فوصل المبشر برحيل الفرنج عَن الْقَاهِرَة عائدين إِلَى بِلَادهمْ لما سمعُوا بوصول عَسْكَر نور الدّين وسبَّ الْملك كل من أَشَارَ عَلَيْهِ بِقصد مصر وَأمر نور الدّين بِضَرْب البشائر فِي سَائِر بِلَاده وَبث رسله إِلَى الْآفَاق بذلك
وَقَالَ القَاضِي أَبُو المحاسن لقد قَالَ لي السُّلْطَان يَعْنِي صَلَاح الدّين كنت أكره النَّاس لِلْخُرُوجِ فِي هَذِه الدفعة وَمَا خرجت مَعَ عمي باختياري قَالَ وَهَذَا معنى قَوْله ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُو خَيْرٌ لَكُمْ﴾
وَقَالَ ابْن الْأَثِير أحب نور الدّين مسير صَلَاح الدّين وَفِيه ذهَاب بَيته وَكره صَلَاح الدّين الْمسير وَفِيه سعادته وَملكه حُكى لي عَنهُ أَنه قَالَ لما وَردت الْكتب من مصر إِلَى الْملك الْعَادِل نور الدّين رَضِي الله عَنهُ
стр. 470
مستصرخين ومستنجدين أحضرني وأعلمني الْحَال وَقَالَ تمْضِي إِلَى عمك أَسد الدّين بحمص مَعَ رَسُولي إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بالحضور وتحثه أَنْت على الْإِسْرَاع فَمَا يحْتَمل الْأَمر التَّأْخِير قَالَ فَفعلت فَلَمَّا فارقنا حلب على ميل مِنْهَا لقيناه قادماً فِي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ لَهُ نور الدّين تجهز للمسير فَامْتنعَ خوفًا من غدرهم أَولا وَعدم مَا يُنْفِقهُ فِي العساكر ثَانِيًا فَأعْطَاهُ نور الدّين الْأَمْوَال وَالرِّجَال وَقَالَ لَهُ إِن تَأَخَّرت أَنْت عَن الْمسير إِلَى مصر فالمصلحة تَقْتَضِي أَن أَسِير أَنا بنفسي إِلَيْهَا فإننا إِن أهملنا أمرهَا ملكهَا الفرنج وَلَا يبْقى مَعَهم مقَام بِالشَّام وَغَيره قَالَ فَالْتَفت إليَّ عمي أَسد الدّين وَقَالَ تجهز يَا يُوسُف قَالَ فَكَأَنَّمَا ضرب قلبِي بسكين فَقلت وَالله لَو أَعْطَيْت ملك مصر مَا سرت إِلَيْهَا فَلَقَد قاسيت بالإسكندرية من المشاق مَا لَا أنساه أبدا فَقَالَ عمي لنُور الدّين لَا بُد من مسيره معي فترسم لَهُ فَأمرنِي نور الدّين وَأَنا استقيله فانقضى الْمجْلس ثمَّ جمع أَسد الدّين العساكر من التركمان وَغَيرهم وَلم يبْق غير الْمسير فَقَالَ لي نور الدّين لَا بُد من مسيرك مَعَ عمك فشكوت إِلَيْهِ الضائقة وَقلة الدَّوَابّ وَمَا أحتاج إِلَيْهِ فَأَعْطَانِي مَا تجهزت بِهِ وكأنما أساق إِلَى الْمَوْت وَكَانَ نور الدّين مهيباً مخوفا مَعَ لينه وَرَحمته فسرت مَعَه فَلَمَّا أستقر أمره وَتُوفِّي أَعْطَانِي الله من ملكهَا مَا لَا كنت أتوقعه
стр. 471
قلت وحرضه أَيْضا حسان العرقلة بِأَبْيَات من شعره من جملَة قصيدة مدحه بهَا قَالَ
(وَهل أخْشَى من الأنواء بخلا ... إِذا مَا يوسفٌ بِالْمَالِ جادا)
(فَتى للدّين لم يبرح صلاحا ... وللأعداء لم يبرح فَسَادًا)
(لَئِن أعطَاهُ نور الدّين حصناً ... فَإِن الله يُعْطِيهِ البلادا)
(إِلَى كم ذَا التواني فِي دمشق ... وَقد جاءتكم مصرٌ تهادى)
(عروس بَعْلهَا أَسد هزبر ... يصيد الْمُعْتَدِينَ وَلنْ يصادا)
(أَلا يَا معشر الأجناد سِيرُوا ... وَرَاء لوائه تلقوا رشادا)
(فَمَا كل أمرئ صلى مَعَ النَّاس ... مَأْمُوما كمن صلى فُرَادَى)
فَلَمَّا سَافر صَلَاح الدّين إِلَى مصر عبر العرقلة على دَاره فَوَجَدَهَا مغلقة فَقَالَ
(عبرت على دَار الصّلاح وَقد خلت ... من الْقَمَر الوضاح والمنهل العذب)
(فوَاللَّه لَوْلَا سرعةٌ مثل عزمه ... لغرَّقها طرفِي وأحرقها قلبِي)
وَدَار صَلَاح الدّين هِيَ الَّتِي وَقفهَا رِبَاطًا للصوفية بحارة قطامش جوَار قيسارية القصاع وإليها يجْرِي المَاء من حمام نور الدّين ﵀ فَقضى الله مَا قضى من رحيل الفرنج وتملك صَلَاح الدّين على مَا سَيَأْتِي
стр. 472
وللأمير الْفَاضِل أُسَامَة بن منقذ فِي صَلَاح الدّين من قصيدة أَولهَا
(سلم على مصر لَا ربع بِذِي سلم ...)
يَقُول فِيهَا
(النَّاصِر الْملك الموفى بِذِمَّتِهِ ... وَمن ندى كَفه يُغني عَن الديم)
(وَمن إِذا جرد الْبيض الصوارم فِي الهيجاء ... أغمدها فِي الْبيض والقمم)
(وَمن حوى الْملك من بعد الطماعة فِي انْتِزَاعه ... بشبا الْهِنْدِيَّة الحذم)
(ورد طاغية الإفرنج يحْسب مَا ... رجاه من مُلك مصرٍ كَانَ فِي الْحلم)
(وليَّ وراحته صفر وَقد ملئت ... بعد الطماعة من يأس وَمن نَدم)
(يصعدون على مَا فاتهم نفسا ... لَو لافح الْبَحْر أضحى الموج كالحمم)
(وَفِي السَّلامَة لَوْلَا جهلهم ظفر ... لمن أَرَادَ نزال الْأسد فِي الأجم)
(وهم أسود الشرى لَكِن أذلّهم ... ملك لَدَيْهِ الْأسود الغُلب كالغنم)
وَله من قصيدة أُخْرَى
(أَقمت عَمُود الدّين حِين أماله ... لطاغي الفرنج الغُتم طاغي بني سعد)
стр. 473
(وجاهدت حزب الْكفْر حَتَّى رددتهم ... خزايا عَلَيْهِم خيبة الذل وَالرَّدّ)
(أفدت بِمَا قدمت ملكا مخلداً ... وذكراً مدى الْأَيَّام يقرن بِالْحَمْد)
(وذكرك فِي الْآفَاق يسري كَأَنَّهُ الصَّباح ... لَهُ نشر الألوة والنَّد)
وَلأبي الْحسن بن الذروي فِيهِ من قصيدة يذكر فِيهَا ملك الفرنج مُرِّي
(وَلكم أشمت الرّوم أشأم بارق ... أضحت مياه نفوسها من قطره)
(وافاك بَحر دروعها عَن مده ... وَمضى وَقد حكمت ظُباك بجزره)
(وَلَقِيت مُرِّياً وَطعم حَيَاته ... حُلْو فبدله الْقِتَال بمره)
(فاعقد إِلَيْهِ الرَّأْي فِي عذب القنا ... واحلل بهَا عِجلاً معاقد مكره)
(واطرده من وكر الشآم فَإِنَّهُ ... قد طَار مِنْك بخافق من ذعره)
فصل فِي الْقَبْض على شاور وَقَتله
وصل أَسد الدّين الْقَاهِرَة سَابِع ربيع الآخر وَاجْتمعَ بالعاضد خَليفَة مصر فَخلع عَلَيْهِ وأكرمه وأجريت عَلَيْهِ وعَلى عساكره الجرايات الْكَثِيرَة والإقامات الوافرة وَلم يُمكن شاور المُنع من ذَلِك لِأَنَّهُ رأى العساكر كَثِيرَة
стр. 474
بِظَاهِر الْبَلَد وَرَأى هوى العاضد مَعَهم من دَاخله فَلم يتجاسر على إِظْهَار مَا فِي نَفسه فكتمه وَهُوَ يماطل أَسد الدّين فِي تَقْرِير مَا كَانَ بذل لَهُ من المَال والإقطاع للعساكر وإفراد ثلث الْبِلَاد لنُور الدّين وَهُوَ يركب كل يَوْم إِلَى أَسد الدّين ويسير مَعَه ويعده ويمنيه ﴿وَمَا يَعِدُهُم الشَّيْطَان إلاَّ غُرُوراً﴾
ثمَّ إِنَّه عزم على أَن يعْمل دَعْوَة لأسد الدّين وَمن مَعَه من الْأُمَرَاء وَيقبض عَلَيْهِم فَنَهَاهُ ابْنه الْكَامِل وَقَالَ لَهُ وَالله لَئِن عزمت على هَذَا الْأَمر لأعرفن أَسد الدّين فَقَالَ لَهُ أَبوهُ وَالله لَئِن لم أفعل لَنَقْتُلَنَّ جَمِيعًا فَقَالَ صدقت وَلِأَن نقْتل وَنحن مُسلمُونَ والبلاد بيد الْمُسلمين خير من أَن نقْتل وَقد ملكهَا الفرنج فَلَيْسَ بَيْنك وَبَين عود الفرنج إِلَّا أَن يسمعوا بِالْقَبْضِ على شركوه وَحِينَئِذٍ لَو مَشى العاضد إِلَى نور الدّين لم يُرْسل فَارِسًا وَاحِدًا ويملكون الْبِلَاد فَترك مَا كَانَ عزم عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى الْعَسْكَر النُّوري المطل من شاور اتّفق صَلَاح الدّين يُوسُف وَعز الدّين جرديك وَغَيرهمَا على قتل شاور وأعلموا أَسد الدّين بذلك فنهاهم فَقَالُوا إِنَّا لَيْسَ لنا فِي الْبِلَاد شَيْء مهما هَذَا على حَاله فَأنْكر ذَلِك وَاتفقَ أَن أَسد الدّين سَار بعض الْأَيَّام إِلَى زِيَارَة قبر الشَّافِعِي ﵁ وَقصد شاور عسكره على عَادَته للاجتماع بِهِ فَلَقِيَهُ صَلَاح الدّين وَعز الدّين جرديك ومعهما جمع من الْعَسْكَر فخدموه وأعلموه أَن أَسد الدّين فِي الزِّيَارَة فَقَالَ نمضي إِلَيْهِ فَسَار وهما مَعَه قَلِيلا ثمَّ ساوروه وألقوه عَن فرسه فهرب أَصْحَابه وَأخذ
стр. 475
أَسِيرًا وَلم يُمكنهُم قَتله بِغَيْر أَمر أَسد الدّين فسجنوه فِي خيمة وتوكلوا بحفظه فَعلم أَسد الدّين الْحَال فَعَاد مسرعاً وَلم يُمكنهُ إِلَّا إتْمَام مَا عملوه وَأرْسل العاضد لدين الله صَاحب مصر فِي الْوَقْت إِلَى أَسد الدّين يطْلب مِنْهُ رَأس شاور ويحثه على قَتله وتابع الرُّسُل بذلك فَقتل شاور فِي يَوْمه وَهُوَ سَابِع عشر ربيع الآخر وَحمل رَأسه إِلَى الْقصر وَدخل أَسد الدّين إِلَى الْقَاهِرَة فَرَأى من كَثْرَة الْخلق واجتماعهم مَا خَافَ مِنْهُ على نَفسه فَقَالَ لَهُم أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمركُم بِنَهْب دَار شاور فقصدها النَّاس ينهبونها فَتَفَرَّقُوا عَنهُ هَذَا قَول ابْن الْأَثِير
وَقَالَ ابْن شَدَّاد أَقَامَ أَسد الدّين بهَا يتَرَدَّد إِلَيْهِ شاور فِي الأحيان وَكَانَ وعدهم بِمَال فِي مُقَابلَة مَا خسروه من النَّفَقَة فَلم يُوصل إِلَيْهِم شَيْئا وعلقت مخاليب الْأسد فِي الْبِلَاد وَعلم أَن الفرنج مَتى وجدوا فرْصَة أخذُوا الْبِلَاد وَأَن ترددهم إِلَيْهَا فِي كل وَقت لَا يُفِيد وَأَن شاور يلْعَب بهم تَارَة وبالإفرنج أُخْرَى وملاكها قد كَانُوا على الْبِدْعَة الْمَشْهُورَة عَنْهُم وَعَلمُوا أَنه لَا سَبِيل إِلَى الِاسْتِيلَاء على الْبِلَاد مَعَ بَقَاء شاور فَأَجْمعُوا أَمرهم على قَبضه إِذا خرج إِلَيْهِم وَكَانُوا هم يَتَرَدَّدُونَ إِلَى خدمته دون أَسد الدّين وَهُوَ يخرج فِي الأحيان إِلَى أَسد الدّين يجْتَمع بِهِ وَكَانَ يركب على قَاعِدَة وزرائهم بالطبل والبوق وَالْعلم فَلم يتجاسر على قَبضه مِنْهُم إِلَّا السُّلْطَان نَفسه يعْنى صَلَاح الدّين وَذَلِكَ أَنه لما سَار إِلَيْهِم تَلقاهُ رَاكِبًا وَسَار إِلَى جَانِبه وَأخذ بتلابيبه وَأمر الْعَسْكَر أَن خُذُوا على أَصْحَابه فَفرُّوا ونهبهم
стр. 476
الْعَسْكَر وَقبض على شاور وَأنزل إِلَى خيمة مُفْردَة وَفِي الْحَال جَاءَ التوقيع من المصريين على يَد خَادِم خَاص يَقُول لَا بُد من رَأسه جَريا على عَادَتهم فِي وزرائهم فِي تَقْرِير قَاعِدَة من قوى مِنْهُم على صَاحبه فحزت رقبته وأنفذ رَأسه إِلَيْهِم
وَقَالَ الْعِمَاد وَدخل أَسد الدّين فِي الرَّابِع من شهر ربيع الآخر الإيوان وخُلع عَلَيْهِ وَلَقي الْإِحْسَان وَتردد شاور إِلَى أَسد الدّين وتودد وتجدد بَينهمَا من الوداد مَا تَأَكد وَأقَام للعسكر الضيافات الْكَثِيرَة والأطعمة الواسعة والحلاوات والميرة فَقَالَ صَلَاح الدّين هَذَا أَمر يطول وَمَسْأَلَة فَرضهَا يُعول ومعنا هَذَا الْعَسْكَر الثقيل وإقامته بِالْإِقَامَةِ يقصر عَنْهَا الأمد الطَّوِيل وَلَا أَمر لنا مَعَ اسْتِيلَاء شاور لَا سِيمَا إِذا راوغ وغاور فنفذ أَسد الدّين الْفَقِيه عِيسَى إِلَى شاور يُشِير عَلَيْهِ بالاحتراس وَقَالَ لَهُ أخْشَى عَلَيْك من عِنْدِي من النَّاس فَلم يكترث بمقاله وَركب على سَبِيل انبساطه واسترساله فاعترضه صَلَاح الدّين فِي الْأُمَرَاء النورية وَهُوَ رَاكب
стр. 477
على عَادَته فِي هَيئته الوزيرية فبغته وشحته وَقَبضه وأثبته ووكل بِهِ فِي خيمة ضربهَا لَهُ وحاول إمهاله فجَاء من الْقصر من يطْلب رَأسه ويعجل من الْعُمر يأسه وَجَاء الرَّسُول بعد الرَّسُول وأبوا أَن يرجِعوا إِلَّا بنجح السُّول فَحم حمامه وَحمل إِلَى الْقصر هامه
قلت وَبَلغنِي أَن الَّذِي بَاشر حز رَقَبَة شاور هُوَ عز الدّين جرديك وَكَانَ صَلَاح الدّين لما لقِيه فِي اصحابه سَار بجنبه وَأَرَادَ إِفْرَاده عَن الْعَسْكَر فالتمس مِنْهُ الْمُسَابقَة بفرسيهما فَأَجَابَهُ وَوَافَقَهُمَا فِي ذَلِك جُرديك وَكَانَ ذَلِك عَن أَمر قد تقرر فحركوا خيلهم فَلَمَّا بعدوا عَن الْعَسْكَر ووقفوا قبض صَلَاح الدّين وجرديك على شاور وَأدْخل الْخَيْمَة
وَقد كثر هجاء شاور بغدره ومكره حَتَّى قَالَ عرقلة
(لقد فَازَ بِالْملكِ الْعَقِيم خَليفَة ... لَهُ شيركوه العاضديُّ وَزِير)
(كَأَن ابْن شاذي وَالصَّلَاح وسيفه ... عَليّ لَدَيْهِ شبر وشّبير)
(هُوَ الْأسد الضاري الَّذِي جلّ خطبه ... وشاور كلب للرِّجَال عقور)
(بغى وطغا حَتَّى لقد قَالَ قَائِل ... على مثلهَا كَانَ اللعين يَدُور)
(فَلَا رحم الرَّحْمَن تربة قَبره ... وَلَا زَالَ فِيهَا مُنكر وَنَكِير)
стр. 478
وَقَالَ أَيْضا
(قل لأمير الْمُؤمنِينَ الَّذِي ... مصر حِماه وعليُّ أَبوهُ)
(نَص على شاور فرعونها ... وَنَصّ موساها على شيركوه)
وَقد وصف الْفَقِيه الشَّاعِر أَبُو حَمْزَة عمَارَة اليمني فِي كتاب الوزراء المصرية الَّذِي صنفه حَال شاور فِي وزارته الأولى ثمَّ قَالَ وزارة شاور الثَّانِيَة فِيهَا تكشفت صفحاته وأحرقت لفحاته وأغرقت نفحاته وغّضَّه الدَّهْر وعضه وأوجعه الثُّكل وأمضه وَبَان غمره وثماده وجمره ورماده وَلم يجِف من الأنكاد لبده وَلَا صفا من الأقذاء ورده وَمَا وَمَا هُوَ إِلَّا أَن تسلمها بالراحة وسُلمت لَهُ الهموم عوضا عَن الرَّاحَة وَفِي أول لَيْلَة دخل الْقَاهِرَة ارتحل أَسد الدّين طَالبا بلبيس فَأَقَامَ بهَا ثمَّ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة فَكسر النَّاس يَوْم التَّاج وَأسر أَخُوهُ صبح وَأُصِيب على بَاب القنطرة بِحجر كَاد يَمُوت مِنْهُ وَتعقب ذَلِك بِنَقْل الْقِتَال على الْقَاهِرَة حَتَّى دخلت من الثغرة ثمَّ تبع هَذَا مَجِيء الفرنج وَعمل البرج وحصار
стр. 479
بلبيس ثمَّ تَلا ذَلِك قيام يحيى بن الْخياط طَالبا للوزارة ثمَّ تَلا ذَلِك نفاق لواته وَمن ضامها من قيس وَخُرُوج أَخِيه نجم وَابْنه سُلَيْمَان وَجَمَاعَة من غلمانه لحربهم ثمَّ خُرُوج ابْنه الْكَامِل فِي بَقِيَّة الْعَسْكَر وَفِي أثْنَاء هَذِه الْمدَّة قبضُه على الْأَثِير بن جلب رَاغِب وَقَتله وَأسر معالي بن فُريج ثمَّ قَتله واتصل إِلَيْهِ الْخَبَر من قدوم أَسد الدّين إِلَى أطفيح بِأم النوائب الْكبر وَوَافَقَ مَجِيء الغز قدوم الفرنج ناصرين للدولة وتوجهوا من مصر فِي الْبر الشَّرْقِي تابعين للغزِّ ثمَّ لاحت الفرصة للفرنج فعادوا إِلَى مصر واقترحوا من المَال مَا تَنْقَطِع دونه الآمال وخيموا على سَاحل الْمقسم وأظهروا رجوعهم إِلَى الشَّام فتجهز الْكَامِل للمسير صُحْبَة الإفرنج حَدثنِي القَاضِي الْأَجَل الْفَاضِل عبد الرَّحِيم بن عَليّ البيساني قَالَ أَنا أذكر وَقد خلونا فِي خيمة وَلَيْسَ مَعنا أحد إِنَّمَا هُوَ شاور وَابْنه الْكَامِل وَأَخُوهُ نجم فعزم الْكَامِل على النهوض مَعَ الفرنج وعزم نجم على التَّغْرِيب إِلَى سليم وَمَا وَرَاءَهَا وَقَالَ شاور لَكِن لَا أَبْرَح أقَاتل بِمن صفا معي حَتَّى أَمُوت فَنحْن فِي ذَلِك حَتَّى وصل إِلَيْنَا الدَّاعِي ابْن عبد القويّ وصنيعة المُلك جَوْهَر وعزُّ الْأُسْتَاذ وَقد التزموا المَال وتفرع على هَذَا الأَصْل مقَام الغز بالجيزة
стр. 480
ونوبة الْبَابَيْنِ وحصار الْإسْكَنْدَريَّة وانصراف الغز رَاجِعين والفرنج بعدهمْ فَمَا هُوَ إِلَّا أَن توهم شاور أَن الدَّهْر قد نَام وغفا وصفح عَن عَادَته مَعَه وَعَفا وَإِذا الْأَيَّام لَا تخْطب إِلَّا زَوَاله وفوته وَلَا تُرِيدُ إِلَّا انْتِقَاله وَمَوته فَكَانَ من قدوم الفرنج إِلَى بلبيس وَقتل من فِيهَا وأسرهم بأسرهم مَا أوجب حريق مصر ومكاتبة الْأَجَل نور الدّين بن القسيم وإنجاده كلمة الْإِسْلَام بأسد الدّين وَمن مَعَه من الْمُسلمين الَّذين قلت فيهم وَقد ربط الإفرنج الطَّرِيق عَلَيْهِم
(أَخَذْتُم على الإفرنج كل ثنَّية ... وقلتم لأيدي الْخَيل مرِّي على مرِّي)
(لَئِن نصبوا فِي الْبر جِسْرًا فَإِنَّكُم ... عبرتم ببحر من حَدِيد على الجسر)
قلت وَهَذَانِ البيتان من قصيدة لَهُ ستأتي ومري هَذَا هُوَ أسم ملك الإفرنج
قَالَ عمَارَة فَقضى قدوم الغز برحيل الفرنج عَن الديار المصرية وَلم يلبث شاور ان مَاتَ قَتِيلا بعد قدوم الغز بِثمَانِيَة عشر يَوْمًا وَهَذِه السنوات الَّتِي وزر فِيهَا شاور وزارته الثَّانِيَة كَثِيرَة الوقائع والنوازل وفيهَا مَا هُوَ عَلَيْهِ أَكثر مِمَّا هُوَ لَهُ
قَالَ وَلم يربِّ أحد رجال الدولة مثل مَا رباهم الصَّالح بن زريك وَلَا
стр. 481
أفنى أعيانهم مثل ضرغام وَكَانَت وزارته تِسْعَة أشهر مُدَّة حمل الْجَنِين وَلَا أتلف أَمْوَالهم مثل آل شاور وشاور هُوَ الَّذِي أطمع الغز والإفرنج فِي الدولة حَتَّى انْتَقَلت عَن أَهلهَا
وَلما عَاد من حِصَار الْإسْكَنْدَريَّة أَكثر من سفك الدِّمَاء بِغَيْر حق كَانَ يَأْمر بِضَرْب الرّقاب بَين يَدَيْهِ فِي قاعة الْبُسْتَان من دَار الوزارة ثمَّ تسحب الْقَتْلَى إِلَى خَارج الدَّار
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم لما خيف من شَرّ شاور ومكره لما عرف من غدره وختره واتضح الْأَمر فِي ذَلِك واستبان تمارض الْأسد ليقتنص الثعلبان فَجَاءَهُ قَاصِدا لعيادته جَارِيا فِي خدمته على عَادَته فَوَثَبَ جرديك وبزغش موليا نور الدّين فقتلا شاورا وأراحا الْعباد والبلاد من شَره وَمَا شاورا وَكَانَ ذَلِك بِرَأْي صَلَاح الدّين فَإِنَّهُ أول من تولى الْقَبْض عَلَيْهِ وَمد يَده الْكَرِيمَة بالمكروه إِلَيْهِ وَصفا الْأَمر لأسد الدّين وَملك وخلع عَلَيْهِ الْخلْع وحنك وَاسْتولى أَصْحَابه على الْبِلَاد وَجَرت أُمُوره على السداد وَظهر مِنْهُ حميد السِّيرَة وَظَهَرت كلمة أهل السّنة
стр. 482
فصل فِي وزارة أَسد الدّين
وَذَلِكَ عقيب قتل شاور وتنفيذ رَأسه إِلَى الْقصر أنفذ إِلَى أَسد الدّين خلعة الوزارة فلبسها وَسَار وَدخل الْقصر وترتب وزيرا ولقب بِالْملكِ الْمَنْصُور أَمِير الجيوش وَقصد دَار الوزارة فنزلها وَهِي الَّتِي كَانَ بهَا شاور فَمن قبله من الوزراء فَلم ير فِيهَا مَا يقْعد عَلَيْهِ وَاسْتقر فِي الْأَمر وَلم يبْق لَهُ فِيهِ مُنَازع وَلَا مناوئ وَولى الْأَعْمَال من يَثِق إِلَيْهِ واستبد بِالْولَايَةِ فأقطع الْبِلَاد العساكر الَّتِي قدمت مَعَه وَصَلَاح الدّين مبَاشر للأمور مُقَرر لَهَا وزمام الْأَمر وَالنَّهْي مفوض إِلَيْهِ لمَكَان كِفَايَته ودرايته وَحسن تَأتيه وسياسته
قَالَ الْعِمَاد وكُتب لأسد الدّين منشور من الْقصر بسيط الشَّرْح طَوِيل الطي والنشر كتب العاضد فِي طرته بِخَطِّهِ وَلَا شكّ أَنه بإملاء كَاتبه هَذَا عهد لَا عهد لوزير بِمثلِهِ وتقلد أَمَانَة رآك أَمِير الْمُؤمنِينَ أَهلا لحمله وَالْحجّة عَلَيْك عِنْد الله بِمَا أوضحه لَك من مراشد سبله فَخذ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بِقُوَّة واسحب ذيل الفخار بِأَن اعتزت خدمتك إِلَى بنوة النُّبُوَّة واتخذه للفوز سَبِيلا ﴿وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها وَقد جعلتم الله عَلَيْكُم كَفِيلا﴾
стр. 483
ونسخة المنشور من عبد الله ووليه أبي مُحَمَّد العاضد لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى السَّيِّد الْأَجَل الْملك الْمَنْصُور سُلْطَان الجيوش ولى الْأَئِمَّة مجير الْأمة أَسد الدّين كافل قُضَاة الْمُسلمين وهادي دعاة الْمُؤمنِينَ أبي الْحَارِث شيركوه العاضدي عضد الله بِهِ الدّين وأمتع بطول بَقَائِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام قدرته وَأَعْلَى كَلمته سَلام عَلَيْك فَإِنَّهُ يحمد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ويسأله أَن يُصَلِّي على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين وعَلى آله الطاهرين وَالْأَئِمَّة المهديين وَسلم تَسْلِيمًا
ثمَّ ذكر بَاقِي المنشور وَهُوَ مُشْتَمل على كَلَام طَوِيل وحشو غير قَلِيل على عَادَة الْكتاب الْمُتَأَخِّرين الَّذين تراهم بالألفاظ الْكَثِيرَة عَن الْمَعْنى الْيَسِير معبرين والبلاغة عكس ذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ بعثت بجوامع الْكَلم واختُصر لي الْكَلَام اختصاراً
وَلما أستقل أَسد الدّين بالوزارة طلب من الْقصر كَاتب إنْشَاء فَأرْسل إِلَيْهِ بِالْقَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم بن عَليّ البيساني وَكَانَ أَبوهُ من أهل بيسان الشَّام ثمَّ ولي قَضَاء عسقلان وَخرج الْفَاضِل إِلَى الديار المصرية فولي كَاتبا بالإسكندرية على بَاب السِّدرة ثمَّ إِنَّه أتصل بالكامل بن شاور
стр. 484
فاستكتبه وزاحم بِهِ كتّاب الْقصر فثقل عَلَيْهِم أمره فَلَمَّا طلب أَسد الدّين كَاتبا أرسل بِهِ إِلَيْهِ وَظن رُؤَسَاء ديوَان المكاتبات أَن هَذَا أَمر لَا يتم وَأَن أَسد الدّين سيقتل كَمَا قتل من كَانَ قبله فأرسلوا بالفاضل إِلَيْهِ وَقَالُوا لَعَلَّه يُقتل مَعَه فنخلص من مزاحمته لنا فَكَانَ من أمره مَا كَانَ وَاسْتمرّ فِي الدولة وَلم يَزْدَدْ فِي كل يَوْم إِلَّا تقدماً بصدقه وَدينه وَحسن رَأْيه ﵀
وأنفذ الْعِمَاد قصيدة طَوِيلَة تهنئة لأسد الدّين أَولهَا
(بالجد أدْركْت مَا أدْركْت لَا اللّعب ... كم رَاحَة جُنيت من دوحة التَّعَب)
(يَا شيركوه بن شاذي الْملك دَعْوَة من ... نَادَى فعرَّف خير ابْن بِخَير أَب)
(جرى الْمُلُوك وَمَا حازوا بركضهم ... من المدى فِي الْعلَا مَا حزت بالخبب)
(تَمَلَّ من ملك مصر رُتْبَة قصرت ... عَنْهَا الْمُلُوك فطالت سَائِر الرتب)
(فتحت مصر وَأَرْجُو أَن تصير بهَا ... ميسرًا فتح بَيت الْقُدس عَن كثب)
(قد أمكنت أَسد الدّين الفريسة من ... فتح الْبِلَاد فبادر نَحْوهَا وثِب)
(أَنْت الَّذِي هُوَ فَرد من بسالته ... وَالدّين من عزمه فِي جحفل لجب)
(فِي حلق ذِي الشّرك من عدوي سطاك شجاً ... وَالْقلب فِي شجن وَالنَّفس فِي شجب)
(زارت بني الْأَصْفَر الْبيض الَّتِي لقِيت ... حمر المنايا بهَا مَرْفُوعَة الْحجب)
(وَإِنَّهَا نَقَد من خلفهَا أَسد ... أرى سلامتها من أعجب الْعجب)
(لقد رفعنَا إِلَى الرَّحْمَن أَيْدِينَا ... فِي شكرنا مَا بِهِ الْإِسْلَام مِنْك حبي)
стр. 485
(شكا إِلَيْك بَنو الْإِسْلَام يُتْمهم ... فَقُمْت فيهم مقَام الْوَالِد الحدب)
(فِي كل دَار من الإفرنج نادبة ... بِمَا دهاهم فقد باتوا على ندب)
(من شَرّ شاور أنقذت الْعباد فكم ... وَكم قضيت لحزب الله من أرب)
(هُوَ الَّذِي أطمع الإفرنج فِي بلد الْإِسْلَام ... حَتَّى سعوا للقصد والطلب)
(وَإِن ذَلِك عِنْد الله محتسب ... فِي الْحَشْر من أفضل الطَّاعَات والقرب)
(أذله الْملك الْمَنْصُور منتصراً ... لما دَعَا الشّرك هَذَا قد تعزز بِي)
(وَمَا غضِبت لدين الله منتقماً ... إِلَّا لنيل رضَا الرَّحْمَن بِالْغَضَبِ)
(وَأَنت من وَقعت بالْكفْر هيبته ... وَفِي ذويه وُقُوع النَّار فِي الْحَطب)
(وَحين سرت إِلَى الْكفَّار فَانْهَزَمُوا ... نُصرت نصر رَسُول الله بِالرُّعْبِ)
(يَا محيي الْأمة الْهَادِي بدعوته ... للرشد كل غَوِيّ مِنْهُم وغبي)
(لما سعيت لوجه الله مرتقباً ... ثَوَابه نلْت عفوا كل مرتقب)
(أعدت نقمة مصرٍ نعْمَة فغدت ... تَقول كم نكتٍ لله فِي النكب)
(أركبت رَأس سِنَان رَأس ظالمها ... عدلا وَكنت لوزرٍ غير مرتكب)
(ردَّ الْخلَافَة عباسيةً ودع الدعي ... فِيهَا يُصَادف شَرّ مُنْقَلب)
(لَا تقطعن ذَنْب الأفعى وترسله ... والحزم عِنْدِي قطع الرَّأْس كالذنب)
стр. 486
وَقَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة أَنْشدني الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم لنَفسِهِ وَقد أعفى الْملك الْعَادِل نور الدّين قدس الله روحه أهل دمشق من الْمُطَالبَة بالخشب فورد الْخَبَر باستيلاء عسكره على مصر فَكتب إِلَيْهِ يهنيه
(لما سمحت لأهل الشَّام بالخشب ... عُوضِّت مصر بِمَا فِيهَا من النشب)
(وَإِن بذلت لفتح الْقُدس محتسباً ... لِلْأجرِ جوزيت أجرا غيرَ محتسب)
(وَالْأَجْر فِي ذَاك عِنْد الله مرتقب ... فِيمَا يثيب عَلَيْهِ خيرُ مرتقب)
(وَالذكر بِالْخَيرِ بَين النَّاس تكسبه ... خير من الْفضة الْبَيْضَاء وَالذَّهَب)
(وَلست تعذر فِي ترك الْجِهَاد وَقد ... أَصبَحت تملك من مصر إِلَى حلب)
(وَصَاحب الْموصل الفيحاء ممتثل ... لما تُرِيدُ فبادر فَجْأَة النوب)
(فأحزم النَّاس من قويَّ عزيمته ... حَتَّى ينَال بهَا العالي من الرتب)
(فالجَدُّ والْجِدُّ مقرونان فِي قرن ... والحزم فِي الْعَزْم والإدراك بِالطَّلَبِ)
(فطهر الْمَسْجِد الْأَقْصَى وحوزته ... من النَّجَاسَات والإشراك والصلب)
(عساك تظفر فِي الدُّنْيَا بِحسن ثَنَا ... وَفِي الْقِيَامَة تلقى خير مُنْقَلب)
فصل فِي وَفَاة أَسد الدّين وَولَايَة ابْن أَخِيه صَلَاح الدّين مَكَانَهُ
توفّي أَسد الدّين فَجْأَة يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة من هَذِه السّنة فَكَانَت وزارته شَهْرَيْن وَخَمْسَة أَيَّام
وَقَالَ ابْن شَدَّاد كَانَ أَسد الدّين كثير الْأكل شَدِيد الْمُوَاظبَة على
стр. 487
تنَاول اللحوم الغليظة تتواتر عَلَيْهِ التخم والخوانيق وينجو مِنْهَا بعد معاناة شدَّة عَظِيمَة فَأَخذه مرض شَدِيد واعتراه خانوق عَظِيم فَقتله رَحمَه الله تَعَالَى وفَوض الْأَمر بعده إِلَى صَلَاح الدّين واستقرت الْقَوَاعِد واستتبت الْأَحْوَال على أحسن نظام وبذل الْأَمْوَال وَملك الرِّجَال وهانت عِنْده الدُّنْيَا فملكها وشكر نعْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ فَتَابَ عَن الْخمر وَأعْرض عَن أَسبَاب اللَّهْو وتقمص بلباس الْجد وَالِاجْتِهَاد وَمَا عَاد عَنهُ وَلَا ازْدَادَ إِلَّا جدا إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى إِلَى رَحمته وَلَقَد سَمِعت مِنْهُ ﵀ يَقُول لما يسر الله لي الديار المصرية علمت أَنه أَرَادَ فتح السَّاحِل لِأَنَّهُ أوقع ذَلِك فِي نَفسِي وَمن حِين استتب لَهُ الْأَمر مَا زَالَ يَشن الغارات على الفرنج إِلَى الكرك والشوبك وبلادهما وغشى النَّاس من سحائب الأفضال وَالنعَم مَا لم يؤرخ عَن غير تِلْكَ الْأَيَّام هَذَا كُله وَهُوَ وَزِير متابع للْقَوْم لكنه مقو لمَذْهَب السّنة غارسٌ فِي الْبِلَاد أهل الْعلم وَالْفِقْه والتصوف وَالدّين وَالنَّاس يهرعون إِلَيْهِ من كل صوب ويفدون إِلَيْهِ من كل جَانب وَهُوَ ﵀ لَا يخيب قَاصِدا وَلَا يعْدم وافداً وَلما عرف نور الدّين اسْتِقْرَار أَمر صَلَاح الدّين بِمصْر أَخذ حمص من نواب أَسد الدّين وَذَلِكَ فِي رَجَب من هَذِه السّنة
وَقَالَ ابْن الْأَثِير أما كَيْفيَّة ولَايَة صَلَاح الدّين فَإِن جمَاعَة من الْأُمَرَاء النُّورية الَّذين كَانُوا بِمصْر طلبُوا التَّقَدُّم على العساكر وَولَايَة الوزارة مِنْهُم الْأَمِير عين الدولة الياروقي وقطب الدّين خسرو بن تليل وَهُوَ ابْن
стр. 488
أخي أبي الهيجاء الهذَباني الَّذِي كَانَ صَاحب إربل وَمِنْه سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المهكاري وجده كَانَ صَاحب قلاع الهَكّارية وَمِنْهُم شهَاب الدّين مَحْمُود الحارمي وَهُوَ خَال صَلَاح الدّين وكل من هَؤُلَاءِ قد خطبهَا وَقد جمع ليغالب عَلَيْهَا فَأرْسل الْخَلِيفَة العاضد إِلَى صَلَاح الدّين فَأمره بالحضور فِي قصره ليخلع عَلَيْهِ خلع الوزارة ويوليه الْأَمر بعد عَمه
وَكَانَ الَّذِي حمل العاضد على ذَلِك ضعف صَلَاح الدّين فَإِنَّهُ ظن أَنه إِذا ولى صَلَاح الدّين وَلَيْسَ لَهُ عَسْكَر وَلَا رجال كَانَ فِي ولَايَته بِحكمِهِ وَلَا يَجْسُر على الْمُخَالفَة وَأَنه يضع على الْعَسْكَر الشَّامي من يستميلهم إِلَيْهِ فَإِذا صَار مَعَه الْبَعْض أخرج البَاقِينَ وتعود الْبِلَاد إِلَيْهِ وَعِنْده من العساكر الشامية من يحميها من الفرنج وَنور الدّين فَامْتنعَ صَلَاح الدّين وضعفت نَفسه عَن هَذَا الْمقَام فألزم بِهِ وَأخذ كَارِهًا إِن الله ليعجب من قوم يقادون إِلَى الْجنَّة بالسلاسل فَلَمَّا حضر فِي الْقصر خلع عَلَيْهِ خلعة
стр. 489
الوزارة الْجُبَّة والعمامة وَغَيرهمَا ولقب الْملك النَّاصِر وَعَاد إِلَى دَار أَسد الدّين فَأَقَامَ بهَا وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ أحد من أُولَئِكَ الْأُمَرَاء الَّذين يُرِيدُونَ الْأَمر لأَنْفُسِهِمْ وَلَا خدموه
وَكَانَ الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى الهكاري مَعَه فسعى مَعَ سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد حَتَّى أماله إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِن هَذَا الْأَمر لَا يصل إِلَيْك مَعَ وجود عين الدولة والحارمي وَابْن تليل فَمَال إِلَى صَلَاح الدّين ثمَّ قصد شهَاب الدّين الحارمي وَقَالَ لَهُ إِن هَذَا صَلَاح الدّين هُوَ ابْن أختك وَملكه لَك وَقد أستقام الْأَمر لَهُ فَلَا تكن أول من يسْعَى فِي إِخْرَاجه عَنهُ فَلَا يصل إِلَيْك وَلم يزل بِهِ حَتَّى أحضرهُ أَيْضا عِنْده وحلَّفه لَهُ ثمَّ عدل إِلَى قطب الدّين وَقَالَ لَهُ إِن صَلَاح الدّين قد أطاعه النَّاس وَلم يبْق غَيْرك وَغير الياروقي فعلى كل حَال يجمع بَيْنك وَبَين صَلَاح الدّين أَن أَصله من الأكراد فَلَا يخرج الْأَمر عَنهُ إِلَى الأتراك ووعده وَزَاد فِي إقطاعه فأطاع صَلَاح الدّين أَيْضا وَعدل إِلَى عين الدولة الياروقي وَكَانَ أكبر الْجَمَاعَة وَأَكْثَرهم جمعا فَلم تَنْفَعهُ رقاه وَلَا نفذ فِيهِ سحره وَقَالَ أَنا لاأخدم يُوسُف أبدا وَعَاد إِلَى نور الدّين وَمَعَهُ غَيره فَأنْكر عَلَيْهِم فِرَاقه وَقد فَاتَ الْأَمر ﴿ليقضى الله أمرا كَانَ مَفْعُولا﴾ وَثَبت قدم صَلَاح الدّين ورسخ ملكه وَهُوَ نَائِب عَن الْملك الْعَادِل نور الدّين وَالْخطْبَة لنُور الدّين فِي الْبِلَاد كلهَا وَلَا يتصرفون إِلَّا عَن أمره
стр. 490
وَكَانَ نور الدّين يُكَاتب صَلَاح الدّين بالأمير الأسفهسلار وَيكْتب علامته فِي الْكتب تَعْظِيمًا أَن يكْتب اسْمه وَلَا يفرده فِي كتاب بل يكْتب الْأَمِير الأسفهسلار صَلَاح الدّين وكافة الْأُمَرَاء بالديار المصرية يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا
واستمال صَلَاح الدّين قُلُوب النَّاس وبذل لَهُم الْأَمْوَال مِمَّا كَانَ أَسد الدّين قد جمعه وَطلب من العاضد شَيْئا يُخرجهُ فَلم يُمكنهُ مَنعه فَمَال النَّاس إِلَيْهِ وأحبوه وقويت نَفسه على الْقيام بِهَذَا الْأَمر والثبات فِيهِ وَضعف أَمر العاضد وَكَانَ كالباحث عَن حتفه بظلفه
وَأرْسل صَلَاح الدّين يطْلب من نور الدّين أَن يُرْسل إِلَيْهِ إخْوَته فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك وَقَالَ أَخَاف أَن يُخَالف أحد مِنْهُم عَلَيْك فتفسد الْبِلَاد ثمَّ إِن الفرنج اجْتَمعُوا ليسيروا إِلَى مصر فسير نور الدّين العساكر وَفِيهِمْ إخْوَة صَلَاح الدّين مِنْهُم شمس الدولة تورانشاه بن أَيُّوب وَهُوَ أكبر من صَلَاح الدّين فَلَمَّا أَرَادَ أَن يسير قَالَ لَهُ إِن كنت تسير إِلَى مصر وَتنظر إِلَى أَخِيك أَنه يُوسُف الَّذِي كَانَ يقوم فِي خدمتك وَأَنت قَاعد فَلَا تسر فَإنَّك تفْسد الْبِلَاد وأُحضرك حِينَئِذٍ وأعاقبك بِمَا تستحقه وَإِن كنت تنظر إِلَيْهِ أَنه صَاحب مصر وقائم فِيهَا مقَامي وتخدمه بِنَفْسِك كَمَا تخدمني فسر إِلَيْهِ وَاشْدُدْ أزره وساعده على مَا هُوَ بصدده فَقَالَ أفعل مَعَه من الْخدمَة وَالطَّاعَة مَا يصل إِلَيْك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَكَانَ كَمَا قَالَ
وَقَالَ الْعِمَاد لما فُرغ بعد ثَلَاثَة أَيَّام من التَّعْزِيَة بأسد الدّين اخْتلفت
стр. 491
آراؤهم واختلظت أهواؤهم وَكَاد الشمل لَا يَنْتَظِم والخلل لَا يلتئم فَاجْتمع الْأُمَرَاء النُّورية على كلمة وَاحِدَة وأيد متساعدة وعقدوا لصلاح الدّين الرَّأْي والراية وَأَخْلصُوا لَهُ الْوَلَاء وَالْولَايَة وَقَالُوا هَذَا مقَام عَمه وَنحن بِحكمِهِ والزموا صَاحب الْقصر بتوليته وَنَادَتْ السَّعَادَة بتلبيته وَشرع فِي تَرْتِيب الْملك وتربيته وفض ختوم الخزائن وأنض رسوم المزائن وسلط الْجُود على الْمَوْجُود وَبسط الوفور للوفود وَفرق مَا جمعه أَسد الدّين فِي حَيَاته وأنارت على منار الْعلَا إياة آيَاته وَرَأى أولياءه تَحت ألويته وراياته وأحبوه وَمَا زَالَت محبته غالبة على مهابته وَهُوَ يُبَالغ فِي تقريبهم كَأَنَّهُمْ ذَوُو قرَابَته وَمَا زَاده الْملك ترفعاً وَمَا أَفَادَهُ إِلَّا تأصلا فِي السماح وتفرعا وَضم من أَمر المملكة مَا كَانَ منشوراً وَكتب لَهُ العاضد صَاحب الْقصر منشوراً وَهُوَ بالمثال الْكَرِيم الفاضلي الَّذِي هُوَ السحر الْحَلَال والعذب الزلَال
ثمَّ أوردهُ الْعِمَاد وَهُوَ شَبيه بمنشور عَمه أَسد الدّين وَجرى الْقَلَم فِيهِ بِمَا خطّ لَهُ الْقَلَم فِي الْأَزَل من وصف جهاده وَسلمهُ فَفِي ذَلِك المنشور وَالْجهَاد أَنْت رَضِيع دَرِّه وناشئة حجره وَظُهُور الْخَيل
стр. 492
مواطنك وظلال الْخيام مساكنك وَفِي ظلمات قساطله تُجلى محاسنك وَفِي أعقاب نوازله تتلى مناقبك فشمر لَهُ عَن سَاق من القنا وخُض فِيهِ بحرا من الظبى واحلل فِي عقد كلمة الله وثيقات الحبى وأسل الوهاد بِدَم العدى وارفع برؤوسهم الرِّبَا حَتَّى يَأْتِي الله بِالْفَتْح الَّذِي يَرْجُو أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يكون مذخوراً لأيامك وشهوداً لَك يَوْم مقامك
وَفِي طرَّته بالخط العاضدي وَلم يذكرهُ الْعِمَاد فِي كِتَابه هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عِنْد الله سُبْحَانَهُ عَلَيْك فأوف بعهدك ويمينك وَخذ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بيمينك وَلمن مضى بجدنا رَسُول الله ﷺ أحسن أُسْوَة وَلمن بَقِي بِثِقَتِهِ بِنَا أعظم سلوة ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾
يَعْنِي بِمن مضى أَسد الدّين وبمن بَقِي صَلَاح الدّين
ثمَّ قَالَ الْعِمَاد وَهَذَا آخر منشور طويت بِهِ تِلْكَ الدولة وختمت وتبددت عقودها وَمَا انتظمت
ووصلت كتب صَلَاح الدّين إِلَيْنَا إِلَى الشَّام بِمَا تسنى لَهُ من المرام وَلمن يَقْصِدهُ بالاستدعاء والا ستبطاء وَلمن تَأَخّر عَنهُ بِالْخلْعِ وَالعطَاء
стр. 493
وترددت الْكتب الصلاحية بِذكر الأشواق وشكوى الْفِرَاق وَشرح الاستيحاش وبرح الْقُلُوب العطاش فَإِن أَصْحَابنَا وَإِن ملكوا ونالوا مقاصدهم وأدركوا حصلوا بَين أمة لَا يعرفونها بل يُنْكِرُونَهَا وَلَا يألفونها وَرَأَوا وُجُوهًا هُنَاكَ بهم عابسة وَأَعْيُنًا للمكايد متيقظة وَعَن الود ناعسة فَإِن أجناد مصر كَانُوا فِي الدّين مخالفين وعَلى عقيدتهم معاقدين محالفين
وَكتب صَلَاح الدّين إِلَى بعض أصدقائه كتابا أَوله
(أَيهَا الغائبون عني وَإِن كُنْتُم ... لقلبي بذكركم جيرانا)
(إِنَّنِي مذ فقدتكم لأَرَاكُمْ ... بعيون الضَّمِير عِنْدِي عيَانًا)
فَسَأَلَنِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَن أكتب جَوَابه فَقلت
(أَيهَا الظاعنون عني وقلبي ... مَعَهم لَا يُفَارق الأظعانا)
(ملكوا مصر مثل قلبِي وَفِي هَذَا ... وَفِي تِلْكَ أَصْبحُوا سكانا)
(فاعدلوا فيهمَا فَإِنَّكُم الْيَوْم ... ملكتم عَلَيْهِمَا سُلْطَانا)
(لَا تروعوا بالهجر قلب محب ... أورثته روعاته الخفقانا)
(حبذا معهد قضينا بِهِ الْعَيْش ... فَكُنَّا بربعه جيرانا)
(إِذْ وجدنَا من الْحَوَادِث أمنا ... وأخذنا من الخطوب أَمَانًا)
(ورتعنا من المنى فِي رياض ... وسكنا من المغاني جنَانًا)
وَبعد فَإِن وُفُود الهناء وأمداد الدُّعَاء متواصلة على الْوَلَاء صادرة عَن مَحْض الْوَلَاء إِلَى عالي جنابه المأنوس ومنيع كنفه المحروس
стр. 494
فليهنه الظفران بِالْملكِ وبالعدو وَفرع هضبات الْمجد والعلو وَكَيف لَا يكون النَّصْر مساوقا لدين هُوَ صَلَاحه والتأييد مرافقاً لعزم بِهِ نجاحه وفلاحه
(فالشام يغبط مصرا مذ حللت بهَا ... كَمَا الْفُرَات عَلَيْكُم تحسد النيلا)
(نلتم من الْملك عفوا مَا الْمُلُوك بِهِ ... عُنوا قَدِيما وراموه فَمَا نيلا)
قَالَ الْعِمَاد ورثيت أَسد الدّين بقصيدة خدمت بهَا نور الدّين وعزيت بهَا أَخَاهُ نجم الدّين مِنْهَا
(تضعضع فِي هَذَا الْمُصَاب المباغت ... من الدّين لَوْلَا نوره كل ثَابت)
(فأيام نور الدّين دَامَت منيرة ... لنا خلف من كل مود وفائت)
وَمِنْهَا
(فَمَا بالنا نبدي التصامم غَفلَة ... وداعي المنايا نَاطِق غير صَامت)
(نؤمل فِي دَار الفناء بقاءنا ... وَنَرْجُو من الدُّنْيَا صداقة ماقت)
(وَمَا النَّاس إِلَّا كالغصون يَد الردى ... تقرِّب مِنْهَا كل عود لناحت)
(لقد أبلغت رسل المنايا وأسمعت ... وَلكنهَا لم تحظ منا بناصت)
وَمِنْهَا
(فلهفي على تِلْكَ الشَّمَائِل إِنَّهَا ... لقد كرمُت فِي الْحسن عَن نعت ناعت)
стр. 495
وَله من أُخْرَى عزى بهَا أَخَاهُ نجم الدّين أَيُّوب وَولده نَاصِر الدّين مُحَمَّدًا
(مَا بعد يَوْمك للمعنى المدنف ... غير العويل وحسرة المتأسف)
(مَا أجرا الْحدثَان كَيفَ سَطَا على اللأسد ... الْمخوف سَطَا وَلم يتخوف)
(من ذَا رأى الْأسد الهصور فريسة ... أم أبْصر الصُّبْح الْمُنِير وَقد خفى)
(من ثابتٌ دون الكماة سواهُ إِن ... زلت بهم أَقْدَامهم فِي الْموقف)
(مَا كَانَ أَسْنَى الْبَدْر لَو لم يسْتَتر ... مَا كَانَ أبهى الشَّمْس لَو لم تكسف)
(مَا كنت أخْشَى أَن تلم ملمة ... يَوْمًا وَأَنت لكربها لم تكشف)
(أَيَّام عمرك لم تزل مقسومة ... لله بَين تعبد وتعرف)
(متهجدا لعبادة أَو تاليا ... من آيَة أَو نَاظرا فِي مصحف)
(فجع الندى والبأس مِنْك بحاتم ... وبحيدر والحلم مِنْك بأحنف)
(بِالْملكِ فزت وحزته عَن قدرَة ... ومضيت عَنهُ بسيرة الْمُتَعَفِّف)
(ووصفت يَا أسدا لدين مُحَمَّد ... مدحا بِمَا ملك بِهِ لم يُوصف)
(وقفوت آثَار الشَّرِيعَة كلهَا ... وَقد اهْتَدَى من للشريعة يقتفي)
(أأنفت من دنياك حِين عرفتها ... فلويت وَجه الْعَارِف المستنكف)
وَمِنْهَا
(يَا نَاصِر الدّين استعذ بتصبر ... مُدْن إِلَى مرضاة ربٍ مزلف)
(وتعزَّ نجم الدّين عَنهُ مهنَّأً ... أَبَد الزَّمَان بِملك مصر ويوسف)
(لَا نستطيع سوى الدُّعَاء فكلنا ... إِلَّا بِمَا فِي الوسع غير مُكَلّف)
следующие страницы →