← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الْجَوَاهِر والأعلاق النفيسة مَا لم يكن عِنْد ملك من الْمُلُوك قد جمع على طول السنين وممر الدهور فَمِنْهُ الْقَضِيب الزمرد طوله نَحْو قَبْضَة وَنصف والجبل الْيَاقُوت وَغَيرهمَا وَمن الْكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نَحْو مئة ألف مُجَلد فصل وَلما خطب بالديار المصرية لبني الْعَبَّاس وَمَات العاضد انقرضت تِلْكَ الدولة وزالت عَن الْإِسْلَام بِمصْر بانقراضها الذلة وَاسْتولى على مصر صَلَاح الدّين وَأَهله ونوابه وكلُّهم من قبل نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى هم أمراؤه وخدمه وَأَصْحَابه وَفِيهِمْ يقُول العرقلة (أصبح الْملك بعد آل عليّ ... مشرقا بالملوك من آل شاذي) (وَغدا الشرق يحْسد الغرب للْقَوْم ... ومصرُ تزهو على بغداذ) (مَا حوَوْها إِلَّا بحزم وعزم ... وصليل الفولاذ فِي الفولاذ) (لَا كفرعون والعزيز وَمن كَانَ ... بهَا كالخصيب والأستاذ)

стр. 632

يَعْنِي بالأستاذ كافور الإخشيدي وَقَوله بعد آل عَليّ يَعْنِي بذلك بني عبيد المستخلفين بهَا أظهرُوا للنَّاس أَنهم شرفاء فاطميون فملكوا الْبِلَاد وقهروا الْعباد وَقد ذكر جمَاعَة من أكَابِر الْعلمَاء أَنهم لم يَكُونُوا لذَلِك أَهلا وَلَا نسبهم صَحِيحا بل الْمَعْرُوف أَنهم بَنو عبيد وَكَانَ وَالِد عبيد هَذَا من نسل القداح الملحد الْمَجُوسِيّ وَقيل كَانَ وَالِد عبيد هَذَا يَهُودِيّا من أهل سَلَمْية من بِلَاد الشَّام وَكَانَ حدادا وَعبيد هَذَا كَانَ اسْمه سعيداً فَلَمَّا دخل الْمغرب تسمى بعبيد الله وَزعم أَنه علويّ فاطميّ وَادّعى نسبا لَيْسَ بِصَحِيح لم يذكرهُ أحد من مصنفي الْأَنْسَاب العلوية بل ذكر جمَاعَة من الْعلمَاء بِالنّسَبِ خِلَافه وَهُوَ مَا قدمنَا ذكره ثمَّ ترقت بِهِ الْحَال إِلَى أَن ملك وَتسَمى بالمهدي وَبني المهدية

стр. 633

بالمغرب ونسبت إِلَيْهِ وَكَانَ زنديقاً خبيثاً عدوًّا لِلْإِسْلَامِ متظاهراً بالتشيع متستراً بِهِ حَرِيصًا على إِزَالَة الملّة الإسلامية قتل من الْفُقَهَاء والمحدثين وَالصَّالِحِينَ جمَاعَة كَثِيرَة وَكَانَ قَصده إعدامهم من الْوُجُود ليبقى الْعَالم كَالْبَهَائِمِ فيتمكن من إِفْسَاد عقائدهم وضلالتهم ﴿وَالله متمّ نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ ونشأت ذريّته على ذَلِك منطوين يجهرون بِهِ إِذا أمكنتهم الفرصة وَإِلَّا أسرُّوه والدعاة لَهُم منبثون فِي الْبِلَاد يضلون من أمكنهم إضلاله من الْعباد وَبَقِي هَذَا الْبلَاء على الْإِسْلَام من أول دولتهم إِلَى آخرهَا وَذَلِكَ من ذِي الْحجَّة سنة تسع وَتِسْعين ومئتين إِلَى سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة وَفِي أيامهم كثرت الرّافضة واستحكم أَمرهم وَوضعت المكوس على النَّاس واقتدى بهم غَيرهم وأفسدت عقائد طوائف من أهل الْجبَال الساكنين بثغور الشَّام والحشيشية نوع مِنْهُم وَتمكن دعاتهم مِنْهُم لضعف عُقُولهمْ وجهلهم مَا لم يتمكنوا من غَيرهم وَأخذت الفرنج أَكثر الْبِلَاد بِالشَّام والجزيرة إِلَى أَن منَّ الله على الْمُسلمين بِظُهُور الْبَيْت الأتابكي وتقدمه مثل صَلَاح الدّين فاستردّوا الْبِلَاد وأزالوا هَذِه الدولة عَن رِقَاب الْعباد وَكَانُوا أَرْبَعَة عشر مستخلفاً ثَلَاثَة مِنْهُم بإفريقية وهم الملقبون بالمهدي والقائم والمنصور وَأحد عشر بِمصْر وهم الملقبون بالمعزّ والعزيز وَالْحَاكِم وَالظَّاهِر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد

стр. 634

يدعونَ الشّرف ونسبتهم إِلَى مَجُوسِيّ أَو يَهُودِيّ حَتَّى أشتهر لَهُم ذَلِك بَين الْعَوام فصاروا يَقُولُونَ الدولة الفاطمية والدولة العلوية وَإِنَّمَا هِيَ الدَّولة الْيَهُودِيَّة أَو الْمَجُوسِيَّة الباطنية الملحدة وَمن قحتهم أَنهم كَانُوا يأمرون الخطباء بذلك على المنابر ويكتبونه على جدران الْمَسَاجِد وَغَيرهَا وخطب عبدهم جَوْهَر الَّذِي أَخذ لَهُم الديار المصرية وَبنى لَهُم الْقَاهِرَة المعزية بِنَفسِهِ خطْبَة طَوِيلَة قَالَ فِيهَا اللَّهُمَّ صلّ على عَبدك ووليك ثَمَرَة النُّبُوَّة وسليل العترة الهادية المهدية معدّ أبي تَمِيم الإِمَام الْمعز لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ كَمَا صليت على آبَائِهِ الطاهرين وسلفه المنتخبين الْأَئِمَّة الرَّاشِدين كذب عدوّ الله اللعين فَلَا خير فِيهِ وَلَا فِي سلفه أَجْمَعِينَ وَلَا فِي ذُريَّته البَاقِينَ والعترة النَّبَوِيَّة الطاهرة مِنْهُم بمعزل رَحْمَة الله عَلَيْهِم وعَلى أمثالهم من الصَّدْر الأول وَقد بيّن نسبهم هَذَا وأوضح محالهم وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ من التمويه وعداوة الْإِسْلَام جمَاعَة مِمَّن سلف من الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء وكل متورع مِنْهُم لَا يسميهم إِلَّا بني عبيد الأدعياء أَي يدعوّن من النّسَب مَا لَيْسَ لَهُم وَرَحْمَة الله على القَاضِي أبي بكر مُحَمَّد بن الطّيب فَإِنَّهُ كشف فِي أول

стр. 635

كِتَابه الْمُسَمّى بكشف أسرار الباطنية عَن بطلَان نسب هَؤُلَاءِ إِلَى عَليّ ﵁ وَأَن القدّاح الَّذِي انتسبوا إِلَيْهِ دَعيُّ من الأدعياء ممخرق كَذَّاب وَهُوَ أصل دعاة القرامطة لعنهم الله وَأما القَاضِي عبد الْجَبَّار الْبَصْرِيّ فَإِنَّهُ استقصى الْكَلَام فِي أصولهم وَبَينهَا بَيَانا شافيا فِي أَوَاخِر كتاب تثبيت النُّبُوَّة لَهُ وَقد نقلت كَلَامهمَا فِي ذَلِك وَكَلَام غَيرهمَا فِي مُخْتَصر تَارِيخ دمشق فِي تَرْجَمَة عبد الرَّحِيم بن إلْيَاس وَهُوَ من تِلْكَ الطَّائِفَة الَّذين هم بئس

стр. 636

النَّاس وَهَذَانِ إمامان كبيران من أَئِمَّة أصُول دين الْإِسْلَام وَأظْهر عبد الْجَبَّار القَاضِي فِي كِتَابه بعض مَا فَعَلُوهُ من الْمُنْكَرَات والكفريات الَّتِي يقف الشّعْر عِنْد سماعهَا وَلَكِن لَا بُد من ذكر شَيْء من ذَلِك تنفيرا لِمَن لَعَلَّه يعْتَقد إمامتهم وخفي عَنهُ محالهم وَلم يعلم قحتهم ومكابرتهم وليعذر من أَزَال دولتهم وأمات بدعتهم وقلل عدّتهم وأفنى أمتهم وأطفأ جمرتهم ذكر عبد الْجَبَّار القَاضِي أَن الملقب بالمهدي لَعنه الله كَانَ يتَّخذ الْجُهَّال ويسلطهم على أهل الْفضل وَكَانَ يُرْسل إِلَى الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء فَيذبحُونَ فِي فرُشهم وَأرْسل إِلَى الرّوم وسلطهم على الْمُسلمين وَأكْثر من الْجور واستصفاء الْأَمْوَال وَقتل الرِّجَال وَكَانَ لَهُ دعاة يضلون النَّاس على قدر طبقاتهم فَيَقُولُونَ لبَعْضهِم هُوَ الْمهْدي ابْن رَسُول الله ﷺ وَحجَّة الله على خلقه وَيَقُولُونَ لآخرين هُوَ رَسُول الله ﷺ وَحجَّة الله على خلقه وَيَقُولُونَ لطائفة أُخرى هُوَ الله الْخَالِق الرازق لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ تبَارك سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا وَلما هلك قَامَ ابْنه الْمُسَمّى بالقائم مقَامه وَزَاد شرّه على شَرّ أَبِيه أضعافاً مضاعفة وجاهر بشتم الْأَنْبِيَاء فَكَانَ يُنَادي فِي أسواق المهدية

стр. 637

وَغَيرهَا ألعنوا عَائِشَة وبَعْلَها ألعنوا الْغَار وَمن حوى اللَّهُمَّ صل على نبيك وَأَصْحَابه وأزواجه الطاهرين والعن هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة الفجرة الْمُلْحِدِينَ وَارْحَمْ من أزالهم وَكَانَ سَبَب قلعهم وَمن جرى على يَدَيْهِ تَفْرِيق جمعهم وأصلهم سعيراً ولَقِّهم ثبوراً وأسكنهم النَّار جَمِيعًا واجعلهم مِمَّن قلت فيهم ﴿الَّذين ضل سَعْيُهم فِي الحَيْاة الدُّنيا وَهُمْ يَحْسَبون أَنَّهم يحسنون صنعا﴾ رَجعْنَا إِلَى الأَصْل وَبعث إِلَى أبي طَاهِر القرمطي الْمُقِيم بِالْبَحْرَيْنِ وَبَعثه على قتل الْمُسلمين وإحراق الْمَسَاجِد والمصاحف وَقَامَ بعده ابْنه الْمُسَمّى بالمنصور فَقتل أَبَا يزِيد مخلداً الَّذِي خرج على أَبِيه يُنكر عَلَيْهِ قَبِيح فعله الْمُقدم ذكره وسلخه وصلبه واشتغل بِأَهْل الْجبَال يقتلهُمْ ويشردهم خوفًا من أَن يثور عَلَيْهِ ثَائِر مثل أبي يزِيد وَقَامَ بعده ابْنه الْمُسَمّى بالمعز فَبَثَّ دعاته فَكَانُوا يَقُولُونَ هُوَ الْمهْدي الَّذِي يملك وَهُوَ الشَّمْس الَّتِي تطلع من مغْرِبهَا وَكَانَ يسره مَا ينزل بِالْمُسْلِمين من المصائب من أَخذ الروّم بِلَادهمْ واحتجب عَن النَّاس أياماُ ثمَّ ظهر وأوْهم أَن الله رَفعه إِلَيْهِ وَأَنه كَانَ غَائِبا فِي السَّمَاء وَأخْبر

стр. 638

النَّاس بأَشْيَاء صدرت مِنْهُم كَانَ ينقلها إِلَيْهِ جواسيس لَهُ فأمتلأت قُلُوب الْعَامَّة والجهال مِنْهُ وَهَذَا أول خلفائهم بِمصْر وَهُوَ الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ الْقَاهِرَة واستدعى بفقيه الشَّام أبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن سهل الرّملي وَيعرف بِابْن النابلسي فحمُل إِلَيْهِ فِي قفص خشب فَأمر بسلخه فسلخ حَيا وحشى جلده تبنا وصلب رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ سَمِعت أَبَا الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ يذكرهُ ويبكي وَيَقُول كَانَ يَقُول وَهُوَ يسلخ ﴿كَاَنَ ذَلِكَ فِي الكِتِابِ مَسْطُوراً﴾ قلت وَفِي أَيَّام الملقب بالحاكم مِنْهُم أَمر بكتب سبّ الصَّحَابَة ﵃ على حيطان الْجَوَامِع والقياسر والشوارع والطرقات وَكتب السجلات إِلَى سَائِر الْأَعْمَال بالسبّ ثمَّ أَمر بقلع ذَلِك وَأَنا رَأَيْته مقلوعاً فِي بعض أَبْوَاب دمشق فِي الأسكفة الْعليا منقوراً فِي الْحجر ودلّني

стр. 639

أول الْكَلَام وَآخره على ذَلِك ثمَّ جدّد ذَلِك الْبَاب وأزيل ذَلِك الْحجر وَفِي أَيَّامه طوف بِدِمَشْق رجل مغربي وَنُودِيَ عَلَيْهِ هَذَا جَزَاء من يحبّ أَبَا بكر وَعمر ثمَّ ضربت عُنُقه وَكَانَ يجْرِي فِي أيامهم من نَحْو هَذَا أَشْيَاء مثل قطع لِسَان أبي الْقَاسِم الوَاسِطِيّ أحد الصَّالِحين وَكَانَ أَذّن بِبَيْت الْمُقَدّس وَقَالَ فِي أَذَانه حيّ على الْفَلاح فأُخذ وَقطع لِسَانه ذكر ذَلِك وَمَا قبله من قتل المغربي وَأبي بكر النابلسي الحافظُ أَبُو الْقَاسِم فِي تَارِيخه وَمَا كَانَت ولَايَة هَؤُلَاءِ الملاعين إِلَّا محنة من الله تَعَالَى وَلِهَذَا طَالَتْ مدتهم مَعَ قلَّة عِدتهم فَإِن عدتهمْ عدَّة خلفاء بني أُميَّة أَرْبَعَة عشر وَأُولَئِكَ بقوا نيّفاً وَتِسْعين سنة وَهَؤُلَاء بقوا مئتي سنة وثمانياً وَسِتِّينَ سنة فَالْحَمْد لله على مَا يسر من هُلكهم وإبادة ملكهم وَرَضي الله عَمَّن سعى فِي ذَلِك وأزالهم ورِحم مَنْ بيّن مَخْرقتهم وكذبهم ومحِالهم وَقد كشف أَيْضا حَالهم الإِمَام أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحمن بن عَليّ بن أبي نصر الشَّاشِي فِي كتاب الرَّدِّ على الباطنية وَذكر قبائح مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الْكفْر والمنكرات وَالْفَوَاحِش فِي أَيَّام نزار وَمَا بعده وَوصل الْأَمر إِلَى أَن

стр. 640

وصف بَعضهم مَا كَانُوا فِيهِ فِي قصيدة سَمَّاهَا الْإِيضَاح عَن دَعْوَة القدّاح أوَّلها (حيَّ على مصر إِلَى خلع الرَّسَنْ ... فثمَّ تَعْطِيل فروض وَسنَن) وَقَالَ لَو وُفّق مُلُوك الْإِسْلَام لصرفوا أَعِنَّة الْخَيل إِلَى مصر لغزو الباطنية الملاعين فَإِنَّهُم من شَرّ أَعدَاء دين الْإِسْلَام وَقد خرجت من حد الْمُنَافِقين إِلَى حدّ المجاهرين لما ظهر فِي ممالك الْإِسْلَام من كفرها وفسادها وتعيّن على الكافة فرض جهادها وضرر هَؤُلَاءِ أَشد على الْإِسْلَام وَأَهله من ضَرَر الْكفَّار إِذْ لم يقم بجهادها أحد إِلَى هَذِه الْغَايَة مَعَ الْعلم بعظيم ضررها وفسادها فِي الأَرْض وَالله الْمُوفق قلت ثمَّ إنيّ لم يقنعني هَذَا من بَيَان أَحْوَالهم فأفردت كتابا لذَلِك سميته كشف مَا كَانَ عَلَيْهِ بَنو عبيد من الْكفْر وَالْكذب وَالْمَكْر والكيد فَمن أَرَادَ الْوُقُوف على تفاصيل أَحْوَالهم فَعَلَيهِ بِهِ فَإِنِّي بِتَوْفِيق الله تَعَالَى جمعت فِيهِ مَا ذكره هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة المصنفون وَغَيرهم ووقفت على كتاب كَبِير صنفه الشريف الْهَاشِمِي ﵀ وَكَانَ فِي أَيَّام الملقب بالعزيز ثَانِي خلفاء مصر فَبين فِيهِ أصولهم أتم بَيَان وأوضح كَيْفيَّة ظُهُورهمْ وغلبتهم على الْبِلَاد وتتبع ذكر فضائحهم وَمَا كَانَ يصدر مِنْهُم من أَنْوَاع الزندقة وَالْفِسْق والمخرقة فنقلت مِنْهُ إِلَى مَا كنت جمعته قِطْعَة كَبِيرَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 641

وَمَا أحسن مَا قَالَ فيهم من مدح بعض بني أَيُّوب بقصيدة مِنْهَا (ألَسْتم مزيلي دولة الْكفْر من بني ... عبيد بِمصْر إِن هَذَا هُوَ الْفضل) (زنادقة شِيعِيَّة باطنية ... مجوس وَمَا فِي الصَّالِحين لَهُم أصل) (يُسِرُّون كفرا يظهرون تشيَّعاً ... ليستتروا شَيْئا وعمهم الْجَهْل) وَمَا فعله هَؤُلَاءِ من الانتساب إِلَى عليّ رضوَان الله عَلَيْهِ والتستر بالتشيع قد فعله جمَاعَة القرامطة وَصَاحب الزنج الْخَارِج بِالْبَصْرَةِ وَغَيرهم من المفسدين فِي الأَرْض على مَا عرف مِنْ سيرهم من وقف على أَخْبَار النَّاس وَكلهمْ كذبة فِي ذَلِك وَإِنَّمَا غرضهم التَّقَرُّب إِلَى الْعَوام والجهال واستتباعهم لَهُم واستجلابهم إِلَى دعوتهم بذلك الْبلَاء ﴿وَيفْعل الله مَا يَشَاء﴾ وَلَا يغتر بِأَبْيَات الشريف الرضي فِي ذَلِك فقد حصل الْجَواب عَنْهَا فِي كتاب الْكَشْف بِوُجُوه حَسَنَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقد صنف الشريف العابد الدِّمَشْقِي ﵀ كتابا فِي إبِْطَال

стр. 642

نسبهم إِلَى عليّ بن أبي طَالب ﵁ وَفصل ذَلِك تَفْصِيلًا حسنا وَأَطْنَبَ فِي ذكر أَخْبَار إخْوَانهمْ من القرامطة لعنهم الله تَعَالَى فصل فِي ذكر غَزْو الفرنج فِي هَذِه السّنة قَالَ ابْن شَدَّاد واستمرت الْقَوَاعِد على الاسْتقَامَة وَصَلَاح الدّين كلما استولى على خزانَة مَال وَهبهَا وَكلما فتح لَهُ خَزَائِن ملك أنهبها وَلَا يبقي لنَفسِهِ شَيْئا وَشرع فِي التأهب للغزاة وَقصد بِلَاد الْعَدو وتعبئة الْأَمر لذَلِك وَتَقْرِير قَوَاعِده وَأما نور الدّين فَإِنَّهُ عزم على الْغُزَاة واستدعى صَاحب الْموصل ابْن أَخِيه فوصل بالعساكر إِلَى خدمته وَكَانَت غَزْوَة عرقة فَأَخذهَا نور الدّين وَمَعَهُ ابْن أَخِيه فِي الْمحرم سنة سبع وَسِتِّينَ وَقَالَ ابْن أبي طي جمع نور الدّين عساكره وَخرج إِلَى عرقة ونازلها وقاتلها أَيَّامًا حَتَّى فتحهَا واحتوى على جَمِيع مَا فِيهَا وغنم النَّاس غنيمَة عَظِيمَة قَالَ ابْن الْأَثِير خرجت مراكب من مصر إِلَى الشَّام فَأخذ الفرنج فِي اللاذقية مركبين مِنْهَا مملوءين من الْأَمْتِعَة والتجار وغدروا بِالْمُسْلِمين وَكَانَ نور الدّين قد هادنهم فَنَكَثُوا فَلَمَّا سمع نور الدّين الْخَبَر استعظمه

стр. 643

وراسل الفرنج فِي ذَلِك وَأمرهمْ بِإِعَادَة مَا أَخَذُوهُ فغالطوه وَاحْتَجُّوا بِأُمُور مِنْهَا أَن المركبين كَانَا قد دخلهما مَاء الْبَحْر لكسر فيهمَا وَكَانَت الْعَادة بَينهم أَخذ كل مركب يدْخلهُ المَاء وَكَانُوا كاذبين فَلم يقبل مغالطتهم وَكَانَ ﵁ لَا يهمل أمرا من أُمُور رَعيته فَلم يردوا شَيْئا فَجمع العساكر من الشَّام والموصل والجزيرة وَبث السَّرَايَا فِي بِلَادهمْ بَعضهم نَحْو أنطاكية وَبَعْضهمْ نَحْو طرابلس وَحصر هُوَ حصن عرقة وأخرب ربضه وَأرْسل طَائِفَة من الْعَسْكَر إِلَى حصني صافيثا وعريمة فَأَخذهُمَا عنْوَة وَكَذَلِكَ غَيرهمَا وَنهب وخرّب وغنم الْمُسلمُونَ الْكثير وعادوا إِلَيْهِ وَهُوَ بعرقة فَسَار فِي العساكر جَمِيعهَا إِلَى قريب طرابلس يخرب وَيحرق وينهب وَأما الَّذين سَارُوا إِلَى أنطاكية فَإِنَّهُم فعلوا فِي ولايتها مثل مَا فعل من النهب وَالتَّحْرِيق والتخريب بِولَايَة طرابلس فراسله الفرنج وبذلوا إِعَادَة مَا أَخَذُوهُ من المركبين ويجدد مَعَهم الْهُدْنَة فأجابهم وَكَانُوا فِي ذَلِك كَمَا يُقَال الْيَهُودِيّ لَا يُعْطي الْجِزْيَة حَتَّى يُلطم فَكَذَلِك الفرنج مَا أعادوا أَمْوَال التُّجَّار بِالَّتِي هِيَ أحسن فلمّا نُهبت بِلَادهمْ وَخَربَتْ أعادوها قَالَ وَكَانَ لوالدي فِي المركبين تِجَارَة مَعَ شَخْصَيْنِ فَلَمَّا أعادوا إِلَى النَّاس أَمْوَالهم لم يصل إِلَى كل إِنْسَان إِلَّا الْيَسِير وَكَانَ يُحمل الْمَتَاع فَكل من اسْمه على ثوب أَخذه وَكَانَ فِي النَّاس من يَأْخُذ مَا لَيْسَ لَهُ وَكَانَ أحد هذَيْن المضاربين فِيهِ أَمَانَة وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَلم يَأْخُذ إِلَّا مَا عَلَيْهِ اسْمه

стр. 644

وعلامته فَذهب من مَاله ومالنا شَيْء كثير بِهَذَا السَّبَب وَكَانَ الَّذِي حصل من مالنا أَكثر من الَّذِي حصل لَهُ فَلَمَّا عَاد إِلَيْنَا سلّم الَّذِي لنا إِلَى وَالِدي فَامْتنعَ من أَخذه وَقَالَ خُذ أَنْت الْجَمِيع فَإنَّك أحْوج إِلَيْهِ وَأَنا فِي غنى عَنهُ فَلم يفعل فَقَالَ خُذ النّصْف وَأَنا النّصف واجتهد بِهِ وَالِدي فَلم يفعل فَلَمَّا كَانَ بعض الْأَيَّام وَإِذا قد جَاءَ الْغُلَام وَمَعَهُ عدَّة من الأثواب السُّوسِي وَغَيرهَا وَقَالَ هَذَا من قماشنا قد حضر الْيَوْم وَسبب حُضُوره أَن إنْسَانا فقاعياً من أهل تبريز كَانَ مَعنا فِي الْمركب وَقد أعادوا عَلَيْهِ مَاله فَرَأى هَذِه الأثواب واسمى عَلَيْهَا فَلم يسهل عَلَيْهِ يردهَا يَعْنِي عَلَيْهِم وَسَأَلَ عني وَقد قصدني وَهِي معي وَحضر عِنْدِي السَّاعَة وَسلمهَا إليّ وَقَالَ قد تركت طريفي لتبرأ ذِمَّتِي فأخذنا نَحن مَا عَلَيْهِ اسمنا بعد الْجهد وَطلب وَالِدي الرجل وَسَأَلَهُ أَن يُقيم عندنَا ليسلم إِلَيْهِ مَالا يتجر فِيهِ فَلم يفعل وَعَاد إِلَى بَلَده قَالَ وَهَذَانِ رجلَانِ نادران فِي هَذَا الزَّمَان فصل فِي عزم نور الدّين على الدُّخُول إِلَى مصر قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ صَلَاح الدّين واعده نور الدّين أَن يجتمعا على الكرك والشوبك يتشاوران فِيمَا يعود بالصلاح الْمُشْتَرك فَخرج من الْقَاهِرَة

стр. 645

فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْمحرم بالعزم الأجزم والرأي الأحزم فاتفق للاجتماع عائق وَلم يقدر للاتفاق قدر مُوَافق فلقي فِي تِلْكَ السفرة شدَّة وَعدم خيلا وظهرا وعُدة وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة فِي النّصْف من ربيع الأول وَقَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ أَيْضا جرى مَا أوجب نفرة نور الدّين من صَلَاح الدّين وَكَانَ الْحَادِث أَن نور الدّين أرسل إِلَى صَلَاح الدّين يَأْمُرهُ بِجمع العساكر المصرية والمسير بهَا إِلَى بِلَاد الفرنج وَالنُّزُول على الكرك ومحاصرته ليجمع هُوَ أَيْضا عساكره ويسير إِلَيْهِ ويجتمعا هُنَاكَ على حَرْب الفرنج والاستيلاء على بِلَادهمْ فبرز صَلَاح الدّين من الْقَاهِرَة فِي الْعشْرين من الْمحرم وَكتب إِلَى نور الدّين يعرفهُ أَن رحيله لَا يتَأَخَّر وَكَانَ نور الدّين قد جمع عساكره وتجهز وَأقَام ينْتَظر وُرُود الْخَبَر من صَلَاح الدّين برحيله ليرحل هُوَ فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَر بذلك رَحل من دمشق عَازِمًا على قصد الكرك فوصل إِلَيْهِ وَأقَام ينْتَظر وُصُول صَلَاح الدّين إِلَيْهِ فَأَتَاهُ كِتَابه يعْتَذر فِيهِ عَن الْوُصُول باختلال الْبِلَاد وَأَنه يخَاف عَلَيْهَا مَعَ الْبعد عَنْهَا فَعَاد إِلَيْهَا فَلم يقبل نور الدّين عذره وَكَانَ سَبَب تقاعده أَن أَصْحَابه وخواصه خوّفوه من الِاجْتِمَاع بِنور الدّين فَحَيْثُ لم يمتثل أَمر نور الدّين شقّ ذَلِك عَلَيْهِ وَعظم عِنْده وعزم على الدُّخُول إِلَى مصر وَإِخْرَاج صَلَاح الدّين عَنْهَا فَبلغ الْخَبَر إِلَى صَلَاح الدّين فَجمع أَهله وَفِيهِمْ وَالِده نجم الدّين وخاله شهَاب الدّين الحارمي

стр. 646

وَمَعَهُمْ سَائِر الْأُمَرَاء وأعلمهم مَا بلغه من عزم نور الدّين على قَصده وَأخذ مصر مِنْهُ واستشارهم فَلم يجبهُ أحد مِنْهُم بِشَيْء فَقَامَ ابْن أَخِيه تقيّ الدّين عمر وَقَالَ إِذا جَاءَنَا قَاتَلْنَاهُ وصددناه عَن الْبِلَاد وَوَافَقَهُ غَيره من أَهله فشتمهم نجم الدّين أَيُّوب وَأنكر ذَلِك واستعظمه وَكَانَ ذَا رأى ومكر وَكيد وعقل وَقَالَ لتقيّ الدّين اقعد وسبَّه وَقَالَ لصلاح الدّين أَنا أَبوك وَهَذَا شهَاب الدّين خَالك أتظنّ فِي هَؤُلَاءِ كلِّهم مَنْ يحبك وَيُرِيد لَك الْخَيْر مثلنَا فَقَالَ لَا فَقَالَ وَالله لَو رَأَيْت أَنا وَهَذَا خَالك نور الدّين لم يمكنا إِلَّا أَن نترجل إِلَيْهِ ونقبل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَلَو أمرنَا بِضَرْب عُنُقك بِالسَّيْفِ لفعلنَا فَإِذا كنّا نَحن هَكَذَا كَيفَ يكون غَيرنَا وكلّ من ترَاهُ من الْأُمَرَاء والعساكر لَو رأى نور الدّين وَحده لم يتجاسر على الثَّبَات على سَرْجه وَلَا وَسعه إِلَّا النُّزُول وتقبيل الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَهَذِه الْبِلَاد لَهُ وَقد أقامك فِيهَا فَإِن أَرَادَ عزلك فَأَي حَاجَة بِهِ إِلَى الْمَجِيء يَأْمُرك بِكِتَاب مَعَ نجاب حَتَّى تقصد خدمته ويولي بِلَاده من يُرِيد وَقَالَ للْجَمَاعَة كلهم قومُوا عَنَّا فَنحْن مماليك نور الدّين وعبيده وَيفْعل بِنَا مَا يُرِيد فتّفرقوا على هَذَا وَكتب أَكْثَرهم إِلَى نور الدّين بالْخبر وَلما خلا نجم الدّين أَيُّوب بِابْنِهِ صَلَاح الدّين قَالَ لَهُ أَنْت جَاهِل قَلِيل الْمعرفَة تجمع هَذَا الْجمع الْكثير وتطلعهم على مَا فِي نَفسك فَإِذا سمع نور الدّين أَنَّك عازم على مَنعه من الْبِلَاد جعلك أهمّ الْأُمُور إِلَيْهِ وأولاها بِالْقَصْدِ وَلَو قصدك لم تَرَ مَعَك من هَذَا الْعَسْكَر أحدا وَكَانُوا أسلموك إِلَيْهِ وَأما الْآن بعد هَذَا الْمجْلس فسيكتبون إِلَيْهِ ويعرفونه قولي وتكتب أَنْت

стр. 647

إِلَيْهِ وَترسل فِي هَذَا الْمَعْنى وَتقول أيّ حَاجَة إِلَى قصدي يَجِيء نجاب يأخذني بِحَبل يَضَعهُ فِي عنقِي فَهُوَ إِذا سمع هَذَا عدل عَن قصدك واشتغل بِمَا هُوَ أهم عِنْده وَالْأَيَّام تندرج وَالله كل وَقت فِي شَأْن فَفعل صَلَاح الدّين مَا أَشَارَ بِهِ وَالِده فَلَمَّا رأى نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى الْأَمر هَكَذَا عدل عَن قَصده وَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ نجم الدّين توفّي نور الدّين وَلم يَقْصِدهُ وَلَا أزاله وَكَانَ هَذَا من أحسن الآراء وأجودها فصل فِي الحَمَام قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ أَمر الْملك الْعَادِل نور الدّين باتخاذ الْحمام الهوادي وَهِي المناسيب الَّتِي تطير من الْبِلَاد الْبَعِيدَة إِلَى أوكارها فاتخذت فِي سَائِر بِلَاده وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه اتسعت بِلَاده وطالت مَمْلَكَته فَكَانَت من حد النّوبَة إِلَى بَاب همذان لَا يتخللها سوى بِلَاد الفرنج وَكَانَ الفرنج لعنهم الله رُبمَا نازلوا بعض الثغور فَإلَى أَن يصله الْخَبَر ويسير إِلَيْهِم يكونُونَ قد بلغُوا بعض الْغَرَض فَحِينَئِذٍ أَمر بذلك وَكتب بِهِ إِلَى سَائِر بِلَاده وأجرى الجرايات لَهَا ولمربيها فَوجدَ بهَا رَاحَة كَبِيرَة كَانَت الْأَخْبَار تَأتيه لوَقْتهَا لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي كل ثغر رجال مرتبون وَمَعَهُمْ من حمام

стр. 648

الْمَدِينَة الَّتِي تجاورهم فَإِذا رَأَوْا أَو سمعُوا أمرا كتبوه لوقته وعلقوه على الطَّائِر وسرحوه فيصل إِلَى الْمَدِينَة الَّتِي هُوَ مِنْهَا فِي سَاعَته فتنقل الرقعة مِنْهُ إِلَى طَائِر آخر من الْبَلَد الَّذِي يجاورهم فِي الْجِهَة الَّتِي فِيهَا نور الدّين وَهَكَذَا إِلَى أَن تصل الْأَخْبَار إِلَيْهِ فانحفظت الثغور بذلك حَتَّى إِن طَائِفَة من الفرنج نازلوا ثغراً لَهُ فَأَتَاهُ الْخَبَر ليومه فَكتب إِلَى العساكر الْمُجَاورَة لذَلِك الثغر بالاجتماع والمسير بِسُرْعَة وكبس الْعَدو فَفَعَلُوا ذَلِك فظفروا والفرنج قد أمنُوا لبُعد نور الدّين عَنْهُم فرحم الله نور الدّين وَرَضي عَنهُ فَمَا كَانَ أحسن نظره للرعايا والبلاد وَقَالَ الْعِمَاد وَكَانَ نور الدّين لَا يُقيم فِي الْمَدِينَة أَيَّام الرّبيع والصيف مُحَافظَة على الثغر وصوناً من الحيف ليحمي الْبِلَاد من الْعَدو بِالسَّيْفِ وَهُوَ متشوف إِلَى أَخْبَار مصر وَأَحْوَالهَا وَتَحْقِيق اعتدالها بتمحيق اعتلالها فَرَأى اتِّخَاذ الْحمام المناسيب وتدريجها على الطيران لتحمل إِلَيْهِ الْكتب بأخبار الْبلدَانِ وَتقدم إِلَى بكتب منشور لأربابها وإعزاز أَصْحَابهَا وَهُوَ حِينَئِذٍ بِظَاهِر دمشق مخيم بوادي اللّوان وَنحن مستظهرون فِي ذَلِك الأوان عادُون على أهل الْعدوان وَذَلِكَ فِي سَابِع عشر ذِي الْقعدَة من السّنة ثمَّ ذكر نُسْخَة المنشور وَوصف فِيهِ الْحمام فَقَالَ هِيَ برائد الأنباء

стр. 649

والمخصوصة بفضيلة الإلهام والإيحاء وَهِي فيوج الرسائل المأمونة الإبطاء والسابقات الهُوج فِي الاهتداء والحاملات مُلطَّفات الْأَسْرَار فِي أقرب مُدَّة إِلَى أبعد غَايَة والموصّلات مهمات الْأَخْبَار فِي وَقتهَا من أقاصي الْأَمْصَار بأكمل هِدَايَة والقاطعات فِي ساعاتها إِلَى الْبِلَاد أجواز القفار والموامي والنافذات بنجح المرام بِعُود السِّهَام إِلَى المرامي وَهِي تطوي الفراسخ الْبَعِيدَة والأشواط فِي سَاعَة وتنتهي إِلَى أقْصَى غايات الطَّاعَة بأتم استطاعة وَقد عمّ بهَا نفع المرابطين للغزاة والمجاهدين فِي سَبِيل الله فِي إهداء أَخْبَار الْكَفَرَة إِلَيْهِم من أماكنها دَالَّة على مكايدها ومكامنها طائرة بكتبهم إِلَى من وَرَاءَهُمْ من الطَّلَائِع والسّرايا مظهرة لَهُم من أحوالها خبايا الْأُمُور الخفايا وَإِنَّهَا لميمونة المطار مَأْمُونَة العثار سَالِمَة على الأخطار مهدية فِي الْأَسْفَار أمينة على الْأَسْرَار سَابِقَة إِلَى الأوكار صادرة بالأوطار سائرة إِلَى الْمُؤمنِينَ بأنباء الْكفَّار قلت وكل هَذِه أَوْصَاف حَسَنَة وعبارات مستحسنة وَقد بَلغنِي عَن القَاضِي الْفَاضِل رَحمَه الله تَعَالَى أَنه وصفهَا بألطف من هَذِه الْأَوْصَاف وأخصر فَقَالَ الطُّيُور مَلَائِكَة الْمُلُوك يُشِير إِلَى أَن نُزُولهَا على الْمُلُوك من جوّ الْهَوَاء نزُول الْمَلَائِكَة على الْأَنْبِيَاء ﵈ من

стр. 650

السَّمَاء مَعَ فرط مَا فِيهَا من الْأَمَانَة لايتوهم من جِهَتهَا خِيَانَة فَلَقَد أحسن فِيمَا وصف وأبدع فِيمَا استنبط وأنصف وَهُوَ بذلك أولى وَأعرف رحم الله الْجَمِيع فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة قَرَأت نُسْخَة سجل بِإِسْقَاط المكوس بِمصْر قرئ على الْمِنْبَر بِالْقَاهِرَةِ يَوْم الْجُمُعَة بعد الصَّلَاة ثَالِث صفر سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة عَن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر فِي أَيَّام نور الدّين ﵀ فَهُوَ كَانَ الْآمِر وَذَاكَ الْمُبَاشر يَقُول فِيهِ أما بعد فَإنَّا نحمد الله سُبْحَانَهُ على مَا مكن لنا فِي الأَرْض وحسّنه عندنَا من أَدَاء كل نَافِلَة وَفرض ونصبنا لَهُ من إِزَالَة النّصب عَن عباده واختارنا لَهُ من الْجِهَاد فِي الله حق جهاده وزهدنا فِيهِ من مَتَاع الدّنيا الْقَلِيل وألهمنا من محاسبة أَنْفُسنَا على النّقير والفتيل وأولانا من شجاعة السماحة فيوماً نهب مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ الدَّوَاوِين وَيَوْما نقطع مَا سقَاهُ النّيل فالبشائر فِي أيامنا تترى شفعاً ووترا والمسارُّ كنظام الْجَوْهَر تتبع

стр. 651

الْوَاحِدَة مِنْهَا الْأُخْرَى والمسامحات قد مَلَأت المسامع والمطامع وأسخطت الْخَيْمَة والصناعة وأرضت الْمِنْبَر وَالْجَامِع وَلما تقلدنا أُمُور الرّعية رَأينَا المكوس الديوانية بِمصْر والقاهرة أولى مَا نقلناها من أَن تكون لنا فِي الدُّنْيَا إِلَى أَن تكون لنا فِي الْآخِرَة وَأَن نتجرد مِنْهَا لنلبس أَثوَاب الْأجر الفاخرة ونطهر مِنْهَا مكاسبنا ونصون عَنْهَا مطالبنا ونكفي الرّعيّة ضرّهم الَّذِي يتَوَجَّه إِلَيْهِم وَنَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُم وَالأَغْلالَ الَّتي كَانَت عَلَيْهم ونعيدها الْيَوْم كأمس الذَّاهِب ونضعها فَلَا ترفعها من بعد يَد حاسب وَلَا قلم كَاتب فاستخرنا الله وعجلنا إِلَيْهِ ليرضى ورأينا فرْصَة أجر لَا تغض عَلَيْهَا بصائر الْأَبْصَار وَلَا تغضى وَخرج أمرنَا بكتب هَذَا المنشور بمسامحة أهل الْقَاهِرَة ومصر وَجَمِيع التُّجَّار المترددين إِلَيْهِمَا وَإِلَى سَاحل الْمقسم والمنية بِأَبْوَاب المكوس صادرها وواردها فَيَرِدُ التَّاجِر ويُسفر ويغيب عَن مَاله ويحضر ويقارض ويتجر براَ وبحراً مركبا وظهرا سرّا وجهرا لَا يحل مَا شده وَلَا يحاول مَا عِنْده وَلَا يكْشف مَا ستره وَلَا يسْأَل عَمَّا أوردهُ وأصدره وَلَا يستوقف فِي طَرِيقه وَلَا يشرق بريقه وَلَا يُؤْخَذ مِنْهُ طعمه وَلَا يستباح لَهُ حرمه وَالَّذِي اشْتَمَلت عَلَيْهِ الْمُسَامحَة فِي السّنة من الْعين مئة ألف دِينَار مُسَامَحَة لَا يتعقبها تَأْوِيل وَلَا يتخونها تَحْويل وَلَا يعتريها زَوَال وَلَا يعتورها انْتِقَال دائمة بدوام الْكَلِمَة قَائِمَة

стр. 652

مَا قَامَ دين القيِمَة مَنْ عارضها ردّت أَحْكَامه وَمن ناقضها نقض إبرامه وَمن أزالها زلَّت قدمه وَمن أحالها حل دَمه وَمن تعقبها خلدت اللَّعْنَة فِيهِ وَفِي عقبه وَمن احتاط لدنياه فِيهَا أحَاط بِهِ الْجَحِيم الذَّي هُوَ من حطبه فَمن قَرَأَهُ أَو قرئ عَلَيْهِ من كَافَّة وُلَاة الْأَمر من صَاحب سيف وقلم ومشارف أَو نَاظر فليمتثل مَا مثل من الْأَمر ولْيُمْضه على ممر الدَّهْر مُرضياً لرَبه ممضياً لما أَمر بِهِ وَفِي هَذِه السّنة توفّي الشَّيْخ أَبُو بكر يحيى بن سعدون الْقُرْطُبِيّ المقرئ النَّحْوِيّ وَهُوَ نزيل الْموصل ﵀ وفيهَا ولد الْعَزِيز وَالظَّاهِر ابْنا صَلَاح الدّين والمنصور مُحَمَّد بن تَقِيّ الدّين

стр. 653

وفيهَا فِي ثَالِث شَوَّال توفّي أَبُو الْفتُوح نصر بن عبد الله الإسكندري الْمَعْرُوف بِابْن قلاقس الشَّاعِر بعيذاب ومولده بالإسكندرية رَابِع ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخمْس مئة فَيكون عمره نَحوا من خمس وَثَلَاثِينَ سنة ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخمْس مئة فَفِيهَا توفّي ملك النُّحَاة الْحسن بن صافي

стр. 654

وفيهَا ترَتّب الْعِمَاد الْكَاتِب مشرفا بديوان نور الدّين مُضَافا إِلَى كِتَابَة الْإِنْشَاء قَالَ وَكَانَ نور الدّين ذكيا ألمعيا فطنا لوذعيا لَا تشتبه عَلَيْهِ الْأَحْوَال وَلَا يتبهرج عَلَيْهِ الرِّجَال وَلَا يتأهل لغير أهل الْفضل مِنْهُ الإفضال قَالَ وَلما عرض صَلَاح الدّين بعد العاضد خزائنه واستخرج دفائنه سير مِنْهَا عدَّة من الْأَمْتِعَة المستحسنة والآلات المثمنة وَقطع البلور واليشم والأواني الَّتِي لَا يتَصَوَّر وجودهَا فِي الْوَهم وَمَعَهَا ثَلَاث قطع من البلخش أكبرها نَيف وَثَلَاثُونَ مِثْقَالا وَالثَّانيَِة ثَمَانِيَة عشر وَالْأُخْرَى دونهَا وَقرن بهَا من اللآلئ مصونها ومكنونها وَحمل مَعهَا من الذَّهَب سِتِّينَ ألف دِينَار ووصلت من غرائب المصنوعات مَا لَا يجْتَمع مثله فِي أعصار وأعمار وَمن الطّيب والعطر مَا لم يخْطر ببال عطار فَشكر نور الدّين همته وَذكر بِالْكَرمِ شيمته وَوصف فضيلته وَفضل صفته وَقَالَ مَا كَانَت بِنَا حَاجَة إِلَى هَذَا المَال وَلَا نسد بِهِ خلة الإقلال فَهُوَ يعلم أَنا مَا

стр. 655

أنفقنا الذَّهَب فِي ملك مصر وبنا إِلَى الذَّهَب فقر وَمَا لهَذَا الْمَحْمُول فِي مُقَابلَة مَا جُدْنا بِهِ قدر وتمثل بقول أبي تَمام (لم يُنفق الذَّهَب المُرْبى بكثرته ... على الْحَصَى وَبِه فقر إِلَى الذَّهَب) لكنه يعلم أَن ثغور الشَّام مفتقرة إِلَى السداد ووفور الْأَعْدَاد من الأجناد وَقد عَم بالفرنج بلَاء الْبِلَاد فَيجب أَن يَقع التعاقد على الْإِمْدَاد بالمعونة والمعونة بالإمداد فاستنزره وَمَا استغزره واستقل الْمَحْمُول فِي جنب مَا حَرَّره وتروى فِيمَا يدبره وأفكر فِيمَا يقدمهُ من هَذَا المهم ويؤخره قَالَ ابْن أبي طيّ لم تقع هَذِه الْهَدِيَّة من نور الدّين بموقع وجرد الْمُوفق بن القيسراني وزيره إِلَى مصر وَأمره بِعَمَل حِسَاب الْبِلَاد واستعلام أَخْبَارهَا وارتفاعها وَأَيْنَ صرفت أموالها فَإِذا حصل جَمِيع ذَلِك قرر على صَلَاح الدّين وَظِيفَة يحملهَا فِي كل سنة وعظُم على نور الدّين أَمر مصر وَأَخذه من إستيلاء صَلَاح الدّين عَلَيْهَا الْمُقِيم المقعد وَأكْثر فِي مراسلته فِي حمل الْأَمْوَال حَدثنِي أبي قَالَ لم يخف حَال نور الدّين فِي كَرَاهِيَة الْملك النَّاصِر وَلَقَد علم ذَلِك جَمِيع الأجناد والأمراء وتحدث بِهِ الْعَوام وَلَا سِيمَا حِين أنفذ هَذِه الْهَدِيَّة وَاشْتَدَّ بعد ذَلِك فِي مراسلته وأنفذ ابْن

стр. 656

القيسراني لكشف الحوال وَلَو طَال عمره لم يكن لَهُ بدُّ من الدُّخُول إِلَى مصر قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ نور الدّين مذُ مُلكت مصر وَتوجه لَهُ فِيهَا النَّصْر يُؤثر أَن يُقرر لَهُ فِيهَا مَال للْحَمْل يَسْتَعِين بِهِ على كلف الْجِهَاد وَتَخْفِيف مَاله من الثّقل وَالْأَيَّام تماطله والأعوام تطاوله وَهُوَ ينْتَظر أَن صَلَاح الدّين يبتدئ من نَفسه بِمَا يُريدهُ وَهُوَ لايستدعي مِنْهُ وَلَا يستزيده فَلَمَّا حمل من أخاير الذَّخَائِر وَالْمَال الْحَاضِر مَا حمله وَعرف مجمله ومفصله تقدم إِلَى الْمُوفق خَالِد بن القيسراني أَن يمْضِي وَيُطَالب وَيَقْتَضِي وَيعْمل أَيْضا بِالْأَعْمَالِ المصرية جزازة وَلَا يبْقى فِي نفوس ديوانه من أمرهَا حزازة وَأرْسل مَعَه الْهَدَايَا والتحف والسنايا وَأقَام الْعِمَاد مقَامه فِي ديوَان الِاسْتِيفَاء فَجمع بَين الإشراف والاستيفاء ومنصب الْإِنْشَاء ثمَّ كَانَ من أمره مَا سَيَأْتِي ذكره قَالَ الْعِمَاد وَخرج صَلَاح الدّين فِي النّصْف من شَوَّال وَمَعَهُ الْفِيل والحمارة الْعَتَّابِيَّةِ والذخائر النفيسة الَّتِي كَانَ انتخبها من خَزَائِن الْقصر وَهِي مَعْدُودَة من محَاسِن الْعَصْر وَقد سبق ذكر تسييرها إِلَى نور الدّين وقُوبلت بِالْإِحْسَانِ والتحسين ووصلت الحمارة وَكَثُرت لَهَا النظارة وَأما

стр. 657

الْفِيل فَإِنَّهُ وصل إِلَيْنَا فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَنحن بحلب بالميدان الْأَخْضَر وأهداه نور الدّين إِلَى ابْن أَخِيه سيف الدّين غَازِي صَاحب الْموصل مَعَ شَيْء من تحفه الثِّيَاب وَالْعود العنبر ثمَّ سيره سيف الدّين غَازِي إِلَى بَغْدَاد هَدِيَّة للخليفة مَعَ مَا سيّره مَعَه من التحف اللطيفة وسير نور الدّين الحمارة الْعَتَّابِيَّةِ إِلَى بَغْدَاد مَعَ هَدَايَا وتحف سنايا فصل فِي جِهَاد السلطانين للفرنج فِي هَذِه السّنة قَالَ الْعِمَاد وَنزل صَلَاح الدّين على الكرك والشوبك وَغَيرهمَا من الْحُصُون فبرح بهَا وَفرق عَنْهَا عربها وَخرب عماراتها وشنت على أَعمالهَا سراياه بغاراتها وَوصل مِنْهُ كتاب بالمثال الفاضلي سَبَب هَذِه الْخدمَة إِلَى مَوْلَانَا الْملك الْعَادِل أعز الله سُلْطَانه وَمد أبدا إحسانه وَمكن بالنصر إِمْكَانه وشيد بالتأييد مَكَانَهُ وَنصر أنصاره وأعان أعوانه علم الْمَمْلُوك بِمَا يؤثره الْمولى بِأَن يقْصد الْكفَّار بِمَا يقص أجنحتهم ويفلل أسلحتهم وَيقطع موادهم وَيخرب بِلَادهمْ وأكبر الْأَسْبَاب الْمعينَة على مَا يرومه من هَذِه الْمصلحَة أَلا يبْقى فِي بِلَادهمْ أحدُ من العربان وَأَن يَنْتَقِلُوا من ذل الْكفْر إِلَى عز الْإِيمَان وَمِمَّا اجْتهد فِيهِ غَايَة الِاجْتِهَاد وعده من أعظم أَسبَاب

стр. 658

الْجِهَاد ترحيل كثير من أنفارهم والحرص فِي تَبْدِيل دَارهم إِلَى أَن صَار الْعَدو الْيَوْم إِذا نَهَضَ لَا يجد بَين يَدَيْهِ دَلِيلا وَلَا يَسْتَطِيع حِيلَة وَلَا يَهْتَدِي سَبِيلا ثمَّ ذكر بَاقِي الْكتاب قَالَ ابْن شَدَّاد وَهَذِه أول غَزْوَة غَزَاهَا صَلَاح الدّين من الديار المصرية وَإِنَّمَا بَدَأَ بِبِلَاد الكرك والشوبك لِأَنَّهَا كَانَت أقرب إِلَيْهِ وَكَانَت فِي الطَّرِيق تمنع من يقْصد الديار المصرية وَكَانَ لايمكن أَن تصل قافلة حَتَّى يخرج هُوَ بِنَفسِهِ يعبرها بِلَاد الْعَدو فَأَرَادَ توسيع الطَّرِيق وتسهيله لتتصل الْبِلَاد بَعْضهَا بعض وتسهل على السابلة فَخرج قَاصِدا لَهَا فِي أثْنَاء سنة ثَمَان وَسِتِّينَ فحاصرها وَجرى بَينه وَبَين الفرنج وقعات وَعَاد عَنْهَا وَلم يظفر مِنْهَا بِشَيْء فِي تِلْكَ الدفعة وَحصل ثَوَاب الْقَصْد وَأما نور الدّين فَإِنَّهُ فتح مرعش فِي ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة وَأخذ بهسني فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا وَقَالَ الْعِمَاد حضرت عِنْد الْملك الْعَادِل نور الدّين بِدِمَشْق فِي الْعشْرين من صفر وَوَجهه بِنور الْبشر قد سفر والْحَدِيث يجْرِي فِي طيب دمشق وَحسن آلائها ورقَّة هوائها وبهجة بهائها وإزهار أرْضهَا كزهر سمائها وكلّ منا يمدحها وبحبه يمنحها وكلّ منا يطريها فَقَالَ

стр. 659

نور الدّين أَنا حُبّ الْجِهَاد يسليني عَنْهَا فَمَا أَرغب فِيهَا فارتجلت هَذَا الْمَعْنى فِي الْحَال فَقلت (لَيْسَ فِي الدُّنْيَا جَمِيعًا ... بلدةُ مثل دمشق) (ويسليني عَنْهَا ... فِي سَبِيل الله عشقي) (والتقى الأَصْل وَمن يَتْرُكهَا ... يَشْقَى ويُشْقي) (كم رشيقٍ شاغل عَنهُ ... بِسَهْم الْغَزْو رشقي) (وامتشاق الْبيض يُغني ... عَنهُ بالإقلام مشقي) قَالَ وسألني نور الدّين أَن أعمل دوبيتيات فِي معنى الْجِهَاد على لِسَانه فَقلت (للغزو نشاطي وَإِلَيْهِ طربي ... مَالِي فِي الْعَيْش غَيره من أرب) (بالجد وبالجهاد نجح الطّلب ... والراحة مستودعة فِي التَّعَب) وَقلت أَيْضا

стр. 660

(لَا رَاحَة فِي الْعَيْش سوى أَن أغزو ... سَيفي طَربا إِلَى الطلي يَهْتَز) (فِي ذل ذَوي الْكفْر يكون الْعِزّ ... وَالْقُدْرَة فِي غير جهادٍ عجز) وَقلت أَيْضا (أَقْسَمت سوى الْجِهَاد مَالِي أرب ... والراحة فِي سواهُ عِنْدِي تَعب) (إِلَّا بالجد لَا ينَال الطّلب ... والعيش بِلَا جدِّ جهادٍ لعب) قَالَ وَاتفقَ خُرُوج كلب الرّوم اللعين فِي جنود الشَّيَاطِين يقْصد الْغَارة على زرَّا من نَاحيَة حوران وهم فِي جمع غلبت كثرته الْخَبَر والعيان ونزلوا بقرية تعرف بشمسكين فَركب نور الدّين وَهُوَ نَازل بالكسوة إِلَيْهِم وأقدم بعساكره عَلَيْهِم فَلَمَّا عرفُوا وُصُوله رحلوا إِلَى الفوار ثمَّ إِلَى السوَاد ثمَّ نزلُوا بالشلالة وَنزل نور الدّين عشترا وَقد سرَّه مَا جرى فأنفذ سريّة إِلَى أَعمال طبرية واغتنم خلّوها فأدلجت تِلْكَ اللَّيْلَة وحمدت فِي شن الْغَارة غدوها فَلَمَّا عَادَتْ لحقها الفرنج عِنْد المخاضة فَوقف الشجعان وَثَبت من ثبته الْإِيمَان حَتَّى عبرت السّريَّة وانفصلت تِلْكَ الْقَضِيَّة ورحل نور الدّين من عشترا فَنزل بِظَاهِر زرَّا قَالَ الْعِمَاد وَكنت رَاكِبًا فِي لقائهم مَعَ الْملك الْعَادِل وَهُوَ يَقُول لي كَيفَ تصف مَا جرى فمدحته بقصيدة مِنْهَا (عُقدت بنصرك راية الْإِيمَان ... وبدت لعصرك آيَة الْإِحْسَان)

стр. 661

(يَا غَالب الغلب الْمُلُوك وصائد الصَّيْد ... اللُّيوث وَفَارِس الفرسان) (يَا سالب التيجان من أَرْبَابهَا ... حُزت الفخار على ذَوي التيجان) (محمودُ الْمَحْمُود مَا بَين الورى ... فِي كل إقليم بِكُل لِسَان) (يَا وَاحِدًا فِي الْفضل غير مُشارك ... أَقْسَمت مَالك فِي البسيطة ثَانِي) (أحلى أمانيك الجهادُ وإنهُ ... لَك مؤذنُ أبدا بِكُل أَمَان) (كم بكر فتح ولَّدته ظُباك من ... حَرْب لقمع الْمُشْركين عَوان) (كم وقعةٍ لَك بالفرنج حَدِيثهَا ... قد سَار فِي الْآفَاق والبلدان) (قمصت قومصهم رِدَاء من ردى ... وقرنت رَأس برنسهم بسنان) (وملكت رقّ مُلوكهم وتركتهم ... بالذل فِي الأقياد والأسجان) (وَجعلت فِي أَعْنَاقهم أغلالهم ... وسحبتهم هُوناً على الأذقان) (إِذْ فِي السوابغ تحطم السمر القنا ... وَالْبيض تخضب بالنجيع القاني) (وعَلى غناء المشرفية فِي الطلى ... والهام رقص عوالي المّران) (وَكَأن بَين النَّقْع لمع حديدها ... نارُ تألقُ من خلال دُخان) (فِي مأزق ورد الوريد مكفل ... فِيهِ برىّ الصارم الظمآن) (غطى العجاج بِهِ نُجُوم سمائه ... لتنوب عَنْهَا أنجم الخرصان) (أَو مَا كفاهم ذَاك حَتَّى عاودوا ... طُرُق الضلال ومركب الطغيان) (يَا خيبة الإفرنج حِين تجمعُوا ... فِي حيرة وَأتوا إِلَى حوران) وَمِنْهَا (وجلْوتَ نور الدّين ظلمَة كفرهم ... لما أتيت بواضح البُرهان)

стр. 662

(وهزمتهم بِالرَّأْيِ قبل لقائهم ... والرأي قبل شجاعة الشجعان) (أَصبَحت لِلْإِسْلَامِ رُكناً ثَابتا ... وَالْكفْر مِنْك مضعضع الْأَركان) (قوضت آساس الضلال بعزمك الْمَاضِي ... وشدْت مباني الْإِيمَان) (قُل أَيْن مثلك فِي الْمُلُوك مُجَاهِد ... لله فِي سِر وَفِي إعلان) (لم تلقهم ثِقَة بِقُوَّة شوْكةٍ ... لَكِن وثقت بنصرة الرحمان) (مَا زَالَ عزمك مُسْتقِلّا بِالَّذِي ... لايستقل بثقله الثَّقَلَان) (وَبَلغت بالتأييد أقْصَى مبلغ ... مَا كَانَ فِي وسع وَلَا إِمْكَان) (دَانَتْ لَك الدُّنْيَا فقاصيهما إِذا ... حققته لنفاذ أَمرك داني) (فَمن الْعرَاق إِلَى الشآم إِلَى ذرا ... مصر إِلَى قوص إِلَى أسوان) (لم تله عَن بَاقِي الْبِلَاد وَإِنَّمَا ... ألهاك فرض الْغَزْو عَن همذان) (للروم والإفرنج مِنْك مصائب ... بِالتّرْكِ والأكراد والعربان) (أذعنت لله الْمُهَيْمِن إِذْ عنت ... لَك أوجه الْأَمْلَاك بالإذعان) (أَنْت الَّذِي دون الْمُلُوك وجدته ... ملآن من عرف وَمن عرفان) (فِي بَأْس عَمْرو فِي بسالة حيدرٍ ... فِي نطق قس فِي تقى سلمَان) (سير لَو أَن الْوَحْي ينزل أنزلت ... فِي شَأْنهَا سورُ من الْقرَان) (فَاسْلَمْ طَوِيل العُمْر ممتد المدى ... صافي الْحَيَاة مخلد السُّلْطَان)

стр. 663

وَهِي قصيدة طَوِيلَة وصف فِيهَا أمراءه الْحَاضِرين الْجِهَاد مَعَه ومدحهم فصل فِي فتح بِلَاد النّوبَة قَالَ الْعِمَاد وَفِي جمادي الأولى غزا شمس الدولة تورانشاه بن أَيُّوب أَخُو صَلَاح الدّين بِلَاد النّوبَة وأراهم سطاه المرهوبة وَفتح حصناً لَهُم يعرف بإبريم وآلى أَلا يريم وَهِي بلادُ عديمة الجدوى عَظِيمَة الْبلوى ثمَّ جمع السبْيّ وَعَاد بِهِ إِلَى أسوان وفرّق على أَصْحَابه فِي الْغَنَائِم السودَان وَقَالَ ابْن أبي طيّ الْحلَبِي وَفِي هَذِه السّنة اجْتمع السّودان وَالْعَبِيد من بِلَاد النّوبَة وَخَرجُوا فِي أُمَم عَظِيمَة قَاصِدين ملك بِلَاد مصر وصاروا إِلَى أَعمال الصَّعِيد وصمموا على قصد أسوان وحصارها وَنهب قراها وَكَانَ بهَا ألأمير كنز الدولة فأنفذ يُعلم الْملك النَّاصِر وَطلب مِنْهُ نجدة فأنفذ قِطْعَة من جَيْشه مَعَ الشجاع البعلبكي فَلَمَّا وصل إِلَى أسوان وجد العبيد قد عَادوا عَنْهَا بعد أَن أخربوا أرْضهَا فأتبَّعهم الشجاع والكنز فجرت حربُ عَظِيمَة قُتل فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ عَالم عَظِيم وَرجع الشجاع إِلَى الْقَاهِرَة وَأخْبر بفعال العبيد وتمكنهم من بِلَاد الصَّعِيد فأنفذ الْملك النَّاصِر أَخَاهُ شمس الدولة فِي عَسْكَر كثيف فَوَجَدَهُمْ

стр. 664

قد دخلُوا بِلَاد النّوبَة فَسَار قَاصِدا بِلَادهمْ وشحن مراكب كَثِيرَة فِي الْبَحْر بِالرِّجَالِ والميرة وأمرها بلحاقه إِلَى بِلَاد النّوبَة وَسَار إِلَيْهَا وَنزل على قلعة إبريم وافتتحها بعد ثَلَاثَة أَيَّام وغنم جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا من المَال والكُراع والميرة وخلص جمَاعَة من الأسرى وَأسر من وجده فِيهَا وهرب صَاحبهَا وَكتب إِلَى السُّلْطَان بذلك فَأَنْشد السُّلْطَان أَبُو الْحسن بن الذروي يهنئه بِفَتْح إبريم قصيدة مِنْهَا (فقدّم العَزْم فَذا مُبتداه ... يقصر ملك الأَرْض عَن منتهاه) (واسحب ذيول الْجَيْش حَتَّى أرى ... أنجمه طالعة عَن دُجاه) (سواك من ألْقى عَصَاهُ بهَا ... قناعةً لما اسْتَقَرَّتْ نَوَاه) (عَلَيْك بالروم ودع صَاحب التَّاج ... إِذا شِئْت وتورانشاه) (فقد غَدَتْ إبريم فِي ملكه ... تُبرم أمرا فِيهِ كبْتُ العداه) (لابد للنوبة من نوبَة ... ترضي بسخط الْكفْر دين الْإِلَه) (تظل من سوبة منسوبة ... لعزمةٍ كامنة فِي أناه) (تكسو الْغُزَاة القاطني أرْضهَا ... مَا نسجت للحرب أَيدي الغُزاه) (سود وتحمر الظبى حولهَا ... كأعين الرُّمد بَدَت للأساه)

стр. 665

(أَولا فسُمرُ يحتميها القنا ... مثل دنان بزلتها السقاه) (لله جَيش مِنْك لَا ينثني ... إِلَّا بنصر دميت شفرتاه) (مَا بَين عقبان وَلكنهَا ... خيل وفرسان كَمثل البزاه) (آساد حَرْب فَوق أَيْديهم ... أساود الطعْن فهم كالحواه) (تقلّدوا الْأَنْهَار واستلأموا الغدران ... فالنيران تجْرِي مياه) قَالَ ثمَّ رَجَعَ شمس الدولة إِلَى أسوان ثمَّ إِلَى قوص وَكَانَ فِي صحبته أَمِير يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم الْكرْدِي فَطلب من شمس الدولة قلعة إبريم فأقطعه إِيَّاهَا وأنفذ مَعَه جمَاعَة من الأكراد البطالين فَلَمَّا حصلوا فِيهَا تفرّقوا فرقا وَكَانُوا يشنون الغارات على بِلَاد النّوبة حَتَّى برحوا بهم واكتسبوا أَمْوَالًا كَثِيرَة حَتَّى عفت أَرْزَاقهم وَكَثُرت مَوَاشِيهمْ وأتفق أَنهم عدّوا إِلَى جَزِيرَة من بِلَاد النّوبَة تعرف بِجَزِيرَة دندان فغرق أَمِيرهمْ إِبْرَاهِيم وَجَمَاعَة من أَصْحَابه وَرجع من بَقِي مِنْهُم إِلَى قلعة إبريم وَأخذُوا جَمِيع مَا كَانُوا فِيهَا وأخلوها بعد مقامهم بهَا سنتَيْن فَعَاد النّوبَة إِلَيْهَا وملكوها وأنفذ ملك النّوبَة رَسُولا إِلَى شمس الدولة وَهُوَ مُقيم بقوص وَمَعَهُ كتاب فِيهِ طلب الصُّلْح وَمَعَ الرَّسُول هَدِيَّة عبد وَجَارِيَة فَكتب لَهُ جَوَاب كِتَابه وَأَعْطَاهُ زَوجي نشاب وَقَالَ مَا لَك عِنْدِي جَوَاب إِلَّا هَذَا وجهز

стр. 666

مَعَه رَسُولا يعرف بمسعود الْحلَبِي وأوصاه أَن يكْشف لَهُ خبر الْبِلَاد ليدخلها فَسَار الْحلَبِي مَعَ الرَّسول حَتَّى وصل دنقله وَهِي مَدِينَة الْملك قَالَ مَسْعُود فَوجدت بلادا ضيقَة لَيْسَ لَهُم زرع إِلَّا الذّرة وَعِنْدهم نخل صغَار مِنْهُ إدَامهمْ وَوصف ملكهم بأوصاف مِنْهَا أَن قَالَ خرج علينا يَوْمًا وَهُوَ عُرْيَان قد ركب فرسا عريا وَقد التف فِي ثوب أطلس وَهُوَ أَقرع لَيْسَ على رَأسه شعر قَالَ فَأتيت فَسلمت عَلَيْهِ فَضَحِك وتغاشى وَأمر بِي أَن تكوى يَدي فكوى عَلَيْهَا هَيْئَة صَلِيب وَأمر لي بِقدر خمسين رطلا من الدَّقِيق ثمَّ صرفني قَالَ وَأما دنقلة فَلَيْسَ فِيهَا عمَارَة إِلَّا دَار الْملك فَقَط وباقيها أخصاص فصل فِي وَفَاة نجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين وطرف من أخباره قَالَ الْعِمَاد وَركب نجم الدّين أَيُّوب فشب بِهِ فرسه بِالْقَاهِرَةِ عِنْد بَاب النَّصْر وسط المحجَّة يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّامِن عشر من ذِي الْحجَّة وَحمل إِلَى منزله وعاش ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ توفّي فِي يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَكَانَ كَرِيمًا رحِيما عطوفا حَلِيمًا وبابه مزدحم الْوُفُود وَهُوَ متْلف الْمَوْجُود ببذل الْجُود وَكَانَ وَلَده صَلَاح الدّين عَنهُ غَائِبا وَفِي بِلَاد الكرك

стр. 667

والشوبك على الْغُزَاة مواظبا فَدفن إِلَى جَانب قبر أَخِيه أَسد الدّين فِي بَيت فِي الدَّار السُّلْطَانِيَّة ثمَّ نقلا بعد سِنِين إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة على ساكنها أفضل الصَّلَاة والسّلام والتحية وَالْإِكْرَام والإجلال والإعظام وعَلى آله وَصَحبه وَسلم قلت وقبرهما فِي تربة الْوَزير جمال الدّين الْأَصْفَهَانِي وَزِير الْموصل الْمُقدم ذكره رَحِمهم الله تَعَالَى وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد وَلما عَاد صَلَاح الدّين من غزاته بلغه قبل وُصُوله إِلَى مصر وَفَاة أَبِيه نجم الدّين فشقّ ذَلِك عَلَيْهِ حَيْثُ لم يحضر وَفَاته وَكَانَ سَبَب وَفَاته وُقُوعه من الْفرس وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى شَدِيد الرّكض ولعاً بلعب الكرة بِحَيْثُ من رَآهُ يلْعَب بهَا يَقُول مَا يَمُوت إِلَّا من وُقُوعه عَن ظهر الْفرس وَمن كتاب فاضليّ عَن السُّلْطَان إِلَى عز الدّين فرخشاه بِمصْر يَقُول فِيهِ صحّ من الْمُصَاب بالمولى الدارج غفر الله لَهُ ذَنبه وَسَقَى بِالرَّحْمَةِ تربه مَا عظمت بِهِ اللوعة واشتدت الروعة وتضاعفت لغيبتنا عَن

стр. 668

مشهده الْحَسْرَة فاستنجدنا بِالصبرِ فَأبى وأنجدت الْعبْرَة فياله فقيداً فقد عَلَيْهِ العزاء وهانت بعده الأرزاء وانتثر شَمل الْبركَة بفقده فَهِيَ بعد الِاجْتِمَاع أَجزَاء (وتخطفته يَد الردى فِي غيبتي ... هبني حضرت فَكنت مَاذَا أصنع) قَالَ ابْن أبي طي الْحلَبِي هُوَ الْأَمِير نجم الدّين أَيُّوب بن شاذي وَلَا يعرف فِي نسبه أَكثر من وَالِده شاذي وحَدثني أبي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ كَانَ تَقِيّ الدّين عمر يزِيد فَيَقُول شاذي بن مَرْوَان قلت وَسمعت أَنا من يَقُول شاذي بن مَرْوَان بن يَعْقُوب قَالَ ابْن أبي طي وَقد أدّعى ابْن سيف الْإِسْلَام لما ملك الْيمن أَنهم من بني مَرْوَان بن مُحَمَّد الْجَعْدِي الْمَعْرُوف بالحمار يعْنى آخر خلفاء بني أُميَّة قَالَ وَقد نقبت عَن ذَلِك فأجمع الْجَمَاعَة من آل أَيُّوب أَن هَذَا كذب وَأَن جَمِيع آل أَيُّوب لايعرفون جدَّاً فَوق شاذي وَكَذَلِكَ أَخْبرنِي السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر رَحمَه الله تَعَالَى قلت وَدَلِيل صِحَة ذَلِك أنني وقفت على كتاب وقف الرّباط النجمي بِدِمَشْق وَلم يزدْ فِيهِ على نجم الدّين أَبُو سعيد أَيُّوب بن شاذي العادلي وَابْن سيف الْإِسْلَام هَذَا هُوَ أَبُو الْفِدَاء اسماعيل بن طغتكين بن

стр. 669

أَيُّوب بن شاذي ابْن أخي السُّلْطَان صَلَاح الدّين ملك الْيمن بعد أَبِيه وتعاظم إِلَى أَن ولي نَفسه الْخلَافَة وَادّعى أَنه من بني أُميَّة وعزم على إِعَادَة الْخلَافَة من بني هَاشم إِلَى بني أُميَّة وَله فِي ذَلِك أشعار كَثِيرَة وتلقب بِالْإِمَامِ الْهَادِي بِنور الله الْمعز لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ ومدحه كثير من الشُّعَرَاء بذلك وزينوا لَهُ فعله وَمَا هُوَ فِيهِ فَمن شعره (وَإِنِّي أَنا الْهَادِي الْخَلِيفَة وَالَّذِي ... أدوس رِقَاب الغُلب بالضُّمَّر الجرد) (وَلَا بُد مِنْ بَغْدَاد أطوي ربوعها ... وأنشرها نشر السماسر للبرد) (وأنصب أعلامي على شرفاتها ... وأُحيي بهَا مَا كَانَ أسسه جدّي) (ويُخطبُ لي فِيهَا على كل مِنْبَر ... وَأظْهر دين الله فِي الْغَوْر والنّجد) ثمَّ قَالَ ابْن أبي طيّ وَكَانَ نجم الدّين أَيُّوب عدلا مرضيا كثير الصَّلَاة والصلات غزير الْفضل والخيرات يحبّ الْعلمَاء ويميل إِلَى الْفُضَلَاء وَكَانَ ممدحا مدحه الْعِمَاد الْكَاتِب بعدة قصائد قَالَ وَكَانَ مولد نجم الدّين أَيُّوب بِبَلَد شبختان كَذَا حَكَاهُ مؤيد

стр. 670

الدّين ابْن منقذ وحدّثني جمَاعَة أَن مولد نجم الدّين كَانَ بجبل جور وربى فِي بلد الْموصل وَنَشَأ شجاعا باسلا وخدم السُّلْطَان مُحَمَّد بن ملكشاه فَرَأى مِنْهُ أَمَانَة وعقلاً وسداداً وشهامة فولاّه قلعة تكريت فَقَامَ فِي ولايتها أحسن قيام وضَبَطها أكْرم ضبط وَأجلى من أرْضهَا المفسدين وقطاع الطَّرِيق وَأهل العيث حَتَّى عمرت أرْضهَا وَحسن حَال أَهلهَا وَأمنت سبلها فَلَمَّا ولي السُّلْطَان مَسْعُود الْملك أقطع قلعة تكريت لمجاهد الدّين بهروز الْخَادِم شحنة بَغْدَاد ومُتولي الْعرَاق وَكَانَ هَذَا بهروز أَمِيرا ينفذ أمره فِي جَمِيع الْعرَاق إِلَى الْبَصْرَة إِلَى الْموصل إِلَى أصفهان وَكَانَت خيله خَمْسَة الآف فَارس فَأقر الْأَمِير نجم الدّين فِي ولَايَة تكريت وأضاف إِلَيْهِ النّظر فِي جَمِيع الْولَايَة المتاخمة لَهُ وَقرر أمره عِنْد السُّلْطَان مَسْعُود وَجعل بهروز قلعة تكريت خزانَة أَمْوَاله وَبَيت عقائله وَجعل جَمِيع ذَلِك مَنُوطًا بالأمير نجم الدّين ومعذوقا بهمته وَكَانَ نجم الدّين عَظِيما فِي أنفس النَّاس بِالدّينِ وَالْخَيْر وَحسن السياسة وَكَانَ لَا يمر أحد من أهل الْعلم وَالدّين بِهِ إِلَّا حمل إِلَيْهِ المَال والضيافة الجليلة وَكَانَ لَا يسمع بِأحد من أهل الدّين فِي مَدِينَة إِلَّا أنفذ إِلَيْهِ
следующие страницы →