Полный текст (1 810 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
فوصل فِي النّصْف من ربيع الأول قبل رحيل الفرنج بأسبوع فَوَقع رَوْعه من الْكفْر فِي كل رُوع
قُلت وَبَلغنِي من شدَّة اهتمام نور الدّين ﵀ بامر الْمُسلمين حِين نزل الفرنج على دمياط أَنه قرئ عَلَيْهِ جُزْء من حَدِيث كَانَ لَهُ بِهِ رِوَايَة فجَاء فِي جملَة تِلْكَ الْأَحَادِيث حَدِيث مسلسل بالتبسُّم فَطلب مِنْهُ بعض طلبة الحَدِيث أَن يتبسم لتتم السلسة على مَا عرف من عَادَة أهل الحَدِيث فَغَضب من ذَلِك وَقَالَ إِنِّي لأستحيي من الله تَعَالَى أَن يراني مُتَبَسِّمًا والمسلمون محاصرون بالفرنج
وَبَلغنِي أَن إِمَامًا لنُور الدّين رأى لَيْلَة رحيل الفرنج عَن دمياط فِي مَنَامه النَّبِي ﷺ وَقَالَ لَهُ أعلم نور الدّين أَن الفرنج رحلوا عَن دمياط فِي هَذِه اللَّيْلَة فَقَالَ يَا رَسُول الله رُبمَا لَا يصدقني فاذكر لي عَلامَة يعرفهَا فَقَالَ قل لَهُ بعلامة مَا سجدت على تل حارم وَقلت يَا رب انصر دينك وَلَا تنصر مَحْمُودًا من هُوَ مَحْمُود الْكَلْب حَتَّى ينصر قَالَ فانتبهت وَنزلت إِلَى الْمَسْجِد وَكَانَ من عَادَة نور الدّين أَنه ينزل إِلَيْهِ بِغَلَس وَلَا يزَال يتركع فِيهِ حَتَّى يُصَلِّي الصُّبْح قَالَ فتعرضت لَهُ فَسَأَلَنِي عَن أَمْرِي فَأَخْبَرته بالمنام وَذكرت لَهُ الْعَلامَة إِلَّا أنني لم أذكر لَفْظَة الْكَلْب فَقَالَ نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى اذكر الْعَلامَة كلهَا وألح عَليّ فِي ذَلِك فقلتها
стр. 562
فَبكى ﵀ وصدَّق الرُّؤْيَا وأرخت تِلْكَ اللَّيْلَة فجَاء الْخَبَر برحيل الفرنج بعد ذَلِك فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
فصل
أرسل نور الدّين كتابا إِلَى العاضد صَاحب الْقصر يهنيه برحيل الفرنج عَن ثغر دمياط وَكَانَ قد ورد عَلَيْهِ كتاب العاضد بالاستقالة من الأتراك فِي مصر خوفًا مِنْهُم والاقتصار على صَلَاح الدّين وألزامه وخواصه فَكتب إِلَيْهِ نور الدّين يمدح الأتراك ويعلمه أَنه مَا أرسلهم وَاعْتمد عَلَيْهِم إِلَّا لعلمه بِأَن قنطاريات الفرنج لَيْسَ لَهَا إِلَّا سِهَام الأتراك فَإِن الفرنج لَا يرعبون إِلَّا مِنْهُم ولولاهم لزاد طمعهم فِي الديار المصرية ولحصلوا مِنْهَا على الأمنية فَلَعَلَّ الله تَعَالَى أَن ييسر فتح الْمَسْجِد الْأَقْصَى مُضَافا إِلَى نعمه الَّتِي لَا تحصى
قلت ولعمارة اليمني من قصيدة
(من شَاكر وَالله أعظم شَاكر ... مَا كَانَ من نُعمى بني أَيُّوب)
(طلب الْهدى نصرا فَقَالَ وَقد أَتَوا ... حسبي فَأنْتم غَايَة الْمَطْلُوب)
(جلبوا إِلَى دمياط عِنْد حصارها ... عز القويِّ وذلة المغلوب)
(وجلوا عَن الْإِسْلَام فِيهَا كربَة ... لَو لم يجلُّوها أَتَت بكروب)
стр. 563
(فَالنَّاس فِي أَعمال مصر كلهَا ... عتقاؤهم من نازح وَقَرِيب)
(إِن لم تظن النَّاس قشراً فَارغًا ... وهم اللّبَاب فَأَنت غير لَبِيب)
وللشهاب فتيَان الشاغوري من قصيدة
(وَلَا غرو أَن عَاد الفرنج هزيمَة ... وَلَو لم تعد لم يبْق للشرك سَاحل)
(فقد أيقنت أعداؤه أَن حظهم ... لَدَيْهِ رماح أشرعت أَو سلاسل)
(وَلما أَتَوا دمياط كالبحر طامياً ... وَلَيْسَ لَهُ من كَثْرَة الْقَوْم سَاحل)
(يزِيد عَن الإحصاء وَالْعد جمعهم ... أُلُوف أُلُوف خيلهم والرواحل)
(رَأَوْا دونهَا أسدا بِأَيْدِيهِم القنا ... وبيضا رقاقا أحكمتها الصيافل)
(وداروا بهَا فِي الْبَحْر من كل جَانب ... وَمن دونهَا سد من الْمَوْت حَائِل)
(رجا الْكَلْب ملك الرّوم إِذْ ذَاك فتحهَا ... فخاب فَأم الْملك وَالروم هابل)
стр. 564
(فعادوا على الأعقاب مِنْهَا هزيمَة ... كَأَنَّهُمْ ذلا نعام جوافل)
(وَمَا أمَّلوا أَن يلْحقُوا ببلادهم ... لتعصمهم مِمَّا رَأَوْهُ المعاقل)
قَالَ الْعِمَاد وسألني كريم الْملك أَن أعمل لَهُ أبياتاً فِي صَلَاح الدّين تهنئة بالنصر فِي دمياط فَعمِلت قصيدة مِنْهَا
(يَا يُوسُف الْحسن وَالْإِحْسَان يَا ملكا ... بجده صاعداً أعداؤه هَبَطُوا)
(حللت من وسط العلياء فِي شرف ... ومركز الشَّمْس من أفلاكها الْوسط)
(هنيت صونك دمياط الَّتِي اجْتمعت ... لَهَا الفرنج فَمَا حلوا وَلَا ربطوا)
(مصر بيوسفها أضحت مشرَّفة ... وكل أَمر لَهَا بِالْعَدْلِ منضبط)
(وَحين وافى صَلَاح الدّين أصلحها ... فللمصالح من أَيَّامه نمط)
قَالَ وَمِمَّا سيَّرته إِلَى صَلَاح الدّين قصيدة مِنْهَا
(كَأَن قلبِي وحبَّ مَالِكه ... مصر وفيهَا المليك يوسفها)
(هَذَا بسلب الْفُؤَاد يظلمني ... وَهُوَ بقتل الْأَعْدَاء ينصفها)
(الْملك النَّاصِر الَّذِي أبدا ... بعز سُلْطَانه يُشرِّفها)
(قَامَ بأحوالها يدبرها ... حسنا واثقالها يخففها)
(بعدله وَالصَّلَاح يعمرها ... وبالندى والجميل يكنفها)
(من دنس الغادرين يرحضها ... وَمن خباث العدى ينظفها)
(وَإِن مصرا بِملك يوسفها ... جنَّة خلد يروق زخرفها)
стр. 565
(وَإنَّهُ فِي السماح حاتمها ... وَإنَّهُ فِي الْوَقار أحنفها)
(يُوسُف مصر الَّذِي ملاحمها ... جَاءَت بأوصافه تعرفها)
(كتب التواريخ لَا يزينها ... إِلَّا بأيامه مصنفها)
وَمِنْهَا
(وحُطت دمياط إِذْ أحَاط بهَا ... من برجوم الْبلَاء يقذفها)
(لاقت غواة الفرنج خيبتها ... فَزَاد من حسرة تأسفها)
(أوردت قلُب الْقُلُوب أرشيةً ... من القنا للدماء تنزفها)
(وليتها سفكها فعاملها ... عاملها والسنان مشرفها)
(يُمضي لَك الله فِي قِتَالهمْ ... عَزِيمَة للْجِهَاد ترهفها)
وَله فِيهِ من أُخْرَى
(قد اسْتَقَرَّتْ أموري ... فِيهِ بِحَسب اقتراحي)
(كَمَا اسْتَقر صَلَاح الدُّنْيَا ... بِملك الصّلاح)
(تنير شمس أياديه ... فِي سَمَاء السماح)
стр. 566
(وأمْرُه مُسْتَفَاد ... من الْقَضَاء المتاح)
وأرسله نور الدّين إِلَى خلاط ومتوليها حِينَئِذٍ ظهير الدّين سمكان الْمَعْرُوف بشاه أرمن قَالَ فَلَمَّا كنت بماردين كتبت إِلَى بعض المعارف
(قد نزلنَا فِي جوارك ... وطلبنا قرب دَارك)
(وسرينا فِي الدياجي ... فهدانا ضوء نارك)
(فتدارك أمرنَا الْيَوْم ... بطول متدارك)
(وَتفرد باغتنام الشُّكْر ... من غير مشارك)
قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة خرج نور الدّين إِلَى دارياً فَأَعَادَ عمَارَة جَامعهَا وَعمر مشْهد أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي وشتَّى بِدِمَشْق
فصل فِي مسير نجم الدّين أَيُّوب إِلَى مصر بباقي أَوْلَاده وَأَهله
وَقد وصف ذَلِك عمَارَة فِي قصيدة مدح بهَا السُّلْطَان صَلَاح الدّين تقدم بَعْضهَا يَقُول فِيهَا
стр. 567
(صحَّت بِهِ مصر وَكَانَت قبله ... تَشْكُو سقاماً لم يعن بطبيب)
(عجبا لمعجزة أَتَت فِي عصره ... والدهر ولاَّد لكل عَجِيب)
(رد الْإِلَه بِهِ قَضِيَّة يُوسُف ... نسقاً على ضرب من التَّقْرِيب)
(جَاءَتْهُ إخْوَته ووالده إِلَى ... مصر على التدريج وَالتَّرْتِيب)
(فاسعد بأكرم قادم وبدولة ... قد ساعدتك رياحها بهبوب)
قَالَ الْعِمَاد لما دخل فصل النيروز اسْتَأْذن الْأَمِير نجم الدّين أَيُّوب نور الدّين فِي قصد وَلَده صَلَاح الدّين وَالْخُرُوج من دمشق إِلَى مصر بأَهْله وجماعته وسبده ولبده وخيَّم بِظَاهِر الْبَلَد إِلَى أَن بَان وضوح جدده وَسَار فِي حفظ الله تَعَالَى فوصل إِلَى مصر فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب وَقضى صَاحب الْقصر العاضد من حق قدومه مَا وَجب وَركب لاستقباله وَزَاد إقبال الْبِلَاد بإقباله
وَلما عزم على التَّوَجُّه إِلَى مصر شرع فِي تَفْرِيق أملاكه وتوفير مَاله فِيهِ شركَة على أشراكه وَمَا استصحب مَعَه شَيْئا من موجوده وَجعله نهبة لجوده
قلت ووقف رِبَاطًا دَاخل الدَّرْب الَّذِي بِقرب العوينة بِبَاب الْبَرِيد
ثمَّ قَالَ الْعِمَاد وَلما نصب نجم الدّين أَيُّوب لقصد مصر مضاربه
стр. 568
وسحب للعلا على روض الرِّضَا سحائبه خرج نور الدّين إِلَى رَأس المَاء بعسكره وخيامه وأرهف للْجدّ فِي الْجِهَاد حد اعتزامه ثمَّ أَقَامَ بعد توديعه وَالْوَفَاء بِحَق تشييعه إِلَى أَن اجْتمعت إِلَيْهِ عساكره وَحضر بَادِي جنده وحاضره وعب بحره وماج زاخره
ثمَّ توجهنا إِلَى بِلَاد الكرك مستهل شعْبَان ونزلنا أَيَّامًا بالبلقاء على عَمّان وأقمنا على الكرك أَرْبَعَة أَيَّام نحاصرها ونصبنا عَلَيْهَا منجنيقين فورد الْخَبَر أَن الفرنج قد تجمعُوا ووصلوا إِلَى مَا عين فَقَالَ نور الدّين نرى أَن نعطف أعنتنا وَبِاللَّهِ نستعين فَإنَّا إِذا كسرناهم وقسرناهم وقتلناهم وأسرناهم أدركنا المُرَاد وملكنا الْبِلَاد فرحلنا إِلَيْهِم فَوَلوا مُدبرين حِين سمعُوا برجوعنا وَقَالُوا رحيلهم عَن الْحصن قد حصل وَهُوَ مقصودنا وَعَاد نور الدّين إِلَى حوران فخيم بعشترا وَصَامَ رَمَضَان
وَقَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ سَبَب حصر نور الدّين الكرك أَن نجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين سَار عَن دمشق إِلَى مصر فسير مَعَه نور الدّين عسكراً فَاجْتمع مَعَهم من التُّجَّار وَمن كَانَ لَهُ مَعَ صَلَاح الدّين أنس ومودة مَا لايعد فخاف نور الدّين عَلَيْهِم فَسَار إِلَى الكرك فَنزل عَلَيْهِ وحصره وَسَار نجم الدّين أَيُّوب وَمن مَعَه سَالِمين وَنصب نور الدّين على الكرك المجانيق فَأَتَاهُ الْخَبَر أَن الفرنج قد جمعُوا وَسَارُوا إِلَيْهِ وَأَن ابْن الهنفري
стр. 569
وفليب بن الرفيق وهما فَارِسًا الفرنج فِي وقتهما فِي الْمُقدمَة إِلَيْهِ فَرَحل نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى نَحْوهمَا للقائهما وَمن مَعَهُمَا قبل أَن يلْحق بهما بَاقِي الفرنج وَكَانَا فِي مئتي فَارس وَألف تركبلي وَمَعَهُمْ من الراجل خلق كثير فَلَمَّا قاربهما رجعا الْقَهْقَرِي إِلَى من وَرَاءَهُمْ من الإفرنج وَقصد نور الدّين وسط بِلَادهمْ وَنهب مَا كَانَ على طَرِيقه وَنزل بعشترا وَأقَام ينْتَظر حَرَكَة الفرنج ليقاهم فَلم يبرحوا من مكانهم خوفًا مِنْهُ
وَقَالَ ابْن شَدَّاد أنفذ صَلَاح الدّين فِي طلب وَالِده ليكمل لَهُ السرُور وَيجمع الْقِصَّة مشاكلة مَا جرى للنَّبِي يُوسُف الصّديق ﵇ فوصل وَالِده نجم الدّين إِلَيْهِ وسلك مَعَه من الْأَدَب مَا كَانَ عَادَته وَألبسهُ الْأَمر كُله فَأبى أَن يلْبسهُ وَقَالَ يَا وَلَدي مَا اختارك الله لهَذَا الْأَمر إِلَّا وَأَنت
стр. 570
كف لَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَن يُغير موقع السَّعَادَة فحكمَّه فِي الخزائن كلهَا وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى كَرِيمًا يُطلق وَلَا يرد وَلم يزل صَلَاح الدّين وزيراً محكماً إِلَى أَن مَاتَ العاضد أَبُو مُحَمَّد عبد الله وَبِه ختم أَمر المصريين
وَقَالَ ابْن أبي طي الْحلَبِي أرسل الْخَلِيفَة المستنجد بِاللَّه من بَغْدَاد إِلَى نور الدّين يعاتبه فِي تَأْخِير إِقَامَة الدعْوَة لَهُ بِمصْر فأحضر الْأَمِير نجم الدّين أَيُّوب وألزمه الْخُرُوج إِلَى وَلَده بِمصْر بذلك وحملَّه رِسَالَة مِنْهَا وَهَذَا أَمر يجب الْمُبَادرَة إِلَيْهِ لتحظى بِهَذِهِ الْفَضِيلَة الجليلة والمنقبة النبيلة قبل هجوم الْمَوْت وَحُضُور الْفَوْت لَا سِيمَا وَإِمَام الْوَقْت متطلع إِلَى ذَلِك بكليته وَهُوَ عِنْده من أهم أمْنِيته
وَسَار نجم الدّين وأصحبه نور الدّين هَدِيَّة سنية للْملك النَّاصِر وَخرج العاضد لتلقيه إِلَى ظَاهر بَاب الْفتُوح عِنْد شَجَرَة الإهليلج وَلم تجر بذلك عَادَة لَهُم وَكَانَ من أعجب يَوْم شهده النَّاس وخلع العاضد عَلَيْهِ ولقبَّه الْملك الْأَفْضَل وَحمل إِلَيْهِ من الْقصر الألطاف والتحف والهدايا وَأظْهر السُّلْطَان من بره وتعظيم أمره مَا أحرز بِهِ الشُّكْر وَالْأَجْر
стр. 571
وأفرد لَهُ دَارا إِلَى جَانب دَاره وأقطعه الْإسْكَنْدَريَّة ودمياط والبحيرة وأقطع شمس الدولة أَخَاهُ قوص وأسوان وعيذاب وَكَانَت عبرتها فِي هَذِه السّنة مئتي ألف وَسِتَّة وَسِتِّينَ ألف دِينَار
وَسَار شمس الدولة إِلَى قوص وولاها شمس الْخلَافَة مُحَمَّد بن مُخْتَار وَكَانَ السُّلْطَان قبل إقطاعها شمس الدولة قد سيَّر رسْلَان بن دغمش لجباية خراجها فَخرج عَلَيْهِ عَبَّاس بن شاذي فِي جمَاعَة من الْأَعْرَاب وَالْعَبِيد فِي مرج بني هميم فغنمه رسْلَان وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة
وَفِي هَذِه السّنة لَيْلَة عيد الْفطر رزق السُّلْطَان ولد الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عليا وَفَرح بِهِ فَرحا عَظِيما وخلع وَأعْطى وَتصدق بِمَا بهر بِهِ الْعُقُول
وَمن قصيدة للحكيم عبد الْمُنعم تقدم بَعْضهَا
(فِي مشرق الْمجد نجم الدّين مطلعه ... وكل أبنائه شهب فَلَا أفلوا)
(جاؤوا كيعقوب والأسباط إِذْ وردوا ... على الْعَزِيز من أَرض الشَّام واشتملوا)
(لكنَّ يُوسُف هَذَا جَاءَ إخْوَته ... وَلم يكن بَينهم نزع وَلَا زلل)
(وملكوا ملك مصر فِي شماخته ... وَمثلهَا لرجال مثلهم نزل)
стр. 572
فصل فِي ذكر الزلزلة الْكُبْرَى
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي ثَانِي عشر شَوَّال كَانَت زَلْزَلَة عَظِيمَة لم ير النَّاس مثلهَا عَمت أَكثر الْبِلَاد من الشَّام ومصر والجزيرة والموصل وَالْعراق وَغَيرهَا إِلَّا أَن أَشدّهَا وَأَعْظَمهَا كَانَ بِالشَّام فخربت بعلبك وحمص وحماة وشيرز وبعرين وَغَيرهَا وتهدمت أسوارها وقلاعها وَسَقَطت الدّور على أَهلهَا وَهلك من النَّاس مَا يخرج عَن الْعد والإحصاء فَلَمَّا أَتَى نور الدّين خَبَرهَا سَار إِلَى بعلبك ليعمر مَا انْهَدم من أسوارها وقلعتها وَكَانَ لم يبلغهُ خبر غَيرهَا فَلَمَّا وَصلهَا أَتَاهُ خبر بَاقِي الْبِلَاد بخراب أسوارها وخلوها من أَهلهَا فرتب ببعلبك من يحميها ويعمرها وَسَار إِلَى حمص فَفعل مثل ذَلِك ثمَّ إِلَى حماة ثمَّ إِلَى بارين وَكَانَ شَدِيد الحذر على الْبِلَاد من الفرنج لَا سِيمَا قلعة بارين فَإِنَّهَا مَعَ قربهَا مِنْهُم لم يبْق من سورها شَيْء الْبَتَّةَ فَجعل فِيهَا طَائِفَة صَالِحَة من الْعَسْكَر مَعَ أَمِير كَبِير ووكل بالعمارة من يحث عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ثمَّ أَتَى مَدِينَة حلب فَرَأى فِيهَا من آثَار الزلزلة مَا لَيْسَ بغَيْرهَا من الْبِلَاد فَإِنَّهَا كَانَت قد أَتَت عَلَيْهَا وَبلغ الرعب بِمن نجا كل مبلغ فَكَانُوا لايقدرون يأوون إِلَى بُيُوتهم السالمة من الخراب خوفًا من الزلزلة فَإِنَّهَا عاودتهم غير مرّة وَكَانُوا يخَافُونَ يُقِيمُونَ بِظَاهِر حلب من الفرنج فَلَمَّا شَاهد مَا صنعت الزلزلة بهَا وبأهلها أَقَامَ فِيهَا وباشر عمارتها بِنَفسِهِ وَكَانَ هُوَ يقف على اسْتِعْمَال الفعلة والبنائين وَلم يزل
стр. 573
كَذَلِك حَتَّى أحكم أسوارها وَجَمِيع الْبِلَاد وجوامعها وَأخرج من الْأَمْوَال مَا لَا يقدر قدره
وَأما بِلَاد الفرنج خذلهم الله تَعَالَى فَإِنَّهَا أَيْضا فعلت بهَا الزلزلة قَرِيبا من هَذَا وهم أَيْضا يخَافُونَ نور الدّين على بِلَادهمْ فاشتغل كل مِنْهُم بعمارة بِلَاده عَن قصد الآخر
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَت قلاع الفرنج الْمُجَاورَة لبارين كحصن الأكراد وصافيثا والعُريمة وعرقا فِي بَحر الزلازل غرقي لَا سِيمَا حصن الأكراد فَإِنَّهُ لم يبْق لَهُ سور وَقد تمّ عَلَيْهِم فِيهِ دحور وثبور فشغلهم سوؤهم عَن سواهُ وكل اشْتغل بِمَا دهاه وتواصلت الْأَخْبَار من جَمِيع بِلَاد الشَّام بِمَا أحدثته الزلزلة من الانهداد والانهدام
قَالَ وَمَا سكنت النُّفُوس من رعبها وسلت الْقُلُوب عَن كربها إِلَّا بِمَا دهم الْكفَّار من أمرهَا وعراهم من ضرها فَلَقَد خصتهم بالأمضِّ الأشق وأخذتهم الرجفة بِالْحَقِّ فَإِنَّهَا وَافَقت يَوْم عيدهم وهم فِي الْكَنَائِس فَأَصْبحُوا للردى فرائس شاخصة أَبْصَارهم ينظرُونَ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العْذَابُ منْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُون﴾
ثمَّ ذكر الْعِمَاد قصيدة فِي مدح نور الدّين وَوصف الزلزلة مطْلعهَا
(هَل لعاني الْهوى من الْأسر فادي ... ولساري ليل الصبابة هادي)
стр. 574
(جنِّبوني خطب البعاد فسهلُ ... كل خطب سوى النَّوَى والبعاد)
(كنت فِي غَفلَة من الْبَين حَتَّى ... صَاح يَوْم الأثيل بالبين حادي)
(قد حللتم من مهجتي فِي السويداء ... وَمن مقلتي مَحل السوَاد)
(وبخلتم من الْوِصَال بإسعافي ... أما كُنْتُم من الأجواد)
(وبعثتم نسيمكم يتلافاني ... فَعَاد النسيم من عُوّادي)
(سُمتموني تجلداً واشتياقاً ... ومحال تجمع الأضداد)
(أبقاء بعد الْأَحِبَّة يَا قلبِي ... مَا هَذِه شُرُوط الوداد)
(ذاب قلبِي وسال فِي الدمع لما ... دَامَ من نَار وجده فِي اتقاد)
(مَا الدُّمُوع الَّتِي تحدرها الأشواق ... إِلَّا فتائت الأكباد)
(حبذا ساكنو فُؤَادِي وعهدي ... بهمُ يسكنون سفح الْوَادي)
(أَتَمَنَّى بِالشَّام أَهلِي بِبَغْدَاد ... وَأَيْنَ الشآم من بَغْدَاد)
(مَا اعتياضي عَن حبهم يعلم الله ... تَعَالَى إِلَّا بحب الْجِهَاد)
(واشتغالي بِخِدْمَة الْملك الْعَادِل ... محمودٍ الْكَرِيم الْجواد)
(أَنا مِنْهُ على سَرِير سروري ... راتع الْعَيْش فِي مُرَاد مرادي)
(قيدتني بِالشَّام مِنْهُ الأيادي ... والأيادي للْحرّ كالأقياد)
(قد وَردت الْبَحْر الخضم وخلفت ... مُلُوك الدُّنْيَا بِهِ كالثماد)
(هُوَ نعم الملاذ من نَائِب الدَّهْر ... وَنعم المعاذ عِنْد الْمعَاد)
стр. 575
(جلّ رزء الفرنج فاستبدلوا مِنْهُ ... بلبسُ الْحَدِيد لبس الْحداد)
(فرَّق الرعب مِنْهُ فِي أنفس الْكفَّار ... بَين الْأَرْوَاح والأجساد)
(سطوة زلزلت بسكانها الأَرْض ... وهدت قَوَاعِد الأطواد)
(أخذتهم بِالْحَقِّ رَجْفَة بَأْس ... تَركتهم صرعى صروف العوادي)
(خفضت من قلاعها كل عَال ... وأعادت تلاعها كالوهاد)
(أنفذ الله حكمه فَهُوَ مَاض ... مظْهرا سر غيبه فَهُوَ بَادِي)
(آيَة آثرت ذَوي الشّرك بالهلك ... وَأهل التَّوْحِيد بالإرشاد)
(والأعادي جرى عَلَيْهِم من التدمير ... مَا قد جرى على قوم عَاد)
(أشركت فِي الْهَلَاك بَين الْفَرِيقَيْنِ ... دعاة الْإِشْرَاك والإلحاد)
(وَلَقَد حَاربُوا الْقَضَاء فَأمْضى ... حكمه فيهم بِغَيْر جلاد)
(والإله الرؤوف فِي الشَّام عَنَّا ... دَافع لطفه بلَاء الْبِلَاد)
قَالَ الْعِمَاد وَمِنْهَا معنى مبتكر ابتدعته فِي الزلزلة وَهُوَ
(وبحق أُصِيبَت الأَرْض لما ... سكنت من مقَام أهل الْفساد)
(علمت أَنَّهَا جنت فعراها ... حذرا من سطاك شبه ارتعاد)
قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة عِنْد وصولنا إِلَى حلب فِي الْخدمَة النورية كنت مقرظا للفضائل الشهروزية وَكَانَ الْحَاكِم بهَا القَاضِي محيي الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد ابْن قَاضِي قُضَاة الشَّام كَمَال الدّين أبي الْفضل مُحَمَّد بن
стр. 576
عبد الله بن الْقَاسِم الشَّهْرَزَوْرِي وَكَانَ كَمَال الدّين قد عذق بِهِ تَنْفِيذ الْأَحْكَام وَإِلَيْهِ أُمُور الدِّيوَان وَهُوَ ذُو المكانة والإمكان فِي بسط الْعدْل وَالْإِحْسَان ومحيي الدّين وَلَده يَنُوب عَنهُ فِي الْقَضَاء بحلب وبلدانها وَينظر أَيْضا فِي أُمُور ديوانها وبحماة وحمص من بني الشهرزوري قاضيان وهما حاكمان متحكمان وَكَانَ هَذَا محيي الدّين من أهل الْفضل وَله نظم ونثر وخطب وَشعر وَكَانَت معرفتي بِهِ فِي أَيَّام التفقه بِبَغْدَاد فِي الْمدرسَة النظامية مُنْذُ سنة خمس وَثَلَاثِينَ والمدرس شَيخنَا معِين الدّين سعيد بن الرزّاز وَكَانَ مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ بِعِلْمِهِ مُعلماً مَذْهَب الطّراز وَكَانَت الزلزلة بحلب قد خربَتْ دَار محيي الدّين وسلبت قراره وغلبت اصطباره وجلبت أفكاره فَكتبت إِلَيْهِ قصيدة مطْلعهَا
(لَو كَانَ من شكوى الصبابة مشكيا ... لعدا على عدوى الصبابة معديا)
стр. 577
وَمِنْهَا
(مَاتَ الرَّجَاء فَإِن أردْت حَيَاته ... ونشوره فارجُ الإِمَام المحييا)
(أقضى الْقُضَاة مُحَمَّد بن مُحَمَّد ... من لست مِنْهُ للفضائل محصيا)
(قاضٍ بِهِ قَضَت الْمَظَالِم نحبها ... وَغدا على آثارهن معفيا)
(يَا كاشفاً للحق فِي أَيَّامه ... غُررا يَدُوم لَهَا الزَّمَان مغطيا)
(لم تنعش الشَّهْبَاء عِنْد عثارها ... لَو لم تَجِد لطود حلمك مرسيا)
(رجفت لسطوتك الَّتِي أرسلتها ... نَحْو الطغاة لحد عزمك ممهيا)
(وتظلمت من شرهم فتململت ... عجل إجارتهاعليها مبقيا)
(أنفت من الثُّقَلَاء فِيهَا إِذا رمت ... أثقالها ورأتك مِنْهَا ملجيا)
(حَلَبُ لَهَا حلب المدامع مُسبل ... أَن لاقت الْخطب الفظيع المبكيا)
(وبعدل نور الدّين عاود أفقها ... من بعد غيم الْغم جوا مصحيا)
(أضحى لبهجتها معيدا بَعْدَمَا ... ذهبت وللمعروف فِيهَا مبديا)
(لأمورها متدبراً لشتاتها ... متألفاً لصلاحها مُتَوَلِّيًا)
(فالشرع عَاد بعدله مستظهراً ... وَالْحق عَاد بظله مستذرياً)
(والدهر لَاذَ بعفوه مُسْتَغْفِرًا ... مِمَّا جناه مطرقا مستحييا)
стр. 578
فصل فِي غَزْوَة صَاحب البيرة ووفاة صَاحب الْموصل
قَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ شهَاب الدّين مُحَمَّد بن إلْيَاس بن إيلغازي بن أرتق صَاحب قلعة البيرة قد سَار فِي عسكره وهم مئتا فَارس إِلَى الْخدمَة النورية وَهُوَ بعشترا فَلَمَّا وصل إِلَى اللبوة وَهِي من أَعمال بعلبك ركب متصيدا فصادف ثَلَاث مئة فَارس من الفرنج قد سَارُوا للغارة على بِلَاد الْإِسْلَام وَذَلِكَ سَابِع عشر شَوَّال فَوَقع بَعضهم على بعض واقتتلوا وصبر الْفَرِيقَانِ لَا سِيمَا الْمُسلمُونَ لِأَن ألف فَارس مِنْهُم لَا تصبر لحملة ثَلَاث مئة فَارس من الفرنج وَكثر الْقَتْلَى بَينهم وَانْهَزَمَ الفرنج وعمهم الْقَتْل والأسر فَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا من لَا يعْتد بِهِ ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَادِ وَلَكِنْ لَيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كاَنَ مَفْعُولا﴾ وَسَار شهَاب الدّين بالأسرى ورؤوس الْقَتْلَى إِلَى نور الدّين فَركب هُوَ وَعَسْكَره إِلَى لِقَائِه واستعرض الأسرى ورؤوس الْقَتْلَى فَرَأى فِيهَا رَأس مقدم الإسبتارية صَاحب حصن الأكراد وَكَانَت الفرنج تعظمه لشجاعته وَدينه عِنْدهم وَلِأَنَّهُ شجي فِي حلوق الْمُسلمين وَكَذَلِكَ أَيْضا رأى رَأس غَيره من مشهوري الفرنج فازداد سُرُورًا وَللَّه الْحَمد
стр. 579
قَالَ وَفِي شَوَّال سنة خمس وَسِتِّينَ توفّي الْملك قطب الدّين مودود بن زنكي بالموصل وَكَانَ لما أَشْتَدّ مَرضه أوصى بِالْملكِ بعده لوَلَده عماد الدّين زنكي بن مودود وَهُوَ أكبر أَوْلَاده وأعزهم عَلَيْهِ وأحبهم إِلَيْهِ وَكَانَ النَّائِب عَن قطب الدّين حِينَئِذٍ والقيم بِأَمْر دولته فَخر الدّين عبد الْمَسِيح وَكَانَ يكره عماد الدّين زنكي لِأَنَّهُ كَانَ قد أَكثر الْمقَام عِنْد عَمه الْملك الْعَادِل نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وخدمه وَتزَوج ابْنَته وَكَانَ عزيزه وحبيبه وَكَانَ نور الدّين يبغض عبد الْمَسِيح لظلم كَانَ فِيهِ ويذمه وَيَلُوم أَخَاهُ قطب الدّين على تَوليته الْأُمُور فخاف عبد الْمَسِيح أَن يتَصَرَّف عماد الدّين فِي أُمُوره عَن أَمر عَمه فيعزله ويبعده فاتفق هُوَ والخاتون ابْنة حسام الدّين تمرتاش زَوْجَة قطب الدّين فَردُّوهُ عَن هَذَا الرَّأْي فَلَمَّا كَانَ الْغَد أحضر الْأُمَرَاء واستحلفهم لوَلَده سيف الدّين غَازِي وَتُوفِّي وَقد جَاوز عمره أَرْبَعِينَ سنة
وَكَانَ تَامّ الْقَامَة كَبِير الْوَجْه أسمر اللَّوْن وَاسع الْجَبْهَة جَهورِي الصَّوْت وَكَانَت ولَايَته إِحْدَى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَنصفا
وَلما توفّي اسْتَقر سيف الدّين فِي الْملك ورحل عماد الدّين إِلَى عَمه نور الدّين شاكياً ومستنصراً وَكَانَ عبد الْمَسِيح هُوَ متولى أُمُور سيف
стр. 580
الدّين وَيحكم فِي مَمْلَكَته وَلَيْسَ لسيف الدّين من الْأَمر إِلَّا اسْمه لِأَنَّهُ فِي عنفوان شبابه وغرة حداثته
قَالَ وهذ حَادِثَة تَحت على الْعدْل من جملَة أَعمال جَزِيرَة ابْن عمر قَرْيَة تسمى العُقَيمة مُقَابل الجزيرة من الْجَانِب الشَّرْقِي يفصل بَينهمَا دجلة لَهَا بساتين كَثِيرَة بَعْضهَا تمسح أرضه وَيُؤْخَذ على كل جريب من الأَرْض الَّتِي قد زرعت شَيْء مَعْلُوم وَبَعضهَا عَلَيْهِ خراج وَلَا مساحة عَلَيْهِ وَبَعضهَا مُطلق مِنْهُمَا فالممسوح مِنْهَا لَا يحصل لأَصْحَابه مِنْهُ إِلَّا الْقدر الْقَرِيب وَكَانَ لنا بهَا عدَّة بساتين فَحكى لي وَالِدي قَالَ جَاءَنَا كتاب فَخر الدّين عبد الْمَسِيح إِلَى الجزيرة وَأَنا حِينَئِذٍ أتولى ديوانها يَأْمر بِأَن تجْعَل بساتين العقيمة كلهَا ممسوحة فشق ذَلِك عليَّ لأجل أَصْحَابهَا فَفِيهَا نَاس صَالِحُونَ ولي بهم أنس وهم فُقَرَاء فراجعته وَقلت لَهُ لَا تظن أَنِّي أَقُول هَذَا لأجل ملكي لَا وَالله إِنَّمَا أُرِيد أَن يَدُوم النَّاس على الدُّعَاء للْمولى قطب الدّين وَأَنا أَمسَح ملكي جَمِيعه قَالَ فَأَعَادَ الْجَواب يَأْمر بالمساحة وَيَقُول تمسح أَولا ملكك ليقتدي بك غَيْرك وَنحن نطلق لَك مَا يكون عَلَيْهِ فشرع النواب يمسحون وَكَانَ بالعقيمة رجلَانِ صالحان وبيني وَبَينهمَا مَوَدَّة اسْم أَحدهمَا يُوسُف وَالْآخر عبَادَة فحضرا عِنْدِي وتضورا
стр. 581
من هَذِه الْحَال وسألاني الْمُكَاتبَة فِي الْمَعْنى فأظهرت لَهما كتاب عبد الْمَسِيح جَوَابا عَن كتابي فشكراني وَقَالا وَأَيْضًا تعودُ تراجعهُ فعاودت القَوْل فأصر على المساحة فعرفتهما الْحَال فَلَمَّا مضى عدَّة أَيَّام عدت يَوْمًا إِلَى دَاري وَإِذا هما قد صادفاني على الْبَاب فَقلت لنَفْسي عجبا لهذين الشَّيْخَيْنِ قد رَأيا مراجعتي وهما يطلبان مني مَا لَا أقدر عَلَيْهِ فَقلت لَهما وَالله إِنِّي لأستحيي مِنْكُمَا كلما جئتما فِي هَذَا الْمَعْنى وَقد رَأَيْتُمَا الْحَال كَيفَ هُوَ فَقَالَا صدقت وَلم نحضر إِلَّا لنعرفك أَن حاجتنا قضيت قَالَ فَظَنَنْت أَنَّهُمَا قد أرسلا إِلَى الْموصل من شفع لَهما فَدخلت دَاري وأدخلتهما معي وسألتهما عَن الْحَال كَيفَ هُوَ وَمن الَّذِي سعى لَهما فَقَالَا إِن رجلا من الصَّالِحين الأبدال شَكَوْنَا إِلَيْهِ حَالنَا فَقَالَ قد قضيت حَاجَة أهل العقيمة جَمِيعهم قَالَ فَوَقع عِنْدِي من هَذَا وَلَكِن تَارَة أصدقهما لما أعلم من صَلَاح أحوالهما وَتارَة أعجب من سَلامَة صدرهما كَيفَ يعتمدان على هَذَا القَوْل ويعتقدانه وَاقعا لَا شكّ فِيهِ فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام وصل قَاصد من الْموصل بِكِتَاب يَأْمر فِيهِ بِإِطْلَاق مساحة العقيمة وَإِطْلَاق كل مسجون وبالصدقة فَسَأَلت القاصد عَن السَّبَب فَأخْبرنَا أَن قطب الدّين شَدِيد الْمَرَض قَالَ فأفكرت فِي قَوْلهمَا وتعجبت مِنْهُ ثمَّ توفّي بعد يَوْمَيْنِ من هَذَا قَالَ وَرَأَيْت وَالِدي إِذا رأى أحد الرجلَيْن يُبَالغ فِي إكرامه ويحترمه وَيَقْضِي أشغاله واتخذهما صديقين
стр. 582
قَالَ وَكَانَ قطب الدّين من أحسن الْمُلُوك وأعفَّهم عَن أَمْوَال رَعيته محسنا إِلَيْهِم كثير الإنعام عَلَيْهِم محبوباً إِلَى صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ حَلِيمًا عَن المذنبين مِنْهُم سريع الانفعال للخير حدَّثني وَالِدي قَالَ استدعاني يَوْمًا وَهُوَ بالجزيرة وَكنت أتولى أَعمالهَا فلامني فِي بعض الْأَمر فَقلت أَخَاف من الِاسْتِقْصَاء لودعي على بعض هَؤُلَاءِ الْمُلُوك وأومأت إِلَى أَوْلَاده لكَانَتْ شَعْرَة مِنْهُ تَسَاوِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلنَا مَوَاضِع تحْتَمل الْعِمَارَة يتَحَصَّل مِنْهَا أَضْعَاف هَذَا فَقَالَ جَزَاك الله خيرا لقد نصحت وَأديت الْأَمَانَة فاشرع فِي عمَارَة هَذِه الاماكن فَفعلت وَكَبرت منزلتي عِنْده وَلم يزل يثني عليّ
قَالَ وَكَانَ كثير الصَّبْر وَالِاحْتِمَال من أَصْحَابه لقد صَبر من نوابه زين الدّين وجمال الدّين وَغَيرهمَا على مَا لم يصبر عَلَيْهِ سواهُ وَكَانَ حسن الِاتِّفَاق مَعَ اخيه الْملك الْعَادِل نور الدّين كثير المساعدة لَهُ والإنجاد بِنَفسِهِ وَعَسْكَره وأمواله حضر مَعَه المصافَّ بحارم وَفتحهَا وَفتح بانياس وَكَانَ يخْطب لَهُ فِي بِلَاده بِاخْتِيَارِهِ من غير خوف وَكَانَ إحسانه إِلَى أَصْحَابه مُتَتَابِعًا من غير طلب مِنْهُم وَلَا تَعْرِيض وَكَانَ يبغض الظُّلم وَأَهله ويعاقب من يَفْعَله
قَالَ وَبِاللَّهِ أقسم إِذا فَكرت فِي الْمُلُوك أَوْلَاد زنكي سيف الدّين وَنور الدّين وقطب الدّين وَمَا جمع الله فيهم من مَكَارِم الْأَخْلَاق ومحاسن
стр. 583
الْأَفْعَال وَحسن السِّيرَة وَعمارَة الْبِلَاد والرفق بالرعية إِلَى غير ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي يحْتَاج الْملك إِلَيْهَا أذكر قَول الشَّاعِر
(من تلقَ مِنْهُم تقلْ لاقيت سيدهم ... مثل النُّجُوم الَّتِي يسري بهَا السَّاري)
قلت وقرأت بِخَط الشَّيْخ عمر الملاء ﵀ فِي كتاب كتبه إِلَى بعض الصَّالِحين وَسَأَلَهُ فِيهِ الدُّعَاء لقطب الدّين صَاحب الْموصل وَقَالَ فِيهِ يَا أخي لَو ذهبت أشرح لَك سيرته فِي بِلَاده وعيش رَعيته فِي ولَايَته أطلت وأضجرت غير أَنِّي أذكر لَك مَا خصّه الله بِهِ من الْأَخْلَاق الصَّالِحَة هُوَ من أَكثر النَّاس رَحْمَة وأشدهم حَيَاء وأعظمهم تواضعاً وَأَقلهمْ طَمَعا وأزهدهم فِي الظُّلم وَأَكْثَرهم صبرا وأبعدهم غَضبا وأسرعهم رضَا وَهُوَ من هَذِه الْأَخْلَاق على حد أحبه أَنا محبَّة لَا أقدر أصفها وبيني وَبَينه إخاء ومزاورة يزورني وأزوره
فصل
قَالَ ابْن الْأَثِير وَلما بلغ نور الدّين وَفَاة أَخِيه قطب الدّين وَملك وَلَده سيف الدّين بعده واستيلاء عبد الْمَسِيح واستبداده بالأمور وَحكمه على سيف الدّين أنف من ذَلِك وَكبر لَدَيْهِ وشق عَلَيْهِ وَكَانَ يبغض عبد الْمَسِيح لما يبلغهُ من خشونته على الرّعية وَالْمُبَالغَة فِي إِقَامَة السياسة وَكَانَ نور
стр. 584
الدّين رَحمَه الله تَعَالَى لينًا رَفِيقًا عادلا فَقَالَ أَنا أولى بتدبير أَوْلَاد أخي وملكهم ثمَّ سَار من وقته فَعبر الْفُرَات عِنْد قلعة جعبر أول محرم
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخمْس مئة
وَقصد الرقة فَامْتنعَ النَّائِب بهَا شَيْئا من الِامْتِنَاع ثمَّ سلمهَا على شَيْء اقترحه فاستولى نور الدّين عَلَيْهَا وَقرر أمورها وَسَار إِلَى الخابور فملكه جَمِيعه ثمَّ ملك نَصِيبين وَأقَام بهَا يجمع العساكر فَإِنَّهُ كَانَ قد سَار جَرِيدَة فَأَتَاهُ بهَا نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان صَاحب الْحصن وديار بكر وَاجْتمعت عَلَيْهِ العساكر وَقد كَانَ ترك أَكثر عسكره بِالشَّام لحفظ ثغوره وأطرافه من الفرنج وَغَيرهم فَلَمَّا اجْتمعت العساكر سَار إِلَى سنجار فحصرها وَأقَام عَلَيْهَا وَنصب المجانيق وَكَانَ بهَا عَسْكَر كَبِير من الْموصل فكاتبه عَامَّة الْأُمَرَاء الَّذين بالموصل يحثونه على السُّرعة إِلَيْهِم ليسلموا الْبَلَد إِلَيْهِ وأشاروا بترك سنجار فَلم يقبل مِنْهُم وَأقَام حَتَّى ملك سنجار وَسلمهَا إِلَى ابْن أَخِيه الْأَكْبَر عماد الدّين زنكي ثمَّ سَار إِلَى
стр. 585
الْموصل فَأتى مَدِينَة بَلَد وَعبر دجلة فِي مخاضة عِنْدهَا إِلَى الْجَانِب الشَّرْقِي وَسَار فَنزل شَرْقي الْموصل على حصن نِينَوَى ودجلة بَينه وَبَين الْموصل
قَالَ وَمن الْعجب أَنه يَوْم نُزُوله سقط من سور الْموصل بَدَنَة كَبِيرَة وَكَانَ عبد الْمَسِيح قد سيَّر عز الدّين مَسْعُود بن قطب الدّين إِلَى أتابك إيلدكز صَاحب بِلَاد الْجَبَل وأذربيحان وأرّان وَغَيرهَا يستنجده فَأرْسل إيلْدِكِز رَسُولا إِلَى نور الدّين ينهاه عَن قصد الْموصل وَيَقُول لَهُ إِن هَذِه الْبِلَاد للسُّلْطَان وَلَا سَبِيل لَك إِلَيْهَا فَلم يَلْتَفت نور الدّين إِلَى رسَالَته وَكَانَ بسنجار فَسَار إِلَى الْموصل وَقَالَ للرسول قل لصاحبك أَنا أرْفق ببني أخي مِنْك فَلَا تدخل نَفسك بَيْننَا وَعند الْفَرَاغ من إصلاحهم يكون الحَدِيث مَعَك على بَاب همذان فَإنَّك قد ملكت نصف بِلَاد الْإِسْلَام وأهملت الثغور حَتَّى غلب الكُرْج عَلَيْهَا وَقد بليت أَنا وحدي بأشجع النَّاس الفرنج فَأخذت بِلَادهمْ وأسرت مُلُوكهمْ فَلَا يجوز لي أَن أتركك على مَا أَنْت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يجب علينا الْقيام بِحِفْظ مَا أهملت من بِلَاد الْإِسْلَام وَإِزَالَة الظُّلم عَن الْمُسلمين فَعَاد الرَّسُول بِهَذَا الْجَواب
стр. 586
وَحصر نور الدّين الْموصل فَلم يكن بَينهم قتال وَكَانَ هوى كل من بالموصل من جندي وعامي مَعَه لحسن سيرته وعدله وكاتبه الْأُمَرَاء يعلمونه أَنهم على الْوُثُوب على عبد الْمَسِيح وَتَسْلِيم الْبَلَد إِلَيْهِ فَلَمَّا علم عبد الْمَسِيح ذَلِك راسله فِي تَسْلِيم الْبَلَد إِلَيْهِ وَتَقْرِيره على سيف الدّين وَيطْلب الْأمان وإقطاعاً يكون لَهُ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَقَالَ لَا سَبِيل إِلَى إبقائه بالموصل بل يكون عِنْدِي بِالشَّام فَإِنِّي لم آتٍ لأخذ الْبِلَاد من أَوْلَادِي إِنَّمَا جِئْت لأخلص النَّاس مِنْك وأتولى أَنا تربية أَوْلَادِي فاستقرت الْقَاعِدَة على ذَلِك وسلمت الْموصل إِلَيْهِ فَدَخلَهَا ثَالِث عشر جمادي الأولى وَسكن القلعة وَأقر سيف الدّين غَازِي على الْموصل وَولى بقلعتها خَادِمًا يُقَال لَهُ سعد الدّين كمشتكين وَجعله دُزداراً فِيهَا وَقسم جَمِيع مَا خَلفه أَخُوهُ قطب الدّين بَين أَوْلَاده بِمُقْتَضى الْفَرِيضَة
وَلما كَانَ يحاصر الْموصل جَاءَتْهُ خلعة من الْخَلِيفَة فلبسها فَلَمَّا دخل الْموصل خلعها على سيف الدّين وَأطلق المكوس جَمِيعهَا من الْموصل وَسَائِر مَا فَتحه من الْبِلَاد وَأمر بِبِنَاء الْجَامِع النوري بالموصل
стр. 587
فَبنِي وأقيمت الصَّلَاة فِيهِ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس مئة
وَأقَام بالموصل نَحْو عشْرين يَوْمًا وَسَار إِلَى الشَّام فَقيل لَهُ إِنَّك تحب الْموصل وَالْمقَام بهَا ونراك أسرعت الْعود فَقَالَ قد تغير قلبِي فِيهَا فَإِن لم أفارقها ظلمت ويمنعني أَيْضا أنني هَهُنَا لاأكون مرابطاً لِلْعَدو وملازماً للْجِهَاد ثمَّ أقطع نَصِيبين والخابور العساكر وأقطع جَزِيرَة ابْن عمر سيف الدّين غَازِي ابْن أَخِيه مَعَ الْموصل وَعَاد إِلَى الشَّام وَمَعَهُ عبد الْمَسِيح فَغير اسْمه وَسَماهُ عبد الله وأقطعه إقطاعا كثيرا
وَقَالَ الْعِمَاد واستدعاني نور الدّين وَنحن بِظَاهِر الرقَّة وَقَالَ لي قد أنست بك وَأمنت إِلَيْك وَأَنا غير مُخْتَار للفرقة لَكِن المهم الَّذِي عرض لَا يبلغ فِيهِ غَيْرك الْغَرَض فتمضي إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز جَرِيدَة وَتُؤَدِّي عني رِسَالَة سديدة سعيدة وتنُهي أَنِّي قصدت بَيْتِي وَبَيت وَالِدي ومغنَي طريفي وتالدي وَأَنا كبيره ووارثه وَالَّذِي لَهُ حَدِيثه وحادثه فَامْضِ وَخذ لي إِذْنا فَإِنِّي أعد كل جارحة لي لما أخاطب بِهِ أُذناً وأمثل مَا يصلني من الْمِثَال لدفع كل مَكْرُوه ركنا وَأمر نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه أَن يسيرني إِلَى الرحبة فِي رجال مأموني الصُّحْبَة وسرت مِنْهَا على الْبَريَّة غربي الْفُرَات بخفير من بني خفاجة فَذكر أَنه وصل وَقضى الْحَاجة ثمَّ رَجَعَ من عِنْد الْخَلِيفَة المستنجد إِلَى نور الدّين وَهُوَ يحاصر سنجار فَأَخذهَا وملكها
стр. 588
وَسلمهَا إِلَى ختنه ابْن أَخِيه عماد الدّين زنكي بن مودود بن زنكي
قَالَ ثمَّ رَحل على عزم الْموصل وَقصد بلد واستوضح فِيهَا الجدد ودُلَّ هُنَاكَ فِي دجلة على مخاضة وَكَانَ ذَا أَخْلَاق وهمم مرتاضة فاستسهل من خوضها والعبور فِيهَا مَا ظن مستصعبا وَسَهل الله لنا ذَلِك ورأيناه أمرا عجبا وَجَاء دَلِيل تركماني قدامنا وَهُوَ يقطع دجلة تَارَة طولا وَتارَة عرضا أمامنا وَنحن وَرَاءه كخيط وَاحِد لَا نَمِيل يَمِينا وَلَا يسارا وَلَا نجد لنا فِي سوى ذَلِك الْمجَاز اخْتِيَارا حَتَّى عبرنا من الْجَانِب الغربي إِلَى الْجَانِب الشَّرْقِي برجالنا وأثقالنا وخيلنا وبغالنا وجمالنا وأقمنا بَقِيَّة ذَلِك الْيَوْم حَتَّى تمَّ عبور الْقَوْم
ثمَّ رحلنا ونزلنا على الْموصل من شرقيها وخيمنا على تلِّ تَوْبَة فاستعظم أَهلهَا تِلْكَ النّوبَة وَمَا خطر ببالهم أننا نعبر بِغَيْر مراكب وأنَّا نَأْخُذ عَلَيْهِم ذَلِك الْجَانِب فعرفوا أَنهم محصورون مقهورون محسورون وانقطعت عَنْهُم السبل من الشرق وَتعذر عَلَيْهِم الرقع لاتساع الْخرق وَبسط الْعَطاء وكشف الغطاء وَتكلم فِي الْمصلحَة والمصالحة الوسطاء ومُد الجسر وَقضى الْأَمر وأنعم نور الدّين على أَوْلَاد أَخِيه ومثلوا بناديه وَأقر سيف الدّين غازياً على قَاعِدَة أَبِيه وَألبسهُ التشريف الَّذِي وَصله من أَمِير الْمُؤمنِينَ المستضيء
ثمَّ دخل قلعة الْموصل وَأقَام بهَا سَبْعَة عشر يَوْمًا وجدد مناشير أهل المناصب وتوقيعات ذَوي الْمَرَاتِب من الْقَضَاء والنقابة وَغَيرهمَا وَأمر
стр. 589
بِإِسْقَاط جَمِيع المكوس والضرائب وَأَنْشَأَ بذلك منشوراً يقْرَأ على النَّاس فَمِنْهُ
قد قنعنا من كنز الْأَمْوَال باليسير من الْحَلَال فسحقاً للسحت ومحقاً لِلْحَرَامِ الْحقيق بالمقت وبعداً لما يبعد من رضَا الرب ويقصي من مَحل الْقرب وَقد استخرنا الله وتقربنا إِلَيْهِ وتوكلنا فِي جَمِيع الْأَحْوَال عَلَيْهِ وتقدمنا بِإِسْقَاط كل مكس وضريبة فِي كل ولَايَة لنا بعيدَة أَو قريبَة وَإِزَالَة كل جِهَة مشتبهة مشوبة ومحو كل سنَّة سَيِّئَة شنيعة وَنفي كل مظْلمَة مظْلمَة فظيعة وإحياء كل سنة حَسَنَة وانتهاز كل فرْصَة فِي الْخَيْر مُمكنَة وَإِطْلَاق كل مَا جرت الْعَادة بِأَخْذِهِ من الْأَمْوَال المحظورة خوفًا من عواقبها الردية المحذورة فَلَا يبْقى فِي جَمِيع ولايتنا جور جَائِر جَارِيا وَلَا عمل لَا يكون بِهِ الله رَاضِيا إيثاراً للثَّواب الآجل على الحطام العاجل وهذ حق لله قضيناه وواجب علينا أديناه بل هِيَ سنة حَسَنَة استنناها ومحجة وَاضِحَة بيناها وَقَاعِدَة محكمَة مهدناها وَفَائِدَة مغتنمة أفدناها
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ بالموصل شيخ صَالح يعرف بعمر الملاء سمي
стр. 590
بذلك لِأَنَّهُ كَانَ يمْلَأ تنانير الجص بِأُجْرَة يتقوَّت بهَا وكل مَا عَلَيْهِ من قَمِيص ورداء وَكِسْوَة وَكسَاء قد ملكه سواهُ واستعاره فَلَا يملك ثَوْبه وَلَا إزَاره وَكَانَ لَهُ شَيْء فوهبه لأحد مريديه وَهُوَ يتجر لنَفسِهِ فِيهِ فَإِذا جَاءَهُ ضيف قراه ذَلِك المريد وَكَانَ ذَا معرفَة بِأَحْكَام الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة
وَكَانَ الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء والملوك والأمراء يزورونه فِي زاويته ويتبركون بهمته ويتيمنَّون ببركته وَله كل سنة دَعْوَة يحتفل بهَا فِي أَيَّام مولد رَسُول الله ﷺ يحضرهُ فِيهَا صَاحب الْموصل ويحضر الشُّعَرَاء وينشدون مدح رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك المحفل
وَكَانَ نور الدّين من أخص محبيه يستشيره فِي حُضُوره ويكاتبه فِي مصَالح أُمُوره وَكَانَت بالموصل خربة وَاسِعَة فِي وسط الْبَلَد أشيع عَنْهَا أَنه مَا شرع فِي عمارتها إِلَّا من ذهب عمره وَلم يتم على مُرَاده أمره فَأَشَارَ الشَّيْخ عمر على نور الدّين بابتياعها وَرفع بنائها جَامعا تُقَام فِيهِ الْجمع وَالْجَمَاعَات فَفعل وَأنْفق فِيهِ أَمْوَالًا كَثِيرَة ووقف عَلَيْهِ ضَيْعَة من ضيَاع الْموصل ورتب فِيهِ خَطِيبًا ومدرساً وَكَانَ قد وصل فِي تِلْكَ السّنة وافدا الْفَقِيه عماد الدّين أَبُو بكر النوقاني الشَّافِعِي من أَصْحَاب الإِمَام مُحَمَّد بن يحيى فَسَأَلَهُ أَن يكون مدرساً فِي ذَلِك الْجَامِع وَكتب لَهُ
стр. 591
بِهِ منشوراً
قَالَ وَحضر مُجَاهِد الدّين قايماز صَاحب إربل فِي الْخدمَة النورية فِي الْموصل وَكَانَ دُخُولهمْ إِيَّاهَا فِي بحبوحة الشتَاء فَكتب الْعِمَاد إِلَى بعض كبراء الْموصل قصيدة مِنْهَا
(مَا يمْنَع الْخَادِم من قَصده الْخدمَة ... غير الطّرق والوحل)
(كَأَنَّمَا موصلكم مقطع ... مَا يَهْتَدِي فِيهِ إِلَى وصل)
(وكلّ مَعْرُوف بهَا مُنكر ... كَمَا ترَاهُ ضيّق السّبل)
(وكل من حلّ بهَا لَا يرى ... فِي زمن الخصب سوى الْمحل)
(ومذ دخلناها حصلنا بهَا ... كَرهاً على خرج بِلَا دخل)
(أصعب مَا نَلْقَاهُ من أَهلهَا ... قَول بِلَا أهل وَلَا سهل)
(وَكنت أهواها ولكنني ... لقِيت مِنْهَا كلّ مَا يسلى)
(وانت من أصبح إحسانه ... حلية هَذَا الزَّمن العُطل)
قَالَ وَعَاد نور الدّين إِلَى سنجار فَأَعَادَ عمَارَة أسوارها ثمَّ أَتَى حرّان وَقد اقتطعها عَن صَاحب الْموصل هِيَ ونصيبين والخابور والْمِجْدل وَوصل حلب فِي خَامِس رَجَب
стр. 592
وَقَالَ ابْن شدّاد دخل حلب فِي شعْبَان وزوّج صَاحب الْموصل ابْنَته
قَالَ الْعِمَاد وفوّض الْقَضَاء والحُكم بنصيبين وسنجار والخابور إِلَى الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون فولّى بهَا نوابه وحكّم فِيهَا أَصْحَابه
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد لما صَارَت الْموصل إِلَى سيف الدّين ابْن أخي نور الدّين كَانَ قد استولى عَلَيْهِ وَتَوَلَّى أَمر الْبَلَد رجل يُقَال لَهُ عبد الْمَسِيح كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم وَقيل إِنَّه كَانَ بَاقِيا على نصرانيته وَله بيعَة فِي دَاره وتتبع أَرْبَاب الْعلم والدّين وشتتّهم وأبعدهم وآذى الْمُسلمين فَبلغ نور الدّين ذَلِك وكُتب لَهُ قصَص فِي ذَلِك فَسَار وَنزل على الْموصل من جَانب الشط والشط بَينه وَبَينهَا وَقَالَ لَا أقَاتل هَذِه الْبَلدة وأهتك حرمتهَا وَهِي لوَلَدي وراسل سيف الدّين وَقَالَ لَهُ أَنا لَيْسَ مقصودي الْبَلَد وَإِنَّمَا مقصودي حفظ الْبَلَد لَك فَإِنَّهُ قد كتب إِلَيّ فِي عبد الْمَسِيح كَذَا وَكَذَا ألف قصَّة بِمَا يفعل مَعَ الْمُسلمين وَإِنَّمَا مقصودي أزيل هَذَا النَّصْرَانِي عَن ولَايَة الْمُسلمين
قَالَ وَعبد الْمَسِيح يدبر الْبَلَد ويدور فِيهِ وَالْأَمر إِلَيْهِ وبذل الصُّلْح لنُور الدّين فَقَالَ نور الدّين أَنا قد جِئْت وَلَا بُد لي من دُخُول الْبَلَد فَقَالَ نعم لَا يدْخل إِلَّا من بَاب السِّر فَقَالَ نور الدّين مَا أَدخل إِلَّا من بَاب السِّرّ
стр. 593
فجرت بَين نور الدّين وَبَين ابْن أَخِيه مراسلات إِلَى أَن علم أَن نِيَّته صَالِحَة فَصَالحه فِي السِّرّ وَركب عبد الْمَسِيح وَخرج يَدُور بَين السورين فَجَاءَهُ بعض أَصْحَابه وَقَالَ لَهُ أَنْت نَائِم دمُك قد رَاح وَأَنت غافل فَقَالَ مَا الْخَبَر فَقَالَ سيف الدّين قد صَالح عَمه وَأَنت فِي مُقَابلَة نور الدِّين فجَاء وَدخل على سيف الدّين وَألقى شربوشه بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ أَنْت قد صالحت عمك وَقد علمت مَا عملت فِي حفظ بلدك وَمَا لي طَاقَة بِمُقَابلَة نور الدّين فَالله الله فِي دمي فَقَالَ لَهُ مَا لي طَاقَة بِدَفْعِهِ عَنْك وَلَكِن عَلَيْك بالشيخ عمر الملاء فَقَالَ وَالله لَو مضيت إِلَيْهِ لم يفتح لي لعلمه بِمَا جرى مِنْهُ فِي حق الْمُسلمين وَلَكِن تسير أَنْت إِلَيْهِ لم يفتح لي لعلمه بِمَا جرى مِنْهُ فِي حق الْمُسلمين وَلَكِن تسيِّر أَنْت إِلَيْهِ فسير سيف الدّين إِلَيْهِ واستحضره وَكَانَ معتكفا فَقَالَ لَهُ مَا الْخَبَر فَقَالَ سيف الدّين لعبد الْمَسِيح مِنْك إِلَيْهِ فَوقف بَين يَدَيْهِ يبكي فَالْتَفت إِلَيْهِ عمر وَقَالَ من يعادى الرِّجَال يبكي مثل النِّسَاء فَقَالَ لَهُ قد تمسكت بك وأطلب مِنْك حقن دمي فَقَالَ أَنْت آمن على دمك فَقَالَ وعَلى مَالِي فَقَالَ وعَلى مَالك قَالَ وعَلى أَهلِي فَقَالَ وعَلى أهلك
وَكَانَ شرف الدّين بن أبي عصرون مَعَ نور الدّين حِينَئِذٍ فَقَالَ سيف الدّين لعمر الملاء تخرج تحلِّف نور الدّين فأحضر الْفُقَهَاء وَعمِلُوا لَهُ
стр. 594
نُسْخَة يَمِين ونسخة يَمِين لعبد الْمَسِيح فَأَخذهُمَا عمر وَخرج إِلَى نور الدّين فَقَامَ نور الدّين وَخرج من خيمته والتقاه وأكرمه فَقَالَ لَهُ عمر النَّاس يعلمُونَ حُسْن عقيدتك فيّ وَقد خرجت فِي كَذَا وَكَذَا وناوله النُّسْخَة الَّتِي تتَعَلَّق بِسيف الدّين فقرأها وناولها لِابْنِ أبي عصرون فَقَالَ نُسْخَة جَيِّدَة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عمر الملاء إيش تَقول فِي هَذِه النُّسْخَة فَقَالَ جَيِّدَة فَقَالَ إِذا حلف بهَا على هَذَا الْوَجْه أَلَيْسَ أَنَّهَا تقع لَازِمَة فَقَالَ بلَى فَقَالَ للحاضرين اشْهَدُوا على الشَّيْخ بذلك يُشِير إِلَى أَن نور الدّين كَانَ تجْرِي مِنْهُ أَيْمَان فِي وقائع وَكَانَ ابْن أبي عصرون يفتيه بِالْخرُوجِ مِنْهَا فقيَّد عَلَيْهِ القَوْل فَأجَاب نور الدّين إِلَى ذَلِك فَقَالَ لَهُ قد علم النَّاس حسن عقيدتك فيّ وَأَن قولي مسموع عنْدك وَقد خرجت إِلَيْك وَلَا بُد لي من ضِيَافَة قَالَ كَيفَ لي بذلك وَأَنت لَا تَأْكُل طَعَامي وَلَا تقبل مني شَيْئا فَقَالَ تحلف لي بِهَذِهِ النُّسْخَة فَوقف عَلَيْهَا وَتغَير وَجهه وَقَالَ أَنا مَا جِئْت فِي هَذَا لأخلص الْمُسلمين مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ عمر فَمَا نطلب مِنْك أَن توليه على الْمُسلمين فَقَالَ قد أمنته على نَفسه فَقَالَ وعَلى أَهله فَقَالَ وَمن أَهله قَالَ نَصَارَى فَقَالَ أمنتهم فَقَالَ وعَلى مَاله فَقَالَ وَمن أَيْن لهَذَا الْكَلْب مَال هَذَا مَمْلُوك لنا فَقَالَ قد أُعتق وَمَاله لَهُ وَهُوَ الْيَوْم كَانَ صَاحب الْموصل فَقَالَ قد أمنته على مَاله فَحلف على ذَلِك جَمِيعه واستقرّ الصُّلْح
وَخرج سيف الدّين إِلَى خدمَة نور الدّين فَوقف بَين يَدَيْهِ فَأكْرمه نور
стр. 595
الدّين وَكَانَ وَصله خلعة أَمِير الْمُؤمنِينَ فخلعها عَلَيْهِ فَدخل إِلَى الْموصل بهَا وانتقل إِلَى جَانب الشط الآخر وَلم يدْخل إِلَى الْموصل إِلَى أَن جَاءَ مطر شَدِيد جدّاَ فَدخل من بَاب السِّرّ إِلَيْهَا وَأقَام بهَا مُدَّة ورتب أمورها وَولي فِيهَا كمشتكين فَرَأى النَّبِي ﷺ ذَات لَيْلَة فِي الْمَنَام وَهُوَ يَقُول لَهُ جِئْت إِلَى بلدك وطاب لَك الْمقَام بِهِ وَتركت الْجِهَاد وقتال أَعدَاء الدّين فَاسْتَيْقَظَ من مَنَامه وَسَار سحرة ذَلِك الْيَوْم وَلم يلبث وَلم يعلم بِهِ أَكثر النَّاس حَتَّى خرج ولحقوه رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
وصل الْخَبَر بِمَوْت الإِمَام المستنجد بِاللَّه أبي المظفر يُوسُف بن المقتفي ونورُ الدّين مخيم بشرقي الْموصل بتل تَوْبَة وَكَانَت وَفَاته يَوْم السبت تَاسِع ربيع الآخر وبويع ابْنه المستضيء بِأَمْر الله أَبُو مُحَمَّد الْحسن
وَكَانَ مولد المستنجد مستهل ربيع الآخر سنة عشر وَخمْس مئة وَكَانَت خِلَافَته إِحْدَى عشرَة سنة وَسِتَّة أَيَّام وَهُوَ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ من خلفاء بني الْعَبَّاس وَهَذَا الْعدَد لَهُ بِحِسَاب الجمَّل اللَّام وَالْبَاء وَفِيه يَقُول بعض الأدباء
(أَصبَحت لب بني الْعَبَّاس كلهم ... إِن عددت بِحِسَاب الجمَّل الخلفا)
وَكَانَ أسمر تَامّ الْقَامَة طَوِيل اللِّحْيَة وَكَانَ من أحسن الْخُلَفَاء سيرة
стр. 596
مَعَ الرّعية كَانَ عادلا فيهم كثير الرِّفْق بهم وَأطلق من المكوس كثيرا وَلم يتْرك بالعراق مكسا وَكَانَ شَدِيدا على أهل العيث وَالْفساد والسعاية بِالنَّاسِ
قَالَ ابْن الْأَثِير بَلغنِي أَنه قبض على إِنْسَان كَانَ يسْعَى بِالنَّاسِ وَيكْتب فيهم السِّعايات فَأطَال حَبسه فَحَضَرَ بعض أَصْحَابه وشفع فِيهِ وبذل عَنهُ عشرَة آلَاف دِينَار فَقَالَ لَهُ أَنا أُعْطِيك عشرَة آلَاف دِينَار وتحضر لي إنْسَانا آخر مثله أحبسه لأكفَّ شَره عَن النَّاس
وَتُوفِّي فِي أَيَّامه شيخ الشُّيُوخ إِسْمَاعِيل بن أبي سعد وَصَارَ بعده ابْنه صدر الدّين عبد الرَّحِيم شيخ الشُّيُوخ وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين
وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين توفّي مُحَمَّد بن نصر القيسراني وَأحمد بن مُنِير الشاعران وَقد تقدم ذَلِك
وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين توفّي الْحَكِيم أَبُو الحكم الشَّاعِر الأندلسي
وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين توفّي الوأواء الشَّاعِر الْحلَبِي
стр. 597
وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ توفّي الشَّيْخ أَبُو النجيب الصُّوفِي الْفَقِيه الْوَاعِظ
قَالَ الْعِمَاد وجاءنا رسل دَار الْخلَافَة مبشرين بخلافة المستضيء وَاتفقَ ذَلِك يَوْم عبور دجلة وَركب يَوْم النُّزُول على تل تَوْبَة فِي الأهبة السَّوْدَاء وَالْيَد الْبَيْضَاء وَذَلِكَ بمرأى ومنظر من أهل الْموصل الحدباء ثمَّ أرسل الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون إِلَى بَغْدَاد نَائِبا عَنهُ فِي خدمَة الإِمَام
وَمِمَّا نظمه الْعِمَاد فِيهِ
(قد أَضَاء الزَّمَان بالمستضيء ... وَارِث الْبرد وَابْن عَم النبيء)
(جَاءَ بِالْحَقِّ والشريعة وَالْعدْل ... فيا مرْحَبًا بِهَذَا الْمَجِيء)
(فهنيئاً لأهل بَغْدَاد فازوا ... بعد بؤس بِكُل عَيْش هنيء)
(ومضيء إِن كَانَ فِي الزَّمن المظلم ... فالعود فِي الزَّمَان المضيء)
وَله من قصيدة أُخْرَى
(لهفي على زمن الشَّبَاب فإنني ... بسوى التأسف عَنهُ لم أتعوض)
(نقضت عهود الغانيات وَإِنَّهَا ... لَوْلَا انْقِضَاء شبيبتي لم تنقض)
стр. 598
(يَا حسن أَيَّام الصِّبَا وَكَأَنَّهَا ... أَيَّام مَوْلَانَا الإِمَام المستضى)
(ذُو الْبَهْجَة الزهراء يشرق نورها ... والطلعة الغراء وَالْوَجْه الوضيَ)
(قَسَم السَّعَادَة والشقاوة ربُّنا ... فِي الْخلق بَين محبِّه والمبغض)
وَمِنْهَا
(فضل الخلائف وَالْخَلَائِق بالتقي ... وَالْفضل والإفضال والخُلق الرضي)
(فانعم أَمِير الْمُؤمنِينَ بدولة ... مَا تَنْتَهِي وسعادة مَا تَنْقَضِي)
قَالَ وَوصل نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى دمشق وَأدّى فرض الصّيام وَخرج بعد الْعِيد إِلَى الْخيام وَأخرج سرادقه إِلَى جسر الْخشب وسرنا إِلَى عشترا
ثمَّ ذكر الْعِمَاد هُنَا سيرة سرّية صَاحب البيرة الأرتقي باللبوة وَقد مَضَت فِي أَخْبَار سنة خَمْسَة وَسِتِّينَ فَثَمَّ ذكرهَا ابْن الْأَثِير
فصل فِيمَا جرى بِمصْر فِي هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد كَانَ بِمصْر حبس للشحن يعرف بدار المعونة فَأَعَادَهَا
стр. 599
صَلَاح الدّين مدرسة للشَّافِعِيَّة فِي أول سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَعمل فِي النّصْف من الْمحرم دَار الْغَزل مدرسة للمالكية وَولى صدر الدّين عبد الْملك بن درباس الْقَضَاء وَالْحكم بِمصْر والقاهرة وأعمالها وَذَلِكَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من جمادي الْآخِرَة ثمَّ خرج إِلَى الْغُزَاة وأغار على الرملة وعسقلان وهجم ربض غَزَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَاهِرَة
ثمَّ وَصله الْخَبَر بِخُرُوج قافلة من دمشق فِيهَا أَهله فأشفق عَلَيْهَا وَأحب أَن يجْتَمع بهَا شَمله فَخرج فِي النّصْف من ربيع الأول وَكَانَت
стр. 600
بأيلة قلعة فِي الْبَحْر قد حصنها أهل الْكفْر فعمر لَهَا مراكب وَحملهَا إِلَى ساحلها على الْجمال وركبها الصنّاع هُنَاكَ وشحنها بِالرِّجَالِ وَفتح القلعة فِي الْعشْر الأول من ربيع الآخر واستحلها واستباح بِالْقَتْلِ والأسر أَهلهَا وملأها بِالْعدَدِ وَالْعدَد وحصَّنها بِأَهْل الجلاد وَالْجَلد وَاجْتمعَ بأَهْله عَلَيْهَا وَسَار بهم على سمت الْقَاهِرَة ودخلوا فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من جمادي الأولى إِلَيْهَا
وَسَار إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان ليشاهدها ويرتب قواعدها وَهِي أول دفْعَة سَار إِلَيْهَا فِي أَيَّام سُلْطَانه وَعم أَهلهَا بإحسانه وَأمر بعمارة أسوارها وابراجها وابدانها
وَفِي النّصْف من شعْبَان اشْترى تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه وَهُوَ ابْن أخي صَلَاح الدّين منَازِل الْعِزّ بِمصْر وَجعلهَا مدرسة للشَّافِعِيَّة وَاشْترى الرَّوْضَة وحمام الذَّهَب وَغَيرهمَا من الْأَمْلَاك ووقفها عَلَيْهَا
следующие страницы →