Полный текст (1 810 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
قَالَ الْعِمَاد وحلفوا لَهُ على كل مَا شَرطه وَاعْتَذَرُوا عَن كلّ مَا أسخطه وَكَانَ الصُّلح عَاما لَهُم وللمواصلة وَأهل ديار بكر وكُتب فِي نُسْخَة الْيَمين أَنه إِذا غدر مِنْهُم واحدٌ وَخَالف وَلم يفِ بِمَا عَلَيْهِ حَالف كَانَ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ يدا وَاحِدَة وعزيمة متعاقدة حَتَّى يفِيء إِلَى الْوَفَاء والوفاق وَيرجع إِلَى مرافقة الرّفاق
فَلَمَّا انتظم الصُّلْح ذكر السُّلْطَان ثَأْره عِنْد الاسماعيلية وَكَيف قصدوه بِتِلْكَ البلية فَرَحل يَوْم الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من المحرّم فحصر حصنهمْ مصياث وَنصب عَلَيْهِ المجانيق الْكِبَار وأوسعهم قتلا وأسراً وسَاق أبقارهم وخرّب دِيَارهمْ وَهدم أعمارهم وهتك أستارهم حتّى شفع فيهم خَاله شهَاب الدّين مَحْمُود بن تكش صَاحب حماة وَكَانُوا قد راسلوه فِي ذَلِك لأَنهم جِيرَانه فَرَحل عَنْهُم وَقد انتقم مِنْهُم
قَالَ وَكَانَ الفرنج قد أَغَارُوا على الْبِقَاع فَخرج إِلَيْهِم شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك الْمَعْرُوف بِابْن الْمُقدم وَهُوَ مُتَوَلِّي بعلبك ومقطع أَعمالهَا ومدبّر أحوالها والمتحكم فِي أموالها فَقتل مِنْهُم وَأسر أَكثر من مئتي أَسِير وأحضرهم عِنْد السُّلْطَان وَهُوَ على حِصَار مصياث فجدّد مِنْهُ إِلَى غَزْو الفرنج الانبعاث
стр. 842
قَالَ ابْن أبي طي وهذ أكبر الدَّوَاعِي فِي مصالحة السُّلْطَان لسنان وَخُرُوجه من بِلَاد الاسماعيلية لِأَن السُّلْطَان خَافَ أَن تهيج الفرنج فِي الشَّام الْأَعْلَى وَهُوَ بعيد عَنهُ فرُبما ظفروا من الْبِلَاد بطائل فَصَالح سِنَانًا وَعَاد إِلَى دمشق
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ قد خرج شمس الدولة أَخُو السُّلْطَان من دمشق حِين سمع أَن الفرنج على الْخُرُوج وباسطهم عِنْد عين الْجَرّ فِي تِلْكَ المروج وَوَقع من أَصْحَابه عدّة فِي الأسار مِنْهُم سيف الدّين أَبُو بكر بن السلار
وَوصل السُّلْطَان إِلَى حماة وَقد اسْتكْمل الظَّفر وَاجْتمعَ فِيهَا بأَخيه شمس الدولة ثَانِي صفر وَهُوَ أول لِقَائِه بَعْدَمَا أزمع عَنهُ إِلَى الْيمن السّفر وتعانق الأخوان فِي المخيّم بالميدان وتحدّثا فِي الْحدثَان وروعات الْفِرَاق ولوعات الأشواق
وَكَانَ قد وصل إِلَى السُّلْطَان من أَخِيه هَذَا عِنْد مُفَارقَته بِلَاد الْيمن كتاب ضمنّه أبياتا أظنها من شعر ابْن المنجم الْمصْرِيّ أَولهَا
стр. 843
(الشوق أولع بالقلوب وأوجع ... فَعَلاَمَ أدفَع مِنْهُ مَا لايدفع)
مِنْهَا
(وحملت من وجد الْأَحِبَّة مُفردا ... مَا لَيْسَ تحمله الْأَحِبَّة أجمع)
(لَا يسْتَقرّ بيَ النّوى فِي مَوضِع ... إِلَّا تقاضاني التَّرَّحلَ مَوضِع)
(فَإلَى صَلَاح الدّين أَشْكُو أنني ... من بعده مُضْنى الجوانح موجع)
(جزعا لبعد الدَّار مِنْهُ وَلم أكن ... لَوْلَا هَوَاهُ لبعد دارٍ أجزع)
(فلأركبنَّ إِلَيْهِ متن عزائمي ... ويُخبّ بِي ركبُ الغرام وَيُوضَع)
(حتّى أشاهد مِنْهُ أسعد طلعة ... من أفقها صبح السَّعَادَة يطلع)
قَالَ الْعِمَاد فَسَأَلَنِي السُّلْطَان أَن أكتب لَهُ فِي جوابها على رَوِيها ووزنها فَقلت فَذكر قصيدة مِنْهَا
(مولَايَ شمس الدولة الْملك الَّذِي ... شمس السِّيَادَة من سناه تطلع)
(مَالِي سواك من الْحَوَادِث ملجأُ ... مَالِي سواك من النّوائب مفزع)
(وَلأَنت فَخر الدّين فخري فِي الْعلَا ... وملاذُ آمالي ورُكني الأمنع)
(إِلَّا بخدمتك الْمجلة موقعي ... وَالله مَا للْملك عِنْدِي موقع)
(وَبِغير قُربك كلُّ مَا أرجوه من ... دَرك المُنى مُتَعَذر متمنع)
(النَّصْر إِن أَقبلت نحوي مُقْبل ... واليمنُ إِن أسرعت نحوي مسرع)
قَالَ ثمّ سرنا إِلَى دمشق ووصلنا إِلَيْهَا سَابِع عشر صفر وفوّض ملك دمشق إِلَى أَخِيه الْملك الْمُعظم شمس الدولة وعزم إِلَى مصر السّفر
стр. 844
فصل فِي ذكر جمَاعَة من الْأَعْيَان تجدّد لَهُم مَا أقتضى ذكرهُ فِي هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد فِي السَّادِس من المحرّم توفيّ بِدِمَشْق القَاضِي كَمَال الدّين بن الشهرزوري وعمره ثَمَانُون سنة لِأَن مولده فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبع مئة وَكَانَ فِي الْأَيَّام النُّورية بِدِمَشْق هُوَ الْحَاكِم المتحكم وَصَلَاح الدّين إِذا ذَاك يتَوَلَّى الشحنكية بِدِمَشْق وَكَمَال الدّين يعكس مقاصده بتوخيّه الْأَحْكَام الشرّعية وَرُبمَا كسر أغراضه وَأبْدى عَن قبُوله إعراضه ويقصد فِي كلّ مَا يعرض لَهُ اعتراضه وَكم صَبر على جماحه بِحمْلِهِ وراضه إِلَى أنْ نَقله الله سُبْحَانَهُ من نِيَابَة الشحنكية إِلَى المُلك وَصَارَ كَمَال الدّين من قُضَاة ممالكه المنتظمة فِي السلك وَكَانَ فِي قلبه مِنْهُ مَا فِيهِ وَمَا فرط مِنْهُ فَاتَ وَقت تلافيه فَلَمَّا ملك دمشق أجراه على حكمه ولمْ يؤاخذه بجرمه واحترم نوّابه وَأكْرم أَصْحَابه وَفتح للشرّع بَابه وخاطبه وَاسْتحْسن جَوَابه وَلم يزل يستفتيه ويستهديه ويعرض على رَأْيه مَا يُعِيدهُ ويبديه
وَكَانَ ابْن أَخِيه ضِيَاء الدّين بن تَاج الدّين الشهرزوري قد هَاجر إِلَى
стр. 845
صَلَاح الدّين بِمصْر فِي ريعان ملكه وأذنت هجرته فِي دَرك إِرَادَته بإدارة فلكه وأنعم عَلَيْهِ هُنَاكَ بِجَزِيرَة الذَّهَب وَمن دَار الْملك بِمصْر بدار الذَّهَب ووفرَّ حَظه من الذَّهَب وَملكه دَارا بِالْقَاهِرَةِ نفيسةً جميلَة جليَّة جليلة ورتّب لَهُ وظائف وخصّه بلطائف وَوصل مَعَ صَلَاح الدّين إِلَى الشَّام وَأمره جارٍ على النظام
وَلما أَشْتَدّ بِكَمَال الدّين الْمَرَض وَكَاد يُفَارق جوهره الْعرض أَرَادَ أنْ يبْقى الْقَضَاء فِي ذويه فوّصى مَعَ حُضُور وَلَده بِالْقضَاءِ لضياء الدّين ابْن أَخِيه علما مِنْهُ بِأَن السُّلْطَان يُمضي حُكمه لأجل سوالفه ويجعله عِنْده من عوائد عوارفه وَمَات وَلم يخلف مثله وَمن شَاهده شَاهد الْعقل وَالْفضل كلّه بارًّا بالأبرار مُخْتَارًا للأخيار مكرما للكرام مَاضِيا فِي الْأَحْكَام وَقد قوّاه نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَولده فِي أَيَّامه وسدد مرامي مرامه
وَهُوَ الَّذِي سنّ دَار الْعدْل لتنفذ أَحْكَامه بِحَضْرَة السُّلْطَان فَلَا يبْقى عَلَيْهِ مغمز وَلَا ملمز لِذَوي الشنآن وَهُوَ الَّذِي تولى لَهُ بِنَاء أسوار دمشق ومدارسها والبيمارستان فاستمرت عَادَته واستقرت قَاعِدَته فِي دولة السُّلْطَان وَتُوفِّي وَنحن بحلب محاصرون
وَذكر الْعِمَاد فِي الخريدة لِابْنِهِ محييّ الدّين قصيدة فِي مرثيته مِنْهَا
(ألِمُّوا بِسَفْحِي قاسيون فَسَلمُوا ... على جدثٍ بَادِي السنا وترحموا)
стр. 846
(وبالرغم مني أَن أناجيه بالمنى ... وأسأل مَعَ بعد المدى من يُسلم)
(لقد عدمت مِنْك الْبَريَّة والدا ... أحن من الْأُم الرؤوف وأرحم)
(وَلَا سِيمَا إخْوَان صدق بجلق ... همُ فِي سَمَاء الْمجد والجود أنجم)
(نشرت لِوَاء الْعدْل فَوق رؤوسهم ... فَمَا كَانَ فيهم من يضام وَيظْلم)
(لقِيت من الرّحمن عفوا وَرَحْمَة ... كَمَا كنت تَعْفُو مَا حييت وترحم)
قَالَ الْعِمَاد وَجلسَ ابْن أَخِيه ضِيَاء الدّين مَكَانَهُ وَأحسن إحسانه وَأبقى نُوّاب عَمه وأنفذ أَحْكَامه بنافذ حكمه
وَكَانَ الْفَقِيه شرف الدّين أَبُو سعد عبد الله بن أبي عصرون قد هَاجر من حلب إِلَى السُّلْطَان وَقد أنزلهُ عِنْده بِدِمَشْق فِي ظلّ الْإِحْسَان وَهُوَ شيخ مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ والأقوم بالفتيا وأعرفهم بِمَا تَقْتَضِيه الشَّرِيعَة من أَمر الدّين والدُّنيا وَالسُّلْطَان يُؤثر أَن يفوّض إِلَيْهِ منصب الْقَضَاء وَلَا يرى عزل الضياء فأفضى بسرّ مُرَاده إِلَى الْأَجَل الْفَاضِل وَكَانَ الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى أَيْضا يتعصب لشيخه فاستشعر الضياء من الْعَزْل وأشير عَلَيْهِ بالاستعفاء فَفعل فأعفى وَبقيت عَلَيْهِ الْوكَالَة الشَّرْعِيَّة عَنهُ فِي بيع الْأَمْلَاك
قَالَ الْعِمَاد وَأول مَا أشتريت مِنْهُ بوكالة السُّلْطَان الأَرْض الَّتِي ببستان بقر الْوَحْش الَّتِي بنيت فِيهَا الْمَوَاضِع من الْحمام والدور والاصطبل والخان وَكنت قد احتكرتها فِي الْأَيَّام النورية فملكتها فِي الْأَيَّام الصلاحية
стр. 847
قلت قد خربَتْ هَذِه الْأَمَاكِن فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وست مئة بِسَبَب الْحصار واستمرّ خرابها وعفت آثارها وَصَارَت طَرِيقا على حافة بردى وَأَنت خَارج من جسر الصفي خَارج بَاب الْفرج مارًّا إِلَى نَاحيَة الميدان
قَالَ فَلَمَّا استعفى ضِيَاء الدّين بن الشهرزوري من الْقَضَاء لم يبْق فِي منصب الْقَضَاء إِلَّا فَقِيه يعرف بالأوحد دَاوُد بن إِبْرَاهِيم بن عمر بن بِلَال الشَّافِعِي وَكَانَ يَنُوب عَن كَمَال الدّين فَأمره السُّلْطَان أَن يجْرِي على رسمه ويتصّرف فِي حكمه
وَكَانَ السُّلْطَان لإحياء الْقَضَاء فِي الْبَيْت الزكوي مؤثرا وَلذكر مناقبه مكثرا وَقد سبق مِنْهُ الْوَعْد للشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون وَهُوَ راج وبطلب نجاز عِدَته مناج ففوض إِلَيْهِ الْقَضَاء وَالْحكم والإنفاذ والإمضاء على أَن يتَوَلَّى محيي الدّين أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّد بن زكي الدّين والأوحد دَاوُد قاضيين فِي دمشق يحكمان وهما عَن نيابته يوردان ويصدران وتوليتهما بتوقيع من السُّلْطَان وَلم يزل الشَّيْخ شرف الدّين بن أبي عصرون مُتَوَلِّيًا للْقَضَاء مُنْفَردا بالحكم والإمضاء سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاث وَسبعين فِي ولَايَة أخي السُّلْطَان الْملك الْمُعظم فَخر الدّين
стр. 848
فَلَمَّا عدنا إِلَى الشَّام تكلم النَّاس فِي ذهَاب نور بَصَره وَأَنه لايقوم فِي الْقَضَاء بورده وصدره ففوض السُّلْطَان الْقَضَاء بِالْإِشَارَةِ الْفَاضِلِيَّةِ إِلَى ابْنه محيي الدّين أبي حَامِد مُحَمَّد كَأَنَّهُ نَائِب أَبِيه وَلَا يظْهر للنَّاس صرفه عَمَّا هُوَ متوليه وَاسْتمرّ الْقَضَاء لَهُ إِلَى انْقِضَاء أشهر من سنة سبع وَثَمَانِينَ ثمَّ صُرف واستقلّ بِهِ ابْن زكي الدّين فَأَقَامَ فِي مُدَّة ولَايَته للشَّرْع الْقَوَاعِد والقوانين وفوّض ديوَان الْوُقُوف بِجَامِع دمشق وَغَيره من الْمَسَاجِد والمشاهد إِلَى أَخِيه مجد الدّين بن الزكي فتولاه إِلَى أَن انْتقل من أَعمال الْوُقُوف إِلَى موقف اعْتِبَار الْأَعْمَال وتوّلاها بعده أَخُوهُ محيي الدّين على الِاسْتِقْلَال إِلَى آخر عهد السُّلْطَان وَبعده
قلت وَفِي صفر وقف السُّلْطَان قَرْيَة حزم باللوى من حوران على الْجَمَاعَة الَّذين يشتغلون بِعلم الشَّرِيعَة أَو بِعلم يحْتَاج إِلَيْهِ الْفَقِيه أَو يحضر لسَمَاع الدُّرُوس بالزاوية الغربية من جَامع دمشق الْمَعْرُوفَة بالفقيه الزَّاهِد نصر الْمَقْدِسِي رَحمَه الله تَعَالَى وعَلى من هُوَ مدرّسهم بِهَذَا الْموضع من أَصْحَاب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ وَجعل النّظر لقطب الدّين النَّيْسَابُورِي ﵀ وَرَأَيْت كتاب الْوَقْف بذلك على هَذِه الصُّورَة وَعَلِيهِ عَلامَة السُّلْطَان رَحمَه الله تَعَالَى الْحَمد لله وَبِه توفيقي
стр. 849
قَالَ الْعِمَاد وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّانِي عشر من صفر وَنحن فِي طَرِيق الْوُصُول إِلَى دمشق توفّي شمس الدّين ابْن الْوَزير أبي المضاء بِدِمَشْق وَهُوَ أول خطيب بالديار المصرية للدولة العباسية وَكَانَ يتَوَلَّى الرسَالَة إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز ويقصده الشُّعَرَاء ويحضره الكرماء فيكثر خلعهم وجوائزهم وَيبْعَث على مدحه غرائزهم فَحمل السُّلْطَان همه وقرّب وَلَده وجبر بِتْربيته يُتْمه
ثمَّ تعين ضِيَاء الدّين بن الشهرزوري بعده للرسالة إِلَى الدِّيوَان وَصَارَت منصبا لَهُ ينافس عَلَيْهِ واستتبت لَهُ هَذِه السفارة إِلَى آخر الْعَهْد السلطاني وَذَلِكَ بعد الْمُضِيّ إِلَى مصر وَالْعود إِلَى الشَّام فَإِنَّهُ بعد ذَلِك خَاطب فِي هَذَا المرام فَأَما فِي هَذِه السّنة فَإِنَّهُ كَانَ فِي مسيرنا إِلَى مصر الصُّحْبَة وَهُوَ متودد إِلَيّ بصفاء الْمحبَّة
وَفِي آخر صفر تزوّج السُّلْطَان بالخاتون المنعوته عصمَة الدّين بنت الْأَمِير معِين الدّين أنر وَكَانَت فِي عصمَة نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فَلَمَّا
стр. 850
توفّي أَقَامَت فِي منزلهَا بقلعة دمشق رفيعة الْقدر مُسْتَقلَّة بأمرها كَثِيرَة الصَّدقَات والأعمال الصَّالِحَات فَأَرَادَ السُّلْطَان حفظ حرمتهَا وصيانتها وعصمتها فأحضر شرف الدّين بن أبي عصرون وعُدُوله وزوجه إِيَّاهَا بحضرتهم أَخُوهَا لأَبِيهَا الْأَمِير سعد الدّين مَسْعُود بن أنر بِإِذْنِهَا وَدخل بهَا وَبَات عِنْدهَا وَقرن بسعده سعدها وَخرج بعد يَوْمَيْنِ إِلَى مصر
وَذكر الْعِمَاد بعد وَفَاة ابْن الشهرزوري وَابْن أبي المضاء الْأَمِير مؤيد الدولة أَبَا الْحَارِث أُسَامَة بن مرشد بن سديد الْملك أبي الْحسن عليّ بن منقذ وَعوده إِلَى الشَّام عِنْد علمه بوصول السُّلْطَان فَقَالَ هَذَا مؤيد الدولة من الْأُمَرَاء الْفُضَلَاء والكرماء الكبراء والسادة القادة العظماء وَقد متعهُ الله بالعمر وَطول الْبَقَاء وَهُوَ من الْمَعْدُودين من شجعان الشَّام وفرسان الْإِسْلَام
وَلم يزل بَنو منقذ ملاك شيزر وَقد جمعُوا السِّيَادَة والمفخر وَلما تفرّد بالمعقل مِنْهُم من تولاه لم يرد أَن يكون مَعَه فِيهِ سواهُ فَخَرجُوا مِنْهُ فِي سنة أَربع وَعشْرين وَخمْس مئة وَسَكنُوا دمشق وَغَيرهَا من الْبِلَاد
стр. 851
وَكلهمْ من الأجواد الأمجاد وَمَا فيهم إِلَّا ذُو فضل وبذل وإحسان وَعدل وَمَا مِنْهُم إِلَّا من لَهُ نظمٌ مطبوع وَشعر مَصْنُوع وَمن لَهُ قصيدة وَله مَقْطُوع
وَهَذَا مؤيد الدولة أعرقهم فِي الْحسب وأعرفهم فِي الْأَدَب وَكَانَت جرت لَهُ نبوة فِي أَيَّام الدمشقيين وسافر إِلَى مصر وَأقَام هُنَاكَ سِنِين فِي أَيَّام المصريين فتمت نوبَة قتل المنعوت بالظافر وَقتل عَبَّاس وزيرهم إخْوَته وَإِقَامَة المنعوت بالفائز وَمَا ردف ذَلِك من الهزاهز فَعَاد مؤيد الدوّلة إِلَى الشَّام وَسَار إِلَى حصن كيفا وتوطن وَلما سمع بِالْملكِ الصلاحيّ جَاءَ إِلَى دمشق وَذَلِكَ فِي سنة سبعين وَقَالَ
(حمدت على طول عمري المشيبا ... وَإِن كنت أكثرت فِيهِ الذنوبا)
(لِأَنِّي حييت إِلَى أَن لقِيت ... بعد الْعَدو صديقا حبيبا)
قَالَ وَكنت أسمع بفضله وَأَنا بأصبهان فِي أَيَّام الشبيبة وأنشدني لَهُ مجد الْعَرَب العامري بأصفهان فِي سنة خمس وَأَرْبَعين هذَيْن الْبَيْتَيْنِ
стр. 852
وهما من مبتكرات مَعَانِيه فِي سنّ قلعهَا
(وَصَاحب لَا أَملَّ الدّهر صحبته ... يشقى لنفعي وَيسْعَى سَعي مُجْتَهد)
(لم ألقه مُذْ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فُرقة الْأَبَد)
قَالَ فَلَمَّا لَقيته بِدِمَشْق فِي سنة سبعين أنشدنيهما لنَفسِهِ مَعَ كثير من شعره المبتكر من جنسه
قلت وَمن عَجِيب مَا اتّفق أَنِّي وجدت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مَعَ بَيْتَيْنِ آخَرين الْمَجْمُوع أَرْبَعَة أَبْيَات فِي ديوَان أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن مُنِير الأطرابلسي وَمَات ابْن مُنِير سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخمْس مئة قَرَأت فِي ديوانه وَقَالَ فِي الضرس
(وَصَاحب لَا أمل الدَّهْر صحبته ... يشقي لنفعي وأجني ضره بيَدي)
ثمَّ قَالَ
(أدنى إِلَى الْقلب من سَمْعِي وَمن بَصرِي ... وَمن تلادي وَمن مَالِي وَمن وَلَدي)
(أَخْلو ببثي من خَال بوجنته ... مداده زَائِد التَّقْصِير للمدد)
لم أره مذ تصاحبنا الْبَيْت
стр. 853
فالأشبه أَن ابْن مُنِير أخذهما وَزَاد عَلَيْهِمَا وَلِهَذَا غير فيهمَا كَلِمَات وَقد وجدت هَذَا الْبَيْت الأول على صُورَة أُخْرَى حَسَنَة
(وَصَاحب نَاصح لي فِي معاملتي ...)
وَيجوز أَن يكون أُسَامَة أنشدهما متمثلاً فنسبا إِلَيْهِ لما كَانَ مَظَنَّة ذَلِك وَيجوز أَن يكون اتِّفَاقًا وَالله أعلم
قَالَ الْعِمَاد وشاهدت وَلَده عضد الدّين أَبَا الفوارس مرهفا وَهُوَ جليس صَلَاح الدّين وأنيسه وَقد كتب ديوَان شعر أَبِيه لصلاح الدّين وَهُوَ لشغفه بِهِ يفضله على جَمِيع الدوّاوين وَلم يزل هَذَا الْأَمِير الْعَضُد مرهف مصاحباً لَهُ بِمصْر وَالشَّام وَإِلَى آخر عصره وتوطن بِمصْر فَلَمَّا جَاءَ مؤيد الدولة أَبوهُ أنزلهُ أرحب منزل وَأوردهُ أعذب منهل وَملكه من أَعمال المعرّة ضَيْعَة زعم أَنَّهَا كَانَت قَدِيما تجْرِي فِي أملاكه وَأَعْطَاهُ بِدِمَشْق دَارا وإدراراً وَإِذا كَانَ بِدِمَشْق جالسه وآنسه وذاكره فِي الْأَدَب ودارسه
وَكَانَ ذَا رَأْي وتجربة وحنكة مهذبة فَهُوَ يستشيره فِي نوائيه ويستنير بِرَأْيهِ فِي غياهبه وَإِذا غَابَ عَنهُ فِي غَزَوَاته كَاتبه وأعلمه بواقعاته ووقعاته ويستخرج رَأْيه فِي كشف مهماته وحلّ مشكلاته وَبلغ عمره ستّا وَتِسْعين سنة فَإِن مولده سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبع مئة وَتُوفِّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخمْس مئة
стр. 854
قلت وَقد تقدم من أخباره فِي قتل الْأسد فِي شبيبته أَيَّام كَونه بشيزر وَذكرت لَهُ أَيْضا تَرْجَمَة حَسَنَة فِي تَارِيخ دمشق
فصل فِي رُجُوع السُّلْطَان إِلَى مصر
خرج من دمشق يَوْم الْجُمُعَة رَابِع شهر ربيع الأول
قَالَ الْعِمَاد وَلما استتمت للسُّلْطَان بِالشَّام أُمُور ممالكه وَأمن على مناهج أمره ومسالكه أزمع إِلَى مصر الإياب وَقد أَمْحَلت بعده من جوده جَود السَّحَاب وتقدمه الْأُمَرَاء والملوك وَخرج بكرَة يَوْم الْجُمُعَة وَنزل بمرج الصّفّر ثمَّ رَحل عَنهُ قبل الْعَصْر إِلَى قريب الصنمين وَخرجت مَعَه وقلبي نزوع إِلَى أَهلِي فَمَا نزلت منزلا إِلَّا نظمت أبياتاً فَقلت يَوْم الْمسير وَقد عبرت بالخيارة
(أَقُول لِركبٍ بالخيارةٍ نُزَّل ... أثيروا فَمَا لي فِي الْمقَام خِيَار)
(همُ رحلُوا عَنْك الْغَدَاة وَمَا دروا ... بِأَنَّهُم قد خلفوك وَسَارُوا)
(حَلِيف اشتياق لَا ترى من تحبّه ... وَفِي الْقلب من نَار الغرام أوار)
стр. 855
(أجيروا من الْبلوى فُؤَادِي فعندكم ... ذمام لَهُ يَا سادتي وَجوَار)
وَقلت وَقد نزلنَا بالفقيع
(رَأَيْتنِي بالفقيع مُنْفَردا ... أضيع من فقع قاعها الضائع)
(بِعْت بِمصْر دمشق عَن غرر ... مني فيا غبن صَفْقَة البَائِع)
(صبْري والقلبُ عاصيان وَمَا ... غير همومي وأدمعي طائع)
وَقلت بالفوّار
(تحّدر بالفوّار دمعي على الفوْر ... فَقلت لجيراني أجيروا من الْجور)
(وأصعب مَا لاقيت أَنِّي قَانِع ... من الطيف مذ بنتم بزور من الزُّور)
وَقلت بالزرقاء
(ولمَ أنسَ بالزرقاء يَوْم وداعنا ... أنامل تدمى حيْرةً للتندم)
(أعدتُك يَا زرقاء حمراءَ إِنَّنِي ... بكيتك حَتَّى شيب ماؤك بِالدَّمِ)
(تَأَخّر قلبِي عِنْدهم مُتخلفا ... وخالفتهمُ فِي عزْمتي والتقدم)
(فياليت شعري هَل أَعُود إِلَيْهِم ... وَهل لَيْت شعري نافعٌ للمتيم)
قَالَ وَقلت وَقد عبرنا على مسالك قريبَة من قلعة الشوبك وفيهَا تخطف الفرنج القاصدين إِلَى مصر
(طَرِيق مصر ضيّق المسْلك ... سالكه لَا شكّ فِي مهلك)
(وَحب مصر صَار حبا لمن ... أوقعه فِي شَبكَ الشوبك)
(لكنما من دونهَا كعبة ... محجوجة مبرورة المنسك)
стр. 856
(بهَا صَلَاح الدّين يُشكى الَّذِي ... إِلَيْهِ من أَيَّامه يشتكى)
قَالَ ونظمت فِي طَرِيق مصر قصيدة مشتمله على ذكر الْمنَازل بالترتيب وإيراد الْبعيد مِنْهَا والقريب وَاتفقَ أَن السُّلْطَان سير إِلَى مصر الْملك المظفر تَقِيّ الدّين وَكَانَ لايستدعي من شاديه إِلَّا إنشادها فِي نَادِيه ويطرب لسماعها ويعجب بإبداعها وَكَانَ قد فَارق أَهله بِدِمَشْق كَمَا فَارَقت بهَا أَهلِي وَجمع الله بهم بعد ذَلِك شملي وَهِي
(هجرتكم لَا عَن ملال وَلَا غدر ... وَلَكِن لمقْدُور أُتيح منَ الْأَمر)
(وَأعلم أَنِّي مخطيء فِي فراقكم ... وعّذري فِي ذَنبي وذنبي فِي عُذْري)
(أرى نُوباً للدّهر تُحصى وَلَا أرى ... أَشد من الهجران فِي نُوب الدَّهْر)
(بعيني إِلَى لقيا سواكم غشاوةٌ ... وسمعي عنْ نجوْى سواكم لذُو وقر)
(وقلبي وصبري فارقاني لبُعدكم ... فَلَا صَبر فِي قلبِي وَلَا قلب فِي صَدْرِي)
(وَإِنِّي على الْعَهْد الَّذِي تعهدونه ... وسرّي لكم سرّي وجهري لكم جهري)
(تجرعت صرف الهمّ من كأس شوقكم ... وَهَا أَنا فِي صحوي نزيف من السّكر)
(وَإِن زَمَانا لَيْسَ يعْمر موْطني ... بسُكناكمُ فِيهِ فَلَيْسَ من الْعُمر)
(وَأقسم لَو لم يقسم الْبَين بَيْننَا ... جوى الهمّ مَا أمسيت مقتسم الْفِكر)
(أَسِير إِلَى مصر وقلبي أسيركمُ ... ومِنْ عجبٍ أسرِي وقَلبيَ فِي أسر)
(أخلاي قد شط المزار فأرسلوا الخيال ... وزورُوا فِي الْكرَى واربحوا أجري)
(تذكرت أحبابي بجلق بَعْدَمَا ... ترحلت والمشتاق يأنسُ بِالذكر)
(وناديت صبري مستغيثا فَلم يجب ... فأسبلت دمعي للبكاء عَلَى صَبْري)
(ولمّا قصدنا من دمشق غباغبا ... وبتنا من الشوق المُمِضِّ على الْجَمْر)
стр. 857
(نزلنَا بِرَأْس المَاء عِنْد وداعنا ... موارد من مَاء الدُّمُوع الَّتِي تجْرِي)
(نزلنَا بصحراء الفقيع وغودرت ... فواقع من فيض المدامع فِي الْغدر)
(ونهنهت بالفوّار فيض مدامعي ... فَفَاضَتْ وباحت بالمكتَّم من سرّي)
(سرينا إِلَى الزَّرْقَاء مِنْهَا وَمن يصب ... أواماً يَسِرْ حَتَّى يرى الْوِرد أَو يسري)
(تذكرت حمّام القُصير وَأَهله ... وَقد جزت بالحمام فِي الْبَلَد القفر)
(وبالقريتين القرْيتَين وَأَيْنَ من ... مغاني الغواني منزل الْأدم والعفر)
(وَرْدنا من الزَّيْتُون حسمي وأيلة ... وَلم نسترح حَتَّى صدرنا إِلَى صدر)
(غشينا الغواشي وَهِي يابسة الثّرى ... بعيدَة عهد الْقطر بالعهد والقطر)
(وضنّ علينا بالندى ثَمد الْحَصَى ... وَمن يرتجى ريَّاً من الثمد النّزْر)
(فَقلت اشرحي بالخمس صَدرا مطيّتي ... بصدر وَإِلَّا جادك النّيل للعشر)
(رَأينَا بهَا عيْن الْمُوَاسَاة إننا ... إِلَى عين مُوسَى نبذل الزّاد للسّفر)
(وَمَا جسرت عَيْني على فيض عبرةٍ ... أكفكفها حَتَّى عبرنا على الجسر)
(وملنا إِلَى الأَرْض السّدير وجنّة ... هُنَالك من طلحٍ نضيدٍ وَمن سدر)
(وجبنا الفلا حَتَّى أصبْنَا مُبَارَكًا ... على بركَة الجبّ المبشر بِالْقصرِ)
(ولمّا بدا الْفسْطَاط بشرت رفقتي ... بِمن يتلقي الْوَفْد بالوفر والبشر)
(بَكت أمّ عَمْرو من وشيك ترَّحلي ... فيا خجلتي من أمّ عْمرو وَمِنَ عَمْرو)
(تَقول إِلَى مصر تصير تعجبَّا ... وماذا الَّذِي تبغي ومنْ لَك فِي مصر)
стр. 858
(فَقلت ملاذي النَّاصِر الْملك الَّذِي ... حصلت بجدواه على الْملك والنصر)
(فَقَالَت أقِم لَا تعدم الْخَيْر عندنَا ... فَقلت وَهل تغني السّواقي عَن الْبَحْر)
(ثقي بِرُجُوع يضمن الله نجحه ... وَلَا تقنطي أَن يُبدل العُسر باليسر)
(عطيَّته قد ضاعفت مُنَّة الرّجا ... ومنته قد أضعفت مُنَّة الشُّكْر)
قَالَ وَكَانَ الدُّخُول إِلَى الْقَاهِرَة يَوْم السبت سادس عشر ربيع الأول بالزي الأجمل والعزّ الْأَكْمَل
وتلّقى السُّلْطَان أَخُوهُ ونائبه الْملك الْعَادِل سيف الدّين إِلَى صدر وَعبر إِلَيْنَا عِنْد بَحر القلزم الجسر وتلقانا خير مصر وجلبت إِلَيْنَا ثمراتها وجليت علينا زهراتها فَظهر بِنَا نشاطها وَزَاد اغتباطها وَدخل السُّلْطَان دَاره ووفق الله فِي جَمِيع الْأُمُور إِيرَاده وإصداره
وَكَانَت قد صعبت عليّ مُفَارقَة دمشق وَأَهْلهَا لقلَّة الوثوق بِأَنِّي أحصل بِمِثْلِهَا فنظمت يَوْم خروجي مِنْهَا أبياتا إِلَى نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن
стр. 859
شيركوه مِنْهَا
(بمهجتي خنث الْعَطف ... مستلد الدّلال)
(يَقُول لي بانكسارٍ ... ورقّةٍ واعتلال)
(معاتباً بحديثٍ ... أصفى من السلسال)
(مَا مصر مثل دمشقٍ ... بعتَ الْهدى بالضلال)
(فَقلت عنّت أمورٌ ... عَجِيبَة الأشكال)
(أسيرُ فِي طلب العزّ ... مثل سير الْهلَال)
(لم يبلغ الْبَدْر لَوْلَا الْمسير ... أوجَ الْكَمَال)
(وَكَيف أترك شغلي ... وَإنَّهُ رَأس مَالِي)
(صَلَاح حَالي صَلَاح الدّين ... الغزير النّوال)
(مَالِي أُفَارِق مَلْكاً ... ملكته آمالي)
(يَا نَا صر الدّين قلبِي ... عَلَيْهِ فِي بلبال)
ثمَّ ذكر الْعِمَاد الْمُحْسِنِينَ إِلَيْهِ بِالْقَاهِرَةِ وسيّدهم الْمولى الْأَجَل الْفَاضِل وَقد مدحه بقصيدة مِنْهَا
(كَيفَ لَا يغتدي لي الدَّهْر عبدا ... وَأَنا عبدُ عبِدْ عَبِدْ الرَّحِيم)
(بدوام الْأَجَل سيدنَا الْفَاضِل ... يَا دولة الأفاضل دومي)
(إِن آراءه تنوب لَدَى الْملك ... مناب الْأَرْوَاح عِنْد الجسوم)
(مَالك الحلّ فِي الممالك وَالْعقد ... وَحكم التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم)
(مُعْمِلٌ للنفاذ فِي كلّ قطر ... قَلما حَاكما على إقليم)
(يتلَقَّى الملوكُ فِي كل أَرض ... كتبه القادمات بالتعظيم)
стр. 860
(ناحل الْجِسْم ذُو خطاب بِهِ يصغر ... للدهر كلُّ خطب جسيم)
ثمَّ ذكر الْأَخَوَيْنِ تَقِيّ الدّين عمر وَعز الدّين فرخشاه وهما أبنا أخي السُّلْطَان وَهُوَ شاهنشاه بن أَيُّوب وَهَمَّام الدّين بزغش الشنباشي والى الْقَاهِرَة ومدح فرخشاه بقصيدة حَسَنَة مِنْهَا
(شادنٌ كالقضيب لدْن المهزه ... سلبت مقلتاه قلبِي بغمزه)
(كلّما رُمْت وَصله رام هجري ... وَإِذا زدتُ ذلة زَاد عزه)
(للصبا من عذاره نسج حُسن ... رقم الْمسك فِي الشقائق طرزه)
(وعزيزٌ عليّ أَن اصْطِبَارِي ... فِيهِ قد عزه الغرام وبزه)
(مَا رأى مَا رَأَيْت مجنونُ ليلى ... فِي هَوَاهُ وَلَا كثير عَزّه)
(مَا ذكرنَا الْفسْطَاط إِلَّا نَسِينَا ... مَا رَأينَا بالنيربين والارزه)
(فمها الجيزة الجوازي لَهَا الميزة ... حسنا على ظباء المزه)
(ونصيري عَلَيْهِ نائل عز الدّين ... ذِي الْفضل خلّد الله عزه)
(فرّغ الْكَنْز من ذخائر مالٍ ... مالئاً من نفائس الْحَمد كنزه)
مِنْهَا
(همةٌ مستهامة بالمعالي ... للدَِّنايا أبيّة مشمئزه)
قَالَ الْعِمَاد وتوفرنا على الِاجْتِمَاع فِي المغاني لاستماع الأغاني والتنزه فِي الجزيرة والجيزة والأماكن العزيزة ومنازل الْعِزّ
стр. 861
وَالرَّوْضَة وَدَار الْملك والنيل والمقياس ومراسي السفن ومجاري الْفلك والقصور بالقرافة وربوع الضِّيَافَة وَرِوَايَة الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة والمباحثة فِي الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة والمغاني الأدبية
قَالَ واقترحنا على القَاضِي ضِيَاء الدّين بن الشهرزوري أَن يفرجنا فِي الأهرام فقد كُنَّا شغفنا بأخبارها فِي الشَّام فَخرج بِنَا إِلَيْهَا ودرنا تِلْكَ البرابي والبراري والرمال والصحاري وأحمدنا المقارَّ والمقاري وهالنا أَبُو الهول وضاق فِي وَصفه مجَال القَوْل ورأينا الْعَجَائِب وروينا الغرائب واستصغرنا فِي جنب الهرمين كلَّ مَا استعظمناه وتداولنا الحَدِيث فِي الْهَرم وَمن بناه فَكل يَأْتِي فِي وصفهما بِمَا نَقله لَا بِمَا عقله واجتهدوا فِي الصعُود إِلَيْهِ فَلم يُوجد من توقله وحارت الْعُقُول فِي عقوده وطارت الأفكار عَن توهم حُدُوده فيا لَهُ من مَوْلُود للدهر قبل الطوفان انقرضت الْقُرُون الخالية على آبَائِهِ وجدوده وسمار الْأَخْبَار تذكر حَدِيث أَحْدَاث عَاده وثموده ويُدل إحكامه وعلّوه على همة بانيه فِي بأسه وجوده وَإِن فِي الأَرْض الهرمين كَمَا أَن فِي السَّمَاء الفرقدين وهما كالطودين الراسخين وكالجبلين الشامخين قد فنيت الدُّهور وهما باقيان وتقاصرت الْقُصُور وهما راقيان وكأنهما لأُمّ الأَرْض ثديان وعَلى ترائب التُّرَاب نهدان ولسلطان الْعَالم علمَان وَإِلَى مراقي الْأَمْلَاك سُلمان وهما لِليْل وَالنَّهَار
стр. 862
رقيبان ولرضوي ولشمام نسيبان وَمن زحل والمريخ قريبان ولعوادي الخطوب خطيبان ولثور الْفلك روقان ولشخص الكرة الترابية ساقان
قلت ثمَّ ذكر الْعِمَاد جمَاعَة مِمَّن كَانَ يُقيم الضِّيَافَة لَهُ ولمثله من الْفُضَلَاء الْأَعْيَان فَذكر مِنْهُم الناصح مؤدب أَوْلَاد السُّلْطَان وَله دارٌ مشرفة على النّيل وَذكر مِنْهُم اللِّسَان الصُّوفِي الْبَلْخِي وَكَانَ لَهُ صُحْبَة قديمَة بِنَجْم الدّين أَيُّوب وَالِد السُّلْطَان وَله دارٌ أَيْضا على شاطئ النّيل برسم ضِيَافَة من نزل بِهِ
قَالَ ثمَّ وقف السُّلْطَان دَاره على الصُّوفِيَّة من بعده وانتقل بعد سِنِين إِلَى النَّعيم وخُلده
فصل فِي بيع الْكتب وَعمارَة القلعة والمدرسة والبيمارستان
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ لبيع الْكتب فِي الْقصر كلّ أُسْبُوع يَوْمَانِ وَهِي تبَاع بأرخص الْأَثْمَان وخزائنها فِي الْقصر مرتَّبة الْبيُوت مقسمة الرّفوف مفهرسة بِالْمَعْرُوفِ فَقيل للأمير بهاء الدّين قراقوش مُتَوَلِّي الْقصر
стр. 863
والحالّ والعاقد لِلْأَمْرِ هَذِه الْكتب قد عاث فِيهَا العث وتساوى سمينها والغث وَلَا غنى عَن تهويتها ونفضها وإخراجها من بيُوت الخزانة إِلَى أرْضهَا وَهُوَ تركي لاخبرة لَهُ بالكتب وَلَا دربة لَهُ بأسفار الْأَدَب وَكَانَ مَقْصُود دلالي الْكتب أَن يوكسوها ويخرموها ويعكسوها فأخرجت وَهِي أَكثر من مئة ألف من أماكنها وغُربت من مساكنها وخرّبت أوكارها وأذهبت أنوارها وشتت شملها وبتُ حبلها وَاخْتَلَطَ أدبيها بنجوميها وشرعيُّها بمنطقيها وطبيُّها بهندسيِّها وتواريخها بتفاسيرها ومجاهيلها بمشاهيرها
وَكَانَ فِيهَا من الْكتب الْكِبَار وتواريخ الْأَمْصَار ومصنفات الْأَخْبَار مَا يشْتَمل كل كتاب على خمسين أَو سِتِّينَ جُزْءا مجلدا إِذا فقد مِنْهَا جُزْء لَا يخلف أبدا فاختلطت واختبطت فَكَانَ الدَّلال يخرج عشرَة عشرَة من كل فن كتبا مبترة فتسام بالدون وتباع بالهُون والدلال يعرف كلّ شدَّة وَمَا فِيهَا من عدَّة وَيعلم أَن عِنْده من أجناسها وأنواعها وَقد شَارك غَيره فِي ابتياعها حَتَّى إِذا لفق كتابا قد تقوم عَلَيْهِ بِعشْرَة بَاعه بعد ذَلِك لنَفسِهِ بمئة
قَالَ فَلَمَّا رَأَيْت الْأَمر حضرت الْقصر واشتريت كَمَا أشتروا ومريت الْأَطِبَّاء كَمَا مروا واستكثرت من الْمَتَاع الْمُبْتَاع وحويت نفائس الْأَنْوَاع وَلما عرف السُّلْطَان مَا ابتعته وَكَانَ بمئين أنعم عليَّ بهَا وَأَبْرَأ ذمَّتى من ذهبها ثمَّ وهب لي أَيْضا من خزانَة الْقصر مَا عينت عَلَيْهِ من كتبهَا
وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا وَبَين يَدَيْهِ مجلدات كَثِيرَة انتقيت لَهُ من الْقصر وَهُوَ ينظر فِي بَعْضهَا وَبسط يَدي لقبضها وَقَالَ كنت طلبت كتبا عينتها فَهَل
стр. 864
فِي هَذِه مِنْهَا شَيْء فَقلت كلهَا وَمَا أستغنى عَنْهَا فأخرجتها من عِنْده بحمال وَكَانَ هَذَا مِنْهُ بِالْإِضَافَة إِلَى سماحه أقل نوال
قَالَ وَكَانَ السُّلْطَان لما تملك مصر رأى أَن مصر والقاهرة لكلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا سور لَا يمْنَعهَا فَقَالَ إِن أفردت كلّ وَاحِدَة بسور احْتَاجَت إِلَى جند مُفْرد يحميها وَإِنِّي أرى أَن أدير عَلَيْهِمَا سورا وَاحِدًا من الشاطئ إِلَى الشاطئ
فَأمر بِبِنَاء قلعة فِي الْوسط عِنْد مَسْجِد سعد الدولة على جبل المقطم فابتدأ من ظَاهر الْقَاهِرَة ببرج فِي الْمقسم وانْتهى بِهِ إِلَى أَعلَى مصر ببروج وَصلهَا بالبرج الْأَعْظَم وَوجدت فِي عهد السُّلْطَان ثبتا رَفعه النواب وتكمل فِيهِ الْحساب ومبلغه وَهُوَ دائر البلدين مصر والقاهرة بِمَا فِيهِ من سَاحل الْبَحْر والقلعة بِالْجَبَلِ تِسْعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَثَلَاث مئة وذراعان من ذَلِك مَا بَين قلعة الْمقسم على شاطئ النّيل والبرج بالكوم الْأَحْمَر بساحل مصر عشرَة آلَاف وَخمْس مئة ذِرَاع وَمن القلعة بالمقسم إِلَى حَائِط القلعة بِالْجَبَلِ بِمَسْجِد سعد الدولة ثَمَانِيَة آلَاف وَثَلَاث مئة وَاثْنَانِ وَتسْعُونَ ذِرَاعا وَمن جَانب حَائِط القلعة من جِهَة مَسْجِد سعد الدولة إِلَى البرج بالكوم
стр. 865
الْأَحْمَر سبع آلَاف ومئتا ذِرَاع ودائر القلعة بجبل مَسْجِد سعد الدولة ثَلَاثَة آلَاف ومئتان وَعشرَة أَذْرع وَذَلِكَ طول قوسه فِي أبدانه وأبراجه من النّيل إِلَى النّيل على التَّحْقِيق وَالتَّعْدِيل وَذَلِكَ بالذراع الْهَاشِمِي بتولي الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش الْأَسدي
وَبنى القلعة على الْجَبَل وَأَعْطَاهَا حَقّهَا من إحكام الْعَمَل وَقطع الخَنْدَق وتعميقه وحفر واديه وتضييق طَرِيقه وَهُنَاكَ مَسَاجِد يعرف أَحدهَا بِمَسْجِد سعد الدولة فاشتملت القلعة عَلَيْهَا وَدخلت فِي الْجُمْلَة وحفر فِي رَأس الْجَبَل بِئْرا ينزل فِيهَا بالدرج المنحوتة من الْجَبَل إِلَى المَاء الْمعِين وَلم يتأت لَهُ هَذَا كُله فِي سِنِين مُتَقَارِبَة لَوْلَا أَعَانَهُ ربُّه المعُين
وَتُوفِّي السُّلْطَان وَقد بَقِي من السُّور مَوَاضِع والعمارة فِيهِ مستمرة ووظائف نفقاتها مستدرة
قَالَ وَأمر بِبِنَاء الْمدرسَة بالتربة المقدسة الشَّافِعِيَّة ورتب قواعدها بفرط الألمعية وتولاها الْفَقِيه الزَّاهِد نجم الدّين الخبوشاني وَهُوَ الشَّيْخ
стр. 866
الصَّالح الْفَقِيه الْوَرع النقي التقي
قَالَ وَأمر باتخاذ دَار فِي الْقصر بيمارستانا للمرضى واستغفر الله تَعَالَى بذلك واسترضى ووقف على البيمارستان والمدرسة وقوفاً وَقد أبطل مُنْكرا وأشاع مَعْرُوفا وأضرب عَن ضَرَائِب فمحاها وهبّ إِلَى مواهب فأسداها واهتم بفرائض ونوافل فأداها
فصل فِي خُرُوج السُّلْطَان إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَغير ذَلِك من بواقي حوادث هَذِه السّنة
قَالَ الْعِمَاد ثمَّ خرج من الْقَاهِرَة يَوْم الْأَرْبَعَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من شعْبَان واستصحب ولديه الْأَفْضَل عليَّاً والعزيز عُثْمَان وَجعل طَرِيقه على دمياط وَرَأى فِي الْحُضُور بالثغر الْمَذْكُور ومشاهدته الِاحْتِيَاط وَكَانَ لَهُ بهَا سبيّ كثير جلبه الأسطول فمتد بِظَاهِر الْبَلَد يَوْمَيْنِ ووهب لي مِنْهُ جَارِيَة
ثمَّ وصلنا إِلَى ثغر الْإسْكَنْدَريَّة وترددنا مَعَ السُّلْطَان إِلَى الشَّيْخ الْحَافِظ أبي طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد السلَفِي وداومنا الْحُضُور عِنْده واجتلينا من
стр. 867
وَجهه نور الايمان وسعده وَسَمعنَا عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام الْخَمِيس وَالْجُمُعَة والسبت رَابِع شهر رَمَضَان واغتنمنا الزَّمَان فَتلك الْأَيَّام الثَّلَاثَة هِيَ الَّتِي حسبناها من الْعُمر فَهِيَ آخر مَا اجْتَمَعنَا بِهِ فِي ذَلِك الثغر
وشاهدنا مَا استجده السُّلْطَان من السُّور الدائر وَمَا أبقاه من حسن الْآثَار والمآثر وَمَا انْصَرف حَتَّى أَمر بإتمام الثغور وتعمير الأسطول
قَالَ ابْن أبي طيّ وَلما نوى السُّلطان الْمقَام بالإسكندرية ليصوم فِيهَا رأى انه لَا يخلي نَفسه من ثَوَاب يقوم لَهُ مقَام الْقَصْد إِلَى بِلَاد الْكفَّار وَالْجهَاد فِي الْمُشْركين فَرَأى الأسطول وَقد أخلقت سفنه وتغيرت آلاته فَأمر بتعمير الأسطول وَجمع لَهُ من الأخشاب والصَّناع أَشْيَاء كَثِيرَة وَلما تمَّ عملُ المراكب أَمر بِحمْل الآلآت فَنقل من السِّلَاح وَالْعدَد مَا يحْتَاج الأسطول إِلَيْهِ وشحنه بِالرِّجَالِ وولىّ فِيهِ أحد أَصْحَابه وأفرد لَهُ إقطاعا مَخْصُوصًا وديوانا مُنْفَردا وَكتب إِلَى سَائِر الْبِلَاد المصرية بِقبُول قَول صَاحب الأسطول وَأَن لَا يمْنَع من أَخذ رِجَاله وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَأمر صَاحب الأسطول أَن لَا يبارح الْبَحْر ويغزي إِلَى جزائر الْبَحْر
قَالَ الْعِمَاد وَقلت فِي معنى تنقلي فِي الْبِلَاد
(يَوْمًا بجي وَيَوْما فِي دمشق وبالفسطاط ... يَوْمًا وَيَوْما بالعراقين)
(كَأَن جسمي وقلبي الصبّ مَا خلقا ... إِلَّا ليُقتسما بالشوق والبين)
стр. 868
وَقلت يَوْم الْخُرُوج من الْقَاهِرَة
(يَا باخلاً عِنْد الْوَدَاع بوقفة ... لَو سامني روحي بهَا لم أبخل)
(مَا كَانَ ضرك لَو وقفت لسائل ... ترك الْفُؤَاد بدائه فِي الْمنزل)
(هلاّ وقفت لقلب من أحرقته ... مِقْدَار إطفار الْحَرِيق المشعل)
(إِن أسر مرتحلا فَفِي أسر الْهوى ... قلبِي لديك مُقَيّدا لم يرحل)
(عذب الْعَذَاب لَدَى فُؤَادِي الْمُبْتَلى ... إِذْ كنت أَنْت معذبي والمبتلي)
وَقلت وَقد نزلنَا بَين منية غمر ومنية سمنود
(نزلت بِأَرْض المنيتين ومنيتي ... لقاؤكم الشافي ووصلكم المجدي)
(سأبلى وَلَا تبلى سريرة ودكم ... وتؤنسني إِن مت فِي وَحْشَة اللَّحْد)
قَالَ وعدنا من الْإسْكَنْدَريَّة فِي شهر رَمَضَان فصمنا بَقِيَّة الشَّهْر بِالْقَاهِرَةِ وَالسُّلْطَان متوفر فِي ليله ونهاره على نشر الْعدْل وإنشاره وإفاضة الْجُود واغزاره وَسَمَاع أَحَادِيث الرَّسُول ﷺ وأخباره وإشاعة الْعلم والإعلان بأسراره وإبداء شعار الشَّرْع وإظهاره وإبقاء الْمَعْرُوف على قراره وإعدام الْبَاطِل وإنكاره
وَقَالَ وَمن مدائحي فِي السُّلْطَان مَا أنشدته إِيَّاه سادس شَوَّال
(فديتك من ظَالِم منصف ... وناهيك من باخل مُسْرِف)
وَمِنْهَا
(أيبلغ دهري قصدي وَقد ... قصدت بِمصْر ذرا يُوسُف)
стр. 869
(ويوسف مصر بِغَيْر التقى ... وبذل الصَّنَائِع لم يُوصف)
(فسر وَافْتَحْ الْقُدس واسفك بِهِ ... دِمَاء مَتى تجرها ينظف)
(واهد إِلَى الإسبتار التبار ... وهدّ السقوف على الأسقف)
(وخلّص من الْكفْر تِلْكَ الْبِلَاد ... يخلصك الله فِي الْموقف)
قَالَ وفيهَا وصل رُسُل المواصلة وصاحبي الْحصن وماردين إِلَى دمشق فاستوثقوا بتحليف أخي السُّلْطَان شمس الدولة تورانشاه بن أَيُّوب ثمَّ قصدُوا مصر وَوَقع رَسُول صَاحب حصن كيفا فِي الْأسر
قَالَ ابْن أبي طيّ وصل رَسُول الْموصل القَاضِي عماد الدّين بن كَمَال الدّين بن الشهرزوري بهدية وقود فَخرج الموكب إِلَى لِقَائِه وأكرمه السُّلْطَان واحترمه وَقدم بعده رَسُول نور الدّين قرا أرسلان وَرَسُول صَاحب ماردين بِهَدَايَا واجتمعوا فِي دمشق وَخَرجُوا إِلَى السُّلْطَان بِمصْر فاعترضهم الفرنج فَأسر رَسُول صَاحب الْحصن وَلم يزل فِي الْأسر حَتَّى فتح السُّلْطَان بَيت الأحزان فَأَطْلقهُ وَأحسن إِلَيْهِ
قَالَ وفيهَا رَجَعَ قراقوش إِلَى أوجلة وَتلك الْبِلَاد
стр. 870
فَجمع أَمْوَالًا وَرجع إِلَى مصر ثمَّ أَرَادَ الرُّجُوع فَمَنعه الْعَادِل ثمَّ خلصه فرخشاه فَرجع وَفتح بِلَاد فزّان بأسرها
قَالَ الْعِمَاد ثمَّ خرج السُّلْطَان إِلَى موج فاقوس من اعمال مصر الشرقية لإرهاب العدوّ وَهُوَ يركب للصَّيْد والقنص والتطلع إِلَى أَخْبَار الفرنج لانتهاز الفرص واقترح عليّ أَن أمدح عز الدّين فرخشاه بقصيدة موسومة ألزم فِيهَا الشين قبل الْهَاء فَعمِلت ذَلِك فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة فَقلت
(مولَايَ عزَّ الدّين فرخشه ... الدَّهْر من يرجك لَا يخشه)
(تَلقاهُ سمح الْكَفّ دفاقها ... طلق المحيَّا كرماً بشه)
(إِن شِئْت فوتاً بالرّدى فالقه ... أَو شِئْت فوزاً بالعلا فاغشه)
(يديم بِالْأَيْدِي وبالأيد فِي ... حَرْبِيّ لهاه والعدى بطشه)
(كم ملكٍ عاداكم لم يبت ... إِلَّا جعلتم عَرْشه نعشه)
(خوفتم الشّرك فَلَا قمصه ... أمنتم يَوْمًا وَلَا فنشه)
(أورثك السؤدد يَا ابْن الْعلَا ... والدك السَّيِّد شاهنشه)
وَقَالَ فِي الخريدة كُنَّا مخيمين بمرج فاقوس مصممين على الْغُزَاة إِلَى غَزَّة وَقد وصلت أساطيل ثغرى دمياط والإسكندرية بسبي الْكفَّار وَقد أوفت على ألف رَأس عدَّة من وصل فِي قيد الأسار فَحَضَرَ ابْن رَوَاحَة
стр. 871
منشداً مهنئاً بعيد النَّحْر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين ومعرضا بِمَا وهبه الْملك النَّاصِر من الْإِمَاء وَالْعَبِيد بقصيدة مِنْهَا
(لقد خبر التجارب مِنْهُ حزم ... وقلبّ دهره ظهرا لبطن)
(فساق إِلَى الفرنج الْخَيل برا ... وأدركهم على بَحر بسفن)
(لقد جلب الْجَوَارِي بالجواري ... يمدن بِكُل قدٍ مرجحن)
(يزيدهم اجْتِمَاع الشمل بؤسا ... فَمر نان تنوح على مرن)
(زهت إسكندرية يَوْم سيقوا ... ودمياط فَمَا منيا بِغَبن)
(يرَوْنَ خياله كالطيف يسري ... فَلَو هجعوا أَتَاهُم بعد وَهن)
(أبادهم تخوفه فأمسى ... مُنَاهُمْ لَو يبيتهم بأمن)
(تملك حَولهمْ شرقا وغربا ... فصاروا لاقتناص تَحت رهن)
قَالَ الْعِمَاد يُشِير إِلَى أَنه مَالك الشَّام ومصر والفرنج بَينهمَا
(أَقَامَ بآل أَيُّوب رِبَاطًا ... رَأَتْ مِنْهُ الفرنج مضيق سجن)
(رجا أقْصَى الْمُلُوك السّلم مِنْهُم ... وَلم ير جهده فِي الْبَأْس يُغني)
وَفِي هَذِه السّنة أبطل السُّلْطَان المكس الَّذِي كَانَ بِمَكَّة على الْحَاج وَسَيَأْتِي ذكره فِي أَخْبَار سنة أَربع وَسبعين
قَالَ أبن الْأَثِير وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين شرع مُجَاهِد الدّين يعْنى
стр. 872
قايماز دزدار قلعة الْموصل فِي عمَارَة جَامعه بِظَاهِر الْموصل بِبَاب الجسر وَهُوَ من أحسن الْجَوَامِع ثمَّ بني بعد ذَلِك الرِّبَاط والمدرسة والبيمارستان وَكلهَا متجاورات
قَالَ وَتُوفِّي فِي شهر ربيع الأول من سنة خمس وَتِسْعين بقلعة الْموصل وَهُوَ متوليها وَالْحَاكِم فِي الدولة الأتابكية النورية وَكَانَ ابْتِدَاء ولَايَته القلعة فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين ثمَّ قبض عَلَيْهِ سنة تسع وَثَمَانِينَ وأعيد إِلَى ولايتها بعد الإفراج عَنهُ وَبَقِي إِلَى الْآن وَكَانَ أَصله من أَعمال شبختان وَأخذ مِنْهَا وَهُوَ طِفْل وَكَانَ عَاقِلا خيّرا دينا فَاضلا يعلم الْفِقْه على مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة ﵁ ويحفظ من الْأَشْعَار والحكايات والنوادر والتواريخ شَيْئا كثيرا إِلَى غير ذَلِك من المعارف الْحَسَنَة وَكَانَ يكثر الصَّوْم وَله ورد يصليه كل لَيْلَة وَيكثر الصَّدَقَة وَبنى عدَّة جَوَامِع مِنْهَا الَّذِي بِظَاهِر الْموصل وَبنى عدَّة خانقاهات مِنْهَا الَّتِي بالموصل ومدارس وقناطر على الْأَنْهَار إِلَى غير ذَلِك من الْمصَالح ومناقبه كَثِيرَة
قَالَ الْعِمَاد فِي الخريدة نزلنَا ببركة الْجب لقصد فرض الْجِهَاد وَعرض الأجناد فَكتب الأسعد بن مماتي إِلَيّ أبياتا فِي الْملك النَّاصِر
стр. 873
ويعرض بالشطرنج فَإِنَّهُ يشْتَغل بِهِ وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين
(يَا كريم الخيم فِي الخيم ... أهيف كالريم ذُو شمم)
(عجبي للشمس إِذْ طلعت ... مِنْهُ فِي داج من الظُّلم)
(كَيفَ لَا تصمي لواحظه ... ورماة الطّرف فِي الْعَجم)
(لَا تصد قلب الْمُحب لكم ... لَا يحل الصَّيْد فِي الْحرم)
(يَا صَلَاح الدّين يَا ملكا ... قد براه الله للأمم)
(أضحت الْكفَّار فِي نقم ... وَغدا الْإِسْلَام فِي نعم)
(إِن يَك الشطرنج مشغلة ... لعليّ الْقدر والهمم)
(فَهِيَ فِي ناديك تذكرة ... لأمور الْحَرْب وَالْكَرم)
(فلكم ضاعفت عدتهَا ... بالعطاء الجم لَا الْقَلَم)
(ونصبت الْحَرْب نصبتها ... فانثنت كَفاك بالقمم)
(فابق للأقدار ترفعها ... وَأمر الأقدار كالخدم)
وفيهَا توفّي بالإسكندرية القَاضِي الشريف أَبُو مُحَمَّد عبد الله العثماني الديباجي من ولد الديباج مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان ﵃ وَيعرف بِابْن أبي إلْيَاس من بَيت الْقَضَاء وَالْعلم وَكَانَ وَاسع الباع فِي علم الْأَحَادِيث كثير الرِّوَايَة قيمًا بالأدب متصرفا فِي النّظم
стр. 874
والنثر إِلَّا أَنه مقلّ من النّظم أوحد عصره فِي علم الشُّرُوط وَقَوله هُوَ المقبول على كل الْعُدُول ذكر ذَلِك الْعِمَاد ﵀ فِي الخريدة
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين [ل / ٢٤٣ / ب] وَخمْس مئة
وَالسُّلْطَان مخيم بمرج فاقوس فنظم الْعِمَاد فِي الْأَجَل الْفَاضِل قصيدة ميمية فِي منتصف الْمحرم وخدمه بهَا هُنَاكَ فِي المخيم أَولهَا
(ريم هضيم يروم هضمي ... من سقم عَيْنَيْهِ عين سقمي)
(ان رمت يَا عاذلي صلاحي ... فخلني والهوى وزعمي)
(لومك يذكي الغرام قل لي ... أَنْت نصيحي أم أَنْت خصمي)
(أيا زماني الغشوم اقصر ... انك لَا تَسْتَطِيع غشمي)
(عبد الرَّحِيم الرَّحِيم اضحى ... عوني على خَطبك الملم)
(بالفاضل الافضل الاجل ... الْمفضل الاشرف الاشم)
стр. 875
(غيث غياث وجود جود ... وبحر علم وطود حلم)
(يراعه فِي الْيَمين مِنْهُ ... يسْتَخْرج الدّرّ من خضم)
قَالَ وَكَانَ عندنَا بالمخيم بالعباسة فِي الْمحرم علم الدّين الشاتاني وَهُوَ من أدباء الْموصل وشعرائها وفصحائها وظرفائها وَفد سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين إِلَى مصر وَأهْدى النّظم والنثر واصطعنه عز الدّين فرخشاه وانزله فِي جواره وَجمع لَهُ من رفده وَمن الامراء الف دِينَار فمدح السُّلْطَان بالمخيم بِكَلِمَة مطْلعهَا
(غَدا النَّصْر معقودا برايتك الصفرا ... فسر وَافْتَحْ الدُّنْيَا فَأَنت بهَا احرى)
قلت لم يذكر الْعِمَاد من هَذِه القصيدة غير هَذَا الْبَيْت وانه لقائم مقَام قصائد كَثِيرَة
والشاتاني هُوَ ابو على الْحسن بن سعيد لَهُ تَرْجَمَة فِي تَارِيخ دمشق وَذكره الْعِمَاد فِي الخريدة وَذكر فِيهَا من هَذِه القصيدة
стр. 876
(يَمِينك فِيهَا اليُمن واليُسر فِي اليُسرى ... فبُشرى لمن يَرْجُو النّدى مِنْهُمَا بُشرى)
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَت الْأَعْلَام السُّلْطَانِيَّة صفرا لَا يُفَارق نشرها نصرا
قلت وفيهَا يَقُول بعض الْفُضَلَاء
(إِذا اسود خطب دونه الْمَوْت أَحْمَر ... أَتَت بالأيادي الْبيض أَعْلَامه الصفر)
(فمذ ظَهرت مَنْصُوبَة جزمت بهَا ... ظُهُور العدى من رَفعهَا انخفض الْكفْر)
(وَلم لَا يحوز الأَرْض شرقاً ومغربا ... وَللَّه فِي إعلاءِ رتْبته سر)
وَقَالَ الْعِمَاد وَعَاد السُّلْطَان إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا ثمَّ اهتمت بالغزاة همتّه إِلَى غَزَّة وعسقلان فَخرج يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث جُمَادَى الأولى بعد الصَّلَاة وخيم بِظَاهِر بلبيس فِي خامسه بخميسه ثمَّ تقدمنا مِنْهُ إِلَى السدير وخيمنا بالمبرز ثمَّ نُودي خُذُوا زَاد عشرَة أَيَّام أُخْرَى زِيَادَة للاستظهار ولإعواز ذَلِك عِنْد توَسط ديار الْكفَّار
قَالَ الْعِمَاد فركبت إِلَى سوق الْعَسْكَر للابتياع وَقد أَخذ السّعر فِي الِارْتفَاع فَقلت لغلامي قد بدا لي وَقد خطر الرّجوع من الْخطر ببالي فاعرض للْبيع أجمالي وأثقالي وانتهز فرْصَة هَذَا السّعر الغالي وَأَنا صَاحب قلم لَا صَاحب علم وَقد استشعرت نَفسِي فِي هَذِه الْغَزْوَة من عَاقِبَة نَدم والمدى بعيد والخطب شَدِيد وَهَذِه نوبَة السيوف
стр. 877
لَا نوبَة الأقلام وَفِي سلامتنا سَلامَة الْإِسْلَام وَالْوَاجِب على كل منا أَن يلْزم شغله وَلَا يتَعَدَّى حَده وَلَا يتَجَاوَز مَحَله لَا سِيمَا ونواب الدّيوان قد اسْتَأْذنُوا فِي العودة وأظهروا قلّة العِدّة وأظهرت سرّي للْمولى الْأَجَل الْفَاضِل فسره إشفاقاً عليّ وإحساناً إلىّ وَكَانَ السّلطان أَيْضا يُؤثر إيثاري ويختار اخْتِيَاري فَقَالَ لي أَنْت مَعنا أَو عزمت أَن تدعنا وَلَا تتبعنا فَقلت الْأَمر للْمولى وَمَا يختاره لي فَهُوَ أولى فَقَالَ تعّود وَتَدْعُو لنا وتسأل الله أَن يبلغنَا فِي النَّصْر سؤلنا
وَكنت قد كثبت أبياتا إِلَى المخدوم الْفَاضِل وَنحن بالمبرز فِي الْعشْرين من الشَّهْر
(قيَل فِي مصر نائلٌ عدد الرمل ... ووفرْ كنيلها الموفور)
(فاغتررنا بهَا وسرّنا إِلَيْهَا ... ووقعنا كَمَا ترى فِي الْغرُور)
(وحظينا بالرّمل والسيّر فِيهِ ... ومنعنا من نيلها الميسور)
(وبرزنا إِلَى المبرز نشكو ... سدرا من نزولنا بالسدير)
(قيل لي سِر إِلَى الْجِهَاد وماذا ... بالغٌ فِي الْجِهَاد جهدُ مسيري)
(لَيْسَ يقوى فِي الْجَيْش جأشي وَلَا قوسي ... يرى موترا إِلَى موتور)
(أَنا للكتب لَا الْكَتَائِب إقدامي ... وللصُّحف لَا الصفاح حضوري)
(كَاد فضلي يضيع لَوْلَا اهتمام الْفَاضِل ... الفائض النّدى بأموري)
стр. 878
(فَأَنا مِنْهُ فِي ملابس جاهٍ ... رافلاً مِنْهُ فِي حبير حبور)
(فَهُوَ رقيّ من الحضيض حظوظي ... وسما بِي إِلَى سَرِير السُّرور)
وَقَالَ وَمَا انْقَطَعت عَن السُّلْطَان فِي غَزَوَاته إِلَّا فِي هَذِه الْغَزْوَة وَقد عصم الله فِيهَا من النُّبُوَّة وَكَانَت غزوات السُّلْطَان بعْدهَا مؤيدة والسّعادات فِيهَا مجددة
وَكنت لما فَارَقت الْقَاهِرَة استوحشت وتشوقت إِلَى أصدقائي وتشوشت وكتبت من المخيم ببلبيس إِلَى القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الْمَعْرُوف بِابْن الفرّاش وَقد أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ صاحباً لي من الْأَيَّام النورية واستشرته فِي التَّأَخُّر عَن السُّلْطَان فَكتب فِي الْجَواب رافقه ولاتفارقه فَكرِهت رَأْيه فَكتبت إِلَيْهِ
(إِذا رَضِيتُمْ بمكروهي فَذَاك رضَا ... لَا أَبْتَغِي غير مَا تبغون لي غَرضا)
(وَإِن رَأَيْتُمْ شِفَاء الْقلب فِي مرضِي ... فإنني مُستطيبٌ ذَلِك المرضا)
(أَنْتُم أشرتم بتعذيبي فصرت لَهُ ... مُسْتعذباً أستلذ الْهم والمضضا)
(أَصبَحت ممتعضا من أجل أَنِّي لَا ... أرى صديقا لما أَلْقَاهُ ممتعضا)
(إِن رمتم عوضا بِي فِي محبتكم ... فحاش لله أَن أبغى بكم عوضا)
(لله عيشٌ تقضَّى عنْدكُمْ وَمضى ... وَكَانَ مثل سحابٍ برْقهُ ومضا)
стр. 879
(الْعَيْش دَان جناه الغضّ عنْدكُمْ ... والقلبُ محترقُ مني بجمر غضا)
(مَا كنت أَعهد مِنْكُم ذَا الْجفَاء وَلَا ... حسبت أنّ ودادي عنْدكُمْ رُفضا)
(قد أظلم الْأُفق فِي عَيْني لغيبتكم ... فَإِن أَذِنت لشخصي فِي الْحُضُور أضا)
(وَلست أول صبّ من أحبتَّه ... لمَّا جفوا مَا قضى أوطاره وَقضى)
(مُروا بِمَا شِئْتُم من محنة وأذىً ... فقد رَأَيْت امْتِثَال الْأَمر مفترضا)
(طُوبَى لكم مصرُ والدارّ الَّتِي قضيت ... فِيهَا المآرب والعيش الَّذِي خُفضا)
(بعيشكم إِن خلوتم بانبساطكم ... تَذكرُوا ضجراً بالعيش منقبضا)
(رَضِيتُمْ سَفَرِي عَنْكُم وأعهدكم ... بسفرتي عَنْكُم لَا تظْهرُونَ رضَا)
(هلا تكلَّفتم قولا أُسرُّ بِهِ ... هَيْهَات جوهركم قد عَاد لي عرضا)
(تفضلوا واشرحوا صَدْرِي بقربكم ... أَو فاشرحوا لي ذَا الْمَعْنى الذَّي غمضا)
فَكتب إليَّ فِي جوابها أبياتاً مِنْهَا
(لَا تنسبوني إِلَى إِيثَار بعدكم ... فلست أرْضى إِذا فارقتكم عوضا)
(ولي ودادٌ تولَّى الصّدق عقدته ... فَمَا ترَاهُ على الْأَيَّام منتقضا)
(يلقاك قلبِي على سبل العتاب لَهُ ... بِصِحَّة لَيْسَ يخْشَى بعْدهَا مَرضا)
(وصرت كالدَّهر يجنى أَهله أسفا ... ويلتقي من عتاب المذنب المضضا)
قَالَ ثمّ ودّعت وعُدْت ونهضوا وَقَعَدت
стр. 880
فصل فِي نوبَة كسرة الرَّملة
وَكَانَت على الْمُسلمين بِالْجُمْلَةِ وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة غرَّة جُمَادَى الْآخِرَة أَو ثَانِيَة
ورحل السُّلْطَان بعساكره فَنزل على عسقلان يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى فسبى وسلب وغنم وَغلب وَأسر وقسر وَكسب وَكسر وَجمع هُنَاكَ من كَانَ مَعَه من الأسرى فَضرب أَعْنَاقهم وتفرَّق عسكره فِي الْأَعْمَال مغيرين ومبيدين فَلَمَّا رَأَوْا أَن الفرنج خامدون استرسلوا وانبسطوا
وتوَّسط السُّلطان الْبِلَاد واستقل يَوْم الْجُمُعَة مستهلّ جُمَادَى الْآخِرَة بالرّملة راحلاً ليقصد بعض المعاقل فاعترضه نهرٌ عَلَيْهِ تلّ الصافية فازدحمت على العبور أثقال العساكر المتوافية فَمَا شعروا إِلَّا بالفرنج طالبةً بأطلابها حازبةً بأحزابها ذابَّةً بذئابها عاويةً بكلابها وَقد نفر نفيرهم وَزفر زفيرهم وسرايا الْمُسلمين فِي الضّيَاع مُغيرَة ولرِحا الْحَرْب عَلَيْهِم فِي دُورهمْ مديرة فَوقف الْملك المظفر تَقِيّ الدّين وتلقاهم بصدره وباشرهم ببيضه وسُمره فاستشهد من أَصْحَابه عدَّة من الْكِرَام انتقلوا إِلَى نعيم دَار الْمقَام وَهلك من الفرنج أضعافها
следующие страницы →