← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

آراؤهم واختلظت أهواؤهم وَكَاد الشمل لَا يَنْتَظِم والخلل لَا يلتئم فَاجْتمع الْأُمَرَاء النُّورية على كلمة وَاحِدَة وأيد متساعدة وعقدوا لصلاح الدّين الرَّأْي والراية وَأَخْلصُوا لَهُ الْوَلَاء وَالْولَايَة وَقَالُوا هَذَا مقَام عَمه وَنحن بِحكمِهِ والزموا صَاحب الْقصر بتوليته وَنَادَتْ السَّعَادَة بتلبيته وَشرع فِي تَرْتِيب الْملك وتربيته وفض ختوم الخزائن وأنض رسوم المزائن وسلط الْجُود على الْمَوْجُود وَبسط الوفور للوفود وَفرق مَا جمعه أَسد الدّين فِي حَيَاته وأنارت على منار الْعلَا إياة آيَاته وَرَأى أولياءه تَحت ألويته وراياته وأحبوه وَمَا زَالَت محبته غالبة على مهابته وَهُوَ يُبَالغ فِي تقريبهم كَأَنَّهُمْ ذَوُو قرَابَته وَمَا زَاده الْملك ترفعاً وَمَا أَفَادَهُ إِلَّا تأصلا فِي السماح وتفرعا وَضم من أَمر المملكة مَا كَانَ منشوراً وَكتب لَهُ العاضد صَاحب الْقصر منشوراً وَهُوَ بالمثال الْكَرِيم الفاضلي الَّذِي هُوَ السحر الْحَلَال والعذب الزلَال ثمَّ أوردهُ الْعِمَاد وَهُوَ شَبيه بمنشور عَمه أَسد الدّين وَجرى الْقَلَم فِيهِ بِمَا خطّ لَهُ الْقَلَم فِي الْأَزَل من وصف جهاده وَسلمهُ فَفِي ذَلِك المنشور وَالْجهَاد أَنْت رَضِيع دَرِّه وناشئة حجره وَظُهُور الْخَيل

стр. 492

مواطنك وظلال الْخيام مساكنك وَفِي ظلمات قساطله تُجلى محاسنك وَفِي أعقاب نوازله تتلى مناقبك فشمر لَهُ عَن سَاق من القنا وخُض فِيهِ بحرا من الظبى واحلل فِي عقد كلمة الله وثيقات الحبى وأسل الوهاد بِدَم العدى وارفع برؤوسهم الرِّبَا حَتَّى يَأْتِي الله بِالْفَتْح الَّذِي يَرْجُو أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يكون مذخوراً لأيامك وشهوداً لَك يَوْم مقامك وَفِي طرَّته بالخط العاضدي وَلم يذكرهُ الْعِمَاد فِي كِتَابه هَذَا عهد أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَيْك وحجته عِنْد الله سُبْحَانَهُ عَلَيْك فأوف بعهدك ويمينك وَخذ كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ بيمينك وَلمن مضى بجدنا رَسُول الله ﷺ أحسن أُسْوَة وَلمن بَقِي بِثِقَتِهِ بِنَا أعظم سلوة ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ يَعْنِي بِمن مضى أَسد الدّين وبمن بَقِي صَلَاح الدّين ثمَّ قَالَ الْعِمَاد وَهَذَا آخر منشور طويت بِهِ تِلْكَ الدولة وختمت وتبددت عقودها وَمَا انتظمت ووصلت كتب صَلَاح الدّين إِلَيْنَا إِلَى الشَّام بِمَا تسنى لَهُ من المرام وَلمن يَقْصِدهُ بالاستدعاء والا ستبطاء وَلمن تَأَخّر عَنهُ بِالْخلْعِ وَالعطَاء

стр. 493

وترددت الْكتب الصلاحية بِذكر الأشواق وشكوى الْفِرَاق وَشرح الاستيحاش وبرح الْقُلُوب العطاش فَإِن أَصْحَابنَا وَإِن ملكوا ونالوا مقاصدهم وأدركوا حصلوا بَين أمة لَا يعرفونها بل يُنْكِرُونَهَا وَلَا يألفونها وَرَأَوا وُجُوهًا هُنَاكَ بهم عابسة وَأَعْيُنًا للمكايد متيقظة وَعَن الود ناعسة فَإِن أجناد مصر كَانُوا فِي الدّين مخالفين وعَلى عقيدتهم معاقدين محالفين وَكتب صَلَاح الدّين إِلَى بعض أصدقائه كتابا أَوله (أَيهَا الغائبون عني وَإِن كُنْتُم ... لقلبي بذكركم جيرانا) (إِنَّنِي مذ فقدتكم لأَرَاكُمْ ... بعيون الضَّمِير عِنْدِي عيَانًا) فَسَأَلَنِي الْمَكْتُوب إِلَيْهِ أَن أكتب جَوَابه فَقلت (أَيهَا الظاعنون عني وقلبي ... مَعَهم لَا يُفَارق الأظعانا) (ملكوا مصر مثل قلبِي وَفِي هَذَا ... وَفِي تِلْكَ أَصْبحُوا سكانا) (فاعدلوا فيهمَا فَإِنَّكُم الْيَوْم ... ملكتم عَلَيْهِمَا سُلْطَانا) (لَا تروعوا بالهجر قلب محب ... أورثته روعاته الخفقانا) (حبذا معهد قضينا بِهِ الْعَيْش ... فَكُنَّا بربعه جيرانا) (إِذْ وجدنَا من الْحَوَادِث أمنا ... وأخذنا من الخطوب أَمَانًا) (ورتعنا من المنى فِي رياض ... وسكنا من المغاني جنَانًا) وَبعد فَإِن وُفُود الهناء وأمداد الدُّعَاء متواصلة على الْوَلَاء صادرة عَن مَحْض الْوَلَاء إِلَى عالي جنابه المأنوس ومنيع كنفه المحروس

стр. 494

فليهنه الظفران بِالْملكِ وبالعدو وَفرع هضبات الْمجد والعلو وَكَيف لَا يكون النَّصْر مساوقا لدين هُوَ صَلَاحه والتأييد مرافقاً لعزم بِهِ نجاحه وفلاحه (فالشام يغبط مصرا مذ حللت بهَا ... كَمَا الْفُرَات عَلَيْكُم تحسد النيلا) (نلتم من الْملك عفوا مَا الْمُلُوك بِهِ ... عُنوا قَدِيما وراموه فَمَا نيلا) قَالَ الْعِمَاد ورثيت أَسد الدّين بقصيدة خدمت بهَا نور الدّين وعزيت بهَا أَخَاهُ نجم الدّين مِنْهَا (تضعضع فِي هَذَا الْمُصَاب المباغت ... من الدّين لَوْلَا نوره كل ثَابت) (فأيام نور الدّين دَامَت منيرة ... لنا خلف من كل مود وفائت) وَمِنْهَا (فَمَا بالنا نبدي التصامم غَفلَة ... وداعي المنايا نَاطِق غير صَامت) (نؤمل فِي دَار الفناء بقاءنا ... وَنَرْجُو من الدُّنْيَا صداقة ماقت) (وَمَا النَّاس إِلَّا كالغصون يَد الردى ... تقرِّب مِنْهَا كل عود لناحت) (لقد أبلغت رسل المنايا وأسمعت ... وَلكنهَا لم تحظ منا بناصت) وَمِنْهَا (فلهفي على تِلْكَ الشَّمَائِل إِنَّهَا ... لقد كرمُت فِي الْحسن عَن نعت ناعت)

стр. 495

وَله من أُخْرَى عزى بهَا أَخَاهُ نجم الدّين أَيُّوب وَولده نَاصِر الدّين مُحَمَّدًا (مَا بعد يَوْمك للمعنى المدنف ... غير العويل وحسرة المتأسف) (مَا أجرا الْحدثَان كَيفَ سَطَا على اللأسد ... الْمخوف سَطَا وَلم يتخوف) (من ذَا رأى الْأسد الهصور فريسة ... أم أبْصر الصُّبْح الْمُنِير وَقد خفى) (من ثابتٌ دون الكماة سواهُ إِن ... زلت بهم أَقْدَامهم فِي الْموقف) (مَا كَانَ أَسْنَى الْبَدْر لَو لم يسْتَتر ... مَا كَانَ أبهى الشَّمْس لَو لم تكسف) (مَا كنت أخْشَى أَن تلم ملمة ... يَوْمًا وَأَنت لكربها لم تكشف) (أَيَّام عمرك لم تزل مقسومة ... لله بَين تعبد وتعرف) (متهجدا لعبادة أَو تاليا ... من آيَة أَو نَاظرا فِي مصحف) (فجع الندى والبأس مِنْك بحاتم ... وبحيدر والحلم مِنْك بأحنف) (بِالْملكِ فزت وحزته عَن قدرَة ... ومضيت عَنهُ بسيرة الْمُتَعَفِّف) (ووصفت يَا أسدا لدين مُحَمَّد ... مدحا بِمَا ملك بِهِ لم يُوصف) (وقفوت آثَار الشَّرِيعَة كلهَا ... وَقد اهْتَدَى من للشريعة يقتفي) (أأنفت من دنياك حِين عرفتها ... فلويت وَجه الْعَارِف المستنكف) وَمِنْهَا (يَا نَاصِر الدّين استعذ بتصبر ... مُدْن إِلَى مرضاة ربٍ مزلف) (وتعزَّ نجم الدّين عَنهُ مهنَّأً ... أَبَد الزَّمَان بِملك مصر ويوسف) (لَا نستطيع سوى الدُّعَاء فكلنا ... إِلَّا بِمَا فِي الوسع غير مُكَلّف)

стр. 496

ولعمارة اليمني فِي صَلَاح الدّين مدائح مِنْهَا قَوْله (لَك الْحسب الْبَاقِي على عقب الدَّهْر ... بل الشّرف الراقي إِلَى قمة النَّسر) (كَذَا فَلْيَكُن سعى الْمُلُوك إِذا سعت ... بهَا الهمم الْعليا إِلَى شرف الذّكر) (نهضتم بأعباء الوزارة نهضة ... أقلتم بهَا الْأَقْدَام من زلَّة العثر) (كشفتم عَن الإقليم غمته كَمَا ... كشفتم بأنوار الْغنى ظلمَة الْفقر) (حميتم من الإفرنج سرب خلَافَة ... جريتم لَهَا مجْرى الْأمان من الذعر) (وَلما اسْتَغَاثَ ابْن النَّبِي بنصركم ... ودائرة الْأَنْصَار أضيق من شبر) (جلبتم إِلَيْهِ النَّصْر أَوْسًا وخزرجا ... وَمَا اشْتقت الانصار إِلَّا من النَّصْر) (كتائب فِي جيرون مِنْهَا أَوَاخِر ... وأولها بالنيل من شاطئي مصر) (طلعتم فأطلعتم كواكب نصْرَة ... أَضَاءَت وَكَانَ الدّين لَيْلًا بِلَا فجر) (وآبت إِلَيْكُم يَا ابْن أَيُّوب دولة ... تراسلكم فِي كل يَوْم مَعَ السّفر) (حمى الله فِيكُم عَزمَة أسدية ... فككتم بهَا الْإِسْلَام من ربقة الْأسر) (أَخَذْتُم على الإفرنج كل ثنَّية ... وقلتم لأيدي الْخَيل مرِّي على مرِّي) (لَئِن نصبوا فِي الْبر جِسْرًا فَإِنَّكُم ... عبرتم ببحر من حَدِيد على الجسر) (طَرِيق تقارعتم عَلَيْهَا مَعَ العدى ... ففزتم بهَا والصخر يقرع بالصخر) (وأزعجه من مصر خوف يلزه ... كَمَا لز مهزوم من اللَّيْل بِالْفَجْرِ) (وَكم وقْعَة عذراء لما اقتضضتها ... بسيفك لم تتْرك لغيرك من عذر) (وَأَيْدِيكُمْ بالبأس كاسرة العدى ... وَلكنهَا بالجود جابرة الْكسر) (أَبوك الَّذِي أضحى ذخيرة مجدكم ... وَأَنت لَهُ خير النفائس والذخر) (وَمن كنت مَعْرُوفا لَهُ فاستفزه ... بمثلك تيه فَهُوَ فِي أوسع الْعذر) (فَكيف أَب أَصبَحت نَار زناده ... وَإِلَّا كنور الْبَدْر من سنه الْبَدْر) (توقره وسط الندي كَرَامَة ... وَتحمل عَنهُ مايؤود من الوقر)

стр. 497

(وتخلفه حَربًا وسلما خلَافَة ... تؤلف أضدادا من المَاء والجمر) (وَكم قُمْت فِي بَأْس وجود ورتبة ... بِمَا سره فِي الْخطب والدست والثغر) (وَلَو أنطق الله الجمادات لم تقم ... لنعمتكم بالمستحق من الشُّكْر) (يَد لَا يقوم الْمُسلمُونَ بشكرها ... لكم آل أَيُّوب إِلَى آخر الدَّهْر) (بكم أَمن الرَّحْمَن أعظم يثرب ... وَأمن أَرْكَان البنية وَالْحجر) (وَلَو رجعت مصر إِلَى الْكفْر لانطوى ... بِسَاط الْهدى من ساحة الْبر وَالْبَحْر) (وَلَكِن شددتم أزره بوزارة ... غَدا لَفظهَا يشتق من شدَّة الْأرز) (فهنيتم فتحا تقدم جله ... وَبشر أَن الْكل يَتْلُو على الإثر) (وَمَا بقيت فِي الشّرك إِلَّا بَقِيَّة ... تتمتها فِي ذمَّة الْبيض والسمر) (وَعند تَمام الْملك آتِي مهنئا ... وملتمسا أجر الكهانة والزجر) (وَلَوْلَا اعتقادي أَن مدحك قربَة ... أرجي بهَا نيل المثوبة وَالْأَجْر) (لما قلت شعرًا بعد إعفاء خاطري ... ولي سنوات مُنْذُ تبت عَن الشّعْر) (فأوص بِي الْأَيَّام خيرا فَإِنَّهَا ... مصرفة بِالنَّهْي مِنْك وبالأمر) (وجائزتي تسهيل إذني عَلَيْكُم ... وملقاكم لي بالطلاقة والبشر) وَقَالَ أَيْضا من قصيدة (يَا شَبيه الصّديق عدلا وحسناً ... وسميَّاً حَكَاهُ معنى ومغنى) (هَذِه مصر يُوسُف حل فِيهَا ... يوسفٌ مَالِكًا وَمَا حل سجنا) (أَنْت حرَّمت أَن يثلَّث فِيهَا ... بسوى الله وَحده أَو يثنى)

стр. 498

(إِنَّمَا الْملك والوزارة جسم ... أَنْت روح فِيهِ وَفِي اللَّفْظ معنى) وَقَالَ أَيْضا من قصيدة (ملك صَلَاح الدّين لَا قوضت ... أطنابه ملك التقى وَالصَّلَاح) (سيرة عدل حسَّنت عندنَا ... مَا كَانَ من وَجه اللَّيَالِي القباح) (سَافر فِي الدُّنْيَا وأقطارها ... ذكرٌ غَدا عَنهُ جميلا وَرَاح) (قل لِابْنِ أَيُّوب وَكم نَاصح ... أَنْفَع مِمَّن هُوَ شاكي السِّلَاح) (حَارب على مثل نُجُوم السما ... فَملك مصر مَا عَلَيْهِ اصْطِلَاح) (قولا لمن فِي عزمه فَتْرَة ... ارْجع إِلَى الْجد وخل المزاح) (فالقدس قد أذَن إغلاقه ... على يَدي يُوسُف بالإنفتاح) وَقَالَ أَيْضا من قصيدة (ونُبت بِمصْر عَن سميك يوسفٍ ... كَمَا نَاب عَن سكب الحيا واكف سكب) (حذوت على سجلي نداه وهديه ... وَإِن كنت لاسجن حواك ولاجب) (ووافقته فِي الصفح عَن كل مذنب ... فَمَا مِنْك تَثْرِيب وَإِن عظم الْخطب) وللحكيم عبد الْمُنعم الجلياني من قصيدة طَوِيلَة

стр. 499

(أَبُو المظفر مأوى كل مضطهد ... بحلمه ونداه يضْرب الْمثل) (مهما يمل جَائِر أَو عائث عَمه ... فَعِنْدَ عدل صَلَاح الدّين يعتدل) (أَحْيَا بِهِ الله مصرا فَهِيَ نَاشِرَة ... وافتكها من عَدو مَا بِهِ قبل) (كم للفرنج بهَا وردا ومنتجعا ... ونارهم حولهَا تذكو وتشتعل) (فأطفأ النَّاصِر الْمَنْصُور جذوتهم ... وأدبروا بقلوب شهمها وَجل) (ملك تقلد سلك الْملك منتظما ... وَقَالَ لِلْمَالِ هَذَا مِنْك لي بدل) (فَفرق المَال جمعا للقلوب بِهِ ... وحسبه فيهم إِدْرَاك مَا سَأَلُوا) (إِن الْمُلُوك الَّذين امْتَدَّ أَمرهم ... لم يخزنوا المَال بل مهما حووا بذلوا) (كَذَا السياسة فالأجناد لَو علمُوا ... بخل المليك وَجَاءَت شدَّة خذلوا) فصل هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ من قصَّة شاور وَمَا جرى بِسَبَبِهِ فِي الديار المصرية إِلَى

стр. 500

أَن تمت وزارة صَلَاح الدّين قد وجدته مَبْسُوطا مُشْتَمِلًا على زيادات وفوائد فِي كتاب ليحيى بن أبي طيّ الْحلَبِي فِي السِّيرَة الصلاحية فَأَحْبَبْت ذكره مُخْتَصرا ذكر أَن الْملك الصَّالح طلائع بن رُزيك وَزِير الديار المصرية لما

стр. 501

قتل فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَخمسين بتدبير عَمه العاضد عَلَيْهِ أوصى عِنْد مَوته ابْنه رزيك بشاور وَقَالَ لَهُ لَا تزلزله من ولَايَته فَأَنَّهُ أسلم لَك ولملكك وَيُقَال إِنَّه أنْشد أبياتاً مِنْهَا (فَإِذا تبدد شَمل عقدكما ... لاتأمنا من شاور السَّعْدِيّ) وَكَانَ شاور مُتَوَلِّي قوص والصعيد الْأَعْلَى فَلَمَّا دفن الصَّالح استوزر ابْنه رزيك ولقب بالعادل وَلما أستقرت أَحْوَاله أرسل إِلَى عمَّة العاضد فخنقها وَاجْتمعَ إِلَى رزيك أَوْلَاد عمته وَمن جُمْلَتهمْ عز الدّين حسام وأشاروا عَلَيْهِ بعزل شاور فَامْتنعَ ثمَّ ألحوا عَلَيْهِ فَأجَاب وَبلغ شاور فجاهر بالعصيان وَجمع العربان وَأهل الصَّعِيد وَسَار إِلَى الْقَاهِرَة وَخرج إِلَيْهِ جمَاعَة من أمرائها كَانُوا كاتبوه فَخرج رزيك تَحت اللَّيْل فضل الطَّرِيق وتاه فَوَقع عِنْد إطفيح وثمَّ بيُوت عرب فقبضوا عَلَيْهِ وحُمل إِلَى شاور وَقد دخل الْقَاهِرَة وتسلمها وأخرجت إِلَيْهِ خلع الوزارة وَتمّ أمره وَلما حصل رُزَّيك عِنْد شاور أكْرمه وصلب الَّذِي أَتَى بِهِ ونادى عَلَيْهِ هَذَا جَزَاء من لَا يُرَاعِي الْجَمِيل وَكَانَ للصالح إِلَيْهِ إِحْسَان وتفرَّق آل رزيك فِي الْبِلَاد وَنَجَا حسام الَّذِي كَانَ سَبَب هَلَاك بني رزيك بأموال وَصَارَ إِلَى حماة فَأَقَامَ بهَا وَاشْترى الْقرى وَلم يزل بهَا إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ فِي خُرُوجه أودع عِنْد الفرنج سبعين ألف دِينَار فوفوا لَهُ وردوها عَلَيْهِ ثمَّ أَرَادَ تَقِيّ الدّين أَخذهَا مِنْهُ فَقَالَ من الْعجب أَن الفرنج تفي لي بردهَا وتأخذها أَنْت مني فَكف عَنهُ

стр. 502

قَالَ وَتمكن شارو وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة أَوْلَاد طيّ والكامل وَسليمَان فتبسطوا على النَّاس وتعاظموا فمجتهم الْأَنْفس وَكَانَ مُلهم وَأَخُوهُ ضرغام من صنائع الصَّالح بن رزيك فَلَمَّا شَاهدا ميل النَّاس عَن شاور بِسَبَب أَوْلَاده أخذا فِي مراسلة رزيك بن الصَّالح وَهُوَ فِي السجْن وَالْعَمَل لَهُ فِي إِعَادَته إِلَى الوزارة واتصل ذَلِك بطيّ بن شاور فَدخل على أَبِيه وَقَالَ لَهُ أَنْت غافل ومُلْهم وضرغام يفسدان أَمرك وَقد شرعا فِي أَمر رزيك واستحلفا لَهُ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَلَا يُمكن تلافي حالك إِلَّا بقتل رزيك فَقَالَ لَهُ شارو إِن الصَّالح أولاني جميلا وبسببه حللت هَذَا الْمحل فَتَركه وَلَده طيّ وَدخل على رزيك فَقتله فِي سجنه وَسمع شاور ذَلِك فَقَامَتْ قِيَامَته ونُمى الْخَبَر إِلَى ضرغام وأخيه ملهم فثارا وأثارا من استحلفاه من الْأُمَرَاء وزحفا بالعساكر إِلَى شاور فَانْهَزَمَ وَخرج من بَاب الْقَاهِرَة وهرب إِلَى الشَّام وَأدْركَ ضرغام ولديه طيئا وَسليمَان فَقَتَلَهُمَا وَأسر الْكَامِل فَأَخذه ملهم واعتقله عِنْده وَأَرَادَ ضرغام قَتله فَمَنعه مِنْهُ ملهم وَحفظ لَهُ جميلا كَانَ قد فعله مَعَه وَاسْتقر أَمر ضرغام فِي الوزارة وخلُع عَلَيْهِ ولقب بِالْملكِ الْمَنْصُور وَلما اسْتَقر بِهِ الْأَمر بلغه أَن جمَاعَة من الْأُمَرَاء حسدوه واستصغروه وكاتبوا شاور وَكَانَ صَار إِلَى الشَّام فَأخذ فِي إِعْمَال الْحِيلَة عَلَيْهِم وأحضرهم إِلَى دَار الوزارة لَيْلًا فَقَتلهُمْ جَمِيعًا وَلم يتَعَرَّض لأموالهم وَلَا لمنازلهم وَقيل إِنَّه قتل مِنْهُم سبعين أَمِيرا وَيُقَال إِنَّه جعلهم فِي توابيت وَكتب

стр. 503

على كل تَابُوت اسْم صَاحبه فَكَانَ ذَلِك أكبر الْأَسْبَاب فِي هَلَاكه وَخُرُوج دولة المصريين عَن يَد أَصْحَابهَا لِأَنَّهُ أَضْعَف عَسْكَر مصر بقتل الْأُمَرَاء وَأما شاور فَإِنَّهُ لما خرج من الْقَاهِرَة سَار على وَجهه حَتَّى وصل إِلَى دمشق بعد تحَققه قتل ولديه وَلما وصل إِلَى بُصرى اتَّصل خَبره بِنور الدّين فندب جمَاعَة إِلَى تلِّقيه وأنزله فِي جوسق الميدان الْأَخْضَر وَأحسن ضيافته وإكرامه ثمَّ بعد سَبْعَة أَيَّام من مقدمه أحضر نور الدّين ابْن الصُّوفِي وَجَمَاعَة من وُجُوه الدمشقيين وَقَالَ لَهُم اخْرُجُوا إِلَى هَذَا الرجل وسلموا عَلَيْهِ وعرفوه اعذارنا فِي التَّقْصِير فِي حَقه وَسَلُوهُ فِيمَا قدم وَمَا حَاجته فَإِن كَانَ ورد علينا مُخْتَارًا للإقامة أفردنا لَهُ من جهاتنا مَا يَكْفِيهِ وَيقوم بأربه وأوده وَتَكون عوناً لَهُ على زَمَانه وَإِن كَانَ ورد لغير ذَلِك فيفصح عَن حَاجته فَخرج الْجَمَاعَة إِلَيْهِ بالرسالة فَشكر إِحْسَان نور الدّين وَسكت عَمَّا وَرَاء ذَلِك فَسَأَلَهُ الْقَوْم الْجَواب فَقَالَ إِذا لم يبيَّت الرَّأْي جَاءَ فطيراً فَعَاد الْقَوْم إِلَى نور الدّين وعرفوه مَا دَار بَينهم وَبَينه فَأمر بِالْعودِ إِلَيْهِ من غَد ذَلِك الْيَوْم فعادوا وطلبوا الْجَواب فَسكت أَيْضا

стр. 504

وَأطَال ثمَّ قَالَ إِن رَأْي نور الدّين أَطَالَ الله بَقَاءَهُ الِاجْتِمَاع بِي فَلهُ علُّو الرَّأْي فعرَّفوا نور الدّين بمقالته فَأجَاب نور الدّين إِلَى أَن يكون الِاجْتِمَاع على ظهر بالميدان الْأَخْضَر وَركب نور الدّين من الْغَد فِي وُجُوه دولته وخواص مَمْلَكَته فِي أحسن زِيّ وأكمل شارة فَلَمَّا دخل الميدان ركب شاور من الْجَوْسَقِ والتقيا فِي وسط الميدان بالتحية فَقَط وَلم يترجل أحد مِنْهُمَا لصَاحبه ثمَّ سارا من مَوضِع اجْتِمَاعهمَا وَهُوَ نصف الميدان إِلَى آخِره ثمَّ انفصلا من هُنَاكَ وَعَاد نور الدّين إِلَى قلعة دمشق وَأخذ من وقته ذَلِك فِي جمع العساكر وَأما ضرغام فَإِنَّهُ حِين اسْتَقر بِهِ الْأَمر أنشأ كتابا إِلَى نور الدّين على يَد علم الْملك ابْن النّحاس يظْهر فِيهِ الطَّاعَة ويعرِّض بخذلان شاور فأظهر نور الدّين لعلم الْملك الْقبُول فِي الظَّاهِر وَهُوَ مَعَ شاور فِي الْبَاطِن وَأجَاب عَن الْكتاب وانفصل علم الْملك عَن دمشق فَلَمَّا كَانَ بِظَاهِر الكرك أَخذه فيليب بن الرفيق الفرنجي وَحصل على جَمِيع مَا كَانَ مَعَه وَانْهَزَمَ علم

стр. 505

الْملك بِنَفسِهِ وَتوجه إِلَى السَّاحِل وَسَار إِلَى مصر وَفِي هَذِه الْأَيَّام أنفذ نور الدّين واستحضر أَسد الدّين شيركوه من إقطاعه من الرحبة وَكَانَ نور الدّين قد تيمن بأسد الدّين وتبرك بميمون نقيبته لِأَنَّهُ لم يُرْسِلهُ فِي أَمر إِلَّا نجح وَلم يولجه فِي مضيق إِلَّا انْفَتح وَلما حضر أَسد الدّين إِلَى دمشق أخلاه نور الدّين وتحدث مَعَه بأَشْيَاء فِي أَمر مصر وَأمره بالاستعداد وَكَانَ نور الدّين قد أزاح عِلّة الْعَسْكَر الَّذِي يُرِيد يسيره إِلَى مصر فَخرج من يَوْمه وَكَانَ شارو قد أطمع نور الدّين فِي أَمْوَال مصر ورغبه فِي ملكهَا وَأَنه إِذا ملكهَا كَانَ من قبله فِيهَا وَلما بلغ شاور استتبابُ أَمر الْعَسْكَر سَأَلَ عَن الْمُقدم عَلَيْهِ فَقيل لَهُ أَسد الدّين شيركوه فَلم يطب لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ ظن أَن التقدمة تكون لَهُ فَلَمَّا زوحم بِهَذَا الْعود سُقط فِي يَده وفت فِي عضده وَلم يجد بدا من الْمسير فَخرج وَاجْتمعَ بأسد الدّين وسارا جَمِيعًا حَتَّى وصلوا أَطْرَاف الْبِلَاد المصرية ونزلوا على تل فِي الحوف قريب من بلبيس يعرف بتل بسطة وضربوا خيامهم هُنَاكَ

стр. 506

وَلما اتَّصل بضرغام خبر وُرُود شاور وَأسد الدّين بالعساكر الشامية جمع أُمَرَاء مصر واستشارهم فَأَشَارَ شمس الْخلَافَة مُحَمَّد بن مُخْتَار بِأَن تَجْتَمِع العساكر وَتخرج جَرِيدَة وتلقى العساكر الشامية بصدر وَهُوَ على يَوْمَيْنِ من الْقَاهِرَة فَإِنَّهُم لَا يثبتون لكَوْنهم خَرجُوا من الْبَريَّة ضعفاء ولمكان قلَّة المَاء عَلَيْهِم لِأَن الْمُسَافِر إِلَى مصر يحمل المَاء من أيْلة مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام فَلم يرَوا ذَلِك واختاروا أَن يلقوهم على بلبيس فَأمر ضرغام الْأُمَرَاء بِالْخرُوجِ فَخَرجُوا فِي أحسن زِيّ وأكمل عدَّة والمقدَّم عَلَيْهِم نَاصِر الدّين ملهم أَخُو ضرغام وجاؤوا حَتَّى أحاطوا بِالتَّلِّ الَّذِي كَانَ أَسد الدّين نازلا عَلَيْهِ وَلما عاين أَسد الدّين كَثْرَة العساكر وَأَنَّهُمْ قد ملكوا عَلَيْهِم الْجِهَات وسدوا منافذ الطرقات قَالَ لشاور يَا هَذَا لقد أرهقتنا وغررتنا وَقلت إِنَّه لَيْسَ بِمصْر عَسَاكِر فَجِئْنَا فِي هَذِه الشرذمة فَقَالَ لَهُ شاور لَا يهولنك مَا تشاهد من كَثْرَة الجموع فأكثرها الحاكة والفلاحون الَّذين يجمعهُمْ الطبل وتفرقهم الْعَصَا فَمَا ظَنك بهم إِذا حمى الْوَطِيس وكلبت الْحَرْب وَأما الْأُمَرَاء فَإِن كتبهمْ عِنْدِي وعهودهم معي وسترى ذَلِك إِذا لَقِينَاهُمْ ثمَّ قَالَ أُرِيد أَن تَأمر العساكر بالاستعداد وَالرُّكُوب فَفعل ونهاهم شاور عَن الْقِتَال ووقف الْفَرِيقَانِ مصطفين من غير حَرْب إِلَى أَن حمى النَّهَار والتهب الْحَدِيد على أجساد الرِّجَال فَضرب أَكثر أهل مصر الخيم الصغار وخلعوا

стр. 507

السِّلَاح ونزلوا عَن الْخُيُول وجلسوا فِي الظل فَأمر شاور النَّاس بالحملة فَكَانَ أسعد أهل مصر من ركب فرسه وَأطلق عنانه وَولى مُنْهَزِمًا وَتركُوا خيمهم وَأَمْوَالهمْ لَيْسَ لَهَا حَافظ فاحتوى علها أَصْحَاب أَسد الدّين وأُسر شمس الْخلَافَة وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء المصريين وَلم يُمكن شاور من تقييدهم وَالِاحْتِيَاط عَلَيْهِم فَهَرَبُوا وسَاق أَسد الدّين وشارو فِي أثر النَّاس ونزلوا على الْقَاهِرَة وقاتلوها أَيَّامًا وارسل شاورُ العاضد فِي إصْلَاح الْحَال وَأَن يَأْذَن لَهُ فِي الدُّخُول إِلَى الْقَاهِرَة فَأذن لَهُ وَكَانَ ضرغام صَار إِلَى تَحت الْقصر وَقَالَ أُرِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ يكلمني لأسأله عَمَّا أفعل فَلم يجبهُ أحد فَذهب على وَجهه مُنْهَزِمًا وَخرج من بَاب زويلة والعامة تلعنه وتصيح عَلَيْهِ فالتحقه رجل من أهل الشَّام ليَقْتُلهُ فَقَالَ لَهُ ضرغام أوصلني إِلَى أَسد الدّين وَلَك مناك فَلم يقبل مِنْهُ وَحمل عَلَيْهِ فطعنه فأراده وَنزل إِلَيْهِ واحتز رَأسه وَحمله إِلَى أَسد الدّين وأعلمه بِمَا جرى بَينهمَا فصعب على أَسد الدّين وأوجعه ضربا وَأَرَادَ قَتله فشفع فِيهِ شاور وَدخل شاور الْقَاهِرَة وَقتل ملهماً أَخا ضرغام عِنْد بركَة الْفِيل وَخرج ابْنه الْكَامِل من دَار ملهم وَكَانَ معتقلاً فِيهَا وَخرج مَعَه القَاضِي الْفَاضِل وَكَانَ أَيْضا معتقلا فِيهَا مَعَه واستقام أَمر شاور فِي الوزارة وَأقَام أَسد الدّين على المقس ينْتَظر أَمر شاور فِيمَا ضمن لنُور الدّين وَأرْسل إِلَيْهِ يَقُول لَهُ قد طَال مقامنا فِي الخيم وَقد ضجر الْعَسْكَر من الْحر وَالْغُبَار فَأرْسل إِلَيْهِ شاور ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَقَالَ ترحل الْآن فِي أَمن الله تَعَالَى ودعته فَلَمَّا سمع أَسد الدّين

стр. 508

ذَلِك أرسل إِلَيْهِ إِن نور الدّين أَوْصَانِي عِنْد انفصالي عَنهُ إِذا ملك شارو تكون مُقيما عِنْده وَيكون لَك ثلث مُغَلِّ الْبِلَاد وَالثلث الآخر لشاور وللعسكر وَالثلث الآخر لصَاحب الْقصر يصرفهُ فِي مَصَالِحه فَقَالَ شارو أَنا مَا قررت شَيْئا مِمَّا تَقول أَنا طلبت نجدة من نور الدّين فَإِذا انْقَضى شغلي عَادوا إِلَى الشَّام وَقد سيرت إِلَيْكُم نَفَقَة فخذوها وَانْصَرفُوا وَأَنا أنفصل مَعَ نور الدّين فَقَالَ أَسد الدّين أَنا لَا يمكنني مُخَالفَة نور الدّين وَلَا أقدر على الِانْصِرَاف إِلَّا بإمضاء أمره فَأمر شاور بإغلاق بَاب الْقَاهِرَة وَأخذ فِي الاستعدادللحصار واستعد أَسد الدّين أَيْضا وسيَّر صَلَاح الدّين فِي قِطْعَة من الْجَيْش إِلَى بلبيس لجمع الغلال والأتبان والأحطاب وَمَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَيكون جَمِيع ذَلِك فِي بلبيس ذخيرة وَأخذ فِي قتال الْقَاهِرَة وَكَاتب شاور ملك الفرنج مُرِّي يستنجده وَيَقُول لَهُ إِن شيركوه طلع معي نجدةً على ضرغام فَلَمَّا حصلوا فِي الْبِلَاد طمعوا فِيهَا وَمَتى ملكوها مُضَافَة إِلَى بِلَاد الشَّام لم يكن لَك مَعَهم عَيْش وَلَا قَرَار وَضمن لَهُ فِي كل مرحلة يرحلها إِلَى ديارمصر ألف دِينَار وَقرر شَيْئا لقضيم دوابهم وشيئاً لاسبتاريته فَخرج مُرِّي من عسقلان فِي جموعه إِلَى فاقوس فِي سبع

стр. 509

وَعشْرين مرحلة وَقبض عَنْهَا سَبْعَة وَعشْرين ألف دِينَار وَلما تحقق أَسد الدّين قرب الفرنج من الْقَاهِرَة أجفل عَنْهَا إِلَى بلبيس وانضاف إِلَيْهِ من أَهلهَا الكنانَّية وَخرج شاور فِي عَسَاكِر مصر وَاجْتمعَ بالفرنج وَجَاء حَتَّى خيَّم على بلبيس وأحاط بهَا محاصراً لأسد الدّين يباكر الْحَرْب ويراوحها وَأَقَامُوا على ذَلِك مُدَّة ثَمَانِيَة أشهر وانقطعت أَخْبَار مصر وَمن بهَا عَن نور الدّين وَكَانَ اتَّصل بِنور الدّين وَهُوَ بِدِمَشْق خبر مسير الفرنج إِلَى ديار مصر وغدر شاور فكاتب الْأَطْرَاف بقدوم العساكر فَقدم عَلَيْهِ عَسَاكِر الشرق جَمِيعهَا واجتمعوا بِأَرْض حلب فَنزل بهم مجد الدّين ابْن الدّاية وَكَانَ نَائِب نور الدّين بحلب وَسَار إِلَى جِهَة حارم وَنزل على أرتاح وَخرج نور الدّين من دمشق وَشن الْغَارة على السَّاحِل وَقتل وَأسر عَالما عَظِيما ثمَّ قصد جِهَة حلب وَجعل طَرِيقه حصن الأكراد فَلَمَّا حصل بأرضه شن الْغَارة فِيهَا وغنم غنيمَة عَظِيمَة وَنزل فِي مرجه فَخرج إِلَيْهِ الفرنج الْإِخْوَة من حصن الأكراد وهجموا عسكره وَقتلُوا جمَاعَة من الْمُسلمين وَكَانَ عَسْكَر نور الدّين غافلا فَلم يتماسك النَّاس وَسَارُوا على وُجُوههم وَسَار نور الدّين إِلَى أَن اجْتمع بعساكره على أرتاح وَكَانَ أَخُوهُ نصْرَة الدّين مَعَ الفرنج فَلَمَّا عاين أَعْلَام نور الدّين لم يتماسك أَن حمل بِجَمِيعِ

стр. 510

أَصْحَابه قَاصِدا أَخَاهُ نور الدّين فَلَمَّا قَرُب مِنْهُ نزل وَقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ فَلم يلْتَفت عَلَيْهِ فتم على وَجهه واصطف النَّاس للحرب فَحملت الفرنج فَكسرت الميسرة ثمَّ عَادَتْ فَوجدت راجلها جَمِيعه قد قتل وَالْخَيْل قد أطبقت عَلَيْهِم فنزلوا عَن الْخُيُول وألقوا أسلحتهم وأذعنوا بالأمان فَأخذُوا جَمِيعًا قبضا بِالْأَيْدِي وَسَار إِلَى حارم فَفَتحهَا وَأَرَادَ النُّزُول على أنطاكية فَلم يتَمَكَّن لشغل قلبه بِمن فِي مصر من الْمُسلمين فانحرف قَاصِدا لدمشق وَنزل على بانياس فافتتحها وأغار على بلد طبرية وَجمع أَعْلَام الفرنج وشعافهم وَجعلهَا فِي عَيْبَة وَسلمهَا إِلَى نَجَّاب وَقَالَ لَهُ أُرِيد أَن تُعمل الْحِيلَة فِي الدُّخُول إِلَى بلبيس وتخبر أَسد الدّين بِمَا فتح الله على الْمُسلمين وتعطيه هَذِه الْأَعْلَام والشعاف وتأمره بنشرها على أسوار بلبيس فَإِن ذَلِك مِمَّا يفتُّ فِي أعضاد الْكفَّار وَيدخل الوهن عَلَيْهِم فَفعل ذَلِك فَلَمَّا رأى الفرنج الْأَعْلَام والشعاف قلقوا لذَلِك وخافوا على بِلَادهمْ وسألوا شاور الْإِذْن فِي الِانْفِصَال فانزعج شاور لذَلِك وَخَافَ من عَاقِبَة الْأَمر وسألهم التَّمُّهل أَيَّامًا وَجمع أمراءه للمشورة فأشاروا عَلَيْهِ بمصالحة أَسد الدّين وتكفل إتْمَام الصُّلْح لَهُ الْأَمِير شمس الْخلَافَة فأنفذه إِلَيْهِ فتم الصُّلْح على يَدَيْهِ على أَن يحمل شاور إِلَى أَسد الدّين ثَلَاثِينَ ألف دِينَار أُخْرَى

стр. 511

وَحكي أَن شاور أرسل إِلَى أَسد الدّين وَهُوَ مَحْصُور ببلبيس يَقُول لَهُ اعْلَم أنني قد أبقيت عَلَيْك وَلم أمكن الفرنج مِنْك لأَنهم كَانُوا قَادِرين عَلَيْك وَإِنَّمَا فعلت ذَلِك لأمرين أَحدهمَا أَنِّي مَا أخْتَار أَن أكسر جاه الْمُسلمين وأُقوي الفرنج عَلَيْهِم وَالثَّانِي أَنِّي خفت أَن الفرنج إِذا فتحُوا بلبيس طمعوا فِيهَا وَقَالُوا هَذِه لنا لأَنا فتحناها بسيوفنا وَمَا من يَوْم كَانَ يمْضِي إِلَّا وَأَنا وأنفذ إِلَى أكَابِر الفرنج الْجُمْلَة من المَال وأسألهم أَن يكسروا همة الْملك عَن الزَّحْف قَالَ وَأقَام أَسد الدّين بِظَاهِر بلبيس ثَلَاثَة أَيَّام ورحلت الفرنج إِلَى جِهَة السَّاحِل وَسَار أَسد الدّين قَاصِدا الشَّام وَجعل مسيره على البرِّية وَاتفقَ أَن الْبُرْنُس أرناط صَاحب الكَرَك والشَّوْبَك تَأَول ليمينه الَّتِي حَلفهَا لأسد الدّين وَقَالَ أَنا حَلَفت أَنِّي مَا ألحق أَسد الدّين وَلَا عسكره فِي الْبر وَأَنا أُرِيد ألحقهُ فِي الْبَحْر وَركب فِي الْبَحْر وَصَارَ فِي يَوْم وَاحِد إِلَى عسقلان وَخرج مِنْهَا إِلَى الكرك والشوبك وَجمع عسكره الْمُقِيم هُنَاكَ وَقعد مرتقباً خُرُوج أَسد الدّين من الْبَريَّة ليوقع بِهِ وَعلم أَسد الدّين بمكيدة أرناط بالحدس والتخمين فسلك طَرِيقا من خلف الْمَكَان الَّذِي كَانَ

стр. 512

فِيهِ أرناط شقّ إِلَى الْغَوْر وَخرج من البلقاء وَسلمهُ الله تَعَالَى مِنْهُ وَدخل دمشق وَاجْتمعَ بِنور الدّين وَأخْبرهُ بالأحوال وأعلمه بِضعْف ديار مصر ورغبه فِيهَا وشوقه إِلَى ملكهَا فَرغب فِيهَا نور الدّين وَأمره بتجنيد الأجناد واستخدام الرِّجَال وَأما شاور فَإِنَّهُ بعد رحيل أَسد الدّين والفرنج إِلَى بِلَادهمْ عَاد إِلَى الْقَاهِرَة وَلم يكن لَهُ همة إِلَّا تتبع من علم أَن بَينه وَبَين أَسد الدّين معرفَة أَو صُحْبَة وَكَانَ استفسد جمَاعَة من عَسْكَر أَسد الدّين مِنْهُم خشترين الْكرْدِي وأقطعه شطنوف وَقتل شاور جمَاعَة من أهل مصر وشردّ آخَرين ثمَّ توجه أَسد الدّين فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ قَاصِدا الديار المصرية وكتم أخباره فَمَا رَاع شاور إِلَّا وُرُود كتاب مري ملك الفرنج يعرفهُ فِيهِ أَن أَسد الدّين قد فصل عَن دمشق بعساكره قَاصِدا ديار مصر فَطلب شاور مِنْهُ إِعَادَة النجدة والمقرر من المَال يصل إِلَيْهِ على مَا

стр. 513

كَانَ يصل إِلَيْهِ فِي الْعَام الْمَاضِي فَسَار مُرِّي فِي عَسَاكِر الفرنج إِلَى مصر على جَانب الْبَحْر وَكَانَ أَسد الدّين سائراً فِي الْبر فسبقه الفرنج ونزلوا على ظَاهر بلبيس وَخرج شاور بعساكر مصر وَاجْتمعَ بِالْملكِ وقعدوا جَمِيعًا فِي انْتِظَار أَسد الدّين وَعلم أَسد الدّين باجتماع الفرنج بشاور على بلبيس فنكب عَن طريقهم وَأم الْجَبَل وَخرج على إطفيح وَهِي فِي الْجنُوب من مصر وَشن الْغَارة هُنَاكَ واتصل بشاور خَبره فَسَار فِي عساكره والفرنج فِي صحبته يقفو أَثَره واتصل بأسد الدّين ذَلِك فأندفع بَين أَيْديهم حَتَّى بلغ شرونة من صَعِيد مصر وتحيَّل فِي مراكب ركبهَا وعدى إِلَى الْبر الغربي وَلما اسْتكْمل تعديته أدْرك شاور بعض ساقته ومنقطعي عسكريته فأوقع بهم وأحضر شاور أَيْضا مراكب وَقطع النّيل فِي أثر أَسد الدّين بِجَمِيعِ جيوشه وجيوش الفرنج وَسَار أَسد الدّين إِلَى الجيزة وخيم بهَا مِقْدَار خمسين يَوْمًا واستمال قوما يُقَال لَهُم الْأَشْرَاف الجعفريين والطلحيين والقرشيين فأنفذ أَسد الدّين إِلَى شاور يَقُول لَهُ أَنا أَحْلف لَك بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَبِكُل يَمِين يَثِق بهَا الْمُسلم من أَخِيه أنني لَا أقيم بِبِلَاد مصر وَلَا أعاود إِلَيْهَا أبدا وَلَا أمكن أحدا من التَّعَرُّض إِلَيْهَا وَمن عارضك فِيهَا كنت مَعَك إلباً عَلَيْهِ وَمَا أؤمِّل مِنْك إِلَّا نصر الْإِسْلَام فَقَط وَهُوَ أَن هَذَا الْعَدو قد حَصَل بِهَذِهِ الْبِلَاد والنجدة عَنهُ بعيدَة وخلاصه

стр. 514

عسير وَأُرِيد مِنْك أَن نَجْتَمِع أَنا وَأَنت عَلَيْهِ وننتهز فِيهِ الفرصة الَّتِي قد أمكنت وَالْغنيمَة الَّتِي قد أكتبت فنستأصل شأفته ونخمد نائرته وَمَا أَظن أَنه يعود يتَّفق لِلْإِسْلَامِ مثل هَذِه الْغَنِيمَة أبدا فَلَمَّا صَار الرَّسُول إِلَى شاور وَأدّى إِلَيْهِ الرسَالَة أَمر بِهِ فَقتل وَقَالَ مَا هَؤُلَاءِ الفرنج هَؤُلَاءِ الفرنج ثمَّ أعلم الفرنج بِمَا أرسل بِهِ إِلَيْهِ أَسد الدّين وأعلمهم بِمَا أَجَابَهُ وجدد لَهُم أيماناً وثقوا بهَا وَبلغ ذَلِك أَسد الدّين فَأكل يَدَيْهِ أسفا على مُخَالفَة شاور لَهُ فِي هَذَا الرَّأْي وَقَالَ لَعنه الله لَو أَطَاعَنِي لم يبْق بِالشَّام أحد من هَؤُلَاءِ الفرنج وَنزل شاور فِي اللوق والمقسم وَأمر بِعَمَل الجسر بَين الجيزة والجزيرة وَأمر بالمراكب فشحنت بِالرِّجَالِ وَأمرهمْ أَن يجيئوا من خلف عَسْكَر أَسد الدّين وَلما رأى أَسد الدّين ذَلِك كتب إِلَى أهل الْإسْكَنْدَريَّة يستنجد بهم على شاور لأجل إِدْخَاله الفرنج إِلَى دَار الْإِسْلَام وتضييعه أَمْوَال بَيت مَال الْمُسلمين فيهم فَقَامُوا مَعَه وَأمرُوا عَلَيْهِم نجم الدّين بن مصال وَهُوَ ابْن أحد وزراء المصريين وَكَانَ لَجأ إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة مستخفياً فَظهر فِي هَذِه الْفِتْنَة حَدثنِي الإدريسي الشريف نزيل حلب قَالَ كنت بالإسكندرية يَوْمئِذٍ فَكتب معي ابْن مصال كتابا إِلَى أَسد الدّين وَقَالَ لي قل لَهُ إِنِّي

стр. 515

أخْبرك أَن السِّلَاح وَاصل وَكَانَ أنفذ لأسد الدّين خزانَة من السِّلَاح قَالَ فَسَبَقتهَا بيومين وَحَضَرت بَين يَدي أَسد الدّين وأعطيته الْكتب وشافهته برسالة ابْن مصال فِي معنى السِّلَاح والآلات ثمَّ وصلت الخزانة بعد يَوْمَيْنِ مَعَ ابْن أُخْت الْفَقِيه ابْن عَوْف قَالَ وَبَقينَا على الجيزة يَوْمَيْنِ فوصل إِلَيْنَا رَسُول ابْن مدافع يخبر أَسد الدّين بِقرب شاور مِنْهُ ويأمره بالنجاة فَترك أَسد الدّين الْخيام والمطابخ وَمَا يثقل حمله وَسَار سيراً حثيثاً حَتَّى قَارب دَلَجْة فَأمر أَسد الدّين بنهبها فنهبت وَنزل النَّاس لتعشية الدَّوَابّ فَلم يستتم عليقها حَتَّى أَمر أَسد الدّين النَّاس بالرحيل وَأوقدت المشاعل لَيْلًا وسرنا فَإِذا الجاووش يُنَادي فِي النَّاس بِالرُّجُوعِ وَعَاد أَسد الدّين إِلَى دلجة فَنزل عَلَيْهَا وَنزل شاور على الأشمونين وَأمر أَسد الدّين النَّاس أَن يقفوا على تعبئة فَأَصْبحُوا على ذَلِك والتقوا فَقتل من أَصْحَاب أَسد الدّين جمَاعَة كَثِيرَة وانهزموا وَكَانَ أَسد الدّين قد فرق أَصْحَابه فريقين فريقاً مَعَه وفريقاً جعله مَعَ صَلَاح الدّين وأنفذه ليَأْتِي من خلف عَسْكَر شاور فَدخل الضعْف من هَذَا الطَّرِيق ثمَّ إِن أَصْحَاب أَسد الدّين تجمعُوا وتماسكوا وَعَلمُوا أَنه لَا منجى لَهُم إِلَّا الصَّبْر فتحالفوا على

стр. 516

الْمَوْت وحملوا وطلع صَلَاح الدّين من ورائهم فَلم تزل الْحَرْب قَائِمَة إِلَى اللَّيْل فَوَلَّتْ عَسَاكِر الإفرنج والمصريين الإدبار وَكَاد مُرِّي ملك الإفرنج يؤسر وَصَارَ شاور وَمن سلم مَعَه إِلَى منية ابْن خصيب وَسَار أَسد الدّين على الفيوم إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَدَخلَهَا وَنزل الْقصر وَجعل فِيهِ محبس الفرنج الَّذين أسرهم وَكَانَ فِيهَا ابْن الزبير مُتَوَلِّيًا ديوانها فَحمل إِلَى أَسد الدّين الْأَمْوَال وَقواهُ بِالسِّلَاحِ وَخَافَ أَسد الدّين أَن يَقْصِدهُ شاور والفرنج فيحصروه فَرُبمَا تأذى بالحصار فَأمر صَلَاح الدّين بالْمقَام بالإسكندرية وَترك عِنْده جمَاعَة من الْعَسْكَر وَمن بِهِ مرض أَو جراح أَو ضعف واستحلف لَهُ وُجُوه الْإسْكَنْدَريَّة وأوصاهم بِهِ ورحل فِي أقوياء عسكره قَاصِدا إِلَى الصَّعِيد وَنزل الفرنج وشاور على الْإسْكَنْدَريَّة وحاصروها مُدَّة ثَلَاثَة أشهر بأشد الْقِتَال وبذل أَهلهَا فِي نصْرَة الْملك النَّاصِر أَمْوَالهم وأنفسهم وَقتل مِنْهُم جمَاعَة عَظِيمَة وَلما صَار أَسد الدّين بالصعيد حصَّل من تِلْكَ الْبِلَاد أَمْوَالًا عَظِيمَة وَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى صَامَ شهر رَمَضَان واتصل بِهِ اشتداد الْأَمر على الْإسْكَنْدَريَّة فَرَحل من قوص إِلَى جِهَتهَا وَاتبعهُ جمَاعَة كَثِيرَة من العربان وَأهل تِلْكَ الْبِلَاد وَبلغ ذَلِك شاور فَرَحل هُوَ والفرنج واضطر إِلَى الصُّلْح وضجرت الفرنج أَيْضا فتوسط ملك الفرنج فِي ذَلِك فتقرر أَمر الصُّلْح على أَن شاور يحمل إِلَى أَسد الدّين جَمِيع مَا عزمه فِي هَذِه السفرة وَيُعْطِي الفرنج ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَيعود كل مِنْهُم إِلَى بِلَاده وَطلب صَلَاح

стр. 517

الدّين من ملك الفرنج مراكب يحمل فِيهَا الضُّعَفَاء من أَصْحَابه فأنفذ لَهُ عدَّة مراكب قَالَ الإدريسي كنت فِي جملَة من خرج فِي المراكب فَلَمَّا وصلنا إِلَى ميناء عكا أَخذنَا واعتقلنا فِي معصرة الْقصب إِلَى أَن وصل الْملك مُرِّي فأطلقنا فخرجنا إِلَى دمشق وَخرج صَلَاح الدّين من الْإسْكَنْدَريَّة بعد أَن اسْتحْلف شاور لأَهْلهَا وَألا يعرض لَهُم بِسوء وَاجْتمعَ بِعَمِّهِ أَسد الدّين ثمَّ أنفذ شاور وَقبض على ابْن مصال وَجَمَاعَة مِمَّن أعَان صَلَاح الدّين وضيق عَلَيْهِم وتتبع أهل الْإسْكَنْدَريَّة واتصل ذَلِك بصلاح الدّين فَاجْتمع بِملك الفرنج وَقَالَ لَهُ إِن شاور نقض الْأَيْمَان قَالَ وَكَيف ذَلِك قَالَ لِأَنَّهُ قبض على من لَجأ إِلَيْنَا فَقَالَ لَيْسَ لَهُ ذَلِك وأنفذ إِلَى شاور وَقَالَ لَهُ إِن الْأَيْمَان جرت على أَلا تعرض لأحد من أهل مصر وَلَا أهل الْإسْكَنْدَريَّة وألزمه يَمِينا أُخْرَى فِي أَلا يعرض لأحد مِمَّن لَجأ إِلَى أَسد الدّين أَو صَلَاح الدّين وَلما شَاهد من التجأ إِلَى الْأسد وَالصَّلَاح فَسَاد تِلْكَ الْأَحْوَال خَافُوا من شاور فَأخذُوا فِي الرحيل إِلَى الشَّام واتصل ذَلِك بشاور فَخرج بِنَفسِهِ وَجمع جَمِيع من عزم على الرحلة إِلَى الشَّام وَحلف لَهُم على الْإِحْسَان إِلَيْهِم وحماية أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فَمنهمْ من سكن إِلَى أيمانه وَمِنْهُم من لم يسكن ورحل

стр. 518

وألهم الله تَعَالَى أَسد الدّين أَن الفرنج رُبمَا خطر لَهُم فِي مصر خاطر فقصدتها فراسل الْملك مري وَقَالَ لَهُ قد سَأَلَ أهل مصر يَمِين الْملك أَلا يدْخل إِلَيْهِم وَلَا يتَعَرَّض لَهُم فَامْتنعَ الْملك ثمَّ أجَاب خوفًا أَن يتَحَقَّق أَسد الدّين وشاور أَنه رُبمَا قصد ديار مصر فَرُبمَا اجْتمعَا عَلَيْهِ فَلم يجد بدا من الْيَمين فَحلف وَحلف أَصْحَابه وَخرج أَسد الدّين من مصر وَفِي قلبه الدَّاء الدوي مِنْهَا لِأَنَّهُ شَاهدهَا وَشَاهد مُغَلاّتها فَوَجَدَهَا أمرا عَظِيما فَأخذ نور الدّين فِي تهوين أَمر مصر عَلَيْهِ وأقطعه حمص وأعمالها وحَدثني أبي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ حَدثنِي غير وَاحِد أَن شاور كَاتب نور الدّين فِي ذَلِك وَضمن لَهُ أَن يحمل فِي كل سنة عَن ديار مصر مَالا مصانعة وَلما بلغ شاور أَن نور الدّين صرف همة أَسد الدّين عَن ذكر مصر والتعرض لَهَا أنفذ رَسُولا بهدية سنية وأصحبه كتابا حسنا أَوله ورد كتاب استدعى شكري وحمدي واستخلص من الصفاء مَا عِنْدِي واستفرغ فِي الثَّنَاء على مرسله جهدي فَكَأَنَّمَا استملت مَعَانِيه مِمَّا عِنْدِي واشتملت على حقائق قصدي وسررت لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَالدّين الَّذِي وعد الله أَن يظهره على الدّين كُله بِأَن يكون مثله ملكا من ملوكه يُرجع إِلَيْهِ فِي عقده وحله وتشير الْأَصَابِع وتعقد الخناصر على علو مَحَله وَالله يزِيدهُ بمكانه تثبيتاً وَقُوَّة ويحقق على يَدَيْهِ مخايل النَّصْر المرجوة فَمَا أسعد

стр. 519

رَأْسا دلّ على نصْرَة الْكَلِمَة ودعا إِلَى سَبِيل الفئة الْمسلمَة ووفر على مصَالح الْأمة قُلُوب رعاياها المنقسمة وَأَنا متمم من هَذَا الْأَمر مَا صدر مني وباق مِنْهُ على مَا نقل عني لَا أتغير عَن الْمصلحَة فِيهِ وَلَا يُخَالف مَا أظهره مِنْهُ لما أخفيه وَلَا أسْتَكْثر كثيرا أصل إِلَيْهِ وأتوصل بِهِ لما سبق للْملك الْعَادِل من حُقُوق اسْتوْجبَ شكرها قولا وفعلا ونصرة كَانَت فِي هجير الخطوب بردا وظلا وأنعم لَا تزَال آياتها بألسُن الْحَمد تتلى وتملى ولعمري لقد بني بهَا فخراً وارتفع على الْأَمْلَاك قدرا وذكرا وَوَجَب أَن يستتمها فَلَا يصل إِلَى مواردها الكدر ويحوطها فَلَا تتطرق إِلَى جوانبها الْغَيْر ووراء هَذِه الْمُكَاتبَة من اهتمامي مَا لَا يعوقه عائق إِلَّا انتظام العقد على الْأُمُور المألوفة وَتَمام التوثقة بِالْيَمِينِ المنصوصة الموصوفة مَعَ أَن قَوْله كيمينه وَكتابه كصفحة يَمِينه والثقة بِهِ وَاقعَة على كل حَال والمحبة لَهُ توجب الاحتراس على الوداد من تطرق أَسبَاب الاختلال قَالَ وَفِي سنة أَربع وَسِتِّينَ طمع مري ملك الفرنج فِي مصر وعول على الدُّخُول إلهيا والاستيلاء عَلَيْهَا وَذَلِكَ لما أنكشف لَهُ من عوارها وَظهر لَهُ من ضعف من بَقِي فِيهَا فَجمع إِلَيْهِ مُلُوك الفرنج وكبراء الداوية والاسبتارية وَتَشَاوَرُوا فجرت بَينهم فِي ذَلِك خطوب ثمَّ أجابوه إِلَى الْخُرُوج مَعَه إِلَى الديار المصرية فأحضر وزيره وَأمره بإقطاع بِلَاد مصرلخيالته وَفرق قراها على أجناده وَكَانَ لَعنه الله لما دخل ديار مصر قد أَقَامَ من أَصْحَابه من كتب لَهُ أَسمَاء قرى مصر جَمِيعهَا وتعرف لَهُ خبر ارتفاعها ثمَّ سَار حَتَّى نزل الداروم فَقَامَتْ قِيَامَة شاور لما بلغه الْخَبَر

стр. 520

وانتخب أَمِيرا من أمرائه يُقَال لَهُ بدران وسيره إِلَى لِقَاء مري يسْأَله عَن السَّبَب فِي قَصده فَاجْتمع بِهِ وَسَأَلَهُ فَتَلَكَّأَ عَلَيْهِ ثمَّ استلان جَانِبه وَضمن لَهُ رضيخة على أَن يوري عَنْهُم وَلَا يكْشف لشاور حَالهم وَيُقَال إِن الْملك أقطعه ثَلَاث عشرَة قَرْيَة على أَن يتمم على المصريين الْحِيلَة وَيعلم شاور أَنه إِنَّمَا قصد مصر للْخدمَة فَفعل ذَلِك بدران وَلما سمع ذَلِك شاور أشْفق مِنْهُ وأحضر الْأَمِير شمس الْخلَافَة مُحَمَّد بن مُخْتَار وَقَالَ لَهُ كَأَن بدران قد غشني وَلم ينصحني وَأَنا فواثق بك فَأُرِيد تخرج وَتكشف لي حَال الفرنج فَسَار شمس الْخلَافَة إِلَى مُري وَكَانَ بَينهمَا مؤانسة فَلَمَّا دخل على الْملك قَالَ لَهُ مرْحَبًا بشمس الْخلَافَة فَقَالَ مرْحَبًا بِالْملكِ الغدار وَإِلَّا مَا الَّذِي أقدمك إِلَيْنَا قَالَ اتَّصل بِي أَن الْفَقِيه عِيسَى يُزَوّج أُخْت الْكَامِل بن شاور من صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ويزوج الْكَامِل أُخْت صَلَاح الدّين فَقُلْنَا هَذَا عمل علينا فَقَالَ لَهُ شمس الْخلَافَة لَيْسَ لهَذَا صِحَة وَلَو فعل ذَلِك لم يكن فِيهِ نقض للْعهد فَقَالَ لَهُ الْملك الصَّحِيح أَن قوما من وَرَاء الْبَحْر انْتَهوا إِلَيْنَا وغلبونا على رَأينَا وَخَرجُوا طامعين فِي بِلَادكُمْ فخفنا من ذَلِك فخرجنا لنتوسط الْأَمر بَيْنكُم وَبينهمْ فَقَالَ شمس الْخلَافَة فَأَي شَيْء قد طلبُوا قَالَ

стр. 521

ألفي ألف دِينَار فَقَالَ مَكَانكُمْ حَتَّى أصل إِلَى شاور وأبلغه مقالكم وأعود بِالْجَوَابِ فَقَالَ لَهُ ملك الفرنج فَنحْن ننزل على بلبيس إِلَى أَن تعود قَالَ وَحكى أَن ملك الفرنج لما وصل إِلَى الدراوم كتب إِلَى شاور يَقُول لَهُ إِنِّي قد قصدت الْخدمَة على مَا قَرّرته لي من الْعَطاء فِي كل عَام فَأَجَابَهُ شاور إِن الَّذِي قَرّرته لَك إِنَّمَا جعلته مَتى احتجت إِلَيْك أَو إِذا قدم عليّ عَدو فَأَما مَعَ خلو بالي من الْأَعْدَاء فَلَا حَاجَة بِي إِلَيْك وَلَا لَك عِنْدِي مُقَرر فَأَجَابَهُ مري أَنه لابد من حضوري وأخذي الْمُقَرّر فَعلم شاور أَنه قد غدر بالعهد وَنقض الْأَيْمَان وَأَنه قد طمع فِي الْبِلَاد فَأخذ فِي تجنيد الأجناد وحشد العساكر إِلَى الْقَاهِرَة وأنفذ إِلَّا بلبيس قِطْعَة من الْجَيْش وميرة وعُدة ثمَّ إِن ملك الفرنج سَار خلف رَسُول شاور لايلوي على قَول حَتَّى خيم على بلبيس فِي صفر وَكَانَ مَعَه جمَاعَة من المصريين مِنْهُم علم الْملك بن النّحاس وَابْن الْخياط يحيى وَابْن قرجلة وَأرْسل إِلَى ابْن طي بن شاور وَكَانَ ببلبيس وَقَالَ لَهُ أَيْن ننزل قَالَ على أسنة الرماح وَقَالَ لَهُ أتحسب أَن بلبيس جبنة تأكلها فَأرْسل إِلَيْهِ مري نعم هِيَ جبنة والقاهرة زبدة ثمَّ قَاتل بلبيس لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى افتتحها بِالسَّيْفِ وَقتل

стр. 522

من أَهلهَا خلقا عَظِيما وَخرب أَكْثَرهَا وَحرق جُلَّ آدرها ثمَّ أخرج الْأُسَارَى إِلَى ظَاهر الْبَلَد وحشروا فِي مَكَان وَاحِد وَحمل فِي وَسطهمْ برمحه ففرقهم فرْقَتَيْن فَأخذ الْفرْقَة الَّتِي كَانَت عَن يَمِينه لنَفسِهِ وَأطلق الْفرْقَة الَّتِي كَانَت عَن يسَاره لعسكره وَقَالَ لفرقته قد أطلقتكم شكرا لله تَعَالَى على مَا أولاني من فتح بِلَاد مصر فَإِنِّي قد ملكتها بِلَا شكّ ووقف إِلَى أَن عدى أَكْثَرهم النّيل إِلَى جِهَة منية حمل وَأخذ الْعَسْكَر نصِيبهم من الْأُسَارَى فاقتسموهم وَبَقِي أهل بلبيس الَّذين أَسرُّوا أَكثر من أَرْبَعِينَ سنة فِي أسر الفرنج وَهلك أَكْثَرهم فِي أَيْديهم وأفلت مِنْهُم الْيَسِير لِأَن الْملك النَّاصِر رَحمَه الله تَعَالَى لما ملك ديار مصر وقف مُغَلَّ بلبيس على كثرته على فكاك الأسرى مِنْهُم وسامح أهل بلبيس بخراجهم إِلَى آخر أَيَّامه وَلما أتصل بشاور مَا جرى على أهل بلبيس من الْقَتْل والأسر وَأَن الفرنج شحنوها بِالرِّجَالِ والعُدد وجعلوها لَهُم ظهرا أشْفق من ذَلِك وَطلب الْإِذْن على العاضد فَلَمَّا اجْتمع بِهِ بكي بَين يَدَيْهِ وَقَالَ اعْلَم أَن الْبِلَاد قد ملكت علينا وَلم يبْق إِلَّا أَن تكْتب إِلَى نور الدّين وتشرح لَهُ مَا جرى وتطلب نصرته ومعونته فَكتب جَمِيع ذَلِك وَأرْسل شاور طيَّ تِلْكَ الْكتب كتبا وسخم أعاليها بالمداد قَالَ وحَدثني شمس الْخلَافَة مُوسَى بن شمس الْخلَافَة مُحَمَّد بن مُخْتَار قَالَ إِنَّمَا كتب هَذَا الْكتاب بِرَأْي أبي شمس الْخلَافَة لِأَنَّهُ لما رَجَعَ من عِنْد مرِّي لَعنه الله بعد أَخذ بلبيس اجْتمع بالكامل بن شاور وَقَالَ لَهُ عِنْدِي أَمر لَا يمكنني أَن أفضي بِهِ إِلَيْك إِلَّا بعد أَن تحلف لي أَنَّك لَا

стр. 523

تطلع أَبَاك عَلَيْهِ فَلَمَّا حلف لَهُ قَالَ إِن أَبَاك قد وطَّن نَفسه على المصابرة وَآخر أمره يسلم الْبِلَاد إِلَى الفرنج وَلَا يُكَاتب نور الدّين وَهَذَا عين الْفساد فاصعد أَنْت إِلَى العاضد وألزمه أَن يكْتب إِلَى نور الدّين فَلَيْسَ لهَذَا الْأَمر غيرَة فَصَعدَ الْكَامِل وَكتب الْكتاب فَلَمَّا وصل إِلَى نور الدّين انزعج انزعاجاً عَظِيما وأنفذ أَسد الدّين وَكَانَ ذَلِك من مُناه وَأرْسل الْفَقِيه عِيسَى الهكاري إِلَى مصربرسالة ظَاهِرَة إِلَى شاور يُعلمهُ أَن العساكر واصلة وبرسالة سَرِيَّة إِلَى العاضد وَأمره أَن يستحلفه على أَشْيَاء عيَّنها وَأَن يكتم ذَلِك من شاور وَأما الفرنج فَسَارُوا إِلَى جِهَة مصر وَأمر شاور بإحراق مصر وأنذر أَهلهَا فَخرج النَّاس مِنْهَا على وُجُوههم وهجُوا فِي بِلَاد مصر وَبلغ أُجْرَة الْجمل إِلَى الْقَاهِرَة ثَلَاثِينَ دِينَارا وَترك النَّاس أَكثر أَمْوَالهم فنهبت وأحرقت مصر فِي تَاسِع صفر وأقامت النَّار تعْمل فبها أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا ثمَّ إِن الفرنج لعنهم الله نزلُوا فِي بركَة الْحَبَش وانبثت خيولهم فِي الْأَطْرَاف وتخطفوا من ظفروا بِهِ فأنفذ شاور شمس الْخلَافَة إِلَى مرِّي لَعنه الله فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ سَأَلَهُ أَن يخرج مَعَه إِلَى بَاب الْخَيْمَة

стр. 524

فَفعل فَأرَاهُ شمس الْخلَافَة جِهَة مصر وَقَالَ لَهُ أَتَرَى دخاناً فِي السَّمَاء قَالَ نعم قَالَ هَذَا دُخان مصر وَمَا أَتَيْتُك إِلَّا وَقد أحرقت بِعشْرين ألف قَارُورَة نفط وَفرقت فِيهَا عشرَة آلَاف مشعل وَمَا بَقِي فِيهَا مَا يؤمل بَقَاؤُهُ ونفعه فخلَّ الْآن عَنْك مدافعتي ومخاتلتي وكوني كلما قلت لَك انْزِلْ فِي مَكَان تعديت إِلَى غَيره وَمَا بَقِي لَك إِلَّا أَن تنزل بِالْقَاهِرَةِ فَقَالَ هُوَ كَمَا تَقول وَلَا بُد من نزُول الْقَاهِرَة وَمَعِي فرنج من وَرَاء الْبَحْر قد طمعوا فِي أَخذهَا ثمَّ رَحل فَنزل على الْقَاهِرَة مِمَّا يَلِي بَاب البرقية نزولاً قَارب بِهِ الْبَلَد حَتَّى صَارَت سِهَام الجرخ تقع فِي خيمه فَقَاتلُوا الْبَلَد أَيَّامًا فَلَمَّا تَيَقّن شاور الضعْف عدل إِلَى طَرِيق المخادعة والمخاتلة والمغاورة والمدافعة إِلَى أَن تصل عَسَاكِر الشَّام فأنفذ شمس الْخلَافَة إِلَى مري لَعنه الله تَعَالَى برسالة طَوِيلَة فتل بهَا فِي غاربه وَدَار من حواليه وَفِي ضمنهَا إِن هَذَا بلد عَظِيم كَبِير وَفِيه خلق كثير وَلَا يُمكن تَسْلِيمه أَلْبَتَّة وَلَا أَخذه إِلَّا بعد أَن يقتل من الْفَرِيقَيْنِ عَالم عَظِيم وَمَا تعلم أَنْت وَلَا أَنا لمن الدائرة والرأي أَن تحقن دِمَاء أَصْحَابك وَدِمَاء أَصْحَابِي وتحصِّل

стр. 525

شَيْئا أدفعه لَك فَيحصل لَك عفوا فاستقرت الْمُصَالحَة على أَربع مئة ألف دِينَار وَقيل ألفي ألف دِينَار يعجعل لَهُ مِنْهَا مئة ألف دِينَار فَأجَاب مري إِلَى ذَلِك وانعقدت الْهُدْنَة وَحلف مري ورحل إِلَى بركَة الْحَبَش وَحمل شاور إِلَيْهِ مئة ألف دِينَار فِي عدَّة دفعات سوّف فِيهَا الْأَوْقَات ثمَّ أَخذ يمطله فِي الْبَاقِي انتظاراً لقدوم العساكر ويوهم أَنه يجمع لَهُم الْأَمْوَال فَلم يشْعر الفرنج إِلَّا بهجوم عَسْكَر الشَّام عَلَيْهِم فَلَمَّا رَأَوْهُمْ رحلوا إِلَى بلبيس وَنزل أَسد الدّين بالمقس ثمَّ رَحل ملك الفرنج وَنزل على فاقوس وَاتبعهُ أَسد الدّين وَنزل على بلبيس وَكَانَ لما اتَّصل بشاور وُصُول أَسد الدّين إِلَى صَدْر أنفذ شمس الْخلَافَة إِلَى ملك الفرنج يستطلق لَهُ مِنْهُ بعض المَال فَصَارَ إِلَيْهِ وَاجْتمعَ بِهِ وَقَالَ قد قل علينا المَال فَقَالَ ملك الإفرنج اطلب مِنْهُ مَا شِئْت قَالَ أشتهي أَن تهب لي النّصْف قَالَ قد فعلت فَقَالَ شمس الْخلَافَة مَا بَلغنِي أَن ملكا فِي مثل حالك وقدرتك علينا وهب مثل هَذِه الْهِبَة لقوم هم فِي مثل حَالنَا فَقَالَ ملك الإفرنج أَنا أعلم أَنَّك رجل عَاقل وَأَن شاور ملك وأنكما مَا سألتماني أَن أهبكما هَذَا المَال الْعَظِيم إلاَّ لأمر قد حدث فَقَالَ لَهُ صدقت هَذَا أَسد الدّين قد وصل إِلَى صدر نُصرة لنا وَمَا بَقِي لَك

стр. 526

مقَام وشاور يَقُول لَك أرى أَن ترحل وَنحن باقون على الْهُدْنَة فَإِنَّهُ أوفق لَك وَلنَا وَإِذا حصل هَذَا الرجل عندنَا أرضيناه من هَذَا المَال بِشَيْء وحملنا الْبَاقِي إِلَيْك مَتى قَدرنَا وَإِن نَحن أخرجنَا فِي رضاهم أَكثر من هَذَا المَال عدنا عَلَيْك بِمَا يبْقى علينا من الْمِقْدَار فَقَالَ ملك الفرنج أَنا راضٍ بذلك وَإِن بَقِي عَليّ شَيْء حَملته إِلَيْكُم وعول على الرحيل فَقَالَ لَهُ بعد أَن تطلق ابْن طي بن شاور وَجَمِيع من فِي عسكرك من الْأُسَارَى وَلَا تَأْخُذ من بلبيس بعد انصرافك شَيْئا فَأَجَابَهُ إِلَى جَمِيع ذَلِك وَلما رحلت الفرنج عَن الْقَاهِرَة نزل أَسد الدّين بِأَرْض يُقَال لَهَا اللوق وَأخرج إِلَيْهِ شاور الإقامات الْحَسَنَة والخدم الْكَثِيرَة وَلما اجْتمعَا قَالَ شاور لاسد الدّين قد رَأَيْت من الرَّأْي أَن أخرج أَنا وَأَنت وندرك الفرنج ونوقع بهم فَقَالَ أَسد الدّين هَذَا كَانَ رَأْيِي والفرنج على الْبر الغربي وَلَيْسَ لَهُم وزر وَأما الْآن فَلَا لأَنهم على الْبر الْمُتَّصِل ببلادهم وَنحن فقد خرجنَا من الْبر فِي أَسْوَأ حَال من الضعْف والتعب وَقد كفانا الله شرهم وَنحن إِلَى الرَّاحَة والاستجمام أحْوج وَلما نزل أَسد الدّين باللوق أرسل إِلَيْهِ العاضد هَدِيَّة عَظِيمَة وخلعاً كَثِيرَة وَأخرج إِلَى خدمته أكَابِر أَصْحَابه ثمَّ إِنَّه خرج إِلَيْهِ فِي اللَّيْل سرا متنكراً وَاجْتمعَ بِهِ فِي خيمته وأفضى إِلَيْهِ بِأُمُور كَثِيرَة مِنْهَا قتل شاور ثمَّ عَاد إِلَى قصره وَكَانَ شاور قد رأى لَيْلَة نزل أَسد الدّين على الْقَاهِرَة

стр. 527

كَأَنَّهُ دخل دَار الوزارة فَوجدَ على سَرِير ملكه رجلا وَبَين يَدَيْهِ دَوَاة الوزارة وَهُوَ يُوقع مِنْهَا بأقلامه فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل هَذَا مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ وَلما حصل أَسد الدّين بالديار المصرية وانفصل عَنْهَا الفرنج أمنت الْبِلَاد وتراجع النَّاس إِلَى بُيُوتهم وَأخذُوا فِي إصْلَاح مَا شعثه الفرنج وأفسدوه وتقاطر النَّاس إِلَى خدمَة أَسد الدّين فَتَلقاهُمْ بالرحب وَالسعَة وَأحسن إِلَيْهِم وَأما شاور فَإِنَّهُ أَخذ فِي التودُّد إِلَى أَسد الدّين والتقرب إِلَى قلبه بِجَمِيعِ مَا وجد السَّبِيل إِلَيْهِ وَأقَام لَهُ ولعسكره الْميرَة الْكَثِيرَة والنفقات الغزيرة حَتَّى استحوذ على قلبه وَنوى تبقيته فِي ملكه وَصفا لَهُ قلبه حَتَّى أنفذ إِلَيْهِ سرا احرس نَفسك من عَسَاكِر الشَّام واما عَسْكَر الشَّام فانهم لما رَأَوْا طيب بِلَاد مصر وَكَثْرَة خَيرهَا وسعة أموالها تاقت أنفسهم الى الاقامة بهَا واختاروا سكناهَا وَرَغبُوا فِيهَا رَغْبَة عَظِيمَة فقوي طمع أَسد الدّين فِي الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا والاستبداد بملكها ثمَّ علم أَنه لَا يتم لَهُ ذَلِك وشاور باقٍ فِيهَا فَأخذ فِي اعمال الْحِيلَة عَلَيْهِ وَكَانَ العاضد قد تقدم اليه بقتْله فَجمع اصحابه وشاورهم فِي امْر شاور وَقَالَ لَهُم قد علمْتُم رغبتي فِي هَذِه الْبِلَاد ومحبتي لَهَا وحرصي عَلَيْهَا لَا سِيمَا وَقد تحققت ان عِنْد الفرنج مِنْهَا مَا عِنْدِي وَعلمت انهم قد كشفوا

стр. 528

عورتها وَعَلمُوا مسالك رقعتها وتيقنت اني مَتى خرجت مِنْهَا عَادوا اليها واحتَووُا عَلَيْهَا وَهِي مُعظم دَار الاسلام وحلوبة بَيت مَالهم وَقد قوى عِنْدِي ان اثب عَلَيْهَا قبل وثوبهم واملكها قبل مملكتهم واتخلص من شاور الَّذِي يلْعَب بِنَا وبهم ويغرنا ويغرهم وَيضْرب بَيْننَا وَبينهمْ وَقد ضيع اموال هَذِه الْبِلَاد فِي غير وَجههَا وقًّوى بهَا الفرنج علينا وَمَا كل وَقت ندرك الفرنج ونسبقهم الى هَذِه الْبِلَاد الَّتِي قد قل رجالها وَهَلَكت ابطالها فتنخلت الاراء بَين الامراء انه لَا يتم لَهُم امْر الا بعد الْقَبْض على شاور وَتَفَرَّقُوا على إِيقَاع الْقَبْض بِهِ وَكَانَ شاور يركب فِي الأبهة العظمية وَالْجَلالَة الجسيمة وَالْعدة الْحَسَنَة والالة الجميلة على عَادَتهم الاولى وَكَانَ من جملَة قواعدهم ان الْوَزير اذا ركب حمل فِي موكبه الطبل والبوق وَكَانَ شاور قَلِيل الرّكُوب فَجعل الْأُمَرَاء يترصدونه وَرَاء اسد الدّين قبل قبض شاور بليلة كَأَن شاور دَاخل إِلَيْهِ إِلَى دَاره وناوله سَيْفه وعمامته فتأوله اسد الدّين بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَأخذ منصبه ثمَّ إِن شاور ركب يَوْمًا فِي ابهته وجلالته فَلَمَّا عاينه الْأُمَرَاء هابوه وأحجموا عَنهُ وَكَانَ يَوْمًا عَظِيم الضباب وَكَانَ خُرُوج شاور من بَاب القنطرة للسلام على اسد الدّين فَتقدم صَلَاح الدّين فَسلم عَلَيْهِ وَدخل فِي موكبه ثمَّ سايره ثمَّ مد يَده الى تلابيبه وَصَاح عَلَيْهِ فرجًّله وَلما رأى

стр. 529

ذَلِك عَسْكَر الشَّام قويت عزماتهم ووقعوا فِي عَسْكَر شاور فنهبوا مَا كَانَ مَعَ رِجَاله وَقتلُوا مِنْهُم جمَاعَة وَحمل الْملك النَّاصِر شاور رَاجِلا الى خيمة لَطِيفَة واراد قَتله فَلم يُمكنهُ قَتله دون مُشَاورَة اسد الدّين وَفِي الْحَال ورد على اسد الدّين توقيع من العاضد على يَد خَادِم يَأْمُرهُ فِيهِ بقتل شاور فأنفذ التوقيع الى صَلَاح الدّين فَقتله فِي الْحَال وانفذ رَأسه الى الْقصر وَبلغ الْكَامِل بن شاور قتل ابيه فهرب الى الْقصر وخلع العاضد على اسد الدّين وقلده الوزارة وأنفذ إِلَيْهِ طبق فضَّة فِيهِ رَأس الْكَامِل بن شاور ورؤوس اولاد اخوته وَلما خرج منشور الوزارة الى اسد الدّين امْر بقرَاءَته على رُؤُوس الاشهاد وَفَرح بِهِ غَايَة الْفَرح واعيدت قِرَاءَته عَلَيْهِ عدَّة دفعات اسْتِحْسَانًا لمعانيه واستظرافا لما اودع من بَدَائِع الْكَلَام فِيهِ قَالَ وَلما اتَّصل بِنور الدّين فتح الديار المصرية فَرح بذلك فَرحا شَدِيدا وواصل الْحَمد وَالثنَاء على الله تَعَالَى اذ كَانَ فِي زَمَنه وعَلى يَده وامر بِضَرْب البشائر فِي جَمِيع ولَايَته وتزيين جَمِيع بِلَاده وَجلسَ للهناء بذلك وانشده الشُّعَرَاء فِي فتحهَا عدَّة اشعار غير انه لما اتَّصل بِهِ ان اسد الدّين وزر للعاضد واستبد بالامر فِي ذَلِك الصقع امضه ذَلِك واقلقه وَظَهَرت فِي مخايل قسماته وفلتات كَلِمَاته الْكَرَاهِيَة واخذ فِي الفكرة فِي امْرَهْ وسهر لَهُ ليَالِي وأفضى بسره إِلَى مجد الدّين ابْن الداية حَدثنِي جمَاعَة عَن شمس الدّين على ابْن الداية اخي مجد الدّين وحَدثني الْمُوفق

стр. 530

مَحْمُود بن النّحاس الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْحلَبِي وَقد جرى ذكر فتح مصر وان نور الدّين ابتهج بِهِ فَقَالَ وَالله مَا ابتهج بِهِ وَلَقَد كَانَ وده الا يفتح والا يصير اسد الدّين وَصَلَاح الدّين الى مَا صَارا اليه وَلَقَد ظَهرت الْكَرَاهِيَة مِنْهُ لذَلِك فِي الفاظه وَوَجهه وَلَقَد اعْمَلْ الْحِيلَة فِي افساد امْر اسد الدّين وَصَلَاح الدّين فَمَا تهَيَّأ لَهُ لَا سِيمَا يَوْم بلغه حُصُول صَلَاح الدّين على خَزَائِن مصر فَأَنَّهُ اقام ثَلَاثَة ايام لَا يقدر اُحْدُ ان يرَاهُ واهتم لذَلِك حَتَّى افضى عَلَيْهِ الْهم وَلَو لم يكن الْفَتْح اليه مَنْسُوبا وَعَلِيهِ فَضله محسوبا لما صَبر على مَا جرى وَلَا اغضى للْملك النَّاصِر على القذى وَلَقَد كَاتب العاضد عدَّة دفعات فِي امْر الْأسد وَالصَّلَاح فَلم يحصل لَهُ فيهمَا نجاح وَكَثِيرًا مَا يُوجد فِي كتب نور الدّين الى العاضد التَّعْرِيض بانفاذ اسد الدّين وَلَو
следующие страницы →