Полный текст (1 810 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
(يَمِينك فِيهَا اليُمن واليُسر فِي اليُسرى ... فبُشرى لمن يَرْجُو النّدى مِنْهُمَا بُشرى)
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَت الْأَعْلَام السُّلْطَانِيَّة صفرا لَا يُفَارق نشرها نصرا
قلت وفيهَا يَقُول بعض الْفُضَلَاء
(إِذا اسود خطب دونه الْمَوْت أَحْمَر ... أَتَت بالأيادي الْبيض أَعْلَامه الصفر)
(فمذ ظَهرت مَنْصُوبَة جزمت بهَا ... ظُهُور العدى من رَفعهَا انخفض الْكفْر)
(وَلم لَا يحوز الأَرْض شرقاً ومغربا ... وَللَّه فِي إعلاءِ رتْبته سر)
وَقَالَ الْعِمَاد وَعَاد السُّلْطَان إِلَى الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا ثمَّ اهتمت بالغزاة همتّه إِلَى غَزَّة وعسقلان فَخرج يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث جُمَادَى الأولى بعد الصَّلَاة وخيم بِظَاهِر بلبيس فِي خامسه بخميسه ثمَّ تقدمنا مِنْهُ إِلَى السدير وخيمنا بالمبرز ثمَّ نُودي خُذُوا زَاد عشرَة أَيَّام أُخْرَى زِيَادَة للاستظهار ولإعواز ذَلِك عِنْد توَسط ديار الْكفَّار
قَالَ الْعِمَاد فركبت إِلَى سوق الْعَسْكَر للابتياع وَقد أَخذ السّعر فِي الِارْتفَاع فَقلت لغلامي قد بدا لي وَقد خطر الرّجوع من الْخطر ببالي فاعرض للْبيع أجمالي وأثقالي وانتهز فرْصَة هَذَا السّعر الغالي وَأَنا صَاحب قلم لَا صَاحب علم وَقد استشعرت نَفسِي فِي هَذِه الْغَزْوَة من عَاقِبَة نَدم والمدى بعيد والخطب شَدِيد وَهَذِه نوبَة السيوف
стр. 877
لَا نوبَة الأقلام وَفِي سلامتنا سَلامَة الْإِسْلَام وَالْوَاجِب على كل منا أَن يلْزم شغله وَلَا يتَعَدَّى حَده وَلَا يتَجَاوَز مَحَله لَا سِيمَا ونواب الدّيوان قد اسْتَأْذنُوا فِي العودة وأظهروا قلّة العِدّة وأظهرت سرّي للْمولى الْأَجَل الْفَاضِل فسره إشفاقاً عليّ وإحساناً إلىّ وَكَانَ السّلطان أَيْضا يُؤثر إيثاري ويختار اخْتِيَاري فَقَالَ لي أَنْت مَعنا أَو عزمت أَن تدعنا وَلَا تتبعنا فَقلت الْأَمر للْمولى وَمَا يختاره لي فَهُوَ أولى فَقَالَ تعّود وَتَدْعُو لنا وتسأل الله أَن يبلغنَا فِي النَّصْر سؤلنا
وَكنت قد كثبت أبياتا إِلَى المخدوم الْفَاضِل وَنحن بالمبرز فِي الْعشْرين من الشَّهْر
(قيَل فِي مصر نائلٌ عدد الرمل ... ووفرْ كنيلها الموفور)
(فاغتررنا بهَا وسرّنا إِلَيْهَا ... ووقعنا كَمَا ترى فِي الْغرُور)
(وحظينا بالرّمل والسيّر فِيهِ ... ومنعنا من نيلها الميسور)
(وبرزنا إِلَى المبرز نشكو ... سدرا من نزولنا بالسدير)
(قيل لي سِر إِلَى الْجِهَاد وماذا ... بالغٌ فِي الْجِهَاد جهدُ مسيري)
(لَيْسَ يقوى فِي الْجَيْش جأشي وَلَا قوسي ... يرى موترا إِلَى موتور)
(أَنا للكتب لَا الْكَتَائِب إقدامي ... وللصُّحف لَا الصفاح حضوري)
(كَاد فضلي يضيع لَوْلَا اهتمام الْفَاضِل ... الفائض النّدى بأموري)
стр. 878
(فَأَنا مِنْهُ فِي ملابس جاهٍ ... رافلاً مِنْهُ فِي حبير حبور)
(فَهُوَ رقيّ من الحضيض حظوظي ... وسما بِي إِلَى سَرِير السُّرور)
وَقَالَ وَمَا انْقَطَعت عَن السُّلْطَان فِي غَزَوَاته إِلَّا فِي هَذِه الْغَزْوَة وَقد عصم الله فِيهَا من النُّبُوَّة وَكَانَت غزوات السُّلْطَان بعْدهَا مؤيدة والسّعادات فِيهَا مجددة
وَكنت لما فَارَقت الْقَاهِرَة استوحشت وتشوقت إِلَى أصدقائي وتشوشت وكتبت من المخيم ببلبيس إِلَى القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُوسَى الْمَعْرُوف بِابْن الفرّاش وَقد أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ صاحباً لي من الْأَيَّام النورية واستشرته فِي التَّأَخُّر عَن السُّلْطَان فَكتب فِي الْجَواب رافقه ولاتفارقه فَكرِهت رَأْيه فَكتبت إِلَيْهِ
(إِذا رَضِيتُمْ بمكروهي فَذَاك رضَا ... لَا أَبْتَغِي غير مَا تبغون لي غَرضا)
(وَإِن رَأَيْتُمْ شِفَاء الْقلب فِي مرضِي ... فإنني مُستطيبٌ ذَلِك المرضا)
(أَنْتُم أشرتم بتعذيبي فصرت لَهُ ... مُسْتعذباً أستلذ الْهم والمضضا)
(أَصبَحت ممتعضا من أجل أَنِّي لَا ... أرى صديقا لما أَلْقَاهُ ممتعضا)
(إِن رمتم عوضا بِي فِي محبتكم ... فحاش لله أَن أبغى بكم عوضا)
(لله عيشٌ تقضَّى عنْدكُمْ وَمضى ... وَكَانَ مثل سحابٍ برْقهُ ومضا)
стр. 879
(الْعَيْش دَان جناه الغضّ عنْدكُمْ ... والقلبُ محترقُ مني بجمر غضا)
(مَا كنت أَعهد مِنْكُم ذَا الْجفَاء وَلَا ... حسبت أنّ ودادي عنْدكُمْ رُفضا)
(قد أظلم الْأُفق فِي عَيْني لغيبتكم ... فَإِن أَذِنت لشخصي فِي الْحُضُور أضا)
(وَلست أول صبّ من أحبتَّه ... لمَّا جفوا مَا قضى أوطاره وَقضى)
(مُروا بِمَا شِئْتُم من محنة وأذىً ... فقد رَأَيْت امْتِثَال الْأَمر مفترضا)
(طُوبَى لكم مصرُ والدارّ الَّتِي قضيت ... فِيهَا المآرب والعيش الَّذِي خُفضا)
(بعيشكم إِن خلوتم بانبساطكم ... تَذكرُوا ضجراً بالعيش منقبضا)
(رَضِيتُمْ سَفَرِي عَنْكُم وأعهدكم ... بسفرتي عَنْكُم لَا تظْهرُونَ رضَا)
(هلا تكلَّفتم قولا أُسرُّ بِهِ ... هَيْهَات جوهركم قد عَاد لي عرضا)
(تفضلوا واشرحوا صَدْرِي بقربكم ... أَو فاشرحوا لي ذَا الْمَعْنى الذَّي غمضا)
فَكتب إليَّ فِي جوابها أبياتاً مِنْهَا
(لَا تنسبوني إِلَى إِيثَار بعدكم ... فلست أرْضى إِذا فارقتكم عوضا)
(ولي ودادٌ تولَّى الصّدق عقدته ... فَمَا ترَاهُ على الْأَيَّام منتقضا)
(يلقاك قلبِي على سبل العتاب لَهُ ... بِصِحَّة لَيْسَ يخْشَى بعْدهَا مَرضا)
(وصرت كالدَّهر يجنى أَهله أسفا ... ويلتقي من عتاب المذنب المضضا)
قَالَ ثمّ ودّعت وعُدْت ونهضوا وَقَعَدت
стр. 880
فصل فِي نوبَة كسرة الرَّملة
وَكَانَت على الْمُسلمين بِالْجُمْلَةِ وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة غرَّة جُمَادَى الْآخِرَة أَو ثَانِيَة
ورحل السُّلْطَان بعساكره فَنزل على عسقلان يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى فسبى وسلب وغنم وَغلب وَأسر وقسر وَكسب وَكسر وَجمع هُنَاكَ من كَانَ مَعَه من الأسرى فَضرب أَعْنَاقهم وتفرَّق عسكره فِي الْأَعْمَال مغيرين ومبيدين فَلَمَّا رَأَوْا أَن الفرنج خامدون استرسلوا وانبسطوا
وتوَّسط السُّلطان الْبِلَاد واستقل يَوْم الْجُمُعَة مستهلّ جُمَادَى الْآخِرَة بالرّملة راحلاً ليقصد بعض المعاقل فاعترضه نهرٌ عَلَيْهِ تلّ الصافية فازدحمت على العبور أثقال العساكر المتوافية فَمَا شعروا إِلَّا بالفرنج طالبةً بأطلابها حازبةً بأحزابها ذابَّةً بذئابها عاويةً بكلابها وَقد نفر نفيرهم وَزفر زفيرهم وسرايا الْمُسلمين فِي الضّيَاع مُغيرَة ولرِحا الْحَرْب عَلَيْهِم فِي دُورهمْ مديرة فَوقف الْملك المظفر تَقِيّ الدّين وتلقاهم بصدره وباشرهم ببيضه وسُمره فاستشهد من أَصْحَابه عدَّة من الْكِرَام انتقلوا إِلَى نعيم دَار الْمقَام وَهلك من الفرنج أضعافها
стр. 881
وَكَانَ لتقي الدّين ولدٌ يُقَال لَهُ أَحْمد أول مَا طر شَاربه فاستشهد بَعْدَمَا أردى فَارِسًا
قَالَ وَكَانَ لتقي الدّين أَيْضا ولد آخر اسْمه شاهنشاه وَقع فِي أسر الفرنج وَذَلِكَ أَن بعض مستأمني الفرنج بِدِمَشْق خدعه وَقَالَ لَهُ تَجِيء إِلَى الْملك وَهُوَ يعطيك الْملك وزور لَهُ كتابا فسكن إِلَى صدقه وَخرج مَعَه فَلَمَّا تفرد بِهِ شدّ وثَاقه وغلّه وقيَّده وَحمله إِلَى الداوية وَأخذ بِهِ مَالا وجدد عِنْدهم لَهُ حَالا وجمالا وَبَقِي فِي الْأسر أَكثر من سبع سِنِين حَتَّى فكّه السُّلْطَان بِمَال كثير وَأطلق للداوّية كلّ من كَانَ لَهُم عِنْده من أَسِير فغلط الْقلب التقوّى على ذَلِك الْوَلَد جرّ هَلَاك أَخِيه وَلما عَاد من الْغَزْوَة زرناه للتعزية فِيهِ
قَالَ وَلَو أَن لتقي الدّين ردْءًا لأردى الْقَوْم لَكِن النّاس تفَرقُوا وَرَاء أثقالهم ثمَّ نَجوا برحالهم وصوّب العدوّ بجملتهم حملتهم على السُّلْطَان فَثَبت ووقف على تقدمه من تخلف وسمعته يَوْمًا يصف تِلْكَ النّوبَة ويشكر من جماعته الصُّحْبَة وَيَقُول رَأَيْت فَارِسًا يحثّ نحوي حصانه وَقد صوّب إِلَى نحري سنانه فكاد يبلغنِي طعانه وَمَعَهُ آخرَانِ قد جعلا شَأْنهمَا شانه فَرَأَيْت ثَلَاثَة من أَصْحَابِي خرج كلّ وَاحِد إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم فبادروه وطعنوه وَقد تمكن من قربي فَمَا مكَّنوه وهم إِبْرَاهِيم بن قنابر وَفضل الفيضي وسُويد بن غشم الْمصْرِيّ وَكَانُوا فرسَان الْعَسْكَر وشجعان المعشر وأتفق لسعادة السُّلْطَان أنّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة رافقوه وَمَا فارقوه وقارعوا العدوّ دونه وضايقوه
стр. 882
فَمَا زَالَ السُّلْطَان يسير وَيقف حَتَّى لم يبْق من ظنّ أَنه يتَخَلَّف وَدخل اللَّيْل وسلك الرمل وَلَا مَاء وَلَا دَلِيل وَلَا كثير من الزَّاد والعلف وَلَا قَلِيل وتعسفوا السلوك فِي تِلْكَ الرمال والأوعاث والأوعار وبقوا أَيَّامًا وليالي بِغَيْر مَاء وَلَا زَاد حَتَّى وصلوا إِلَى الديار وَأذن ذَلِك بِتَلف الدّواب وترجل الركاب ولُغوب الْأَصْحَاب وفقد كثير مِمَّن لم يعرف لَهُ خبر وَلم يظْهر لَهُ أثر وفقد الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى وَأَخُوهُ الظهير وَمن كَانَ فِي صُحبتهم فضّل الطَّرِيق عَنْهُم وَكَانُوا سائرين إِلَى وَرَاء فَأَصْبحُوا بِقرب الْأَعْدَاء فأكمنوا فِي مغارة وَانْتَظرُوا من يدلهم من بلد الْإِسْلَام على عمَارَة فدّل عَلَيْهِم الفرنج من زعم أَنه يدل بهم وسعى فِي أسرهم وعطبهم فأسروا وَمَا خلص الْفَقِيه عِيسَى وَأَخُوهُ إِلَّا بعد سِنِين بستين سبعين ألف دِينَار وفكاك جمَاعَة من الْكفَّار
قَالَ وَمَا اشتدت هَذِه النّوبَة بكسرة وَلَا عدم نُصرة فَإِن النكاية فِي العدوّ وبلاده بلغت مُنْتَهَاهَا وَأدْركت كلُّ نفسٍ مُؤمنَة مُشتهاها لَكِن الْخُرُوج من تِلْكَ الْبِلَاد شتت الشمل وأوعر السهل وسلك مَعَ عدم المَاء وَالدَّلِيل الرمل
وَمِمَّا قدره الله تَعَالَى من أَسبَاب السّلامة وَالْهِدَايَة إِلَى الاسْتقَامَة أَن الْأَجَل الْفَاضِل استظهر فِي دُخُول بِلَاد الْأَعْدَاء باستصحاب الكنانية
стр. 883
والأدلاء وانهم مَا كَانُوا يفارقونه فِي الْغَدَاء وَالْعشَاء فَلَمَّا وَقعت الْوَاقِعَة خرج بدوابه وغلمانه وَأَصْحَابه وأدلائه وأثقاله وَبث أَصْحَابه فِي تِلْكَ الرمال والوهاد والتلال حَتَّى أَخذ خبر السُّلْطَان وقصده وأوضح بأدلائه جدده وَفرق مَا كَانَ مَعَه من الأزواد على المنقطين وجمعهم فِي خدمَة السُّلْطَان أَجْمَعِينَ فسُهل ذَلِك الوعر وَأنس بعد الوحشة القفر وجبر الْكسر
وَكَانَ النَّاس فِي مبدأ توجُّه السُّلْطَان إِلَى الْجِهَاد وَدخُول الْأَجَل الْفَاضِل مَعَه إِلَى الْبِلَاد رُبمَا تحدثُوا وَقَالُوا لَو قعد وتخلف كَانَ أولى بِهِ فَإِن الْحَرْب لَيست من دأبه ثمّ عُرف أنّ السَّلامة وَالْبركَة والنجاة كَانَت فِي استصحابه
وَجَاء الْخَبَر إِلَى الْقَاهِرَة مَعَ نجابين فَخلع عَلَيْهِم وأركبوا وأُشيع بِأَن السُّلْطَان نَصره الله وَأَن الفرنج خذلهم الله كسروا وغلبوا فركبت لأسْمع حَدِيث النجّابين وَكَيف نصر الله الْمُسلمين وَإِذا هم يَقُولُونَ أَبْشِرُوا فَإِن السُّلْطَان وَأَهله سَالِمُونَ وَإِنَّهُم واصلون غانمون فَقلت لرفيقي مَا بُشر بسلامة السُّلْطَان إِلَّا وَقد تمت كسرة وَمَا ثمَّ سوى سَلَامَته نُصرة
وَلما قرب خرجنَا لتلقيه وشكرنا الله على مَا يسره من ترقيه وتوقيه وَدخل الْقَاهِرَة يَوْم الْخَمِيس منتصف الشَّهْر ونابت سَلَامَته مناب النَّصْر وسيرنا بهَا البشائر وأنهضنا ببطاقاتها الطَّائِر لإخراس أَلْسِنَة الأراجيف
стр. 884
وإبدال التَّأْمِين من التخويف فقد كَانَت نوبتها هائلة ووقعتها غائلة
وَقَالَ القَاضِي ابْن شَدَّاد خرج السُّلْطَان يطْلب السَّاحِل حَتَّى وافى الفرنج على الرّملة وَذَلِكَ فِي أَوَائِل جُمَادَى الأولى وَكَانَ مقدم الفرنج البرنز أرناط وَكَانَ قد بيع بحلب فَإِنَّهُ كَانَ أَسِيرًا بهَا من زمن نور الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَجرى خللٌ فِي ذَلِك الْيَوْم على الْمُسلمين وَلَقَد حكى السُّلْطَان قدّس الله روحه صُورَة الكسرة فِي ذَلِك الْيَوْم وَذَلِكَ أنّ الْمُسلمين كَانُوا قد تعَبَّوا تعبئة الْحَرْب فَلَمَّا قَارب العدوّ رأى بعض الْجَمَاعَة أَن يُغير الميمنة إِلَى جِهَة الميسرة والميسرة إِلَى جِهَة الْقلب ليكونوا حَال اللِّقَاء وَرَاء ظُهُورهمْ تل مَعْرُوف بِأَرْض الرملة فَبينا اشتغلوا بِهَذِهِ التعبئة هجمهم الفرنج وَقدر الله تَعَالَى كسرهم فانكسروا كسرةً عَظِيمَة وَلم يكن لَهُم حصن قريب يأوون إِلَيْهِ فطلبوا جِهَة الديار المصرية وَضَلُّوا فِي الطَّرِيق وتبددوا وأُسر مِنْهُم جمَاعَة مِنْهُم الْفَقِيه عِيسَى وَكَانَ وَهَناً عَظِيما جبره الله تَعَالَى بوقعة حطين الْمَشْهُورَة وَللَّه الْحَمد
قلت وَذَلِكَ بعد عشر سِنِين فكسرة الرّملة هَذِه كَانَت فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وكسرة حطين كَانَت فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ
قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب وَحَيْثُ كَانَت للْملك المظفر تَقِيّ الدّين فِي هَذِه الْغَزْوَة الْيَد الْبَيْضَاء أنشدته قصيدة مِنْهَا
(سقى الله الْعرَاق وساكنيه ... وحيّاه حَيا الْغَيْث الهتون)
стр. 885
(وجيرانا أمنت الْجور مِنْهُم ... وَمَا فيهم سوى وافٍ أَمِين)
(صفوا والدهر ذُو كدرٍ وقدما ... وفوا بالعهد فِي الزَّمن الخؤون)
(بَنو أَيُّوب زانوا الْملك مِنْهُم ... بحلية سؤدد وتُقى وَدين)
(ملوكٌ أَصْبحُوا خير البرايا ... لخير رعية فِي خير حِين)
(أَسَانِيد السِّيَادَة عَن علاهم ... مُعَنْعَنَةٌ مصححةُ الْمُتُون)
(بَنو أَيُّوب مثلُ قُرَيْش مجداً ... وَأَنت لَهَا كأنزعها البطين)
(أخفت الشّرك حَتَّى الذّعر مِنْهُم ... يُرى قبل الْولادَة فِي الْجَنِين)
(ويومَ الرّملة المرهوبَ بَأْسا ... تركت الشّرك منزعج القطين)
(وكنتَ لعسكر الْإِسْلَام كهفاً ... أَوَى مِنْهُ إِلَى حصن حُصَيْن)
(وَقد عرف الفرنج سطاك لما ... رَأَوْا آثارها عين الْيَقِين)
(وَأَنت ثَبت دون الدّين تحمى ... حماه أَوَان ولى كلُّ دون)
قَالَ واهتم السُّلْطَان بعد ذَلِك بإفاضة الْجُود وتفريق الْمَوْجُود وافتقاد النَّاس بالنقود والنسايا الصادقة الوعود وجبر الكسير وَفك الْأَسير وتوفير الْعدَد وتكثير المدد وتعويض مَا وقف من الدَّوَابّ
стр. 886
فَسَلُوا مَا نابهم وَلم يأسوا على مَا أَصَابَهُم
قَالَ ابْن أبي طيّ وَقَالَ ابْن سَعْدَان الحلبيّ يمدح السُّلْطَان وَيذكر مَا فعله على عسقلان ويهوّن عَلَيْهِ أَمر هَذِه الكسرة من قصيدة
(قرَّبت من عسقلان كلّ نائبة ... باتت تقل بوكاف من الأسل)
(فاض النجيع عَلَيْهَا وَهِي ممحلة ... فَأَصْبَحت مرتعا للخيل وَالْإِبِل)
(قل للفرنجية الخذلى رويدكم ... بالثأر أَو تخرج الشعري من الْحمل)
(ترقبوها من الفوار طالعة ... خوارق الأَرْض تمحو رونق الأَصْل)
(كأنني بنواصيهنّ يقدمهَا ... كاسٍ من الْجُود عُرْيَان من الْبُخْل)
(حسب العدى يَا صَلَاح الدّين حسبهم ... أَن يقرفوك بِجرح غير مندمل)
(وَهل يخَاف لِسَان النَّحْل ملتمسٌ ... مرّت على أصبعيه لَذَّة الْعَسَل)
فصل فِي وَفَاة كمشتكين وَخُرُوج السُّلْطَان من مصر بِسَبَب حَرَكَة الفرنج
قَالَ الْعِمَاد وَقعت المنافسة بَين الحلبيين مدبري الْملك الصَّالح
стр. 887
وَاسْتولى على أمره الْعدْل ابْن العجمي أَبُو صَالح وَكَانَ سعد الدّين كمشتكين الْخَادِم مقدم الْعَسْكَر وأمير المعشر وَهُوَ صَاحب حصن حارم وَقد حسده أَمْثَاله من الْأُمَرَاء والخدام فَسَلمُوا لِابْنِ العجمي الاستبداد بتدبير الدولة فقفز عَلَيْهِ الاسماعيلية يَوْم الْجُمُعَة بعد الصَّلَاة فِي جَامع حلب فَقَتَلُوهُ
واستقل كمشتكين بِالْأَمر فَتكلم فِيهِ حسّاده وَقَالُوا للْملك الصَّالح مَا قتل وزيرك ومشيرك ابْن العجمي إِلَّا كمشتكين فَهُوَ الَّذِي حسن ذَلِك للاسماعيلية وَقَالُوا لَهُ أَنْت السُّلْطَان وَكَيف يكون لغيرك حُكمٌ أَو أَمر فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى قبض عَلَيْهِ وطالبوه بِتَسْلِيم قلعة حارم وأوقعوا بهَا لأَجله العظائم فَكتب إِلَى نوابه بهَا فنبوا وأبوا فَحَمَلُوهُ ووقفوا بِهِ تَحت القلعة وخوّفوه بالصرعة فَلَمَّا طَال أمره قصر عمره واستبد الصغار بعده بالأمور الْكِبَار وامتنعت عَلَيْهِ قلعة حارم وجرد إِلَيْهَا العزائم وَنزل عَلَيْهِ الفرنج ثمَّ رحلوا بقطيعةٍ بذلها لَهُم الْملك الصَّالح واستنزل عَنْهَا أَصْحَاب كمشتكين وَولى بهَا مَمْلُوكا لِأَبِيهِ يُقَال لَهُ سرخك
وَقَالَ ابْن الْأَثِير سَار الْملك الصَّالح من حلب إِلَى حارم وَمَعَهُ كمشتكين فعاقبه ليأمرَ من بهَا بِالتَّسْلِيمِ فَلم يجب إِلَى مَا طلب مِنْهُ فعلق
стр. 888
منكوسا ودخن تَحت أَنفه فَمَاتَ وَعَاد الْملك الصَّالح عَن حارم وَلم يملكهَا ثمَّ أَنه أَخذهَا بعد ذَلِك
قَالَ ابْن شَدَّاد أما الْملك الصَّالح فَإِنَّهُ تخبط أمره وَقبض كمشتكين صَاحب دولته وَطلب مِنْهُ تَسْلِيم حارم إِلَيْهِ فَلم يفعل فَقتله وَلما سمع الفرنج بقتْله نزلُوا على حارم طَمَعا فِيهَا وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة وقابل عَسْكَر الْملك الصَّالح العساكر الإفرنجية وَلما رأى أهل القلعة خطرها من جَانب الفرنج سلموها إِلَى الْملك الصَّالح فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شهر رَمَضَان وَلما عرف الفرنج ذَلِك رحلوا عَن حارم طَالِبين بِلَادهمْ ثمّ عَاد الصَّالح إِلَى حلب ولمْ يزلْ أَصْحَابه على اخْتِلَاف بميل بَعضهم إِلَى جَانب السُّلْطَان قدّس الله روحه
قَالَ الْعِمَاد وَوصل فِي هَذِه السّنة إِلَى السَّاحِل من الْبَحْر كند كَبِير يُقَال لَهُ افلندس أكبر طواغيت الْكفْر واعتقد خلو الشَّام من ناصري الْإِسْلَام وَمن جملَة شُرُوط هدنة الفرنج أَنهم إِذا وصل لَهُم ملك أَو كَبِير مَا لَهُم فِي دَفعه تَدْبِير أَنهم يعاونونه وَلَا يباينونه ويحالفونه وَلَا يخالفونه فَإِذا عَاد عَادَتْ الْهُدْنَة كَمَا كَانَت وهانت الشدَّة ولانت وبحكم هَذَا الشَّرْط حشدوا الحشود وجندوا الْجنُود ونزلوا على حماة فِي الْعشْرين من جُمَادَى الأولى وصاحبها شهَاب الدّين مَحْمُود الحارمي مَرِيض ونائب السُّلْطَان بِدِمَشْق يَوْمئِذٍ أَخُوهُ الْأَكْبَر تورانشاه وَهُوَ والأمراء مشغولون بلذاتهم وَكَانَ
стр. 889
سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب بِالْقربِ فَدَخلَهَا وَخرج للحرب وَاجْتمعَ إِلَيْهَا رجال الطعْن وَالضَّرْب وَجَرت ضروبٌ من الحروب وَكَاد الفرنج تهجم الْبَلَد فأخرجوهم من الدروب وَنصر الله أهل الْإِسْلَام بعد حصارهم لَهُم أَرْبَعَة أَيَّام فَانْهَزَمَ الملاعين ونزلوا على حصن حارم كَمَا تقدم ذكره فرحلهم عَنهُ الْملك الصَّالح بعد حصاره أَرْبَعَة أشهر
وَمن كتاب فاضليّ إِلَى بَغْدَاد خرج الكفّار إِلَى الْبِلَاد الشَّامية فاسخين لعقد كَانَ محكماً غادرين غدرا صَرِيحًا مقدرين أَن يجهزوا على الشَّام لما كَانَ بالجدب جريحا ونزلوا على ظَاهر حماة يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى وزحفوا إِلَيْهَا فِي ثَانِيَة فَخرج إِلَيْهِم أَصْحَابنَا وتضَّمن كتاب سيف الدّين يعْنى المشطوب أَن الْقَتْلَى من الفرنج تزيد على ألف رجل مَا بَين فَارس وراجل شفى الله مِنْهُم الصُّدُور ورزق عَلَيْهِم النَّصْر والظهور ثمَّ انصرفوا مجموعا لَهُم بَين تنكيس الصُّلُب وتحطيم الأصلاب مفرّقة أحزابهم عَن الْمَدِينَة المحروسة كَمَا افْتَرَقت عَن الْمَدِينَة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة الْأَحْزَاب
قَالَ الْعِمَاد وتسامع الحلبيون بِيَوْم رحيلنا من مصر لقصد الشَّام لنُصْرة الْإِسْلَام وَقَالُوا أول مَا يصل صَلَاح الدّين يتسلم حارم فراسلوا الإفرنج وقاربوهم وأرغبوهم وأرهبوهم وَقَالُوا لَهُم صَلَاح الدّين وَاصل وَمَا لكم بعد حُصُوله عنْدكُمْ حَاصِل فَرَحل الفرنج بقطيعة من المَال أخذوها وعدّة من الْأُسَارَى خلَّصوها
стр. 890
ثمَّ تُوفى خَال السُّلطان شهَاب الدّين مَحْمُود بن تكش الحارمي فِي جُمَادَى الْآخِرَة وَتُوفِّي وَلَده تكش ابْن خَال السُّلطان قبله بِثَلَاثَة أيَّام وَذَلِكَ أَوَان وقْعَة الرملة
وَلما سمع السُّلطان بنزول الفرنج على حارم رَحل من الْبركَة يَوْم عيد الْفطر بعساكره وَوصل أَيْلَة فِي عَاشر الشَّهْر واستناب بِمصْر أَخَاهُ الْعَادِل وَأقَام بهَا أَيْضا القَاضِي الْفَاضِل بنيَّة الْحَج فِي السّنة الْقَابِلَة وَوصل السُّلطان إِلَى دمشق فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من شوّال
وَمِمَّا نظمه الْعِمَاد فِي التشوق إِلَى مصر قَوْله
(سَاكِني مصر هُنَاكُم طيبها ... إِن عيشي بعدكم لمْ يطب)
(لاعدمتم رَاحَة من قربهَا ... فَأَنا من بعْدهَا فِي تَعب)
(بعد الْعَهْد بأخباركم ... فَابْعَثُوا أخباركم فِي الْكتب)
(لَيْت مصرا عرفت أَنِّي وَإِن ... غبتُ عَنْهَا فالهوى لم يغب)
وَمن ذَلِك
(تذكرت فِي جلَّقٍ داركم ... بِمصْر وَيَا بُعْد مَا بَيْننَا)
(وَمَا أَتَمَنَّى سوى قُربكم ... وَذَلِكَ وَالله كلُّ المنى)
(لكم بالجنان وَطيب الْمقَام ... وَحسن النَّعيم بِمصْر الهنا)
стр. 891
وَمن ذَلِك
(يَا سَاكِني مصر قد فقتم بفضلكم ... ذَوي الْفَضَائِل من سكان أَمْصَار)
(لله درّكمُ من عُصْبة كرُمت ... ودرُّ مصركم الْغناء من دَار)
وَمن ذَلِك
(يَا حبذا مصر وبركتها ... وَصدر والعريش)
(فهناك أملاكي الَّذين ... سَمَتْ بعزّهم العُروش)
قَالَ وَوصل كتاب من الْفَاضِل يذكر فِيهِ أنّ العدوّ خذله الله تَعَالَى نَهَضَ وَوصل إِلَى صدر وَقَاتل القلعة وَلم يتم لَهُ أَمر فصرف الله شَره وَكفى أمره
وَوصل من الفرنج مستأمن وَذكر أنَّهم يُرِيدُونَ الْغَارة على فاقوس فاستقلوا أنفسهم وعرّجوا وَذكر أَنهم مضوا بنية تَجْدِيد الحشد ومعاودة الْقَصْد
قَالَ وَأما نوبَة العدوّ فِي الرّملة فقد كَانَت عَثْرَة علينا ظَاهرهَا وعَلى الْكفَّار بَاطِنهَا ولزمنا مَا نسى من اسْمهَا ولزمهم مَا بقى من غرمها وَلَا دَلِيل أدلّ على القوّة من الْمسير بعد شَهْرَيْن من تَارِيخ وقعتها إِلَى الشَّام نَخُوض بِلَاد الفرنج بالقوافل الثَّقِيلَة والحشود الْكَثِيرَة والحريم المستور وَالْمَال الْعَظِيم الموفور
стр. 892
قَالَ الْعِمَاد وَلما دَخَلنَا دمشق وجدنَا رُسُل دَار الْخلَافَة قد وصلوا بِأَسْبَاب العاطفة والرأفة وَكَانَ حِينَئِذٍ صَاحب المخزن ظهير الدّين أَبُو بكر مَنْصُور بن نصر العطَّار وَهُوَ من ذَوي الأخطار وَله التحكم فِي الْإِيرَاد والإصدار وَقد توفَّر على محبَّة السُّلطان وتربية رجائه وتلبية دُعَائِهِ وَوصل كِتَابه وَرَسُوله بِكُل مَا سر السَّرائر ونوّر البصائر
فصل فِي ذكر أَوْلَاد السُّلْطَان
قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السَّنة ولد بِمصْر للسُّلطان ابْنه أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد
وَكتب الْفَاضِل إِلَى السُّلْطَان يهنئه بِهِ وَيَقُول إِنَّه وُلد لِسَبْع بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَهَذَا الولدُ المُبارك هُوَ المُوفى لاثني عشر ولدا بل لاثني عشر نجماً متوقداً فقد زَاد الله فِي أنجمه على أنجم يُوسُف ﵇ نجماً ورآهم الْمولى يقظة وَرَأى تِلْكَ الأنجم حلما ورآهم ساجدين لَهُ ورأينا الْخلق لَهُ سجوداً وَهُوَ قادرٌ سُبْحَانَهُ أَن يزِيد جدود الْمولى إِلَى أَن يراهم أباءً وجدوداً
قَالَ الْعِمَاد وَكنت فِي بعض اللَّيَالِي عِنْد السُّلطان فِي آخر عَهده وَجرى ذكر أَوْلَاده واعتضاده بهم واعتداده فَقلت لَهُ لَو عرفت أَيَّام
стр. 893
مواليدهم فِي أعوامها لأنشأت رِسَالَة على نظامها فَذكر لي مَا أثْبته على تَرْتِيب اسنانهم
الْملك الْأَفْضَل نور الدّين أَبُو الْحسن عليّ ولدُ بِمصْر لَيْلَة عيد الْفطر عِنْد الْعَصْر سنة خمس وَسِتِّينَ وَخمْس مئة
الْعَزِيز أَبُو الْفَتْح عُثْمَان عماد الدِّين ولد بِمصْر ثامن جُمَادَى الأولى سنة سبع وَسِتِّينَ
الظافر أَبُو الْعَبَّاس خضر مظفر الدِّين ولد بِمصْر فِي خَامِس شعْبَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَهُوَ أَخُو الْأَفْضَل لِأَبَوَيْهِ
الظَّاهِر أَبُو مَنْصُور غَازِي غياث الدّين ولد بِمصْر منتصف رَمَضَان سنة ثَمَان وَسِتِّينَ
الْمعز أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق فتح الدِّين وُلد بِمصْر فِي ربيع الأول سنة سبعين.
الْمُؤَيد أَبُو الْفَتْح مَسْعُود نجم الدّين وُلد بِدِمَشْق فِي ربيع الأول سنة
стр. 894
إِحْدَى وَسبعين وَهُوَ أَخُو الْعَزِيز لِأَبَوَيْهِ
الأعزُّ أَبُو يُوسُف يَعْقُوب شرف الدِّين وُلد بِمصْر فِي ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَهُوَ لأم الْعَزِيز
الزَّاهر أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد مجير الدِّين ولد بِمصْر فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين وَهُوَ لأم الظَّاهِر
الْمفضل أَبُو مُحَمَّد مُوسَى قطب الدِّين ثمَّ نعت بالمظفَّر ولد بِمصْر سنة ثَلَاث وَسبعين وَهُوَ لأم الْأَفْضَل
الْأَشْرَف أَبُو عبد الله مُحَمَّد عز الدّين ولد بِالشَّام سنة خمس وَسبعين
المحسن أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ظهير الدِّين وُلد بِمصْر فِي ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وَهُوَ لأم الْأَشْرَف
стр. 895
المعظَّم أَبُو مَنْصُور تورانشاه فَخر الدّين ولد بِمصْر فِي ربيع الأول سنة سبع وَسبعين أَيْضا
قلت وَمَات سنة ثَمَان وَخمسين وست مئة وَهِي السّنة الَّتِي أخرب الْعَدو من التتار خذلهم الله تَعَالَى فِيهَا مَدِينَة حلب وَغَيرهَا وَالله أعلم
الْجواد أَبُو سعيد أَيُّوب ركن الدِّين ولد فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وَهُوَ لأم الْمعز
الْغَالِب أَبُو الْفَتْح ملكشاه نصير الدِّين مولده بالشَّام فِي رَجَب سنة ثَمَان وَسبعين وَهُوَ لأم الْمُعظم
الْمَنْصُور أَبُو بكر وَهُوَ أَيْضا أَخُو الْمُعظم لِأَبَوَيْهِ ولد بحرّان بعد وَفَاة السُّلْطَان
قلت فَهَذِهِ خَمْسَة عشر ولدا ذكرهم الْعِمَاد فِي هَذَا الْموضع
стр. 896
وَقَالَ فِي آخر كتاب الْفَتْح القُدسي على مَا سَنذكرُهُ فِي آخر هَذَا الْكتاب إِن السُّلْطَان لما توفّي خلَّف سَبْعَة عشر ولدا وَابْنَة صَغِيرَة
فقد فَاتَهُ هُنَا ذكر اثْنَيْنِ وهما عماد الدّين شاذي لأم ولد ونصرة الدّين مَرْوَان لأم ولد وَأما الْبِنْت فَهِيَ مؤنسة خاتون تزَوجهَا الْملك الْكَامِل مُحَمَّد على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ ابْن عَمها الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب
وللسلطان غير هَؤُلَاءِ الْأَوْلَاد مِمَّن درج فِي حَيَاته كالملك الْمَنْصُور حسن وَسَيَأْتِي ذكر وَفَاته والأمير أَحْمد وَهُوَ الَّذِي رثاه العرقلة بقوله
(أيّ هِلَال كُسفا ... وَأي غصنٍ قصفا)
(كَانَ سِرَاجًا قد طفا ... على الورى ثمّ انطفا)
(لم يركب الْخَيل وَلم ... يقلدوه مرهفاً)
(قل للنحاة وَيحكم ... أحمدكم قد صرفا)
(صبرا صَلَاح الدّين يَا ... ربّ السماح والوفا)
стр. 897
قَالَ الْعِمَاد وَورد من الْفَاضِل كتاب تَارِيخه منتصف ذِي الْحجَّة من سنة ثَلَاث وَسبعين ذكر فِيهِ فصولا مُتعَدِّدَة مِنْهَا للْمولى أولادٌ وَقد صَارُوا رجَالًا وَيجب أَن يستجيد للقلاع رجَالًا كَمَا فعل السَّابِقُونَ أعماراً وأعمالا وَقيل القلاع أنوفٌ من حلهَا شمخ بهَا
(مَا فِي الرِّجَال على النِّسَاء أَمِين ...)
وَمِنْهَا أَبْيَات فِي ذكر السَّلَام
(مَمْلُوك مَوْلَانَا ومملوكُ ابْنه ... وأخيه وَابْن أَخِيه وَالْجِيرَان)
(طيّ الْكتاب إِلَيْهِ مِنْهُ إِجَابَة ... لسلام مَوْلَانَا ابْنه عُثْمَان)
(وَالله قد ذكر السَّلَام وَأَنه ... يَجْزِي بِأَحْسَن مِنْهُ فِي الْقُرْآن)
(وغريبة قد جِئْت فِيهَا أوّلا ... وَمن اقتفاها كَانَ بعدِي الثَّانِي)
(فرسولي السُّلْطَان فِي إرسالها ... وَالنَّاس رسلهم إِلَى السُّلْطَان)
قلت وَوصف الْفَاضِل الْملك الْمُؤَيد فِي كتاب آخر فَقَالَ وَقد تمطت بِهِ السن وامتدت وتأهبت السَّعَادَة لخطبته واعتدت وَلَا حظته الْعُيُون بالوقار وطرفت دون جلالته وارتدت
وَفِي بعض كتب الْفَاضِل عَن السُّلْطَان إِلَى وَلَده الْأَفْضَل إعزازه لأهل الْفضل دليلٌ على فَضله وأنّ الأولى أَن تكون كتب الْأَدَب عِنْد أَهله وَمَا أبهجنا إِذْ جال فِي فضاء الْفَضَائِل وخطب من أبكار الْمعَانِي كرائم العقائل وآخى بَين السَّيْف والقلم وَصَارَ فِي موكبه الْعلم وَالْعلم
стр. 898
وَمن كتاب آخر فِي الْمَعْنى فَلَقَد زَادَت هَذِه المنقبة فِي مناقبه ونظمت عُقُود سؤدد فِي ترائبه
(فَمَا ترْجم الْإِنْسَان عَن سرّ فَضله ... بِأَفْضَل من تقريبه لأولى الْفضل)
قَالَ الْعِمَاد وَخرج السُّلْطَان للصَّيْد فِي ذِي الْحجَّة نَحْو قارا فشكوت ضرسي وعدمت أنسي فَرَجَعت مَعَ عزّ الدّين فرخشاه لحميّ عرته فَشَكا مِنْهَا أَلا تزور إِلَّا نَهَارا جهارا وَلَا تفارق بعرق بالضد من الحمي الَّتِي وصفهَا أَبُو الطّيب المتنبي فنظمت فِيهِ كلمة طَوِيلَة أَولهَا
(يَمِينك دأبها بذل الْيَسَار ... وكفك صوبها بدر النضار)
(وَإنَّك من مُلُوك الأَرْض طُرَّا ... بِمَنْزِلَة الْيَمين من الْيَسَار)
(وَأَنت الْبَحْر فِي بَث العطايا ... وَأَنت الطود فِي نَادِي الْوَقار)
وَمِنْهَا فِي وصف الْحمى
(وزائرة وَلَيْسَ بهَا حَيَاء ... فَلَيْسَ تزور إِلَّا فِي النَّهَار)
(وَلَو رهبت لَدَى الْإِقْدَام جوري ... لما رغبت جهارا فِي جواري)
(أَتَت وَالْقلب فِي وهج اشتياق ... لتظهر مَا أواري من أواري)
стр. 899
(وَلَو عرفت لظى سطوات عزمي ... لكَانَتْ من سطاي على حذار)
(تقيم فحين تبصر من أناتي ... ثبات الطود تسرع فِي الْفِرَار)
(تُفَارِقنِي على غير اغتسال ... فَلم أحلل لزورتها إزَارِي)
(أيا شمس الْمُلُوك بقيت شمساً ... تنير على الممالك والديار)
(أحماك استعارت لفح نَار ... لعزمك لم تزل ذَات اسْتعَار)
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَفِي الْعشْر الأول من ذِي الْقعدَة قتل عضد الدّين بن رَئِيس الرؤساء وَزِير الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد على أَيدي الْمَلَاحِدَة وَكَانَ قد توجه إِلَى الْحَج فَوقف لَهُ فِي مضيق قطفتا غربي دجلة كهلٌ فِي يَده قصّة يزْعم
стр. 900
أَنه يُرِيد رَفعهَا إِلَى الْوَزير من يَده إِلَى يَده فَأَوْمأ ليوصل قصَّته فانتهز فِيهِ فرصته فَقتله وَبدر كَمَال الدّين أَبُو الْفضل بن الْوَزير فَقتل قَاتل أَبِيه بِسَيْفِهِ وَكَانَ مَعَ ذَلِك الْجَاهِل الملحد رفيقان لَهُ فجرح أَحدهمَا حَاجِب الْبَاب ابْن المعوج فَمَاتَ وجرح آخر ولد قَاضِي الْقُضَاة وَقطع الْمَلَاحِدَة وأحرقوا واستقلَّ ظهير الدّين أَبُو بكر مَنْصُور بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْعَطَّار صَاحب المخزن بالدولة وَكَانَ للسُّلْطَان خدنا مصافيا
قلت وَابْن الْعَطَّار هَذَا هُوَ المرجوم المسحوب بعد مَوته بِبَغْدَاد كَمَا سَيَأْتِي ذكره فِي آخر حوادث سنة خمس وَسبعين
قَالَ ابْن الْأَثِير وَكنت حِينَئِذٍ بِبَغْدَاد عَازِمًا على الْحَج فَعبر عضد الدّين دجلة فِي شبارة فَلَمَّا ركب دَابَّته وَالنَّاس مَعَه مَا بَين رَاكب وراجل تقدم إِلَيْهِ بعض الْعَامَّة ليدعو لَهُ فَمَنعه أَصْحَابه فزجرهم وَأمرهمْ أَلا يمنعوا أحدا عَنهُ فَتقدم إِلَيْهِ الباطنية فَقَتَلُوهُ بالجانب الغربي وقُتل الباطنية
стр. 901
وأحرقوا وَحمل من مَوْضِعه إِلَى دَار لَهُ بقطفتا فِي الْجَانِب الغربي فَتوفي بهَا
قَالَ الْعِمَاد ووردت مطالعة الْفَاضِل إِلَى السُّلْطَان تَتَضَمَّن التوجع لقتل الْوَزير عضد الدّين وفيهَا ﴿وَمَا رَبك بِظَلاَّمٍ للعْبيِد﴾ فقد كَانَ عَفا الله عَنهُ قتل وَلَدي الْوَزير ابْن هُبَيْرَة وأزهق أَنفسهمَا وَجَمَاعَة لَا تحصى
(من ير يَوْمًا ير بِهِ ... والدهر لَا يغتر بِهِ)
وَهَذَا الْبَيْت بَيت ابْن الْمسلمَة عريق فِي الْقَتْل وجده هُوَ الْمَقْتُول بيد البساسيري فِي وَقت إِخْرَاج الْخَلِيفَة الْقَائِم فِي أَيَّام الملقب بالمستنصر بِمصْر فَهُوَ من ذُرِّيَّة لم تزل قاتلة مقتولة وَمَا زَالَت السيوف عَلَيْهَا وَمِنْهَا
стр. 902
مسلولة فهم فِي هَذِه الْحَادِثَة المسمعة المصمة كَمَا قَالَ دُرَيْد
(أَبى الْمَوْت إِلَّا آل صمه ...)
والأبيات الْمولى يحفظها وَهِي فِي الحماسة وَقد ختمت لَهُ السَّعَادَة بِمَا ختمت بِهِ لَهُ الشَّهَادَة لَا سِيمَا وَهُوَ خَارج من بَيته إِلَى بَيت الله قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجراً إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْت فَقْد وَقَع أجْرُه على الله﴾
(إِن المساءة قد تسرّ وَرُبمَا ... كَانَ السرُور بِمَا كرهت جَدِيرًا)
(إِن الْوَزير وَزِير آل مُحَمَّد ... أودى فَمن يشناك كَانَ وزيرا)
وَهَذَانِ البيتان قيلا فِي أبي سَلمَة الْخلال أول وَزِير لبني الْعَبَّاس
قلت وَبَلغنِي أنّ الْفَاضِل كَانَ ينشد
(وَأحسن من نيل الوزارة للفتى ... حَيَاة تريه مصرع الوزراء)
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ ضِيَاء الدّين بن الشَّهْرَزوْري قد سَار فِي الرسَالَة
стр. 903
إِلَى بَغْدَاد وَتوقف فِي الْموصل لحادثة الْوَزير وَوَافَقَ وُصُوله إِلَى الْموصل وَفَاة ابْن عَمه القَاضِي عماد الدّين أَحْمد ابْن القَاضِي كَمَال الدّين بن الشهرزوري وَكَانَ شَابًّا وَجَاء كتاب الْفَاضِل يذكر ذَلِك وَفِيه
(يدلى ابْن عشْرين فِي لحده ... وَتسْعُونَ صَاحبهَا راتع)
اغتبط الْوَلَد مَعَ نضارة الشَّبَاب المقتبل وعُمرّ الْوَالِد مَعَ ذبول المشيب الْمُشْتَمل
(ليُعْلم أَن الشيب لَيْسَ بِمُسلم ... وَأَن الشَّبَاب الغض لَيْسَ بمانع)
وليكون العَبْد حذرا من بغتات الْآجَال فِي كلّ الْأَحْوَال وَالله يُطِيل للْمولى الْعُمر كَمَا أَطَالَ لَهُ فِي الْقدر وَيسمع مِنْهُ وَلَا يسمع فِيهِ ويبقيه سنداً للدّين الحنيفي فَإِن بَقَاءَهُ يَكْفِيهِ
стр. 904
آخر الْجُزْء الأول من الأَصْل الْمَنْقُول مِنْهُ الَّذِي هُوَ بِخَط الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى يتلوه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْجُزْء الثَّانِي
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مئة قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ شمس الدّين بن الْمُقدم من أكَابِر الْأُمَرَاء
وَوَافَقَ الْفَرَاغ مِنْهُ فِي سَابِع شهر ذِي الْحجَّة من سنة سِتّ وَسبعين وست مئة غفر الله تَعَالَى لمؤلفه وكاتبه وَصَاحبه والمنتفع بِهِ والمطلع عَلَيْهِ وَجَمِيع الْمُسلمين وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ [نجزء الْجُزْء الثَّانِي من كتاب الروضتين ويليه الْجُزْء الثَّالِث وَيبدأ بحوادث سنة (٥٧٤ هـ)]
стр. 905
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه رب الْعَالمين
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ شمس الدّين بن الْمُقدم من أكَابِر الْأُمَرَاء وَهُوَ السَّابِق إِلَى مُكَاتبَة السُّلْطَان فِي تصويب رَأْيه فِي الْوُصُول إِلَى الشَّام وتدارك أَمر الْإِسْلَام
وَكَانَ السُّلْطَان عِنْد تسلم بعلبك أنعم بهَا عَلَيْهِ ورد أمورها إِلَيْهِ فَأَقَامَ بهَا مُسْتَقرًّا ولأخلاف أَعمالهَا مستدرا
وَلما وصل السُّلْطَان فِي هَذِه النّوبَة إِلَى الشَّام لم يحضر كَمَا جرت الْعَادة للْخدمَة وَالسَّلَام فَإِنَّهُ كَانَ نمى إِلَيْهِ أَن الْملك الْمُعظم فَخر الدّين شمس الدولة تورانشاه بن أَيُّوب طلبَهَا من أَخِيه وَأَنه لَا يُمكنهُ الرَّد فخاف من الْحُضُور أَن تتمّ الْأُمُور وروجع فِي ذَلِك مرَارًا سرا وجهارا وَالْتزم لَهُ أَن يعوض عَنْهَا مَا هُوَ أوفى مِنْهَا فَأبى إِلَّا الإباء وشارف السُّلْطَان مِنْهُ وَمن أَخِيه الْحيَاء
وشمس الدولة لَا يقبل عذرا وَلَا يرى عَمَّا طلبه صبرا
ثمَّ اسْتَأْذن أَخَاهُ فِي التَّوَجُّه إِلَيْهَا فَأذن لَهُ وَتوجه عز الدّين فرخشاه إِلَى حوران لحفظ الثغور وَسَار السُّلْطَان إِلَى حمص وَنزل على العَاصِي عَازِمًا على الْجِهَاد
ووردت من الْفَاضِل كتب من بعض فصولها وَأما سور الْقَاهِرَة فعلى
стр. 906
مَا أَمر بِهِ الْمولى شرع فِيهِ وَظهر الْعَمَل وطلع الْبناء وسلكت بِهِ الطَّرِيق المؤدية إِلَى السَّاحِل بالمقسم وَالله يعمر الْمولى إِلَى أَن يرَاهُ نطاقا مستديرا على البلدين وسورا بل سوارا يكون بِهِ الْإِسْلَام محلى الْيَدَيْنِ محلا الضدين
والأمير بهاء الدّين قراقوش ملازم الاستحثاث بِنَفسِهِ وَرِجَاله لَازم لما يعنيه بِخِلَاف أَمْثَاله قَلِيل التثقيل مَعَ حمله لأعباء التَّدْبِير وأثقاله
وَمِنْهَا فِي حق نقل الْقَضَاء من شرف الدّين بن أبي عصرون لما ذهب بَصَره إِلَى وَلَده لن يَخْلُو الْأَمر من قسمَيْنِ وَالله يخْتَار للْمولى خيرة الْأَقْسَام وَلَا ينسى لَهُ هَذَا التحرج الَّذِي لَا يبلغهُ ملك من مُلُوك الْإِسْلَام إِمَّا إبْقَاء الْأَمر باسم الْوَالِد بِحَيْثُ يبْقى رَأْيه ومشاورته وفتياه وبركته ويتولى وَلَده النِّيَابَة وَيشْتَرط عَلَيْهِمَا المجازاة لأوّل زلَّة وَترك الْإِقَالَة لأوّل عَثْرَة فطالما بعث حب المنافسة الراجحة على اكْتِسَاب الْأَخْلَاق الصَّالِحَة
وَإِمَّا أَن يُفَوض الْأَمر إِلَى الإِمَام قطب الدّين فَهُوَ بَقِيَّة الْمَشَايِخ وَصدر الْأَصْحَاب وَلَا يجوز أَن يتَقَدَّم عَلَيْهِ فِي بلد إِلَّا من هُوَ أرفع طبقَة فِي الْعلم مِنْهُ
وَمِنْهَا فِي إِقَامَة عذر التَّأَخُّر عَن الْجِهَاد وَأما تأسف الْمولى على
стр. 907
أَوْقَات تَنْقَضِي عاطلة من الْفَرِيضَة الَّتِي خرج من بَيته لأَجلهَا وتجدد الْعَوَائِق الَّتِي لَا يُوصل إِلَى آخر حبلها فللمولى نِيَّة رشده وأليس الله الْعَالم بِعَبْدِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يسْأَل الْفَاعِل عَن تَمام فعله لِأَنَّهُ غير مَقْدُور لَهُ وَلَكِن عَن النِّيَّة لِأَنَّهَا مَحل تَكْلِيف الطَّاعَة وَعَن مَقْدُور صَاحبهَا من الْفِعْل بِحَسب الِاسْتِطَاعَة
وَإِذا كَانَ الْمولى آخِذا فِي أَسبَاب الْجِهَاد وتنظيف الطّرق إِلَى المُرَاد فَهُوَ فِي طَاعَة قد امتن الله عَلَيْهِ بطول أمدها وَهُوَ مِنْهُ على أمل فِي نجح موعدها وَالثَّوَاب على قدر مشقته وَإِنَّمَا عظم الْحَج لأجل جهده وَبعد شقته وَلَو أَن الْمولى فتح الْفتُوح الْعِظَام فِي أقل الْأَيَّام وَفصل الْقَضِيَّة بَين أهل الْإِسْلَام وأعداء الْإِسْلَام لكَانَتْ تكاليف الْجِهَاد قد قضيت وصحائف الْبر المكتسبة بالمرابطة والانتظار طويت
وَمِنْهَا فِي ذكر أَوْلَاد السُّلْطَان وَقبل الْإِجَابَة عَن الْفُصُول فنبشر بِمَا جرت الْعَادة بِهِ لَا قطع الله تِلْكَ الْعَادة من سَلامَة وَصِحَّة وعافية شملت موالينا أَوْلَاده السَّادة أطاب الله الْخَبَر إِلَيْهِم عَن الْمولى وَإِلَى الْمولى عَنْهُم وَعجل لقاءه لَهُم ولقاءهم لَهُ فَإِنَّهُم من يلق مِنْهُم بل كل مِنْهُم ملك دسته برجه وَفَارِس مهده سَرْجه فهم بِحَمْد الله بهجة الدُّنْيَا وَزينتهَا وَرَيْحَان الْحَيَاة وزهرتها وَإِن فؤادا وسع فراقهم لواسع وَإِن قلبا قنع بأخبارهم لقانع وَإِن طرفا نَام على الْبعد عَنْهُم لهاجع وَإِن ملكا ملك تصبره عَنْهُم لحازم وَإِن نعْمَة الله فيهم لنعمة بهَا الْعَيْش ناعم أما يشتاق
стр. 908
جيد الْمولى أَن يتطوق بدررهم أما تظمأ عينه إِلَى أَن تتروى بنظرهم أما يحن قلبه على قلبه أما يلتقط هَذَا الطَّائِر بتقبيلهم مَا خرج من حبه وللمولى أبقاه الله تَعَالَى أَن يَقُول
(وَمَا مثل هَذَا الشوق تحمل مُضْغَة ... وَلَكِن قلبِي فِي الْهوى بقلوب)
وَفِي أُخْرَى والملوك الْأَوْلَاد فِي كَفَالَة الْعَافِيَة لَا رفعت عَنْهُم كفالتها وَعَلَيْهِم جلالة السلطنة لَا فَارَقْتهمْ جلالتها وكل من الموَالِي السَّادة الْأُمَرَاء الْأَوْلَاد والقلادة كلهَا جَوْهَر وَكلهمْ الْمُقدم وَلَيْسَ فيهم بِحَمْد الله من يُؤَخر على مَا عود الله من صِحَة وسلامة وكفاية ووقاية وَلُزُوم المستقل مِنْهُم لمشهد الْكتاب ولموقف الأماج ومخايل الخفر فيهم من تَحت ليل الصِّبَا أنور دلَالَة من ضوء السراج وَالله تَعَالَى يمد فِي عمر الْمولى إِلَى أَن يرى من ظُهُورهمْ مَا رأى جدهم ﵀ فِي أهل بَيته من الْبَطن الرَّابِع فوارس الْحَرْب الرائعة وملوك الْإِسْلَام الَّتِي مِنْهُم لِلْإِسْلَامِ أكاسرة وتبابعة
(مَا فيهم عِنْد الْعَلَاء صَغِير ... وصغار أَبنَاء الْكِبَار كبار)
نُجُوم الأَرْض وذرية بَعْضهَا من بعض وَالْخلف الصَّالح الْمَحْض وهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فرسَان الْقُوَّة والتقى يَوْم الْحَرْب وَيَوْم الْعرض
стр. 909
وَمِنْهَا فِي ذمّ مَاء دمشق ووخمها عرف الْمَمْلُوك من الْكتب الْوَاصِلَة التياث جسم الْمولى الْأَمِير عُثْمَان والحقير مِمَّا ينَال ذَلِك الْجِسْم الْكَرِيم يُوقد فِي قُلُوب الْأَوْلِيَاء الْأَثر الْعَظِيم
و (قَلِيل قذاة الْعين غير قَلِيل ...)
وماذا يَقُول فِي بلد لَو صحت الحمية من مَائه لكَانَتْ من أكبر أَسبَاب صِحَة المحتمي وشفائه فَإِنَّهُ مَاء يُؤْكَل وَبَقِيَّة الْمِيَاه تشرب ويجد وخامته من ينصف وَلَا يتعصب
وَمِنْهَا وَأما الْمَأْمُور بِهِ فِي معنى الْمُنْكَرَات الظَّاهِرَة وَإِزَالَة أَسبَابهَا وإغلاق أَبْوَابهَا وتحصين كل مبتوتة من عصمَة وتطهير كل موسومة بوصمة فَالله يثيب الْمولى ثَوَاب من غضب ليرضيه بغضبه وَحمل الْخلق على منهاج شَرعه وأدبه
ثمَّ أورد الْعِمَاد فصولا كَثِيرَة وَقَالَ إِنَّمَا أوردت الْفُصُول الْفَاضِلِيَّةِ لِأَن فِي كل فصل مِنْهَا ذكر سيرة وفوائد كَثِيرَة
فصل
قَالَ الْعِمَاد وَمن جملَة مَا أغفلته ذكر مَا أسْقطه السُّلْطَان من مكس
стр. 910
مَكَّة شرفها الله تَعَالَى عَن الْحَاج وتعويض أميرها بجلاب غلَّة تحمل إِلَيْهِ فِي كل سنة وَتَعْيِين ضيَاع مَوْقُوفَة عَلَيْهَا بِالْأَعْمَالِ المصرية
كَانَ الرَّسْم بِمَكَّة أَن يُؤْخَذ من حَاج الْمغرب على عدد الرؤوس مَا ينْسب إِلَى الضرائب والمكوس فَإِذا دخل حَاج حبس حَتَّى يُؤَدِّي مكسه ويفك بِمَا يطلبونه مِنْهُ نَفسه وَإِذا كَانَ فَقِيرا لَا يملك فَهُوَ يحبس وَلَا يتْرك وتفوته الوقفة بِعَرَفَة وَلَا تدْرك
فَقَالَ السُّلْطَان نُرِيد أَن نعوض أَمِير مَكَّة عَن هَذَا المكس بِمَال ونغنيه عَنهُ بنوال وَإِن أعطيناه ضيَاعًا استوعبها ارتفاعا وانتفاعا فَلَا يكون لأهل مَكَّة فِيهَا نصيب
فقرر مَعَه أَن يحمل إِلَيْهِ فِي كل سنة مبلغ ثَمَانِيَة آلَاف إِرْدَب قَمح إِلَى سَاحل جدة فَإِن الْأَمِير بهَا يحْتَاج إِلَى بيعهَا للِانْتِفَاع بأثمانها ويثق أهل الْحَرَمَيْنِ من الدولة بدوام إحسانها
وَقرر أَيْضا حمل الغلات إِلَى المجاورين بالحرمين والفقراء وَمن هُنَاكَ من الشرفاء ووقف لَهَا وقوفا وخلد بهَا إِلَى قيام السَّاعَة مَعْرُوفا فَسَقَطت المكوس واغتبطت النُّفُوس وَزَاد الْبشر وَزَالَ العبوس واستمرت النعمى وَمر البوس وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين
وَمن كَلَام الْفَاضِل فِي ذَلِك فِي بعض كتبه من البشائر الَّتِي لَا عهد لحاج ديار مصر بِمِثْلِهَا وَلَا عهد لملك من مُلُوك الديار المصرية بالحصول على فخرها وأجرها انْقِطَاع المكاسين عَن جدة وَعَن بَقِيَّة السواحل وَيَكْفِي
стр. 911
أَن تَمام هَذِه المثوبة مُوجب الِاسْتِطَاعَة مُقيم لحجة الله فِي الْحَج فقد كَانَت الْفتيا على سُقُوطه مَعَ وجود الْحَامِل وَمَا أَكثر مَا أجْرى الله لِلْخَلَائِقِ على يَد الْمولى من الأرزاق الَّتِي تفضل عَن الِاسْتِحْقَاق وَمَا أولاه أَن يتوخى بِالْمَعْرُوفِ مَكَانَهُ من هذَيْن الْحَرَمَيْنِ الشريفين المهجورين من إسعاف أهل الاقتدار والمحروم من قدر فيهمَا على خير فأضاع فرصته بترك البدار
وَغير خَافَ عَن مَوْلَانَا همة الفرنج بالقدس برا وبحرا ومركبا وظهرا وسلما وحربا وبعدا وقربا وتوافيهم على حمايته وَهُوَ أنف فِي وَجه الْإِسْلَام ومسارعتهم إِلَى نصْرَة أهليه بالأرواح وَالْأَمْوَال على مر الْأَيَّام
ومعاذ الله أَن يستبصروا فِي الضلال ونصرف نَحن عَن الْحق وتضيق بِنَا فِي التَّوسعَة على أَهله سَعَة المجال
الْمَمْلُوك فِي مستهل رَجَب بِمَشِيئَة الله تَعَالَى يعول على السّفر إِلَى الْحجاز لقَضَاء الْفَرِيضَة قولا وفعلا والسائرون فِي هَذِه السّنة بطمعة وَقْفَة الْجُمُعَة وبفسحة وضع المكس خلق لَا يُحْصى وَالْمولى شريك فِي أجرهم فليهنه أَن الْمُلُوك عمرت بيوتها فخربت وَأَن الْمولى عمر بَيت الله فَمن كرمه سُبْحَانَهُ أَن يعمر بَيت الْمولى وَمَا أَشد خجل الْمُلُوك من النَّبِي ﷺ فِي التَّقْصِير فِي قوت جِيرَانه فِي هَذِه السّنة وَمَا هَكَذَا وصّى ابْن
стр. 912
اللمطي وَلَكِن للْغَائِب حجَّته
قلت وَفِي هَذِه المكرمة الَّتِي فعلهَا صَلَاح الدّين ﵀ بالحاج يَقُول الشَّيْخ الْفَاضِل أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جُبَير الأندلسي من قصيدة لَهُ يمدح بهَا صَلَاح الدّين وَسَتَأْتِي فِيمَا بعد أَخْبرنِي بهَا ثِقَة نقلهَا من خطه
(رفعت مغارم مكس الْحجاز ... بإنعامك الشَّامِل الغامر)
(وَأمنت أكناف تِلْكَ الْبِلَاد ... فهان السَّبِيل على العابر)
стр. 913
(وسحب أياديك فياضة ... على وَارِد وعَلى صادر)
(فكم لَك بالشرق من حَامِد ... وَكم لَك بالغرب من شَاكر)
(وَكم بِالدُّعَاءِ لكم كل عَام ... بِمَكَّة من معلن جاهر)
(وَقد بقيت حسبَة فِي فلَان ... وَتلك الذَّخِيرَة للذاخر)
(يعنف حجاج بَيت الْإِلَه ... ويسطو بهم سطوة الجائر)
(ويكشف عَمَّا بِأَيْدِيهِم ... وناهيك من موقف صاغر)
(وَقد وقفُوا بَعْدَمَا كشفوا ... كَأَنَّهُمْ فِي يَد الآسر)
(ويلزمهم حلفا بَاطِلا ... وعقبى الْيَمين على الْفَاجِر)
(وَإِن عرضت بَينهم حُرْمَة ... فَلَيْسَ لَهَا عَنهُ من سَاتِر)
(أَلَيْسَ يخَاف غَدا عرضه ... على الْملك الْقَادِر القاهر)
(أَلَيْسَ على حرم الْمُسلمين ... بِتِلْكَ الْمشَاهد من غائر)
(أَلا حَاضر نَافِع زَجره ... فيا ذلة الشَّاهِد الْحَاضِر)
(أَلا نَاصح مبلغ نصحه ... إِلَى الْملك النَّاصِر الظافر)
(ظلوم تضمن مَال الزَّكَاة ... لقد تعست صَفْقَة الخاسر)
(يسر الْخِيَانَة فِي بَاطِن ... ويبدي النَّصِيحَة فِي الظَّاهِر)
(فأوقع بِهِ حَادِثا إِنَّه ... يقبح أحدوثة الذاكر)
(فَمَا للمناكر من زاجر ... سواك وبالعرف من آمُر)
(وحاشاك إِن لم تزل رسمها ... فَمَا لَك فِي النَّاس من عاذر)
(ورفعك أَمْثَالهَا موسع ... رِدَاء فخارك للناشر)
(وآثارك الغر تبقى بهَا ... وَتلك المآثر للآثر)
(نذرت النَّصِيحَة فِي حقكم ... وَحقّ الْوَفَاء على النَّاذِر)
(وحبك أنطقني بالقريض ... وَمَا أَبْتَغِي صلَة الشَّاعِر)
стр. 914
(وَلَا كَانَ فِيمَا مضى مكسبي ... وَبئسَ البضاعة للتاجر)
(إِذا الشّعْر صَار شعار الْفَتى ... فناهيك من لقب شاهر)
(وَإِن كَانَ نظمي لَهُ نَادرا ... فقد قيل لَا حكم للنادر)
(ولكنما خطرات الْهوى ... تعن فتلعب بالخاطر)
(أما وَقد زَان تِلْكَ الْعلَا ... فقد فَازَ بالشرف الباهر)
(وَإِن كَانَ مِنْك قبُول لَهُ ... فَتلك الْكَرَامَة للزائر)
(ويكفيه سَمعك من سامع ... ويكفيه لحظك من نَاظر)
(ويزهى على الرَّوْض غب الحيا ... بِمَا حَاز من ذكرك العاطر)
قَالَ الْعِمَاد وَفِي الْمحرم من هَذِه السّنة توفّي الْحَكِيم مهذب الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن عِيسَى الْمَعْرُوف بِابْن النقاش الْبَغْدَادِيّ بِدِمَشْق وَكَانَ
стр. 915
كنعته مهذبا وَمن الْمُلُوك لِتَفَرُّدِهِ بفضله مقربا وَهُوَ مبرز فِي فنه حَتَّى إِن من شدا شَيْئا من الطِّبّ تبجح بِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ وَتردد لاستفادته إِلَيْهِ وَقد راضته الْعُلُوم الرياضية وأحكمت أخلاقه المعارف الْحكمِيَّة
وَفِي الثَّانِي عشر من جُمَادَى الأولى توفّي الْأَمِير نجم الدّين بن مصال بِمصْر وجاءنا نعيه وَنحن بحمص فجاوز اغتمام السُّلْطَان برزئه حَده وَجلسَ فِي بَيت الْخشب مستوحشا وَحده وَقَالَ لَا يخلف الدَّهْر لي صديقا مثله بعده
وأجرى مَا كَانَ لَهُ جَمِيعه لوَلَده وَحفظ عَهده وَكَانَ لجَماعَة من الْأَعْيَان وَالشعرَاء والأماثل والأدباء بعنايته ووساطته من السُّلْطَان رزق بقاه عَلَيْهِم كَأَنَّهُ عَلَيْهِ مُسْتَحقّ
وَفِي الْعشْر الأول من ربيع الآخر أغارت طَائِفَة من الفرنج على بلد حماة فَخرج إِلَيْهَا مُتَوَلِّي عَسْكَر حماة الْأَمِير نَاصِر الدّين منكورس بن خمارتكين صَاحب حصن بو قبيس فَأسر المقدمين وَسَفك بِسَيْفِهِ دم البَاقِينَ وَجَاء إِلَى الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بِظَاهِر حمص وسَاق مَعَه الْأُسَارَى فَأمر السُّلْطَان بِضَرْب أَعْنَاقهم وَأَن يتَوَلَّى ذَلِك أهل التقى وَالدّين من الْحَاضِرين
فَتقدم إِمَامه الضياء الطَّبَرِيّ وَضرب عنق بَعضهم وتلاه الشَّيْخ سُلَيْمَان المغربي ثمَّ الْأَمِير ايطغان بن ياروق واستدعي الْعِمَاد وَأمر
следующие страницы →