← История

История · id 6638

تاريخ الدولة العلية العثمانية

محمد فريد بك

Полный текст (661 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الَّتِي تقهقر اليها الشاه بجيوشه لَكِن لصعوبة الطّرق واستحالة مُرُور المدافع الضخمة وعربات النَّقْل بهَا لِكَثْرَة الامطار والاوحال تَركهَا السُّلْطَان وَقصد مَدِينَة بَغْدَاد لفتحها فَلَمَّا اقْترب مِنْهَا تقدم ابراهيم باشا الصَّدْر الاعظم وسر عَسْكَر الجيوش العثمانية لاحتلالها قبل قدوم السُّلْطَان فَدَخلَهَا فِي يَوْم ٢٤ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ٩٤١ ٣١ دسمبر سنة ١٥٣٤ ووجدها خاوية من الْجنُود اذ تَركهَا حاكمها بِكُل جُنُوده هربا من الْوُقُوع فِي قَبْضَة الْجنُود العثمانية فيذيقونه الْحمام وَبعد ان اقام السُّلْطَان فِي مَدِينَة بَغْدَاد مُدَّة اربعة اشهر رتب الادارة الداخلية فِي خلالها وزار قُبُور الائمة الْعِظَام وقبر الامام عَليّ رَابِع الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كرم الله وَجهه فِي مَدِينَة النجف وقبر ابْنه الْحُسَيْن فِي كربلا وارسل الخطابات إِلَى البندقية وويانه اعلانا بانتصاره على الشاه طهماسب وافتتاحه مَدَائِن تبريز وبغداد وَفِي ٢٨ رَمَضَان سنة ٩٤١ الْمُوَافق ٢ ابريل سنة ١٥٣٥ سَافر السُّلْطَان بجيوشه عَائِدًا إِلَى مَدِينَة تبريز مارا بِبِلَاد الاكراد واقليم المراغه وَولى سُلَيْمَان باشا اُحْدُ قواد جيوشه على مَدِينَة بَغْدَاد وَمَعَهُ الْفَا جندي لحمايتها وَفِي اثناء مسيره وصل إِلَى مُعَسْكَره سفير فرنساوي اسْمه مسيو لافوري ارسل لتهنئته على فتوحاته الاخيرة ثمَّ وصل إِلَى مَدِينَة تبريز رَابِع الْمحرم سنة ٩٤٢ واقام بهَا ١٥ يَوْمًا قَضَاهَا فِي تعْيين الْوُلَاة على الْمَدَائِن المفتتحة حَدِيثا وترتيب شؤون الداخلية ثمَّ قفل رَاجعا إِلَى الاستانة فوصلها فِي ١٤ رَجَب سنة ٩٤٢ ٨ يناير سنة ١٥٣٦ الامتيازات القنصلية وَفِي اوائل شهر فبراير سنة ١٥٣٦ تمّ الِاتِّفَاق بَين المسيو لافوري سفير فرنسا وَالْبَاب العالي وَصدر بِهِ خطّ شرِيف يمنح بعض امتيازات لرعايا ملك فرنسا النازلين باراضي الممالك المحروسة وَهَذَا نَص هَذِه المعاهدة مترجما من مَجْمُوعَة

стр. 177

البارون دي تستا الْمَوْجُودَة فِي الكتباخانة الخديوية ليكن مَعْلُوما لَدَى الْعُمُوم انه فِي شهر سنة ٩٤٢ من الْهِجْرَة المحمدية شهر فبراير سنة ١٥٣٦ من الميلاد قد اتّفق بِمَدِينَة الاستانة الْعلية كل من المسيو جَان دي لافوري مستشار وسفير صَاحب السَّعَادَة الامير فرنسوا المتعمق فِي المسيحية ملك فرنسا الْمعِين لَدَى الْملك الْعَظِيم ذِي الْقُوَّة والنصر السُّلْطَان سُلَيْمَان خاقَان التّرْك إِلَى آخر القابه والامير الْجَلِيل ذِي الْبَطْش الشَّديد سر عَسْكَر السُّلْطَان بعد ان تباحثا فِي مضار الْحَرْب وَمَا ينشأ عَنهُ من المصائب وَمَا يَتَرَتَّب على السّلم من الرَّاحَة والطمأنينة على البنود الْآتِيَة البند الاول قد تعاهد المتعاقدان بالنيابة عَن جلالة الْخَلِيفَة الاعظم وَملك فرانسا على السّلم الاكيد والوفاق الصَّادِق مُدَّة حياتهما وَفِي جَمِيع الممالك والولايات والحصون والمدن والموانئ والثغور والبحار والجزائر وَجَمِيع الاماكن الْمَمْلُوكَة لَهُم الْآن اَوْ الَّتِي تدخل فِي حوزتهم فِيمَا بعد بِحَيْثُ يجوز لرعاياهما وتابعيهما السّفر بحرا بمراكب مسلحة اَوْ غير مسلحة والتجول فِي بِلَاد الطّرف الآخر والمجيء اليها والاقامة بهَا اَوْ الرُّجُوع إِلَى الثغور والمدن اَوْ غَيرهَا بِقصد الاتجار على حسب رغبتهم بِكَمَال الْحُرِّيَّة بِدُونِ ان يحصل لَهُم ادنى تعد عَلَيْهِم اَوْ على متاجرهم البند الثَّانِي يجوز لرعايا وتابعي الطَّرفَيْنِ البيع وَالشِّرَاء والمبادلة فِي كَافَّة السّلع الْغَيْر مَمْنُوع الاتجار فِيهَا ولسيرها ونقلها برا وبحرا من مملكة إِلَى اخرى مَعَ دفع العوائد والضرائب الْمُعْتَادَة قَدِيما بِحَيْثُ يدْفع الفرنساوي فِي الْبِلَاد العثمانية مَا يَدْفَعهُ الاتراك وَيدْفَع الاتراك فِي الْبِلَاد الفرنساوية مَا يَدْفَعهُ الفرنساويون بِدُونِ ان يدْفع أَي الطَّرفَيْنِ عوائد اَوْ ضَرَائِب اَوْ مكوسا اخرى البند الثَّالِث كلما يعين ملك فرنسا قنصلا فِي مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة اَوْ فِي بيرا وَاو غَيرهمَا من مَدَائِن المملكة العثمانية كالقنصل الْمعِين الْآن بِمَدِينَة الاسكندرية

стр. 178

يصير قبُوله ومعاملته بكيفية لائقة وَيكون لَهُ ان يسمع وَيحكم وَيقطع بِمُقْتَضى قانونه فِي جَمِيع مَا يَقع فِي دائرته من القضايا المدنية والجنائية بَين رعايا ملك فرنسا بِدُونِ ان يمنعهُ من ذَلِك حَاكم اَوْ قَاضِي شَرْعِي اَوْ صوباشي اَوْ أَي موظف آخر وَلَكِن لَو امْتنع اُحْدُ رعايا الْملك عَن اطاعة اوامر اَوْ احكام القنصل فَلهُ ان يَسْتَعِين بموظفي جلالة السُّلْطَان على تنفيذها وَعَلَيْهِم مساعدته ومعاونته وعَلى أَي حَال لَيْسَ للْقَاضِي الشَّرْعِيّ اَوْ أَي موظف اخر ان يحكم فِي المنازعات الَّتِي تقع بَين التُّجَّار الفرنساويين وَبَاقِي رعايا فرنسا حَتَّى لَو طلبُوا مِنْهُ الحكم بَينهم وان اصدر حكما فِي مثل هَذِه الاحوال يكون حكمه لاغيا لَا يعْمل بِهِ مُطلقًا البند الرَّابِع لَا يجوز سَماع الدَّعَاوَى المدنية الَّتِي يقيمها الاتراك اَوْ جباة الْخراج اَوْ غَيرهم من رعايا جلالة السُّلْطَان ضد التُّجَّار اَوْ غَيرهم من رعايا فرنسا اَوْ الحكم عَلَيْهِم فِيهَا مَا لم يكن مَعَ المدعين سندات بِخَط الْمُدَّعِي عَلَيْهِم اَوْ حجَّة رسمية صادرة من القَاضِي الشَّرْعِيّ اَوْ القنصل الفرنساوي وَفِي حَالَة وجود سندات اَوْ حجج لَا تسمع الدَّعْوَى اَوْ شَهَادَة مقدمها الا بِحُضُور ترجمان القنصل البند الْخَامِس وَلَا تجوز للقضاة الشرعيين اَوْ غَيرهم من ماموري الْحُكُومَة العثمانية سَماع أَي دَعْوَى جنائية اَوْ الحكم ضد تجار ورعايا فرنسا بِنَاء على شكوى الاتراك اَوْ جباة الْخراج اَوْ غَيرهم من رعايا الدولة الْعلية بل على القَاضِي اَوْ المامور الَّذِي ترفع اليه الشكوى ان يَدْعُو المتهمين بالحضور ر بِالْبَابِ العالي مَحل اقامة الصَّدْر الاعظم الرسمي وَفِي حَالَة عدم وجود الْبَاب الْمشَار اليه أَي إِذا حصلت الْوَاقِعَة فِي مَحل غير الاستانة يَدعُوهُم امام اكبر ماموري الْحُكُومَة السُّلْطَانِيَّة وَهُنَاكَ يجوز قبُول شَهَادَة جابي الْخراج والشخص الفرنساوي ضد بعضهما البند السَّادِس لَا يجوز محاكمة التُّجَّار الفرنساويين ومستخدميهم وخادميهم فِيمَا يخْتَص بالمسائل الدِّينِيَّة امام القَاضِي اَوْ السنجق بيك اَوْ الصوباشي اَوْ غَيرهم

стр. 179

من المامورين بل تكون محاكمتهم امام الْبَاب العالي وَمن جِهَة اخرى يكون مُصَرح لَهُم بِاتِّبَاع شَعَائِر دينهم وَلَا يُمكن جبرهم على الاسلام اَوْ اعتبارهم مُسلمين مَا لم يقرُّوا بذلك غير مكرهين البند السَّابِع لَو تعاقد وَاحِد اَوْ اكثر من رعايا فرانسا مَعَ اُحْدُ العثمانيين اَوْ اشْترى مِنْهُ بضائع اَوْ اسْتَدَانَ مِنْهُ نقودا ثمَّ خرج من الممالك العثمانية قبل ان يقوم بِمَا تعهد بِهِ فَلَا يسال القنصل اَوْ اقارب الْغَائِب اَوْ أَي شخص فرنساوي آخر عَن ذَلِك مُطلقًا وَكَذَلِكَ لَا يكون ملك فرانسا ملزما بِشَيْء بل عَلَيْهِ ان يُوفي طلب الْمُدَّعِي من شخص الْمُدعى عَلَيْهِ اَوْ املاكه لَو وجدت باراضي الدولة الفرنساوية اَوْ كَانَ لَهُ املاك بهَا البند الثَّامِن لَا يجوز اسْتِخْدَام التُّجَّار الفرنساويين اَوْ مستخدميهم اَوْ خدامهم اوسفنهم اَوْ قواربهم اَوْ مَا يُوجد بهَا من اللوازمات اَوْ المدافع والذخائر اَوْ التِّجَارَة جبرا عَنْهُم فِي خدمَة جلالة السُّلْطَان الاعظم اَوْ غَيره فِي الْبر وَالْبَحْر مَا لم يكن ذَلِك بطوعهم واختيارهم البند التَّاسِع يكون لتجار فرانسا ورعاياها الْحق فِي التَّصَرُّف فِي كَافَّة متعلقاتهم بِالْوَصِيَّةِ بعد مَوْتهمْ وَعند وَفَاة اُحْدُ مِنْهُم وَفَاة طبيعية اَوْ قهرية عَن وَصِيَّة فتوزع

стр. 180

امواله وَبَاقِي ممتلكاته على حسب مَا جَاءَ بهَا وَلَو توفّي وَلم يوص فتسلم تركته إِلَى وَارثه اَوْ الْوَكِيل عَنهُ بِمَعْرِِفَة القنصل لَو كَانَ فِي مَحل وَفَاته قنصل والا فتحفظ التَّرِكَة بِمَعْرِِفَة قَاضِي الْجِهَة بعد ان تعْمل بهَا قَائِمَة جرد على يَد شُهُود اما لوكانت الْوَفَاة فِي جِهَة بهَا قنصل فَلَا يكون للْقَاضِي اَوْ مامور بَيت المَال اَوْ غَيرهمَا حق فِي ضبط التَّرِكَة مُطلقًا وَلَو سبق ضَبطهَا بِمَعْرِِفَة اُحْدُ مِنْهُم يصير تَسْلِيمهَا إِلَى القنصل اَوْ من يَنُوب عَنهُ لَو طلبَهَا قبل الْوَارِث اَوْ وَكيله وعَلى القنصل توصيلها وتسليمها إِلَى صَاحب الْحق فِيهَا البند الْعَاشِر بِمُجَرَّد اعْتِمَاد جلالة السُّلْطَان وَملك فرانسا لهَذِهِ المعاهدة فَجَمِيع رعاياهما الْمَوْجُودين عِنْدهمَا اَوْ عِنْد تابعيهما اَوْ على مراكبهما اَوْ سفنهما اَوْ فِي أَي مَحل اَوْ اقليم تَابع لسلطتهما فِي حَالَة الرّقّ سَوَاء اكان ذَلِك بشرائهم اَوْ باسرهم وَقت الْحَرْب يصير اخراجهم فَوْرًا من حَالَة الاسترقاق إِلَى بحبوحة الْحُرِّيَّة بِمُجَرَّد طلب وَتَقْرِير السفير اَوْ القنصل اَوْ أَي شخص آخر معِين لهَذَا الْخُصُوص وَلَو كَانَ احدهم قد غير دينه ومعتقده فَلَا يكون ذَلِك مَانِعا لاطلاق سراحه وَمن الان فَصَاعِدا لَا يجوز لجلالة السُّلْطَان اَوْ ملك فرنسا وَلَا لقبودانات الْبَحْر وَرِجَال الْحَرْب اَوْ أَي شخص اخر تَابع لاحدهما اَوْ لمن يستاجرونهم لذَلِك سَوَاء فِي الْبر وَالْبَحْر اخذ اَوْ اَوْ شِرَاء اَوْ بيع اَوْ حجز اسراء الْحَرْب بِصفة ارقاء وَلَو تجاسر قرصان اَوْ غَيره من رعايا احدى الدولتين المتعاقدتين على اخذ اُحْدُ رعايا الطّرف الاخر اَوْ اغتصاب املاكه اَوْ امواله يصير اخبار حَاكم الْجِهَة وَعَلِيهِ ضبط الْفَاعِل ومعاقبته على مُخَالفَته شُرُوط الصُّلْح عِبْرَة لغيره ورد مَا يُوجد عِنْده من الاشياء المغتصبة الى من اخذت مِنْهُ واذا لم يضْبط الْفَاعِل فَيمْنَع هُوَ وَجَمِيع شركائه من الدُّخُول فِي الْبِلَاد وتضبط ممتلكاته لجَانب الْحُكُومَة التَّابِع اليها وَيصير التعويض على مَا حصل لَهُ من الضَّرَر مِمَّا يصادر من املاك الْجَانِي وَهَذَا لَا يمْنَع من مجازاته لَو صَار ضَبطه فِيمَا بعد وللمجني عَلَيْهِ ان يَسْتَعِين على الْحُصُول على

стр. 181

ذَلِك بضامني هَذَا الصُّلْح وهم السِّرّ عَسْكَر عَن الجناب السلطاني واكبر الْقُضَاة عَن ملك فرانسا البند الْحَادِي عشر لَو تقابلت دونانمات احدى الدولتين المتعاقدتين بِبَعْض مراكب رعايا الدولة الاخرى فعلى هَذِه المراكب تَنْزِيل قلوعها وَرفع اعلام دولتها حَتَّى اذا علمت حَقِيقَتهَا لَا تحجزها اَوْ تضايقها السفن الحربية اَوْ أَي تَابع اخر للدولة صَاحِبَة الدونانمة واذا حصل ضَرَر لاحدهما فعلى الْملك صَاحب الدونانمة تعويض هَذَا الضَّرَر فَوْرًا واذا تقابلت سفن رعايا الدولتين فعلَيْهِمَا رفع الْعلم وابداء السَّلَام بِطَلْقَة مدفع والمجاوبة بِالصّدقِ لَو سُئِلَ ربانها عَن الدولة التَّابِع اليها وَلما تعلم حَقِيقَتهَا لَا يجوز لاحداها ان تفتش الاخرى بِالْقُوَّةِ اَوْ تسبب لَهَا أَي عائق كَانَ البند الثَّانِي عشر اذا وصلت احدى المراكب الفرنساوية سَوَاء بطرِيق الصدفة اَوْ غَيرهَا الى احدى موانىء اَوْ شطوط الدولة الْعلية تُعْطى مَا يلْزمهَا من الماكولات وَغَيرهَا من الاشياء مُقَابل دفع الثّمن الْمُنَاسب بِدُونِ الزامها تَفْرِيغ مَا بهَا من البضائع لدفع الاثمان ثمَّ يُبَاح لَهَا الذّهاب اينما تُرِيدُ واذا وصلت الى الاستانة وارادت السّفر مِنْهَا بعد الاستحضار على جَوَاز الْخُرُوج من امين الجمرك وَدفع الرَّسْم اللَّازِم وتفتيشها بِمَعْرِِفَة الامين الْمشَار اليه فَلَا يجوز وَلَا يُمكن تفتيشها فِي أَي مَحل اخر الا عِنْد الْحُصُون المقامة بمدخل بوغاز جاليبولي الدردنيل بِدُونِ دفع شَيْء مُطلقًا لَا عِنْد هَذَا البوغاز وَلَا فِي أَي مَكَان اخر عِنْد خُرُوجهَا خلاف مَا صَار دَفعه سَوَاء كَانَ الطّلب باسم جلالة السُّلْطَان اَوْ اُحْدُ ماموريه البند الثَّالِث عشر لَو كسرت اَوْ اغرقت مراكب احدى الدولتين بالصدفة اَوْ غَيرهَا عِنْد الْبِلَاد التابعة للطرف الاخر فَمن ينجو من هَذَا الْخطر يبْقى مُتَمَتِّعا بحريَّته لَا يمانع فِي أَخذ مَا يكون لَهُ من الْأَمْتِعَة وَغَيرهَا أما لَو غرق جَمِيع من بهَا فَمَا يُمكن تخليصه من البضائع يسلم الى القنصل اَوْ نَائِبه لتسليمها لاربابها بِدُونِ ان ياخذ القبودان باشا اَوْ السنجق بيك اَوْ الصوباشي اَوْ القَاضِي اَوْ غَيرهم من

стр. 182

ماموري الدولة ام رعاياها شَيْئا مِنْهَا والا فيعاقب من يرتكب ذَلِك باشد الْعقَاب وعَلى هَؤُلَاءِ المامورين ان يساعدوا من يخصص لاستلام الاشياء الْمَذْكُورَة البند الرَّابِع عشر لَو هرب اُحْدُ الارقاء المملوكين لَاحَدَّ العثمانيين واحتمى فِي بَيت ام مركب اُحْدُ الفرنساويين فَلَا يجْبر الفرنساوي الا على الْبَحْث عَنهُ فِي بَيته اَوْ مركبه وَلَو وجد عِنْده يُعَاقب الفرنساوي بِمَعْرِِفَة قنصله وَيرد الرَّقِيق لسَيِّده واذا لم يُوجد الرَّقِيق بدار اَوْ مركب الفرنساوي فَلَا يسال عَن ذَلِك مُطلقًا البند الْخَامِس عشر كل تَابع لملك فرانسا اذا لم يكن اقام باراضي الدولة الْعلية مُدَّة عشر سنوات كَامِلَة بِدُونِ انْقِطَاع لايلزم بِدفع الْخراج اَوْ أَي ضريبة ايا كَانَ اسْمهَا ولايلزم بحراسة الاراضي الْمُجَاورَة اَوْ مخازن جلالة السُّلْطَان وَلَا بِالشغلِ فِي الترسانة اَوْ أَي عمل اخر وَكَذَلِكَ تكون مُعَاملَة رعايا الدولة فِي بِلَاد فرانسا وَقد اشْترط ملك فراسنا ان يكون للبابا وَملك انكلترا اخيه وَحَلِيفه الابدي وَملك ايقوسيا الْحق فِي الِاشْتِرَاك بمنافع هَذِه المعاهدة لَو ارادوا بِشَرْط انهم يبلغون تصديقهم عَلَيْهَا الى جلالة السُّلْطَان وَيطْلب مِنْهُ اعْتِمَاد ذَلِك فِي ظرف ثَمَانِيَة شهور تمْضِي من هَذَا الْيَوْم البند السَّادِس عشر يُرْسل كل من جلالة السُّلْطَان وَملك فرانسا تَصْدِيقه للاخر على هَذِه المعاهدة فِي ظرف سِتَّة شهور تمْضِي من تَارِيخ امضائها مَعَ الْوَعْد من كليهمَا بالمحافظة عَلَيْهَا والتنبيه على جَمِيع الْعمَّال والقضاة والمامورين وَجَمِيع الرعايا بمراعاة كَامِل نصوصها بِكُل دقة ولكي لَا يَدعِي اُحْدُ الْجَهْل بِهَذِهِ المعاهدة يصير نشر صورتهَا فِي الاستانة والاسكندرية ومصر ومرسيليا وناربونة وَفِي جَمِيع الاماكن الاخرى الشهيرة فِي الْبر وَالْبَحْر التابعة لكل من الطَّرفَيْنِ انْتَهَت المعاهدة

стр. 183

وَبِذَلِك صَارَت فرانسا الدولة الاوروباوية الوحيدة الحائزة امتيازات لرعاياها وَلَكِن كَانَ هَذَا الِاتِّفَاق سَببا فِي تدخل فرانسا وَبَاقِي دوَل اوروبا فِي شؤون المملكة الداخلية خُصُوصا فِي هَذَا الْقرن الاخير كَمَا سَيَجِيءُ وَكَانَت هِيَ اخر اعمال الصَّدْر الاعظم ابراهيم باشا فان السُّلْطَان توجس مِنْهُ خيفة لازدياد نُفُوذه على الْجنُود والقواد وازداد تحذره مِنْهُ بعد محاربته الْعَجم الاخيرة الَّتِي كَانَ فِيهَا ابراهيم باشا الْمَذْكُور سر عَسْكَر لجَمِيع الجيوش فانه امضى بعض الاوامر العسكرية بلقب سر عَسْكَر سُلْطَان وَحشِي السُّلْطَان ان تكون تِلْكَ الاعمال مُقَدمَات لاغتصابه الْملك لنَفسِهِ فامر بقتْله فِي ٢٢ رَمَضَان سنة ٩٤٢ ١٥ مارس سنة ١٥٣٦ فَقتل وَخَلفه فِي مَرْكَز الصدارة اياس باشا بدسيسة روكسلان الروسية احدى حظيات السُّلْطَان وسياتي ذكر مَا اتته من الدسائس والمفاسد عِنْد الْكَلَام على قتل السُّلْطَان لِابْنِهِ مصطفى خير الدّين باشا البحري وَفتح اقليمي الجزائر وتونس ولنأت هَهُنَا على ملخص تَارِيخ خير الدّين باشا البحري الَّذِي اشْتهر فِي كتب الافرنج باسم بارب روس أَي ذِي اللِّحْيَة الصَّهْبَاء وَمَا فَتحه من الْبِلَاد فِي سواحل بِلَاد الغرب وجنوب ايطاليا وانا لم نذْكر حوادثه حسب ترتيبها لعدم الْفَصْل بهَا بَين اعمال السُّلْطَان سُلَيْمَان الحربية فِي جِهَات النمسا غربا وبلاد الْعَجم شرقا خوفًا من تشتيت فكر الْمطَالع فَنَقُول ان اصل خير الدّين باشا من اروام جَزِيرَة مدللي احدى جزائر الرّوم وَكَانَ هُوَ واخ لَهُ يدعى اوروج يشتغلان بحرفة القراصنة ببحر الرّوم ثمَّ اسلما ودخلا فِي خدمَة السُّلْطَان مُحَمَّد الحفصي صَاحب تونس واستمرا فِي حرفتهما وَهِي اسر مراكب المسيحيين التجارية واخذ كَافَّة مَا بهَا من البضائع وَبيع ركابهَا وملاحيها بِصفة رَقِيق وَفِي

стр. 184

ذَات يَوْم ارسلا إِلَى السُّلْطَان سليم الاول احدى المراكب الماسورة اظهارا لخضوعهم لسلطانه فقبلها مِنْهُمَا وارسل لَهما خلعا سنية وَعشر سفن ليستعينوا بهَا على غَزْو مراكب الافرنج فَقَوِيت شوكتهما واشرابت اعناقهما لاحتلال بعض سواحل الغرب باسم سُلْطَان آل عُثْمَان فاستولى خير الدّين على ثغر شرشل باقليم الجزائر ثمَّ عَاد إِلَى تونس وَمِنْهَا ارسل إِلَى السُّلْطَان سليم الَّذِي كَانَ اذ ذَاك بِمصْر رَسُولا يَدعِي كرداوغلى يُؤَكد لَدَيْهِ اخلاصه وولاءه للسدة السُّلْطَانِيَّة العثمانية اما اوروج فَبعد ان استولى على مَدِينَة الجزائر نَفسهَا وَهزمَ الجيوش الاسبانية الَّتِي ارسلها شارلكان لمساعدة الجزائريين على محاربة اوروج فتح ايضا مَدِينَة تلمسان وَقتل بعْدهَا بِقَلِيل فِي محاربة الاسبانيين لَكِن لم يتَمَكَّن هَؤُلَاءِ من استخلاص تلمسان والجزائر بل حفظهما خير الدّين وَقتل امير الجزائر وارسل من قبله اُحْدُ اتِّبَاعه واسْمه الْحَاج حُسَيْن إِلَى السُّلْطَان سليم وَقد كَانَ اتم فتح مصر ليخبره بِفَتْح مَدِينَة الجزائر باسمه الشريف فقابله السُّلْطَان وَعين خير الدّين باشا بكلر بك على اقليم الجزائر وبذا صَار هَذَا الاقليم ولَايَة عثمانية يدعى فِيهِ فِي خطْبَة الْجُمُعَة باسم السُّلْطَان سليم وتضرب النُّقُود باسمه وَبعد ذَلِك اسْتمرّ خير الدّين باشا فِي غَزْو مراكب الافرنج وَالنُّزُول على بعض شواطئ ايطاليا وفرنسا واسبانيا واخذ كل مَا تصل اليه يَده من اموال واهالي وَفتح الْحصن الَّذِي اقامه الاسبانيول فِي جَزِيرَة صَغِيرَة امام مَدِينَة الجزائر ثمَّ ارسل اليه السُّلْطَان سُلَيْمَان بعد تحالفه مَعَ فرانسا ان يكف عَن مراكب الفرنساويين وشواطئهم فحول كل قواده على شاطئ اسبانيا وانتقم من اهلها على مَا ارتكبوه من الفظائع والمنكرات مَعَ الْمُسلمين بعد سُقُوط غرناطة فِي ايديهم وساعد كثيرا

стр. 185

مِمَّن بَقِي بِبِلَاد الاندلس من الْمُسلمين على الرُّجُوع إِلَى بِلَاد الغرب والاستيطان بهَا فِرَارًا من اضطهاد الاسبانيول واجبارهم لَهُم على الْخُرُوج من دين الاسلام واعتناق الدّين المسيحي مِمَّا لَا يدْخل فِي مَوْضُوع هَذَا الْكتاب وَفِي اوائل سنة ١٥٣٣ استدعاه السُّلْطَان سُلَيْمَان إِلَى الاستانة ليتفق مَعَه على مَا يلْزم اتِّخَاذه من الاحتياطات لصد هجمات الاميرال اندري دوريا الجنوي اجير شارلكان فسافر بِبَعْض المراكب وَوصل الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد سفر الصَّدْر الاعظم ابراهيم باشا لمحاربة الْعَجم بِقَلِيل فقابله الْملك واحسن وفادته وامره بالاستعداد وانشاء المراكب الكافية لفتح اقليم تونس فاشتغل خير الدّين باشا طول الشتَاء بانشاء المراكب وَفِي اوائل صيف سنة ١٥٣٤ بعد مَا سَافر السُّلْطَان سُلَيْمَان قَاصِدا مَدِينَة تبريز كَمَا مر خرج خير الدّين بمراكبه من بوغاز الدردنيل غير قَاصد تونس مُبَاشرَة بل عرج فِي طَرِيقه على جَزِيرَة مالطة وَبَعض موانيء جنوب ايطاليا لغزو مراكبها واهلها بِدُونِ احتلالها حَتَّى لَا يعلم قَصده الاصلي وَهُوَ فتح تونس ثمَّ قصد مَدِينَة تونس فِي اوائل سنة ١٥٣٥ واعلن الاهالي انه آتٍ لعزل السُّلْطَان مولَايَ حسن آخر سلالة بني حَفْص وَكَانَ الاهالي ناقمين عَلَيْهِ لميله لشارلكان وتنصيب اخيه حسن الرشيد مَكَانَهُ وَبِذَلِك احتل مَدِينَة تونس وثغرها الْمُسَمّى حلق الْوَادي بِدُونِ كثير عناء باسم السُّلْطَان سُلَيْمَان العثماني وَلما وصل الامبراطور شارلكان خبر سُقُوط تونس اتَّحد مَعَ رهبنة القديس حنا الاورشليمي الَّتِي نزلت بِجَزِيرَة مالطة بعد فتح جَزِيرَة رودس على استرجاع

стр. 186

تونس واعادة مولَايَ حسن الى تخت ملكه وجهز عمَارَة قَوِيَّة قادها هُوَ بِنَفسِهِ وَنزل مَعَ اشراف اسبانيا من ثغر برشلونة فِي ٢٩ مايو سنة ١٥٣٥ وَوصل الى حلق الْوَادي فِي ١٦ يونيه وحاصرها هِيَ ومدينة تونس مُدَّة شهر تَقْرِيبًا وَفتحهَا فِي ١٤ يوليو وَاسْتولى على مَا بقلعتها وثغرها من المدافع والمراكب وَفِي يَوْم ٢١ يوليو دخلت جيوش شارلكان الْمَدِينَة وَصرح لَهُم بنهبها فَقتلُوا ونهبوا وفسقوا وارتكبوا كل انواع الْمُحرمَات وهدموا الْمَسَاجِد وحرقوا ومزقوا اغلب الْكتب النفيسة وَفِي اول اغسطس دَخلهَا شارلكان وَمنع الْجَيْش عَن هَذِه الاعمال فاستتب الامن وسادت السكينَة وَفِي ثَمَانِيَة مِنْهُ امضيت معاهدة بَين شارلكان ومولاي حسن الَّذِي اعيد الى ملكه تقضي عَلَيْهِ باخلاء سَبِيل الارقاء المسيحيين والاباحة لجَمِيع المسيحيين بالاستيطان فِي اقليم تونس واقامة شَعَائِر دينهم بِدُونِ مُعَارضَة وان يتنازل لشارلكان عَن مَدَائِن بونه وَبني زرت وَحلق الْوَادي وان يدْفع لَهُ مبلغ اثنى عشر الف دوكا مصاريف الْحَرْب وان يقدم لَهُ سنويا اثنى عشر حصانا وقدرها من المهارة الْعَرَبيَّة عَلامَة امتنانه بِشَرْط انه لَو خَالف احدى هَذِه الشُّرُوط يدْفع اول مرّة خمسين الف دوكا وَفِي الثَّانِيَة مائَة الف وَفِي الثَّالِثَة يسْقط حَقه فِي الْملك وَفِي ١٧ اغسطس سَافر الامبراطور شارلكان تَارِكًا فِي حلق الْوَادي الف جندي اسبانيولي وَعشرَة مراكب حربية اما خير الدّين باشا فانه لما راى تحزب الاهالي وميلهم لسلطانهم الْمَعْزُول وَعدم وجود الْجنُود الكافية مَعَه وَبعده عَن مَرْكَز السلطنة لامداده فِي الْوَقْت اللَّازِم ارتحل بجُنُوده على مراكبه

стр. 187

اتِّحَاد فرنسا والدولة الْعلية على محاربة النمسا وَبَعض وقائع اخرى ولنرجع إِلَى ذكر محالفة فرنسا مَعَ الدولة الْعلية ونتائجها فَنَقُول ان اتِّفَاقهمَا كَانَ قَاضِيا بَان الدولة الْعلية تجْعَل وجهة حروبها بِلَاد نابولي وجزيرة صقلية واسبانيا عوضا عَن مهاجمة النمسا الَّتِي تتحد جَمِيع امارات وممالك المانيا للمدافعة عَنْهَا اذ هِيَ مَعَ استقلالها جُزْء من التَّحَالُف الالماني وان جيوش فرنسا تدخل بِلَاد ايطاليا من جِهَة اقليم بيمونتي بشمال غرب ايطاليا حينما تدْخلهَا الجيوش العثمانية من جِهَة مملكة نابولي لَكِن عدم دُخُول جمهورية البندقية فِي هَذَا التَّحَالُف واظهارها الْعدوان لَهُم كَانَ سَببا فِي عدم نجاح كل هَذِه التدبيرات وساعد ذَلِك هياج الراي الْعَام المسيحي ضد التَّحَالُف الفرنساوي العثماني واحجام فرنسوا الاول امام النفور الْعَام خشيَة ان يرْمى بالمروق عَن دينه المسيحي باتحاده مَعَ دولة اسلامية لمحاربة دولة تدين بِدِينِهِ فاراد السُّلْطَان سُلَيْمَان الانتقام من جمهورية البنادقة على عدم انحيازها لتحالفه مَعَ انه رَاعى جوارها وَلم يغز بِلَادهمْ فارسل خير الدّين باشا الَّذِي ترقى إِلَى رُتْبَة قبودان باشا جَمِيع الدوننمات العثمانية وَمَعَهُ نَحْو الف سفينة لمحاصرة جَزِيرَة كورفو فحاصرها فِي شهر سبتمبر سنة ١٥٣٧ واتى السُّلْطَان بِنَفسِهِ لمناظرة الْحصار لكنه امْر بِرَفْعِهِ عَنْهَا لشدَّة دفاع اهلها وَعدم ضيَاع وقته النفيس حول هَذِه الجزيرة وَعَاد هُوَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فوصلها اول نوفمبر من السّنة الْمَذْكُورَة وارسل خير الدّين باشا لفتح مَا بَقِي من جزائر الرّوم فَفتح اغلبها وغزا جَزِيرَة كريد وَفِي عودته قَابل دونانمة مؤلفة من مائَة وَسبعين سفينة تَقْرِيبًا يَقُودهَا اندري روبا اميرال شارلكان فحاربها وانتصر عَلَيْهَا فِي ٢٥ سبتمبر سنة ١٥٣٨

стр. 188

وَفِي مايو سنة ١٥٣٨ جمع السُّلْطَان سُلَيْمَان بِبِلَاد الارنؤود جَيْشًا عَظِيما مؤلفا من مائَة الف مقَاتل لشن الْغَارة على بِلَاد ايطاليا وَكَانَ مَعَه ولداه مُحَمَّد وسليم وسفير فرانسا المسيو دولا فوري وَفِي الْوَقْت نَفسه نزل خير الدّين باشا بميناء اوترانته بجنوب ايطاليا اسْتِعْدَادًا لمهاجمتها من جِهَة الْجنُوب بَيْنَمَا يهاجمها السُّلْطَان سُلَيْمَان من جِهَة الشرق وَملك فرانسا من جِهَة الغرب لَكِن احجام فرانسا عَن التَّقَدُّم اطاعة للراي الْعَام كَمَا ذكرنَا كَانَ السَّبَب فِي عدم نجاح هَذَا الْمَشْرُوع الَّذِي لَو تمّ لكَانَتْ نتيجته دُخُول بِلَاد ايطاليا باسرها تَحت ظلّ الدولة الْعلية وانْتهى الامر بَان تهادن ملك فرانسا مَعَ الامبراطور شارلكان وامضيا مهادنة نيس سنة ١٥٣٨ اما من جِهَة البندقية فاستمرت الْحَرْب بَينهَا وَبَين الدولة الْعلية سجالا انْتَهَت بِالصُّلْحِ فِي اواخر سنة ١٥٣٨ بتنازل البندقية عَن ملفوازي ونابولي دي رومانيا من بِلَاد موره هَذَا اما من جِهَة بِلَاد المجر فابتدات الحروب ثاينة سنة ١٥٣٧ وانتهت بانهزام جَيش الماني مُرْسل من قبل شارلكان تَحت رياسة اشهر قواده فِي ٢ ديسمبر سنة ١٥٣٧ وَفِي سنة ١٥٣٨ عصى امير البغدان بِنَاء على تحريض فردينان ملك النمسا فقهر وَولي مَكَانَهُ اخوه اسطفن وعززت الحامية العثمانية منعا لحُصُول مثل ذَلِك وَفِي هَذِه الاثناء اتّفق فردينان وزابولي ملك المجر على اقتسام الْبِلَاد اولى من تدخل العثمانيين فِي شؤونهم كَمَا سبق وَوُجُود المجر تَحت حمايتهم الامر المشين لكافة الممالك المسيحية وَكَانَت هَذِه دسيسة من فردينان للايقاع بزابولي الَّذِي قبل حماية العثمانيين لَهُ مُدَّة من الزَّمن فارسل صُورَة هَذَا الِاتِّفَاق إِلَى الْبَاب العالي ليعلمه بِعَدَمِ وَلَاء زابولي لَهُ

стр. 189

موت زابولي ملك المجر وسفر السُّلْطَان إِلَى بود لمحاربة النمساويين ثمَّ مَاتَ زابولي سنة ١٥٤٠ قبل ان تقتص الدولة الْعلية مِنْهُ على خيانته تَارِكًا طفْلا صَغِيرا ولد قبل مَوته بِخَمْسَة عشر يَوْمًا فاغارت على الْفَوْر جيوش النمسا على المجر منتهزين هَذِه الفرصة لنوال ماربهم أَي استخلاص بِلَاد المجر من حماية وتباعية الدولة الْعلية وحاصروا ارملة زابولي وابنهما فِي مَدِينَة بود واحتلوا مَدِينَة بيست الْمُقَابلَة لَهَا على نهر الطونة وعدة قلاع بِالْقربِ مِنْهَا وبمجرد وُصُول هَذَا الْخَبَر للدولة الْعلية قَامَ السُّلْطَان بِنَفسِهِ قَاصِدا بِلَاد المجر فِي شهر يوليو سنة ١٥٤١ وَوصل فِي ٢٩ اغسطس إِلَى مَدِينَة بود الَّتِي رفع النمساويون عَنْهَا الْحصار بِمُجَرَّد سماعهَا خبر قدوم السُّلْطَان وجيوشه وَاشْتَدَّ ياس الْجنُود المجرية المحصورة داخلها خشيَة من وقوعهم بَين نارين وَفِي الْيَوْم التَّالِي قدم إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان ولد زابولي وَفِي اثناء الاحتفال بقدومه احتل الانكشارية الْمَدِينَة ثمَّ دَخلهَا السُّلْطَان باحتفال زَائِد وَجعل بِلَاد المجر ولَايَة عثمانية وحول اكبر كنائسها إِلَى مَسْجِد جَامع وتعهد جلالة السُّلْطَان كِتَابَة إِلَى ارملة زابولي بانه لايحتل بِلَاد وَلَدهَا الا مُدَّة طفولته وَيُعِيدهَا لَهُ مَتى بلغ رشده وعقب ذَلِك بِقَلِيل وصل إِلَى معسكر السُّلْطَان سُلَيْمَان وَفد من قبل ملك النمسا يحمل اليه كثيرا من الْهَدَايَا النفيسة مِنْهَا سَاعَة تدل على الايام والشهور وسير الْكَوَاكِب وَعرض عَلَيْهِ هَذَا الْوَفْد دفع مائَة الف فلورين سنويا جِزْيَة عَن جَمِيع بِلَاد المجر لَو تَركهَا لَهُ السُّلْطَان اَوْ اربعين الْفَا فَقَط عَن الْجُزْء المحتلة لَهُ جيوش النمسا فاجابه السُّلْطَان ان لايتخابر مَعَهم بِخُصُوص الصُّلْح الا من بعد ان يخلي فردينان القلاع المجرية الَّتِي بِيَدِهِ وَلذَا لم يتم الصُّلْح وَبَقِي الْعدوان مستمرا وَبعد ذَلِك بايام قَلَائِل وصل إِلَى السُّلْطَان سفير فرنساوي يُخبرهُ باستئناف الحروب بَين فرانسا وشارلكان وانه يسْعَى فِي تَجْدِيد التَّحَالُف بَين الدولة وَالْبَاب العالي لمحاربة شارلكان وَمِمَّا يدل على ضعف سياية فرانسوا الاول وَعدم ثباته انه

стр. 190

بعد ان امضى مَعَ شارلكان هدنة نيس ساعده ايضا لَدَى الدولة العثمانية للحصول على هدنة بَينهَا وَبَينه وَكتب فِي سنة ١٥٣٩ بذلك خطابا للسُّلْطَان سُلَيْمَان فجاوبه السُّلْطَان لَا يهادنه الا اذا رد لَهُ لملك فرانسا جَمِيع القلاع والحصون الَّتِي فتحهَا وَلما لم يقبل شارلكان ذَلِك فترت العلاقات بَينهمَا وَصَارَت الْحَرْب قاب قوسين اَوْ ادنى سنة ١٥٤١ وارسل المسيو رونسون إِلَى القسطنطينة ليتفق مَعَ السُّلْطَان على الترتيبات الحربية اللَّازِمَة وَفِي اثناء مسير هَذَا السفير من اقليم ميلان قَتله اُحْدُ اعوان حَاكم هَذَا الاقليم التَّابِع لشارلكان وَبِنَاء على اوامره طَمَعا فِي العثور على اوراق مَعَه للسُّلْطَان يُوجد بهما مَا يمس الدّين المسيحي فينشرها بَين مُلُوك وامراء اوروبا ليوغر صُدُورهمْ عَلَيْهِ ويتركوه بِلَا مساعدة فيفوز هُوَ بالغلبة عَلَيْهِ لَكِن خَابَ مسعاه حَيْثُ لم يجد مَعَه اوراقا من هَذَا الْقَبِيل بل اهرق دم السفير هدرا سفر الدونانمة العثمانية إِلَى فرانسا وَفتح مَدِينَة نيس وَلما بلغ فرانسوا الاول خبر قتل سفيره ارسل بدله اُحْدُ ضباطه المسيو بولان إِلَى السُّلْطَان سُلَيْمَان يطْلب مِنْهُ مساعدته على محاربة شارلكان بسفنه وقائدها خير الدّين باشا فتردد السُّلْطَان اولا لعدم ثبات ملك فرنسا وَضعف عزيمته وَقبل اخيرا بِنَاء على الحاح السفير وتعضيد خير الدّين باشا لَهُ لَا سِيمَا وَقد وصل اليه خبر مهاجمة شارلكان بجيوشه لمدينة الجزائر وارتداده عَنْهَا خائبا فِي ٣١ اكتوبر سنة ١٥٤١ وَفِي ربيع سنة ١٥٤٣ سَافر السُّلْطَان بجيوشه إِلَى بِلَاد المجر لاستئناف المحاربات وَفِي الْوَقْت نَفسه اقلع خير الدّين باشا من مياه الاستانة بمراكبه وَمَعَهُ السفير الفرنساوي بولان قَاصِدا مرسيليا احدى موانئ فرانسا الجنوبية فوصلها بعد ان غزا فِي طَرِيقه سواحل جَزِيرَة صقلية وقوبل من الفرنساويين بِكُل تَجِلَّةً واكبار وانضمت سفنه إِلَى سفنهم وَمِنْهَا اقلعوا إِلَى مَدِينَة نيس فحاصروها من جِهَة الْبَحْر وفتحوها عنْوَة فِي ٢١ جُمَادَى الاولى سنة ٩٥٠ ٢٢ اغسطس سنة ١٥٤٣ ولوقوع الشحناء بَين العسكرين لم يتم احتلالها

стр. 191

ثمَّ اذن لخير الدّين باشا ومراكبه بتمضية فصل الشتَاء فِي ميناء طولون بفرنسا واعطى لَهُ ثَمَانمِائَة الف ريال فرنساوي للصرف على جُنُوده وَفِي ربيع السّنة التالية سنة ١٥٤٤ رفض فرانسوا الاول مساعدة الْعِمَارَة العثمانية لَهُ لهياج جَمِيع المسيحيين عَلَيْهِ ونسبتهم اياه للمروق عَن دينه لاستعانته بِالْمُسْلِمين وابرم مَعَ شارلكان فِي مارس سنة ١٥٤٤ معاهدة كريسي القاضية بِالصُّلْحِ فَعَاد خير الدّين باشا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَتُوفِّي سنة ٩٥٣ هـ سنة ١٥٤٦ م وَدفن بِجِهَة بشكطاش على شاطئ البوسفور فِي الْمحل الْمعد لمرسى الدونانمات العثمانية ابرام الصُّلْح مَعَ النمسا اما من جِهَة النمسا فاستمر الْقِتَال بَينهمَا وَبَين العثمانيين مُدَّة من الزَّمن كَانَ النَّصْر فِيهَا غَالِبا فِي جَانب الْجنُود المظفرة الاسلامية واخيرا ابتدئ فِي المخابرات بَين الطَّرفَيْنِ للتوصل إِلَى عقد صلح مرضى لكل مِنْهُمَا واستمرت المخابرات جَارِيَة إِلَى سنة ١٥٤٧ لعدم اتِّفَاقهمَا وسعى سفير فرنسا المسيو جِبْرِيل درامون فِي عدم الْوُصُول إِلَى الْوِفَاق طَمَعا مِنْهُ فِي تَجْدِيد علائق الالفة بَين دولته والدولة الْعلية لَكِن وَفَاة فرانسوا الاول فِي شهر مارس سنة ١٥٤٧ ساعدت على اتمام الصُّلْح فتم الامر بَينهمَا فِي ١٩ يونيه اول جمادي الاولى سنة ٩٥٤ على هدنة خمس سنوات بِشَرْط ان يدْفع فردينان ملك النمسا جِزْيَة سنوية مقدارها ثَلَاثُونَ الف دوكا نَظِير مَا بَقِي تَحت يَده من بِلَاد المجر وان تبقى بِلَاد المجر تَابِعَة لِابْنِ

стр. 192

زابولي اميرها الاخير تَحت وصاية امهِ ايزابلا ورعاية الدولة الْعلية هَذَا ولنذكر مَا حصل فِي هَذِه الْمدَّة من الحروب فِي جِهَات آسيا فَنَقُول انه حضر إِلَى دَار الْخلَافَة الْعُظْمَى سنة ١٥٣٧ سفير من قبل صَاحب دهلي بِالْهِنْدِ يستنجده ضد همايون بن ظَاهر الدّين مُحَمَّد الشهير ببابر صَاحب دهلي وَآخر من قبل صَاحب الجوزرات بِالْهِنْدِ ايضا يطْلب مِنْهُ المساعدة ضد البرتغاليين الدّين اغاروا على بِلَاده واحتلوا اهم ثغورها فتح عدن فارسل السُّلْطَان اوامره إِلَى من يدعى سُلَيْمَان باشا وَالِي مصر اذ ذَاك بتجهيز عمَارَة بحريّة بثغر السويس على الْبَحْر الاحمر لمحاربة البرتغاليين وَفتح عدن وبلاد الْيمن حَتَّى لَا تستولي عَلَيْهَا البرتغال اَوْ أَي دولة اوروبية اخرى فَتَصِير حجر عَثْرَة فِي سَبِيل تقدم الدولة الْعلية فِي جِهَات الشرق وَقَاعِدَة لاعمال الدولة الَّتِي تحتلها ضد مصر فصدع سُلَيْمَان باشا بامره وشيد عمَارَة بحريّة هائلة مؤلفة من سبعين سفينة فِي اقْربْ وَقت وسلحها بالمدافع الضخمة وَسَار بهَا فِي يونيو سنة ١٥٣٨ وَمَعَهُ عشرُون الف جندي وَفتح مَدَائِن عدن ومسقط وحاصر جَزِيرَة هُرْمُز عِنْد مدْخل

стр. 193

الْعَجم ثمَّ قصد سواحل الجوزرات وَفتح اغلب الْحُصُون الَّتِي اقامها البرتغاليون هُنَاكَ لَكِن اخفق امام ثغر ديو بعد ان حاصره مُدَّة ثمَّ قفل رَاجعا بالغنائم وَفتح فِي ايامه بَاقِي اقليم الْيمن وَجعل ولَايَة عثمانية وَفِي سنة ١٥٤٧ قبل اتمام الصُّلْح مَعَ النمسا اتى إِلَى الْبَاب العالي اخ لشاه الْعَجم يدعى القاصب مرزا وَطلب من السُّلْطَان انجاده ضد اخيه الَّذِي اهتضم لَهُ حقوقا فانتهز السُّلْطَان هَذِه الفرصة لتجديد الاغارة على بِلَاد الْعَجم وانتظر ريثما يتم الصُّلْح باوروبا ويهدأ باله من جِهَتهَا دُخُول العثمانيين مَدِينَة تبريز ثَالِث دفْعَة وَفِي اوائل سنة ١٥٤٨ سَار بجيوشه قَاصِدا مَدِينَة تبريز فَدَخلَهَا ثَالِث دفْعَة وَفتح فِي طَرِيقه الْجُزْء التَّابِع للعجم من بِلَاد الكرد وقلعة وان الشهيرة وَعَاد يحف بِهِ النَّصْر وَالظفر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي دسمبر سنة ١٥٤٩ اما القاصب مرزا فاخذ اسيرا فِي احدى الوقائع الحربية بعد ان سَار مَعَ جَيش من الاكراد إِلَى قرب مَدِينَة اصفهان وَلم تدم السكينَة فِي ربوع بِلَاد المجر والنمسا بدسيسة رَاهِب يدعى مارتنيوزي كَانَت قربته اليها الملكة ايزابلا بِنَاء على وَصِيَّة زَوجهَا لَهَا قبل مَوته فانه سعى فِي التَّوْفِيق بَين الملكة وفردينان ملك النمسا حَتَّى انه تحصل بِقُوَّة دهائه وسلطته الدِّينِيَّة على ان تنازلت الملكة إِلَى فردينان عَن اقليم ترانسلفانيا ومدينة تمسفار خلافًا لشروط الْهُدْنَة وسير فردينان جَيْشًا نمساويا لاحتلالهما وَفِي اثناء هَذِه المخابرات كَانَ الراهب يُكَاتب السُّلْطَان سُلَيْمَان وَيظْهر لَهُ الاخلاص وَصدق الْوَلَاء لَكِن لم تخف حَقِيقَة الامر على السُّلْطَان بل علم بِهَذَا التنازل الْمُخَالف للعهود وارسل على الْفَوْر جيوشه المظفرة للمحافظة على نَفاذ شُرُوط الْهُدْنَة وارجاع النمساويين إِلَى حدودهم فارسل جَيْشًا مؤلفا من ثَمَانِينَ الف جندي إِلَى بِلَاد المجر فِي شهر سبتمبر سنة ١٥٥١ وَلم يُقَابل هَذَا الْجَيْش فِي طَرِيقه مقاومة تذكر بل فتح بِكُل

стр. 194

سهولة القلاع والحصون المحتلة لَهَا جيوش النمسا لاخلاء النمساويين لَهَا عِنْد اقتراب الْجنُود العثمانية اليها ودنوها مِنْهَا وَلما راى الراهب مارتينوزي افول نجمه وَعدم نجاحه فِي الْحُصُول على مرغوبه اراد السَّعْي لَدَى السُّلْطَان سُلَيْمَان مظْهرا لَهُ ميله لمساعدته فِي اخضاع اقليم ترنسلفانيا الَّذِي قاوم الجيوش العثمانية مقاومة شَدِيدَة طَمَعا فِي ان يعين هُوَ واليا عَلَيْهَا فاحس فردينان بخيانته ودس عَلَيْهِ من قَتله فِي دسمبر سنة ١٥٥١ وَفِي سنة ١٥٥٢ انتصر العثمانيون على النمساويين فِي عدَّة وقائع وَفتح الْوَزير الثَّانِي احْمَد باشا مَدِينَة تمسفار وحاصرت الجيوش بعد ذَلِك مَدِينَة ارلو بِبِلَاد النمسا الحصينة مُدَّة من الزَّمن ثمَّ رفع عَنْهَا الْحصار عَلَيْهَا واجبارها على التَّسْلِيم بِمَنْع المؤونة عَنْهَا لاقتراب فصل الشتَاء وشدته فِي هَذِه الاقاليم وَفِي اثناء ذَلِك كَانَ القبودان طرغول الَّذِي خلف القبودان الشهير خير الدّين باشا فِي غَزْو مراكب الافرنج وشواطئ بِلَادهمْ قد حَاز شهرة عَظِيمَة فِي الحروب البحرية وخافت باسه جَمِيع دوَل الافرنج المعادية للدولة الْعلية وَحفظ اسْم البحرية العثمانية من السُّقُوط بِمَوْت رئيسها بل ومؤسسها الاكبر خير الدّين باشا معاهدة سنة ١٥٥٣ بَين الدولة الْعلية وفرنسا وَبعد موت السُّلْطَان فرانسوا الاول ملك فرنسا حذا وَلَده هنري الثَّانِي حذوه ونسج على منواله فِي مُوالَاة الدولة الْعلية والمحافظة على محبتها وتوثيق عرى

стр. 195

الالفة والاتحاد مَعهَا للاستعانة ببحريتها عِنْد الْحَاجة فابقى المسيو جِبْرِيل درامون سفيرا لَهُ بدار السَّعَادَة وامره بمرافقة السُّلْطَان فِي حَملته الاخيرة على بِلَاد الْعَجم فرافقه وَفِي عودته زار بَيت الْمُقَدّس فقابله الرهبان والقسوس بِكُل احتفال لتاييد المعاهدات السَّابِقَة القاضية بِجعْل جَمِيع الكاثوليك المستوطنين باراضي الدولة الْعلية تَحت حماية فرنسا ثمَّ عَاد إِلَى فرنسا فَوجدَ نيران الْحَرْب قد اشتعلت ثَانِيًا بَينهَا وَبَين النمسا فَعَاد إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَاتفقَ مَعَ الْبَاب العالي على ان تتحد الدونانمة التركية مَعَ الْعِمَارَة الفرنساوية لفتح جَزِيرَة كورسيكا مجازاة لاهالي جنوه المحتلين لَهَا على مساعدتهم لشارلكان ولتكون مركزا لاعمال الدونانمتين فِي غَزْو سواحل اسبانيا وايطاليا وابرمت بذلك معاهدة بتاريخ ١٦ صفر سنة ٩٦٠ اول فبراير سنة ١٥٥٣ وَهَذَا نَصهَا مترجمة عَن مَجْمُوعَة البارون دي تستا السَّابِق ذكرهَا ان جلالة السُّلْطَان سُلَيْمَان وهنري دي فالوا الثَّانِي ملك الفرانك قد ابرما اتحادا مُشْتَمِلًا على الْعبارَة الْآتِيَة بِخُصُوص الْحَرْب البحري جعله الله حميد الْعَاقِبَة الَّذِي سيشرعان فِيهِ ضد الامبراطور شارلكان البند ١ بِمَا ان جلالة السُّلْطَان سُلَيْمَان سُلْطَان التّرْك بارساله عمَارَة بحريّة فِي بَحر التوسكان ضد الامبراطور شارل الْخَامِس قد اعان بذلك هنري دي فالوا مُدَّة سنتَيْن بِنَاء على طلبه المتكرر فِي باديء الامر وبالخصوص بِنَاء على ترجياته الْبَالِغَة اقصى دَرَجَات الحض فقد اتّفق بَان الْملك هنري يدْفع ثَلَاثمِائَة الف قِطْعَة

стр. 196

من الدهب بِصفة متاخر مُرَتّب الدونانمة وَذَلِكَ حِين مَا تصير الملاحة مامونة لنقل النُّقُود بالعمارة وان السفن الحربية التابعة للْملك هنري لَا تتباعد عَن الْعِمَارَة الْمَذْكُورَة وَتعْتَبر كانها مَرْهُونَة نَظِير الْمبلغ الْمَذْكُور حَتَّى يدْفع لاميرال عمَارَة السُّلْطَان سُلَيْمَان البند ٢ مَتى توفر هَذَا الشَّرْط بِوَجْه الْعَدَالَة فان جلالة السُّلْطَان التّرْك سُلَيْمَان يقوم بتجهيز سِتِّينَ مركبا حَرْبِيّا ذَات ثَلَاثَة صُفُوف و ٢٥ قرصانا بحريا ويرسلها للْملك هنري فِي مُدَّة اربعة شهور مُتَوَالِيَة من ابْتِدَاء اول مايو الْقَابِل البند ٣ اما فِي حَالَة مَا إِذا اراد هنري دي فالوا ان يسْتَعْمل الْعِمَارَة الْمَذْكُورَة فِي اثناء هَذِه الْمدَّة للاستعانة بهَا على الْجِهَات الغربية أَي الْجِهَات الْوَاقِعَة من ابْتِدَاء كروتون لغاية جائت فانه يقوم بِدفع مائَة وَخمسين الف قِطْعَة من الدهب إِلَى جلالة سُلْطَان التّرْك سُلَيْمَان بغاية من الضَّبْط البند ٤ كل سفينة تَابِعَة للامبراطور اَوْ للمتحالفين مَعَه سَوَاء اكانت معدة للنَّقْل اَوْ كَانَت من المراكب الْخَفِيفَة وَسَوَاء اكانت سفنا حربية صَغِيرَة اَوْ كَبِيرَة فبمجرد وُقُوعهَا اسيرة لَدَى الْعِمَارَة العثمانية تصير من تِلْكَ اللحظة ملكا للسُّلْطَان سُلَيْمَان ملك التّرْك البند ٥ المدن والقصبات والقرى والكفور الَّتِي تتغلب عَلَيْهَا هَذِه الْعِمَارَة تكون مُبَاحَة غنيمَة للترك وَجَمِيع سكانها راشدين اَوْ قاصرين رجَالًا كَانُوا اَوْ نسَاء وَلَو انهم معتنقون الدّيانَة المسيحية وَيَكُونُونَ قد سلمُوا انفسهم باختيارهم فانه لَا بُد من تَركهم اسراء وعبيدا للترك بِمُقْتَضى وَاجِبَات الِاتِّفَاق الصَّرِيحَة بِهَذَا الصدد الَّتِي قر عَلَيْهَا الامر بَين السُّلْطَان سُلَيْمَان وَبَين فرانسوا ابي هنري من مُنْذُ سبع عشرَة سنة الا ان امتلاك هَذِه المدن والقصبات والقرى والكفور والمؤن والذخائر وَكَذَلِكَ مدافع البرونز صَغِيرَة كَانَت اَوْ كَبِيرَة مَعَ جَمِيع متعلقاتها من حيوانات وَغَيرهَا الَّتِي تُوجد فِيهَا فانها تتْرك للْملك هنري بِمُوجب هَذِه المعاهدة

стр. 197

البند ٦ إِذا اصدر الْملك هنري امْرَهْ إِلَى عمَارَة جلالة السُّلْطَان سُلَيْمَان بَان تحارب شارل ملك النمسا غير متجهة نَحْو الغرب بل نَحْو الشرق والجنوب ويقصد بذلك مسيرها فِي الشواطيء من عِنْد مصب نهر ترونتو لغاية كروتون بِحَيْثُ ان هَذِه الْعِمَارَة تقوم باعباء اوامر هنري بِدُونِ مُقَابل فقد اتّفق على ان الْموَاد الحربية ومؤنات المدن والقصبات الَّتِي تقع تَحت يَد التّرْك يتنازل عَنْهَا للْملك هنري وَلَكِن المدن والقصبات والقرى والكفور فانها تتْرك غنيمَة للترك كَمَا تقرر ذَلِك بالبند السَّابِق واما الوطنيون والمزارعون والقاطنون البالغون والقاصرون الرِّجَال مِنْهُم وَالنِّسَاء فانهم يسلمُونَ للاسر بِدُونِ مُعَارضَة حَتَّى وَلَو كَانُوا مِمَّن يعتنقون الدّيانَة المسيحية بل وَلَو كَانُوا مِمَّن اسْلَمْ نَفسه بمحض ارادته البند ٧ يُمكن لاميرال جلالة الْملك سُلَيْمَان ان يستولي وياسر باسم مليكه الافخم كل مَكَان تقدم عَلَيْهِ الْعِمَارَة التركية المظفرة مَتى راى ثمَّة من فَائِدَة وَذَلِكَ من ابْتِدَاء حُدُود نهر ترونتو لغاية أوترانت وكرتون وَمن ثمَّ لغاية صقلية ونابولي وعموما جَمِيع الاقاليم الْمَمْلُوكَة للامبراطور شارل الْخَامِس ملك النمسا سَوَاء اكان ذَلِك الْمَكَان دَاخل الاراضي اَوْ سَوَاء اكان مَدِينَة اَوْ قَصَبَة اَوْ قَرْيَة اَوْ كفرا اَوْ ميناء اَوْ خليجا وَله الْحق فِي الِاسْتِيلَاء على أَي سفينة يصادفها وَله ان يَغْزُو بل وان ينهب وياسر الرِّجَال وَالنِّسَاء الْبَالِغين اَوْ القاصرين حَتَّى انه يُمكنهُ مَتى شَاءَ ان يحافظ ويتملك جَمِيع مَا يغتنمه سَوَاء اكان من بني الانسان اَوْ المدن اَوْ الْبيُوت الخلوية وان يعدها ويستعملها لاحتياجاته وَلَو ضد رَغْبَة الفرنك وبالرغم عَن مضادتهم الشَّدِيدَة فِي ذَلِك البند ٨ إِذا تحصل جلالة السُّلْطَان سُلَيْمَان على تملك احدى الاربع مدن

стр. 198

حصنها فِي اقليم البوي بِوَاسِطَة مساعي فردينان سنسيفرن برنس دي سالرنيتين بِمُقْتَضى تعهد هَذَا الامير فجلالة السُّلْطَان سُلَيْمَان يُعِيد إِلَى هنري مبلغ الثلاثمائة الف قِطْعَة من الذَّهَب الَّتِي ضمن لَهُ كَمَا تقدم دَفعهَا وَذَلِكَ فِي حَالَة مَا إِذا كَانَت دفعت اليه البند ٩ جلالة السُّلْطَان سُلَيْمَان يسلم عدا عَن ذَلِك الثَّلَاثِينَ سفينة حربية وبحارتها بِدُونِ ادنى فديَة وَكَذَا المدافع والمؤن وَجَمِيع الْموَاد وَيسْتَثْنى من ذَلِك رجال بحريَّته الخصوصيون وعساكره كَمَا وانه يدْفع فِي اقْربْ وَقت لبرنس سالرن الَّذِي بذل نَفسه وكل مَا فِي وَسعه للحصول عَلَيْهَا وَكَانَ نصِيبه ان حرم من منصبه وطرد من وَطنه وبيته مبلغ الثَّلَاثِينَ الف قِطْعَة من الذَّهَب الَّتِي صرفهَا بِكُل ارتياح وكرم فَهَذِهِ البنود بالحالة الَّتِي هِيَ مَكْتُوبَة بهَا اعلاه قد وضحت بِحَسب مَا جرت بِهِ الْعَادة بِكَلَام مضبوط لايقبل التَّأْوِيل بِوَاسِطَة ارامونت سفير هنري لَدَى جلالة السُّلْطَان سُلَيْمَان الَّذِي اضاف اليها قسما صَرِيحًا بِحُضُور برنس سالرنيتين بِصفة كَونه نَائِبا امينا وَمن جِهَة اخرى فقد تصدق عَلَيْهَا من رستم باشا بِمُوجب السلطة الممنوحة لَهُ من لدن جلالة السُّلْطَان سُلَيْمَان وَقد ابرم جَمِيع ذَلِك وَاتفقَ عَلَيْهِ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي اول فبراير سنة ١٥٥٣ فسارت مراكب الدولتين وَفتحت جَزِيرَة كورسيكا بعد شن الْغَارة على بِلَاد كلابريا وجزيرة صقلية من اعمال ايطاليا لَكِن لوُقُوع النفرة بَين القائدين لم يسْتَمر احتلالها بل افْتَرَقت العمارتان وَرجع القبودان العثماني إِلَى الاستانة

стр. 199

وَكَانَت هَذِه آخر دفْعَة حَارب فِيهَا العثمانيون والفرنساويون كَتفًا لكتف لتغير الظروف والاحوال حَتَّى اتت حَرْب القرم الاخيرة الَّتِي حصلت فِي اواسط هَذَا الْقرن وحاربت فِيهَا فرنسا وانكلتره مَعَ الدولة الْعلية دولة الروس لَا دفاعا عَن الدولة العثمانية بل لاضعاف الروسيا حَتَّى لَا تتمكن من الِاسْتِيلَاء على بوغاز البوسفور كَمَا سَيَأْتِي مفصلا ولنذكر هُنَا حَادِثَة شنيعة وَهِي قتل السُّلْطَان لوَلَده الاكبر مصطفى بِنَاء على دسيسة احدى زَوْجَاته الْمُسَمَّاة فِي كتب الافرنج روكسلان اما فِي كتب التّرْك فاسمها خورم أَي الباسمة ذَلِك حَتَّى يتَوَلَّى بعده ابْنهَا سليم ولمالها من الثِّقَة بالصدر الاعظم رستم باشا اذ كَانَ تَعْيِينه بمساعيها لَدَى السُّلْطَان بعد موت اياس باشا وَمَا زَالَت تساعده حَتَّى زوجه السُّلْطَان ابْنَته مِنْهَا فكاشفته بمرغوبها وَهُوَ تمهيد الطَّرِيق لتولي ابْنهَا سليم فانتهز هَذَا الْوَزير فرْصَة انتشاب الْحَرْب بَين الدولة ومملكة الْعَجم فِي سنة ١٥٥٣ وَوُجُود مصطفى ضمن قواد الْجَيْش وَكتب إِلَى بيه بَان وَلَده يحرض الانكشارية على عَزله وتنصيبه كَمَا فعل السُّلْطَان سليم الاول مَعَ ابيه السُّلْطَان بايزيد الثَّانِي فَلَمَّا وصل هَذَا الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان وَكَانَت وَالِدَة سليم قد تمكنت من تَغْيِير افكاره نَحوه قَامَ فِي الْحَال قَاصِدا بِلَاد الْعَجم متظاهرا بانه يُرِيد ان يتَوَلَّى قيادة الْجَيْش وَلما وصل إِلَى المعسكر استدعى وَلَده الْمِسْكِين إِلَى سرادقه فِي يَوْم ١٢ شَوَّال سنة ٩٦٠ هـ ٢١ سبتمبر سنة ١٥٥٣ وبمجرد وُصُوله إِلَى الدَّاخِل خنقه بعض الْحجاب المنوطين بتنفيذ مثل هَذِه الاوامر فَقتل ﵀ شَهِيد دسائس زَوْجَة وَالِده وَعدم تثبت ابيه مِمَّا نسب اليه وَكَانَت هَذِه الفعلة الشنعاء نقطة سَوْدَاء فِي تَارِيخ السُّلْطَان سُلَيْمَان الَّذِي اتسعت دَائِرَة السلطنة فِي ايامه وَلَوْلَا دسيسة هَذِه الْمَرْأَة الاجنبية الَّتِي رُبمَا كَانَت مؤجرة لهَذِهِ الْغَايَة لبقي اسْمه لَا تشوبه شَائِبَة ثمَّ نقلت جثة هَذَا الشَّهِيد إِلَى مَدِينَة بورصه ودفنت مَعَ جثث اجداده وَلم تكتف هَذِه الْمَرْأَة البربرية الطباع بقتل مصطفى سُلْطَان بل ارسلت إِلَى مَدِينَة بورصة

стр. 200

من قتل ابْنه الرَّضِيع وَقَالَ فِي ذَلِك بعض الشُّعَرَاء ... يادهر وَيحك مَا ابقيت لي جلدا وانت وَالِد سوء تاكل الولدا ... وَكَانَ ﵀ محبوبا لَدَى الانكشارية لشجاعته ولدى الْعلمَاء وَالشعرَاء لاشتغاله بالادب وميله إِلَى الشّعْر فرثاه كثير من الشُّعَرَاء بقصائد رنانة وَلم يخشوا سطوة ابيه اما الانكشارية فثاروا وطلبوا من السُّلْطَان قتل الْوَزير رستم باشا الْمُدبر لهَذِهِ المكيدة حبا فِي حفظ منصبه فَعَزله السُّلْطَان تسكينا لخاطرهم وَولى مَكَانَهُ الْوَزير احْمَد باشا لَكِن لم يهدأ بَال زَوْجَة السُّلْطَان حَتَّى اغرت زَوجهَا على قتل هَذَا الْوَزير وارجاع رستم باشا مُكَافَأَة لَهُ على تَنْفِيذ سيء اغراضها وَبعد قتل هَذَا البريء تَوَجَّهت الجيوش إِلَى بِلَاد الْعَجم وَلم يحصل فِي هَذِه الْمرة وقائع مهمة بل بعد ان غزت الجيوش العثمانية بِلَاد شيروان بِدُونِ فَائِدَة تذكر مَال الْفَرِيقَانِ للصلح فتم بَينهمَا فِي ٨ رَجَب سنة ٩٦٢ ٢٩ مايو سنة ١٥٥٥ على ان يُبَاح للاعاجم الْحَج إِلَى بَيت الله الْحَرَام ويزاولوا مَذْهَبهم بِدُونِ تعرض وَكَانَ للسُّلْطَان سُلَيْمَان ابْن آخر اسْمه جهانكير حزن حزنا شَدِيدا على قتل اخيه مصطفى حَتَّى توفّي شَهِيد الْمحبَّة الاخوية بعد موت اخيه بِقَلِيل وَاخْتلف فِي مَوته انه قتل نَفسه امام وَالِده بعد ان بكته على قتل اخيه وَقيل غير ذَلِك وَبعد ذَلِك يقليل توفيت هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي سودت بدسائسها آخر سني حكم السُّلْطَان سُلَيْمَان الَّذِي اشْتهر قبل ذَلِك بِكُل الكمالات وَلم تكن هَذِه الْحَادِثَة خَاتِمَة الفظائع بل اعقبها بقتل ابْنه الثَّانِي بايزيد واولاده الْخَمْسَة وَذَلِكَ ان مربي بايزيد الْمَدْعُو لَا لَهُ مصطفى عين نَاظر خَاصَّة سليم سُلْطَان وَلكَون هَذَا الامير كَانَ يخْشَى مزاحمة اخيه بايزيد لَهُ فِي الْملك بعد موت ابيهما كاشف لَا لَهُ مصطفى بانه يُرِيد ايغار صدر ابيه على بايزيد ليَقْتُلهُ وَيكون هُوَ سليم الْوَارِث الوحيد لملك آل عُثْمَان فاخذ مصطفى يبْحَث عَن الطَّرِيقَة الموصلة

стр. 201

لهَذِهِ الْغَايَة المشؤمة حَتَّى هداه شَيْطَان عقله وابليس سَرِيرَته إِلَى ان يكْتب لبايزيد يَقُول لَهُ ان سليما منهمك فِي الشَّهَوَات وَلَا يَلِيق ان يخلف وَالِده وَمَعَ ذَلِك فوالده مصمم على استخلافه مَعَ عدم اهليته للْملك وَعدم استعداده للخلافة فتبادلت بَينهمَا المكاتبات بشان ذَلِك واخيرا كتب بايزيد إِلَى اخيه سليم خطابا بِهِ بعض عِبَارَات تمس كَرَامَة والدهما فارسل سليم الْخطاب لابيه وَلما اطلع السُّلْطَان سُلَيْمَان على هَذَا الْخطاب غضب غَضبا شَدِيدا وَكتب لبايزيد يوبخه على مَا اتاه ويامره بالانتقال من قونيه الَّتِي كَانَ معينا واليا عَلَيْهَا إِلَى مَدِينَة اماسيا فخشي بايزيد ان يكون قصد ابيه الْغدر بِهِ وَامْتنع عَن التَّوَجُّه إِلَى اماسيا وَجمع جَيْشًا يبلغ عدده عشْرين الف نسمَة واظهر التمرد فارسل اليه ابوه الْوَزير مُحَمَّد باشا الملقب بصقللي لمحاربته فتقابل الجيشان بِقرب قونيه وَاسْتمرّ الْقِتَال يومي ٣٠ و ٣١ مايو سنة ١٥٦١ واخيرا هزم بايزيد وتقهقر إِلَى اماسيا وَمِنْهَا إِلَى بِلَاد الْعَجم حَيْثُ التجأ هُوَ واولاده إِلَى الشاه طهماسب فقابله واظهر لَهُ الاخلاص والاستعداد لحمايته لكنه كَاتب السُّلْطَان سُلَيْمَان وَابْنه سليما سرا على تَسْلِيم بايزيد واولاده اليهما مَعَ انهم احتموا بحماه وَلم يرع ذمتهم بل خَانَهُمْ وسلمهم إِلَى رسل السُّلْطَان فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعًا وهم بايزيد واولاده الاربعة اورخان ومحمود وَعبد الله وَعُثْمَان فِي مَدِينَة قزوين بِبِلَاد الْعَجم فِي ١٥ محرم سنة ٩٦٩ ٢٥ سبتمبر سنة ١٥٦١ ونقلت جثتهم إِلَى مَدِينَة سيواس حَيْثُ واروها الثرى وَكَانَ لبايزيد ابْن صَغِير فِي مَدِينَة بورصه فخنق ايضا وَدفن فِي جَانب وَالِده واخوته هَذَا اما من جِهَة المجر فَلم تَنْقَطِع الحروب بَينهَا وَبَين الدولة الْعلية وَكَذَلِكَ المخابرات كَانَت غير مُنْقَطِعَة للوصول إِلَى الصُّلْح وَلَا حَاجَة لنا فِي تَفْصِيل الوقائع الَّتِي حصلت بَين الجيشين لعدم وجود فَائِدَة فِي ذَلِك سوى ملال الْمطَالع بل نكتفي

стр. 202

بالْقَوْل انه فِي سنة ١٥٥٥ حصلت هدنة بَين الطَّرفَيْنِ لسِتَّة اشهر وَمثلهَا فِي سنة ١٥٥٧ وَفِي شهر يونيه سنة ١٥٦٢ تمّ الصُّلْح بَينهمَا لمُدَّة ثَمَانِي سنوات بِشَرْط اسْتِمْرَار النمسا على دفع الْجِزْيَة السنوية الَّتِي قررتها المعاهدات السَّابِقَة وساعد على ذَلِك حب سميز على باشا الَّذِي خلف رستم باشا بعد مَوته فِي منصب الصدارة الْعُظْمَى للسلم وَعدم ميله لسفك الدِّمَاء وَمَعَ ذَلِك فَلم تَنْقَطِع المناوشات بالمرة على حُدُود النمسا والمجر بل استمرت بِنَوْع غير رسمي وَبعد هَذَا الصُّلْح الاوهى من بَيت العنكبوت لما بَين العنصرين المتجاورين من عوامل الْبغضَاء تمكن السُّلْطَان من تَوْجِيه اهتمامه إِلَى تعزيز سفنه الحربية لحماية الجزائر وطرابلس الغرب الَّتِي افتتحها طرغول فِي غُضُون سنة ١٥٥١ سنة ٩٥٨ لبعدها عَن مقرّ الْخلَافَة الْعُظْمَى وطموح انظار اسبانيا إِلَى ارجاعها اذ ان محتلها يكون دَائِما مهددا لسواحل اسبانيا ونابولي الَّتِي كَانَت تَابِعَة لاسبانيا فِي هَذَا الْحِين حِصَار جَزِيرَة مالطه فعززت الدونانمات العثمانية وَفِي اوائل سنة ١٥٦٥ ارسلت عمَارَة بحريّة مؤلفة من نَحْو مِائَتي سفينة لفتح جَزِيرَة مالطه مقرّ رهبنة القديس حنا الاورشليمي لاهمية هَذِه الجزيرة الْوَاقِعَة بَين اقليم تونس وجنوب ايطاليا وضرورة احتلالها لكل دولة تُرِيدُ ان تكون لَهَا الْيَد الطُّولى على الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط فابتدئ حصارها فِي شهر مايو من السّنة الْمَذْكُورَة وَاسْتمرّ نَحْو الاربعة شهور بِدُونِ ان يكون موت القبودان الشهير طرغول الْمَعْرُوف عِنْد الافرنج باسم دراجوت فِي اثناء الْحصار سَببا فِي عدم استمراره وَلما قرب قصل الشتَاء الَّذِي تكْثر فِيهِ الزوابع البحرية رفع الْحصار عَنْهَا فِي ١١ سبتمبر سنة ١٥٦٥ وعادت السفن بجيوشها إِلَى دَار السَّعَادَة

стр. 203

فتح مَدِينَة سكدوار وَفِي اثناء ذَلِك قَامَت الْحَرْب على قدم بِبِلَاد المجر لَان مكسمليان الَّذِي خلف وَالِده فردينان ملك النمسا بعد مَوته سنة ١٥٦٤ احتل مَدِينَة توكاي من اعمال المجر مُقَابلَة احتلال اسطفن زابولي ملك المجر لاحدى مدائنه ولان الصَّدْر الاعظم الطَّوِيل مُحَمَّد باشا الَّذِي تولى منصب الصدارة عقب موت سميز عَليّ باشا كَانَ محبا للحرب لانه من صقالبة البشناق الميالين لِلْقِتَالِ والجلاد وَمَعَ ان السُّلْطَان كَانَ يتالم من دَاء النقرس تقلد بِنَفسِهِ رياسة الْجَيْش فِي تَاسِع شَوَّال سنة ٩٧٣ ٢٩ ابريل سنة ١٥٦٦ م وَسَار لصد هجمات النمسا عَن بِلَاد المجر التابعة لَهُ سيادة وعندما وصل اليها قابله ملكهَا الشَّاب اسطفن فاحسن اليه واكرم مثواه ووعده انه لن يبرح حَتَّى يُعِيد لَهُ مَا اغتيل من بِلَاده ثمَّ قَامَ بِصُحْبَتِهِ قَاصِدا قلعة ارلو الشهيرة الَّتِي عجز عَن فتحهَا قبل ذَاك التَّارِيخ باربع عشرَة سنة كَمَا سبق ذكره لَكِن بلغه فِي اثناء الطَّرِيق ان امير سكدوار تغلب عل فرقة من جيوشه فاراد ان يَغْزُو بِلَاده قبل محاصرة قلعة ارلو فَسَار إِلَى مَدِينَة سكدوار وابتدأ فِي حصارها وَفِي اقل من اسبوعين احتل معاقلها الامامية وَبعد ذَلِك اخلى المحصورون الْمَدِينَة خُفْيَة واحتموا بقلعتها مصرين على الدفاع عَنْهَا لآخر رم

стр. 204

موت السُّلْطَان سُلَيْمَان وَفِي اوائل شهر سبتمبر اشْتَدَّ مرض السُّلْطَان وَتُوفِّي فِي ٢٠ صفر سنة ٩٧٤ ٥ سبتمبر سنة ١٥٦٦ عَن ارْبَعْ وَسبعين سنة قمرية أَي بعد حِصَار الْمَدِينَة بِنَحْوِ خَمْسَة شهور وَكَانَت مُدَّة ملكه ثَمَانِيَة واربعين سنة قَضَاهَا فِي توسيع نطاق الدولة واعلاء شانها حَتَّى بلغت فِي ايامه اعلى دَرَجَات الْكَمَال واخفى الْوَزير خبر مَوته خوفًا من وُقُوع الفشل فِي المعسكر وارسل لوَلَده سليم بِمَدِينَة كوتاهية يُخبرهُ بذلك وَيطْلب مِنْهُ الْحُضُور على جنَاح السرعة إِلَى الاستانة منعا للقلاقل وَفِي يَوْم ٨ سبتمبر هجم العثمانيون على القلعة واحتلوها عنْوَة وَفِي انْتِهَاء الْقِتَال حصلت فرقعة عَظِيمَة انفجرت بِسَبَبِهَا ارْض القلعة وانهدم بناؤها على من بهَا من طرفِي المتحاربين وَذَلِكَ ان المحصورين لما راوا ان لَا مناص لَهُم من الانهزام اَوْ الْمَوْت دبروا هَذِه المكيدة باعمال عدَّة الغام اشعلوها بعد احتلال العثمانيين اياها حَتَّى يموتوا وَيهْلك كَافَّة من دَخلهَا من جنود العثمانيين واعلن الْوَزير هَذَا الِانْتِصَار لكافة الْجِهَات باسم الْملك حرصا على عدم اذاعة مَوته الَّذِي لم يذعه الا بعد ان اتت اليه اخبار اكيدة من الاستانة بوصول وَلَده سليم اليها واستلامه مهام الاعمال بهَا واشتهر المرحوم السُّلْطَان سُلَيْمَان بالقانوني لما وَضعه من النظامات الداخلية فِي كَافَّة فروع الْحُكُومَة فَادْخُلْ بعض تغييرات فِي نظام الْعلمَاء والمدرسين الَّذِي وَضعه السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح وَجعل اكبر الْوَظَائِف العلمية وَظِيفَة الْمُفْتِي وَقسم جَيش الانكشارية إِلَى ثَلَاث فرق بِحَسب سني خدمتهم وَجعل مُرَتّب كل نفر من الْفرْقَة الاولى من ثَلَاثَة غروش إِلَى سَبْعَة غروش يوميا وَالثَّانيَِة من ثَمَانِيَة غروش إِلَى تِسْعَة غروش يوميا للنفر الْوَاحِد وَفِي الثَّالِثَة الْمُؤَلّفَة مِمَّن اصيبوا بعاهات دائمية جعل مُرَتّب النَّفر مِنْهُم ثَلَاثِينَ غرشا إِلَى مائَة وَعشْرين غرشا شهريا وَكَانَ عدد الْجَيْش عِنْد وَفَاته ثَلَاثمِائَة الف مِنْهَا خَمْسُونَ الْفَا من الجيوش المنتظمة والباقية غير منتظمة وَعدد المدافع ثَلَاثمِائَة والسفن الحربية ثَلَاثمِائَة ايضا

стр. 205

اسباب الانحطاط وَتَقَدَّمت الفتوحات فِي ايامه تقدما عَظِيما لم تصل اليه بعده وَبَلغت الدولة اوج سعادتها واخذت بعده فِي الْوُقُوف تَارَة والتقهقر اخرى حَتَّى وصلت إِلَى الْحَالة الَّتِي عَلَيْهَا الان لجملة اسباب مِنْهَا زِيَادَة الثروة بِسَبَب الفتوحات العديدة والغنائم الْكَثِيرَة وَلَا يخفى ان الثروة تورث غَالِبا الْمُفَاخَرَة فِي الْمصرف والتغالي فِي الزهو والترف وكل امة سادت فِيهَا هَذِه الْخِصَال لَا بُد لَهَا من التَّأَخُّر وَمِنْهَا ان الانكشارية كَانُوا لَا يخرجُون إِلَى الْحَرْب الا إِذا كَانَ السُّلْطَان مَعَهم وَلذَا كَانَت اهم الحروب والغزوات تَحت امرة السُّلْطَان وقيادته لانه ان لم يخرج بِنَفسِهِ لما حَارَبت الانكشارية الَّتِي عَلَيْهَا الْمدَار الاول فِي الحروب فَغير السُّلْطَان سُلَيْمَان هَذِه السّنة الحميدة واجاز للانكشارية الْقِتَال تَحت امرة قائدهم الاكبر وَلَو لم يكن السُّلْطَان مَوْجُودا فَكَانَ هَذَا التَّغْيِير سَببا فِي تقاعس اغلب من خَلفه من السلاطين عَن الْخُرُوج من قصورهم الباذخة وتفضيلهم الْبَقَاء بَين غلمانهم وجواريهم المختلفات الاجناس على الْخُرُوج لِلْقِتَالِ وتكبد مشاقه وَمِنْهَا ان كَافَّة امور الدولة المهمة كَانَت تنظر فِي ديوَان الوزراء تَحت رئاسة السُّلْطَان فابطل السُّلْطَان سُلَيْمَان هَذِه الْعَادة وَصَارَ الدِّيوَان ينْعَقد تَحت رئاسة اكبر الوزراء وَهُوَ الصَّدْر الاعظم وَالسُّلْطَان لاه عَن ذَلِك معرض عَن دسائس الوزراء وَمن يستعينون بهم من جواريه وازواجه وترتب على ذَلِك ان صَارَت الامور بيد الوزراء المغايرين للْجِنْس العثماني اصلا ونسبا اذ ان اغلبهم مِمَّن اسْلَمْ اَوْ تظاهر بالاسلام من النَّصَارَى اَوْ من غلْمَان وخدم السلاطين ونتيجة ذَلِك وَاضِحَة كَمَا ظهر للقارئ عِنْد مطالعة اسباب قتل مصطفى ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان بِنَاء على دسائس زَوجته والوزير رستم باشا وَمنا الاباحة للانكشارية بالتزوج والاقامة خَارج ثكناتهم مَعَ اعظائهم بعض امتيازات وَقبُول الاخلاط ضمن زمرتهم مِمَّا جعلهم من اكبر مُوجبَات تَأَخّر الدولة بعد ان كَانَت من اعظم عوامل تقدمها إِلَى غير ذَلِك من الاسباب الَّتِي سنوردها تباعا بِحَسب مقتضيات الاحوال

стр. 206

١١ - السُّلْطَان الْغَازِي سليم خَان الثَّانِي ولد السُّلْطَان سليم الثَّانِي فِي ٦ رَجَب سنة ٩٣٠ هجرية ١٠ مايو سنة ١٥٣٣ م وَهُوَ ابْن روكسلان الروسية سَابِقَة الذّكر وَتَوَلَّى الْملك بعد موت ابيه وَوصل إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي ٩ ربيع اول سنة ٩٧٤ ٢٤ دسمبر سنة ١٥٦٦ م وَبعد ان مكث بهَا يَوْمَيْنِ سَار على عجل إِلَى مَدِينَة سكدوار للاحتفال بارجاع جثة وَالِد المرحوم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فقابله خَارج الْمَدِينَة سفراء فرنسا والبندقية القادمين لتهنئته بِالْملكِ وَلما وصل مَدِينَة صوفيا فِي ٦ اكتوبر ارسل الرُّسُل إِلَى كَافَّة الممالك الخارجية والولايات الداخلية يُخْبِرهُمْ بِمَوْت ابيه وتوليته على عرش آل عُثْمَان وَمِنْهَا قصد مَدِينَة بلغراد وَمكث فِيهَا حَتَّى اتى الْوَزير مُحَمَّد باشا صقللي بجثة وَالِده المرحوم وَذَلِكَ ان الْوَزير مُحَمَّد باشا لم يعلن بوفاة السُّلْطَان سُلَيْمَان الا فِي اثناء عودته من مَدِينَة سكدوار إِلَى بلغراد بل اوهم الْجند ان السُّلْطَان مَرِيض وَلَا يُمكن لَاحَدَّ مُقَابلَته وَلما اعلن مَوته إِلَى الْجنُود بعد مَوته بِنَحْوِ خمسين يَوْمًا لبست الجيوش عَلَيْهِ الْحداد وَسَارُوا إِلَى بلغراد حَيْثُ كَانَ سليم الثَّانِي فِي انتظارهم فطلبت الْجنُود مِنْهُ ان يوزع عَلَيْهِم العطايا الْمُعْتَادَة فابى ثمَّ اذعن لطلباتهم لاظهارهم الْعِصْيَان والتمرد وَعدم اطاعتهم اوامر ضباطهم وامتهانهم لَهُم بِحُضُور السُّلْطَان وَلم يكن السُّلْطَان متصفا بِمَا يؤهله للْقِيَام بِحِفْظ فتوحات ابيه فضلا عَن اضافة شَيْء اليها وَلَوْلَا وجود الْوَزير الطَّوِيل مُحَمَّد باشا صقللي المدرب على الاعمال الحربية السياسية للحق الدولة الفشل لَكِن حسن سياسة هَذَا الْوَزير وَعظم اسْم الدولة ومهابتها فِي قُلُوب اعدائها حَفظتهَا من السُّقُوط مرّة وَاحِدَة فتم الصُّلْح بَينهَا وَبَين النمسا بمعاهدة تاريخها ١٧ فبراير سنة ١٥٦٨ من شُرُوطهَا حفظ النمسا

стр. 207

املاكها فِي بِلَاد المجر وَدفعهَا الْجِزْيَة السنوية المقررة بالعهود السَّابِقَة واعترافها بتبعية امراء ترانسلفانيا والفلاخ والبغدان إِلَى الدولة الْعلية وتجددت ايضا الْهُدْنَة مَعَ ملك بولونيا باعتراف الْبَاب العالي بالتحالف الَّذِي حصل مَا بَين ملك بولونيا وامير البغدان وَكَذَلِكَ جددت مَعَ شارل التَّاسِع ملك فرنسا فِي سنة ١٥٦٩ الاتفاقيات الَّتِي تمت بَين الدولتين فِي عصر السُّلْطَان سُلَيْمَان وايد السُّلْطَان سليم الامتيازات القنصلية وَزَاد عَلَيْهَا امتيازات اخرى اهمها معافاة كل فرنساوي من دفع الْخراج الشخصي وان يكون للقناصل الْحق فِي الْبَحْث عَمَّن يكون عِنْد العثمانيين من الفرنساويين فِي حَالَة الرّقّ واطلاق سراحهم والبحث عَمَّن اخذهم بِصفة رَقِيق لمجازاته وان يرد السُّلْطَان كَافَّة الاشياء الَّتِي تاخذها قراصنة الْبَحْر من المراكب الفرنساوية ومعاقبة الاخذ لَهَا وان تكون المراكب العثمانية ملزمة بمساعدة مَا يرتطم من السفن الفرنساوية على شواطئ الدولة وبحفظ مَا بهَا من الرِّجَال وَالْمَتَاع وان يكون لفرنسا كل الامتيازات الممنوحة لجمهورية البنادقة ولزيادة تَوْثِيق عرى الِاتِّحَاد بَين الدولة وفرنسا وَزِيَادَة نُفُوذ اتحادهما اتّفقت الدولتين على ترشيح هنري دي فالوا اخي ملك فرنسا لعرش بولونيا ليَكُون لَهُم ظهيرا ضد النمسا من جِهَة والروسيا من اخرى وَقد تمّ ذَلِك فعلا وَصَارَت بولونيا تَحت حماية الدولة الْعلية حماية فعلية وان لم تكن اسمية وَبِذَلِك صَارَت فرنسا ملكة التِّجَارَة فِي الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط وَجَمِيع الْبِلَاد التابعة للدولة وارسلت

стр. 208

تَحت ظلّ هَذِه المعاهدات عدَّة ارساليات دينية كاثوليكية إِلَى كَافَّة بِلَاد الدولة الْمَوْجُودَة بهَا مسيحيون خُصُوصا فِي بِلَاد الشَّام لتعليم اولادهم وتربيتهم على محبَّة فرنسا وَكَانَت هَذِه الامتيازات الْمُوجبَة لضعف الدولة بِسَبَب تدخل القناصل فِي الاجراءآت الداخلية بِدَعْوَى رفع الْمَظَالِم عَن المسيحيين واتخاذها لَهَا سَبِيلا لامتداد نفوذها بَين رعايا الدولة المسيحيين واهم نتائج هَذَا التدخل واضره مَآلًا واوخمه عَاقِبَة اسْتِعْمَال هَذِه الارساليات الدِّينِيَّة فِي حفظ جنسية ولغة كل شعب مسيحي حَتَّى إِذا ضعفت الدولة امكن هَذِه الشعوب الِاسْتِقْلَال بمساعدة الدول المسيحية اَوْ الانضمام إِلَى احدى هاته الدول كَمَا شوهد ذَلِك فِي هَذَا الْقرن الاخير مِمَّا سياتي مفصلا بالشرح الْكَافِي وَالْبَيَان الوافي وَمن اعمال الْوَزير مُحَمَّد باشا صقللي ان ارسل جَيْشًا عَظِيما إِلَى بِلَاد الْيمن فِي سنة ٩٧٦ سنة ١٥٦٩ م تَحت قيادة عُثْمَان باشا الَّذِي عين عَاملا عَلَيْهَا لقمع ثورة اهاليها الَّذين عصوا الدولة اتبَاعا لامر سلطانهم الشريف مطهر بن شرف الدّين يحيى فانتصر عُثْمَان باشا عَلَيْهِم بمساعدة سِنَان باشا وَالِي مصر وَدخلت الجيوش المظفرة بِمَدِينَة صنعاء بعد ان فتحت جَمِيع القلاع فتح جَزِيرَة قبرص وَفِي اوائل السّنة التالية اعْترف الشريف مطهر بسيادة الْبَاب العالي على بِلَاده وَمن اعماله ايضا فتح جَزِيرَة قبرص الَّتِي كَانَت تَابِعَة للبندقية فارسلت اليها المراكب الحربية فِي سنة ٩٧٨ سنة ١٥٧٠ تَحت امرة بيالي باشا تحمل مائَة الف جندي يَقُودهَا لاله مصطفى باشا الَّذِي كَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي عصيان وَقتل بايزيد

стр. 209

اخي السُّلْطَان سليم فرست السفن امام مَدِينَة ليمازون لفقوسه كَذَا ذكرهَا القرماني فِي اول اغسطس وَفتحت فِي ٨ ربيع الآخر سنة ٩٧٨ ٩ سبتمبر سنة ١٥٧٠ ثمَّ وضع الْحصار امام مَدِينَة فماجوست ماغوسه كَذَا ذكرهَا القرماني ولاقتراب فصل الشتَاء امهل فتحهَا إِلَى اوائل الرّبيع وابتدأت اعمال الْحصار ثَانِيًا فِي ابريل سنة ١٥٧١ وَفتحت فِي ١٠ ربيع الاول سنة ٩٧٩ ٢ اغسطس من السّنة الْمَذْكُورَة وَبِذَلِك تمّ فتح جَزِيرَة قبرص وَصَارَت من ذَلِك الْعَهْد تَابِعَة للدولة العثمانية إِلَى ان احتلها الانكليز بكيفية غَرِيبَة سنة ١٨٧٨ كَمَا ترى فِي اواخر هَذَا الْكتاب وَاقعَة ليبانت البحرية وَفِي هَذِه الاثناء غزت المراكب العثمانية جَزِيرَة كريد وظنته وَغَيرهَا بِدُونِ ان تفتحها واحتلت مَدَائِن دلنسنيو وانتيباري على الْبَحْر الادرياتيكي

стр. 210

وَلما رات البندقية تغلب العثمانيين عَلَيْهَا وَفتح كثير من بلادها استعانت باسبانيا والبابا وَتمّ بَينهم الِاتِّفَاق على محاربة الدولة بحرا خوفًا من امتداد سلطتها على بِلَاد ايطاليا فَجمعُوا مراكبهم وَجعلُوا دون جوان ابْن شارلكان سِفَاحًا من احدى خليلاته اميرا عَلَيْهَا فسارت سفن المسيحين إِلَى شواطئ الدولة وَكَانَت تِلْكَ الدونانمة المختلطة مؤلفة من ٧٠ سفينة اسبانيولية و ١٤٠ من سفن البنادقة و ١٢ للبابا و ٩ من سفن رهبنة مالطه وقابلت هَذِه الدونانمة الْعِمَارَة العثمانية مؤلفة من ٣٠٠ سفينة فِي ١٧ جُمَادَى الاولى سنة ٩٧٩ ٧ اكتوبر سنة ١٥٧١ بِالْقربِ من ليبنة واشتبك بَينهم الْقِتَال مُدَّة ثَلَاث سَاعَات مُتَوَالِيَة انْتهى الامر بعْدهَا بانتصار الدونانمة المسيحية فاخذت ١٣٠ سفينة عثمانية واحرقت واغرقت ٩٤ وغنمت ٣٠٠ مدفعا و ٣٠ الف اسيرا وَهَذِه اول وَاقعَة حصلت بَين الدولة من جِهَة واكثر من دولتين مسيحيتين من جِهَة اخرى واشتراك البابا فِيهَا يدل على ان المحرك لهَذِهِ التالبات ضد الدولة الاسلامية الوحيدة هُوَ الدّين كَمَا ايدته الْحَوَادِث والحروب فِيمَا بعد لَا السياسة كَمَا يدعونَ وَكَانَ لهَذَا الْفَوْز رنة فَرح فِي قُلُوب المسيحيين اجْمَعْ حَتَّى ان البابا خطب فِي كَنِيسَة ماري بطرس برومه وشكر دون جوان على انتصاره على السفن الاسلامية

стр. 211

وَذَلِكَ مِمَّا لايجعل عِنْد الْمطَالع اقل رِيبَة اَوْ شكّ فِي ان المسالة الشرقية مسالة دينية لَا سياسية كَمَا ادَّعَاهُ ويدعيه الاوروبيون ويغتر بِهِ السذج الْغَيْر المطلعين وَلما وصل خبر هَذِه الْحَادِثَة إِلَى الاستانة هاج الْمُسلمُونَ على المسيحيين وهموا بقتل الْمُرْسلين الكاتوليك لَوْلَا تدارك الْوَزير مُحَمَّد باشا صقللي الامر بَان حجز هَؤُلَاءِ الْمُرْسلين تَحت الْحِفْظ حَتَّى تعود السكينَة إِلَى ربوعها وَقد اخرجهم بِنَاء على الحاح سفير فرنسا وَلم تقعد هَذِه الْحَادِثَة المشؤمة همه هَذَا الْوَزير بل انتهز فرْصَة الشتَاء وَعدم امكان اسْتِمْرَار الْحَرْب لتشييد دونانمة اخرى وبذل النَّفس والنفيس فِي تجهيزها وتسليحها حَتَّى إِذا اقبل صيف سنة ١٥٧٢ كَانَ قد تمّ استعداد ٢٥٠ سفينة جَدِيدَة وَفِي هَذِه السّنة لم تحصل وقائع بحريّة مهمة لوُقُوع الشقاق بَين القبودان البندقي والقبودان الاسبانيولي حَتَّى ان جمهورية البندقية سعت فِي التَّقَرُّب إِلَى الدولة الْعلية فعرضت عَلَيْهَا الصُّلْح واستمرت بَينهم المخابرات مُدَّة وَفِي ٣ ذِي الْقعدَة سنة ٩٨٠ ٧ مارس سنة ١٥٧٣ تمّ الصُّلْح على ان تتنازل البندقية للدولة عَن جَزِيرَة قبرص وان تدفع لَهَا غَرَامَة حربية قدرهَا ٣٠٠ الف دوكا اما من جِهَة اسبانيا فقد قصد دون جوان مَدِينَة تونس فِي اواخر سنة ١٥٧٢ واحتلها بِدُونِ مقاومة لارتحال من كَانَ بهَا من العثمانيين عِنْد قدوم السفن الاسبانيولية وتحققهم من أَن الدفاع لَا يجدي نفعا لقلَّة عَددهمْ بِالنِّسْبَةِ للاسبانيول فاحتلها دون جوان واعاد اليها سلطانها مولَايَ حسن الَّذِي التجأ اليهم عِنْد احتلال العثمانيين لبلاده لَكِن لم يلبث الا نَحْو ٨ اشهر لاسترجاعها ثَانِيَة إِلَى املاك الدولة بِمَعْرِِفَة سِنَان باشا فِي اغسطس سنة ١٥٧٥ وَفِي جِهَة بِلَاد البغدان انتصر العثمانيون بعد موقعة هائلة اهرقت فِيهَا الدِّمَاء كالسيول المنهمرة فِي ٩ يونيو سنة ١٥٧٤ على الامير ايوونيا الَّذِي تمرد على الدولة طلبا للاستقلال وصلب جَزَاء عصيانه وعبرة لغيره وَفِي ٢٧ شعْبَان سنة ٩٨٢ ١٢ دسمبر سنة ١٥٧٤ توفّي السُّلْطَان سليم الثَّانِي وعمره اثْنَيْنِ وَخَمْسُونَ سنة قمرية وَمُدَّة حكمه ثَمَانِي سِنِين و ٥ اشهر وَتُوفِّي عَن سِتَّة اولاد وهم مُرَاد وَمُحَمّد وَسليمَان ومصطفى وجهانكير وَعبد الله وَثَلَاث بَنَات تولى بعده ابْنه السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث

стр. 212

١٢ - السُّلْطَان الْغَازِي مرادخان الثَّالِث وضع الحماية على بولونيا ولد هَذَا السُّلْطَان بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي ٥ جُمَادَى الاولى سنة ٩٥٣ هـ ٤ يوليه سنة ١٥٤٦ وَكَانَت فَاتِحَة اعماله ان اصدر امرا بِعَدَمِ شرب الْخمر الَّذِي شاع اسْتِعْمَاله ايام السُّلْطَان السَّابِق وافرط فِيهِ الْجنُود خُصُوصا الانكشارية فثار الانكشارية لذَلِك واضطروه لاباحته لَهُم بِمِقْدَار لَا يَتَرَتَّب مِنْهُ ذُهُول الْعقل وتكدير الرَّاحَة العمومية وامر بقتل اخوته وَكَانُوا خَمْسَة ليامن على الْملك من الْمُنَازعَة اذ صَار قتل الاخوة عَادَة تَقْرِيبًا وَفِي اوائل سنة ١٥٧٥ ترك هنري دي فالوا ملك بولونيا مقرّ حكومته عَائِدًا لفرانسا وَلما بلغ الْبَاب العالي خبر سَفَره اوصى اشراف بولونيا بانتخاب باتوري امير ترنسلفانيا التَّابِع للدولة الْعلية ملكا عَلَيْهِم فانتخبوه فِي اواخر السّنة الْمَذْكُورَة وَبِذَلِك صَارَت بولونيا نَفسهَا تَحت حمايتها هَذَا وحصلت على حُدُود النمسا عدَّة مناوشات سَالَ فِيهَا الدِّمَاء بَين الطَّرفَيْنِ بِدُونِ اشهار حَرْب وَفِي اواخر سنة ١٥٧٦ امضيت هدنة سلم بَين الْبَاب العالي والامبراطور رودلف الَّذِي خلف مكسمليان الثَّانِي لمُدَّة ثَمَانِي سنوات تبتدئ من اول يناير سنة ١٥٧٧ وَعند بَيَان املاك الدولة الْعلية بِهَذِهِ المعاهدة

стр. 213

ذكرت بولونيا ضمن الاقاليم الَّتِي للدولة حق السِّيَادَة عَلَيْهَا وَمِمَّا يُؤَيّد ان مملكة بولونيا كَانَت تَحت حمايتها استنجاد باتوري بهَا ضد اغارات التتار على حُدُوده الشرقية وتعهد الْبَاب العالي بحمايتها بمعاهدة رسمية تاريخها ٣٠ يوليو سنة ١٥٧٧ وَكَانَت علاقات هَذَا السُّلْطَان مَعَ فرانسا حَسَنَة جدا وَكَذَلِكَ مَعَ جمهورية البندقية فجدد لَهما الامتيازات القنصلية والتجارية مَعَ زِيَادَة بعض بنود فِي صالحهما اهمها ان يكون سفير فرنسا مقدما على كَافَّة سفراء الدول الاخرى فِي المقابلات والاحتفالات الرسمية حَيْثُ كثر توارد السفراء على بَابه العالي للسعي فِي ابرام معاهدات تجارية تكون ذَرِيعَة فِي الْمُسْتَقْبل للتدخل الْفعْلِيّ وَفِي ايامه تحصلت ايزابلا ملكة الانكليز على امتياز خصوصي لتجار بلادها وَهِي ان مراكبها تحمل الْعلم الانكليزي وَكَانَ لَا يجوز لَهَا ذَلِك قبلا بل كَانَت السفن على اخْتِلَاف اجناسها مَا عدا سفن البندقية لَا تدخل إِلَى موانئ الدولة الْعلية الا تَحت ظلّ الْعلم الفرنساوي لَيْسَ الا كَمَا قَضَت بذلك العهود الَّتِي ابرمت مَعَ السُّلْطَان سُلَيْمَان وَابْنه السُّلْطَان سليم الثَّانِي وتجددت فِي اوائل حكم هَذَا السُّلْطَان وَفِي سنة ١٥٧٨ حصلت فتْنَة داخلية فِي مملكة مراكش بالمغرب الاقصى وَنَازع زعيمها السُّلْطَان فِي الْملك وحصلت بَينهمَا عدَّة وقائع مهمة واخيرا استنجد سلطانها بالعثمانيين واستعان مدعي الْملك بالبرتغاليين فاوعزت الدولة اَوْ بالحري مُحَمَّد باشا صقللي لوالي طرابلس بانجاد سلطانها الشَّرْعِيّ فاسرع بمساعدته والتقى التّرْك والبرتغال بِالْقربِ من مَحل يُقَال لَهُ الْقصر الْكَبِير وَكَانَ يَوْمًا مشهودا دارت فِيهِ الدائرة على البرتغال وَقتل فِيهِ رَئِيس الثائرين المستنجد بهم وَبعد تَمام النَّصْر واعادة الامن والسكينة إِلَى ربوع مراكش عَادَتْ الجيوش العثمانية حاملة مَا اغدق عَلَيْهَا من الْهَدَايَا وَبِذَلِك دخلت مملكة مراكش ضمن دَائِرَة نُفُوذ الدولة وَصَارَ شمال افريقيا باجمعه تَابعا لَهَا تَمامًا اَوْ خاضعا لنفوذها وَلم يبْق لَهَا فِي عصرنا هَذَا الا ولَايَة طرابلس والسيادة الاسمية على مصر واستولت فرانسا على تونس

стр. 214

والجزائر وَصَارَت مراكش ميدان مسابقة لدسائس الاجانب تسْعَى كل دولة فِي ازدياد نفوذها بهَا وَبِعِبَارَة اخرى لابتلاعها فَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه وَفِي هَذِه السّنة ابتدأت المخابرات بَين الدولة واسبانيا للوصول إِلَى الصُّلْح وَبعد ان استمرت نَحْو خمس سِنِين تمّ الصُّلْح بَينهمَا لَكِن لم يمْنَع ذَلِك القراصنة من الطَّرفَيْنِ على نهب السفن التجارية وَسبي واسترقاق من بهَا من النِّسَاء وَالرِّجَال حَتَّى كَانَ يستعد للسَّفر فِي الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط كَمَا يستعد لرحلة حربية لعدم الامن وَكَثْرَة القراصنة بِمَا لم يسْبق لَهُ مثيل لَان كلا من الطَّرفَيْنِ كَانَ يعْتَبر غَزْو سفن الطّرف الآخر من الْوَاجِبَات الدِّينِيَّة والقربات الْمَشْرُوعَة محاربة الْعَجم وَدخُول العثمانيين مَدِينَة تبريز رَابِع دفْعَة هَذَا واهم مَا حصل فِي ايام السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث محاربة بِلَاد الْعَجم بِنَاء على ايعاز الصَّدْر الاعظم مُحَمَّد باشا صقللي وانتهاز فرْصَة الاضطرابات الداخلية بهَا وَذَلِكَ انه لما توفّي الشاه طهماسب سنة ٩٨٤ هـ سنة ١٥٧٦ م تولى بعده ابْنه حيدر وَقتل بعد بضع سَاعَات قبل دفن ابيه ودفنا مَعًا ثمَّ تولى بعده اسماعيل ابْن طهماسب وَتُوفِّي مسموما سنة ٩٨٥ وَخَلفه اخوه محمدد خدابنده وَكَانَت الْبِلَاد منقسمة عَلَيْهِ فارسلت الجيوش السُّلْطَانِيَّة لمحاربته وَفتح مَا تيَسّر من بِلَاده وَجعل لاله مصطفى باشا قائدا لَهَا فَسَار بجيوشه قَاصِدا اقليم الكرج من بِلَاد الجركس فِي اواخر سنة ١٥٧٧ م وَكَانَت تَابِعَة إِلَى مملكة الْعَجم وَفتحهَا واحتل مَدِينَة تفليس عَاصِمَة الكرج بعد ان انتصر على جنود الشاه وتغلب على قائدهم

стр. 215

الْمُسَمّى دقماق بِالْقربِ من حصن جلدر فِي ٨ اغسطس سنة ١٥٧٨ وَعين امراء الكرج حكاما سناجق من قبل الدولة وَبعد ان قهر ثَانِيًا جيوش الْعَجم فِي ٨ سبتمبر من السّنة الْمَذْكُورَة عَاد مصطفى باشا وجيوشه إِلَى مَدِينَة طرابرون لتمضية فصل الشتَاء الَّذِي لَا يُمكن اسْتِمْرَار الْقِتَال فِي غضونه لشدَّة الْبرد وتراكم الثلوج فِي هَذِه الاصقاع وَقسمت بِلَاد الكرج إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام وَهِي شيروان وتفليس وَتَكون القسمان الباقيان من بِلَاد الكرج الاصلية وحصنت مَدِينَة قارص بكيفية جَعلتهَا امْنَعْ معاقل الدولة على الْحُدُود وَمَا فتئت كَذَلِك حَتَّى احتلها الروس سنة ١٨٧٧ وَعين لكل مِنْهَا حَاكم عَام بكلر بك وَفِي اواسط الشتَاء اتت اربعة جيوش جرارة تَحت امرة الامير حَمْزَة ميرزا وهاجمت بِلَاد شيروان من كل فج حَتَّى اضْطر حاكمها عُثْمَان باشا إِلَى اخلاء مَدِينَة شيروان والاحتماء بِمَدِينَة دربند وَكَذَلِكَ حاصر الاعجام مَدِينَة تفليس نَفسهَا وَلم يقووا على استرجاعها لثبات حاميتها العثمانية حَتَّى اتى اليها المدد وَرفع عَنْهَا الْحصار عنْوَة سنة ١٥٧٩ وَفِي غُضُون ذَلِك قتل الصَّدْر الاعظم مُحَمَّد باشا صقللي الَّذِي حَافظ على نُفُوذ الدولة بعد موت السُّلْطَان سُلَيْمَان وَتمكن بسياسته ودهائه من ابرام الصُّلْح مَعَ دوَل اوروبا المعادية لَهَا وانشأ عمَارَة بحريّة بعد وَاقعَة ليبنته وَفتحت جَزِيرَة قبرص بتعليماته وارشاداته وكوفئ على خدماته الجليلة بِالْقَتْلِ لَا لذنب جناه اَوْ جِنَايَة ارتكبها بل هِيَ دسائس حَاشِيَة السُّلْطَان قَضَت عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ غدرا تبعا لدسائس الاجانب الَّذين لَا يروق فِي اعينهم وجود مثل هَذَا الْوَزير يُدِير دولاب الاعمال على محور الاسْتقَامَة فدسوا اليه من قَتله تخلصا من صَادِق خدمته للدولة فَكَانَ مَوته ضَرْبَة شَدِيدَة ومحنة عَظِيمَة لَا سِيمَا وَقد كثر بعده تنصيب وعزل
следующие страницы →