← История

История · id 6631

الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية

أبو شامة المقدسي

Полный текст (1 810 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أَن تَمام هَذِه المثوبة مُوجب الِاسْتِطَاعَة مُقيم لحجة الله فِي الْحَج فقد كَانَت الْفتيا على سُقُوطه مَعَ وجود الْحَامِل وَمَا أَكثر مَا أجْرى الله لِلْخَلَائِقِ على يَد الْمولى من الأرزاق الَّتِي تفضل عَن الِاسْتِحْقَاق وَمَا أولاه أَن يتوخى بِالْمَعْرُوفِ مَكَانَهُ من هذَيْن الْحَرَمَيْنِ الشريفين المهجورين من إسعاف أهل الاقتدار والمحروم من قدر فيهمَا على خير فأضاع فرصته بترك البدار وَغير خَافَ عَن مَوْلَانَا همة الفرنج بالقدس برا وبحرا ومركبا وظهرا وسلما وحربا وبعدا وقربا وتوافيهم على حمايته وَهُوَ أنف فِي وَجه الْإِسْلَام ومسارعتهم إِلَى نصْرَة أهليه بالأرواح وَالْأَمْوَال على مر الْأَيَّام ومعاذ الله أَن يستبصروا فِي الضلال ونصرف نَحن عَن الْحق وتضيق بِنَا فِي التَّوسعَة على أَهله سَعَة المجال الْمَمْلُوك فِي مستهل رَجَب بِمَشِيئَة الله تَعَالَى يعول على السّفر إِلَى الْحجاز لقَضَاء الْفَرِيضَة قولا وفعلا والسائرون فِي هَذِه السّنة بطمعة وَقْفَة الْجُمُعَة وبفسحة وضع المكس خلق لَا يُحْصى وَالْمولى شريك فِي أجرهم فليهنه أَن الْمُلُوك عمرت بيوتها فخربت وَأَن الْمولى عمر بَيت الله فَمن كرمه سُبْحَانَهُ أَن يعمر بَيت الْمولى وَمَا أَشد خجل الْمُلُوك من النَّبِي ﷺ فِي التَّقْصِير فِي قوت جِيرَانه فِي هَذِه السّنة وَمَا هَكَذَا وصّى ابْن

стр. 912

اللمطي وَلَكِن للْغَائِب حجَّته قلت وَفِي هَذِه المكرمة الَّتِي فعلهَا صَلَاح الدّين ﵀ بالحاج يَقُول الشَّيْخ الْفَاضِل أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن جُبَير الأندلسي من قصيدة لَهُ يمدح بهَا صَلَاح الدّين وَسَتَأْتِي فِيمَا بعد أَخْبرنِي بهَا ثِقَة نقلهَا من خطه (رفعت مغارم مكس الْحجاز ... بإنعامك الشَّامِل الغامر) (وَأمنت أكناف تِلْكَ الْبِلَاد ... فهان السَّبِيل على العابر)

стр. 913

(وسحب أياديك فياضة ... على وَارِد وعَلى صادر) (فكم لَك بالشرق من حَامِد ... وَكم لَك بالغرب من شَاكر) (وَكم بِالدُّعَاءِ لكم كل عَام ... بِمَكَّة من معلن جاهر) (وَقد بقيت حسبَة فِي فلَان ... وَتلك الذَّخِيرَة للذاخر) (يعنف حجاج بَيت الْإِلَه ... ويسطو بهم سطوة الجائر) (ويكشف عَمَّا بِأَيْدِيهِم ... وناهيك من موقف صاغر) (وَقد وقفُوا بَعْدَمَا كشفوا ... كَأَنَّهُمْ فِي يَد الآسر) (ويلزمهم حلفا بَاطِلا ... وعقبى الْيَمين على الْفَاجِر) (وَإِن عرضت بَينهم حُرْمَة ... فَلَيْسَ لَهَا عَنهُ من سَاتِر) (أَلَيْسَ يخَاف غَدا عرضه ... على الْملك الْقَادِر القاهر) (أَلَيْسَ على حرم الْمُسلمين ... بِتِلْكَ الْمشَاهد من غائر) (أَلا حَاضر نَافِع زَجره ... فيا ذلة الشَّاهِد الْحَاضِر) (أَلا نَاصح مبلغ نصحه ... إِلَى الْملك النَّاصِر الظافر) (ظلوم تضمن مَال الزَّكَاة ... لقد تعست صَفْقَة الخاسر) (يسر الْخِيَانَة فِي بَاطِن ... ويبدي النَّصِيحَة فِي الظَّاهِر) (فأوقع بِهِ حَادِثا إِنَّه ... يقبح أحدوثة الذاكر) (فَمَا للمناكر من زاجر ... سواك وبالعرف من آمُر) (وحاشاك إِن لم تزل رسمها ... فَمَا لَك فِي النَّاس من عاذر) (ورفعك أَمْثَالهَا موسع ... رِدَاء فخارك للناشر) (وآثارك الغر تبقى بهَا ... وَتلك المآثر للآثر) (نذرت النَّصِيحَة فِي حقكم ... وَحقّ الْوَفَاء على النَّاذِر) (وحبك أنطقني بالقريض ... وَمَا أَبْتَغِي صلَة الشَّاعِر)

стр. 914

(وَلَا كَانَ فِيمَا مضى مكسبي ... وَبئسَ البضاعة للتاجر) (إِذا الشّعْر صَار شعار الْفَتى ... فناهيك من لقب شاهر) (وَإِن كَانَ نظمي لَهُ نَادرا ... فقد قيل لَا حكم للنادر) (ولكنما خطرات الْهوى ... تعن فتلعب بالخاطر) (أما وَقد زَان تِلْكَ الْعلَا ... فقد فَازَ بالشرف الباهر) (وَإِن كَانَ مِنْك قبُول لَهُ ... فَتلك الْكَرَامَة للزائر) (ويكفيه سَمعك من سامع ... ويكفيه لحظك من نَاظر) (ويزهى على الرَّوْض غب الحيا ... بِمَا حَاز من ذكرك العاطر) قَالَ الْعِمَاد وَفِي الْمحرم من هَذِه السّنة توفّي الْحَكِيم مهذب الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن عِيسَى الْمَعْرُوف بِابْن النقاش الْبَغْدَادِيّ بِدِمَشْق وَكَانَ

стр. 915

كنعته مهذبا وَمن الْمُلُوك لِتَفَرُّدِهِ بفضله مقربا وَهُوَ مبرز فِي فنه حَتَّى إِن من شدا شَيْئا من الطِّبّ تبجح بِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ وَتردد لاستفادته إِلَيْهِ وَقد راضته الْعُلُوم الرياضية وأحكمت أخلاقه المعارف الْحكمِيَّة وَفِي الثَّانِي عشر من جُمَادَى الأولى توفّي الْأَمِير نجم الدّين بن مصال بِمصْر وجاءنا نعيه وَنحن بحمص فجاوز اغتمام السُّلْطَان برزئه حَده وَجلسَ فِي بَيت الْخشب مستوحشا وَحده وَقَالَ لَا يخلف الدَّهْر لي صديقا مثله بعده وأجرى مَا كَانَ لَهُ جَمِيعه لوَلَده وَحفظ عَهده وَكَانَ لجَماعَة من الْأَعْيَان وَالشعرَاء والأماثل والأدباء بعنايته ووساطته من السُّلْطَان رزق بقاه عَلَيْهِم كَأَنَّهُ عَلَيْهِ مُسْتَحقّ وَفِي الْعشْر الأول من ربيع الآخر أغارت طَائِفَة من الفرنج على بلد حماة فَخرج إِلَيْهَا مُتَوَلِّي عَسْكَر حماة الْأَمِير نَاصِر الدّين منكورس بن خمارتكين صَاحب حصن بو قبيس فَأسر المقدمين وَسَفك بِسَيْفِهِ دم البَاقِينَ وَجَاء إِلَى الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة بِظَاهِر حمص وسَاق مَعَه الْأُسَارَى فَأمر السُّلْطَان بِضَرْب أَعْنَاقهم وَأَن يتَوَلَّى ذَلِك أهل التقى وَالدّين من الْحَاضِرين فَتقدم إِمَامه الضياء الطَّبَرِيّ وَضرب عنق بَعضهم وتلاه الشَّيْخ سُلَيْمَان المغربي ثمَّ الْأَمِير ايطغان بن ياروق واستدعي الْعِمَاد وَأمر

стр. 916

بذلك فَلم يفعل وَطلب أَن يملكهُ السُّلْطَان مِنْهُم صَغِيرا فعوض عَنهُ ثمَّ رَحل السُّلْطَان على طَرِيق الزِّرَاعَة إِلَى بعلبك فنازلها محاصرا من غير قتال فطال أمرهَا وَلم يسمح بهَا صَاحبهَا وَدخل فصل الشتَاء فَرَحل السُّلْطَان عَنْهَا إِلَى دمشق ووكل بهَا من يحصرها بِالْمَنْعِ من الْخُرُوج وَالدُّخُول من غير تال وهم جمَاعَة مَعَ طغرل الجاندار وَدخل إِلَى دمشق فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من رَجَب وَتَمَادَى الْأَمر إِلَى أَن رَضِي ابْن الْمُقدم بحصن بعرين وأعماله وببلد كفرطاب وأعيان نواح وقرى من بلد المعرة وَسلم بِتَسْلِيم بعلبك من الْمضرَّة والمعرة وَكَانَ الَّذِي أَخذه أَكثر وأنفع من الَّذِي خلاه وَمَا خطر بِبَالِهِ مَا حصل لَهُ وَلَا ترجاه وَلَا تمناه فصل كَالَّذي قبله فِي حوادث مُتَفَرِّقَة قَالَ الْعِمَاد وَكتب النواب بِدِمَشْق إِلَى السُّلْطَان أَن الْأَمْوَال ضائعة وَأَن الأطماع فِيهَا راتعة وَأَن فِي أَرْبَاب الصَّدقَات أَغْنِيَاء لَا يستحقونها وَمَا لَهُم رَقَبَة من الله يتقونها وَأَن أَرْبَاب العنايات استوعبوها وَمَا استوجبوها وان الْمصلحَة تَقْتَضِي إِفْرَاد جِهَات لما يسنح من مهمات وَكَانَت الصَّدقَات مبلغ أحد عشر ألف دِينَار فَقَالَ لي اكْتُبْ عَلَيْهَا جَمِيعهَا بالإمضاء وَلَا تكدر على ذَوي الآمال موارد الْعَطاء فَقلت أما أتلو عَلَيْك الْأَسْمَاء فَقَالَ لَا بل نزهني عَن هَذِه الْأَشْيَاء فَبَقيت تِلْكَ الرسوم

стр. 917

دارة والآمال بهَا سارة قَالَ وَفِي شعْبَان من هَذِه السّنة توفّي مُتَوَلِّي المقياس بِمصْر ففوض السُّلْطَان منصبه إِلَى أَخِيه قَالَ وَهَذَا المقياس مَوضِع مَبْنِيّ من عهد خلفاء بني الْعَبَّاس لتعرف زِيَادَة المَاء ونقصانه بِالْقِيَاسِ وَهُنَاكَ عَمُود فِي المَاء مقسوم بالأذرع والأذرع مقسومة بالأصابع فِي مَسْجِد يَنُوب فِي الجزيرة عَن الْجَامِع تصلى فِيهِ الْجَمَاعَات وَالْجمع ويتولاه من الْعَهْد الْقَدِيم متول من بني أبي الرداد مِمَّن هُوَ مَعْرُوف بالنزاهة وَالْعلم والسداد وَله راتب دَار ورسم وقرار قلت بَلغنِي أَن أَبَا الرداد هَذَا كَانَ معلما من أهل الصدْق وَالصَّلَاح رتبه جَعْفَر المتَوَكل على الله فِي ولَايَة المقياس وَبَقِي من بعده على وَلَده وقرأت فِي تَارِيخ الغرباء الَّذين قدمُوا مصر لأبي سعيد بن يُونُس قَالَ عبد الله بن عبد السَّلَام بن الرداد الْعمي بَصرِي قدم مصر وَحدث بهَا

стр. 918

وَكَانَ قد جعل على قياسة النّيل توفّي بِمصْر لسبع بَقينَ من رَجَب سنة سِتّ وَسِتِّينَ ومئتين وَذكره أَبُو سعيد فِي أهل مصر أَيْضا وَقَالَ فِيهِ ولد هُوَ وَأَبوهُ بِمصْر قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مئة اشْتَدَّ الغلاء وَعم أَكثر الْبِلَاد الْعرَاق ومصر وديار بكر وديار الجزيرة وَالشَّام وَغير ذَلِك من الْبِلَاد ودام إِلَى أَن انْقَضى أَكثر سنة خمس وَسبعين وَخرج النَّاس فِي الْبِلَاد يستسقون فَلم يسقوا ثمَّ إِن الله تَعَالَى رحم عباده ولطف بهم وَأنزل عَلَيْهِم الْغَيْث وأرخص الأسعار وَمن عَجِيب مَا رَأَيْت تِلْكَ السّنة أنني كنت فِي الجزيرة فَأقبل إِنْسَان تركماني قد أثر فِيهِ الْجُوع وَكَأَنَّهُ قد أخرج من قبر فَبكى وشكا الْجُوع فَأرْسلت من اشْترى لَهُ خبْزًا فَتَأَخر إِحْضَاره لعدمه وَهُوَ يبكي ويتمرغ على الأَرْض فتغيمت السَّمَاء وَجَاءَت نقط مطر مُتَفَرِّقَة وضج النَّاس ثمَّ جَاءَ الْخبز فَأكل التركماني وَأخذ الْبَاقِي مَعَه وَمَشى وَاشْتَدَّ الْمَطَر ودام من تِلْكَ السَّاعَة فرخصت الأسعار وَوجدت الأقوات بعد أَن كَانَت مَعْدُومَة ثمَّ تعقب الغلاء وباء شَدِيد كثير وَكَانَ مرض النَّاس شَيْئا وَاحِدًا هُوَ سرسام فَمَاتَ فِيهِ من كل بلد أُمَم لَا يُحصونَ كَثْرَة وَلَقي النَّاس مِنْهُ مَا أعجزهم حمله ثمَّ إِن الله تَعَالَى رَفعه

стр. 919

فِي سنة سِتّ وَسبعين وَخمْس مئة وَقد ضعضع الْعَالم فصل فِي عمَارَة حصن بَيت الأحزان ووقعة الهنفري قَالَ الْعِمَاد وَفِي مُدَّة مقَام السُّلْطَان على بعلبك واشتغاله بِهِ انتهز الفرنج الفرصة فبنوا حصنا على مخاضة بَيت الأحزان وَبَينه وَبَين دمشق مَسَافَة يَوْم وَبَينه وَبَين صفد وطبرية نصف يَوْم وَقيل للسُّلْطَان مَتى أحكم هَذَا الْحصن تحكم من الثغر الإسلامي الوهن وغلق الرَّهْن فَيَقُول إِذا أتموه نزلنَا عَلَيْهِ وهدمناه إِلَى الأساس وجعلناه من الرسوم الأدراس فَكَانَ الْأَمر بعد سنة على مَا جرى على لَفظه من عدَّة حَسَنَة فَلَمَّا انْقَضى أَمر بعلبك وصل السُّلْطَان دمشق فَأَقَامَ بهَا وَأمر الْحصن من همه وَقصد حصاره من عزمه وَكَانَ الْعَام مجدبا والجدب عَاما وَقيل للسُّلْطَان لَيْسَ هَذِه سنة جِهَاد فَإِن استمنحوك السَّلامَة فامنح وَإِن جنحوا للسلم فاجنح فَقَالَ السُّلْطَان إِن الله أَمر بِالْجِهَادِ وكفل بالرزق فَأمره وَاجِب الِامْتِثَال ووعده ضَامِن الصدْق فنأتي بِمَا كلفنا لنفوز بِمَا كفله وَمن أغفل أمره أغفله

стр. 920

قَالَ وَوصل فِي هَذِه السّنة رَسُول دَار الْخلَافَة وَهُوَ الْخَادِم فَاضل وَكَانَ من أفضل الخدم ندب بِأَفْضَل الخدم وَفَرح السُّلْطَان بِهِ واستصحبه مَعَه إِلَى الْغُزَاة ووقف بِهِ على الْحصن الَّذِي استجده الفرنج بالمشهد اليعقوبي وتخطف من حوله من الفرنج جمَاعَة وَأقَام على أهل الْمعْصِيَة بجهاده الطَّاعَة وَعَاد وَقد عرف مَا يعزم عَلَيْهِ من أَمر فَتحه قَالَ وَفِي مستهل ذِي الْقعدَة كَانَت وقْعَة هنفري ومقتله وَذَلِكَ أَن الْأَخْبَار تَوَاتَرَتْ بِأَن الفرنج قد تجمعُوا فِي جمع عَظِيم وَأَنَّهُمْ عازمون على الْخُرُوج إِلَى الْمُسلمين على غرَّة فَقدم السُّلْطَان ابْن أَخِيه فرخشاه على عَسَاكِر دمشق وَأمره أَن يخرج إِلَى الثغر فَفعل وَأمره إِن علم بخروجهم أَن ينفذ إِلَى السُّلْطَان يُعلمهُ بذلك وَلَا يلقاهم بل يتركهم حَتَّى يتوسطوا الْبِلَاد فَلم تشعر طلائع فرخشاه إِلَّا وَقد خالطوهم على غرَّة فَوَقَعت الْوَقْعَة فَقتل صَاحب الناصرة وَجَمَاعَة من مقدميهم وَطلب الْملك فَطرح حصانه وجرح فرسانه وَجَاء الهنفري ليحميه فَوَقَعت فِيهِ جراحات أَحدهَا نشابة وَقعت فِي مارنه فجدعته ونفذت إِلَى فِيهِ وَمَرَّتْ بضرسه فقلعته وَخرجت من تَحت فكه وَوَقعت أُخْرَى فِي مشط رجله فنفذت إِلَى أَخْمُصُهُ وَأُخْرَى فِي ركبته وَضرب بلت فِي جنبه فَكسر لَهُ ضلعين وَقتلت عدَّة من الرجالة والخيالة وَرجعت الفرنج بخزي عَظِيم لَيْسَ فيهم

стр. 921

إِلَّا مَجْرُوح وكل يَوْم ترد بشرى بِمَوْت مقدم من جِرَاحَة أَصَابَته ووردت بطاقة الطير فِي ذَلِك الْيَوْم إِلَى دمشق فَخرج السُّلْطَان فَمَا وصل إِلَى الْكسْوَة إِلَّا ورؤوسهم وأسراؤهم قد جِيءَ بهَا فَرجع مظفرا منصورا وذلت الفرنج بعْدهَا وانكسرت لمَوْت الهنفري ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى الْحصن الَّذِي بنوه فأزعجهم وذعرهم وَعَاد على عزم الْعود إِلَيْهِ قَالَ ثمَّ وَجه السُّلْطَان أَخَاهُ الْأَمِير تورانشاه من الشَّام إِلَى مصر بِمن ضعف من الأجناد لأجل مَحل الْبِلَاد فرتب فِي بعلبك نوابه وودعه السُّلْطَان من مرج الصفر وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة وَمر على بصرى وَمِنْهَا إِلَى الْأَزْرَق وَمِنْه إِلَى الجفر إِلَى أَيْلَة إِلَى صدر وَوصل مَعَه خلق كثير من التُّجَّار وَالرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال فصل قَالَ الْعِمَاد وسافر الْفَاضِل إِلَى الْحَج فِي هَذِه السّنة وَركب الْبَحْر فَكتبت إِلَيْهِ كتابا فِيهِ طُوبَى للحجر والحجون من ذِي الْحجر والحجا

стр. 922

منيل الجدا ومنير الدجى ولندي الْكَعْبَة من كَعْب الندى وللهدايا المشعرات من مشْعر الْهدى وللمقام الْكَرِيم من مقَام الْكَرِيم وَمن حاطم فقار الْفقر للحطيم وَمَتى رئي هرم فِي الْحرم وحاتم ماتح زَمْزَم وَمَتى ركب الْبَحْر الْبَحْر وسلك الْبر الْبر لقد عَاد قس إِلَى عكاظه وَعَاد قيس لحفاظه وَيَا عجبا لكعبة تقصدها كعبة الْفضل والإفضال ولقبلة تستقبلها قبْلَة الْقبُول والإقبال قلت ومدحه أَبُو الْحسن بن الذروي عِنْد عوده من الْحَج بقصيدة حَسَنَة مِنْهَا (علم الْبَحْر أَنَّك الْخلق وافاه ... فأمسى حشاه يخْفق رعْبًا) (وَغدا دره لَدَيْهِ حَقِيرًا ... إِذْ رأى الدّرّ مِنْك ينشئ سحبا) (وَلَو اخْتَار قَطْرَة مِنْك يَا بَحر ... لأضحى أجاجه الْملح عذبا) (هائج لم يزل دعاؤك حَتَّى ... هون الله مِنْهُ مَا كَانَ صعبا) (وَلَقَد نَام إِذْ ركبت وللريح ... هبوب وَحَيْثُ أرسيت هبا) (حبذا مَا صَنعته من أياد ... عَاد جَدب الْحجاز مِنْهُنَّ خصبا) (رمت كتمانها فذاعت وَهل يقدر ... غيث يخفي عَن الأَرْض سكبا) (قد رَأَتْ مِنْك كعبة الله لما ... جِئْتهَا حاتما وَإِن شِئْت كَعْبًا)

стр. 923

(بل رأى مِنْك بَيته بَيت مجد ... أحرم الْجُود حوله ثمَّ لبّى) (وَرَأى الرُّكْن من يَمِينك ركنا ... جَاءَ للثم أَبيض اللَّوْن ﵁ طِبًّا) (وزهت زَمْزَم بشربك مِنْهَا ... وَعَجِيب أَن يظْهر المَاء عجبا) (وتوجهت للمدينة عَن مكرمَة ... لما تشاركا فِيك حبا) (وأتيت الشَّام تلو فتوح ... سَار شرقا بهَا الهناء وغربا) (إِن تكن غبت عَنهُ وَالله يبقيك ... لأمثاله فَمَا غبت قلبا) (سرت والرأي فِيهِ مِنْك مُقيم ... بعثت الدُّعَاء فِي اللَّيْل كتبنَا) وَقد وقفت على الرقعة الَّتِي كتبهَا القَاضِي الْفَاضِل ﵀ بِخَطِّهِ إِلَى السُّلْطَان يلْتَمس مِنْهُ الْأذن لَهُ فِي سفر الْحَج فَأَحْبَبْت نقلهَا هُنَا وَمَا كتبت السُّلْطَان عَلَيْهَا وَمَا كتب بِسَبَبِهَا إِلَى بعض نوابه نقلت من خطّ الْفَاضِل ﵀ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم كتب الْمَمْلُوك هَذِه الرقعة بعد أَن استخار الله سُبْحَانَهُ من مستهل رَجَب فِي أَكثر لياليه وَإِلَى آخر هَذِه السَّاعَة وَهُوَ يُنْهِي أَنه قد شَارف الْأَرْبَعين وَمَا يدْرِي لَعَلَّهَا عقبَة اللِّقَاء وَفرض الله فِي الْحَج قد تعين ووعد الْمولى بِهِ قد سبق عِنْد أَيْلَة وَمُدَّة الْغَيْبَة قَصِيرَة والنائب ينفذ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي السّفر والحضر والثقة بِهِ حَاصِلَة فِي المرادين من الْكَاتِب وهما الكتمان والمعرفة وحظ الْمولى فِي حجه وَالله أَضْعَاف حَظه فِي مقَامه لِأَنَّهُ إِن كَانَ ينفع هُنَا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ ينفع هُنَاكَ فِي الْآخِرَة وَإِن لم يكن أَهلا لِأَن يُسْتَجَاب مِنْهُ فَالله أهل لِأَن يُجيب فِي الْمولى والمملوك فَمَا ثقل قطّ فِي سُؤال وَلَيْسَ لِأَن الْمولى لَا يَقْضِيهَا وَلَكِن لِأَنَّهُ يُغْنِيه عَن السُّؤَال فِيهَا وَهَذِه حَاجَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَبعدهَا ينشد (مَتى يَأْتِ هَذَا الْمَوْت لَا يلف حَاجَة ... لنَفْسي إِلَّا قد قضيت قضاءها) وَمَا أَرَادَ الْمَمْلُوك أَن يستشفع بِمن يُشَارك الْمولى فِي الْأجر وَمَا يُرِيد إِلَّا دستورا عَن نفس طيبَة ورضى ظَاهر وباطن وَلَا يُرِيد خلاف الْفَرْض فَمَا يقي لَهُ بِقَضَاء المفترض وَالله الْمعِين برحمته الْحَمد لله وَحده وَصلَاته على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسَلَامه وعَلى رَأس الرقعة فِي سطر الْبَسْمَلَة بِخَط السُّلْطَان ﵀ مَا صورته على خيرة الله تَعَالَى يَا لَيْتَني كنت مَعكُمْ فأفوز فوزا عَظِيما نقلته من خطه ونقلت من خطّ بعض الْكتاب مَا نَقله من خطّ السُّلْطَان ﵀ إِلَى بعض النواب فصل من كتاب كريم بالخط العالي الناصري أَعْلَاهُ الله ورد بتاريخ السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مئة وصلني كتاب القَاضِي الْفَاضِل وَهُوَ يذكر أَنه مصمم على الْحَج الله يَجعله مُبَارَكًا ميمونا وَلَكِن لَا أفسح لَهُ فِيهِ إِلَّا بعد ثِنْتَيْنِ وَاحِدَة أَنه لَا يركب بَحر يسير من الْعَسْكَر إِلَى أَيْلَة وَمِنْهَا يتَوَجَّه وَيُقِيم الْعَسْكَر على أَيْلَة لَيْلَة وعَلى إرم وَدون إرم لَيْلَة وقاطع إرم لَيْلَة فَيكون هُوَ

стр. 924

(مَتى يَأْتِ هَذَا الْمَوْت لَا يلف حَاجَة ... لنَفْسي إِلَّا قد قضيت قضاءها) وَمَا أَرَادَ الْمَمْلُوك أَن يستشفع بِمن يُشَارك الْمولى فِي الْأجر وَمَا يُرِيد إِلَّا دستورا عَن نفس طيبَة ورضى ظَاهر وباطن وَلَا يُرِيد خلاف الْفَرْض فَمَا يَفِي لَهُ بِقَضَاء المفترض وَالله الْمعِين برحمته الْحَمد لله وَحده وَصلَاته على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسَلَامه وعَلى رَأس الرقعة فِي سطر الْبَسْمَلَة بِخَط السُّلْطَان ﵀ مَا صورته على خيرة الله تَعَالَى يَا لَيْتَني كنت مَعكُمْ فأفوز فوزا عَظِيما نقلته من خطه ونقلت من خطّ بعض الْكتاب مَا نَقله من خطّ السُّلْطَان ﵀ إِلَى بعض النواب فصل من كتاب كريم بالخط العالي الناصري أَعْلَاهُ الله ورد بتاريخ السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَسبعين وَخمْس مئة وصلني كتاب القَاضِي الْفَاضِل وَهُوَ يذكر أَنه مصمم على الْحَج الله يَجعله مُبَارَكًا ميمونا وَلَكِن لَا أفسح لَهُ فِيهِ إِلَّا بعد ثِنْتَيْنِ وَاحِدَة أَنه لَا يركب بَحر يسير من الْعَسْكَر إِلَى أَيْلَة وَمِنْهَا يتَوَجَّه وَيُقِيم الْعَسْكَر على أَيْلَة لَيْلَة وعَلى إرم لَيْلَة وَدون إرم لَيْلَة وقاطع إرم لَيْلَة فَيكون هُوَ

стр. 925

قد بعد وَمَا يبْقى عَلَيْهِ خوف إِن شَاءَ الله تَعَالَى وثانية تَأْخُذ يَده وتحلفه برأسي أَنه لَا يجاور وثالثة تعطيه من مَال الجوالي ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَتقول لَهُ لَا بُد مَا تخرج هَذَا عني لَا عَنْك فِي المجاورين بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَفِي أَهلهَا هَذَا أَمر لَا بُد مِنْهُ فَإِن النَّاس لَا بُد لَهُم من الطّلب وَلَا بُد لَك من الْعَطاء وَإِن قَالَ إِن الشَّيْء قَلِيل فَأَنت تقرضني هَذَا الْمبلغ من مَالك وتعطيه إِيَّاه فَلَا بُد وَإِلَّا فَلَا إِذن لَهُ فِي الرواح إِلَى الْحَج إِلَّا على هَذِه الشُّرُوط الَّتِي قد شرطتها وَأما مَجِيئه فَيَجِيء إِلَى الشَّام فَأَنا مَا بَقِي لي دَار إِلَّا هِيَ حَتَّى يقْضِي الله بَيْننَا وَبَين الفرنج ﴿وَهُوَ خير الْحَاكِمين﴾ وَكتب الْفَاضِل إِلَى بعض مَشَايِخ مَكَّة بعد رُجُوعه سقى الله الْحجاز وَحيا كعبته وَيَا طول مَا ترشقني سِهَام الشوق الَّذِي أصبح الذّكر جعبته آها على تِلْكَ المواقف وتبا لمن رَضِي أَن يكون مَعَ الْخَوَالِف فرعيا ونعمى وحسنة وحسنى لمجاوري ذَاك الْحرم ولعامري أَيَّامه الَّتِي هِيَ الْأَيَّام لَا أَيَّام ذِي سلم فيالهف الصُّدُور وَطول غليلها إِلَى وُرُود مَاء زمزمه وطوبى لمن استضاء فِي مضال الظُّلم بِعِلْمِهِ وَمهما نسيت فَلَا أنسى برد الكبد بَحر صيفها وموسم الْأنس بِثَلَاث مناها وخيفها (آها عَلَيْهَا لَيَال مَا تركن لنا ... إِلَّا الأسى وعلالات من الْحلم) (عَسى الرِّيَاح إِذا سَارَتْ مبلغة ... توفّي فقد غدر الأحباب بالذمم) ثمَّ قَالَ فَأَما الطَّرِيق الْمُبَارَكَة فقد جرى فِيهَا خطوب وشؤون وَأَحَادِيث كلهَا شجون وَكَانَت العقبى إِلَى سَلامَة وَلما قاربنا الكرك نَهَضَ الْعَدو فَلم تمكن الرّجْعَة وَلَا التعريج جانبا ثمَّ من الله تَعَالَى بانجلاء

стр. 926

النّوبَة ووصلنا إِلَى بِلَاد السُّلْطَان ولقينا ذَلِك الْوَجْه فَلَا عدمنا بشره وَذَلِكَ الْفضل فَلَا فَارَقت أَعيننَا فجره ووجدناه فِي الْغُزَاة جاهدا وللعدو مُجَاهدًا أوقاته مستغرقة وعزماته مُحَققَة فصل فِيمَا فعل مَعَ الفرنج فِي بَاقِي هَذِه السّنة وَأول الْأُخْرَى ووقعة مرج عُيُون قَالَ ابْن أبي طي كَانَت الفرنج قد عمرت بَيت الأحزان وَكَانَ على الْمُسلمين مِنْهُ ضَرَر عَظِيم فراسل السُّلْطَان الفرنج فِي هَدمه فَأَجَابُوا أَنه لَا سَبِيل إِلَى هَدمه إِلَّا أَن يُعْطِينَا مَا غرمنا عَلَيْهِ فبذل لَهُم السُّلْطَان سِتِّينَ ألف دِينَار فامتنعوا فَزَادَهُم إِلَى أَن بلغ مئة ألف دِينَار وَكَانَ هَذَا الْحصن للداوية وَكَانُوا يقوون من فِيهِ بالأموال والنفقات لقطع الطرقات على قوافل الْمُسلمين فَأَشَارَ تَقِيّ الدّين على السُّلْطَان ببذل هَذَا المَال لأجناد الْمُسلمين وَنخرج بهم إِلَى الْحصن ونهدمه فَفعل ذَلِك كَمَا سَنذكرُهُ قَالَ الْعِمَاد وَلما ودع السُّلْطَان أَخَاهُ وَرجع أغار فِي طَرِيقه على بِلَاد الفرنج وَقصد الْحصن الَّذِي بنوه وَرجع بالأسرى والغنائم وخيم السُّلْطَان بمروج الشُّعَرَاء ثمَّ انْتقل إِلَى بانياس وَبَلغت الخيم إِلَى حُدُود بِلَاد الْكَفَرَة وأضرم عَلَيْهِم لَهب النيرَان المستعرة وَكَانَ كل يَوْم يركب بِحجَّة الصَّيْد وَينزل على النَّهر ويجرد فرسَان الجلاد والقهر ويسير قبائل الْعَرَب

стр. 927

إِلَى بلد صيدا وبيروت حَتَّى يحصدوا غلات الْعَدو وَلَا يبرح مَكَانَهُ حَتَّى يعودوا بجمالهم وأحمالها موثقة بأثقالها حَتَّى خف زرع الْكفَّار قَالَ وَفِي هَذِه السّنة اقْتضى رَأْي الفرنج أَن يرعبوا الْمُسلمين فِي كل نَاحيَة خوفًا من اجْتِمَاعهم على جِهَة وَاحِدَة فغدر إبرنس أنطاكية وأغار على شيزر وغدر القومص بطرابلس بِجَمَاعَة من التركمان بعد الْأمان فرتب السُّلْطَان ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين عمر فِي ثغر حماة وَمَعَهُ شمس الدّين بن الْمُقدم وَسيف الدّين عَليّ المشطوب ورتب ابْن عَمه نَاصِر الدّين فِي ثغر حمص فِي مُقَابلَة القومص وَكتب السُّلْطَان إِلَى أَخِيه الْعَادِل وَهُوَ نَائِبه بِمصْر أَن ينتخب لَهُ من عَسْكَر مصر ألفا وَخمْس مئة فَارس يتقوى بهم مَعَ عَسْكَر الشَّام على الْعَدو ثمَّ دخلت سنة خمس وَسبعين وَخمْس مئة وَالسُّلْطَان نَازل على تل القَاضِي ببانياس فأجمع رَأْيه مَعَ بَقِيَّة الْمُسلمين على أَن يقتحموا على الْكفَّار دِيَارهمْ ويستوعبوا مَا بَقِي فِي أَيْديهم من الغلات فِي يَوْم وَاحِد ثمَّ يرجِعوا فيرحلوا صوب الْبِقَاع فنهضوا تِلْكَ اللَّيْلَة وَهِي لَيْلَة الْأَحَد ثَانِي محرم فَلَمَّا أصبح السُّلْطَان جَاءَهُ الْخَبَر

стр. 928

بِأَن الفرنج قد خرجت فالتقاهم وَأنزل الله نَصره على الْمُسلمين وَأسر فرسانهم وشجعانهم وانهزمت رجالتهم فِي أول اللِّقَاء فَكَانَ من جملَة الأسرى مقدم الداوية ومقدم الإسبتارية وَصَاحب طبرية وأخو صَاحب جبيل وَابْن القومصية وَابْن بارزان صَاحب الرملة وَصَاحب جينين وقسطلان يافا وَابْن صَاحب مرقية وعدة كَثِيرَة من خيالة الْقُدس وعكا من البارونية وَغَيرهم من المقدمين الأكابر مَا زَاد على مئتين ونيف وَسبعين سوى غَيرهم ثمَّ قدمت الْأُسَارَى وهم يتهادون كَأَنَّهُمْ سكارى قَالَ الْعِمَاد وَأَنا جَالس بِقرب السُّلْطَان استعرضهم بقلمي وَمن ألطاف الله تَعَالَى أَنا وخواصه الْحَاضِرين لم نزد على عشْرين والأسرى قد أنافوا على سبعين وَقد أنزل الله علينا السكينَة وخصهم بالذلة المستكينة وطلع الصَّباح وَرفع الْمِصْبَاح وقمنا وصلينا بِالْوضُوءِ الَّذِي صلينَا بِهِ الْعشَاء ثمَّ عرض الْبَاقُونَ من الأسرى ثمَّ نقلوا إِلَى دمشق فَأَما ابْن بارزان فَإِنَّهُ بعد سنة بذل فِي نَفسه مئة وَخمسين ألف دِينَار صورية وَإِطْلَاق ألف أَسِير من الْمُسلمين وَكَانَ الْفَقِيه ضِيَاء الدّين عِيسَى من نوبَة الرملة عِنْدهم

стр. 929

من المأسورين فالتزم إِدْرَاكه وَأَن يُؤَدِّي من قطيعة الْمَذْكُور القطيعة الَّتِي قرر بهَا فكاكه وَأما ابْن القومصية فَإِنَّهُ استفكته أمه بِخَمْسَة وَخمسين ألفا من الدَّنَانِير الصورية وَأما أود مقدم الداوية فَإِنَّهُ انْتقل من سجنه إِلَى سِجِّين فطلبت جيفته فَأَخَذُوهَا بِإِطْلَاق أَسِير من مقدمي الْمُؤمنِينَ وَطَالَ أسر البَاقِينَ فَمنهمْ من هلك وَهُوَ عان وَمِنْهُم من خرج بقطيعة وأمان وَهَذِه هِيَ وقْعَة مرج عُيُون وَكَانَ الْعَدو فِي عشرَة آلَاف مقَاتل وَانْهَزَمَ ملكهم مجروحا وَكَانَ لعزّ الدّين فرخشاه فِي هَذِه الْوَقْعَة بلَاء حسن حكى حسام الدّين تميرك بن يُونُس وَكَانَ مَعَ عز الدّين قَالَ كُنَّا فِي أقل من ثَلَاثِينَ فَارِسًا قد تقدمنا الْعَسْكَر فشاهدنا خيل الفرنج فِي سِتّ مئة فَارس واقفين على جبل وبيننا وَبينهمْ المَاء فَأَشَارَ عز الدّين أَن نعبر النَّهر إِلَيْهِم فَفَعَلْنَا ولحقنا عَسْكَر السُّلْطَان فهزمناهم وَمن أحسن مَا اتّفق أَن الْيَوْم الَّذِي كسرت فِيهِ الفرنج بمرج عُيُون ظفر الأسطول الْمصْرِيّ ببطسة كَبِيرَة فاستولى عَلَيْهَا وعَلى أُخْرَى وَعَاد إِلَى الثغر مستصحبا ألف رَأس من السَّبي فَمَا أقرب مَا بَين النصرين فِي المصرين وَمَا أعذب عَذَاب الفئتين وتجريعهما الْأَمريْنِ الْأَمريْنِ لقد عَم النَّصْر وتساوى فِيهِ الْبر وَالْبَحْر

стр. 930

وَمِمَّا مدح بِهِ السُّلْطَان فِي هَذَا الْفَتْح مِدْحَة سَيرهَا من مصر إِلَيْهِ فَخر الْكتاب أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ الْعِرَاقِيّ الْجُوَيْنِيّ أَولهَا (لَك رب السَّمَاء خير معِين ... وكفيل بِمَا تحب ضمين) (فَلهُ الْحَمد أَي نصر عَزِيز ... قد حبانا بِهِ وَفتح مُبين) (أدْرك الثأر حِين نازله المغوار ... حتف الْكفَّار لَيْث العرين) (الْهمام الغضنفر الْملك النَّاصِر ... مولى الورى صَلَاح الدّين) (يَا مليكا أضحى الزَّمَان يناجيه ... بِلَفْظ الْمُذَلل المستكين) (قذفت أَهلهَا الْحُصُون إِلَى بأسك ... حَتَّى عوضتهم بالسجون) (وأراهم رب السَّمَاء بأسيافك ... مالم يجل لَهُم فِي ظنون) (لَك قلب عِنْد اللِّقَاء مكين ... وَله من تقاه ألف كمين) (يَا مليكا يلقى الحروب بحول الله ... مستعصما وَصدق الْيَقِين) (إِن هَذَا الْفَتْح الْمُبين شِفَاء ... لصدور وقرة لعيون) (هُوَ يَوْم أضحى كَيَوْم حنين ... سهل الله نَصره فِي الحزون)

стр. 931

قَالَ الْعِمَاد وَكَانَ تَقِيّ الدّين غَائِبا عَن هَذِه الْوَقْعَة واشتغل عَنْهَا بغَيْرهَا وَذَلِكَ أَن سُلْطَان الرّوم قليج أرسلان طلب حصن رعبان وَادّعى أَنه من بِلَاده وَإِنَّمَا أَخذه مِنْهُ نور الدّين ﵀ على خلاف مُرَاده وَأَن الْملك الصَّالح وَلَده قد أنعم بِهِ عَلَيْهِ وَرَضي بعوده إِلَيْهِ فَلم يفعل السُّلْطَان وَكَانَ هَذَا الْحصن مَعَ ابْن الْمُقدم فَأرْسل قليج أرسلان عسكرا مجمعا فِي عشْرين ألفا لحصار الْحصن فَلَقِيَهُمْ تَقِيّ الدّين وَمَعَهُ سيف الدّين عَليّ المشطوب فِي ألف مقَاتل فَهَزَمَهُمْ قَالَ وَلم يزل تَقِيّ الدّين يدل بِهَذِهِ النُّصْرَة فَإِنَّهُ هزم بآحاد ألوفا وأرغم بأعداد من الْأَعْدَاء أنوفا وَقَالَ ابْن أبي طي واتصل بالسلطان أَن قليج أرسلان قد طمع فِي أَخذ رعبان وكيسون فَلَمَّا دخل دمشق وَصله رَسُوله يطلبهما مِنْهُ وَيَدعِي أَن نور الدّين بن زنكي اغتصبهما مِنْهُ وَأَن الْملك الصَّالح قد أنعم عَلَيْهِ بهما فاغتاظ السُّلْطَان وزبر الرَّسُول وتوعد صَاحبه فَعَاد الرَّسُول وَأخْبر قليج أرسلان فَغَضب وسير عسكرا إِلَى رعبان فحاصرها وَسمع السُّلْطَان فندب تَقِيّ الدّين عمر فِي ثَمَانِي مئة فَارس فَسَار فَلَمَّا قَارب رعبان أَخذ مَعَه جمَاعَة من أَصْحَابه مِقْدَار مئتي فَارس وَتقدم عسكره وَسَار حَتَّى أشرف على عَسْكَر قليج أرسلان لَيْلًا فَرَآهُمْ قد سدوا الفضاء وهم

стр. 932

قَارون آمنون وادعون فَقَالَ تَقِيّ الدّين لأَصْحَابه هَؤُلَاءِ على مَا ترَوْنَ من الطُّمَأْنِينَة والأمن والغفلة وَقد رَأَيْت أَن نحمل فيهم بعد أَن نتفرق فِي جَوَانِب عَسْكَرهمْ ونصيح فيهم فَإِنَّهُم لَا يثبتون لنا فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك فأنفذ وَاحِدًا من أَصْحَابه إِلَى بَاقِي عسكره وَأمرهمْ أَن يتفرقوا أطلابا وَأَن يَجْعَل فِي كل طلب قِطْعَة من الكوسات والبوقات فَإِذا سمعُوا الضجة ضربوا بكوساتهم وبوقاتهم وجدوا فِي السّير حَتَّى يلْحقُوا بِهِ فَفَعَلُوا مَا أَمرهم ثمَّ إِنَّه حمل فِي عَسْكَر قليج أرسلان وصرخ أَصْحَابه فِي جوانبه وَكَانَ عدَّة عَسْكَر قليج أرسلان ثَلَاثَة آلَاف فَارس فَلَمَّا سمعُوا الضجة وحس الكوسات والبوقات وَشدَّة وَقع حوافر الْخَيل وجلبة الرِّجَال واصطكاك أجرام الْحَدِيد هالهم ذَلِك وظنوا أَنهم قد فوجئوا بعالم عَظِيم فَلم يكن لَهُم إِلَّا أَن جالوا فِي كواثب خيولهم عريا وطلبوا النجَاة وأخذتهم السيوف فتركوا خيامهم وأثقالهم بِحَالِهَا وَأكْثر تَقِيّ الدّين فيهم الْقَتْل والأسر وَحصل على جَمِيع مَا تَرَكُوهُ فَلَمَّا أصبح جمع المأسورين وَمن عَلَيْهِم بِأَمْوَالِهِمْ وكراعهم وسرحهم إِلَى بِلَادهمْ قَالَ وَقيل إِن الْخَبَر بِهَذِهِ الكسرة وصل إِلَى السُّلْطَان فِي الْيَوْم الَّذِي كسر فِيهِ السُّلْطَان الفرنج على مرج عُيُون فتوافت البشارتان إِلَى الْبِلَاد قَالَ وَقد مدح ابْن التعاويذي السُّلْطَان الْملك النَّاصِر بقصيدة أنفذها إِلَيْهِ من بَغْدَاد يذكر فِيهَا وقْعَة مرج عُيُون يَقُول فِيهَا

стр. 933

(كَاد الأعادي أَن يصيبك كيدها ... لَو لم تكدك برأيها المأفون) (تخفي عداوتها وَرَاء بشاشة ... فتشف عَن نظر لَهَا مشفون) (دفنت حبائل مكْرها فرددتها ... تدوى بغيظ صدورها المدفون) (وَعلمت مَا أخفوا كَأَن قُلُوبهم ... أفضت إِلَيْك بسرها المخزون) (كمنوا وَكم لَك من كمين سَعَادَة ... فِي الْغَيْب يظْهر من وَرَاء كمين) (فهوت نُجُوم سعودهم وَقضى لَهُم ... بالنحس طائرهم بمرج عُيُون) قلت هَكَذَا أنْشدهُ وَهُوَ حسن وَقد كشفته من نُسْخَة من ديوَان ابْن التعاويذي فَوجدت آخر هَذَا الْبَيْت (طَائِر جدك الميمون ...) وَأول هَذِه القصيدة (إِن كَانَ دينك فِي الصبابة ديني ... فقف الْمطِي برملتي يبرين) ثمَّ قَالَ بعد تَمام الْغَزل (لَيْت الضنين على الْمُحب بوصله ... لقن السماحة من صَلَاح الدّين) (ملك إِذا علقت يَد بذمامه ... علقت بِحَبل فِي الْحفاظ متين) (قاد الْجِيَاد معاقلا وَإِن اكْتفى ... بمعاقل من رَأْيه وحصون)

стр. 934

(سهرت جفون عداهُ خيفة ماجد ... خلقت صوارمه بِغَيْر جفون) (لَو أَن لليث الهزبر سطاه لم ... يلجأ إِلَى غَابَ لَهُ وعرين) (أضحت دمشق وَقد حللت بجوها ... مأوى الطريد وموئل الْمِسْكِين) (لَك عفة فِي قدرَة وتواضع ... فِي عزة وشراسة فِي لين) (وأريتنا بجميل صنعك مَا روى ... الراوون عَن أُمَم خلت وقرون) (وضمنت أَن تحيي لنا أيامهم ... بالمكرمات فَكنت خير ضمين) قَالَ ابْن أبي طي نزل السُّلْطَان على تل القَاضِي ببانياس على المرج الَّذِي يعرف بمرج عُيُون وأنفذ فِي ثَانِي الْمحرم قِطْعَة من عسكره مَعَ عز الدّين فرخشاه لشن الْغَارة على بِلَاد الفرنج فَلَمَّا أصبح ركب يستوكف أَخْبَار فرخشاه فَمَا هُوَ إِلَّا أَن خرج من الخيم حَتَّى رأى أَغْنَام بانياس قد أَقبلت من المراعي هاجة على وجوهها من الغياض والأودية فَقَالَ هَذِه غَارة فَأمر بِلبْس السِّلَاح والاستعداد للحرب فوصل بعض الرُّعَاة فَأخْبر أَن الفرنج قد عبروا وصاروا قَرِيبا مِنْهُ على هَيْئَة المتغفلة فَسَار حَتَّى أشرف على الفرنج فَإِذا هم فِي ألف رمح فَأَخَذتهم السيوف والدبابيس حَتَّى فرشت الأَرْض مِنْهُم وَألقى جمَاعَة مِنْهُم سِلَاحهمْ وسلموا أنفسهم أُسَارَى وَنَجَا ملك الفرنج هنفري هَارِبا وَيُقَال إِنَّه وقف بِهِ فرسه

стр. 935

فَحَمله أحد خيالته على ظَهره ثمَّ رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى مُعَسْكَره وسيفه يقطر دَمًا وَجلسَ لاستعراض الْأُسَارَى فَذكر نَحْو مَا سبق وَفِي كتاب الْفَاضِل إِلَى صَاحب لَهُ بِمَكَّة وَقد سبق بعضه قَالَ وَجَرت نوبه مِنْهَا نوبَة قتل الهنفري لَعنه الله وَتَمام سبعين فَارِسًا من كبار الخيالة وَطرح ملك الفرنج من على ظهر دَابَّته وتحامله بآخر رَمق مَعَ بَقِيَّة من نجا من خيالته وَمِنْهَا نوبَة وَادي الْحَرِيق وَقد جمع الله الْعَدو فارسه وراجله وَمِنْهَا نصر الله الَّذِي مَا كَانَ قبله لملك من مُلُوك الأَرْض قتل ابْن بارزان ومقدم الداوية وَابْن صَاحب طبرية وأخو أَسْقُف صور وَصَاحب جبيل وَأَصْحَاب الْحُصُون والقلاع ومقطعو الأقاليم والضياع وَحصل تَحت الْيَد الناصرية أَعْلَاهَا الله مئة وَسِتُّونَ كلهم تثنى عَلَيْهِم الخناصر وتقطر بهم العساكر وَمِنْهَا دُخُول العساكر إِلَى عمل بيروت وصور وغارتها على غرَّة من أَهلهَا وَقطع كل شَجَرَة مثمرة من أَصْلهَا قَالَ وَكَانَت الأساطيل المنصورة قد تضاعفت عدتهَا إِلَى أَن بلغت سِتِّينَ شينيا وَعشْرين طريدة فسارت الشواني خَاصَّة فَدخلت الْبِلَاد الرومية ودوخت السواحل الفرنجية وأسرت ألف علج أحضرتهم أسرى

стр. 936

فِي قيد الإسار وَقتلت الرفاق الْكِبَار وغنمت من هَذِه الْغَزْوَة أَقوام كَانَت أَعينهم لَا تعرف عين الدِّرْهَم وَلَا وَجه الدِّينَار فصل فِي تخريب حصن بَيت الأحزان وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الأول قَالَ الْعِمَاد جمع السُّلْطَان جموعا كَثِيرَة من الخيالة والرجالة وَسَار فوصل إِلَى المخاضة يَوْم السبت تَاسِع عشر الشَّهْر والحصن مَبْنِيّ دونهَا من الغرب فخيم مِنْهَا بِالْقربِ وضاق ذَلِك المرج عَن الْعَسْكَر وَاحْتَاجَ إِلَى نصب ستائر لأجل المنجنيقات فَركب السُّلْطَان بكرَة الْأَحَد إِلَى ضيَاع صفد وَكَانَت قلعة صفد يَوْمئِذٍ للداوية وَهُوَ عش البلية وَأمر بِقطع كرومها وَحمل أخشابها فَأخذ كل مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَرجع بعد الظّهْر وزحفوا إِلَى الْحصن بعد الْعَصْر فَمَا أَمْسَى الْمسَاء إِلَّا وهم قد استولوا على الباشورة وانتقلوا بكليتهم إِلَيْهَا وَبَاتُوا طول اللَّيْل يَحْرُسُونَ وخافوا أَن تفتح الفرنج الْأَبْوَاب ويغيروا عَلَيْهِم على غرَّة وَإِذا الفرنج قد أوقدوا خلف كل بَاب نَارا ليأمنوا من الْمُسلمين اغْتِرَارًا فاطمأن الْمُسلمُونَ وَقَالُوا مَا بَقِي إِلَّا نقب البرج ففرقه السُّلْطَان على الْأُمَرَاء فَأخذ فرخشاه الْجَانِب القبلي وَأخذ السُّلْطَان الْجَانِب الشمالي وَقصد نَاصِر الدّين بن شيركوه بِقُرْبِهِ نقبا وَكَذَلِكَ تَقِيّ الدّين وكل كَبِير فِي الدولة جعل لَهُ قسما وَكَانَ البرج مُحكم الْبناء فصعب نقبه لَكِن مَا انْقَضى يَوْم الْأَحَد إِلَّا وَقد تمّ نقب السُّلْطَان وعلق وَحشِي بالحطب لَيْلَة الِاثْنَيْنِ وَحرق وَكَانَ النقب فِي طول ثَلَاثِينَ ذِرَاعا فِي عرض ثَلَاث أَذْرع وَكَانَ عرض السُّور تسع أَذْرع فَمَا تأثر

стр. 937

بذلك فَاحْتَاجَ السُّلْطَان صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ إِلَى إطفاء النيرَان ليتم نقبه وَقَالَ من جَاءَ بقربة مَاء فَلهُ دِينَار قَالَ الْعِمَاد فَرَأَيْت النَّاس للقرب حاملين ولأوعية المَاء ناقلين حَتَّى أغرقوا تِلْكَ النقوب فخمدت فَعَاد نقابوها وَقد بردت فخرقوه وعمقوه وفتحوه وفتقوه وشقوا حجره وفلقوه ثمَّ حشوه وعلقوه واستظهروا فِيهِ يومي الثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء ثمَّ أحرقوه وَاشْتَدَّ الْحِرْص عَلَيْهِ لِأَن الْخَبَر أَتَاهُم بِأَن الفرنج قد اجْتَمعُوا بطبرية فِي جمع كثير فَلَمَّا أصبح يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الأول وَتَعَالَى النَّهَار انقض الْجِدَار وتباشرت الْأَبْرَار وَكَانَ الفرنج قد جمعُوا وَرَاء ذَلِك الْوَاقِع حطبا فَلَمَّا وَقع الْجِدَار دخلت الرِّيَاح فَردَّتْ النَّار عَلَيْهِم وأحرقت بُيُوتهم وَطَائِفَة مِنْهُم فَاجْتمعُوا إِلَى الْجَانِب الْبعيد من النَّار وطلبوا الْأمان فَلَمَّا خمدت النيرَان دخل النَّاس وَقتلُوا وأسروا وغنموا مئة ألف قِطْعَة من الْحَدِيد من جَمِيع أَنْوَاع الأسلحة وشيئا كثيرا من الأقوات وَغَيرهَا وَجِيء بالأسارى إِلَى السُّلْطَان فَمن كَانَ مُرْتَدا أَو راميا ضربت عُنُقه وَأكْثر من أسر قَتله فِي الطَّرِيق الْغُزَاة المطوعة وَكَانَ عدَّة الْأُسَارَى نَحْو سبع مئة وخلص من الْأسر أَكثر من مئة مُسلم وسير بَاقِي الْأُسَارَى إِلَى دمشق وَأقَام السُّلْطَان بِمَنْزِلَتِهِ حَتَّى هُدُوا الْحصن إِلَى الأساس وطم جب مَاء معِين كَانُوا حفروه فِي وَسطه وَرمى فِيهِ الْقَتْلَى وَكَانَ عِنْد السُّلْطَان رَسُول القومص معافى وَهُوَ يُشَاهد بلية أهل مِلَّته وَقد كَانَ السُّلْطَان بذل لَهُم فِي هَدمه سِتِّينَ ألف دِينَار فَلم يَفْعَلُوا فَزَادَهُم حَتَّى بلغ مئة ألف فَأَبَوا وَكَانَ مُدَّة الْمقَام على الْحصن فِي أَيَّام فَتحه وَبعدهَا أَرْبَعَة عشر يَوْمًا

стр. 938

وَبعد ذَلِك سَار السُّلْطَان إِلَى أَعمال طبرية وصور وبيروت وَغَيرهَا فَأَغَارَ عَلَيْهَا وأرجف قُلُوبهم بوصوله إِلَيْهَا وَرجع السُّلْطَان إِلَى دمشق يَوْم الْأَرْبَعَاء وَمرض جمَاعَة من ذَلِك الوباء لِأَن الْحر كَانَ شَدِيدا وأنتنت جيف الْقَتْلَى وَطول السُّلْطَان الْمقَام عَلَيْهِ بعد فَتحه لأجل تتميم هَدمه فَتوفي أَكثر من عشرَة أُمَرَاء وَعَاد المشهد اليعقوبي كَمَا كَانَ مزورا وبتكبير الْمُسلمين وصلاتهم معمورا وهنأ الشُّعَرَاء السُّلْطَان بِفَتْح هَذَا الْحصن فَمن ذَلِك مَا أنْشدهُ نشو الدولة أَحْمد بن نفاذة الدِّمَشْقِي من جملَة مدائحه (هَلَاك الفرنج أَتَى عَاجلا ... وَقد آن تكسير صلبانها) (وَلَو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بَيت أحزانها) وَلأبي الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن رستم الساعاتي الْخُرَاسَانِي ثمَّ الدِّمَشْقِي من قصيدة أَولهَا

стр. 939

(بجدك أعطاف القنا تتعطف ... وطرف الأعادي دون مجدك يطرف) (شهَاب هدى فِي ظلمَة الشَّك ثاقب ... وَسيف إِذا مَا هزه الله مرهف) (وقفت على حصن الْمَخَاض وَإنَّهُ ... لموقف حق لَا يوازيه موقف) (فَلم يبد وَجه الأَرْض بل حَال دونه ... رجال كآساد الشرى وَهِي تزحف) (وجرداء سلهوب وَدرع مضاعف ... وأبيض هندي ولدن مثقف) (وَمَا رجعت أعلامك الصفر سَاعَة ... إِلَى أَن غَدَتْ أكبادها السود ترجف) (كبا من أعاليه صَلِيب وبيعة ... وشاد بِهِ دين حنيف ومصحف) (صليبة عباد الصَّلِيب ومنزل النزال ... لقد غادرته وَهُوَ صفصف) (أيسكن أوطان النَّبِيين عصبَة ... تمين لَدَى أيمانها وَهِي تحلف) وَمِنْهَا (نصحتكم والنصح فِي الدّين وَاجِب ... ذَروا بَيت يَعْقُوب فقد جَاءَ يُوسُف)

стр. 940

وَمن قصيدة لسعادة الضَّرِير الْحِمصِي (حللت فَكنت الألمعي المسددا ... وسرت فَكنت الشمري المؤيدا) (وَقمت بأعباء الممالك ناهضا ... فأقعدت أَعدَاء وَلم تخش مقْعدا) (تعودت ضرب السَّيْف والطعن بالقنا ... وكل امرئ مغرى بِمَا قد تعودا) (نصرت الْهدى لما تخاذل حزبه ... فناداك حزب الله يَا نَاصِر الْهدى) (غضِبت لدين أَنْت حَقًا صَلَاحه ... فأرضيت لما أَن غضِبت مُحَمَّدًا) (فيا يُوسُف الْخَيْر الَّذِي فِي يَمِينه ... من الْخَيْر مَا قد غَار فِينَا وأنجدا) (وصلت لذِي سلم وصلت لذِي وغى ... ففقت جَمِيع النَّاس بالبأس والندى) (وقدت إِلَى الْأَعْدَاء جَيْشًا عرمرما ... إِذا أبرقت فِيهِ الصوارم أرعدا) (فَلم تبْق للطغيان شملا مجمعا ... وَلم تبْق للْإيمَان شملا مبددا) (فناهيك من جَيش نهضت بعبئه ... فأقعدت لما أَن نهضت بِهِ العدى) (حملت ذبالا فِي ذوابل سمره ... فَلَمَّا دجا ليل العجاج توقدا) (وزرت بِهِ الْحصن الَّذِي لَو تحصنت ... فوارسه بِالنَّجْمِ أوردته الردى) (قصمت بِهِ صلب الصَّلِيب ورعته ... وسهدته لما غفا فتسهدا)

стр. 941

(وفض بِمَا قد فضه من سهامه ... نواجذ ثغر الهنفري وقددا) (هببت إِلَيْهِ هبة يوسفية ... تعيد هباء كل مَا كَانَ جلمدا) قَالَ وَمِنْهُم الْأَمِير نجم الدّين مَحْمُود بن الْحسن بن نَبهَان الْعِرَاقِيّ من أهل الْحلَّة المزيدية كَانَ حَاضرا فِي نوبَة ابْن بارزان لَهُ من قصيدة أَولهَا (هَنِيئًا صَلَاح الدّين بِالْفَتْح والنصر ... ونيل الْأَمَانِي الغر والفتكة الْبكر) (وَمَا حزت فِيهَا من فخار وَمن علا ... وَحسن ثَنَا يبْقى إِلَى آخر الدَّهْر) (سموت لَهَا بالمشرفية والقنا ... سمو أبي لَا ينَام على وتر) (وصلت بهَا حَبل المفاخر مِثْلَمَا ... قطعت بهَا يَوْم الوغى دابر الْكفْر) (سللت بَيَاض الصُّبْح وَهُوَ صوارم ... وخضت سَواد اللَّيْل وَهُوَ دم يجْرِي) (وَقد عرف الإفرنج بأسك فِي الوغى ... وجرعتهم مِنْهُ أَمر من الصَّبْر) (وظنوا بِنَاء الْحصن صونا لملكهم ... فَأصْبح بالشعراء منهتك السّتْر) (فَمَا قبضت مِنْهُم يَد الْغدر قطعت ... أناملها إِلَّا على صَفْقَة الخسر) (هِيَ الفتكة الغراء لَا زلت قَائِما ... بأمثالها للدّين فِي السِّرّ والجهر) (وَأصْبح فِي أقْصَى خُرَاسَان ذكرهَا ... وَفِي كل قلب مِنْهُ جَيش من الذعر) (فَلَا ترض مِنْهُم بعْدهَا بذل طَاعَة ... فَمَا خلقُوا إِلَّا على شِيمَة الْغدر) (وسر واملك الأَرْض الَّتِي لَو تركتهَا ... لأغضت عُيُون الْمجد مِنْهَا على أَمر)

стр. 942

(فيا آل أَيُّوب حويتم مناقبا ... بأخمصها تعلو على الأنجم الزهر) (إِذا عد أَرْبَاب الفخار فَأنْتم ... ذَوُو الفعلات الغر والنائل الْغمر) (وَأَنت الَّذِي أَصبَحت بالبأس والتقى ... وبذل اللهى عالي السنا عطر الذّكر) وَمن كتاب فاضلي إِلَى بَغْدَاد فِي وصف الْحصن وَقد عرض حَائِطه إِلَى أَن زَاد على عشرَة أَذْرع وَقطعت لَهُ عِظَام الْحِجَارَة كل فص مِنْهَا من سبع أَذْرع إِلَى مَا فَوْقهَا وَمَا دونهَا وعدتها تزيد على عشْرين ألف حجر لَا يسْتَقرّ الْحجر فِي مَكَانَهُ وَلَا يسْتَقلّ فِي بُنْيَانه إِلَّا بأَرْبعَة دَنَانِير فَمَا فَوْقهَا وَفِيمَا بَين الحائطين حَشْو من الْحِجَارَة الصم المرغم بهَا أنوف الْجبَال الشم وَقد جعلت تسقيته بالكلس الَّذِي إِذا أحاطت قَبضته بِالْحجرِ مازجه بِمثل جِسْمه وَصَاحبه بأوثق وأصلب من جرمه وأوعز إِلَى خَصمه من الْحَدِيد بَالا يتَعَرَّض لهدمه وَمِنْه فِي وصف النَّار قَالَ وَبَات النَّاس فِي لَيْلَة الْجُمُعَة مطيفين بالحصن وَالنَّار بِهِ مطيفة وَعَلِيهِ مُشْتَمِلَة وعذبات ألسنتها على تاجه منسدلة وعَلى خَلفه مسبلة ونارهم قد أطفأها الله بِتِلْكَ النَّار الواقدة ومنعتهم قد أذهبها الله بِتِلْكَ الأبرجة الساجدة وبنفسج الظلماء قد اسْتَحَالَ جلنارا والشفق قد عَم اللَّيْلَة فَلم يخْتَص آصالا وَلَا أسحارا ونفحاتها حميمية وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة وَالْبَلَاء يُنَادي بِلِسَان مصابها إياك أَعنِي

стр. 943

واسمعي يَا جَارة فولجت النَّار موالج تضيق مِنْهَا الْفِكر وتعجز عَنْهَا الإبر ونقلت النبأ من الْعين إِلَى الْأَثر وَقَالَ الْكفْر إِنَّهَا لإحدى الْكبر وخولف الْمثل إِن السَّعَادَة لتلحظ الْحجر وأغنى ضوؤها لِسَان كل إمعة أَن يسْأَل هَذَا وَهَذَا مَا الْخَبَر وقذفت بشرر كالجمالات الصفر وزفرت بغيظ تعفر لَهُ خدود الْجبَال الصغر وتلحقها بالكثب العفر وَبَات اللَّيْل وَالنَّهَار يشله وَكلما أغمده الخمود جعل الْوقُود يَسلهُ إِلَى أَن بدا الصَّباح كَأَنَّهُ مِنْهَا امتار الْأَنْوَار وَانْشَقَّ الشرق وَمن عصفرها صبغ الْإِزَار فَحِينَئِذٍ تقدم الْخَادِم فاقتلع شده الْأَحْجَار من أسها ومحا حُرُوف الْبُنيان من طرسها وَتَبعهُ الْجَيْش ورفاقه وكافة من اشْتَمَل عَلَيْهِ نطاقه وَفِي كتاب آخر وَكَانَ مَبْنِيا على تل وَفِيه صهريج لما فتح الْمُسلمُونَ الْحصن رموا فِيهِ مَا يناهز ألف قَتِيل ودابة محرقة بالنَّار فَمَا سدت عرصته وَلَا مَلَأت حفرته وَكَانَ فِيهِ نَحْو ألف زردية والمقاتلة ثَمَانُون فَارِسًا بغلمانهم وَخَمْسَة عشر مقدما للرِّجَال مَعَ كل مقدم خَمْسُونَ رجلا هَذَا إِلَى الصناع مَا بَين بِنَاء ومعمار وحداد ونجار وصيقل وسيوفي وصناع أَنْوَاع الأسلحة وَكَانَ بِهِ من أسرى الْمُسلمين مَا يزِيد على مئة رجل نزعت الْقُيُود من أَرجُلهم وَجعلت فِي أرجل الفرنج وَكَانَت فِيهِ أقوات لعدة سِنِين وأنواع اللحوم الطّيبَة والخبيثة فِيهَا بَلَاغ ومتاع إِلَى حِين وَلما قوتل

стр. 944

أول يَوْم هجم حوشه وَفِيه جمَاعَة من الْمُقَاتلَة فَضربت رقابهم وَأخذت دوابهم وَفِي الْحَال علقت النقوب على خمس جِهَات وحشيت بالنيران وَتَأَخر وُقُوع الجدران لفرط عرض الْبُنيان وَلم تزل النَّار توقد ثمَّ تخرج ثمَّ تشعل ثمَّ تخمد إِلَى أَن تمكنت النقوب وحشيت بالأحطاب وأطلقت فِيهَا النيرَان فِي يَوْم الْخَمِيس فَيَوْمئِذٍ وَقعت الْوَاقِعَة وانشقت الأبرجة فَهِيَ يَوْمئِذٍ واهية وَملك الْمُسلمُونَ الْحصن بِمَا فِيهِ وَمن فِيهِ واشتعلت النيرَان فِي أرجائه ونواحيه وَكَانَ الطاغية مقدم الْحصن يُشَاهد مَا حل ببنيانه وَمَا نزل من الْبلَاء بِأَصْحَابِهِ وأعوانه وَلما وصلت النَّار إِلَى جِهَته ألْقى نَفسه فِي خَنْدَق نَار صَابِرًا على حرهَا فَفِي الْحَال نقلته هَذِه النَّار إِلَى تِلْكَ النَّار وَلما أَخذ أُسَارَى الإفرنج وهم عدَّة تزيد على سبع مئة بعد المقتولين وَمَا تقصر عدتهمْ عَن مثلهَا توفرت الهمة على هدم هَذَا الْحصن وتعفيه أَثَره وَإِزَالَة ضَرَره فألحقت أعاليه بقواعده وَصَارَ أثرا بعد عين فِي عين مشاهده هَذَا والفرنج مجتمعون فِي طبرية يشاهدون الْأَمر عيَانًا وَيَنْظُرُونَ إِلَى الْحصن قد مَلِيء نيرانا وارتفع دخانا وسارت العساكر إِلَى أَعمال صيدا وبيروت وصور فأنثنت مُغيرَة فاستثارت كل غامضة ووصلت إِلَى كل ذخيرة وَصَارَت بِلَاد الفرنج لَا يسكن مِنْهَا إِلَّا كل قلعة أَو مَدِينَة وَلَا يُقيم فِيهَا إِلَّا من نَفسه لشدَّة الْخَوْف معتقلة فِي نَفسه أَو مشحونة وَمن كتاب آخر فاضلي عَن السُّلْطَان إِلَى وَزِير بَغْدَاد تَأَخّر فلَان

стр. 945

لضرورات مِنْهَا أمراض كَانَت قد عَمت بهَا الْبلوى وَكَثُرت بهَا الشكوى وَكَانَ أَكْثَرهَا خَاصّا بالعائدين من العساكر من نوبَة فتح الْحصن وَكَانَ خَادِمًا الْمجْلس السَّامِي ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين وَابْن عَمه نَاصِر الدّين قد جهدا وأثخنا وبلغا حد الْيَأْس وامتحنا وكادا يسقطان من ضمير المنى فَمن الله تَعَالَى بالشفا وَهَذِه الْبُشْرَى بِفَتْح الْحصن وَإِن كَانَت شريفة مواقفها عَامَّة مَنَافِعهَا فقد تَجَدَّدَتْ بعْدهَا بِشَارَة طلعت بِشَارَة رائقة وَجَاءَت فِي مَكَان الرديف لأخرى لَا فرق بَينهمَا إِلَّا أَن تِلْكَ سَابِقَة وَهَذِه لاحقة وَذَلِكَ أَن الأسطول الْمصْرِيّ غزا غَزْوَة أُخْرَى غير الأولى وَتوجه عَن السواحل الإسلامية مرّة أُخْرَى من الله فِيهَا منَّة أُخْرَى وَكَانَت عدته فِي هَذِه السّنة قد أضعفت وقويت واستفرغت فِيهَا عزائم الْجِهَاد واستقصيت واحتلت بِهِ الرِّجَال الَّذين يعْملُونَ فِي الْبَحْر ويفتكون فِي الْبر وَمن هُوَ مَعْرُوف من المغاربة لغزو بِلَاد الْكفْر فسارت على سوار هِيَ كنائن إِلَّا أَنَّهَا تمرق مروق السِّهَام ورواكد هِيَ مَدَائِن إِلَّا أَنَّهَا تمر مر السَّحَاب غير الجهام فَلَا أعجب مِنْهَا تسمى غربانا وتنشر من ضلوعها أَجْنِحَة الْحمام وَتسَمى جواري وَكم مُبشر مجريها من النَّصْر بِغُلَام وطوقت فِي الْأَحَد حادي عشر جُمَادَى الأولى ميناء عكا وَهِي قسطنطينية الفرنج وَدَار كفرهم أبدلها الله من الْكفْر إسلاما وخلع عَنْهَا الشّرك الْبَالِي وخلع عَلَيْهَا من التَّوْحِيد أعلاما وَكَانَت مفروسة فَأَصْبَحت مفترسة

стр. 946

وباتت جَمِيع الفرنج محترسة وغدت مترسة فَمَا هِيَ إِلَّا أَن حذفت والجة على المينا وَفِيه المراكب والبضائع فاستولت على عدَّة من المراكب تحطيما وتكسيرا ونطاحا يقلقل وَلَو كَانَ ثبيرا وأخلت سَاحل الفرنج بقتالها وباشرت مثل المَاء بنزولها ونزالها وَهَذَا مِمَّا لم يعْهَد من الأسطول الإسلامي مثله فِي سالف الدَّهْر لَا فِي حَالَة قُوَّة إِسْلَام وَلَا ضعف كفر وَمِمَّا سَبيله أَن تطرز السّير الْكَرِيمَة بفخره كَمَا طرز الله الصَّحِيفَة الشَّرِيفَة بأجره وَقتل على قلعة عكا ثَلَاثَة نفر بأليم السِّهَام أبعد مَا كَانُوا وقفُوا عَنْهَا وآمن مَا كَانُوا مِنْهَا فصرعتهم الْأَيْدِي والأفواه وخروا سجدا على الجباه سجودا لَا يرفعون مِنْهُ الرؤوس وَلَا ينتقلون مِنْهُ إِلَى حَالَة الْجُلُوس وَلَا يرفع فِيمَا يرفع لَهُم من عمل وَلَا لَهُم فِيهِ من قبْلَة وَلَا لَهُم بِهِ من قبل وأقامت المراكب يَوْمَيْنِ تقَابلهَا وتقاتلها وتناضلها فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة مِنْهَا حجَّة الْفَاضِل الثَّانِيَة ووفاة الْخَلِيفَة المستضيء بِاللَّه وَغير ذَلِك قَالَ الْعِمَاد وَفِي الْعشْر الْأَخير من شَوَّال خرج الْفَاضِل من دمشق إِلَى الْحَج ثمَّ عَاد إِلَى مصر من مَكَّة قلت وقفت على نُسْخَة كتاب الْفَاضِل إِلَى الصفي بن الْقَابِض

стр. 947

يصف لَهُ مَا لَقِي فِي طَرِيقه إِلَى مصر وركوب الْبَحْر وَكَانَت جماله ذهبت بِمَكَّة فِي خَامِس عشر ذِي الْحجَّة فَقَالَ خرجنَا من مَكَّة شرفها الله يَوْم الْخَامِس وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَفِي هَذِه الْأَيَّام زَاد تبسط المفسدين وإسراف المسرفين وَظهر من هوان أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ وَمن ضعف نَفسه وانخفاض جنَاحه مَا أطمع الْمُفْسد وأخاف المصلح ووصلنا إِلَى جدة يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وركبنا الْبَحْر يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين مِنْهُ وبتنا فِيهِ لَيْلَتي الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس ورمتنا الرّيح إِلَى جَزِيرَة بِالْقربِ من بِلَاد الْيمن تسمى دبادب وَكَانَت إِحْدَى الليلتين فِي الْبَحْر من ليَالِي الْبلَاء وَبِاللَّهِ أقسم لقد شَاب بعض رُؤُوس أَصْحَابنَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَأَيِسُوا من الْأَنْفس وتمنوا معاجلة الْأَمر وتقصير الْعَذَاب وظنوا أَنهم أحيط بهم وعاتبوا أنفسهم ثمَّ احْتَجُّوا عَلَيْهَا بالأقدار الَّتِي لَا حِيلَة فِيهَا وصبرنا إِلَى أَن فرج الله سُبْحَانَهُ ونزلنا الْبَريَّة بِحَيْثُ لَا مَاء يشرب وَلَا جمل يركب وَنفذ إِلَى البجاة النازلين على سَاحل الْبَحْر فأحضروا جمالا ضَعِيفَة أجرتهَا أَكثر من ثمنهَا وَثمن مَا تحمله فَرَكبْنَا ووصلنا إِلَى عيذاب بعد عشرَة أَيَّام وَقد هلكنا ضعفا وتعبا وجوعا وعطشا لِأَن الْخلق كَانُوا كثيرا والزاد يَسِيرا وركبنا الْبَريَّة من عيذاب إِلَى أسوان فَكَانَت أشق من كل طَرِيق سلكناها وَمن كل مَسَافَة قَطعْنَاهَا لأَنا وردنا المَاء فِي إِحْدَى عشرَة لَيْلَة مرَّتَيْنِ وَكَانَت الهمة قَاصِرَة فِي المزاد وَكَانَت الْبلوى عَظِيمَة فِي الْعَطش فَأَما الحزون والوعر فَهِيَ تزيد على مَا فِي

стр. 948

بَريَّة الشَّام بِكَوْنِهَا طَرِيقا بَين جبلين كالدرب المتضايق والزقاق المتقارب وحر الشَّمْس شَدِيد وَقَرِيب الْوَعْد بَينهمَا بعيد ولطف الله إِلَى أَن وصلنا مصر فِي السَّابِع عشر من صفر قلت وللوجيه ابْن الذروي فِي الْفَاضِل (لَك الله إِمَّا حجَّة أَو وفادة ... فَمن مشْهد يُرْضِي الْإِلَه وموسم) (ترى تَارَة بَين الصوارم والقنا ... وطورا ترى بَين الْحطيم وزمزم) (وَكم لَك يَا عبد الرَّحِيم مآثر ... لَهَا فِي سَمَاء الْفَخر إشراق أنجم) (كَأَنَّك لم تخلق لغير عبَادَة ... وَإِظْهَار فضل فِي الورى وتكرم) قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة ظهر الْملك الْعَزِيز أَبُو الْفَتْح عُثْمَان عماد الدّين بن السُّلْطَان وَكَانَ أحب أَوْلَاده إِلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي قَامَ بتدبير الْملك بعده وَولد بِمصْر ثامن جُمَادَى الأولى سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة كَمَا سبق ذكره وَكَانَ السُّلْطَان لما قدم الشَّام زَاد شوقه إِلَيْهِ فاستقدمه فَقدم عَلَيْهِ عَاشر رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَأنْشد الْعِمَاد السُّلْطَان عِنْد قدومه قصيدة مِنْهَا (يَا أسدا يحمي عرين الْعلَا ... هنيت جمع الشمل بالشبل) (عُثْمَان ذِي النورين بَين الورى ... من سؤدد سَام وَمن فضل) (يحكيك إقداما وبأسا فَمَا ... أشبه هَذَا الْفَرْع بِالْأَصْلِ)

стр. 949

(مخايل الرشد على بشره ... شاهدة بِالْفَضْلِ والنبل) (ملك قضى الله لَهُ أَنه ... على مُلُوك الأَرْض يستعلي) (بِالْملكِ النَّاصِر سلطاننا ... طَالَتْ يَد الْإِحْسَان وَالْعدْل) ثمَّ لم يُفَارِقهُ واستصحبه إِلَى مصر فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين ثمَّ عَاد بِهِ مَعَه إِلَى الشَّام فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَسبعين وَاتخذ لَهُ معلما من مصر وَهُوَ نجم الدّين يُوسُف بن الْحُسَيْن المجاور فَحصل من صحبته رزقا وَاسِعًا لَا سِيمَا فِي عَام الطّهُور فَإِنَّهُ عَم فِيهِ السرُور والحبور وَكَانَ مُتَوَلِّي الْإِنْفَاق فِي الطّهُور صفي الدّين بن الْقَابِض لِأَنَّهُ كَانَ مُتَوَلِّي الخزانة والديوان والأعمال بِدِمَشْق قَالَ وَحج يَعْنِي ابْن الْقَابِض سنة أَربع وَسبعين وفيهَا حج

стр. 950

الْفَاضِل من مصر يَعْنِي حجَّته الأولى وَعَاد إِلَى الشَّام وَمَعَهُ ابْن الْقَابِض قلت فَلَمَّا رجعا مَعًا فِي حجَّة الْفَاضِل الأولى إِلَى الشَّام ثمَّ انْفَرد الْفَاضِل بِالْحَجِّ ثَانِيًا من الْعَام الْمقبل وَهُوَ سنة خمس وَسبعين وَتمّ لَهُ فِي رُجُوعه مَا تمّ كَاتبه بِالْكتاب الَّذِي سبق ذكره يصف لَهُ مَا لَقِي فِي رُجُوعه وَكَانَت حجَّة الْفَاضِل الأولى من مصر وَرجع إِلَى الشَّام وَكَانَت الثَّانِيَة من الشَّام وَرجع إِلَى مصر وَفِي هَذِه السّنة توفّي الْملك الْمَنْصُور حسن بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين وقبره الْقَبْر القبلي من الْقُبُور الْأَرْبَعَة بالقبة الَّتِي فِيهَا شاهنشاه بن أَيُّوب بالمقبرة النجمية بالعوينة ظَاهر دمشق قَالَ الْعِمَاد وفيهَا خَرجُوا إِلَى بعلبك لتسليمها إِلَى عز الدّين فرخشاه فسلكوا طَرِيق الرواديف وَهِي طَرِيق شاقة وفيهَا أغار عز الدّين على صفد ثامن عشر ذِي الْقعدَة وَكَانَ قد جمع لَهُم من رجال بانياس وَمَا حولهَا وَرجع غانما سالما قَالَ وَفِي مستهل ذِي الْقعدَة أَو ثَانِيه توفّي بِبَغْدَاد الْخَلِيفَة الإِمَام المستضيء بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ واستخلف وَلَده النَّاصِر لدين الله أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد وَكَانَ رَسُول السُّلْطَان ضِيَاء الدّين بن الشهرزوري حَاضرا فَحَضَرَ
следующие страницы →