← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

مقَام وشاور يَقُول لَك أرى أَن ترحل وَنحن باقون على الْهُدْنَة فَإِنَّهُ أوفق لَك وَلنَا وَإِذا حصل هَذَا الرجل عندنَا أرضيناه من هَذَا المَال بِشَيْء وحملنا الْبَاقِي إِلَيْك مَتى قَدرنَا وَإِن نَحن أخرجنَا فِي رضاهم أَكثر من هَذَا المَال عدنا عَلَيْك بِمَا يبْقى علينا من الْمِقْدَار فَقَالَ ملك الفرنج أَنا راضٍ بذلك وَإِن بَقِي عَليّ شَيْء حَملته إِلَيْكُم وعول على الرحيل فَقَالَ لَهُ بعد أَن تطلق ابْن طي بن شاور وَجَمِيع من فِي عسكرك من الْأُسَارَى وَلَا تَأْخُذ من بلبيس بعد انصرافك شَيْئا فَأَجَابَهُ إِلَى جَمِيع ذَلِك وَلما رحلت الفرنج عَن الْقَاهِرَة نزل أَسد الدّين بِأَرْض يُقَال لَهَا اللوق وَأخرج إِلَيْهِ شاور الإقامات الْحَسَنَة والخدم الْكَثِيرَة وَلما اجْتمعَا قَالَ شاور لاسد الدّين قد رَأَيْت من الرَّأْي أَن أخرج أَنا وَأَنت وندرك الفرنج ونوقع بهم فَقَالَ أَسد الدّين هَذَا كَانَ رَأْيِي والفرنج على الْبر الغربي وَلَيْسَ لَهُم وزر وَأما الْآن فَلَا لأَنهم على الْبر الْمُتَّصِل ببلادهم وَنحن فقد خرجنَا من الْبر فِي أَسْوَأ حَال من الضعْف والتعب وَقد كفانا الله شرهم وَنحن إِلَى الرَّاحَة والاستجمام أحْوج وَلما نزل أَسد الدّين باللوق أرسل إِلَيْهِ العاضد هَدِيَّة عَظِيمَة وخلعاً كَثِيرَة وَأخرج إِلَى خدمته أكَابِر أَصْحَابه ثمَّ إِنَّه خرج إِلَيْهِ فِي اللَّيْل سرا متنكراً وَاجْتمعَ بِهِ فِي خيمته وأفضى إِلَيْهِ بِأُمُور كَثِيرَة مِنْهَا قتل شاور ثمَّ عَاد إِلَى قصره وَكَانَ شاور قد رأى لَيْلَة نزل أَسد الدّين على الْقَاهِرَة

стр. 527

كَأَنَّهُ دخل دَار الوزارة فَوجدَ على سَرِير ملكه رجلا وَبَين يَدَيْهِ دَوَاة الوزارة وَهُوَ يُوقع مِنْهَا بأقلامه فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل هَذَا مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ وَلما حصل أَسد الدّين بالديار المصرية وانفصل عَنْهَا الفرنج أمنت الْبِلَاد وتراجع النَّاس إِلَى بُيُوتهم وَأخذُوا فِي إصْلَاح مَا شعثه الفرنج وأفسدوه وتقاطر النَّاس إِلَى خدمَة أَسد الدّين فَتَلقاهُمْ بالرحب وَالسعَة وَأحسن إِلَيْهِم وَأما شاور فَإِنَّهُ أَخذ فِي التودُّد إِلَى أَسد الدّين والتقرب إِلَى قلبه بِجَمِيعِ مَا وجد السَّبِيل إِلَيْهِ وَأقَام لَهُ ولعسكره الْميرَة الْكَثِيرَة والنفقات الغزيرة حَتَّى استحوذ على قلبه وَنوى تبقيته فِي ملكه وَصفا لَهُ قلبه حَتَّى أنفذ إِلَيْهِ سرا احرس نَفسك من عَسَاكِر الشَّام واما عَسْكَر الشَّام فانهم لما رَأَوْا طيب بِلَاد مصر وَكَثْرَة خَيرهَا وسعة أموالها تاقت أنفسهم الى الاقامة بهَا واختاروا سكناهَا وَرَغبُوا فِيهَا رَغْبَة عَظِيمَة فقوي طمع أَسد الدّين فِي الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا والاستبداد بملكها ثمَّ علم أَنه لَا يتم لَهُ ذَلِك وشاور باقٍ فِيهَا فَأخذ فِي اعمال الْحِيلَة عَلَيْهِ وَكَانَ العاضد قد تقدم اليه بقتْله فَجمع اصحابه وشاورهم فِي امْر شاور وَقَالَ لَهُم قد علمْتُم رغبتي فِي هَذِه الْبِلَاد ومحبتي لَهَا وحرصي عَلَيْهَا لَا سِيمَا وَقد تحققت ان عِنْد الفرنج مِنْهَا مَا عِنْدِي وَعلمت انهم قد كشفوا

стр. 528

عورتها وَعَلمُوا مسالك رقعتها وتيقنت اني مَتى خرجت مِنْهَا عَادوا اليها واحتَووُا عَلَيْهَا وَهِي مُعظم دَار الاسلام وحلوبة بَيت مَالهم وَقد قوى عِنْدِي ان اثب عَلَيْهَا قبل وثوبهم واملكها قبل مملكتهم واتخلص من شاور الَّذِي يلْعَب بِنَا وبهم ويغرنا ويغرهم وَيضْرب بَيْننَا وَبينهمْ وَقد ضيع اموال هَذِه الْبِلَاد فِي غير وَجههَا وقًّوى بهَا الفرنج علينا وَمَا كل وَقت ندرك الفرنج ونسبقهم الى هَذِه الْبِلَاد الَّتِي قد قل رجالها وَهَلَكت ابطالها فتنخلت الاراء بَين الامراء انه لَا يتم لَهُم امْر الا بعد الْقَبْض على شاور وَتَفَرَّقُوا على إِيقَاع الْقَبْض بِهِ وَكَانَ شاور يركب فِي الأبهة العظمية وَالْجَلالَة الجسيمة وَالْعدة الْحَسَنَة والالة الجميلة على عَادَتهم الاولى وَكَانَ من جملَة قواعدهم ان الْوَزير اذا ركب حمل فِي موكبه الطبل والبوق وَكَانَ شاور قَلِيل الرّكُوب فَجعل الْأُمَرَاء يترصدونه وَرَاء اسد الدّين قبل قبض شاور بليلة كَأَن شاور دَاخل إِلَيْهِ إِلَى دَاره وناوله سَيْفه وعمامته فتأوله اسد الدّين بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَأخذ منصبه ثمَّ إِن شاور ركب يَوْمًا فِي ابهته وجلالته فَلَمَّا عاينه الْأُمَرَاء هابوه وأحجموا عَنهُ وَكَانَ يَوْمًا عَظِيم الضباب وَكَانَ خُرُوج شاور من بَاب القنطرة للسلام على اسد الدّين فَتقدم صَلَاح الدّين فَسلم عَلَيْهِ وَدخل فِي موكبه ثمَّ سايره ثمَّ مد يَده الى تلابيبه وَصَاح عَلَيْهِ فرجًّله وَلما رأى

стр. 529

ذَلِك عَسْكَر الشَّام قويت عزماتهم ووقعوا فِي عَسْكَر شاور فنهبوا مَا كَانَ مَعَ رِجَاله وَقتلُوا مِنْهُم جمَاعَة وَحمل الْملك النَّاصِر شاور رَاجِلا الى خيمة لَطِيفَة واراد قَتله فَلم يُمكنهُ قَتله دون مُشَاورَة اسد الدّين وَفِي الْحَال ورد على اسد الدّين توقيع من العاضد على يَد خَادِم يَأْمُرهُ فِيهِ بقتل شاور فأنفذ التوقيع الى صَلَاح الدّين فَقتله فِي الْحَال وانفذ رَأسه الى الْقصر وَبلغ الْكَامِل بن شاور قتل ابيه فهرب الى الْقصر وخلع العاضد على اسد الدّين وقلده الوزارة وأنفذ إِلَيْهِ طبق فضَّة فِيهِ رَأس الْكَامِل بن شاور ورؤوس اولاد اخوته وَلما خرج منشور الوزارة الى اسد الدّين امْر بقرَاءَته على رُؤُوس الاشهاد وَفَرح بِهِ غَايَة الْفَرح واعيدت قِرَاءَته عَلَيْهِ عدَّة دفعات اسْتِحْسَانًا لمعانيه واستظرافا لما اودع من بَدَائِع الْكَلَام فِيهِ قَالَ وَلما اتَّصل بِنور الدّين فتح الديار المصرية فَرح بذلك فَرحا شَدِيدا وواصل الْحَمد وَالثنَاء على الله تَعَالَى اذ كَانَ فِي زَمَنه وعَلى يَده وامر بِضَرْب البشائر فِي جَمِيع ولَايَته وتزيين جَمِيع بِلَاده وَجلسَ للهناء بذلك وانشده الشُّعَرَاء فِي فتحهَا عدَّة اشعار غير انه لما اتَّصل بِهِ ان اسد الدّين وزر للعاضد واستبد بالامر فِي ذَلِك الصقع امضه ذَلِك واقلقه وَظَهَرت فِي مخايل قسماته وفلتات كَلِمَاته الْكَرَاهِيَة واخذ فِي الفكرة فِي امْرَهْ وسهر لَهُ ليَالِي وأفضى بسره إِلَى مجد الدّين ابْن الداية حَدثنِي جمَاعَة عَن شمس الدّين على ابْن الداية اخي مجد الدّين وحَدثني الْمُوفق

стр. 530

مَحْمُود بن النّحاس الْفَقِيه الْحَنَفِيّ الْحلَبِي وَقد جرى ذكر فتح مصر وان نور الدّين ابتهج بِهِ فَقَالَ وَالله مَا ابتهج بِهِ وَلَقَد كَانَ وده الا يفتح والا يصير اسد الدّين وَصَلَاح الدّين الى مَا صَارا اليه وَلَقَد ظَهرت الْكَرَاهِيَة مِنْهُ لذَلِك فِي الفاظه وَوَجهه وَلَقَد اعْمَلْ الْحِيلَة فِي افساد امْر اسد الدّين وَصَلَاح الدّين فَمَا تهَيَّأ لَهُ لَا سِيمَا يَوْم بلغه حُصُول صَلَاح الدّين على خَزَائِن مصر فَأَنَّهُ اقام ثَلَاثَة ايام لَا يقدر اُحْدُ ان يرَاهُ واهتم لذَلِك حَتَّى افضى عَلَيْهِ الْهم وَلَو لم يكن الْفَتْح اليه مَنْسُوبا وَعَلِيهِ فَضله محسوبا لما صَبر على مَا جرى وَلَا اغضى للْملك النَّاصِر على القذى وَلَقَد كَاتب العاضد عدَّة دفعات فِي امْر الْأسد وَالصَّلَاح فَلم يحصل لَهُ فيهمَا نجاح وَكَثِيرًا مَا يُوجد فِي كتب نور الدّين الى العاضد التَّعْرِيض بانفاذ اسد الدّين وَلَو

стр. 531

امكنه المجاهرة بالْقَوْل لقَالَ فَمن بعض مكاتباته وَقد افْتقر العَبْد الى بعثته واعوز عسكره يُمن نقيبته وَاشْتَدَّ حزب الضلال على الْمُسلمين لغيبته لانه مَا يزَال يَرْمِي شياطين الضلال بشهابه الثاقب ويصمي مقيل الشّرك بسهمه النَّافِذ الصائب قلت لَعَلَّ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى انما اقلقه من ذَلِك كَون اسد الدّين وزر للعاضد فخاف من ميله الى الْقَوْم والى مَذْهَبهم وان يفْسد جنده عَلَيْهِ بذلك السَّبَب هَذَا ان صَحَّ مَا نَقله ابْن ابي طي وَالله اعْلَم قَالَ وَكَانَ اسد الدّين لما ولي الوزارة لم يُغير على اُحْدُ شَيْئا واجرى اصحاب مصر على قواعدهم وامورهم الى ان انْقَضتْ ايامه وفنيت أعوامه وَكَانَ قرما يحب أكل اللَّحْم ويواظب عَلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا فتواترت عَلَيْهِ التخم واتصلت بِهِ مرضاته الى ان ظَهرت بحلقه خوانيق كَانَ فِيهَا تلافه وَيُقَال انه اكل فِي ذَلِك الْيَوْم مضيرة وَدخل الْحمام فَلَمَّا خرج مِنْهَا اصابه الخناق

стр. 532

قَالَ وَكَانَ شجاعا بارعا قَوِيا جلدا فِي ذَات الله شَدِيدا على الْكفَّار وطاته عَظِيمَة فِي ذَات الله صولته عفيفا دينا كثير الْخَيْر وَكَانَ يحب اهل الدّين وَالْعلم كثير الايثار حدبا على اهله واقاربه وَكَانَ فِيهِ امساك وَخلف مَالا كثيرا وَخلف من الْخَيل وَالدَّوَاب وَالْجمال شَيْئا كثيرا وَخلف جمَاعَة من الغلمان خمس مئة مَمْلُوك وهم الاسدية وَهُوَ كَانَ مشيد قَوَاعِد الدولة الشاذية والمملكة الناصرية وَكَانَ ابْتِدَاء امْرَهْ يخْدم مَعَ صَاحب تكريت على اقطاع مبلغه تسع مئة دِينَار وتنقل الى ان ملك الديار المصرية وَعقد لَهُ العزاء بِالْقَاهِرَةِ ثَلَاثَة ايام قلت وَإِلَيْهِ تنْسب الْمدرسَة الاسدية بالشرف القبلي ظَاهر دمشق وَهِي المطلة على الميدان الاخضر وَهِي على الطَّائِفَتَيْنِ الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة والخانقاه الاسدية دَاخل بَاب الْجَابِيَة بدرب الهاشميين قَالَ ابْن ابي طي وَسَاعَة وَفَاته وَقع الِاخْتِلَاف فِيمَن يولي الوزارة بَين الْعَسْكَر الشَّامي ومالت الاسدية الى صَلَاح الدّين وَفِي تِلْكَ السَّاعَة انفذ العاضد وَسَأَلَ عَمَّن يصلح للوزارة فأرشد من جمَاعَة من الامراء الى شهَاب الدّين مَحْمُود الحارمي خَال صَلَاح الدّين فأنفذ اليه واحضره وخاطبه فِي تولي الوزارة فأمتنع من ذَلِك واشار بِولَايَة الْملك النَّاصِر وَكَانَ الحارمي اولا قد رغب فِي الوزارة وتحدث فِيهَا وَحصل مَا يَحْتَاجهُ فَلَمَّا رأى مزاحمة عين الدولة الياروقي وَغَيره عَلَيْهَا خَافَ أَن يشْتَغل بطلبها فتفوته وَرُبمَا فَاتَت صَلَاح الدّين فَأَشَارَ بِهِ لانها اذا كَانَت فِي ابْن اخته كَانَت فِي

стр. 533

بَيته وَكَانَ صَلَاح الدّين قد وَقع من العاضد بموقع واعجبه عقله وسداد رَأْيه وشجاعته واقدامه على شاور فِي موكبه وانه قَتله حِين جائه امْرَهْ وَلم يتريث وَلَا توقف فسارع الى تَقْلِيده الوزارة وَمَا خرج شهَاب الدّين الحارمى من حَضْرَة العاضد الا وخلع الوزارة قد سبقت الى الْملك النَّاصِر وَكَانَت خلعة الوزارة عِمَامَة بَيْضَاء تَنِّيسي بطرز ذهب وثوب دبيقي بطراز ذهب وجبة تحتهَا سقلاطون بطرازي ذهب وطيلسان دبيقي بطراز دَقِيق ذهب وَعقد جَوْهَر قِيمَته عشرَة الاف دِينَار وَسيف محلى بجوهر قِيمَته خَمْسَة الاف دِينَار وَفرس حجر صفراء من مراكب العاضد قيمتهَا ثَمَانِيَة الاف دِينَار لم يكن بالديار المصرية اسبق مِنْهَا وطوق وتخت وسرفسار ذهب مجوهر وَفِي رَقَبَة الْحجر مشدة بَيْضَاء وَفِي رَأسهَا

стр. 534

مئتا حَبَّة جَوْهَر وَفِي ارْبَعْ قَوَائِم الْفرس ارْبَعْ عُقُود جَوْهَر وقصبة ذهب فِي رَأسهَا طلعة مجوهرة وَفِي رَأسهَا مشدة بَيْضَاء بأعلام ذهب وَمَعَ الخلعة عدَّة بقج وعدة من الْخَيل واشياء اخر ومنشور الوزارة ملفوف فِي ثوب اطلس ابيض وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ الْخَامِس وَالْعِشْرين من جمادي الاخرة سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَخمْس مئة وقرئ المنشور بَين يَدي الْملك النَّاصِر يَوْم جُلُوسه فِي دَار الوزارة وَحضر جَمِيع ارباب الدولتين المصرية والشامية وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما وخلع السُّلْطَان على جمَاعَة الامراء والكبراء ووجوه الْبَلَد وارباب دولة العاضد وعمَّ النَّاس جَمِيعهم بالهبات والصلات وَلما اسْتَقَرَّتْ قدمه فِي الوزارة والرياسة قَامَ فِي الرّعية بشريعة السياسة ونظم بِحسن تَدْبيره من الدولة بددها وَجرى فِي مناهج الْعدْل على جددها وحَيُعَلَ الى جوده وفضله ونادى إِلَى رفده وبذله وَكَاتب الْأَطْرَاف بِمَا صَار إِلَيْهِ من السُّلْطَان وسر قُلُوب الأصدقاء والأحباب بِمَا حصل عَلَيْهِ من شرِيف الرُّتْبَة وَالْمَكَان واستدعى إِلَى حوزته الْأَصْحَاب والأهل وروى بسيح كرمه مَنْ بعد مِنْهُ وَقرب من أهل الْفضل وَتَابَ من الْخمر وَعدل

стр. 535

عَن اللَّهْو وتيقظ للتدبير وسها عَن السَّهْو وتقمص بلباس الدّين وَحفظ ناموس الشَّرْع الْمُبين وشمر عَن سَاق الْجد وَالِاجْتِهَاد وأفاض على النَّاس من كرمه وَجُود جوده شآبيب فَضله النَّائِب عَن العهاد وَورد عَلَيْهِ القصاد وَالزُّوَّارِ وأُمَّ بنفائس الْخطب وجواهر الْأَشْعَار حَدثنِي بعض الْأُمَرَاء قَالَ أقبل العاضد على السُّلْطَان الْملك النَّاصِر وأحبه محبَّة عَظِيمَة وَبلغ من محبته لَهُ أَنه كَانَ يدْخل إِلَيْهِ إِلَى الْقصر رَاكِبًا فَإِذا حصل عِنْده أَقَامَ مَعَه فِي قصره الْيَوْم وَالْعشرَة لايعلم أَيْن مقره قَالَ وَلما استولى الْملك النَّاصِر على الوزارة وَمَال إِلَيْهِ العاضد وحكَّمه فِي مَاله وبلاده حسده من كَانَ مَعَه بالديار المصرية من الْأُمَرَاء الشامية كَابْن ياروق وجرديك وَجَمَاعَة من غلْمَان نور الدّين ثمَّ إِنَّهُم فارقوه وصاروا إِلَى الشَّام وحَدثني أبي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ حَدثنِي جمَاعَة من أَصْحَاب نور الدّين أَن نور الدّين لما اتَّصل بِهِ وَفَاة أَسد الدّين ووزارة صَلَاح الدّين وَمَا قد انْعَقَد لَهُ من الْمحبَّة فِي قُلُوب الرعايا أعظم ذَلِك وأكبره وتأفف مِنْهُ وَأنْكرهُ وَقَالَ كَيفَ أقدم صَلَاح الدّين أَن يفعل شَيْئا بِغَيْر أَمْرِي وَكتب فِي ذَلِك عدَّة كتب فَلم يلْتَفت الْملك النَّاصِر إِلَى قَوْله إِلَّا أَنه لم يخرج عَن طَاعَته وَأمره وَأَنه مَا فَارق قبُول رَأْيه وإشارته وَأمر نور الدّين من بِالشَّام من أهل صَلَاح الدّين وَأَصْحَابه بِالْخرُوجِ إِلَيْهِ وَطلب مِنْهُ حِسَاب مصر وَمَا صَار إِلَيْهِ وَكَانَ كثيرا مَا يَقُول ملك ابْن أَيُّوب

стр. 536

قلت هَذَا كُله مِمَّا تَقْتَضِيه الطباع البشرية والجبلة الْآدَمِيَّة وَقد أجْرى الله الْعَادة بذلك إِلَّا من عصم الله وَمن أنصف عذر وَمن عرف صَبر وَالَّذِي أنكرهُ نور الدّين إفراط صَلَاح الدّين فِي تَفْرِقَة الْأَمْوَال واستبداده بذلك من غير مشاورته هَذَا مَعَ أَن ابْن أبي طيّ مُتَّهم فِيمَا ينْسبهُ إِلَى نور الدّين مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ فَإِن نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى كَانَ قد أذلّ الشِّيعَة بحلب وأبطل شعارهم وقوى أهل السّنة وَكَانَ وَالِد ابْن أبي طي من رُؤُوس الشِّيعَة فنفاه من حلب وَقد ذكر ذَلِك كُله ابْن أبي طي فِي كِتَابه مفرقاً فِي مَوَاضِع فَلهَذَا هُوَ فِي هَذَا الْكتاب الَّذِي لَهُ كثير الْحمل على نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فَلَا يُقبل مِنْهُ مَا ينْسبهُ إِلَيْهِ مِمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَالله أعلم قَالَ وَلما ملك الْملك النَّاصِر مصر انتزع نور الدّين حمص والترحبة من نَاصِر الدّين بن أَسد الدّين وَفرق عماله وَأَعْطَاهُ تل بَاشر ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ وَلَقَد كَانَ يتألم لملك الْملك النَّاصِر وَيُقَال إِنَّه لما مرض قَالَ مَا أَخْطَأت إِلَّا فِي إنفاذي أَسد الدّين إِلَى مصر بعد علمي برغبته فِيهَا وَمَا يحزنني شَيْء كعلمي بِمَا ينَال أَهلِي من يُوسُف بن أَيُّوب ثمَّ الْتفت إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ إِذا أَنا مت فصيروا بِابْني إِسْمَاعِيل إِلَى حلب لِأَنَّهُ لَا يبقي عَلَيْهِ غَيرهَا قَالَ ابْن أبي طي وَلَقَد كَانَ يبلغ الْملك النَّاصِر من أَقْوَال نور الدّين وأقوال أَصْحَابه أَشْيَاء تؤلمه وتمضه غير أَنه يلقاها بصدر رحب وَخلق

стр. 537

عذب حَدثنِي أبي عَن ابْن قَاضِي الدهليز وَكَانَ من خَواص الْملك النَّاصِر قَالَ جرى يَوْمًا بَين يَدي السُّلْطَان ذكر نور الدّين فَأكْثر الترحم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَالله لقد صبرت مِنْهُ على مثل حزَّ المدى ووخز الإبر وَمَا قدر أحد من أَصْحَابه أَن يجد عليّ مَا يعتده ذَنبا وَلَقَد اجْتهد هُوَ بِنَفسِهِ أَيْضا أَن يجد لي هفوة يعتدها عليّ فَلم يقدر وَلَقَد كَانَ يعْتَمد فِي مخاطباتي ومراسلاتي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا يصبر على مثلهَا لعليَّ أتضرر أَو أتغير فَيكون ذَلِك وَسِيلَة لَهُ إِلَى منابذتي فَمَا أبلغته أربه يَوْمًا قطّ قلت وَقد وقفت على كتاب بِخَط نور الدّين ﵀ يشْكر فِيهِ من صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَذَلِكَ ضد مَا قَالَه ابْن أبي طي كتب نور الدّين ذَلِك الْكتاب إِلَى الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون ﵀ وَهُوَ بحلب ليوليه قَضَاء مصر صورته حسبي الله وَكفى وفْق الله الشَّيْخ الإِمَام شرف الدّين إِلَى طَاعَته وَختم لَهُ بِخَير غير خافٍ عَن الشَّيْخ مَا أَنا عَلَيْهِ وَفِيه وكل غرضي ومقصودي فِي مصَالح الْمُسلمين وَمَا يقربنِي إِلَى الله وَالله ولي التَّوْفِيق والمطلع على نيتي وَأَنت تعلم نيتي كَمَا قَالَ عز من قَائِل ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ﴾ أَنْت تعلم أَن مصر الْيَوْم قد لزمنا النّظر فِيهَا فَهِيَ من الفتوحات الْكِبَار الَّتِي جعلهَا الله تَعَالَى دَار إِسْلَام بَعْدَمَا كَانَت دَار كفر ونفاق فَللَّه الْمِنَّة وَالْحَمْد إِلَّا أَن الْمُقدم على كل شَيْء أُمُور

стр. 538

الدّين الَّتِي هِيَ الأَصْل وَبهَا النجَاة وَأَنت تعلم أَن مصر وإقليمها مَا هِيَ قَليلَة وَهِي خَالِيَة من أُمُور الشَّرْع وَمَا تُدخر الدُّمُوع إِلَّا للشدائد وَأَنا مَا كنت أسخى وَلَا أشتهي مفارقتك والآن فقد تعين عَلَيْك وعليّ أَيْضا أَن نَنْظُر إِلَى مصالحها وَمَا لنا أحد الْيَوْم لَهَا إِلَّا أَنْت وَلَا أقدر أولي أمورها وأقلدها إِلَّا لَك حَتَّى تَبرأ ذِمَّتِي عِنْد الله فَيجب عَلَيْك وفقك الله أَن تشمر عَن سَاق الِاجْتِهَاد وتتولى قضاءها وتعمل مَا تعلم أَنه يقربك إِلَى الله وَقد بَرِئت ذِمَّتِي وَأَنت تجاوب الله فَإِذا كنت أَنْت هُنَاكَ وولدك أَبُو الْمَعَالِي وَفقه الله فيطيب قلبِي وتبرأ ذِمَّتِي وَقد كتبت هَذَا بخطي حَتَّى لاتبقى عَليّ حجَّة تصل أَنْت وولدك إِلَى عِنْدِي حَتَّى أسيركم إِلَى مصر وَالسَّلَام بموافقة صَاحِبي واتفاق مِنْهُ صَلَاح الدّين وَفقه الله فَأَنا مِنْهُ شَاكر كثير كثير كثير جزاه الله خيرا وأبقاه فَفِي بَقَاء الصَّالِحين والأخيار صَلَاح عَظِيم وَمَنْفَعَة لأهل الْإِسْلَام الله تَعَالَى يكثر من الأخيار وَأَعْوَان خير وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم تَسْلِيمًا قَالَ ابْن أبي طيّ وأبطل صَلَاح الدّين من المكوس والمظالم مَا يسْتَخْرج بديوان صناعَة مصر مئة ألف دِينَار وَمَا يسْتَخْرج بِالْأَعْمَالِ الْقبلية والبحرية مئة ألف دِينَار فسامح بِجَمِيعِ ذَلِك وَأمر بِكِتَابَة سجل بِهِ من ديوَان الْإِنْشَاء وأنفذ إِلَى سَائِر أَعمال مصر يُقرأ على المنابر وَعرض عَلَيْهِ سِيَاقَة جرائد الدَّوَاوِين فِي جِهَات المستخدمين والمعاملين لعدة سِنِين مُتَقَدّمَة آخرهَا سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة فَكَانَ مبلغه ينيف عَن ألف ألف دِينَار وَألْفي ألف إِرْدَب غلَّة فسامح بِجَمِيعِ ذَلِك وأبطله من الدَّوَاوِين واسقطه

стр. 539

من المعاملين وأنهى إِلَيْهِ مَا يستأدي من الْحجَّاج بالحجاز المحروس من المكوس فَأنكرهُ وأكبره وَعوض عَنهُ بعدة ضيَاع فأغاث أهل الْحجاز بِمَا أوسعهم من الْعين وَالْغلَّة أَشْيَاء يطول شرحها قلت وَسَيَأْتِي كل ذَلِك فِي مَوْضِعه ونسخة منشور إِسْقَاط المكوس فِي أَخْبَار سنة سبع وَسِتِّينَ وَذَلِكَ بِإِشَارَة نور الدّين ﵀ وَفِي أَيَّامه فصل ذكر الْعِمَاد فِي ديوانه قصيدة مدح بهَا نور الدّين يهنئه بِملك مصر وَلم يذكرهَا فِي كتاب الْبَرْق مِنْهَا (بِملك مصر أهني مَالك الْأُمَم ... فاسعد وأبشر بنصر الله عَن أَمم) (أضحى بعدلك شَمل الْملك ملتئما ... وَهل بعدلك شَمل غير ملتئم) (يَا فَاعل الْخَيْر عَن طبع بِلَا كلف ... ومُولى الْعرف عَن خلق بِلَا سأم) (ووامقاً ثلم ثغر الْكفْر يُعجبهُ ... لَا لثم ثغر شتيت وَاضح شبم) (لله دَرك نور الدّين من ملك ... بالعزم مفتتح بالنصر مختتم) (آثَار عزمك فِي الْإِسْلَام وَاضِحَة ... وسره لَك باد غير مكتتم)

стр. 540

(بِمَا من الْعدْل وَالْإِحْسَان تنشره ... تخَاف رَبك خوف المذنب الأثم) (أوردت مصر خُيُول النَّصْر عادمة ... ثني الأعنة إقداماً على اللجم) (فَأَقْبَلت فِي سَحَاب من ذوابلها ... وقضبها بدماء الْهَام منسجم) (تمكن الرعب فِي قلب الْعَدو بهَا ... تمكن النَّار بالإحراق فِي الفحم) (سرت لتقطع مَا للكفر من سَبَب ... واهٍ وتوصل مَا للدّين من رحم) (مستسهلات وعور الطّرق فِي طلب العلياء ... مقتحمات أصعب القحم) (وجاعلات من الإفرنج غلَّهم ... والقيد فِي مَوضِع الأطواق والحزم) (لقد شفت غلَّة الْإِسْلَام وانتقمت ... من الْعَدو بِحَدّ الصارم الخذم) (أعانها الله فِي إطفاء جمر أَذَى ... من شَرّ شاور فِي الْإِسْلَام مضطرم) (وأصبحت بك مصر بعد خيفتها ... للأمن والعز والإقبال كالحرم) (والسُّنة اتسقت والبدعة انمحقت ... وعاودت دولة الْإِحْسَان وَالْكَرم) (مُلُوكهَا لَك صَارُوا أعبدا وَغدا ... بهَا عبيدك ملاكا ذَوي حُرم) (أنَبْت عَنْك بهَا قرما يَنُوب بهَا ... فِي الْبَأْس عَن عنتر فِي الْجُود عَن هرم) (لله دَرك نور الدّين من ملك ... عدلٍ لحفظ أُمُور الدّين مُلْتَزم)

стр. 541

(كَانَت ولَايَة مصرقبل عزتها ... بكشف دولتها لَحْمًا على وَضم) (فالنيل ملتطم جَار على خجل ... جاراً لبحر نوال مِنْك ملتطم) (أُغْزُ الفرنج فَهَذَا وَقت غزوهم ... واحطم جموعهم بالذابل الحطِم) (وطهر الْقُدس من رِجْس الصَّلِيب وثبِ ... على البغاث وثوب الأجدل القطم) (فَملك مصر وَملك الشَّام قد نظما ... فِي عِقد عز من الْإِسْلَام مُنْتَظم) (مَحْمُود الْملك الْغَازِي يسوسهما ... بِالْفَضْلِ وَالْعدْل والإفضال وَالنعَم) (بالشكر كل لِسَان نَاطِق أبدا ... محمودُ الْملك مَحْمُود بِكُل فَم) (فأشك مصر وَأظْهر عز سنتها ... كم تحتفي وَإِلَى كم تَشْتَكِي وَكم) ولعلم الدّين الشاتاني فِي نور الدّين (مَا نَالَ شأوك فِي الْمَعَالِي سنجر ... كلا وَلَا كسْرَى وَلَا الْإِسْكَنْدَر) (يَا خير من ركب الْجِيَاد وخاض فِي ... لجج المنايا والأسنة تقطر)

стр. 542

(هَل حَاز غَيْرك ملك مصر وَصَارَ من ... أَتْبَاعه مَن جده الْمُسْتَنْصر) (والمستضي بِاللَّه مُعْتَد بِهِ ... وبجده وبحده مستظهر) (أَو سدَّ بِالشَّام الثغور محامياً ... للدّين حَتَّى عَاد عَنْهَا قَيْصر) (يبكي فيروي الأَرْض فيض دُمُوعه ... والجو من أنفاسه يتسعر) (أَو مَا أَبوك بِسَيْفِهِ فتح الرُّها ... والأسد تقتنص الكماة وتزأر) (هابت مُلُوك الأَرْض بَأْس كماتها ... فتقاعدوا عَن قَصدهَا وتأخروا) (مَا ضره طيُّ الْمنية ذَاته ... وَصِفَاته بَين الْبَريَّة تنشر) (فلكم على كل الْمُلُوك مزية ... لوقائع مَشْهُورَة لَا تنكر) (وَإِذا عددنا للأنام مناقباً ... فَعَلَيْك قبل الْكل تثنى الْخِنْصر) (فِي الرَّأْي قيس فِي السماحة حَاتِم ... فِي النُّطْق قس فِي البسالة حيدر) (دَانَتْ لَك الدُّنْيَا وَأَنت تعافها ... وَسوَاك فِي آماله يتعثر) (من ذَا يصون الصين عَنْك وَأَنت من ... أَسد الشرى مِنْهُ تخَاف وتحذر) قَالَ الْعِمَاد وأنفذ صَلَاح الدّين من مصر خلعاً لجَماعَة من الْأَعْيَان وأنفذ للعماد عِمَامَة ملبوسة فَكتب إِلَيْهِ قصائد فِي هَذَا الْمَعْنى مِنْهَا (يَا صَلَاح الدّين الَّذِي أصلح الْفَاسِد ... بِالْعَدْلِ من خطوب الزَّمَان) (أَنْت أجريت نيل مصر إِلَى الشَّام ... نوالاً أم سَالَ نيل ثَانِي)

стр. 543

(وعَلى نيلها لكفيك فضل ... فهما بالنضار جاريتان) (وصلت أعطياتك الغر غزراً ... فتلقت آمالنا بالتهاني) (خلع راقت الْعُيُون وراعت ... وَعلا وصفهَا عَن الْإِمْكَان) (مذهبات كَأَنَّهَا خلع الرضْوَان ... قد أهديت لأهل الْجنان) (مشرقات بطرزها الذهبيات ... الحسان الرفيعة الْأَثْمَان) (فلعمامات كالغمامات والطرز ... بروق كَثِيرَة اللمعان) (والموالي بهَا من التيه وَالْفَخْر ... على الدَّهْر ساحبو الأردان) (كَيفَ خُص الْعِمَاد بالأدون المخلق ... من دون عصبَة الدِّيوَان) (أخليقُ من نسجه لَك فِي الْمَدْح ... جديدُ بأمهن الخلقان) (وَكَذَا عَادَة اللَّيَالِي تخص الْفَاضِل ... الْمُسْتَحق بالحرمان) (لم تزل ساريات جودك بِالشَّام ... لَدَيْهِ غزيرة التهتان) (فَإِذا لم تزِدْه مصر كمالا ... فِي المنى فاحمه من النُّقْصَان) وَكتب إِلَى فَخر الدّين أخي صَلَاح الدّين قصيدة مِنْهَا (عَبدك شمس الدولة المرتجى ... منتظر تشريفك المذهبا) (واعتب صَلَاح الدّين فِي حالتي ... عساه بالإصلاح أَن يعتبا) (عرِّفه مَا تمّ فَإِنِّي أرى ... من فَضله للفضل أَن يغضبا) (وَكَيف يرضى ذَاك بعض الرضى ... ومجده يأباه كل الإبا)

стр. 544

(وَقل لَهُ جَاءَتْهُ ملبوسةً ... تخلفت من تُبَّع فِي سبا) (عِمَامَة رقَّت ورثت فَمَا ... نشرتها إِلَّا وطارت هبا) قَالَ فوصل من صَلَاح الدّين عِمَامَة مذهبَة وَكتب يعْتَذر عَن الْعِمَامَة الَّتِي قبلهَا وَكتب إِلَى سعد الدّين كمشتكين ليستعير لِسَانه فِي الِاعْتِذَار إِلَى الْعِمَاد فَإِنِّي أستقل لمرامه إرم ذَات الْعِمَاد فَكتب الْعِمَاد (أما الْعِمَاد فقد تضَاعف شكره ... نعماك شكر الرَّوْض نعمى الصيب) (لعمامة ذهبية كغمامة ... يبدوا بهَا برق الطيراز المغربي) (مَا كَانَ أحسن حَاله لَو أَنه ... شُفعت عمَامَته بِثَوْب مَذْهَب) قَالَ وَكتب إِلَيْهِ (أهني الْملك النَّاصِر ... بِالْملكِ وبالنصر) (وَمَا مهد من بُنيان ... دين الْحق فِي مصر) (وَمَا أسداه من برّ ... بِلَا عدٍ وَلَا حصر) (وَمَا أَحْيَاهُ من عدل ... وَمَا خفف من إصر) (وإعلاء سنا السّنة ... فِي بحبوحة الْقصر) (قد استولى على مصرٍ ... بِحَق يُوسُف الْعَصْر) (وَأَحْيَا سنة الأحسان ... فِي البدو وَفِي الْحَضَر) وَكتب إِلَيْهِ الْأَمِير أُسَامَة بن منقذ من قصيدة (ديارَ الْهوى حيَّا معالمك الْقطر ... وجادك جود النَّاصِر الغدق الهمر)

стр. 545

(بِهِ رجعت فِي عنفوان شبابها ... ونضرتها من بعد مَا هرمت مصر) (وَكم خاطبٍ ردته لم يَك كفأها ... إِلَى أَن أَتَاهَا خَاطب سَيْفه الْمهْر) (حماها حمى اللَّيْث العرين وصانها ... كَمَا صان عينا من مُلِمِّ القذي شفر) (وَكَانَ بهَا بَحر أجاج فَأَصْبَحت ... وَمن جوده العذب النمير بهَا بَحر) وَله فِيهِ من أُخْرَى (فَمَا أَنْت إِلَّا الشَّمْس لولاك لم تزل ... على مصر ظلماء الضَّلَالَة سرمدا) (وَكَانَ بهَا طغيان فِرْعَوْن لم يزل ... كَمَا كَانَ لما أَن طَغى وتمردا) (فبصَّرتهم بعد الغواية والعمى ... وأرشدتهم بعد الضلال إِلَى الْهدى) وَله فِيهِ من أُخْرَى (قل للملوك تزحزحواعن ذرْوَة العلياء ... للْملك الْهمام النَّاصِر) (يُعْطي الألوف ويلتقيها باسما ... طلق المحيافي القنا المتشاجر) وقرأت فِي ديوَان العَرْقلة وَقَالَ فِي الْمولى الْملك النَّاصِر وَقد أنفذ لَهُ من ديار مصر ذَهَبا وَلغيره سَلاما (صَلَاح الدّين قد أصلحت دنيا ... شقي لم يبت إِلَّا حَرِيصًا) (أَتَى مِنْك السَّلَام لنا عُمُوما ... وجودك جَاءَنِي وحدي خُصُوصا)

стр. 546

(فَكنت كيوسف الصّديق لما ... تلقى مِنْهُ يَعْقُوب القميصا) وَكَانَ العرقلة من جملَة المتردّدين إِلَى صَلَاح الدّين أَيَّام كَونه بِدِمَشْق فَلَمَّا سَار إِلَى مصر وعده أَنه مَتى ملكهَا أعطَاهُ ألف دِينَار فَلَمَّا تمّ أمره بِمصْر كتب إِلَيْهِ العرقلة قصيدة مِنْهَا (إِلَيْك صَلَاح الدّين مولَايَ أشتكي ... زَمَانا على الْحر الْكَرِيم يجوز) (تُرى أُبصر الْألف الَّتِي كنت وَاعدي ... بهَا فِي يَدي قبل الْمَمَات تصير) (وهيهات والإفرنج بيني وَبَيْنكُم ... سياجُ قَتِيل دونه وأسير) (وَمن عجب الْأَيَّام أَنَّك ذُو غنى ... بِمصْر ومثلي بالشآم فَقير) وَقَالَ أَيْضا (قل للصلاح مُعيني عِنْد إعساري ... يَا ألفَ مولايَ أَيْن الألفُ دينارُ) (أخْشَى من الْأسر إِن حاولت أَرْضكُم ... وَمَا تفي جنَّة الفردوس بالنَّار) (فجد بهَا عاضِدِيَّاتٍ مسطرة ... من بعض مَا خلف الطاغي أَبُو الطاري)

стр. 547

(حمراً كأسيافكم غرا كخيلكمُ ... عُتْقاً ثقالا كأعدائي وأطماري) يَعْنِي بالطاغي شاور وَله ابْن اسْمه الطاري وأنفذ لَهُ من مصر عشْرين دِينَارا فَقَالَ (يَا مَالِكًا مَا بَرحت كَفه ... تجود بِالْمَالِ على كفي) (أَفْلح بالعشرين من لم يزل ... فِي رَأس عشْرين من الْكَهْف) (يَا ألف مولَايَ وَلكنهَا ... محسوبة من جملَة الْألف) وَذكر الْعِمَاد فِي الخريدة أَن العرقلة قصد صَلَاح الدّين إِلَى مصر فَأعْطَاهُ ذَلِك وَأخذ لَهُ من إخْوَته مثله فَعَاد إِلَى دمشق وَهُوَ مسرور مجبور وَكَانَ ذَلِك ختام حَيَاته ودنا أجل وَفَاته وَمَات بِدِمَشْق فِي سنة سِتّ أَو سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة قلت وَفِي ديوانه مَا يدل على قدومه مصر فَإِن فِيهِ وَقَالَ وكتبها على حمام عمَّرها الْمولى الْملك النَّاصِر بديار مصر (ياداخل الْحمام هنيتها ... دَائِرَة كالفلك الدائر) (تَأمل الْجنَّة قد زُخرفت ... وعمرت للْملك النَّاصِر) (كَأَنَّمَا فيض أنابيبها ... نداه للوارد وللصادر)

стр. 548

فصل فِي قتل المؤتمن بالخرقانية ووقعة السودَان بَين القصرين وَغير ذَلِك قَالَ الْعِمَاد وَشرع صَلَاح الدّين فِي نقص إقطاع المصريين فَقطع مِنْهُم الدابر من أجل من مَعَه من العساكر وَكَانَ بِالْقصرِ خصي يدعى مؤتمن الْخلَافَة متحكم فِي الْقصر فأجمع هُوَ وَمن مَعَه على أَن يكاتبوا الفرنج ويقبضوا على الأَسدِية والصلاحية لِأَن صَلَاح الدّين يخرج إِلَى الفرنج بِمن مَعَه فَيُؤْخَذ مَن بَقِي من أَصْحَابه بِالْقَاهِرَةِ وَيتبع من وَرَائه فَتكون عَلَيْهِم الدائرة فكاتبوا الفرنج وَاتفقَ أَن رجل من التركمان عبر بالبئر الْبَيْضَاء فَرَأى مَعَ إِنْسَان ذِي خلقان نَعْلَيْنِ جديين لَيْسَ بهما أثر مشي

стр. 549

فأنكرهما فَأَخذهُمَا وَجَاء بهما إِلَى صَلَاح الدّين ففتقهما فَوجدَ مُكَاتبَة الفرنج فيهمَا من أهل الْقصر يرجون بحركتهم حُصُول النَّصْر فَأخذ الْكتاب وَقَالَ دلوني على كَاتب هَذَا الْخط فدلوه على يَهُودِيّ من الرَّهْط فَلَمَّا أحضروه ليسألوه ويعاقبوه على خطه ويقابلوه نطق بِالشَّهَادَةِ قبل كَلَامه وَدخل فِي عصمَة إِسْلَامه ثمَّ اعْترف بِمَا جناه وشيده من الْأَمر وبناه وَأَن الْآمِر بِهِ مؤتمن الْخلَافَة وَإنَّهُ بَرِيء من هَذِه الآفة فَحسن السُّلْطَان إِسْلَامه وَثَبت إعتصامه وَعرف استسلامه وَرَأى إخفاء هَذَا السِّرّ واكتتامه واستشعر الخصيّ العَصِيّ وخشي أَن تشقه على شقّ الْعَصَا العِصيّ فَمَا صَار يخرج من الْقصر مَخَافَة وَإِذا خرج لم يبعد مَسَافَة وَصَلَاح الدّين عَلَيْهِ مغضب وَعنهُ مغض لَا يَأْمر فِيهِ ببسط وَلَا قبض إِلَى أَن استرسل واستبسل وَظن أَن مَا نَسْله من الشَّرّ الْعَقِيم نصل وَكَانَ لَهُ قصر فِي قَرْيَة يُقَال لَهَا الخرقانية لخُرقه ورقع مَا يَتَّسِع عَلَيْهِ من خرقه وَهُوَ بِقرب قليوب فَخَلا فِيهِ يَوْمًا للذته وَلم يدْرِي أَنه يَوْم ذلته وانقضاء ساعاته بِانْقِضَاء دولته فأنهض إِلَيْهِ صَلَاح الدّين من أَخذ راسه وَنزع من جَاءَ بِهِ لِبَاسه وَذَلِكَ يَوْم الْأَرْبَعَاء الْخَامِس من ذِي الْقعدَة سنة أَربع فورد موارده مِن رَداه على أدون مشرع قَالَ وَلما قتل غَار السودَان وثاروا وَكَانُوا أَكثر من خمسين ألفا وَكَانُوا إِذا قَامُوا على وَزِير قَتَلُوهُ واجتاحوه وأذلوه واستباحوه واستحلوه

стр. 550

فَحَسبُوا أَن كل بَيْضَاء شحمة وَأَن كل سَوْدَاء فَحْمَة فثار أَصْحَاب صَلَاح الدّين إِلَى الهيجاء ومقدمهم الْأَمِير أَبُو الهيجاء واتصلت الْحَرْب بَين القصرين وأحاطت بهم العسكرية من الْجَانِبَيْنِ ودام الشَّرّ يَوْمَيْنِ حَتَّى أحس الأساحم بالحين وَكلما لجؤوا إِلَى محلّة أحرقوها عَلَيْهِم وحووا ماحواليهم وأخرجوا إِلَى الجيزة وأذلوا بِالنَّفْيِ عَن مَنَازِلهمْ العزيزة وَذَلِكَ يَوْم السبت الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة فَمَا خلص السودَان بعْدهَا من الشدَّة وَلم يَجدوا الى الْخَلَاص سَبِيلا و ﴿أَيْنَمَا ثقفوا أُخذوا وقتِّلوا تقتيلا﴾ وَكَانَت لَهُم على بَاب زويلة محلّة تسمى المنصورة وَكَانَت بهم المعمرة المعمورة فَأتي بنيانها من الْقَوَاعِد فَأَصْبَحت خاوية ثمَّ حرثها بعض الْأُمَرَاء واتخذها بستاناً فَهِيَ الْآن جنَّة لَهَا ساقية قَالَ وَكَانَ قد وصل إِلَى صَلَاح الدّين قبيل هَذِه النّوبَة أَخُوهُ الْأَكْبَر فَخر الدّين شمس الدولة تورانشاه بن أَيُّوب أنفذه إِلَيْهِ نور الدّين من دمشق يشد أزره بِمصْر لما سمع بحركة الفرنج وَأهل الْقصر فوصل الْقَاهِرَة فِي ثَالِث ذِي القعده

стр. 551

قَالَ ابْن أبي طي وباشر بِنَفسِهِ وقْعَة السودَان هَذِه وَكَانَ لَهُ فِيهَا أثر عَظِيم وَمن عَجِيب مَا اتّفق أَن العاضد كَانَ يتطلع من المنظرة ويعاين الْحَرْب بَين القصرين فَقيل إِنَّه أَمر مَنْ بِالْقصرِ أَن يقذفوا العساكر الشامية بالنشاب وَالْحِجَارَة فَفَعَلُوا وَقيل إِن ذَلِك كَانَ عَن غير اخْتِيَاره فَأمر شمس الدولة الزراقين بإحراق منظرة العاضد فهمَّ أحد الزراقين بذلك وَإِذا بَاب الْمضرَّة قد فتح وَخرج مِنْهُ زعيم الْخلَافَة وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يسلم على شمس الدولة وَيَقُول دونكم العبيد الْكلاب أخرجوهم من بِلَادكُمْ وَكَانَت العبيد مشتدة الْأَنْفس بِأَن العاضد راضٍ بفعالهم فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك فُتَّ فِي اعضادهم فجبنوا وتخاذلوا وأدبروا وَمِمَّا كتبه الْعِمَاد على لِسَان غَيره إِلَى صَلَاح الدّين قصيدة مِنْهَا (بِالْملكِ النَّاصِر استنارت ... فِي عصرنا أوجه الْفَضَائِل) (عليّ من حَقه فروض ... شكرا لما جاد من نوافل) (يُوسُف مصر الَّذِي إِلَيْهِ ... تشد آمالنا الرَّوَاحِل)

стр. 552

(أجريت نيلين فِي ثراها ... نيل نجيع ونيل نائل) (وَمَا نفيت السودَان حَتَّى ... حكَّمت الْبيض فِي الْمقَاتل) (صيرت رحب الفضاء ضيقا ... عَلَيْهِم كفة لحابل) (وكل رَاء مِنْهُم كِرَاء ... وَأَرْض مصر كَلَام وَاصل) (وَقد خلت مِنْهُم المغاني ... وأقفرت مِنْهُم الْمنَازل) (وَمَا أصيبوا إِلَّا بَطلّ ... فَكيف لَو أمطروا بوابل) (والسود بالبيض قد أبيحوا ... فَهِيَ نواز بهم نَوَازِل) (مؤتمن الْقَوْم خَان حَتَّى ... غالته من شَره غوائل)

стр. 553

(عاملكم بالخنا فأضحى ... وَرَأسه فَوق رَأس عَامل) (يَا مخجل الْبَحْر بالأيادي ... قد آن أَن تُفتح السواحل) (فقدِّس الْقُدس من خباث ... أرجاس كفر غُتم أراذل) قَالَ الْعِمَاد وَمِمَّا مدحت بِهِ صَلَاح الدّين فِي ذَلِك التَّارِيخ تهنئة لَهُ بِالْملكِ وتعزية بِعَمِّهِ (أيا يُوسُف الْإِحْسَان وَالْحسن خير من ... حوى الْفضل والإفضال وَالنَّهْي والأمرا) (وَمن للهدى وَجه النجاح ... بِرَأْيهِ تجلَّى وثغر الثغر من عزمه افترى) (حمى حوزة الدّين الحنيف بحوزه ... من الْخَالِق الحسني وَمن خلقه الشكرا) (أَبوهُ أبي إِلَّا الْعَلَاء وَعَمه ... بمعروفه عمَّ الورى البدو والحضرا) (وَطَالَ الْمُلُوك شيركوه بِطُولِهِ ... وَمَا شاركوه فِي الْعلَا فحوى الفخرا) (بَنو الْأَصْفَر الإفرنج لاقوا ببيضه ... وَسمر عواليه مناياهم حمرا) (وَمَا ابيضَّ يَوْم النَّصْر واخضر روضه ... من الخصب حَتَّى اسودَّ بالنقع واغبرَّا) (رأى النَّصْر فِي تقوى الْإِلَه وكل من ... تقوى بتقوى الله لَا يعْدم النصرا) (وَلما رأى الدُّنْيَا بِعَين ملالة ... أغذَّ من الأولى مسيرًا إِلَى الْأُخْرَى) (وَقَامَ صَلَاح الدّين بِالْملكِ كافلا ... وَكَيف ترى شمس الضُّحَى تخلف البدرا) (وَلما صبَّتْ مصرُ إِلَى عصر يُوسُف ... أعَاد إِلَيْهَا الله يُوسُف والعصرا) (فَأجرى بهَا من راحتيه بجوده ... بحاراً فسماها الورى أنملا عشرا)

стр. 554

(هُزِمْتُمْ جنود الْمُشْركين برعبكم ... فَلم يَلْبَثُوا خوفًا وَلم يمكثوا ذعرا) (وفرقتم من حول مصر جموعهم ... بِكَسْر وَعَاد الْكسر من أَهلهَا جبرا) (وأمَّنتم فِيهَا الرعايا بعدلكم ... وأطفأتم من شَرّ شاورها الجمرا) (بسفك دم حطتم دِمَاء كَثِيرَة ... وحزتم بِمَا أبديتم الْحَمد والأجرا) (وَمَا يرتوي الْإِسْلَام حَتَّى تغادروا ... لكم من دِمَاء الغادرين بهَا غدرا) (فصبوا على الإفرنج سَوط عَذَابهَا ... بِأَن تقسموا مَا بَينهَا الْقَتْل والأسرا) (وَلَا تهملوا الْبَيْت الْمُقَدّس واعزموا ... على فَتحه غازين وافترعوا البكرا) (تديمون بِالْمَعْرُوفِ طيِّب ذكركُمْ ... وَمَا الْملك إِلَّا أَن تديموا لكم ذكرا) (وَإِن الَّذِي أثرى من المَال مُقْتِرُ ... وَإِن يُفْنِه فِي كسب محمدة أثري) قَالَ وَكَثُرت كتب صَلَاح الدّين إِلَى أصدقائه مبشرة بِطيب أنبائه فَمِنْهَا كتاب ضمنه هَذَا الْبَيْت (مَا كنت بالمنظور أقنع مِنْكُم ... وَلَقَد رضيت الْيَوْم بالمسموع) فَقلت فِي جَوَابه أبياتا مِنْهَا (يَا هَل لسالف عيشتي بفنائكم ... من عودة محمودة وَرُجُوع) (قد غبتم عَن ناظري مَا أَذِنت ... للقلب شمسُ مَرة بِطُلُوع) (كنتُ المشفَّع فِي المطالب عنْدكُمْ ... فَغَدَوْت أطلب طيفكم بشفيع) (أَصبَحت أقنع بِالسَّلَامِ على النَّوَى ... وبقربكم كم بتُّ غير قنوع)

стр. 555

قَالَ وَوصل أَيْضا مِنْهُ كتاب ضمنه هَذَا الْبَيْت (وأنثر در الدمع من قبل أبيضا ... وَقد حَال مذ بِنْتم فَأصْبح ياقوتا) فنظمت فِي جَوَابه أبياتاً مِنْهَا (هَنِيئًا لمصر حوز يُوسُف ملكهَا ... بِأَمْر من الرَّحْمَن قد كَانَ موقوتا) (وَمَا كَانَ فِيهَا قتلُ يُوسُف شاوراً ... يماثل إِلَّا قتل دَاوُد جالوتا) (وَقلت لقلبي أبشر الْيَوْم بالمنى ... فقد نلْت مَا أملت بل حزت مَا شيتا) قَالَ وَفِي هَذِه السّنة قتل العاضد بِالْقصرِ ابْني شاور الْكَامِل وأخاه يَعْنِي الطاري يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع من جمادي الْآخِرَة وَذَلِكَ أَنه لما قتل شاور عاذوا بِالْقصرِ فَكَأَنَّمَا نزلُوا فِي الْقَبْر فَلَو أَنهم جاؤوا إِلَى أَسد الدّين سلمُوا وامتنعوا وعصموا فَإِنَّهُ سَاءَهُ قتل شاور وَإِن كَانَ أَمن بقتْله مَا حاذر قلت الْكَامِل هُوَ شُجَاع بن شاور وَكَانَ لَهُ اخوان أَحدهمَا طي تقدم ذكر قتل ضرغام لَهُ وَالْآخر الطاري قَالَ الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي السرُور الروحي فِي تَارِيخه أَخذ ابْنا شاور شُجَاع

стр. 556

الملقب بالكامل والطاري الملقب بالمعظم وَأَخُوهُ الملقب بِفَارِس الْمُسلمين فَقتلُوا ودير برؤوسهم قَالَ لما وَلي صَلَاح الدّين سَاس الرّعية وَأظْهر لَهُم من الْعدْل مَا لم يعلموه فَاجْتمع أهل الْبِلَاد وكرهوه فأوقع براجلهم وأخرجهم من الْقَاهِرَة إخراجاً عنيفاً وَأخرج بعد ذَلِك فارسهم وشتت شملهم ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيةً بِما ظَلَمَوُا﴾ قَالَ وَلما كنت سنة سِتّ وَسِتِّينَ رفع جَمِيع المكوس صادرها وواردها جليلها وحقيرها وغزا بِلَاد الشَّام غزوتين قَالَ ابْن شَدَّاد وَفِي الْمحرم من هَذِه السّنة توفّي ياروق الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ الياروقية يَعْنِي الْمحلة الَّتِي بِظَاهِر حلب قَالَ غَيره وفيهَا احْتَرَقَ جَامع حلب وأسواق الْبَز وَأخذ نور الدّين فِي عِمَارَته آخر السّنة

стр. 557

ثمَّ دخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مئة فَفِي أول صفر مِنْهَا نزل الفرنج خذلهم الله تَعَالَى على دمياط من الديار المصرية قَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ فرنج السَّاحِل لما ملك أَسد الدّين مصر قد خَافُوا وأيقنوا بِالْهَلَاكِ فكاتبوا الفرنج الَّذين بالأندلس وصقلية يستمدونهم ويعرفونهم مَا تجدّد من ملك مصر وَأَنَّهُمْ خائفون على الْبَيْت الْمُقَدّس من الْمُسلمين وَأَرْسلُوا جمَاعَة من القسوس والرهبان يحرضون النَّاس على الْحَرَكَة فأمدوهم بِالْمَالِ وَالرِّجَال وَالسِّلَاح وأتعدوا على النُّزُول على دمياط ظنا مِنْهُم أَنهم يملكونها ويتخذونها ظهرا يملكُونَ بِهِ ديار مصر فَلَمَّا نازلوها حصروها وضيقوا على من بهَا فَأرْسل إِلَيْهَا صَلَاح الدّين العساكر فِي النّيل وَحشر فِيهَا كل من عِنْده وأمدهم بِالْمَالِ وَالسِّلَاح والذخائر وتابع رسله إِلَى نور الدّين يشكو مَا هُوَ فِيهِ من المخاوف وَأَنه إِن تخلف عَن دمياط ملكهَا الفرنج وَإِن سَار إِلَيْهَا خَلفه المصريون فِي مخلّفيه ومخلفيّ عسكره بالسوء وَخَرجُوا من طَاعَته وصاروا من خَلفه والفرنج من أَمَامه فَجهز إِلَيْهِ نور الدّين العساكر أَرْسَالًا كلما تجهزت طَائِفَة أرسلها فسارت إِلَيْهِ يَتْلُو بَعْضهَا بَعْضًا ثمَّ سَار نور الدّين فِيمَن عِنْده من العساكر فَدخل بِلَاد الإفرنج فنهبها وأغار عَلَيْهَا واستباحها ووصلت الغارات إِلَى مَا لم تكن تبلغه لخلو الْبِلَاد من ممانع

стр. 558

فَلَمَّا رأى الفرنج تتَابع العساكر إِلَى مصر وَدخُول نور الدّين بلادها ونهبها وإخرابها رجعُوا خائبين وَلم يظفروا بِشَيْء وَهَذَا مَوضِع الْمثل ذهبت النعامة تطلب قرنين فَعَادَت بِلَا أذنين فوصلوا إِلَى بِلَادهمْ فرأوها خاوية على عروشها وَكَانَ مُدَّة مقامهم على دمياط خمسين يَوْمًا أخرج فِيهَا صَلَاح الدّين أَمْوَالًا لَا تحصى حُكيَ لي عَنهُ أَنه قَالَ مَا رَأَيْت أكْرم من العاضد أرسل إليّ مُدَّة مُقام الفرنج على دمياط ألف ألف دِينَار مصرية سوى الثِّيَاب وَغَيرهَا قَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما علم الفرنج مَا جرى من الْمُسلمين وعساكرهم وَمَا تمّ للسُّلْطَان من استقامة الْأَمر فِي الديار المصرية علمُوا أَنه يملك بِلَادهمْ وَيخرب دِيَارهمْ ويقلع آثَارهم لما حدث لَهُ من الْقُوَّة وَالْملك فَاجْتمع الفرنج وَالروم جَمِيعًا وَحَدثُوا نُفُوسهم بِقصد الديار المصرية والاستيلاء عَلَيْهَا وملكها وَرَأَوا قصد دمياط لتمكن القاصد لَهَا من الْبر وَالْبَحْر ولعلمهم أَنَّهَا إِن حصلت لَهُم حصل لَهُم مغرس قدم يأوون إِلَيْهِ فاستصحبوا المنجنيقات والدبابات والجروخ وآلات الْحصار وَغير ذَلِك وَلما سمع الفرنج بِالشَّام ذَلِك اشْتَدَّ أَمرهم فسرقوا حصن

стр. 559

عكار من الْمُسلمين وأسروا صَاحبهَا وَكَانَ مَمْلُوكا لنُور الدّين يُسمى خطلخ العلمدار وَذَلِكَ فِي ربيع الآخر مِنْهَا وَفِي رَجَب مِنْهَا توفّي الْعِمَادِيّ صَاحب نور الدّين وأمير حَاجِبه وَكَانَ صَاحب بعلبك وتدمر وَلما رأى نور الدّين ظُهُور الفرنج وبلغه نزولهم على دمياط قصد شغل قُلُوبهم فَنزل على الكرك محاصراً لَهَا فِي شعْبَان من هَذِه السّنة فقصده فرنج السَّاحِل فَرَحل عَنْهَا وَقصد لقاءهم فَلم يقفوا لَهُ ثمَّ بلغه وَفَاة مجد الدّين ابْن الداية بحلب فِي رَمَضَان فاشتغل قلبه لِأَنَّهُ كَانَ صَاحب أمره فَعَاد يطْلب الشَّام فَبَلغهُ خبر الزلزلة بحلب الَّتِي خربَتْ كثيرا من الْبِلَاد وَكَانَت فِي ثَانِي عشر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ بعشترا فَسَار يطْلب حلب فَبَلغهُ موت أَخِيه قطب الدّين بالموصل وَكَانَت وَفَاته فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وبلغه الْخَبَر وَهُوَ بتل بَاشر فَسَار من ليلته طَالبا بِلَاد الْموصل وَلما علم صَلَاح الدّين شدَّة قصد الْعَدو دمياط أنفذ إِلَى الْبَلَد وأودعه من الرِّجَال والأبطال والفرسان والميرة والآت السِّلَاح مَا أَمن مَعَه عَلَيْهِ ووعد المقيمين فِيهِ بإمدادهم بالعساكر والآلات وإزعاج الْعَدو عَنْهُم إِن نزل

стр. 560

عَلَيْهِم وَبَالغ فِي العطايا والهبات وَكَانَ وزيرا متحكما لَا يرد أمره فِي شَيْء ثمَّ نزل الفرنج عَلَيْهَا فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَاشْتَدَّ زحفهم عَلَيْهَا وقتالهم لَهَا وَهُوَ رَحمَه الله تَعَالَى يَشن الغارات عَلَيْهِم من خَارج والعسكر يقاتلهم من دَاخل ونْصرُ الله للْمُسلمين يؤيدهم وَحسن قَصده فِي نصْرَة دين الله يسعدهم وينجدهم حَتَّى بَان لَهُم الخسران وَظهر على الْكفْر الْإِيمَان وَرَأَوا أَنهم ينجون برؤوسهم ويسلمون بنفوسهم فرحلوا خائبين خاسرين فحرقت مجانيقهم ونهبت الآتهم وَقتل مِنْهُم خلق عَظِيم وَسلم الْبَلَد بِحَمْد الله ومنِّه وَقَالَ الْعِمَاد أَقَامَ صَلَاح الدّين بِالْقَاهِرَةِ فِي دَار ملكه ومدار فلكه يُنهض إِلَيْهَا المدد بعد المدد وَيُرْسل إِلَيْهَا الْعدَد بعد الْعدَد ويسهر ليله وَلَا يقيل نَهَاره وَقد أخْلص لله سره وجهاره وَلَا ينَام وَلَا ينيم وَعِنْده من ذَلِك المُقْعِد الْمُقِيم وَسبق تقيّ الدّين ابْن أخي السُّلْطَان إِلَى دمياط فَدَخلَهَا وَكَذَا خَاله شهَاب الدّين مَحْمُود فنزلها واتَّصل الْحصار وتواصل الْأَنْصَار ودب فِي الفرنج الفناء وهب عَلَيْهِم الْبلَاء فرحلوا عَنْهَا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول بالذل الْأَكْمَل وَالصغَار الأشمل وَكَانَ لما وصل الْخَبَر إِلَى نور الدّين بوصولهم واجتماعهم على دمياط ونزولهم اغتنم واهتم واستصعب الملم وأنهض من عِنْده عسكراً ثقيلا مقدمه الْأَمِير قطب الدّين خسرو الهذباني وَكَانَ مقداماً مقدّما وهُماما مُعْلما وَأمره أَن يسير بالعسكر ويخوض بهم بَحر العجاج الأكدر

стр. 561

فوصل فِي النّصْف من ربيع الأول قبل رحيل الفرنج بأسبوع فَوَقع رَوْعه من الْكفْر فِي كل رُوع قُلت وَبَلغنِي من شدَّة اهتمام نور الدّين ﵀ بامر الْمُسلمين حِين نزل الفرنج على دمياط أَنه قرئ عَلَيْهِ جُزْء من حَدِيث كَانَ لَهُ بِهِ رِوَايَة فجَاء فِي جملَة تِلْكَ الْأَحَادِيث حَدِيث مسلسل بالتبسُّم فَطلب مِنْهُ بعض طلبة الحَدِيث أَن يتبسم لتتم السلسة على مَا عرف من عَادَة أهل الحَدِيث فَغَضب من ذَلِك وَقَالَ إِنِّي لأستحيي من الله تَعَالَى أَن يراني مُتَبَسِّمًا والمسلمون محاصرون بالفرنج وَبَلغنِي أَن إِمَامًا لنُور الدّين رأى لَيْلَة رحيل الفرنج عَن دمياط فِي مَنَامه النَّبِي ﷺ وَقَالَ لَهُ أعلم نور الدّين أَن الفرنج رحلوا عَن دمياط فِي هَذِه اللَّيْلَة فَقَالَ يَا رَسُول الله رُبمَا لَا يصدقني فاذكر لي عَلامَة يعرفهَا فَقَالَ قل لَهُ بعلامة مَا سجدت على تل حارم وَقلت يَا رب انصر دينك وَلَا تنصر مَحْمُودًا من هُوَ مَحْمُود الْكَلْب حَتَّى ينصر قَالَ فانتبهت وَنزلت إِلَى الْمَسْجِد وَكَانَ من عَادَة نور الدّين أَنه ينزل إِلَيْهِ بِغَلَس وَلَا يزَال يتركع فِيهِ حَتَّى يُصَلِّي الصُّبْح قَالَ فتعرضت لَهُ فَسَأَلَنِي عَن أَمْرِي فَأَخْبَرته بالمنام وَذكرت لَهُ الْعَلامَة إِلَّا أنني لم أذكر لَفْظَة الْكَلْب فَقَالَ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى اذكر الْعَلامَة كلهَا وألح عَليّ فِي ذَلِك فقلتها

стр. 562

فَبكى ﵀ وصدَّق الرُّؤْيَا وأرخت تِلْكَ اللَّيْلَة فجَاء الْخَبَر برحيل الفرنج بعد ذَلِك فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فصل أرسل نور الدّين كتابا إِلَى العاضد صَاحب الْقصر يهنيه برحيل الفرنج عَن ثغر دمياط وَكَانَ قد ورد عَلَيْهِ كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك فِي مصر خوفًا مِنْهُم والاقتصار على صَلَاح الدّين وألزامه وخواصه فَكتب إِلَيْهِ نور الدّين يمدح الأتراك ويعلمه أَنه مَا أرسلهم وَاعْتمد عَلَيْهِم إِلَّا لعلمه بِأَن قنطاريات الفرنج لَيْسَ لَهَا إِلَّا سِهَام الأتراك فَإِن الفرنج لَا يرعبون إِلَّا مِنْهُم ولولاهم لزاد طمعهم فِي الديار المصرية ولحصلوا مِنْهَا على الأمنية فَلَعَلَّ الله تَعَالَى أَن ييسر فتح الْمَسْجِد الْأَقْصَى مُضَافا إِلَى نعمه الَّتِي لَا تحصى قلت ولعمارة اليمني من قصيدة (من شَاكر وَالله أعظم شَاكر ... مَا كَانَ من نُعمى بني أَيُّوب) (طلب الْهدى نصرا فَقَالَ وَقد أَتَوا ... حسبي فَأنْتم غَايَة الْمَطْلُوب) (جلبوا إِلَى دمياط عِنْد حصارها ... عز القويِّ وذلة المغلوب) (وجلوا عَن الْإِسْلَام فِيهَا كربَة ... لَو لم يجلُّوها أَتَت بكروب)

стр. 563

(فَالنَّاس فِي أَعمال مصر كلهَا ... عتقاؤهم من نازح وَقَرِيب) (إِن لم تظن النَّاس قشراً فَارغًا ... وهم اللّبَاب فَأَنت غير لَبِيب) وللشهاب فتيَان الشاغوري من قصيدة (وَلَا غرو أَن عَاد الفرنج هزيمَة ... وَلَو لم تعد لم يبْق للشرك سَاحل) (فقد أيقنت أعداؤه أَن حظهم ... لَدَيْهِ رماح أشرعت أَو سلاسل) (وَلما أَتَوا دمياط كالبحر طامياً ... وَلَيْسَ لَهُ من كَثْرَة الْقَوْم سَاحل) (يزِيد عَن الإحصاء وَالْعد جمعهم ... أُلُوف أُلُوف خيلهم والرواحل) (رَأَوْا دونهَا أسدا بِأَيْدِيهِم القنا ... وبيضا رقاقا أحكمتها الصيافل) (وداروا بهَا فِي الْبَحْر من كل جَانب ... وَمن دونهَا سد من الْمَوْت حَائِل) (رجا الْكَلْب ملك الرّوم إِذْ ذَاك فتحهَا ... فخاب فَأم الْملك وَالروم هابل)

стр. 564

(فعادوا على الأعقاب مِنْهَا هزيمَة ... كَأَنَّهُمْ ذلا نعام جوافل) (وَمَا أمَّلوا أَن يلْحقُوا ببلادهم ... لتعصمهم مِمَّا رَأَوْهُ المعاقل) قَالَ الْعِمَاد وسألني كريم الْملك أَن أعمل لَهُ أبياتاً فِي صَلَاح الدّين تهنئة بالنصر فِي دمياط فَعمِلت قصيدة مِنْهَا (يَا يُوسُف الْحسن وَالْإِحْسَان يَا ملكا ... بجده صاعداً أعداؤه هَبَطُوا) (حللت من وسط العلياء فِي شرف ... ومركز الشَّمْس من أفلاكها الْوسط) (هنيت صونك دمياط الَّتِي اجْتمعت ... لَهَا الفرنج فَمَا حلوا وَلَا ربطوا) (مصر بيوسفها أضحت مشرَّفة ... وكل أَمر لَهَا بِالْعَدْلِ منضبط) (وَحين وافى صَلَاح الدّين أصلحها ... فللمصالح من أَيَّامه نمط) قَالَ وَمِمَّا سيَّرته إِلَى صَلَاح الدّين قصيدة مِنْهَا (كَأَن قلبِي وحبَّ مَالِكه ... مصر وفيهَا المليك يوسفها) (هَذَا بسلب الْفُؤَاد يظلمني ... وَهُوَ بقتل الْأَعْدَاء ينصفها) (الْملك النَّاصِر الَّذِي أبدا ... بعز سُلْطَانه يُشرِّفها) (قَامَ بأحوالها يدبرها ... حسنا واثقالها يخففها) (بعدله وَالصَّلَاح يعمرها ... وبالندى والجميل يكنفها) (من دنس الغادرين يرحضها ... وَمن خباث العدى ينظفها) (وَإِن مصرا بِملك يوسفها ... جنَّة خلد يروق زخرفها)

стр. 565

(وَإنَّهُ فِي السماح حاتمها ... وَإنَّهُ فِي الْوَقار أحنفها) (يُوسُف مصر الَّذِي ملاحمها ... جَاءَت بأوصافه تعرفها) (كتب التواريخ لَا يزينها ... إِلَّا بأيامه مصنفها) وَمِنْهَا (وحُطت دمياط إِذْ أحَاط بهَا ... من برجوم الْبلَاء يقذفها) (لاقت غواة الفرنج خيبتها ... فَزَاد من حسرة تأسفها) (أوردت قلُب الْقُلُوب أرشيةً ... من القنا للدماء تنزفها) (وليتها سفكها فعاملها ... عاملها والسنان مشرفها) (يُمضي لَك الله فِي قِتَالهمْ ... عَزِيمَة للْجِهَاد ترهفها) وَله فِيهِ من أُخْرَى (قد اسْتَقَرَّتْ أموري ... فِيهِ بِحَسب اقتراحي) (كَمَا اسْتَقر صَلَاح الدُّنْيَا ... بِملك الصّلاح) (تنير شمس أياديه ... فِي سَمَاء السماح)
следующие страницы →