Полный текст (1 810 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وباتت جَمِيع الفرنج محترسة وغدت مترسة فَمَا هِيَ إِلَّا أَن حذفت والجة على المينا وَفِيه المراكب والبضائع فاستولت على عدَّة من المراكب تحطيما وتكسيرا ونطاحا يقلقل وَلَو كَانَ ثبيرا وأخلت سَاحل الفرنج بقتالها وباشرت مثل المَاء بنزولها ونزالها وَهَذَا مِمَّا لم يعْهَد من الأسطول الإسلامي مثله فِي سالف الدَّهْر لَا فِي حَالَة قُوَّة إِسْلَام وَلَا ضعف كفر وَمِمَّا سَبيله أَن تطرز السّير الْكَرِيمَة بفخره كَمَا طرز الله الصَّحِيفَة الشَّرِيفَة بأجره
وَقتل على قلعة عكا ثَلَاثَة نفر بأليم السِّهَام أبعد مَا كَانُوا وقفُوا عَنْهَا وآمن مَا كَانُوا مِنْهَا فصرعتهم الْأَيْدِي والأفواه وخروا سجدا على الجباه سجودا لَا يرفعون مِنْهُ الرؤوس وَلَا ينتقلون مِنْهُ إِلَى حَالَة الْجُلُوس وَلَا يرفع فِيمَا يرفع لَهُم من عمل وَلَا لَهُم فِيهِ من قبْلَة وَلَا لَهُم بِهِ من قبل
وأقامت المراكب يَوْمَيْنِ تقَابلهَا وتقاتلها وتناضلها
فصل فِي بَاقِي حوادث هَذِه السّنة
مِنْهَا حجَّة الْفَاضِل الثَّانِيَة ووفاة الْخَلِيفَة المستضيء بِاللَّه وَغير ذَلِك
قَالَ الْعِمَاد وَفِي الْعشْر الْأَخير من شَوَّال خرج الْفَاضِل من دمشق إِلَى الْحَج ثمَّ عَاد إِلَى مصر من مَكَّة
قلت وقفت على نُسْخَة كتاب الْفَاضِل إِلَى الصفي بن الْقَابِض
стр. 947
يصف لَهُ مَا لَقِي فِي طَرِيقه إِلَى مصر وركوب الْبَحْر وَكَانَت جماله ذهبت بِمَكَّة فِي خَامِس عشر ذِي الْحجَّة فَقَالَ خرجنَا من مَكَّة شرفها الله يَوْم الْخَامِس وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَفِي هَذِه الْأَيَّام زَاد تبسط المفسدين وإسراف المسرفين وَظهر من هوان أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ وَمن ضعف نَفسه وانخفاض جنَاحه مَا أطمع الْمُفْسد وأخاف المصلح
ووصلنا إِلَى جدة يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وركبنا الْبَحْر يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين مِنْهُ وبتنا فِيهِ لَيْلَتي الْأَرْبَعَاء وَالْخَمِيس ورمتنا الرّيح إِلَى جَزِيرَة بِالْقربِ من بِلَاد الْيمن تسمى دبادب
وَكَانَت إِحْدَى الليلتين فِي الْبَحْر من ليَالِي الْبلَاء وَبِاللَّهِ أقسم لقد شَاب بعض رُؤُوس أَصْحَابنَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَأَيِسُوا من الْأَنْفس وتمنوا معاجلة الْأَمر وتقصير الْعَذَاب وظنوا أَنهم أحيط بهم وعاتبوا أنفسهم ثمَّ احْتَجُّوا عَلَيْهَا بالأقدار الَّتِي لَا حِيلَة فِيهَا
وصبرنا إِلَى أَن فرج الله سُبْحَانَهُ ونزلنا الْبَريَّة بِحَيْثُ لَا مَاء يشرب وَلَا جمل يركب وَنفذ إِلَى البجاة النازلين على سَاحل الْبَحْر فأحضروا جمالا ضَعِيفَة أجرتهَا أَكثر من ثمنهَا وَثمن مَا تحمله فَرَكبْنَا ووصلنا إِلَى عيذاب بعد عشرَة أَيَّام وَقد هلكنا ضعفا وتعبا وجوعا وعطشا لِأَن الْخلق كَانُوا كثيرا والزاد يَسِيرا
وركبنا الْبَريَّة من عيذاب إِلَى أسوان فَكَانَت أشق من كل طَرِيق سلكناها وَمن كل مَسَافَة قَطعْنَاهَا لأَنا وردنا المَاء فِي إِحْدَى عشرَة لَيْلَة مرَّتَيْنِ وَكَانَت الهمة قَاصِرَة فِي المزاد وَكَانَت الْبلوى عَظِيمَة فِي الْعَطش
فَأَما الحزون والوعر فَهِيَ تزيد على مَا فِي
стр. 948
بَريَّة الشَّام بِكَوْنِهَا طَرِيقا بَين جبلين كالدرب المتضايق والزقاق المتقارب وحر الشَّمْس شَدِيد وَقَرِيب الْوَعْد بَينهمَا بعيد ولطف الله إِلَى أَن وصلنا مصر فِي السَّابِع عشر من صفر
قلت وللوجيه ابْن الذروي فِي الْفَاضِل
(لَك الله إِمَّا حجَّة أَو وفادة ... فَمن مشْهد يُرْضِي الْإِلَه وموسم)
(ترى تَارَة بَين الصوارم والقنا ... وطورا ترى بَين الْحطيم وزمزم)
(وَكم لَك يَا عبد الرَّحِيم مآثر ... لَهَا فِي سَمَاء الْفَخر إشراق أنجم)
(كَأَنَّك لم تخلق لغير عبَادَة ... وَإِظْهَار فضل فِي الورى وتكرم)
قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة ظهر الْملك الْعَزِيز أَبُو الْفَتْح عُثْمَان عماد الدّين بن السُّلْطَان وَكَانَ أحب أَوْلَاده إِلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي قَامَ بتدبير الْملك بعده وَولد بِمصْر ثامن جُمَادَى الأولى سنة سبع وَسِتِّينَ وَخمْس مئة كَمَا سبق ذكره
وَكَانَ السُّلْطَان لما قدم الشَّام زَاد شوقه إِلَيْهِ فاستقدمه فَقدم عَلَيْهِ عَاشر رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين وَأنْشد الْعِمَاد السُّلْطَان عِنْد قدومه قصيدة مِنْهَا
(يَا أسدا يحمي عرين الْعلَا ... هنيت جمع الشمل بالشبل)
(عُثْمَان ذِي النورين بَين الورى ... من سؤدد سَام وَمن فضل)
(يحكيك إقداما وبأسا فَمَا ... أشبه هَذَا الْفَرْع بِالْأَصْلِ)
стр. 949
(مخايل الرشد على بشره ... شاهدة بِالْفَضْلِ والنبل)
(ملك قضى الله لَهُ أَنه ... على مُلُوك الأَرْض يستعلي)
(بِالْملكِ النَّاصِر سلطاننا ... طَالَتْ يَد الْإِحْسَان وَالْعدْل)
ثمَّ لم يُفَارِقهُ واستصحبه إِلَى مصر فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين ثمَّ عَاد بِهِ مَعَه إِلَى الشَّام فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَسبعين وَاتخذ لَهُ معلما من مصر وَهُوَ نجم الدّين يُوسُف بن الْحُسَيْن المجاور فَحصل من صحبته رزقا وَاسِعًا لَا سِيمَا فِي عَام الطّهُور فَإِنَّهُ عَم فِيهِ السرُور والحبور وَكَانَ مُتَوَلِّي الْإِنْفَاق فِي الطّهُور صفي الدّين بن الْقَابِض لِأَنَّهُ كَانَ مُتَوَلِّي الخزانة والديوان والأعمال بِدِمَشْق
قَالَ وَحج يَعْنِي ابْن الْقَابِض سنة أَربع وَسبعين وفيهَا حج
стр. 950
الْفَاضِل من مصر يَعْنِي حجَّته الأولى وَعَاد إِلَى الشَّام وَمَعَهُ ابْن الْقَابِض
قلت فَلَمَّا رجعا مَعًا فِي حجَّة الْفَاضِل الأولى إِلَى الشَّام ثمَّ انْفَرد الْفَاضِل بِالْحَجِّ ثَانِيًا من الْعَام الْمقبل وَهُوَ سنة خمس وَسبعين وَتمّ لَهُ فِي رُجُوعه مَا تمّ كَاتبه بِالْكتاب الَّذِي سبق ذكره يصف لَهُ مَا لَقِي فِي رُجُوعه
وَكَانَت حجَّة الْفَاضِل الأولى من مصر وَرجع إِلَى الشَّام وَكَانَت الثَّانِيَة من الشَّام وَرجع إِلَى مصر
وَفِي هَذِه السّنة توفّي الْملك الْمَنْصُور حسن بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين وقبره الْقَبْر القبلي من الْقُبُور الْأَرْبَعَة بالقبة الَّتِي فِيهَا شاهنشاه بن أَيُّوب بالمقبرة النجمية بالعوينة ظَاهر دمشق
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا خَرجُوا إِلَى بعلبك لتسليمها إِلَى عز الدّين فرخشاه فسلكوا طَرِيق الرواديف وَهِي طَرِيق شاقة
وفيهَا أغار عز الدّين على صفد ثامن عشر ذِي الْقعدَة وَكَانَ قد جمع لَهُم من رجال بانياس وَمَا حولهَا وَرجع غانما سالما
قَالَ وَفِي مستهل ذِي الْقعدَة أَو ثَانِيه توفّي بِبَغْدَاد الْخَلِيفَة الإِمَام المستضيء بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ واستخلف وَلَده النَّاصِر لدين الله أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد
وَكَانَ رَسُول السُّلْطَان ضِيَاء الدّين بن الشهرزوري حَاضرا فَحَضَرَ
стр. 951
وَبَايع وَأخْبر بجلية الْحَال فبادر السُّلْطَان إِلَى الْخطْبَة لَهُ فِي جَمِيع الْبِلَاد وَمضى صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ عبد الرَّحِيم بن إِسْمَاعِيل من بَغْدَاد رَسُولا إِلَى بهلوان وألزمه حَتَّى خطب بهمذان وأصفهان وعمت الدعْوَة الهادية فِي جَمِيع بِلَاد خُرَاسَان
ثمَّ لما رَجَعَ شيخ الشُّيُوخ جَاءَ إِلَيْنَا رَسُولا فِي سنة سِتّ وَسبعين وَأَخذه السُّلْطَان مَعَه إِلَى مصر وَحج مِنْهَا وَركب الْبَحْر كَمَا سَيَأْتِي ذكره
وللعماد فِي مدح الإِمَام النَّاصِر قصائد مِنْهَا قصيدة بائية مدحه بهَا سنة فتح الْقُدس وَسَيَأْتِي مِنْهَا أَبْيَات عِنْد ذكر فَتحه وَمِنْهَا
(الدَّهْر ينصرني مَا دَامَ ينسبني ... لخدمة النَّاصِر الْمَنْصُور نساب)
(بِطَاعَة النَّاصِر بن المستضيء أبي الْعَبَّاس ... أَحْمد للأيام إصحاب)
وَقَالَ مُحَمَّد بن القادسي فِي تذييل تَارِيخ أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ
стр. 952
مولد المستضيء ثَالِث عشري شعْبَان من سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَكَانَت خِلَافَته تسع سِنِين وَسِتَّة أشهر وواحدا وَعشْرين يَوْمًا
بُويِعَ تَاسِع ربيع الآخر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَكَانَ كَرِيمًا رحوما بارا بالرعية يعْفُو عَن الجرائم الْكِبَار عادلا
ظهر يَوْم مبايعته من رد الْمَظَالِم والأملاك المقبوضة والإفراج عَن المسجونين وَإِسْقَاط الضرائب والمكوس مَا شاع واشتهر
قَالَ وَتقدم إِلَى شيخ الشُّيُوخ عبد الرَّحِيم وَإِلَى عبد الرَّحْمَن بن الْجَوْزِيّ فَصَليَا عَلَيْهِ
ثمَّ بَايع النَّاصِر أَخُوهُ الْأَمِير أَبُو مَنْصُور هَاشم ثمَّ بَنو أَعْمَامه وخواصه ثمَّ الْوُلَاة وأرباب المناصب والأعيان والوافدون لِلْحَجِّ من بِلَاد خُرَاسَان وَغَيرهم
وَكَانَ وَالِده المستضيء قد عهد إِلَيْهِ قبل وَفَاته بِيَوْم وَاحِد
قلت كَذَا نقلته من خطه وَلَعَلَّه أَرَادَ بأسبوع وَاحِد فَسبق بِهِ قلمه فَإِن ابْن الدبيثي ذكر أَنه خطب للناصر بِولَايَة الْعَهْد يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي وَالْعِشْرين من شَوَّال
ثمَّ قَالَ ابْن القادسي وَفِي سَابِع ذِي الْقعدَة قبض على صَاحب المخزن ظهير الدّين أبي بكر بن الْعَطَّار ووكل بِهِ وتتبع أَصْحَابه وَمن يتَعَلَّق بِهِ
стр. 953
وَقتل النَّقِيب مَسْعُود الَّذِي كَانَ بَين يَدَيْهِ وَكَانَ أحد الأعوان بِبَاب النوبي قد نزعت الرَّحْمَة من قلبه فَقطع قطعا وربط فِي رجله حَبل وسحبته الْعَامَّة فِي الدروب ثمَّ أحرق بعد ذَلِك
قَالَ وَفِي حادي عشره حمل ابْن الْعَطَّار مَيتا وَعلم بِهِ الْعَامَّة فرجموا تابوته بالآجر فَأَلْقَاهُ الحمالون وهربوا فَأَخذه الْعَامَّة وشدوا فِي رجله شريطا وسحب فِي جَمِيع بَغْدَاد ومنافذها ودروبها ومحالها وَقطع لَحْمه قطعا
قَالَ وَتوجه شيخ الشُّيُوخ أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحِيم إِلَى البهلوان بن إيلدكز شحنة همذان لأجل الْخطْبَة فتوقف عَن ذَلِك فهاجت الْعَامَّة عَلَيْهِ ووثب أهل الْمَذْكُور وخطبوا
وَجَاء كتاب شيخ الشُّيُوخ إِلَى الدِّيوَان سطرها فلَان وَالْحَال فِي الجنوح كقصة نوح من قَرَأَ السُّورَة عرف الصُّورَة
قَالَ وَفِي هَذِه السّنة اشْتَدَّ الغلاء وَكثر الوباء بِبَغْدَاد وَغَيرهَا من الْبِلَاد وَذكر أَن رجلا بواسط ذبح بِنْتا لَهُ وأكلها وَآخر بقر بطن صبي وَأخذ كبده وشواها وأكلها
قَالَ وَفِي رَابِع عشر ربيع الآخر زلزلت الأَرْض بعد الْعَتَمَة فَوق بِلَاد
стр. 954
إربل فَلَمَّا أصبح النَّاس عَادَتْ الزلزلة فِي الْجبَال فتصادمت وَوَقع مِنْهَا الْحِجَارَة وَسَقَطت قلاع كَثِيرَة وَهَلَكت قرى بِمن فِيهَا وَكَانَ يكون بَين الْجمل والجمل عشرُون ذِرَاعا فتقذفهما الزلزلة فيتصادمان ويعودان إِلَى مكانهما
قَالَ ابْن أبي طي وفيهَا أحرق الإسماعيلية أسواق حلب وافتقر أَهلهَا بذلك وَكَانَت إِحْدَى الجوائح الَّتِي أَصَابَت حلب وَأَهْلهَا
قَالَ وفيهَا خرج قراقوش التقوي إِلَى طرابلس الْمغرب فَفتح بلادا وَصلى حروبا مَعَ إِبْرَاهِيم السِّلَاح دَار الَّذِي دخل بِلَاد الْمغرب أَيْضا من أَصْحَاب تَقِيّ الدّين لِأَن نَفسه أطمعته أَن يفعل فعل قراقوش فِي تملك الْبِلَاد ثمَّ أصلح بَينهمَا
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وَخمْس مئة
وفيهَا توفّي الْحَافِظ أَبُو طَاهِر السلَفِي ﵀ بالإسكندرية وَقد زرت قَبره بهَا دَاخل الْبَاب الْأَخْضَر
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا هادن السُّلْطَان صَلَاح الدّين الفرنج وَتوجه إِلَى بلد
стр. 955
الرّوم فَأصْلح بَين نور الدّين مُحَمَّد بن قَرَأَ أرسلان بن دَاوُد بن أرتق صَاحب حصن كيفا وَبَين زوج ابْنَته السُّلْطَان عز الدّين قليج أرسلان بن مَسْعُود بن قليج أرسلان واجتمعوا على نهر يُقَال لَهُ كوك سو وَكَثُرت ثمَّ الْهَدَايَا والدعوات والأفراح والهبات
وفيهَا دخل السُّلْطَان بِلَاد الأرمن لقلع ملكهم ابْن لاون لِأَنَّهُ كَانَ استمال قوما من التركمان حَتَّى يرعوا فِي مرَاعِي بِلَاده بالأمان ثمَّ صبحهمْ بغدره وحصلوا بأسرهم فِي أسره
فَدخل السُّلْطَان بِلَاده وأذل أعوانه وأجناده وَنصر الله الْمُسلمين بِالرُّعْبِ فَأحرق من الْخَوْف قلعة شامخة تعرف بالمانقير وبادر الْمُسلمُونَ إِلَى إِخْرَاج مَا فِيهَا من الْآلَات والغلات فَتَقووْا بهَا وتمموا هدمها إِلَى الأساس
стр. 956
قَالَ ابْن أبي طي وَوجد الْمُسلمُونَ فِي أرْضهَا صهريجا مملوءا آلَات نُحَاس وَفِضة وَذهب لَهَا زمن طَوِيل
قَالَ وبذل للسُّلْطَان جملَة من المَال وَأَنه يُطلق من عِنْده من الْأُسَارَى
فَلم يرض السُّلْطَان بِمَا بذله فَزَاد فِي المَال وَأَنه يَشْتَرِي خمس مئة أَسِير من بِلَاد الفرنج ويعتقهم فَأجَاب السُّلْطَان وَأخذ مِنْهُم رهينة على ذَلِك
قَالَ الْعِمَاد وأذعن الأرمني وذل وَأطلق مَا بِيَدِهِ من الْأُسَارَى وَرجع السُّلْطَان مؤيدا منصورا وَوصل إِلَى حماة فِي أَوَاخِر جُمَادَى الْآخِرَة
وَكَانَ الْجمال الوَاسِطِيّ أَبُو غَالب مُحَمَّد بن سُلْطَان بن الْخطاب المقرئ شَاهدا هَذِه الْغُزَاة فنظم قصيدة فِي السُّلْطَان مِنْهَا
(لقد جمل الله مِنْك الورى ... بأوفى مليك وَفِي هجان)
(تهش إِلَى نغمات السيوف ... فِي الْهَام لَا نغمات القيان)
(أزرت ابْن لاون لأواءه ... فأضحى بِهِ خَبرا عَن عيان)
(ودان من الذل لَا يرعوي ... حذارا من الراعفات اللدان)
(فَلَا قدم عِنْده للثبات ... وَلَيْسَ لَهُ بسطاكم يدان)
стр. 957
(وأخلى لهيبتك المانقير ... وغادر للهدم تِلْكَ المباني)
(وَأرْسل بالأسراء العناة ... يسْأَل إِطْلَاقه فَهُوَ عاني)
(رتقت بعزمك والمكرمات ... فتوقا من الأرتقي الهجان)
(ورعت ابْن سلجق فِي ملكه ... فقعقع من رعبه بالشنان)
قَالَ وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى حمص وخيم بالعاصي أَتَاهُ الْفَقِيه مهذب الدّين عبد الله بن أسعد الْموصِلِي وأنشده وَله فِي السُّلْطَان مدائح مِنْهَا قصيدة غراء مطْلعهَا
(أما وجفونك المرضى الصِّحَاح ... وسكرة مقلتيك وَأَنت صاحي)
(لقد أَصبَحت فِي العشاق فَردا ... كَمَا أَصبَحت فَردا فِي الملاح)
(يهز الْغُصْن فَوق نقى ويرنو ... بِحَدّ ظبى ويبسم عَن أقاح)
(وَقد غرس الْقَضِيب على كثيب ... فأثمر بالظلام وبالصباح)
(وَمَال مَعَ الوشاة وَلَا عَجِيب ... لغصن أَن يمِيل مَعَ الرِّيَاح)
(قَطعنَا اللَّيْل فِي عتب وشكوى ... إِلَى أَن قيل حَيّ على الْفَلاح)
(ولاح الصُّبْح يَحْكِي فِي سناه ... صَلَاح الدّين يُوسُف ذَا الصّلاح)
(وَلما ضَاقَ حد عَن مداه ... لقيناه بآمال فساح)
стр. 958
(فَمن هرم وَكَعب وَابْن سعدى ... رعاء الشَّاء وَالنعَم المراح)
(جواد بالبلاد وَمَا حوته ... إِذا جادوا بألبان اللقَاح)
(ليفد حَيَاء وَجهك كل وَجه ... إِذا سُئِلَ الندى جهم وقاح)
(مُلُوك جلهم مغرى بظُلْم ... ومشغول بلهو أَو مزاح)
(إِذا مَا جالت الْأَبْطَال ولى ... وَيقدم نَحْو حائلة الوشاح)
(وبون بَين مَالك بَيت مَال ... وَمَالك رق أَمْلَاك النواحي)
(هم جمعُوا وَقد فرقت لَكِن ... جمعت بِهِ الرِّجَال مَعَ السِّلَاح)
(وَمَا خضع الفرنج لديك حَتَّى ... رَأَوْا مَا لَا يُطَاق من الكفاح)
(وَمَا سألوك عقد الصُّلْح ودا ... وَلَكِن خوف معلمة رداح)
(مَلَأت بِلَادهمْ سهلا وحزنا ... أسودا تَحت غابات الرماح)
стр. 959
وَقَالَ ابْن شَدَّاد لما عَاد السُّلْطَان بعد الكسرة يَعْنِي كسرة الرملة إِلَى الديار المصرية وَأقَام فِيهَا ريثما لم النَّاس شعثهم وَعلم تخبط الشَّام عزم على الْعود إِلَيْهِ وَكَانَ عوده للغزاة فوصله رسل قليج أرسلان يَلْتَمِسُونَ مِنْهُ الْمُوَافقَة ويستغيث إِلَيْهِ من الأرمن
فَاشْتَمَلَ نَحْو بِلَاد ابْن لاون لنصرة قليج أرسلان عَلَيْهِ وَنزل بقراحصار وَأخذ عَسْكَر حلب فِي خدمته لِأَنَّهُ كَانَ قد اشْترط فِي الصُّلْح ذَلِك واجتمعوا على نهر الْأَزْرَق بَين بهسنى وحصن مَنْصُور وَعبر مِنْهُ إِلَى النَّهر الْأسود طرف بِلَاد ابْن لاون فَأخذ مِنْهُم حصنا وأخربه وبذلوا لَهُ أُسَارَى والتمسوا مِنْهُ الصُّلْح وَعَاد عَنْهُم
ثمَّ راسله قليج أرسلان فِي صلح الشرقيين بأسرهم وَاسْتقر الصُّلْح فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَسبعين وَدخل فِي الصُّلْح قليج أرسلان والمواصلة وَأهل ديار بكر وَكَانَ ذَلِك على نهر سنجة
стр. 960
وَهُوَ نهر يَرْمِي إِلَى الْفُرَات وَسَار السُّلْطَان نَحْو دمشق
فصل فِي وَفَاة صَاحب الْموصل
قَالَ الْعِمَاد وَفِي أَوَائِل هَذِه السّنة توفّي صَاحب الْموصل سيف الدّين غَازِي بن مودود بن زنكي وَالسُّلْطَان مخيم على كوك سو من حُدُود بِلَاد الرّوم وَجلسَ مَكَانَهُ أَخُوهُ عز الدّين مَسْعُود بن مودود
وَجَاء رَسُول مُجَاهِد الدّين قايماز وَهُوَ الشَّيْخ الْفَقِيه فَخر الدّين أَبُو شُجَاع بن الدهان الْبَغْدَادِيّ إِلَى السُّلْطَان يطْلب مِنْهُ أَن يكون مَعَه كَمَا كَانَ مَعَ أَخِيه من إبْقَاء سروج والرها والرقة وحران والخابور ونصيبين فِي يَده فَلم يفعل السُّلْطَان
وَقد كَانَت لَهُ بِإِطْلَاق الْخَلِيفَة وَإِنَّمَا جعلهَا فِي يَد سيف الدّين غَازِي بالشفاعة على شَرط أَن يُقَوي السُّلْطَان بالعساكر
فَلَمَّا مَاتَ سيف الدّين كتب السُّلْطَان إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر يُعلمهُ بذلك وَأَن هَذِه الْبِلَاد لم يزل يتقوى بهَا ثغر الشَّام
ففوضت إِلَيْهِ على مَا أَرَادَ
وَكَانَ الْكتاب إِلَى صدر الدّين عبد الرَّحِيم شيخ الشُّيُوخ من إنْشَاء
стр. 961
الْعِمَاد وَفِيه قد عرف اختصاصنا من الطَّاعَة والعبودية للدَّار العزيزة النَّبَوِيَّة بِمَا لم يخْتَص بِهِ أحد وامتدت الْيَد منا فِي إِقَامَة الدعْوَة الهادية بِمصْر واليمن وَالْمغْرب بِمَا لم تمتد إِلَيْهِ يَد وأزلنا من الأقاليم الثَّلَاثَة ثَلَاثَة أدعيا وخلفناهم للردى حَيْثُ دعوا بِلِسَان الغواية خلفا
وَلَا خَفَاء أَن مصر إقليم عَظِيم وبلد كريم بقيت مئتين وَخمسين سنة مضيمة وعانت كل هضيمة وعاينت كل عَظِيمَة حَتَّى أنقذها الله بِنَا من عبيد بني عبيد وأطلقها بمطلقات أعنتنا إِلَيْهَا من عناء كل قيد وفيهَا شيعَة الْقَوْم وهم غير مأموني الشَّرّ إِلَى الْيَوْم
وَطَوَائِف أقاليم الرّوم والفرنج من الْبر وَالْبَحْر بهَا مطيفة فَمن حَقّهَا أَن يتوفر عسكرها فَلَو حصل وَالْعِيَاذ بِاللَّه فتق لأعضل رتقه واتسع على الراقع خرقه
واحتجنا لحفظ بِلَاد الشَّام وثغور الْإِسْلَام إِلَى اسْتِصْحَاب الْعَسْكَر الْمصْرِيّ إِلَيْهَا وَله مُدَّة خمس سِنِين فِي بيكارها منتقما من كفارها متحملا لمشاقها على غلاء أسعارها
وَإِنَّمَا أحْوج إِلَى ذَلِك أَن بِلَاد هَذَا الثغر قد اقتطعت عَنهُ وعساكرها أخذت مِنْهُ وَكَانَت فِي تولي نور الدّين ﵀
ثمَّ ذكرهَا كَمَا سبق ففوضت إِلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي
وَقَالَ ابْن الْأَثِير توفّي سيف الدّين يَوْم الْأَحَد ثَالِث صفر سنة سِتّ وَسبعين وَكَانَ مَرضه السل وَطَالَ بِهِ
قَالَ وَمن الْعَجَائِب أَن النَّاس لما خَرجُوا يستسقون بالموصل سنة
стр. 962
خمس وَسبعين للغلاء الْحَادِث فِي الْبِلَاد خرج سيف الدّين فِي موكبه فثار النَّاس وقصدوه مستغيثين بِهِ وطلبوا مِنْهُ أَن يَأْمر بِالْمَنْعِ من بيع الْخمر فأجابهم إِلَى ذَلِك
فَدَخَلُوا الْبَلَد وقصدوا مسَاكِن الخمارين وخربوا أَبْوَابهَا ونهبوها وأراقوا الْخُمُور وكسروا الْأَوَانِي وَعمِلُوا مَا لَا يحل
فاستغاث أَصْحَاب الدّور إِلَى نواب السُّلْطَان وخصوا بالشكوى رجلا من الصَّالِحين يُقَال لَهُ أَبُو الْفرج الدقاق وَلم يكن لَهُ فِي الَّذِي فعله النَّاس من النهب فعل إِنَّمَا هُوَ أراق الْخُمُور وَلما رأى فعل الْعَامَّة نَهَاهُم فَلم يسمعوا مِنْهُ
فَلَمَّا شكي أحضر بالقلعة وَضرب على رَأسه فَسَقَطت عمَامَته فَلَمَّا أطلق لينزل من القلعة نزل مَكْشُوف الرَّأْس فأرادوا تغطيته بعمامته فَلم يفعل وَقَالَ وَالله لَا غطيته حَتَّى ينْتَقم الله لي مِمَّن ظَلَمَنِي
فَلم يمض غير قَلِيل حَتَّى توفّي الدزدار الْمُبَاشر لأذاه ثمَّ بعقبه مرض سيف الدّين ودام مَرضه إِلَى أَن توفّي
وَكَانَ عمره نَحْو ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَت ولَايَته عشر سِنِين وشهورا
وَكَانَ من أحسن النَّاس صُورَة تَامّ الْقَامَة مليح الشَّمَائِل أَبيض اللَّوْن مستدير اللِّحْيَة متوسط الْبدن بَين السمين والدقيق
وَكَانَ عَاقِلا وقورا قَلِيل الِالْتِفَات إِذا ركب وَإِذا جلس عفيفا لم يذكر عَنهُ شَيْء من الْأَسْبَاب الَّتِي تنَافِي الْعِفَّة
وَكَانَ غيورا شَدِيد الْغيرَة لم يتْرك أحدا من الخدم يدْخل دور نِسَائِهِ إِذا كبر إِنَّمَا يدْخل عَلَيْهِنَّ الخدم الصغار
وَكَانَ لَا يحب سفك الدِّمَاء وَلَا أَخذ الْأَمْوَال مَعَ شح فِيهِ
قَالَ وَلما اشْتَدَّ مَرضه أَرَادَ أَن يعْهَد بِالْملكِ لوَلَده معز الدّين سنجرشاه فخاف من ذَلِك لِأَن صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب كَانَ قد
стр. 963
تمكن بِالشَّام وقويت شوكته وَامْتنع أَخُوهُ عز الدّين من الإذعان والإجابة إِلَى ذَلِك فَأَشَارَ الْأُمَرَاء الْكِبَار وَمُجاهد الدّين قايماز بِأَن يَجْعَل الْملك بعده لِأَخِيهِ لما هُوَ عَلَيْهِ من كبر السن والشجاعة وَالْعقل وَقُوَّة النَّفس وَحسن سياسة الْملك وَأَن يُعْطي ابنيه بعض الْبِلَاد وَيكون مرجعهما إِلَى عَمهمَا عز الدّين ليبقى لَهما ذَلِك
فَفعل ذَلِك وَحلف النَّاس لِأَخِيهِ
فَلَمَّا توفّي سيف الدّين كَانَ مُجَاهِد الدّين هُوَ الْمُدبر للدولة والنائب فِيهَا والمرجع إِلَى قَوْله ورأيه فَركب إِلَى الْخدمَة العزية وَعَزاهُ وَركبهُ إِلَى دَار المملكة وَمَشى فِي ركابه رَاجِلا فَدَخلَهَا وَجلسَ للعزاء
وَكَانَت الرّعية تخافه قبل أَن يملك لإقدامه وجرأته وحدة كَانَت فِيهِ وَكَانَ لَا يلْتَفت إِلَى أَخِيه سيف الدّين إِذا أَرَادَ أمرا فَلَمَّا تولى تَغَيَّرت أخلاقه وَصَارَ رَفِيقًا بالرعية محسنا إِلَيْهِم قَرِيبا مِنْهُم
قَالَ ابْن شَدَّاد وَفِي عَاشر الْمحرم سنة سِتّ وَسبعين بلغ الْملك الصَّالح بن نور الدّين عصيان غرس الدّين قليج بتل خَالِد فَأخْرج إِلَيْهِ الْعَسْكَر ثمَّ بلغه وَفَاة ابْن عَمه صَاحب الْموصل ثَالِث صفر
فصل فِي وَفَاة شمس الدولة بن أَيُّوب أخي السُّلْطَان الْأَكْبَر وقدوم رسل الدِّيوَان بالتفويض إِلَى السُّلْطَان مَا طلبه
قَالَ ابْن أبي طي كَانَ السُّلْطَان قد أنفذ أَخَاهُ شمس الدولة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَجعل إِلَيْهِ ولايتها فَلَمَّا حصل بهَا لم توافقه وَكَانَ يعتاده
стр. 964
القولنج فَهَلَك بِهِ وَدفن بقصر الْإسْكَنْدَريَّة
وَكَانَ أحد الأجواد الكرماء الْأَفْرَاد شجاعا باسلا عَظِيم الهيبة كَبِير النَّفس وَاسع الصَّدْر ممدحا فِيهِ يَقُول ابْن سَعْدَان الْحلَبِي من قصيدة
(هُوَ الْملك إِن تسمع بكسرى وَقَيْصَر ... فَإِنَّهُمَا فِي الْجُود والبأس عبداه)
(وَمَا حَاتِم مِمَّن يُقَاس بِمثلِهِ ... فَخذ مَا رَأَيْنَاهُ ودع مَا روينَاهُ)
(ولذ بذراه مستجيرا فَإِنَّهُ ... يجيرك من جور الزَّمَان وعدواه)
(فَلَا تتحمل للسحائب منَّة ... إِذا هطلت جودا سحائب جدواه)
(وَيُرْسل كفيه بِمَا اشتق مِنْهُمَا ... فلليمن يمناه ولليسر يسراه)
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا فِي الْمحرم توفّي بثغر الْإسْكَنْدَريَّة تورانشاه أَخُو صَلَاح الدّين وَوصل الْخَبَر بذلك إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ نَازل بِظَاهِر حمص فَحزن عَلَيْهِ حزنا شَدِيدا وَجعل يكثر إنشاد أَبْيَات المراثي وَكَانَ كتاب الحماسة من حفظه وَكَانَ صَلَاح الدّين لما ملك مصر أرْسلهُ إِلَى الْيمن فملكها ثمَّ استناب فِيهَا وَقدم الشَّام سنة إِحْدَى وَسبعين فَلَمَّا وصل تيماء جَاءَ مِنْهُ كتاب وَفِيه أَبْيَات لشاعره ابْن المنجم مِنْهَا
(فَهَل لأخي بل مالكي علم أنني ... إِلَيْهِ وَإِن طَال التَّرَدُّد رَاجع)
(وَإِنِّي بِيَوْم وَاحِد من لِقَائِه ... لملكي على عظم المزية بَائِع)
(وَلم يبْق إِلَّا دون عشْرين لَيْلَة ... وتجني المنى أبصارنا والمسامع)
(لَدَى ملك تعنو الْمُلُوك إِذا بدا ... وتخشع إعظاما لَهُ وَهُوَ خاشع)
стр. 965
(كتبت وأشواقي إِلَيْك بِبَعْضِهَا ... تعلمت النوح الْحمام السواجع)
(وَمَا الْملك إِلَّا رَاحَة أَنْت زندها ... تضم على الدُّنْيَا وَنحن الْأَصَابِع)
قلت وقبر تورانشاه الْآن بالتربة الحسامية بالعوينة ظَاهر دمشق نقلته إِلَيْهَا أُخْته سِتّ الشَّام بنت أَيُّوب وَبنت الْقبَّة عَلَيْهِ وعَلى زَوجهَا نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه وَهُوَ ابْن عَمها وعَلى قبرها وقبر ابْنهَا حسام الدّين عمر بن لاجين وَسَيَأْتِي ذكره وَإِلَيْهِ تنْسب التربة فَهِيَ ثَلَاثَة قُبُور القبلي لتورانشاه والأوسط لِابْنِ شيركوه والشامي لست الشَّام وَابْنهَا ﵏
قَالَ الْعِمَاد وفيهَا فِي رَجَب وصلت رسل الدِّيوَان الْعَزِيز الناصري صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحِيم وَمَعَهُ شهَاب الدّين بشير الْخَاص بالتفويض والتقليد والتشريف الْجَدِيد فتلقيناهم بالتعظيم
стр. 966
والتمجيد وَركب السُّلْطَان للتلقي وعَلى صفحاته بشائر الترقي فَلَمَّا ترَاءى لَهُ الرُّسُل الْكِرَام وَوَجَب لَهُ الإجلال والإعظام نزل وترجل وَأبْدى الخضوع وتوجل وَنزل الرُّسُل إِلَيْهِ وسلموا عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْهِ فَتقبل الْفَرْض وَقبل الأَرْض ثمَّ ركبُوا ودخلوا الْمَدِينَة
قَالَ ابْن أبي طي وَكَانَت هَذِه أول خلعة قدمت من الإِمَام النَّاصِر على الْملك النَّاصِر وَكَانَت ثوب أطلس أسود وَاسع الْكمّ مَذْهَب وبقيار أسود مَذْهَب وطيلسان أسود مَذْهَب ومشدة سَوْدَاء مذهبَة وطوق وتخت وسرفسار وجواد كميت من مراكب الْخَلِيفَة عَلَيْهِ سرج أسود وسلال أسود وطوق مجوهر وقصبة ذهب وَعلم أسود وعدة خُيُول وبقج وَركب السُّلْطَان بالخلعة وزينت لَهُ دمشق وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما
قَالَ الْعِمَاد وظفر السُّلْطَان من صدر الدّين بصديق صَدُوق وَكَانَ قد عزم على قصد الديار المصرية وسلوك طَرِيق أَيْلَة والبرية فَحسن لشيخ الشُّيُوخ مصاحبته ورغبه فِي زِيَارَة قبر الشَّافِعِي ﵁ فَقَالَ قد عزمت فِي هَذِه السّنة على الْحَج فَأصل مَعكُمْ إِلَى الْقَاهِرَة بِشَرْط إِقَامَة يَوْمَيْنِ وَلَا أدخلها وَإِنَّمَا أسكن بالتربة الشَّافِعِيَّة وأسير مِنْهَا إِلَى بَحر عيذاب
стр. 967
فلعلي أدْرك صَوْم رَمَضَان بِمَكَّة
فالتزم لَهُ ذَلِك وَأعَاد أَصْحَابه إِلَى بَغْدَاد ليأتوه من طريقها إِلَى الْحجاز وَرجع شهَاب الدّين بشير فِي جَوَاب رسَالَته وَمَعَهُ رَسُوله ضِيَاء الدّين الشهرزوري وَأَنْشَأَ الْعِمَاد كتابا فِي الْجَواب إِلَى الدِّيوَان وَفِيه وَقد توجه الْخَادِم إِلَى الديار المصرية لتجديد النّظر فِيهَا ثمَّ يستخير الله فِي الْحَج وأدائه وَيعود إِلَى مجاهدة أعدائه
فصل فِي رُجُوع السُّلْطَان إِلَى مصر مرّة ثَانِيَة
قَالَ الْعِمَاد وَلما عزم السُّلْطَان على الرحيل استناب بِالشَّام ابْن أَخِيه عز الدّين فرخشاه وَكَانَ عَزِيز الْمثل غزير الْفضل
وَقَالَ فِيهِ الْعِمَاد عِنْد توديعه قصيدة مِنْهَا
(أسأَل الله ذَا الْعلَا أَن تعيشا ... ألف عَام لنصره مستجيشا)
وَمِنْهَا
(مَا أكدي شَيْئا سوى فَرْوَة مِنْك ... وأبغي لسفرتي إكديشا)
стр. 968
(كَيفَ يَخْلُو من دفء ظهر وَظهر ... سالك طرق أَيْلَة والعريشا)
ووقفت على ثَلَاثَة كتب للفاضل عَن الْملك الْعَادِل إِلَى الْوُلَاة بِالْيمن يعلمهُمْ أَن مُلُوك الشرق قد دخلُوا فِي طَاعَة السُّلْطَان وَأَنه عازم على الْقدوم إِلَى مصر وَصَوْم رَمَضَان بهَا وَالْحج إِلَى بَيت الله الْحَرَام مِنْهَا وَيَأْمُرهُمْ بالاستكثار مِمَّا يحمل لأَجله إِلَى مَكَّة من المَال والأزواد وَالْخلْع مِمَّا تشْتَمل عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَعْمَال
ووقفت على كتابين أُخْرَيَيْنِ أَحدهمَا إِلَى أَمِير مَكَّة وَالْآخر إِلَى أَمِير يَنْبع يعلمهما بذلك ليتأهبا لقدومه
ووقفت على كتاب سادس للفاضل إِلَى السُّلْطَان فِي ذَلِك يَقُول فِيهِ جعل الله الْمُلُوك ذمَّة لسيفه وشرد مَنَام الْأَعْدَاء مِنْهُم بطيفه وَأمن أهل الْإِسْلَام بعدله من جور الدَّهْر وحيفه وأشهده موقف الْحَج الْأَكْبَر وزان بمحضره مشْهد خيفه وَجعل وفده الأكرم وضيف بَيته منتظمين فِي هَذِه السّنة فِي وفده وضيفه
ثمَّ هنأه بِمَا فتح الله عَلَيْهِ من محبَّة الْجِهَاد وَمَا أَثَره فِي بِلَاد الأرمن وَغَيرهَا من الْبِلَاد وَمَا تبع ذَلِك من نِيَّة الْحَج بلغه الله مِنْهُ المُرَاد
стр. 969
وَدخُول السُّلْطَان بِلَاد الأرمن كَانَ فِي هَذِه السّنة كَمَا سبق فَلَعَلَّهُ سنح لَهُ الْحَج مَعَ شيخ الشُّيُوخ ثمَّ حصل لَهُ مَا مَنعه مِنْهُ
قَالَ الْعِمَاد ورحل السُّلْطَان إِلَى مصر يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن عشر رَجَب وَمَعَهُ صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ كَمَا ذكر وَتوجه مِنْهَا إِلَى مَكَّة على الْبَحْر فَأدْرك الصَّوْم
قَالَ الْعِمَاد ووصلنا إِلَى الْقَاهِرَة على طَرِيق أَيْلَة ثَالِث عشر شعْبَان واستقبلنا أَهلهَا ولقينا الأكابر والأعيان وَالْملك الْعَادِل أَخُو السُّلْطَان حِينَئِذٍ بهَا نَائِبه وتلقتنا مواكبه ومواهبه وخدمته بقصيدة ذكرت فِيهَا الْمنَازل والمناهل من يَوْم الرحيل من دمشق إِلَى الْوُصُول بِالْقَاهِرَةِ مِنْهَا
(أحبة قلبِي طَال ليلِي بعدكم ... أسى فَمَتَى ألْقى بوجهكم الفجرا)
(فقدت حَياتِي مذ فقدت لقاءكم ... فَهَل لحياتي مِنْكُم نشأة أُخْرَى)
(أجيران جيرون المجيرين جارهم ... من الْجور حوزوا فِي مشوقكم الأجرا)
(محبكم قد خانه الصَّبْر فَاطْلُبُوا ... محبا سواهُ عَنْكُم يحسن الصبرا)
(ومذ غبت عَن مقرى مقري قد نبا ... سقى ورعى رَبِّي مقري فِي مقرى)
(أحن إِلَى عذرا وعذري وَاضح ... لِأَن الْهوى العذري مني فِي عذرا)
стр. 970
(إِن الْقدر المحتوم من جلق بِنَا ... إِلَى مصر أسرى فالقلوب بهَا أسرى)
(رحلنا فَمَا باحت بأسرارنا سوى ... عبارَة عين خوف يَوْم النَّوَى عبرى)
(تركنَا دمشقا والجنان وَرَاءَنَا ... وقدامنا بالكسوة الرّفْقَة السفرا)
(وَجِئْنَا إِلَى المرج الَّذِي طَابَ نشره ... فَلَا زَالَ من أحبابنا طيبا نشرا)
(رحلنا بمرج الصفر العيس غدْوَة ... فسارت وحطت فِي محجتها ظهرا)
(وَقد قطعت تبنى إِلَى الدَّيْر بعْدهَا ... وَمَا عرست حَتَّى أناخت على بصرى)
(نزلنَا الدناح والجلاعب بعْدهَا ... وبعدهما غدر البشامية الغزرا)
(وَرَأس الحسا والقريتين وَكلهَا ... موارد فِيهَا السحب قد غادرت غدرا)
(وردنا من الزَّيْتُون حسمى وأيلة ... وجزنا عقَابا كَانَ مسلكها وعرا)
(إِلَى قلتة الرَّاعِي إِلَى نابع إِلَى ... جراول فالنخل الَّذِي لم يزل قفرا)
(إِلَى منزل فِي رَوْضَة الْجمل اغتدت ... بِهِ عيسنا فِي صدر شَارِحه صَدرا)
(وَدون حثا لما حثثنا رِكَابنَا ... عُيُون لمُوسَى لم يزل مَاؤُهَا مرا)
(هُنَاكَ تلقانا الْوُفُود ببرهم ... فسروا بِنَا نفسا وَزَادُوا بِنَا بشرا)
стр. 971
(قَطعنَا إِلَى بَحر الندى بَحر قلزم ... وَمن قَصده بَحر الندى يقطع البحرا)
(عبرنا إِلَى من كاثر الرمل جوده ... وجزنا إِلَيْهِ ذَلِك الرمل والجسرا)
(وَلم يرونا مَاء الثماد بعجرد ... وَلم يقتنع بالقل من يأمل الكثرا)
(وَجِئْنَا البويب والمصانع قبله ... إِلَى بركَة الْجب الَّتِي قربت مصرا)
(إِلَى عَزمَة فِي الْمجد غير قَصِيرَة ... وَكَانَ قصارى أمرنَا أَن نرى القصرا)
(وَلما نزلنَا مصر فِي شهر طوبة ... وردنا بكف الْعَادِل النّيل فِي مسرى)
(غَدا قاصرا عَن قصره قصر قَيْصر ... وإيوان كسْرَى عِنْد إيوانه كسرا)
قَالَ الْعِمَاد وَفِي هَذِه السّنة بِمصْر عربت كتاب كيمياء السَّعَادَة تصنيف الإِمَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ فِي مجلدين وفزت من تعريبه وَعلم مَا فِيهِ بسعادتين وَذَلِكَ بِأَمْر فاضلي لزمني امتثاله وشملني فِي إِتْمَامه إقباله
قَالَ وفيهَا فِي خَامِس عشر شَوَّال توفّي صَاحِبي الْمُعْتَمد إِبْرَاهِيم بِدِمَشْق وَأَنا بِمصْر
قلت وَهَذَا غير وَالِي دمشق الْمَعْرُوف بالمبارز إِبْرَاهِيم بن مُوسَى ويلقب أَيْضا بالمعتمد
стр. 972
ورثى الْعِمَاد صَاحبه بقصيدة مِنْهَا
(أرى الْحزن لَا يجدي على من فقدته ... وَلَو كَانَ فِي حزني مزِيد لزدته)
(تَغَيَّرت الْأَحْوَال بعْدك كلهَا ... فلست أرى الدُّنْيَا على مَا عهدته)
(عقدت بك الآمال بالنجح واثقا ... فَحلت يَد الأقدار مَا قد عقدته)
(وَكَانَ اعتقادي أَنَّك الدَّهْر مسعدي ... فخانتني الْأَيَّام فِيمَا اعتقدته)
(أردْت لَك الْعُمر الطَّوِيل فَلم يكن ... سوى مَا أَرَادَ الله لَا مَا أردته)
(وداع دَعَاني باسمه ذَاكِرًا لَهُ ... فأطربني ذكر اسْمه فاستعدته)
(فقدت أحب النَّاس عِنْدِي وَخَيرهمْ ... فَمن لائمي فِيهِ إِذا مَا نشدته)
قَالَ ورثيته ببيتين وَذكرت العناصر الْأَرْبَعَة فِي وَاحِد مِنْهُمَا
(لهفي على من كَانَ صبحي وَجهه ... فعدمت حِين عدمته أنواره)
(سكن التُّرَاب وغاض مَاء حَيَاته ... مذ أطفات ريح الْمنية ناره)
قَالَ ابْن أَبى طي وَفِي هَذِه السّنة سَافر قراقوش إِلَى قابس
فَذكر محاصرته لجملة من القلاع وَقَتله جمَاعَة من البربر وَمِمَّا ذكره أَنه أسر جمَاعَة على حصن وَأمر بِقَتْلِهِم وَفِيهِمْ صبي أَمْرَد فبذل فِيهِ أهل القلعة عشرَة آلَاف دِينَار على أَن لَا يقْتله فَأبى فزادوه إِلَى مئة ألف فَأبى وَقَتله
стр. 973
فَمَا استتم قَتله حَتَّى نزل شيخ من القلعة وَمَعَهُ مفاتيحها وقدمها لقراقوش فَسَأَلَهُ عَن الْخَبَر فَقَالَ هَذَا الصَّبِي الَّذِي قَتله وَلَدي وَلم يكن لي سواهُ ولأجله كنت أحفظ هَذِه القلعة فَلَمَّا قتلته علمت إِن بقيت هَذِه القلعة بيَدي ومت صَارَت إِلَى أَوْلَاد أخي وَأَنا أبْغضهُم
فَرده إِلَى القلعة وَأخذ مِنْهُ أَمْوَالًا
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وَخمْس مئة
قَالَ الْعِمَاد وَالسُّلْطَان مُقيم بِالْقَاهِرَةِ وَقد عين لسَمَاع الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة بِقِرَاءَة الإِمَام تَاج الدّين البندهي المَسْعُودِيّ ميقاتا وَجمع بِهِ
стр. 974
من الْعلم وَالْعُلَمَاء عِنْده أشتاتا
وَورد كتاب عز الدّين فرخشاه من الشَّام يذكر مَا من الله بِهِ على الْأَنَام من الإنعام بِكَثْرَة ولادَة التوأم فِي ذَلِك الْعَام وجبر الله بِهِ مَا كَانَ قبله من الوباء وتفاءلوا بِالْخصْبِ بعد الجدب والغلاء
قَالَ وَدخلت الْحمام الَّذِي بناه زين الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن نجا الْوَاعِظ فِي دَاره خَارج بَاب زويلة بِالْقَاهِرَةِ فِي ذِي الْقعدَة فَقلت
(مَا منزل من يرى فِيهِ ... غير عَار فعار)
(بِهِ تماط الأذايا ... وترخص الأوضار)
(والعيش فِيهِ قَرَار ... والطيش فِيهِ وقار)
(والسبت فِي كل يَوْم ... لمن يرى مُخْتَار)
(نَار تطيب أَلا اعْجَبْ ... لجنة هِيَ نَار)
وَله فِيهِ
(ومنزل يدْخلهُ ... لشغله كل أحد)
(يُوجد فِيهِ السبت فِي ... كل خَمِيس وَأحد)
стр. 975
فصل فِي ذكر وَفَاة الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن نور الدّين رحمهمَا الله وَمَا تمّ فِي بِلَاده بعده وَذَلِكَ بحلب
قَالَ ابْن شَدَّاد وَكَانَ مَرضه بالقولنج وَكَانَ أول مَرضه فِي تَاسِع رَجَب وَفِي الثَّالِث وَالْعِشْرين مِنْهُ أغلق بَاب قلعة حلب لشدَّة مَرضه واستدعى الْأُمَرَاء وَاحِدًا وَاحِدًا واستحلفوا لعز الدّين صَاحب الْموصل
وَفِي الْخَامِس وَالْعِشْرين مِنْهُ توفّي ﵀ وَكَانَ لمَوْته وَقع عَظِيم فِي قُلُوب النَّاس
وَقَالَ ابْن أبي طي كَانَ سَبَب مَوته أَن علم الدّين سُلَيْمَان بن جندر سقَاهُ سما فِي عنقود عِنَب وَهُوَ فِي الصَّيْد
وَقيل الَّذِي سقَاهُ ياقوت الْأَسدي فِي شراب
وَقيل إِنَّه أطْعمهُ خشكنانكه وَهُوَ فِي الصَّيْد
قَالَ وَدفن بالْمقَام الْكَبِير الَّذِي فِي القلعة وحزن النَّاس لَهُ حزنا عَظِيما وَكَانَ من أحسن النَّاس صُورَة وألبقهم أعطافا
قلت وَبَلغنِي أَنه كَانَ يُقَال إِن موت الْملك الصَّالح صَغِيرا كَانَ من
стр. 976
كرامات نور الدّين ﵀ فَإِنَّهُ سَأَلَ الله تَعَالَى أَلا يعذب شَيْئا من أَجْزَائِهِ بالنَّار وَولده جزؤه فَمَاتَ قبل أَن يطول عمره على أحسن سيرة وَحَالَة رحمهمَا الله
قَالَ ابْن الْأَثِير وَلم يبلغ عشْرين سنة وَلما اشْتَدَّ مَرضه وصف لَهُ الْأَطِبَّاء شرب الْخمر تداويا بهَا فَقَالَ لَا أفعل حَتَّى استفتي الْفُقَهَاء
وَكَانَ عِنْده عَلَاء الدّين الكاساني الْفَقِيه الْحَنَفِيّ بِمَنْزِلَة كَبِيرَة يعْتَقد فِيهِ اعتقادا حسنا ويكرمه فاستفتاه فأفتاه بِجَوَاز شربهَا
فَقَالَ لَهُ يَا عَلَاء الدّين إِن كَانَ الله قد قرب أَجلي هَل يُؤَخِّرهُ شرب الْخمر قَالَ لَا وَالله
قَالَ وَالله لَا لقِيت الله تَعَالَى وَقد اسْتعْملت مَا حرمه عَليّ
قلت يحْتَمل أَنه ذكر لَهُ أَن من الْعلمَاء من ذهب إِلَى جَوَاز ذَلِك لَا أَنه كَانَ يرى ذَلِك فَإِن مذْهبه بِخِلَافِهِ وَالله أعلم
стр. 977
ثمَّ قَالَ ابْن الْأَثِير فَلَمَّا أيس من نَفسه أحضر الْأُمَرَاء كلهم وَسَائِر الأجناد واستحلفهم لِابْنِ عَمه أتابك عز الدّين وَأمرهمْ بِتَسْلِيم مَمْلَكَته جَمِيعهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ بَعضهم إِن ابْن عمك عز الدّين لَهُ الْموصل وَغَيرهَا من الْبِلَاد من همذان إِلَى الْفُرَات فَلَو أوصيت بحلب لِابْنِ عمك عماد الدّين لَكَانَ أحسن ثمَّ هُوَ تربية والدك وَزوج أختك وَهُوَ أَيْضا عديم الْمثل فِي الشجَاعَة وَالْعقل وَالتَّدْبِير وَشرف الأعراق وطهارة الْأَخْلَاق والخلال الَّتِي تفرد بهَا
فَقَالَ إِن هَذَا لم يغب عني وَلَكِن قد علمْتُم تغلب صَلَاح الدّين على عَامَّة بِلَاد الشَّام سوى مَا بيَدي وَمَعِي فَإِن سلمت حلب إِلَى عماد الدّين يعجز عَن حفظهَا من صَلَاح الدّين وَإِن ملكهَا صَلَاح الدّين فَلَا يبْقى لأهلنا مَعَه مقَام وَإِذا سلمتها إِلَى عز الدّين أمكنه أَن يحفظها لِكَثْرَة عساكره وبلاده وأمواله
فَاسْتحْسن الْحَاضِرُونَ قَوْله وَعَلمُوا صِحَّته وعجبوا من جودة رَأْيه مَعَ شدَّة مَرضه وَمن أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم
فَلَمَّا توفّي أرسل دزدار حلب وَهُوَ شاذبخت وَسَائِر الْأُمَرَاء إِلَى أتابك عز الدّين يَدعُونَهُ إِلَى حلب ليسلموها إِلَيْهِ فورد الْخَبَر وَمُجاهد الدّين قايماز قد سَار إِلَى ماردين لمهم عرض فلقي القاصدين عِنْدهَا فأخبروه الْخَبَر فَسَار إِلَى الْفُرَات وَأرْسل إِلَى أتابك عز الدّين يعرفهُ الْحَال وَيُشِير بتعجيل الْحَرَكَة وَأقَام
стр. 978
على الْفُرَات ينتظره وَسَار أتابك مجدا فَلَمَّا وصل إِلَى الْمنزلَة الَّتِي بهَا مُجَاهِد الدّين أَقَامَ مَعَه وَأرْسل إِلَى حلب يستحضر الْأُمَرَاء فَحَضَرُوا كلهم عِنْده وجددوا الْيَمين لَهُ فَسَار حِينَئِذٍ إِلَى حلب ودخلها وَكَانَ يَوْمًا مشهودا
وَلما عبر الْفُرَات كَانَ تَقِيّ الدّين عمر بن أخي صَلَاح الدّين بِمَدِينَة منبج فَسَار عَنْهَا هَارِبا إِلَى مَدِينَة حماة وثار أهل حماة وَنَادَوْا بشعار أتابك
وَكَانَ صَلَاح الدّين بِمصْر فَأَشَارَ عَسْكَر حلب على عز الدّين بِقصد دمشق وأطمعوه فِيهَا وَفِي غَيرهَا من الْبِلَاد الشامية وأعلموه محبَّة أَهلهَا للبيت الأتابكي فَلم يفعل وَقَالَ بَيْننَا يَمِين فَلَا نغدر بِهِ
وَأقَام بحلب عدَّة شهور ثمَّ سَار مِنْهَا إِلَى الرقة فَأَقَامَ بهَا وجاءته رسل أَخِيه عماد الدّين يطْلب مِنْهُ أَن يسلم إِلَيْهِ حلب وَيَأْخُذ عوضهَا \ مَدِينَة سنجار فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك ولج عماد الدّين وَقَالَ إِن سلمتم إِلَيّ حلب وَإِلَّا سلمت أَنا سنجار إِلَى صَلَاح الدّين فَأَشَارَ حِينَئِذٍ الْجَمَاعَة بتسليمها إِلَيْهِ وَكَانَ أَكْثَرهم فِي ذَلِك مُجَاهِد الدّين قايماز فَإِنَّهُ لج فِي تَسْلِيمهَا إِلَى عماد الدّين وَلم يُمكن أتابك عز الدّين مُخَالفَته لتمكنه فِي الدولة وَكَثْرَة عساكره وبلاده فوافقه وَهُوَ كَارِه فَسلم حلب إِلَى أَخِيه وتسلم سنجار وَعَاد إِلَى الْموصل
وَكَانَ صَلَاح الدّين بِمصْر وَقد أيس من الْعود إِلَى الشَّام فَلَمَّا بلغه ذَلِك برز عَن الْقَاهِرَة إِلَى الشَّام فَلَمَّا سمع أتابك عز الدّين بوصول
стр. 979
صَلَاح الدّين إِلَى الشَّام جمع عساكره وَسَار عَن الْموصل خوفًا على حلب من صَلَاح الدّين
فاتفق أَن بعض الْأُمَرَاء الأكابر مَال إِلَى صَلَاح الدّين وَعبر الْفُرَات إِلَيْهِ فَلَمَّا رأى أتابك ذَلِك لم يَثِق بعده إِلَى أحد من أمرائه إِذْ كَانَ ذَلِك الْأَمِير أوثقهم فِي نَفسه فَعَاد إِلَى الْموصل
وَعبر صَلَاح الدّين الْفُرَات وَملك الْبِلَاد الجزرية ونازل الْموصل فَلم يتَمَكَّن من النُّزُول عَلَيْهَا وَعَاد إِلَى حلب وحصرها فسلمها عماد الدّين إِلَيْهِ وَسبب ذَلِك أَن عز الدّين لما تسلم حلب لم يتْرك فِي خزائنها من السِّلَاح وَالْأَمْوَال شَيْئا إِلَّا نَقله إِلَى الْموصل وتسلمها عماد الدّين وَهِي كَمَا يُقَال بطن حمَار فَهُوَ كَانَ السَّبَب فِي تَسْلِيمهَا لصلاح الدّين وَأخذ عوضهَا سنجار والخابور ونصيبين وسروج والرقة وَغير ذَلِك
قَالَ ابْن شَدَّاد وَلما توفّي الْملك الصَّالح سارعوا إِلَى إِعْلَام عز الدّين مَسْعُود بن قطب الدّين بذلك وَبِمَا جرى لَهُ من الْوَصِيَّة إِلَيْهِ وتحليف النَّاس لَهُ فسارع سائرا إِلَى حلب مبادرا خوفًا من السُّلْطَان فَكَانَ أول قادم من أمرائه إِلَى حلب مظفر الدّين بن زين الدّين وَصَاحب سروج وَوصل مَعَهُمَا من حلف جَمِيع الْأُمَرَاء لَهُ وَكَانَ وصولهم فِي ثَالِث شعْبَان
стр. 980
وَفِي الْعشْرين مِنْهُ وصل عز الدّين إِلَى حلب وَصعد القلعة وَاسْتولى على خزائنها وذخائرها وَتزَوج أم الْملك الصَّالح فِي خَامِس شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة
ثمَّ أَقَامَ عز الدّين بقلعة حلب إِلَى سادس عشر شَوَّال وَعلم أَنه لَا يُمكنهُ حفظ الشَّام مَعَ الْموصل لِحَاجَتِهِ إِلَى مُلَازمَة الشَّام لأجل السُّلْطَان وألح عَلَيْهِ الْأُمَرَاء فِي طلب الزِّيَادَات وَرَأَوا أنفسهم أَنهم قد اختاروه وضاق عطنه
وَكَانَ صَاحب أمره مُجَاهِد الدّين قايماز وَكَانَ ضيق العطن لم يعْتد مقاساة أُمَرَاء الشَّام فَرَحل من حلب طَالب الرقة وَخَلفه وَلَده ومظفر الدّين بن زين الدّين بهَا فَأتى الرقة ولقيه أَخُوهُ عماد الدّين عَن قَرَار بَينهمَا وَاسْتقر مقايضة حلب بسنجار وَحلف عز الدّين لِأَخِيهِ عماد الدّين على ذَلِك فِي حادي عشر شَوَّال وَسَار من جَانب عماد الدّين من تسلم حلب وَمن جَانب عز الدّين من تسلم سنجار وَفِي ثَالِث عشر الْمحرم سنة ثَمَان وَسبعين صعد عماد الدّين قلعة حلب
قلت ووقفت على كتاب فاضليّ عَن السُّلْطَان إِلَى عز الدّين
стр. 981
فرخشاه وَهُوَ نَائِبه دمشق وقفنا على كِتَابه وَعلمنَا مَا تجدّد من الْخَبَر بِمَرَض الْملك الصَّالح واشتداد حَاله وَانْقِطَاع الدَّاخِل عَلَيْهِ
ثمَّ أَشَارَ بتنفيذ عَسْكَر إِلَى جِهَة أَخِيه تَقِيّ الدّين على إِظْهَار قَاعِدَة النّظر فِي الْقَضِيَّة يالحادثة بَين أهل ديار بكر وَابْن قرا أرسلان والتوجه لفصلها قَالَ فَيكون ظَاهر حَرَكَة الْعَسْكَر لهَذَا السَّبَب الْمُتَقَدّم وباطنها لهَذَا السَّبَب الْمُتَأَخر
وَقد كُوتِبَ الْوَلَد تَقِيّ الدّين أَن يتَوَجَّه إِلَى منبج على الظَّاهِر وَالْبَاطِن الْمَذْكُورين وَأَن يحفظ الْمَغَازِي ويرابط الْفُرَات وَيمْنَع المعابر وَلنَا بالس وقلعة جعبر ومنبج وتل بَاشر وَهِي جُمْهُور الطّرق بل كلهَا وَقد أوعزنا إِلَى تَقِيّ الدّين بِأَن يكون حمام حماة فِي حلب وحمام دمشق فِي حماة
وَإِلَى الْأَجَل نَاصِر الدّين بِأَن يكون حمام دمشق فِي حمص وحمام حمص فِي حلب
وولدنا عز الدّين يُؤمر بِأَن يكون حمام بصرى فِي دمشق
وَقد بعثنَا نجابين يكونُونَ منبجين ببصرى فَإِن تحققت الْوَفَاة فَنحْن أسبق إأليكم من الْجَواب قولا وفعلا ووعدا ونجحا فالعلة مزاحة والعساكر مستريحة وَالظّهْر قد استعد والمصلحة فِي الْحَرَكَة ظَاهِرَة وحجج انتقاد المنتقدين فِي هَذِه الْقَضِيَّة سَاقِطَة
وَقَالَ الْعِمَاد كَانَ قصد السُّلْطَان إصْلَاح حَال الْملك الصَّالح وَأَنه الْقَائِم مقَام أَبِيه فصده عَنهُ مماليكه فَأخذت بِلَاده بلجاجهم ومرضت دولته لسوء علاجهم فَامْتنعَ بحلب إِلَى أَن توفّي
وَوصل ابْن عَمه عز الدّين
стр. 982
مَسْعُود صَاحب الْموصل إِلَى حلب فَجمع ظَاهره وباطنه وَأخذ خزائنه واستخرج دفائنه وأخلى كنائنه ثمَّ إِنَّه عرف أَنه لَا يسْتَقرّ لَهُ بهَا أَمر فَرغب أَخَاهُ عماد الدّين تزنكي صَاحب سنجار فِي تعويضها لَهُ بحلب فَمَال إِلَى بذله وَرغب
وَلما سمع السُّلْطَان فِي مصر بوفاة الْملك الصَّالح تحرّك عزمه وَنَدم على النزوح من الشَّام مَعَ قرب هَذَا المرام فَكتب إِلَى ابْن أَخِيه تَقِيّ الدّين وَهُوَ يتَوَلَّى لَهُ المعرة وحماة وَأمره بالتأهب والنهوض وَكَذَلِكَ شحذ عزائم نوابه بِالشَّام بتجديد المكاتبات لَهُم وبعثهم على الاستعداد وَحَملهمْ
وَكَانَ نَائِبه بِدِمَشْق ابْن أَخِيه عز الدّين مزخشاه قد نَهَضَ فِي مُقَابلَة الفرنج بالكرك فَإِن الإبرنس الكركي كَانَ يحدث نَفسه بِقصد تيماء فِي الْبَريَّة فَمَا زَالَ فرخشاه فِي مُقَابلَته حَتَّى نكص اللعين على عَقِبَيْهِ ذليلا وَلم يجد إِلَى مَا حدثته بِهِ نَفسه سَبِيلا فَعرف السُّلْطَان اشْتِغَاله بِهَذَا المهم
فَكتب كتابا بشرح الْحَال إِلَى بَغْدَاد بِاللَّفْظِ الْعِمَادِيّ يَقُول فِيهِ وشاع الْخَبَر بغارة فرنج أنطاكية على حارم وَأتوا من السَّبي والنهب بالعظائم وشاع أَيْضا أَن عَسْكَر حلب أغار على الراوندان وَهِي فِي عَملنَا ورسولهم عِنْد الفرنج يستنجد بهم ويغريهم بِنَا وَقد راسلوا الحشيشية وَالْمرَاد من الرسَالَة
стр. 983
غير خَافَ وَالْعلم بالمعتاد مِنْهُ كَاف
وَابْن أخينا غَائِب فِي أقْصَى بِلَاد الفرنج فِي أول بَريَّة الْحجاز فَإِن طاغية مِنْهُم جمع خيله وَرجله وحدثته نَفسه الخبيثة بِقصد تيماء وَهِي دهليز الْمَدِينَة على ساكنها السَّلَام واغتنم كَون الْبَريَّة معشبة مخصبة فِي هَذَا الْعَام
وَالْعجب أَنا نحامي عَن قبر النَّبِي صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه مشتغلين بمهمه وَالْمَذْكُور يَعْنِي صَاحب الْموصل يُنَازع فِي ولَايَة هِيَ لنا ليأخذها بيد ظلمه وَكم بَين من يحارب الْكفْر وَيحمل إِلَيْهِم قواصم الْآجَال وَبَين من يتخذهم بطانة دون الْمُؤمنِينَ وَيحمل إِلَيْهِم كرائم الْأَمْوَال
هَذَا مَعَ مَا نعد فِي الْملَّة الحنيفية والدولة الهادية العباسية من آثَار لَا يعد مثلهَا أَولا لأبي مُسلم لِأَنَّهُ أقدم ثمَّ خام ووالى ثمَّ ولى وَلَا آخرا لطغرلبك فَإِنَّهُ نصر وَنصب ثمَّ حجر وحجب وَقد عرف
стр. 984
مَا فضلنَا الله بِهِ عَلَيْهِمَا فِي نصر الدولة وَقطع من كَانَ يُنَازع الْخلَافَة رداءها وتطهير المنابر من رِجْس الأدعياء وَلم نَفْعل مَا فعلنَا لأجل الدُّنْيَا غير أَن التحدث بِنِعْمَة الله وَاجِب والتبجح بِالْخدمَةِ الشَّرِيفَة والافتخار بالتوفيق فِيهَا على السجية غَالب
وَلَا غنى عَن بروز الْأَوَامِر الشَّرِيفَة إِلَى الْمَذْكُور بِأَن يلْزم حَده وَلَا يتَجَاوَز حَقه فَإِن دُخُول الْأَيْدِي الْمُخْتَلفَة عَن الْأَعْدَاء المتفقة شاغل وَيحْتَاج إِلَى مغرم ينْفق فِيهِ الْعُمر بِغَيْر طائل فَإِن الْأَعْمَال تمر مر السَّحَاب والفرص تمض ومض السراب
وبقاؤنا فِي هَذِه الدَّار الْقَلِيل اللّّبْث الْقصير الْمكْث نؤثر أَنْت نغتنمه فِي مجاهدة الْعَدو الْكَافِر الَّذِي صَار بِهِ الْبَيْت الْمُقَدّس محلا للأرجاس وَمَضَت عَلَيْهِ دهور وملوك لم يحصلوا من رَجَاء تَطْهِيره إِلَّا على الياس وَإِن كَانَ الْقَوْم قد بذلوا للدَّار العزيزة بذولا معارة فقد أسلف الْخَادِم خدمات لَيست بعوار فَإِنَّهُم لَو بذلوا بِلَادهمْ كلهَا مَا وفت بِفَتْح مصر الَّتِي رجل بهَا أسامي الأدعياء الراكبة أعوادها وَأعَاد إِلَى عينهَا بعد بَيَاض عماها من نور الشعار العباسي سوادها فَإِن اقْتَضَت الْأَوَامِر الشَّرِيفَة أَن يوعز للمذكور فِي حلب بتقليد فَالْأولى أَن يُقَلّد الْجَمِيع فَلَا رَغْبَة فِيمَا لَا يُؤمن مَعَه شَرّ الشَّرِيك ولمالك الْأَمر الحكم فِي ممالك المماليك
وَكَانَ فِي الْكتاب أَيْضا مَا مَعْنَاهُ إِن حلب من جملَة الْبِلَاد الَّتِي اشْتَمَل
стр. 985
عَلَيْهَا تَقْلِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ المستضيء بِأَمْر الله لَهُ وَإِنَّمَا تَركهَا فِي يَد ابْن نور الدّين لأجل أَبِيه والآن فَليرْجع كل إِلَى حَقه وليقنع برز قه
وَمن كتاب آخر فاضلي فقد صرف وجهنا فِي هَذَا الْوَقْت عَن جِهَاد لَو كُنَّا بصدده وَعَن فرض لَو وصلنا يَوْمه بغده لَكَانَ الْإِسْلَام قد أعفي من شركَة الشّرك وانفك أَهله من ربقة أهل الْإِفْك
ولكانت الْأَسْمَاء الشَّرِيفَة قد قرعت مَنَابِر طالما عزلت الصلب خطباءها ولكان الدّين الْخَالِص قد خلص إِلَى بِلَاد صَار الْمُشْركُونَ متوطنيها والمسلمون غرباءها
وَفِي كتاب آخر لَهُ وَقد علم الله سُبْحَانَهُ أَنا لهدنتهم كَارِهُون وَفِي مصلحَة أهل الْإِسْلَام وَفِي مصالحهم راغبون وَلَكنَّا قد بلينا بِقوم كالفراش أَو أخف عقولا وكالأنعام أَو أضلّ سَبِيلا إِن بني مَعَهم فعلى غير أساس وَإِن عدد الْغدر مِنْهُم فَهُوَ أَكثر من الأنفاس
وَفِي كتاب آخر وَالْخَادِم وَالْحَمْد لله يعدد سوابق فِي الْإِسْلَام والدولة العباسية لَا تعدها أولية أبي مُسلم لِأَنَّهُ والى ثمَّ وارى وَلَا آخرية طغرلبك لِأَنَّهُ نصر ثمَّ حجر
وَالْخَادِم بِحَمْد الله خلع من كَانَ يُنَازع الْخلَافَة رداءها وأساغ الغصة الَّتِي ذخر الله للإساغة فِي سَيْفه ماءها فَرجل الْأَسْمَاء الكاذبة الراكبة على المنابر وأعز بتأييد إبراهيمي فَكسر الْأَصْنَام
следующие страницы →