← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

مَعَ الرّعية كَانَ عادلا فيهم كثير الرِّفْق بهم وَأطلق من المكوس كثيرا وَلم يتْرك بالعراق مكسا وَكَانَ شَدِيدا على أهل العيث وَالْفساد والسعاية بِالنَّاسِ قَالَ ابْن الْأَثِير بَلغنِي أَنه قبض على إِنْسَان كَانَ يسْعَى بِالنَّاسِ وَيكْتب فيهم السِّعايات فَأطَال حَبسه فَحَضَرَ بعض أَصْحَابه وشفع فِيهِ وبذل عَنهُ عشرَة آلَاف دِينَار فَقَالَ لَهُ أَنا أُعْطِيك عشرَة آلَاف دِينَار وتحضر لي إنْسَانا آخر مثله أحبسه لأكفَّ شَره عَن النَّاس وَتُوفِّي فِي أَيَّامه شيخ الشُّيُوخ إِسْمَاعِيل بن أبي سعد وَصَارَ بعده ابْنه صدر الدّين عبد الرَّحِيم شيخ الشُّيُوخ وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين توفّي مُحَمَّد بن نصر القيسراني وَأحمد بن مُنِير الشاعران وَقد تقدم ذَلِك وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين توفّي الْحَكِيم أَبُو الحكم الشَّاعِر الأندلسي وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين توفّي الوأواء الشَّاعِر الْحلَبِي

стр. 597

وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ توفّي الشَّيْخ أَبُو النجيب الصُّوفِي الْفَقِيه الْوَاعِظ قَالَ الْعِمَاد وجاءنا رسل دَار الْخلَافَة مبشرين بخلافة المستضيء وَاتفقَ ذَلِك يَوْم عبور دجلة وَركب يَوْم النُّزُول على تل تَوْبَة فِي الأهبة السَّوْدَاء وَالْيَد الْبَيْضَاء وَذَلِكَ بمرأى ومنظر من أهل الْموصل الحدباء ثمَّ أرسل الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون إِلَى بَغْدَاد نَائِبا عَنهُ فِي خدمَة الإِمَام وَمِمَّا نظمه الْعِمَاد فِيهِ (قد أَضَاء الزَّمَان بالمستضيء ... وَارِث الْبرد وَابْن عَم النبيء) (جَاءَ بِالْحَقِّ والشريعة وَالْعدْل ... فيا مرْحَبًا بِهَذَا الْمَجِيء) (فهنيئاً لأهل بَغْدَاد فازوا ... بعد بؤس بِكُل عَيْش هنيء) (ومضيء إِن كَانَ فِي الزَّمن المظلم ... فالعود فِي الزَّمَان المضيء) وَله من قصيدة أُخْرَى (لهفي على زمن الشَّبَاب فإنني ... بسوى التأسف عَنهُ لم أتعوض) (نقضت عهود الغانيات وَإِنَّهَا ... لَوْلَا انْقِضَاء شبيبتي لم تنقض)

стр. 598

(يَا حسن أَيَّام الصِّبَا وَكَأَنَّهَا ... أَيَّام مَوْلَانَا الإِمَام المستضى) (ذُو الْبَهْجَة الزهراء يشرق نورها ... والطلعة الغراء وَالْوَجْه الوضيَ) (قَسَم السَّعَادَة والشقاوة ربُّنا ... فِي الْخلق بَين محبِّه والمبغض) وَمِنْهَا (فضل الخلائف وَالْخَلَائِق بالتقي ... وَالْفضل والإفضال والخُلق الرضي) (فانعم أَمِير الْمُؤمنِينَ بدولة ... مَا تَنْتَهِي وسعادة مَا تَنْقَضِي) قَالَ وَوصل نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى دمشق وَأدّى فرض الصّيام وَخرج بعد الْعِيد إِلَى الْخيام وَأخرج سرادقه إِلَى جسر الْخشب وسرنا إِلَى عشترا ثمَّ ذكر الْعِمَاد هُنَا سيرة سرّية صَاحب البيرة الأرتقي باللبوة وَقد مَضَت فِي أَخْبَار سنة خَمْسَة وَسِتِّينَ فَثَمَّ ذكرهَا ابْن الْأَثِير فصل فِيمَا جرى بِمصْر فِي هَذِه السّنة قَالَ الْعِمَاد كَانَ بِمصْر حبس للشحن يعرف بدار المعونة فَأَعَادَهَا

стр. 599

صَلَاح الدّين مدرسة للشَّافِعِيَّة فِي أول سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَعمل فِي النّصْف من الْمحرم دَار الْغَزل مدرسة للمالكية وَولى صدر الدّين عبد الْملك بن درباس الْقَضَاء وَالْحكم بِمصْر والقاهرة وأعمالها وَذَلِكَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من جمادي الْآخِرَة ثمَّ خرج إِلَى الْغُزَاة وأغار على الرملة وعسقلان وهجم ربض غَزَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ وَصله الْخَبَر بِخُرُوج قافلة من دمشق فِيهَا أَهله فأشفق عَلَيْهَا وَأحب أَن يجْتَمع بهَا شَمله فَخرج فِي النّصْف من ربيع الأول وَكَانَت

стр. 600

بأيلة قلعة فِي الْبَحْر قد حصنها أهل الْكفْر فعمر لَهَا مراكب وَحملهَا إِلَى ساحلها على الْجمال وركبها الصنّاع هُنَاكَ وشحنها بِالرِّجَالِ وَفتح القلعة فِي الْعشْر الأول من ربيع الآخر واستحلها واستباح بِالْقَتْلِ والأسر أَهلهَا وملأها بِالْعدَدِ وَالْعدَد وحصَّنها بِأَهْل الجلاد وَالْجَلد وَاجْتمعَ بأَهْله عَلَيْهَا وَسَار بهم على سمت الْقَاهِرَة ودخلوا فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من جمادي الأولى إِلَيْهَا وَسَار إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان ليشاهدها ويرتب قواعدها وَهِي أول دفْعَة سَار إِلَيْهَا فِي أَيَّام سُلْطَانه وَعم أَهلهَا بإحسانه وَأمر بعمارة أسوارها وابراجها وابدانها وَفِي النّصْف من شعْبَان اشْترى تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه وَهُوَ ابْن أخي صَلَاح الدّين منَازِل الْعِزّ بِمصْر وَجعلهَا مدرسة للشَّافِعِيَّة وَاشْترى الرَّوْضَة وحمام الذَّهَب وَغَيرهمَا من الْأَمْلَاك ووقفها عَلَيْهَا

стр. 601

وَفِي النّصْف من جُمَادَى الْآخِرَة أغار شمس الدولة أَخُو السُّلْطَان بالصعيد على العربان ثمَّ دخل الْقَاهِرَة فِي عَاشر شهر رَمَضَان وَفِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من جمادي الْآخِرَة توفّي القَاضِي الْمُوفق أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن الْخلال وَكَانَ من الأماثل الأفاضل وَلم يزل صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء إِلَى أَن كبر وَكَانَ الْأَجَل الْفَاضِل يُوصل إِلَيْهِ كل مَا كَانَ لَهُ وَقَامَ بِهِ مُدَّة حَيَاته يكرم عَهده ويكفله وَقَالَ فِي الخريدة هُوَ نَاظر ديوَان مصر وإنسان ناظره وجامع مفاخره وَكَانَ إِلَيْهِ الْإِنْشَاء وَله قُوَّة على الترسل يكْتب مَا يَشَاء عَاشَ كثيرا وعطل فِي آخر عمره وأضر وَلزِمَ بَيته إِلَى أَن تعوض مِنْهُ الْقَبْر وَمن شعره (يَا أَخا الْغرَّة حسب الدَّهْر من ... عظة الْمَغْرُور مَا أصبح يُبْدِي) (تُؤثر الدُّنْيَا فَهَل نلْت بهَا ... لَحْظَة تخلص من همّ وكدِّ) قلت وَذكر ضِيَاء الدّين أَبُو الْفَتْح نصر الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْأَثِير الْجَزرِي فِي أول كِتَابه الْمُسَمّى بالوشي المرقوم فِي حل المنظوم قَالَ حَدثنِي عبد الرَّحِيم بن عَليّ البيساني رَحمَه الله تَعَالَى بِمَدِينَة دمشق فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة قَالَ كَانَ فن الْكِتَابَة بِمصْر فِي زمن يَعْنِي بني عبيد غضا طريا وَكَانَ لَا يَخْلُو ديوَان المكاتبات من رَأس يرأس مَكَانا وبيانا وَيُقِيم لسلطانه بقلمه سُلْطَانا وَكَانَ من الْعَادة أَن كلا من أَرْبَاب

стр. 602

الدَّوَاوِين إِذا نَشأ لَهُ ولد وشدا شَيْئا من علم الْأَدَب أحضرهُ إِلَى ديوَان المكاتبات ليتعلم فن الْكِتَابَة ويتدرب وَيرى وَيسمع قَالَ فأرسلني وَالِدي وَكَانَ إِذْ ذَاك قَاضِيا بثغر عسقلان إِلَى الديار المصرية فِي أَيَّام الْحَافِظ وَهُوَ أحد خلفائها وَأَمرَنِي بالمصير إِلَى ديوَان المكاتبات وَكَانَ الَّذِي يرأس بِهِ فِي تِلْكَ الْأَيَّام رجلا يُقَال لَهُ ابْن الْخلال فَلَمَّا حضرت الدِّيوَان ومثلت بَين يَدَيْهِ وعرّفته من أَنا وَمَا طلبتي رحبَّ بِي وَسَهل ثمَّ قَالَ مَا الَّذِي أَعدَدْت لفن الْكِتَابَة من الْآلَات فَقلت لَيْسَ عِنْدِي شَيْء سوى أَنِّي أحفظ الْقُرْآن الْعَزِيز وَكتاب الحماسة فَقَالَ فِي هَذَا بَلَاغ ثمَّ أَمرنِي بملازمته فَلَمَّا ترددت إِلَيْهِ وتدربت بَين يَدَيْهِ أَمرنِي بعد ذَلِك أَن أحلّ شعر الحماسة فحللته من أَوله إِلَى آخِره ثمَّ أَمرنِي بِأَن أحله مرّة ثَانِيَة فحللته وَقَالَ ابْن أبي طيّ فِي هَذِه السّنة شرع السُّلْطَان يَعْنِي صَلَاح الدّين فِي عمَارَة سور الْقَاهِرَة لِأَنَّهُ كَانَ قد تهدم أَكْثَره وَصَارَ طَرِيقا لَا يرد دَاخِلا ولاخارجاً وولاه لقراقوش الْخَادِم وَقبض على الْقُصُور وَسلمهَا إِلَيْهِ وَأمر بتغيير شعار الاسماعيلية وَقطع من الْأَذَان حيّ على خير الْعَمَل وَشرع فِي تمهيد أَسبَاب الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس

стр. 603

وفيهَا طلب شمس الدولة من أَخِيه السُّلْطَان ربع الْكَامِل بِالْقَاهِرَةِ وازداد على إقطاعه بوش وأعمال الجيزة وسمنود وَغَيرهَا قلت وَقد وقفت على كتاب فاضلي وصف فِيهِ غزَاة غَزَاهَا صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي زمَان وزارته وَكَانَ الْكتاب إِلَى مَدِينَة قوص وأظن هَذِه الْغُزَاة هِيَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْعِمَاد فِي اثناء كَلَامه السَّابِق أوّل الْكتاب ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ لَمْ يمسسهم سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَان اللهِ واللهِ ذُو فَضْلٍ عَظِيم﴾ وَفِيه توجهنا من بركَة الْجب يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس عشر من ربيع الأول ووصلنا بتاريخ السَّابِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور والعساكر بالسهل والوعر منتظمة والهمم على السهل والصّعب مزدحمة وجنود الله فِي الأَرْض المُعْلمة قد أيّدتها جنود السَّمَاء المسوّمة وصابحنا الديّر يَوْم الْأَرْبَعَاء بِقِتَال جعل كلّ من فِي حصن الدّير رَاهِبًا ونصبنا عَلَيْهِ منجنيقا لَا يزَال بشهاب الْقَذْف ضَارِبًا فَلَمَّا تَعَالَى النَّهَار ملكنا ربضه وأطلقنا فِيهِ النيرَان ورملنا الرِّجَال بِالدَّمِ وأرملنا النسوان وزحفنا إِلَى أبراجه وَهِي أبراج قد استعدت للبلاء جلبابا فَجعلنَا لكلّ وَاحِد جورة مُفْردَة وبابا

стр. 604

وسرحنا إِلَيْهِم رسل المنايا من النشاب وقصدنا أَخذ الأبراج والبيوت تُؤْتى فِي الْحَرْب من غير الْأَبْوَاب وَتَقَدَّمت إِلَيْهِم نقابة الحلبية فباتت لَيْلَتهَا تساوره وتراجعه بألسنة المعاول وتشاوره وأسفر الصُّبْح وَقد أمكن تَعْلِيقه وتيسر تحريقه فأودعنا تِلْكَ الْعُقُود آلَات الْوقُود فَلم يكن إِلَّا مِقْدَار اشتعالها حَتَّى خرّ صَرِيعًا سَرِيعا وعفرّ بَين أَيْدِينَا سَامِعًا مُطيعًا وانتظمت الرِّجَال على أحجاره وتواثبت إِلَى أَمْثَاله من الأبراج وأنظاره فحصلت فِي القبضة وَعجز من كَانَ فِيهَا عَن النهضة واحتكم فِيهَا الْعَذَاب بِالسَّيْفِ وَالنَّار وضاق عَلَيْهِم مجَال النَّفس والقرار واستقبلنا يَوْم الْخَمِيس نقب القلعة وَتَقْدِيم المنجنيق وتيسير السَّبِيل لِلْقِتَالِ وتخليص الطَّرِيق هَذَا والكسوب والنهوب قد امتارت مِنْهَا العساكر وَخرجت فِيهَا مكنونات الذَّخَائِر وأشبه الْيَوْم يَوْم تُبلى السرائر وطهر الأَرْض مِنْهُم بِالدَّمِ المائر فَلَمَّا كَانَ بكرَة الْجُمُعَة وردتنا الْأَخْبَار بِأَن الْملك قد زحف من غَزَّة فِي فارسه وراجله ورامحه ونابله وحشود دياره وجنود أنصاره فَرَكبْنَا مستبشرين بزحفه موقنين بحتفه ولقيناه فأحطنا من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه وناوشته الْخَيل الطِّراد وَأَحْدَقَتْ بِهِ أحداق الأغلال بالأجياد وانتظرت حَملته الَّتِي كَانَ لَهَا قبل ذَلِك الْيَوْم موقع وصدمته الَّتِي لَهَا من رجال الْحَرْب مَوضِع فَمَلَأ الله قلبه رعْبًا وثنى صدقه كذبا وَلم يزل يخاتل وَلَا يُقَاتل ويواصل الْمسير وَلَا يصاول وَالْقَتْل فِي أعقابه وأيدي السيوف وسواعد الرماح لَا تني فِي عِقَابه حَتَّى تحصّل فِي الدَّيْر هُوَ وخيله وَرجله

стр. 605

وَلم يبْق لَهُ من ملك الشَّام إِلَّا مَا وطئته رجله فناصبناه الْحصار فِي لَيْلَة السبت مستهل ربيع الآخر بالركوب إِلَيْهِ وَالْوُقُوف عَلَيْهِ لَعَلَّه يبرز ويبارز وَيخرج وَلَا يحاجز فخرست غماغمه واستذابت ضراغمه فتركناه وَرَاء ظُهُورنَا وَجَعَلنَا بِلَاده أَمَام صدورنا فَكُنَّا فِي تَوليته مرضين لله تَعَالَى سُبْحَانَهُ لَا مغضبين وَفِي تَركه وَرَاء ظُهُورنَا ومباعدته من الله متقربين وواجهنا غَزَّة بعساكرنا المنصورة وأطفنا بهَا فِي أحسن صُورَة وَهِي على مَا علم من كَونهَا بكرا لم تفترعها الْحَوَادِث وحصانا لم يطمثها أمل طامث وَهِي معقل الديوية الَّذين هم جَمْرَة الشّرك وداهية الْإِفْك وأتى الله ببنيانها من الْقَوَاعِد وأنجز فِيهَا من النّصر صَادِق المواعد ووردناها بأيمن الْمَوَارِد وفتحناها من عدَّة جَوَانِب ووطئناها وَإِذا هِيَ كأمس الذَّاهِب فألْقَت إِلَيْنَا أفلاذ كَبِدهَا وذخيرة يَدهَا فَمن بَين مواش تخرب الْبِلَاد الَّتِي مِنْهَا خرجت وخيول مسومة كَأَنَّهَا لركوبنا أُسرجت وأُلجمت وحوامل أثقال وزوامل خففت عَن عساكرنا وفرجت وميرة كَثِيرَة تمكنت فِيهَا يَد الأجناد وأفرجت وأسارى الْمُسلمين فكوا من الْقَيْد وَالْقد وأنقذوا بلطف الله من سوء الملكة وَشدَّة الْجهد وَأما الرؤوس المقطوعة وأسارى الفرنج الَّذين أَيْديهم إِلَى أَعْنَاقهم مَجْمُوعَة فَإِن الفضاء الفضي تعصفر من دِمَائِهِمْ وَتذهب وَجرى مِنْهَا مَا بِهِ اضطرم وَقد الْجَحِيم وتلهب وَفِي الْحَال أمرنَا بالنَّار أَن تشتغل بهَا وتشتعل وبالهدم أَن ينْقل عَنْهَا معاوله

стр. 606

وينتقل ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيةٍ﴾ أَو تنظر إِلَّا طلولا على عروشها خاوية وعراصا من سكانها خَالِيَة قد بقيت عِبْرَة للعابر وذكرى للذاكر وموعظة سارة للْمُسلمِ مرغمة للْكَافِرِ ثمَّ عدنا بَقِيَّة يَوْم السبت إِلَى الْملك خذله الله تَعَالَى راجين أَن يحملهُ الثكل على الْإِقْدَام ويخرجه حر النَّار إِلَى مقَام الانتقام فَإِذا شَيْطَانه قد نصحه وَقتل أَصْحَابه قد جرحه فبِتْنا عَلَيْهِ والألسنة بقراره تعيره واستتاره يقرعه ويقَرِّره واصبحنا يَوْم الْأَحَد ثَانِي شهر ربيع الآخر وَالْكَسْب قد أثقل الْمُقَاتلَة وَنصر الله قد بلغ الْغَايَة المستأصلة ورحلنا والسلامة لصغير عسكرنا وكبيره شَامِلَة والعدو قد غزى فِي عُقره وعُقر وأذل فِي دَار ملكه واحتقر ووصلنا إِلَى مُسْتَقر سلطاننا فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور فَاسْتقْبلنَا من مَوْلَانَا صلوَات الله عَلَيْهِ وتشريفه واستقلال ركابه ومشافهتنا بمقبول دُعَائِهِ الشريف ومحابه مَا عظمت بِهِ النعم وجلّت وزالت بِهِ وعثاء الطَّرِيق وتجلّت وجادتها سَمَاء إنعامه الَّتِي لم تزل تجودنا واستهلت قلت وَمن قصيدة لعمارة فِي مدح صَلَاح الدّين أَولهَا (فؤاد بِنَار الشوق والوجد محرق ...) يَقُول فِيهَا (لَعَلَّ بني أَيُّوب إِن علمُوا بِمَا ... تظلمت مِنْهُ أَن يرقوا ويشفقوا) (غزوا عُقر دَار الْمُشْركين بغزةٍ ... جهاراً وطرف الشّرك خزيان مطرق)

стр. 607

(وزاروا مصلّى عسقلان بأرعن ... يفِيض إِنَاء الْبر مِنْهُ ويفهق) (وَكَانَت على مَا شَاهد النَّاس قبلكُمْ ... طرائق من شوك القنا لَيْسَ تُطرق) (وَمَا عصمتهم مِنْك إِلَّا معاقل ... تأنوا على تحصينها وتأنقوا) (جلبت لَهُم من سُورَة الْحَرْب مَا التقى ... بوادره سور عَلَيْهِم وَخَنْدَق) (وأخربت من أَعْمَالهم كل عَامر ... يمر بِهِ طيف الخيال فَيُفَرق) (أضفت إِلَى أجر الْجِهَاد زِيَارَة الْخَلِيل ... فأبشر أَنْت غازٍ مُوفق) (وهيجت للبيت المقدّس لوعة ... يطول بهَا مِنْهُ إِلَيْك التشوق) (تَنْشَق من ملقاك أعطر نفحة ... تطيب على قلب الْهدى حِين تَنْشَق) (وغزوك هَذَا سُلم نَحْو فَتحه ... قَرِيبا وَإِلَّا رائد ومطرق) (هُوَ الْبَيْت إِن تفتحه وَالله فَاعل ... فَمَا بعده بَاب من الشَّام مغلق) ثمَّ دخلت سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة واستفتحها صَلَاح الدّين رَحمَه الله تَعَالَى بِإِقَامَة الْخطْبَة فِي الْجُمُعَة الأولى مِنْهَا بِمصْر لبني الْعَبَّاس وَفِي الْجُمُعَة الثَّانِيَة خطب لَهُم بِالْقَاهِرَةِ وَانْقطع ذكر خلفاء مصر مِنْهَا وَتُوفِّي العاضد يَوْم عَاشُورَاء بِالْقصرِ وَانْقَضَت تِلْكَ الدولة بانتهاء مَا دَامَ لَهَا من الْعَصْر

стр. 608

وَذكر الْعِمَاد أَيْضا فِي أَخْبَار سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين كَمَا سَيَأْتِي أنّ الَّذِي خطب بِمصْر لبني الْعَبَّاس أَولا هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المحسن بن الْحُسَيْن بن أبي المضاء البعلبكي وَذكر ذَلِك أَيْضا ابْن الدبيثي فِي تَارِيخه وَقد أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي الْفَاضِل فِي كتاب لَهُ إِلَى وَزِير بَغْدَاد سَيَأْتِي ذكره وَقَالَ ابْن الْأَثِير كَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب لما ثبتَتْ قدمه فِي مصر وَزَالَ المخالفون لَهُ وَضعف أَمر العاضد وَهُوَ الْخَلِيفَة بهَا وَلم يبْق من العساكر المصرية أحد كتب إِلَيْهِ الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود يَأْمُرهُ بِقطع الْخطْبَة العاضدية وَإِقَامَة الْخطْبَة العباسية فَاعْتَذر صَلَاح الدّين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الْإِجَابَة إِلَى ذَلِك لميلهم إِلَى العلويين فَلم يصغ نور الدّين إِلَى قَوْله وَأرْسل إِلَيْهِ يلْزمه بذلك إلزاما لَا فسحة لَهُ فِيهِ وَاتفقَ أَن العاضد مرض وَكَانَ صَلَاح الدّين قد عزم على قطع الْخطْبَة لَهُ فَاسْتَشَارَ الْأُمَرَاء كَيفَ يكون الِابْتِدَاء بِالْخطْبَةِ العباسية فَمنهمْ من أقدم على المساعدة وَأَشَارَ بهَا وَمِنْهُم من خَافَ ذَلِك إِلَّا أَنه لم يُمكنهُ إِلَّا امْتِثَال أَمر نور الدّين وَكَانَ قد دخل إِلَى مصر إِنْسَان أعجمي يعرف بالأمير

стр. 609

الْعَالم وَقد رَأَيْنَاهُ بالموصل كثيرا فَلَمَّا رأى مَا هم فِيهِ من الإحجام قَالَ أَنا ابتدئ بهَا فَلَمَّا كَانَ أول جُمُعَة من الْمحرم صعد الْمِنْبَر قبل الْخَطِيب ودعا للمستضيء بِأَمْر الله فَلم يُنكر أحد ذَلِك عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ الْجُمُعَة الثَّانِيَة أَمر صَلَاح الدّين الخطباء بِمصْر والقاهرة بِقطع خطْبَة العاضد وَإِقَامَة الْخطْبَة للمستضيء بِأَمْر الله فَفَعَلُوا ذَلِك وَلم ينتطح فِيهَا عنزان وَكتب بذلك إِلَى سَائِر الديار المصرية وَكَانَ العاضد قد اشْتَدَّ مَرضه فَلم يُعلمهُ أَهله وَأَصْحَابه بذلك وَقَالُوا إِن سلم فَهُوَ يعلم وَإِن توفّي فَلَا يَنْبَغِي أَن ننغص عَلَيْهِ هَذِه الْأَيَّام الَّتِي قد بقيت من أَجله فَتوفي يَوْم عَاشُورَاء وَلم يعلم قَالَ وَلما توفّي جلس صَلَاح الدّين للعزاء وَاسْتولى على قصره وعَلى جَمِيع مَا فِيهِ وَكَانَ قد رتب فِيهِ قبل وَفَاة العاضد بهاء الدّين قراقوش وَهُوَ خصيُّ لحفظه وَجعله كأستاذ دَار العاضد فحفظ مَا فِيهِ حَتَّى تسلمه صَلَاح الدّين وَنقل أهل العاضد إِلَى مَكَان مُنْفَرد ووكل بحفظهم وَجعل أَوْلَاده وعمومته وأبناءهم فِي الإيوان فِي الْقصر وَجعل عِنْدهم من يحفظهم وَأخرج من كَانَ بِالْقصرِ من العبيد وَالْإِمَاء فَأعتق الْبَعْض ووهب الْبَعْض وَبَاعَ الْبَعْض وأخلى الْقصر من أَهله وسكانه فسبحان من لايزول

стр. 610

ملكه وَلَا يُغَيِّرهُ ممر الْأَيَّام وتعاقب الدهور قَالَ وَلما أَشْتَدّ مرض العاضد أرسل يَسْتَدْعِي صَلَاح الدّين فَظن أَن ذَلِك خديعة فَلم يمض إِلَيْهِ فَلَمَّا توفّي علم صدقه فندم على تخلفه عَنهُ قلت أَخْبرنِي الْأَمِير أَبُو الْفتُوح بن العاضد وَقد اجْتمعت بِهِ وَهُوَ مَحْبُوس مُقَيّد سنة ثَمَان وَعشْرين وست مئة بقلعة الْجَبَل بِمصْر أَن أَبَاهُ فِي مَرضه استدعى صَلَاح الدّين فَحَضَرَ قَالَ وأحضرنا يَعْنِي أَوْلَاده وهم جمَاعَة صغَار فَأَوْصَاهُ بِنَا فالتزم إكرامنا واحترامنا ﵀ وَأما ندمُ صَلَاح الدّين فبلغني أَنه كَانَ على استعجاله بِقطع خطبَته وَهُوَ مَرِيض وَقَالَ لَو علمت أَنه يَمُوت من هَذَا الْمَرَض مَا قطعتها إِلَى أَن يَمُوت قَالَ الْعِمَاد وَجلسَ السُّلْطَان للعزاء وَأغْرب فِي الْحزن والبكاء وَبلغ الْغَايَة فِي إِجْمَال أمره والتوديع لَهُ إِلَى قَبره ثمَّ تسلم الْقصر بِمَا فِيهِ من خزائنه ودفائنه وَكَانَ مذ نَافق مؤتمن الْخلَافَة وَقتل صُرف مَنْ هُوَ زِمَام الْقصر وعُزل ووكل بهاء الدّين قراقوش بِالْقصرِ وَجعله زمامه واستنابه مقَام نَفسه وأقامه فَمَا دخل إِلَى الْقصر شَيْء وَلَا خرج إِلَّا بمرأى مِنْهُ

стр. 611

ومسمع وَلَا حصل أهل الْقصر بعد ذَلِك على صفو مشرع فَلَمَّا توفّي العاضد بطلت تِلْكَ الْقَوَاعِد ووهت المقاعد وَأمر السُّلْطَان بِالِاحْتِيَاطِ على أَهله وَأَوْلَاده فِي مَوضِع خَارج الْقصر جعله برسمهم على الِانْفِرَاد وَقرر مَا يكون لَهُم برسم الكسوات والأقوات والأزواد قلت أَخْبرنِي أَبُو الْفتُوح أَنه جعلهم فِي دَار برجوان فِي الحارة المنسوبة إِلَيْهِ بِالْقَاهِرَةِ وَهِي دَار كَبِيرَة وَاسِعَة كَانَ عيشهم فِيهَا طيبا ثمَّ نقلوا بعد الدولة الصلاحية مِنْهَا وأبعدوا عَنْهَا قَالَ الْعِمَاد وهم إِلَى الْيَوْم فِي حفظ قراقوش واحتياطه واستظهاره يكلؤهم ويحرسهم بِعَين حزمه فِي ليله ونهاره وَجمع البَاقِينَ من عمومتهم وعترتهم من الْقصر فِي إيوَان وَاحْترز عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْمَكَان بِكُل إِمْكَان وَأبْعد عَنْهُم النِّسَاء لِئَلَّا يتناسلوا فيكثروا وهم إِلَى الْآن محصورون محسورون لم يظهروا وَقد نقص عَددهمْ وقلص مددهم ثمَّ عرض من بِالْقصرِ من الْجَوَارِي وَالْعَبِيد والعدّة والعديد والطريف والتليد فَوجدَ أكثرهن حرائر فأطلقهن وَجمع الْبَاقِيَات فوهبهن وفرقهن وأخلى دوره وأغلق قصوره وسلّط جوده على الْمَوْجُود وأبطل الْوَزْن وَالْعد عَن الْمَوْزُون والمعدود وَأخذ كل مَا صلح لَهُ ولأهله ولأمرائه وخواص مماليكه وأوليائه من أخاير الذَّخَائِر وزواهر الْجَوَاهِر ونفائس

стр. 612

الملابس ومحاسن العرائس وقلائد الفرائد والدّرة الْيَتِيمَة والياقوتة الْعَالِيَة الغالية الْقيمَة والمصوغات التبريّة والمصنوعات العنبرية والأواني الفضية والصواني الصينية والمنسوجات المغربية والممزوجات الذهبية والمحوكات النضارية والكرائم واليتائم والعوذ والتمائم والعقود والنقود والمنظوم والمنضود والمحلول والمشدود والمنعوت والمنحوت والدر والياقوت والحلي والوشي والعبير والحبير والوثير والنثير والعيني واللجيني والبسط والفرش وَمَا لايعد إحصاء وَلَا يحد استقصاء فَوَقع فِيهَا الفناء وكشف عَنْهَا الغطاء وأسرف فِيهَا الْعَطاء وَأطلق البيع بعد ذَلِك فِي كل جَدِيد وعتيق ولبيس وسحيق وبال وأسمال ورخيص وغال وكل مَنْقُول ومحمول ومصنوع ومعمول وَاسْتمرّ البيع فِيهَا مُدَّة عشر سِنِين وتنقلت إِلَى الْبِلَاد بأيدي الْمُسَافِرين الواردين والصادرين ونقلت من ديوَان الْعِمَاد بِخَطِّهِ قَالَ وَلما وصل الْخَبَر بِمَوْت العاضد الَّذِي كَانَ بِمصْر فِي الْقصر موسوماً بِالْأَمر فِي لَيْلَة عَاشُورَاء سنة سبع وَسِتِّينَ بعد الْخطْبَة بهَا للمستضيء بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ عملت هَذِه الأبيات فَذكر قصيدة مِنْهَا (توفّي العاضد الدّعي فَمَا ... يفتح ذُو بدعةٍ بِمصْر فَمَا) (وعصر فرعونها انْقَضى وَغدا ... يوسُفها فِي الْأُمُور محتكما)

стр. 613

(وانطفأت جَمْرَة الغواة وَقد ... باخ من الشّرك كل مَا اضطرما) (وَصَارَ شَمل الصّلاح ملتئما ... بهَا وَعقد السداد منتظما) (لما غَدا مُعْلنا شعار بني الْعَبَّاس ... حَقًا وَالْبَاطِل اكتتما) (وَبَات دَاعِي التَّوْحِيد منتصرا ... وَمن دُعاة الْإِشْرَاك منتقما) (وظلّ أهل الضلال فِي ظلل ... داجية من غيابة وعمى) (وارتبك الجاهلون فِي ظلم ... لما أَضَاءَت مَنَابِر العُلما) (وَعَاد بالمستضيء ممتهدا ... بناءُ حق قد كَانَ منهدما) (واعتلت الدولة الَّتِي اضطهدت ... وانتصر الدّين بَعْدَمَا اهتضما) (واهتز عطف الْإِسْلَام من جذل ... وافتر ثغر الْإِيمَان وابتسما) (واستبشرت أوجه الْهدى فَرحا ... فليقرع الكُفر سِنّهُ ندما) (عَاد حَرِيم الْأَعْدَاء منهتك الْحمى ... وفيء الطغاة مقتسما) (قُصُور أهل الْقُصُور أخربها ... عَامر بَيت من الْكَمَال سما) (أزعج بعد السّكُون ساكنها ... وَمَات ذلا وَأَنْفه رُغما) وَمن كتاب فاضلي عَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِلَى وَزِير بَغْدَاد على يَد الْخَطِيب شمس الدّين بن أبي المضاء فِي بعض السنين كتب الْخَادِم هَذِه الْخدمَة من مستقره وَدين الْوَلَاء مَشْرُوع وَعلم الْجِهَاد مَرْفُوع وسؤدد السوَاد متبوع وَحكم السداد بَين الْأمة مَوْضُوع وَسبب الْفساد مَقْطُوع

стр. 614

مَمْنُوع وَقد توالت الْفتُوح غرباً ويمناً وشآما وَصَارَت الْبِلَاد بل الدُّنْيَا والشهر بل الدَّهْر حرما حَرَامًا وأضحى الدّين وَاحِدًا بَعْدَمَا كَانَ أديانا والخلافة إِذا ذكر بهَا أهل الْخلاف لم يخروا عَلَيْهَا صُمَّاً وعُميانا والبدعة خاشعة وَالْجُمُعَة جَامِعَة والمذلة فِي شيع الضلال شائعة ذَلِك بِأَنَّهُم أتخذوا عباد الله من دونه أَوْلِيَاء وَسموا أَعدَاء الله أصفياء وتقطعوا أَمرهم بَينهم شيعًا وَفرقُوا أَمر الْأمة وَكَانَ مجتمعا وكذبوا بالنَّار فعجلت لَهُم نَار الحتوف وَنَثَرت أَقْلَام الظبى حُرُوف رؤوسهم نثر الأقلام للحروف ومزقوا كل ممزق وَأخذ مِنْهُم كل مخنق وَقطع دابرهم وَوعظ آتيهم غابرهم ورغمت أنوفهم ومنابرهم وحقت عَلَيْهِم الْكَلِمَة تشريدا وقتلا وتمَّت كَلِمَات رَبِّكَ صِدْقا وَعَدْلاً وَلَيْسَ السَّيْف عَمَّن سواهُم من كفار الفرنج بصائم وَلَا اللَّيْل عَن سير إِلَيْهِم بنائم وَلَا خَفَاء عَن الْمجْلس الصاحبي أَن من شدّ عقد خلَافَة وحلّ عقد خلاف وَقَامَ بدولة وَقعد بِأُخْرَى قد عجز عَنْهَا الأخلاف والأسلاف فَإِنَّهُ مفتقر إِلَى أَن يُشكر مَا نصح ويُقلَّد مَا فتح ويبَّلغ مَا أقترح وَيقدم حَقه وَلَا يطرَّح وَيقرب مَكَانَهُ وَإِن نزح وتأتيه التشريفات الشَّرِيفَة وتتواصل إِلَيْهِ أَمْدَاد التقويات الجليلة اللطيفة وتُلَّبى دَعوته بِمَا أَقَامَ من دَعْوَة وتوصل غزوته بِمَا وصل من غَزْوَة وترفع دونه الْحجب المعترضة وَترسل إِلَيْهِ السحب المروضة فَكل ذَلِك تعود عوائده وتبدو فَوَائده بالدولة الَّتِي كشف وَجهه لنصرها وجرد سَيْفه لرفع منارها وَالْقِيَام بأمرها وَقد أَتَى الْبيُوت من أَبْوَابهَا وَطلب النجعة من سحابها ووعد آماله الواثقة بِجَوَاب كتابها وأنهض لإيصال ملطفاته وتنجز تشريفاته خطيب الخطباء بِمصْر وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ لصعود دَرَجَة الْمِنْبَر وَقَامَ بِالْأَمر

стр. 615

قيام من برّ واستفتح بلباس السوَاد الْأَعْظَم الَّذِي جمع الله عَلَيْهِ السوَاد الْأَعْظَم أملا أَنه يعود إِلَيْهِ بِمَا يطوي الرَّجَاء فضل عقبه ويخلد الشّرف فِي عقبه ولصاحبنا مجد الدّين مُحَمَّد بن الظهير الإربلي من قصيدة فِي مدح بعض ذُرِّيَّة السُّلْطَان رَحمَه الله تَعَالَى (مليك من الْقَوْم الَّذين رماحهم ... دعائم هَذَا الدّين فِي كل مشْهد) (هم نصروا التَّوْحِيد نصرا مؤزرا ... بِهِ عزّ فِي الْآفَاق كلّ موحد) (وهم قهروا غُلب الفرنج ببأسهم ... فدانوا لَهُم بالرغم لَا عَن تودد) (وردوا إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس نُوره ... وَقد كَانَ فِي ليل من الشّرك أسود) (وهم سهلوا سبل الحجيج وآمنوا ... بهَا الركب خوف الْكَافِر المتشدد) (وَقد ركبت فرسانه بَحر أَيْلَة ... يَخُوضُونَ فِي بَحر من الكيد مُزبد) (وهم رجعُوا مصرا إِلَى دَعْوَة الْهدى ... بعزمٍ وَرَأى فِي العظائم محصد) (وهم شيّدوا ركن الْخلَافَة بالذّي ... أعادوه من حقّ طريفٍ ومتلد)

стр. 616

(وهم شرفوا قدر المنابر باسمها ... وَذكر مَنُوط بالرسول ممجد) (وهم وهبوا غر الممالك واكتفوا ... بسُمر العوالي والْعَلَاء المشيد) (فَسَل عَن ظباهم يَوْم حطين كم قَضَت ... بمرّ مُرَاد الله فِي كل أّصيد) (وَضّعَّفْ حَدِيث الْعدْل والبأس والندى ... إِذا كَانَ عنْ أيامهم غَير مُسند) وَقَالَ ابْن أبي طيّ الْحلَبِي قد قدمنَا ذكر مُكَاتبَة نور الدّين ﵀ وإلحاحه على صَلَاح الدّين فِي إِقَامَة الْخطْبَة بِمصْر للعباسيين وَأَنه أنفذ إِلَيْهِ أَبَاهُ الْأَمِير نجم الدّين أَيُّوب لأجل ذَلِك لما كتب الْخَلِيفَة المستنجد إِلَى نور الدّين فِي ذَلِك وَلما ولي ابْنه المستضيء أقبل أَيْضا على مُكَاتبَة نور الدّين فِيهِ وألح نور الدّين على صَلَاح الدّين فِي طلبه وأفضى بِهِ الْأَمر إِلَى أَنه اتهمَ صَلَاح الدّين وشنع عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ وَأكْثر القَوْل فِي ذَلِك وَلما قدم الْأَمِير نجم الدّين حداه على فعل ذَلِك فَاعْتَذر إِلَيْهِ بِأَن أَحْوَاله لم تَسْتَقِر بعد وأموره مضطربة وأعداؤه كَثِيرُونَ وَأَن المصريين لَهُم جمَاعَة كَبِيرَة مُتَفَرِّقَة فِي بِلَاد مصر من السودَان وَغَيرهم وَأَن هَذَا الْأَمر وَإِن لم يُؤْخَذ على التدريج وإلاَّ فَسدتْ أَحْوَاله فَلَمَّا أوقع السُّلْطَان الْملك النَّاصِر بالسودان والأرمن ونكب أُمَرَاء المصريين وَقطع أخبارهم وَنزل أجناده فِي دُورهمْ ثمَّ قطع إقطاع العاضد وَقبض جَمِيع مَا كَانَ بِيَدِهِ من الْبِلَاد وَاسْتولى على الْقُصُور ووكل بهَا وبمن فِيهَا قراقوش الْخَادِم وخلت لَهُ بِلَاد مصر من معاند ومنابذ ثمَّ شرع وأبطل من الْأَذَان حيّ على

стр. 617

خير الْعَمَل وَأنكر على من يتسم بمذهبهم الانتساب إِلَيْهِم فَلَمَّا رأى أُمُوره مواتية وأعداؤه قَلِيلُونَ شرع حِينَئِذٍ فِي الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس وَلما عول على ذَلِك أَمر وَالِده الْأَمِير نجم الدّين بالنزول إِلَى الْجَامِع فِي جمَاعَة من أَصْحَابه وأمراء دولته وَذَلِكَ فِي أول جُمُعَة من السّنة وَأمره أَن يحضر الْخَطِيب إِلَيْهِ ويأمره بِمَا يختاره وَإِنَّمَا فعل الْملك النَّاصِر ذَلِك ووكل الْأَمر إِلَى غَيره استظهارا وخوفا من فادحة رُبمَا طرأت أَو عَدو رُبمَا ثار فَيكون هُوَ معتذرا من ذَلِك وَلما حصل نجم الدّين بالجامع أحضر الْخَطِيب وَقَالَ لَهُ إِن ذكرت هَذَا الْمُقِيم بِالْقصرِ ضربت عُنُقك فَقَالَ فَلِمَنْ أَخطب قَالَ للمستضيء العباسي فَلَمَّا صعد الْمِنْبَر وخطب وَوصل إِلَى ذكر العاضد لم يذكر أحدا لكنه دَعَا للأئمة المهديين وللسلطان الْملك النَّاصِر وَنزل فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ مَا علمت اسْم المستضيء وَلَا نعوته وَلَا تقرر معي فِي ذَلِك شَيْء قبل الْجُمُعَة وَفِي الْجُمُعَة الثَّانِيَة أفعل إِن شَاءَ الله مَا يجب فعله فِي تَحْرِير الِاسْم والألقاب على جاري الْعَادة فِي مثل ذَلِك قَالَ وَقيل إِن العاضد لما اتَّصل بِهِ مَا فُعل من قطع اسْمه من الْخطْبَة قَالَ لمن خُطب قيل لَهُ لم يخْطب لأحد مُسَمّى قَالَ فِي الْجُمُعَة الْأُخْرَى يخطبون لرجل مُسَمّى وَاتفقَ أَنه مَاتَ قبل الْجُمُعَة الثَّانِيَة قيل إِنَّه أفكر وَاسْتولى عَلَيْهِ الْفِكر والهم حَتَّى مَاتَ وَقيل إِنَّه لما سمع أَنه قطعت خطبَته اهتم وَقَامَ ليدْخل إِلَى دَاره فعثر وَسقط فَأَقَامَ متعللاَ خَمْسَة أَيَّام وَمَات وَقيل إِنَّه امتص فص خَاتمه وَكَانَ تَحْتَهُ سم فَمَاتَ

стр. 618

وَلما أتصل مَوته بِالْملكِ النَّاصِر قَالَ لَو علمنَا أَنه يَمُوت فِي هَذِه الْجُمُعَة مَا غصصناه بِرَفْع اسْمه من الْخطْبَة فحُكي أَن القَاضِي الْفَاضِل قَالَ للسُّلْطَان لَو علم أَنكُمْ مَا ترفعون اسْمه من الْخطْبَة لم يمت أَشَارَ إِلَى أَن العاضد قتل نَفسه وَكَانَ مَوته يَوْم عَاشُورَاء قَالَ وَحكى ابْن المارستانية فِي سيرة ابْن هُبَيْرَة الْوَزير قَالَ إِنَّه من عَجِيب مَا جرى فِي أَمر المصريين أَنه رأى إِنْسَان من أهل بَغْدَاد فِي سنة خمس وَخمسين وَخمْس مئة كَأَن قمرين أَحدهمَا أنور من الآخر والأنور مِنْهُمَا مُسامت للْقبْلَة وَله لحية سَوْدَاء فِيهَا طول ويهب أدنى نسيم فيحركها وَأثر حركتها وظلها فِي الأَرْض وَكَانَ الرجل يتعجب من ذَلِك وَكَأَنَّهُ سمع أصوات جمَاعَة يقرؤون بألحان وأصوات لم يسمع قطّ مثلهَا وَكَأَنَّهُ سَأَلَ بعض من حضر فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالُوا قد استبدل النَّاس بإمامهم قَالَ وَكَانَ الرجل قد اسْتقْبل الْقبْلَة وَهُوَ يَدْعُو الله أَن يَجعله إِمَامًا برَّا تقياً واستيقظ الرجل وَبلغ هَذَا الْمَنَام ابْن هُبَيْرَة الْوَزير إِذْ ذَاك بِبَغْدَاد فَعبر الْمَنَام بِأَن الإِمَام الَّذِي بِمصْر يسْتَبْدل بِهِ وَتَكون الدعْوَة لبني

стр. 619

الْعَبَّاس لمَكَان اللِّحْيَة السَّوْدَاء وقوى هَذَا عِنْده حَتَّى كَاتب نور الدّين حِين دخل أَسد الدّين إِلَى مصر فِي أول مرّة بِأَنَّهُ يظفر بِمصْر وَتَكون الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس بهَا على يَده وقيلت فِي ذَلِك الزَّمَان أشعار فِي هَذَا مِنْهَا قصيدة شمس الْمَعَالِي أبي الْفَضَائِل الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن ترْكَان وَكَانَ صَاحب ابْن هُبَيْرَة قَالَهَا حِين سمع تَأْوِيله الْمَنَام (لتهنك يَا مولى الْأَنَام بِشَارَة ... بهَا سيف دين الله بِالْحَقِّ مرهف) (ضربت بهَا هام الأعادي بهمة ... تقاصر عَنْهَا السمهري المثقف) (بعثت إِلَى شَرق الْبِلَاد وغربها ... بعوثا من الآراء تحيي وتتلف) (فَقَامَتْ مقَام السَّيْف وَالسيف قاطر ... ونابت مناب الرمْح وَالرمْح يرعف) (وقدت لَهَا جَيْشًا من الروع هائلا ... إِلَى كل قلب من عداتك يزحف)

стр. 620

(ملكت بِهِ أقْصَى المغارب عنْوَة ... وكادت بِمن فِيهَا الْمَشَارِق ترجف) (لِيَهنك يَا مولَايَ تَتَابَعَت ... إِلَيْك بِهِ خوص الركائب توجف) (أخذت بِهِ مصرا وَقد حَال دونهَا ... من الشّرك بَأْس فِي لهى الْحق يقذف) (وَقد دنست مِنْهَا المنابر عصبَة ... يعاف التقي وَالدّين مِنْهُم ويأنف) (فطهرّها من كل شرك وبدعة ... أغر غرير بالمكارم يشغف) (فَعَادَت بِحَمْد الله باسم إمامنا ... تتيه على كل الْبِلَاد وتشرف) (وَلَا غرو أَن دَانَتْ ليوسف مصره ... وَكَانَت إِلَى عليائه تتشوف) (تَملكهَا من قَبْضَة الْكفْر يُوسُف ... وخلصها من عصبَة الرَّفْض يُوسُف) قَالَ يحيى بن أبي طيّ يُرِيد بِيُوسُف الأول يُوسُف الصّديق النَّبِي ﷺ وبيوسف الثَّانِي المستنجد بِاللَّه الْخَلِيفَة يَوْمئِذٍ وَقَالَهُ على سَبِيل الفأل أَلا ترَاهُ قَالَ بعد هَذَا الْبَيْت (فشابهته خلقا وخلقا وعفة ... وكل عَن الرَّحْمَن فِي الأَرْض يخلف) وَجرى الفأل فِي الْبَيْت باسم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب لِأَن المستنجد مَاتَ قبل تَغْيِير الْخطْبَة لبني الْعَبَّاس وَهَذَا من عَجِيب الِاتِّفَاق

стр. 621

قلت وَذكر ابْن المارستانية فِي السِّيرَة الْمَذْكُورَة قَالَ وَكَانَ هَذَا الْمَنَام سَببا إِلَى أَن كَاتب الْوَزير ابْن هُبَيْرَة نور الدّين بن زنكي يحثه على التَّعَرُّض لمصر والبعث إِلَيْهَا وَاتفقَ فِي اثناء ذَلِك نوبَة شاور وَزِير صَاحب الْقصر وقدومه هَارِبا مِنْهُ إِلَى نور الدّين فحرك ذَلِك مَا كَانَ تخمر فِي نَفسه مِمَّا كَانَ كَاتبه بِهِ ابْن هُبَيْرَة فاستطلع من شاور الْأَسْبَاب الَّتِي يُمكن بهَا الدُّخُول على المصريين فشرحها وأوضحها فسير إِلَيْهَا أَسد الدّين كَمَا سبق ذكره قَالَ وَلما قطعت خطْبَة العاضد استطال أهل السّنة على الإسماعيلية وتتبعوهم وأذلوهم وصاروا لَا يقدرُونَ على الظُّهُور من دروهم وَإِذا وجد أحد من الأتراك مصريا أَخذ ثِيَابه وعظمت الأذية بذلك وجلا أَكثر أهل مصر عَنْهَا إِلَى الْبِلَاد وَفَرح النَّاس بذلك وكتبت الْكتب بِهِ إِلَى الأقطار وتحدث بِهِ السُّمار وَلما وصل خبر ذَلِك إِلَى نور الدّين ندب للبشارة بِهِ إِلَى بَغْدَاد شهَاب الدّين أَبَا الْمَعَالِي المطّهر بن أبي عصرون وَكتب مَعَه نُسْخَة بِشَارَة تقْرَأ بِكُل مَدِينَة يمر بهَا يَقُول فِيهَا اصدرنا هَذِه الْمُكَاتبَة إِلَى جَمِيع الْبِلَاد الإسلامية عَامَّة بِمَا فتح الله على أَيْدِينَا رتاجه وأوضح لنا منهاجه وَهُوَ مَا اعتمدناه من إِقَامَة الدعْوَة الهادية العباسية بِجَمِيعِ المدن والبلاد والأقطار والأمصار المصرية والإسكندرية ومصر والقاهرة وَسَائِر الْأَطْرَاف الدانية والقاصية

стр. 622

والبادية والحاضرة وانتهت إِلَى الْقَرِيب والبعيد وَإِلَى قوص وأسوان بأقصى الصَّعِيد وَهَذَا شرف لزماننا هَذَا وَأَهله يفتخر بِهِ على الْأَزْمِنَة الَّتِي مَضَت من قبله وَمَا بَرحت هممنا إِلَى مصر مصروفة وعَلى افتتاحها مَوْقُوفَة وعزائمنا فِي إِقَامَة الدعْوَة الهادية بهَا مَاضِيَة والأقدار فِي الْأَزَل بِقَضَاء آرابنا ونجاز مواعدنا قاضية حَتَّى ظفرنا بهَا بعد يأس الْمُلُوك مِنْهَا وقدرنا عَلَيْهَا وَقد عجزوا عَنْهَا وطالما مرت عَلَيْهَا الحقب الخوالي وآبت دونهَا الْأَيَّام والليالي وَبقيت مئتين وَثَمَانِينَ سنة ممنوَّة بدعوة المبطلين مملوَّة بحزب الشَّيَاطِين سابغة ظلالها للضلال مقفرة الْمحل إِلَّا من الْمحَال مفتقرة إِلَى نصْرَة من الله تَملكهَا ونظرة ستدركها رَافِعَة يَدهَا فِي إشكائها متظلمة إِلَيْهِ ليكفل بإعدائها على أعدائها حَتَّى أذن الله لغُمتها بالانفراج ولعلتها بالعلاج وسبَّب قصد الفرنج لَهَا وتوجههم إِلَيْهَا طَمَعا فِي الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا وَاجْتمعَ داءان الْكفْر والبدعة وَكِلَاهُمَا شَدِيد الروعة فملكنا الله تِلْكَ الْبِلَاد ومكنّ لنا فِي الأَرْض وأقدرنا على مَا كُنَّا نؤمله فِي إِزَالَة الالحاد والرفض من إِقَامَة الْفَرْض وتقدمنا إِلَى من استنَبنْاه أَن يستفتح بَاب السَّعَادَة ويستنجح مَا لنا من الْإِرَادَة وَيُقِيم الدعْوَة الهادية العباسية هُنَالك ويورد الأدعياء ودعاة الْإِلْحَاد بهَا المهالك وَهُوَ كتاب طَوِيل اخْتَرْت مِنْهُ الْغَرَض وَهُوَ هَذَا

стр. 623

قَالَ وَسَار شهَاب الدّين بن أبي عصرون إِلَى جِهَة بَغْدَاد وَلم يتْرك مَدِينَة إِلَّا دَخلهَا بِهَذِهِ الْبشَارَة الجليلة الْقدر وَقَرَأَ فِيهَا هَذَا المنشور الْعَظِيم الْخطر وَالذكر حَتَّى وصل إِلَى بَغْدَاد فَخرج الموكب إِلَى تلقيه وَجَمِيع أهل بَغْدَاد مكرمين لخطير وُرُوده معظمين لجليل موروده وَنَثَرت عَلَيْهِ دَنَانِير الإنعام وحُبى بِكُل إِحْسَان وإكرام وَأرْسلت التشريفات إِلَى نور الدّين وَصَلَاح الدّين كَمَا سَيَأْتِي ذكره وَقَالَ الْعِمَاد كَانَ صَلَاح الدّين لَا يخرج عَن أَمر نور الدّين وَيعْمل لَهُ عمل القوى الْأمين وَيرجع فِي جَمِيع مَصَالِحه إِلَى رَأْيه المتين وَقد كَانَ كَاتبه نور الدّين فِي شَوَّال سنة سِتّ وَسِتِّينَ بتغيير الْخطْبَة وتذليل أمورها الصعبة وافتراع بكر هَذِه الْقَضِيَّة وَفرع الرُّتْبَة وأيقن أَن أمره متبوع وَقَوله مسموع وَحكمه مَشْرُوع ونطقت بذلك قبل التَّمام ألسُن الْخَواص والعوام فسيَّر نور الدّين شهَاب الدّين بن أَبَا الْمَعَالِي المطهر بن الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون بِهَذِهِ الْبشَارَة وإشاعة مَا تقدم لَهُ بهَا من الإشاعة وَأَمرَنِي بإنشاء بِشَارَة عَامَّة تقْرَأ فِي سَائِر بِلَاد الْإِسْلَام وَبشَارَة خَاصَّة للديوان الْعَزِيز بِحَضْرَة الإِمَام فِي مَدِينَة السَّلَام ثمَّ ذكر نُسْخَة الْكِتَابَيْنِ ثمَّ قَالَ ونظمت قصيدة مُشْتَمِلَة على الْخطْبَة بِمصْر أَولهَا

стр. 624

(قد خَطَبنَا للمستضيء بِمصْر ... نَائِب الْمُصْطَفى إِمَام الْعَصْر) (وخذلنا لنصرة الْعَضُد العاضد ... والقاصر الَّذِي بِالْقصرِ) أَرَادَ بالعضد وَزِير بَغْدَاد عضد الدّين بن رَئِيس الرؤساء قَالَ الْعِمَاد فِي كتاب الخريدة قصدت بالعضد والعاضد المجانسة ونصرة وزيرالخليفة كنصرته ثمَّ قَالَ (وأشعْنا بهَا شعار بني الْعَبَّاس ... فاستبشرت وُجُوه النَّصْر) (وَتَركنَا الدَّعي يَدْعُو ثبورا ... وَهُوَ بالذل تَحت حجر وَحصر) (وتباهت مَنَابِر الدّين بِالْخطْبَةِ ... للهاشمي فِي أَرض مصر) (ولدينا تضاعفت نعم الله ... وجلّت عَن كل عدّ وَحصر) (فاغتدى الدّين ثَابت الرُّكْن فِي مصر ... محوط الْحمى مصون الثغر) (واستنارت عزائم الْملك الْعَادِل ... نور الدّين الْكَرِيم الْأَغَر) (وَبَنُو الْأَصْفَر القوامص مِنْهُ ... بِوُجُوه من المخافة صُفر) (عرف الحقَّ أهل مصر وَكَانُوا ... قبله بَين مُنكر ومقر) (قل لداعي الدعي حَسبك فَالله ... أقرّ الْحُقُوق خير مقرّ) (هُوَ فتح بكر وَدون البرايا ... خصنا الله بافتراع الْبكر) (وحصلنا بِالْحَمْد وَالْأَجْر والنصر ... وَطيب الثنا وَحسن الذّكر) (ونشرنا أعلامنا السود قهرا ... للعدى الرزق بالمنايا الْحمر) (واستعدنا من أدعياء حقوقا ... تدعيّ بَينهم لزيد وَعَمْرو) (وَالَّذِي يَدعِي الْإِمَامَة بِالْقَاهِرَةِ ... انحط فِي حضيض الْقَهْر)

стр. 625

(خانه الدَّهْر فِي مَنَاة ولايطمع ... ذُو اللب فِي وَفَاء الدَّهْر) (مَا يُقَام الإِمَام إِلَّا بِحَق ... مَا تحاز الْحَسْنَاء إِلَّا بِمهْر) (خلفاء الْهدى سراة بني الْعَبَّاس ... والطيبون أهل الطُّهْر) (بهمُ الدّين ظافر مُسْتَقِيم ... ظَاهر قُوَّة قوى الظّهْر) (كشموس الضُّحَى كَمثل بدور التم ... كالسحب كَالنُّجُومِ الزهر) (قد بلغنَا بِالصبرِ كل مُرَاد ... وبلوغ المُرَاد عُقبى الصَّبْر) (لَيْسَ مُثرى الرِّجَال من ملك المَال ... ولكنما أَخُو اللب مثرى) (وَلِهَذَا لم ينْتَفع صَاحب الْقصر ... وَقد شَارف الدُّثُور بدثر) (دَامَ نصر الْهدى بِملك بني الْعَبَّاس ... حَتَّى يقوم يَوْم الْحَشْر) قَالَ الْعِمَاد فِي ديوانه ونقلته من خطه قَالَ وَوصل الْخَبَر بِالْخطْبَةِ فِي الْإسْكَنْدَريَّة يَوْم الْجُمُعَة سَابِع شهر رَمَضَان وَفِي مصر والقاهرة يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشري شهر رَمَضَان لمولانا الإِمَام المستضيء بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وإشاعة شعار بني الْعَبَّاس بهَا فَقلت وَنحن نزُول بجسر الْخشب من دمشق فِي عَاشر شَوَّال وكتبت بهَا إِلَى بَغْدَاد فَذكر هَذِه القصيدة وَقَالَ فِي الْبَرْق وَوصل من دَار الْخلَافَة فِي جَوَاب هَذِه الْبشَارَة عماد الدّين صندل وَهُوَ من أكَابِر الخدم المقتفوية من ذَوي الروية والهمَّة القوية وَتَوَلَّى أستاذية الدَّار العزيزة بعد عزل كَمَال الدّين بن عضد الدّين عَنْهَا فَأكْرم نور الدّين بإرسال مثله إِلَيْهِ وعول فِي هَذَا الْأَمر المهم عَلَيْهِ

стр. 626

وَهُوَ أكْرم رَسُول وصل فأنجح الأمل وَجَاء بالتشريف الشريف لنُور الدّين مكملا مُعظما مُجملا بأهبته السَّوْدَاء العراقية وحلله الموشية وطوقه الثقيل ولوائه الْجَلِيل وَعين يَوْم يحضر فِيهِ الرَّسُول ونصوا على من يحضر فِي مجْلِس نور الدّين وأغفلوا ذكر الْعِمَاد فَطَلَبه نور الدّين لما حَضَرُوا وَقَامَ لقِيَام الرُّسُل لَهُ لما حضر وَقصد أَن يعرفهُمْ مَنْزِلَته عِنْده وناوله الْكتاب ليقرأه قَالَ فتناوله منى الْمُوفق بن القيسراني خَالِد وَكَانَ عِنْده فِي مقَام الْوَزير وَله انبساط زَائِد فداريته وماريته وَتركته يقْرَأ وَأَنا أرد عَلَيْهِ وأرشده فِي التِّلَاوَة إِلَى مَا لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ حَتَّى أنهاه وَأَنا على افتئاته عليّ لَا أنهاه فأعجب نور الدّين صمتي وسمتي وَأحمد مني فضل التأتي واجتاب الأهبة وَلبس الفرجية فَوْقهَا وتقلد مَعَ تقلد السيفين طوقها وَخرج وَركب من دَاخل القلعة وَهُوَ حالٍ بِمَا عَلَيْهِ من الخلعة واللواء منشور والنضار منثور والمركبان الشريفان أَحدهمَا مركوبه وَالْآخر بحليته مجنوبه قَالَ وَسَأَلت عَن معنى تَقْلِيده السيفين واشتماله بالنجادين فَقيل هما للشام ومصر وَالْجمع لَهُ بَين البلادين وَخرج إِلَى ظَاهر دمشق حَتَّى انْتهى إِلَى مُنْتَهى الميدان الْأَخْضَر ثمَّ عَاد شرِيف المفخر جميل المنظر جليل الْمحْضر حميد الْمخبر سعيد المورد والمصدر لبيقاً بالأعظمين السرير والمنبر وَكَانَ وزن الطوق مَعَ أكرته ألف دِينَار من الذَّهَب الْأَحْمَر وحملوا لصلاح الدّين تَشْرِيفًا فَاضلا فائقاً رائعا رائقاً لجماله وكماله لائقاً لَكِن تشريف نور الدّين أميز وَأفضل وأجمل وأكمل فسير تشريفه برمتِهِ إِلَيْهِ بِمصْر ليجتابه وسير أَيْضا

стр. 627

بخلع من عِنْده يكرم بهَا أَصْحَابه ووصلت تِلْكَ الخلعة إِلَيْهِ ولبسها وَأنس من السَّعَادَة الدائمة قبسها وَطَاف بهَا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَجَب وَهِي أول أهبة عباسية دخلت الديار المصرية يَعْنِي بعد اسْتِيلَاء بني عبيد عَلَيْهَا قَالَ وَكَانَت وصلت مَعَ الرُّسُل أَعْلَام وبنود ورايات سود وأُهب عباسية للخطباء فِي الديار المصرية فسيُرّت إِلَى صَلَاح الدّين ففرقها على الْمَسَاجِد والجوامع والخطباء والقضاة وَالْعُلَمَاء وَالْحَمْد لله على مَا أنعم وَأولى ووهب وَأعْطى قَالَ ابْن أبي طيّ وَلما فرغ السُّلْطَان من أَمر الْخطْبَة أَمر بِالْقَبْضِ على الْقُصُور وَجَمِيع مَا فِيهَا من مَال وذخائر وفرش وَسلَاح وَغير ذَلِك فَلم يُوجد من المَال كَبِير أَمر لِأَن شاور كَانَ قد ضيّعه فِي إِعْطَائِهِ الفرنج فِي المرات الَّتِي قدمنَا ذكرهَا وَوجد فِيهَا ذخائر جليلة من ملابس وفرش وخيول وخيام وَكتب وجوهر وَمن عَجِيب مَا وجد فِيهِ قضيب زمرد طوله شبر وكَسْر قِطْعَة وَاحِدَة وَكَانَ سمت حجمه مِقْدَار الْإِبْهَام وَوجد فِيهِ طبل للقولنج وَوجد فِيهِ إبريق عَظِيم من الْحجر الْمَانِع وَوجد فِيهِ سبع مئة يتيمة من الْجَوْهَر فَأَما قضيب الزمرد فَإِن السُّلْطَان أَخذه وأحضر صائغا ليقطعه فَأبى الصَّائِغ قطعه فَرَمَاهُ السُّلْطَان فَانْقَطع ثَلَاث قطع وفرَّقه السُّلطان على نِسَائِهِ وَأما طبل القولنج فَإِنَّهُ وَقع إِلَى بعض الأكراد

стр. 628

فَلم يَدْر مَا هُوَ فَكَسرهُ لِأَنَّهُ ضرب بِهِ فحبق وَأما الأبريق فأنفذه السُّلْطَان إِلَى بَغْدَاد واحتاط السُّلْطَان على أهل العاضد وَأَوْلَاده فِي مَوضِع خَارج الْقصر جعله برسمهم على الِانْفِرَاد وَقرر لَهُم مَا يكفيهم وَجعل أَمرهم إِلَى قراقوش الْخَادِم وفرّق بَين النِّسَاء وَالرِّجَال ليَكُون ذَلِك أسْرع إِلَى انقراضهم واستعرض من بِالْقصرِ من الْجَوَارِي وَالْعَبِيد وَالْعدة والعديد والطريف والتليد فَأطلق مَنْ كَانَ مِنْهُم حرا وَأعْتق من رأى إِعْتَاقه ووهب من أَرَادَ هِبته وَفرق على الْأُمَرَاء وَالْأَصْحَاب من نفائس الْقصر وذخائره شَيْئا كثيرا وَحصل هُوَ على اليتيمات وَقطع البلخش والياقوت وقضيب الزمرد وَأطلق البيع بعد ذَلِك فِي كل جَدِيد وعتيق فَأَقَامَ البيع فِي الْقصر مدّة عشر سِنِين قَالَ وَمن جملَة مَا باعوا خزانَة الْكتب وَكَانَت من عجائب الدُّنْيَا وَيُقَال إِنَّه لم يكن فِي جَمِيع بِلَاد الْإِسْلَام دَار كتب أعظم من الدَّار الَّتِي بِالْقَاهِرَةِ فِي الْقصر وَمن عجائبها أَنه كَانَ بهَا ألف ومئتان وَعِشْرُونَ نُسْخَة بتاريخ الطَّبَرِيّ وَيُقَال إِنَّهَا كَانَت تحتوى على ألفي ألف وست مئة ألف كتاب وَكَانَ فِيهَا من الخطوط المنسوبة أَشْيَاء كَثِيرَة وَحصل القَاضِي الْفَاضِل نخبها وَذَلِكَ أَنه دخل إِلَيْهَا واعتبرها فكلّ كتاب صلح لَهُ قطع جلده ورماه فِي بركَة كَانَت هُنَاكَ فَلَمَّا فرغ النَّاس من شِرَاء الْكتب اشْترى تِلْكَ الْكتب الَّتِي أَلْقَاهَا فِي الْبركَة على انها مخرومات ثمَّ جمعهَا بعد ذَلِك

стр. 629

وَمِنْهَا حصل مَا حصّل من الْكتب كَذَا أَخْبرنِي جمَاعَة من المصريين مِنْهُم الْأَمِير شمس الْخلَافَة مُوسَى بن مُحَمَّد واقتسم النَّاس بعد ذَلِك دور الْقصر وَأعْطى السُّلْطَان الْقصر الشمالي لِلْأُمَرَاءِ فسكنوه وأسكن أَبَاهُ نجم الدّين فِي اللؤلؤة وَهُوَ قصر عَظِيم على الخليج الَّذِي فِيهِ الْبُسْتَان الكافوري وَنقل الْملك الْعَادِل إِلَى مَكَان آخر مِنْهُ وَأخذ بَاقِي الْأُمَرَاء دور من كَانَ ينتمي إِلَيْهِم وَزَاد الْأَمر حَتَّى صَار كل من اسْتحْسنَ دَارا أخرج مِنْهَا صَاحبهَا وسكنها وَانْقَضَت تِلْكَ الدولة برمتها وَذَهَبت تِلْكَ الْأَيَّام بجملتها بعد أَن كَانُوا قد احتووا على الْبِلَاد واستخدموا الْعباد مئتين وَثَمَانِينَ سنة كسورا قَالَ وَحكى أَن الشريف الجليس وَهُوَ رجل كَانَ قَرِيبا من العاضد يجلس مَعَه ويحدثه عمل دَعْوَة لشمس الدولة بن أَيُّوب أخي السُّلْطَان بعد الْقَبْض على الْقُصُور وَأخذ مَا فِيهَا وانقراض دولتهم وَغرم هَذَا الشريف على هَذِه الدعْوَة مَالا كثيرا وأحضرها أَيْضا جمَاعَة من أكَابِر الْأُمَرَاء فَلَمَّا جَلَسُوا على الطَّعَام قَالَ شمس الدولة لهَذَا الشريف حدّثني بِأَعْجَب مَا شاهدته من أَمر الْقَوْم قَالَ نعم طلبني العاضد يَوْمًا ولجماعة من الندماء فَلَمَّا دَخَلنَا عَلَيْهِ وجدنَا عِنْده مملوكين من التّرْك عَلَيْهِم أقبية مثل أقبيتكم وقلانس كقلانسكم وَفِي أوساطهم مناطق كمناطقكم فَقُلْنَا لَهُ يَا أَمِير

стр. 630

الْمُؤمنِينَ مَا هَذَا الزي الَّذِي مَا رَأَيْنَاهُ قطّ فَقَالَ هَذِه هَيْئَة الَّذين يملكُونَ دِيَارنَا وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالنَا وذخائرنا قَالَ الْعِمَاد وَأخذت ذخائر الْقصر ففصلها كَمَا سبق ثمَّ قَالَ وَمن جُمْلَتهَا الْكتب فَإِنِّي أخذت مِنْهَا جملَة فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَكَانَت خزائنها مُشْتَمِلَة على قريب مئة وَعشْرين ألف مجلدة مُؤَبّدَة من الْعَهْد الْقَدِيم مخلدة وفيهَا بالخطوط المنسوبة مَا اختطفته الْأَيْدِي واقتطعه التعديّ وَكَانَت كالميراث مَعَ أُمَنَاء الْأَيْتَام يتَصَرَّف فِيهَا بشره الانتهاب والالتهام ونقلت مِنْهَا ثَمَانِيَة أحمال إِلَى الشَّام وتقاسم الْخَواص بِدُور الْقصر وقُصوره وَشرع كل من سكن فِي تخريب معموره وانتقل إِلَيْهِ الْملك الْعَادِل سيف الدّين لما نَاب عَن أَخِيه واستمرت سكناهُ فِيهِ وخطب لإمامنا المستضيء فِي قوص وأسوان والصعيد والقاصي والداني والقريب والبعيد وشاعت البشائر وذاعت المفاخر وَسَار بهَا البادي والحاضر وتملك السُّلْطَان أَمْلَاك أشياعهم وَضرب الألواح على دُورهمْ ورباعهم ثمَّ ملكهَا أمراءه وَخص بهَا أولياءه وَبَاعَ مِنْهَا أَمَاكِن ووهب مِنْهَا مسَاكِن وعفّى الْآثَار الْقَدِيمَة واستأنف السّنَن الْكَرِيمَة وَقَالَ ابْن الْأَثِير لما استولى صَلَاح الدّين على الْقصر وأمواله وذخائره اخْتَار مِنْهُ مَا أَرَادَ ووهب أَهله وأمراءه وَبَاعَ مِنْهُ كثيرا وَكَانَ فِيهِ من

стр. 631

الْجَوَاهِر والأعلاق النفيسة مَا لم يكن عِنْد ملك من الْمُلُوك قد جمع على طول السنين وممر الدهور فَمِنْهُ الْقَضِيب الزمرد طوله نَحْو قَبْضَة وَنصف والجبل الْيَاقُوت وَغَيرهمَا وَمن الْكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نَحْو مئة ألف مُجَلد فصل وَلما خطب بالديار المصرية لبني الْعَبَّاس وَمَات العاضد انقرضت تِلْكَ الدولة وزالت عَن الْإِسْلَام بِمصْر بانقراضها الذلة وَاسْتولى على مصر صَلَاح الدّين وَأَهله ونوابه وكلُّهم من قبل نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى هم أمراؤه وخدمه وَأَصْحَابه وَفِيهِمْ يقُول العرقلة (أصبح الْملك بعد آل عليّ ... مشرقا بالملوك من آل شاذي) (وَغدا الشرق يحْسد الغرب للْقَوْم ... ومصرُ تزهو على بغداذ) (مَا حوَوْها إِلَّا بحزم وعزم ... وصليل الفولاذ فِي الفولاذ) (لَا كفرعون والعزيز وَمن كَانَ ... بهَا كالخصيب والأستاذ)

стр. 632

يَعْنِي بالأستاذ كافور الإخشيدي وَقَوله بعد آل عَليّ يَعْنِي بذلك بني عبيد المستخلفين بهَا أظهرُوا للنَّاس أَنهم شرفاء فاطميون فملكوا الْبِلَاد وقهروا الْعباد وَقد ذكر جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء أَنهم لم يَكُونُوا لذَلِك أَهلا وَلَا نسبهم صَحِيحا بل الْمَعْرُوف أَنهم بَنو عبيد وَكَانَ وَالِد عبيد هَذَا من نسل القداح الملحد الْمَجُوسِيّ وَقيل كَانَ وَالِد عبيد هَذَا يَهُودِيّا من أهل سَلَمْية من بِلَاد الشَّام وَكَانَ حدادا وَعبيد هَذَا كَانَ اسْمه سعيداً فَلَمَّا دخل الْمغرب تسمى بعبيد الله وَزعم أَنه علويّ فاطميّ وَادّعى نسبا لَيْسَ بِصَحِيح لم يذكرهُ أحد من مصنفي الْأَنْسَاب العلوية بل ذكر جمَاعَة من الْعلمَاء بِالنّسَبِ خِلَافه وَهُوَ مَا قدمنَا ذكره ثمَّ ترقت بِهِ الْحَال إِلَى أَن ملك وَتسَمى بالمهدي وَبني المهدية

стр. 633

بالمغرب ونسبت إِلَيْهِ وَكَانَ زنديقاً خبيثاً عدوًّا لِلْإِسْلَامِ متظاهراً بالتشيع متستراً بِهِ حَرِيصًا على إِزَالَة الملّة الإسلامية قتل من الْفُقَهَاء والمحدثين وَالصَّالِحِينَ جمَاعَة كَثِيرَة وَكَانَ قَصده إعدامهم من الْوُجُود ليبقى الْعَالم كَالْبَهَائِمِ فيتمكن من إِفْسَاد عقائدهم وضلالتهم ﴿وَالله متمّ نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ ونشأت ذريّته على ذَلِك منطوين يجهرون بِهِ إِذا أمكنتهم الفرصة وَإِلَّا أسرُّوه والدعاة لَهُم منبثون فِي الْبِلَاد يضلون من أمكنهم إضلاله من الْعباد وَبَقِي هَذَا الْبلَاء على الْإِسْلَام من أول دولتهم إِلَى آخرهَا وَذَلِكَ من ذِي الْحجَّة سنة تسع وَتِسْعين ومئتين إِلَى سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة وَفِي أيامهم كثرت الرّافضة واستحكم أَمرهم وَوضعت المكوس على النَّاس واقتدى بهم غَيرهم وأفسدت عقائد طوائف من أهل الْجبَال الساكنين بثغور الشَّام والحشيشية نوع مِنْهُم وَتمكن دعاتهم مِنْهُم لضعف عُقُولهمْ وجهلهم مَا لم يتمكنوا من غَيرهم وَأخذت الفرنج أَكثر الْبِلَاد بِالشَّام والجزيرة إِلَى أَن منَّ الله على الْمُسلمين بِظُهُور الْبَيْت الأتابكي وتقدمه مثل صَلَاح الدّين فاستردّوا الْبِلَاد وأزالوا هَذِه الدولة عَن رِقَاب الْعباد وَكَانُوا أَرْبَعَة عشر مستخلفاً ثَلَاثَة مِنْهُم بإفريقية وهم الملقبون بالمهدي والقائم والمنصور وَأحد عشر بِمصْر وهم الملقبون بالمعزّ والعزيز وَالْحَاكِم وَالظَّاهِر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد

стр. 634

يدعونَ الشّرف ونسبتهم إِلَى مَجُوسِيّ أَو يَهُودِيّ حَتَّى أشتهر لَهُم ذَلِك بَين الْعَوام فصاروا يَقُولُونَ الدولة الفاطمية والدولة العلوية وَإِنَّمَا هِيَ الدَّولة الْيَهُودِيَّة أَو الْمَجُوسِيَّة الباطنية الملحدة وَمن قحتهم أَنهم كَانُوا يأمرون الخطباء بذلك على المنابر ويكتبونه على جدران الْمَسَاجِد وَغَيرهَا وخطب عبدهم جَوْهَر الَّذِي أَخذ لَهُم الديار المصرية وَبنى لَهُم الْقَاهِرَة المعزية بِنَفسِهِ خطْبَة طَوِيلَة قَالَ فِيهَا اللَّهُمَّ صلّ على عَبدك ووليك ثَمَرَة النُّبُوَّة وسليل العترة الهادية المهدية معدّ أبي تَمِيم الإِمَام الْمعز لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ كَمَا صليت على آبَائِهِ الطاهرين وسلفه المنتخبين الْأَئِمَّة الرَّاشِدين كذب عدوّ الله اللعين فَلَا خير فِيهِ وَلَا فِي سلفه أَجْمَعِينَ وَلَا فِي ذُريَّته البَاقِينَ والعترة النَّبَوِيَّة الطاهرة مِنْهُم بمعزل رَحْمَة الله عَلَيْهِم وعَلى أمثالهم من الصَّدْر الأول وَقد بيّن نسبهم هَذَا وأوضح محالهم وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من التمويه وعداوة الْإِسْلَام جمَاعَة مِمَّن سلف من الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء وكل متورع مِنْهُم لَا يسميهم إِلَّا بني عبيد الأدعياء أَي يدعوّن من النّسَب مَا لَيْسَ لَهُم وَرَحْمَة الله على القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن الطّيب فَإِنَّهُ كشف فِي أول

стр. 635

كِتَابه الْمُسَمّى بكشف أسرار الباطنية عَن بطلَان نسب هَؤُلَاءِ إِلَى عَليّ ﵁ وَأَن القدّاح الَّذِي انتسبوا إِلَيْهِ دَعيُّ من الأدعياء ممخرق كَذَّاب وَهُوَ أصل دعاة القرامطة لعنهم الله وَأما القَاضِي عبد الْجَبَّار الْبَصْرِيّ فَإِنَّهُ استقصى الْكَلَام فِي أصولهم وَبَينهَا بَيَانا شافيا فِي أَوَاخِر كتاب تثبيت النُّبُوَّة لَهُ وَقد نقلت كَلَامهمَا فِي ذَلِك وَكَلَام غَيرهمَا فِي مُخْتَصر تَارِيخ دمشق فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحِيم بن إلْيَاس وَهُوَ من تِلْكَ الطَّائِفَة الَّذين هم بئس
следующие страницы →