← История

История · id 6638

تاريخ الدولة العلية العثمانية

محمد فريد بك

Полный текст (661 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَذَلِكَ مِمَّا لايجعل عِنْد الْمطَالع اقل رِيبَة اَوْ شكّ فِي ان المسالة الشرقية مسالة دينية لَا سياسية كَمَا ادَّعَاهُ ويدعيه الاوروبيون ويغتر بِهِ السذج الْغَيْر المطلعين وَلما وصل خبر هَذِه الْحَادِثَة إِلَى الاستانة هاج الْمُسلمُونَ على المسيحيين وهموا بقتل الْمُرْسلين الكاتوليك لَوْلَا تدارك الْوَزير مُحَمَّد باشا صقللي الامر بَان حجز هَؤُلَاءِ الْمُرْسلين تَحت الْحِفْظ حَتَّى تعود السكينَة إِلَى ربوعها وَقد اخرجهم بِنَاء على الحاح سفير فرنسا وَلم تقعد هَذِه الْحَادِثَة المشؤمة همه هَذَا الْوَزير بل انتهز فرْصَة الشتَاء وَعدم امكان اسْتِمْرَار الْحَرْب لتشييد دونانمة اخرى وبذل النَّفس والنفيس فِي تجهيزها وتسليحها حَتَّى إِذا اقبل صيف سنة ١٥٧٢ كَانَ قد تمّ استعداد ٢٥٠ سفينة جَدِيدَة وَفِي هَذِه السّنة لم تحصل وقائع بحريّة مهمة لوُقُوع الشقاق بَين القبودان البندقي والقبودان الاسبانيولي حَتَّى ان جمهورية البندقية سعت فِي التَّقَرُّب إِلَى الدولة الْعلية فعرضت عَلَيْهَا الصُّلْح واستمرت بَينهم المخابرات مُدَّة وَفِي ٣ ذِي الْقعدَة سنة ٩٨٠ ٧ مارس سنة ١٥٧٣ تمّ الصُّلْح على ان تتنازل البندقية للدولة عَن جَزِيرَة قبرص وان تدفع لَهَا غَرَامَة حربية قدرهَا ٣٠٠ الف دوكا اما من جِهَة اسبانيا فقد قصد دون جوان مَدِينَة تونس فِي اواخر سنة ١٥٧٢ واحتلها بِدُونِ مقاومة لارتحال من كَانَ بهَا من العثمانيين عِنْد قدوم السفن الاسبانيولية وتحققهم من أَن الدفاع لَا يجدي نفعا لقلَّة عَددهمْ بِالنِّسْبَةِ للاسبانيول فاحتلها دون جوان واعاد اليها سلطانها مولَايَ حسن الَّذِي التجأ اليهم عِنْد احتلال العثمانيين لبلاده لَكِن لم يلبث الا نَحْو ٨ اشهر لاسترجاعها ثَانِيَة إِلَى املاك الدولة بِمَعْرِِفَة سِنَان باشا فِي اغسطس سنة ١٥٧٥ وَفِي جِهَة بِلَاد البغدان انتصر العثمانيون بعد موقعة هائلة اهرقت فِيهَا الدِّمَاء كالسيول المنهمرة فِي ٩ يونيو سنة ١٥٧٤ على الامير ايوونيا الَّذِي تمرد على الدولة طلبا للاستقلال وصلب جَزَاء عصيانه وعبرة لغيره وَفِي ٢٧ شعْبَان سنة ٩٨٢ ١٢ دسمبر سنة ١٥٧٤ توفّي السُّلْطَان سليم الثَّانِي وعمره اثْنَيْنِ وَخَمْسُونَ سنة قمرية وَمُدَّة حكمه ثَمَانِي سِنِين و ٥ اشهر وَتُوفِّي عَن سِتَّة اولاد وهم مُرَاد وَمُحَمّد وَسليمَان ومصطفى وجهانكير وَعبد الله وَثَلَاث بَنَات تولى بعده ابْنه السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث

стр. 212

١٢ - السُّلْطَان الْغَازِي مرادخان الثَّالِث وضع الحماية على بولونيا ولد هَذَا السُّلْطَان بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي ٥ جُمَادَى الاولى سنة ٩٥٣ هـ ٤ يوليه سنة ١٥٤٦ وَكَانَت فَاتِحَة اعماله ان اصدر امرا بِعَدَمِ شرب الْخمر الَّذِي شاع اسْتِعْمَاله ايام السُّلْطَان السَّابِق وافرط فِيهِ الْجنُود خُصُوصا الانكشارية فثار الانكشارية لذَلِك واضطروه لاباحته لَهُم بِمِقْدَار لَا يَتَرَتَّب مِنْهُ ذُهُول الْعقل وتكدير الرَّاحَة العمومية وامر بقتل اخوته وَكَانُوا خَمْسَة ليامن على الْملك من الْمُنَازعَة اذ صَار قتل الاخوة عَادَة تَقْرِيبًا وَفِي اوائل سنة ١٥٧٥ ترك هنري دي فالوا ملك بولونيا مقرّ حكومته عَائِدًا لفرانسا وَلما بلغ الْبَاب العالي خبر سَفَره اوصى اشراف بولونيا بانتخاب باتوري امير ترنسلفانيا التَّابِع للدولة الْعلية ملكا عَلَيْهِم فانتخبوه فِي اواخر السّنة الْمَذْكُورَة وَبِذَلِك صَارَت بولونيا نَفسهَا تَحت حمايتها هَذَا وحصلت على حُدُود النمسا عدَّة مناوشات سَالَ فِيهَا الدِّمَاء بَين الطَّرفَيْنِ بِدُونِ اشهار حَرْب وَفِي اواخر سنة ١٥٧٦ امضيت هدنة سلم بَين الْبَاب العالي والامبراطور رودلف الَّذِي خلف مكسمليان الثَّانِي لمُدَّة ثَمَانِي سنوات تبتدئ من اول يناير سنة ١٥٧٧ وَعند بَيَان املاك الدولة الْعلية بِهَذِهِ المعاهدة

стр. 213

ذكرت بولونيا ضمن الاقاليم الَّتِي للدولة حق السِّيَادَة عَلَيْهَا وَمِمَّا يُؤَيّد ان مملكة بولونيا كَانَت تَحت حمايتها استنجاد باتوري بهَا ضد اغارات التتار على حُدُوده الشرقية وتعهد الْبَاب العالي بحمايتها بمعاهدة رسمية تاريخها ٣٠ يوليو سنة ١٥٧٧ وَكَانَت علاقات هَذَا السُّلْطَان مَعَ فرانسا حَسَنَة جدا وَكَذَلِكَ مَعَ جمهورية البندقية فجدد لَهما الامتيازات القنصلية والتجارية مَعَ زِيَادَة بعض بنود فِي صالحهما اهمها ان يكون سفير فرنسا مقدما على كَافَّة سفراء الدول الاخرى فِي المقابلات والاحتفالات الرسمية حَيْثُ كثر توارد السفراء على بَابه العالي للسعي فِي ابرام معاهدات تجارية تكون ذَرِيعَة فِي الْمُسْتَقْبل للتدخل الْفعْلِيّ وَفِي ايامه تحصلت ايزابلا ملكة الانكليز على امتياز خصوصي لتجار بلادها وَهِي ان مراكبها تحمل الْعلم الانكليزي وَكَانَ لَا يجوز لَهَا ذَلِك قبلا بل كَانَت السفن على اخْتِلَاف اجناسها مَا عدا سفن البندقية لَا تدخل إِلَى موانئ الدولة الْعلية الا تَحت ظلّ الْعلم الفرنساوي لَيْسَ الا كَمَا قَضَت بذلك العهود الَّتِي ابرمت مَعَ السُّلْطَان سُلَيْمَان وَابْنه السُّلْطَان سليم الثَّانِي وتجددت فِي اوائل حكم هَذَا السُّلْطَان وَفِي سنة ١٥٧٨ حصلت فتْنَة داخلية فِي مملكة مراكش بالمغرب الاقصى وَنَازع زعيمها السُّلْطَان فِي الْملك وحصلت بَينهمَا عدَّة وقائع مهمة واخيرا استنجد سلطانها بالعثمانيين واستعان مدعي الْملك بالبرتغاليين فاوعزت الدولة اَوْ بالحري مُحَمَّد باشا صقللي لوالي طرابلس بانجاد سلطانها الشَّرْعِيّ فاسرع بمساعدته والتقى التّرْك والبرتغال بِالْقربِ من مَحل يُقَال لَهُ الْقصر الْكَبِير وَكَانَ يَوْمًا مشهودا دارت فِيهِ الدائرة على البرتغال وَقتل فِيهِ رَئِيس الثائرين المستنجد بهم وَبعد تَمام النَّصْر واعادة الامن والسكينة إِلَى ربوع مراكش عَادَتْ الجيوش العثمانية حاملة مَا اغدق عَلَيْهَا من الْهَدَايَا وَبِذَلِك دخلت مملكة مراكش ضمن دَائِرَة نُفُوذ الدولة وَصَارَ شمال افريقيا باجمعه تَابعا لَهَا تَمامًا اَوْ خاضعا لنفوذها وَلم يبْق لَهَا فِي عصرنا هَذَا الا ولَايَة طرابلس والسيادة الاسمية على مصر واستولت فرانسا على تونس

стр. 214

والجزائر وَصَارَت مراكش ميدان مسابقة لدسائس الاجانب تسْعَى كل دولة فِي ازدياد نفوذها بهَا وَبِعِبَارَة اخرى لابتلاعها فَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه وَفِي هَذِه السّنة ابتدأت المخابرات بَين الدولة واسبانيا للوصول إِلَى الصُّلْح وَبعد ان استمرت نَحْو خمس سِنِين تمّ الصُّلْح بَينهمَا لَكِن لم يمْنَع ذَلِك القراصنة من الطَّرفَيْنِ على نهب السفن التجارية وَسبي واسترقاق من بهَا من النِّسَاء وَالرِّجَال حَتَّى كَانَ يستعد للسَّفر فِي الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط كَمَا يستعد لرحلة حربية لعدم الامن وَكَثْرَة القراصنة بِمَا لم يسْبق لَهُ مثيل لَان كلا من الطَّرفَيْنِ كَانَ يعْتَبر غَزْو سفن الطّرف الآخر من الْوَاجِبَات الدِّينِيَّة والقربات الْمَشْرُوعَة محاربة الْعَجم وَدخُول العثمانيين مَدِينَة تبريز رَابِع دفْعَة هَذَا واهم مَا حصل فِي ايام السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث محاربة بِلَاد الْعَجم بِنَاء على ايعاز الصَّدْر الاعظم مُحَمَّد باشا صقللي وانتهاز فرْصَة الاضطرابات الداخلية بهَا وَذَلِكَ انه لما توفّي الشاه طهماسب سنة ٩٨٤ هـ سنة ١٥٧٦ م تولى بعده ابْنه حيدر وَقتل بعد بضع سَاعَات قبل دفن ابيه ودفنا مَعًا ثمَّ تولى بعده اسماعيل ابْن طهماسب وَتُوفِّي مسموما سنة ٩٨٥ وَخَلفه اخوه محمدد خدابنده وَكَانَت الْبِلَاد منقسمة عَلَيْهِ فارسلت الجيوش السُّلْطَانِيَّة لمحاربته وَفتح مَا تيَسّر من بِلَاده وَجعل لاله مصطفى باشا قائدا لَهَا فَسَار بجيوشه قَاصِدا اقليم الكرج من بِلَاد الجركس فِي اواخر سنة ١٥٧٧ م وَكَانَت تَابِعَة إِلَى مملكة الْعَجم وَفتحهَا واحتل مَدِينَة تفليس عَاصِمَة الكرج بعد ان انتصر على جنود الشاه وتغلب على قائدهم

стр. 215

الْمُسَمّى دقماق بِالْقربِ من حصن جلدر فِي ٨ اغسطس سنة ١٥٧٨ وَعين امراء الكرج حكاما سناجق من قبل الدولة وَبعد ان قهر ثَانِيًا جيوش الْعَجم فِي ٨ سبتمبر من السّنة الْمَذْكُورَة عَاد مصطفى باشا وجيوشه إِلَى مَدِينَة طرابرون لتمضية فصل الشتَاء الَّذِي لَا يُمكن اسْتِمْرَار الْقِتَال فِي غضونه لشدَّة الْبرد وتراكم الثلوج فِي هَذِه الاصقاع وَقسمت بِلَاد الكرج إِلَى أَرْبَعَة أَقسَام وَهِي شيروان وتفليس وَتَكون القسمان الباقيان من بِلَاد الكرج الاصلية وحصنت مَدِينَة قارص بكيفية جَعلتهَا امْنَعْ معاقل الدولة على الْحُدُود وَمَا فتئت كَذَلِك حَتَّى احتلها الروس سنة ١٨٧٧ وَعين لكل مِنْهَا حَاكم عَام بكلر بك وَفِي اواسط الشتَاء اتت اربعة جيوش جرارة تَحت امرة الامير حَمْزَة ميرزا وهاجمت بِلَاد شيروان من كل فج حَتَّى اضْطر حاكمها عُثْمَان باشا إِلَى اخلاء مَدِينَة شيروان والاحتماء بِمَدِينَة دربند وَكَذَلِكَ حاصر الاعجام مَدِينَة تفليس نَفسهَا وَلم يقووا على استرجاعها لثبات حاميتها العثمانية حَتَّى اتى اليها المدد وَرفع عَنْهَا الْحصار عنْوَة سنة ١٥٧٩ وَفِي غُضُون ذَلِك قتل الصَّدْر الاعظم مُحَمَّد باشا صقللي الَّذِي حَافظ على نُفُوذ الدولة بعد موت السُّلْطَان سُلَيْمَان وَتمكن بسياسته ودهائه من ابرام الصُّلْح مَعَ دوَل اوروبا المعادية لَهَا وانشأ عمَارَة بحريّة بعد وَاقعَة ليبنته وَفتحت جَزِيرَة قبرص بتعليماته وارشاداته وكوفئ على خدماته الجليلة بِالْقَتْلِ لَا لذنب جناه اَوْ جِنَايَة ارتكبها بل هِيَ دسائس حَاشِيَة السُّلْطَان قَضَت عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ غدرا تبعا لدسائس الاجانب الَّذين لَا يروق فِي اعينهم وجود مثل هَذَا الْوَزير يُدِير دولاب الاعمال على محور الاسْتقَامَة فدسوا اليه من قَتله تخلصا من صَادِق خدمته للدولة فَكَانَ مَوته ضَرْبَة شَدِيدَة ومحنة عَظِيمَة لَا سِيمَا وَقد كثر بعده تنصيب وعزل

стр. 216

الصُّدُور فعين اولا من يدعى احْمَد باشا ثمَّ عزل فِي اغسطس سنة ١٥٨٠ وَعين بعده سِنَان باشا اُحْدُ القواد الْمَشْهُورين وَاحِد رُؤَسَاء الْجَيْش الْمُحَارب فِي بِلَاد الكرج وَتَوَلَّى قيادة هَذَا الْجَيْش بعد موت قائده الْعَام مصطفى الَّذِي قيل انه انتحر مسموما لعدم حُصُوله على منصب الصدارة وَلكنه عزل من منصبه بعد قَلِيل وَنفي إِلَى خَارج الْبِلَاد وَتَوَلَّى مَكَانَهُ سياوس باشا المجري الاصل فِي الصدارة الْعُظْمَى وفرهاد اَوْ فرحات باشا اُحْدُ القواد الْعِظَام قائدا عَاما للجيش الْمُحَارب فِي الكرج وَلم يات هَذَا الْقَائِد باعمال تذكر لعدم انقياد الانكشارية وامتثالهم لاوامر رُؤَسَائِهِمْ اما عُثْمَان باشا حَاكم اقليم شيروان فَسَار إِلَى فتح بِلَاد طاغستان على شاطئ بَحر الخزر وَبعد ان اتم فتحهَا عقب موقعة عَظِيمَة انتصر فِيهَا على الاعجام نصرا مُبينًا فِي ٩ مايو سنة ١٥٨٣ سَار بطرِيق الْبر إِلَى بِلَاد القرم مخترقا جبال قَاف اَوْ القوقاز وسهول روسيا الجنوبية لعزل خانها عقَابا لَهُ على امْتِنَاعه عَن ارسال المدد إِلَى الدولة الْعلية لمحاربة الْعَجم فوصل اليها بعد ان عانى من المشقات اقصاها وَمن الصعوبات مُنْتَهَاهَا لوعورة الطَّرِيق ومناوشة الروس لَهُ إِلَى مَدِينَة كافا عَاصِمَة الخان مُحَمَّد كراي فَجمع الخان جَيْشًا عَظِيما من الفرسان القوزاق الْمَشْهُود لَهُم بالبسالة والاقدام وحاصر عُثْمَان باشا وجيوشه الَّتِي اضناها التَّعَب وانهكها السّير وَلَوْلَا عصيان اخيه اسلام كراي عَلَيْهِ لوعده بالامارة من قبل الدولة الْعلية وتفرق جيوشه من حوله وَقَتله غدرا بدسيسة اخيه لانتصر على العثمانيين لَكِن خانه اخوه ودس اليه من قَتله طَمَعا فِي الامارة سنة ١٥٨٤ وَبعد ذَلِك رَجَعَ عُثْمَان باشا إِلَى الاستانة برا وقوبل بِكُل تكريم واعظام وَبعد ايام

стр. 217

قَلَائِل عين صَدرا اعظم بدل سياوس باشا المجري وسر عَسْكَر الْجَيْش الكرج وَكَانَ تَعْيِينه فِي سنة ٩٩٢ هـ ١٥٨٤ م فَسَار فِي جَيش عَرَمْرَم مؤلف من مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ الف مقَاتل قَاصِدا بِلَاد اذربيجان فاخترقها بِدُونِ كثير مقاومة ثمَّ قصد مَدِينَة تبريز عَاصِمَة الْعَجم فَدَخلَهَا بعد ان انتصر على حَمْزَة ميرزا وَترك فِيهَا حامية قَوِيَّة وَبعد ان استمرت الْحَرْب سجالا بَين الدولتين نَحْو سِتّ سنوات توفّي فِي خلالها الصَّدْر الاعظم عُثْمَان باشا سر عَسْكَر الْجَيْش تمّ الصُّلْح وامضي بَينهمَا فِي ٢١ مارس سنة ١٥٨٥ على ان تتنازل الْعَجم للدولة العثمانية عَن اقليم الكرج وشيروان ولورستان وجزء من اذربيجان ومدينة تبريز وَتَوَلَّى بعده خَادِم مسيح باشا صَدرا اعظم سنة ٩٩٣ وَفِي السّنة التالية اعيد سياوس باشا إِلَى هَذَا المنصب الخطير وَبِذَلِك هدأت الاحوال وانقطعت الحروب على سَائِر حُدُود المملكة تَقْرِيبًا الا ان هَذِه السكينَة لم تكن لترضي الانكشارية الَّذين كَانُوا يفضلون اسْتِمْرَار الحروب للنهب وَالسَّلب وارتكاب مَالا خير فِيهِ فَكَانَت إِذا انْقَطَعت الحروب تمردوا وارتكبوا هَذِه القبائح فِي بِلَاد الدولة المعسكرين بهَا بل وَفِي نفس الاستانة فَلَمَّا بَلغهُمْ ان المخابرات سائرة بَين الدولة والعجم للوصول إِلَى الصُّلْح ثَارُوا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وطلبوا تَسْلِيم الدفترادار نَاظر الْمَالِيَّة وَمُحَمّد باشا بكلر بك الرومللي لقتلهما بِدَعْوَى انهما ارادا ان يصرفا اليهم نقودا نَاقِصَة الْعيار وحاصروهما فِي منزلهما إِلَى ان قتلوهما شَرّ قتلة وَلم يقو السُّلْطَان على مَنعهم وتمردوا مرّة اخرى سنة ١٥٩٣ فِي الاستانة واخرى فِي مَدِينَة بود وَقتلُوا واليها وَفِي الْقَاهِرَة وَفِي تبريز مِمَّا يطول شَرحه ووصلت بهم القحة إِلَى آخرهَا وَلذَلِك اشار سِنَان باشا الَّذِي اعيد إِلَى منصة الوزارة فِي سنة ٩٩٧ باشغالهم بمحاربة بِلَاد المجر واوعز إِلَى حسن باشا وَالِي بِلَاد البشناق بوسنه ان يجتاز حُدُود بِلَاد المجر اعلانا للحرب لَكِن هَل يُرْجَى نجاح اَوْ فلاح حَقِيقِيّ من جيوش بلغ عِنْدهَا عدم النظام الدرجَة القصوى

стр. 218

حَتَّى استطالت لقتل الْوُلَاة وعزل الْحُكَّام كلا وَلَو كَانَ قائدها الاسكندر المقدوني اَوْ ابراهيم باشا الْمصْرِيّ اَوْ نابليون الفرنساوي وَرب معترض يعْتَرض علينا فِي تَسْمِيَة ابراهيم باشا بالمصري مَعَ انه لم يُولد بهَا فنجاوبه ان ابراهيم باشا نشر الرَّايَة المصرية فِي بِلَاد الْعَرَب وَالشَّام وجنوب الاناطول والسودان وانتصر بالمصريين لَا بغيرهم وَلم يكن ذَلِك مِنْهُ الا لاعلاء شَأْن الوطن الْمصْرِيّ واستقلاله فِي الدَّاخِل وَنشر نُفُوذه فِي الْخَارِج وَلذَلِك حق لنا ان نُسَمِّيه الْمصْرِيّ بل الْمصْرِيّ الوحيد بعد وَالِده مُحَمَّد عَليّ باشا الْكَبِير ولنرجع إِلَى ذكر حروب الدولة مَعَ المجر فَنَقُول ان الْحَرْب كَانَت تَارَة لَاحَدَّ الْفَرِيقَيْنِ وطورا للْآخر فَقتل حسن باشا وَالِي الهرسك وَانْهَزَمَ وَالِي بود وَفتحت جيوش النمسا الَّتِي انْحَازَتْ إِلَى المجر عدَّة قلاع عثمانية ثمَّ استردها سِنَان باشا الصَّدْر الاعظم سنة ١٥٩٥ وَفِي هَذَا الْموقع يجب علينا وعَلى كل عثماني التأسف والتحسر على عدم خُرُوج السُّلْطَان بِنَفسِهِ إِلَى الْحَرْب وتحجبه عَن اعين جيوشه وَعدم قيادتهم بِذَاتِهِ الشَّرِيفَة إِلَى ساحات النَّصْر فلولا ذَلِك لكَانَتْ الْغَلَبَة دَائِما لَهُم باذنه تَعَالَى فقد عودهم النَّصْر على الاعداء فِي زمن اجداده سُلَيْمَان وسليم الاول وَمن قبلهم لَان وجود الْخَلِيفَة الاعظم فِي رَأس جيوشه يبث فيهم روحا جَدِيدَة فيتحدون مَعَه قلبا وقالبا ويسيرون مَعَه إِلَى النَّصْر الْمُبين والفوز الْعَظِيم وَكم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة باذن الله وَمِمَّا زَاد احوال المملكة ارتباكا اشهار الفلاخ والبغدان وترنسلفانيا الْعِصْيَان بالاتحاد وتحالفهم مَعَ رودلف الثَّانِي ملك النمسا وامبراطور المانيا على محاربة الدولة والحصول على الِاسْتِقْلَال فَسَار اليهم الصَّدْر الاعظم سِنَان باشا فِي سنة ١٥٩٥ وَدخل مَدِينَة بوخارست عَاصِمَة الفلاخ عنْوَة ثمَّ انتصر عَلَيْهِ مخائيل امير الفلاخ الملقب فِي كتب الافرنج بالشجاع وَدخل مَدِينَة ترجوفتس وَقتل حاميتها ورئيسها فاخذ العثمانيون فِي الانسحاب والتقهقر خلف نهر الدانوب تَبِعَهُمْ مخائيل الفلاخي وانتصر عَلَيْهِم مرّة ثَانِيَة بِالْقربِ من مَدِينَة جورجيوا

стр. 219

عِنْد عبورهم النَّهر وَفتح الْمَدِينَة وعدة مَدَائِن اخرى اهمها مَدِينَة نيكوبلي وَفِي هَذِه الاثناء ولي فرهاد باشا منصب الصدارة فِي سنة ٩٩٩ ثمَّ اعيد سياوس باشا ثَالِثا اليها سنة ١٠٠٠ ثمَّ اصيب السُّلْطَان بداء عياء وَتُوفِّي مسَاء ٨ جُمَادَى الاولى سنة ١٠٠٣ ١٩ يناير سنة ١٥٩٥ وَله من الْعُمر خَمْسُونَ سنة وَكَانَت مُدَّة ملكه احدى وَعشْرين سنة تَقْرِيبًا وَكَانَ شَاعِرًا مجيدا فطنا لبيبا الا انه كَانَ كثير الْميل لاقتناء الْجَوَارِي الحسان عَاملا بمشورتهن وَكَانَ من ضمن حظياته جَارِيَة بندقية الاصل من عائلة شهيرة بهَا اسْمهَا بافو سباها قراصين الْبَحْر وبيعت فِي السراي السُّلْطَانِيَّة وَسميت صَفِيَّة اصطفاها السُّلْطَان لنَفسِهِ وتدخلت كثيرا فِي السياسة الخارجية ساعدت بلادها الاصلية كثيرا وَهِي وَالِدَة السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث

стр. 220

١٣ - السُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد خَان الثَّالِث ولد هَذَا السُّلْطَان فِي ٧ ذِي الْقعدَة سنة ٩٧٤ هـ ١٦ مايو سنة ١٥٦٦ م وَتَوَلَّى بعد موت ابيه مُرَاد الثَّالِث ابْن صَفِيَّة الايطالية الاصل وَكَانَ لَهُ تِسْعَة عشر اخا غير الاخوات فامر بخنقهم قبل دفن ابيه ودفنوا مَعًا تجاه ايا صوفيا وَفِي اوائل حكمه سَار على اثر سلفه فِي عدم الْخُرُوج إِلَى الْحَرْب وَترك امور الداخلية فِي ايدي وزرائه الَّذين مِنْهُم سِنَان باشا وجفالة زَاده هُوَ ابْن الْقَائِد جفالة باشا الجنوي الأَصْل الَّذِي قتل فِي محاربة الْعَجم الْأَخِيرَة وَصِحَّة اسْمه سيكالا ثمَّ حرف فَصَارَ جفالة وَآخر يدعى حسن باشا ففسدوا فِي الارض وَبَاعُوا المناصب الملكية والعسكرية وقللوا عيار العملة حَتَّى علا الضجيج من جَمِيع الْجِهَات وتعاقب انهزام الجيوش العثمانية امام مخائيل الفلاخي فضم لسلطانه بمساعدة الجيوش النمساوية واقليم البغدان وجزءا عَظِيما من ترنسلفانيا لعدم وجود القواد الاكفاء لصدهم وَمِمَّا يخلد للسُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد الثَّالِث الذّكر ويجعله رصيفا لاجداده الاوائل انه لما تحقق ان هَذَا الانحلال ناشيء من تحجبه عَن الاعمال وَعدم قيادته الجيوش برز بِنَفسِهِ وتقلد المركز الَّذِي كَانَ ترك مُرَاد الثَّالِث وسليم الثَّانِي لَهُ من دواعي تقهقر الدولة امام اعدائها الا وَهُوَ مَرْكَز قيادة عُمُوم الجيوش فَسَار إِلَى بلغراد وَمِنْهَا إِلَى ميدان الْحَرْب والنزال وَبعد قَلِيل دبت فِي الجيوش الحمية الدِّينِيَّة والغيرة

стр. 221

العسكرية فَفتح قلعة ارلو الحصينة الَّتِي عجز السُّلْطَان سُلَيْمَان عَن فتحهَا فِي سنة ١٥٥٦ وَدَمرَ جيوش المجر والنمسا تدميرا فِي سهل كرزت بِالْقربِ من هَذِه القلعة فِي ٢٦ اكتوبر سنة ١٥٩٦ حَتَّى شبهت هَذِه الموقعة بواقعة موها كز الَّتِي انتصر فِيهَا السُّلْطَان سُلَيْمَان سنة ١٥٢٦ وَبعد هَذِه الموقعة استمرت الْحَرْب سجالا بِدُونِ ان تحصل بَين الطَّرفَيْنِ وقائع حاسمة وَفِي ابْتِدَاء الْقرن السَّابِع عشر للميلاد حصلت فِي بِلَاد الاناطول ثورة داخلية كَادَت تكون وخيمة الْعَاقِبَة على الدولة خُصُوصا ونيران الحروب مستعر لهيبها على حُدُود المجر والنمسا وَذَلِكَ ان فرقة من الجيوش الْمُؤجرَة ويسمونها بالتركية علوفه جي الَّتِي هِيَ بِالنِّسْبَةِ للانكشارية كنسبة الباشبوزق للجيوش المنتظمة لم تثبت فِي وَاقعَة كرزت الْمُتَقَدّم ذكرهَا بل ولت الادبار وركنت إِلَى الْفِرَار فنفيت إِلَى ولايات آسيا واطلق عَلَيْهَا اسْم فراري تحقيرا لَهُم وعبرة لغَيرهم وَهُنَاكَ ادّعى اُحْدُ رُؤَسَائِهِمْ واسْمه قره يازيجي ان النَّبِي ﷺ جَاءَهُ مناما ووعده بالنصر على آل عُثْمَان وَفتح ولايات آسيا فَتَبِعَهُ كثير من هَذِه الفئة وشق عَصا الطَّاعَة وتغلب على وَالِي القرمان وَدخل مَدِينَة عين تَابَ عنْوَة فارسلت اليه الجيوش وحاصرته فِيهَا وَلما رأى ان لَا مناص لَهُ من التَّسْلِيم اَوْ الْمَوْت عرض على الْوَزير المحاصر لَهُ الطَّاعَة للسُّلْطَان بِشَرْط تَعْيِينه واليا لاماسيا فَقبل شَرطه وَرفع عَنهُ الْحصار لَكِن بِمُجَرَّد ابتعاد الجيوش عَنهُ رفع راية الْعِصْيَان ثَانِيًا واتحد مَعَ اخيه الْمُسَمّى دُلي حسن وَالِي بَغْدَاد فَاتبع وَسْوَسَة اخيه وَكفر

стр. 222

بِنِعْمَة الدولة وجاهر بعصيانها فارسل صقللي حسن باشا مَعَ جَيش جرار لمحاربتهما وانتصر على قره يازيجي والجأه إِلَى الاحتماء بجبال جانق على الْبَحْر الاسود حَيْثُ توفّي من الْجراح الَّتِي اصابته فِي الْحَرْب تَارِكًا اخاه للاخذ بثأره وفعلا فَازَ الدلي حسن على صقللي حسن باشا وَقَتله على اسوار مَدِينَة توقات ثمَّ هزم وُلَاة ديار بكر وحلب ودمشق وحاصر مَدِينَة كوتاهية فِي سنة ١٦٠١ واستفحل امْرَهْ حَتَّى خيفت الْعَاقِبَة وَلما رات الدولة تجسم هَذِه النَّازِلَة اخذت فِي اسْتِعْمَال طرق السّلم والتودد فاجزلت اليه العطايا واغدقت عَلَيْهِ الهبات ثمَّ عرضت عَلَيْهِ ولَايَة بوسنه فَقبل بعد تعللات كَثِيرَة وَوضع السِّلَاح واعلن باخلاصه للدولة الْعلية سنة ١٦٠٣ وسافر بجُنُوده من انْضَمَّ اليها من اخلاط الاكراد واوباش القرمان وَاسْتعْمل قوته لمحاربة الافرنج على حُدُود الدولة من جِهَة اوروبا حَتَّى هَلَكت جيوشه عَن آخرهَا فِي المناوشات المستمرة بَينهَا وَبَين عَسَاكِر المجر والنمسا واستراحت الدولة من شَرها واعقبت هَذِه الثورة الْعَظِيمَة ثورة اخرى فِي نفس الاستانة الْعلية كَاد شَرها يتَعَدَّى إِلَى نفس الْخَلِيفَة الاعظم وَذَلِكَ ان جنود السباه أَي الخيالة طلبُوا من الدولة ان تعوض عَلَيْهِم مَا فقدوه من ريع الاقطاعات المعطاة لَهُم فِي بِلَاد آسيا الَّتِي كَانُوا يسمونها تمارا بِسَبَب فتْنَة قره يازيجي ودلي حسن بآسيا الصُّغْرَى وَلما لم يكن فِي وسع الدولة تَلْبِيَة طَلَبهمْ لنَقص دَخلهَا هِيَ ايضا بِسَبَب هَذِه الْفِتْنَة تمردوا وثاروا وطلبوا نهب مَا فِي الْمَسَاجِد من التحف الذهبية والفضية فاستعانت الدولة عَلَيْهِم بِجُنُود الانكشارية وادخلتهم فِي طاعتها بعد سفك الدِّمَاء وَلَو اتَّحد الانكشارية مَعَهم وساعدوهم على مطالبهم لخيف على حَيَاة الدولة من الدَّاخِل وَالْخَارِج

стр. 223

وَمن ذَلِك يظْهر جليا اختلال النظام العسكري وَعدم صلاحيته لحفظ اسْم الدولة وشرفها بَين اعدائها وَفِي هَذِه السّنة توفّي السُّلْطَان وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي ١٢ رَجَب سنة ١٠١٢ ١٦ دسمبر سنة ١٦٠٣ وعمره ٣٧ سنة وَمُدَّة حكمه ٩ سِنِين وَخَلفه ابْنه احْمَد الاول ١ - ٤

стр. 224

السُّلْطَان الْغَازِي احْمَد خَان الاول وانتصار الشاه عَبَّاس ولد هَذَا السُّلْطَان فِي ١٢ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ٩٩٨ ١٨ ابريل سنة ١٥٩٠ فَتَوَلّى الْملك وَلم يتَجَاوَز سنه الرَّابِعَة عشر الا بِقَلِيل وَلم يامر بقتل اخيه مصطفى بل اكْتفى بحجزه بَين الخدم والجواري وَكَانَت اركان الدولة غير ثَابِتَة فِي كَافَّة بِلَاد آسيا ونار الْحَرْب مستعرة على حُدُود الْعَجم شرقا والنمسا غربا وَكَانَت الْحَرْب مَعَ الْعَجم شَدِيدَة الْوَطْأَة فِي هَذِه الْمرة لتولي الشاه عَبَّاس الشهير قيادتها وَمِمَّا جعل لَهَا اهمية اعظم من كَافَّة الحروب السَّابِقَة اضْطِرَاب الاحوال فِي الولايات الشرقية عُمُوما وسعي كل امة من الامم الْمُخْتَلفَة النَّازِلَة بهَا للحصول على الِاسْتِقْلَال وَكَانَ اهم رُؤَسَاء هَذِه الْحَرَكَة رجلا كرديا لقب بجان بولاد وَمَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ من نَفسه كالبولاد لشدَّة باسه وَقُوَّة اقدامه والامير فَخر الدّين الدرزي وَغَيرهمَا لَكِن قيض الله للدولة فِي هَذِه الشدَّة الْوَزير مُرَاد باشا الملقب بقويوجي الَّذِي عين صَدرا اعظم وَكَانَ قد تجَاوز الثَّمَانِينَ ليَكُون عونا وعضدا للسُّلْطَان الْفَتى فتقلد

стр. 225

مَعَ كبر سنه ووهن قواه قيادة الجيوش وَحَارب الثائرين بهمة ونشاط زائدين فانتصر على فَخر الدّين وجان بولاد واقتفى اثرهم حَتَّى اختفيا فِي بادية الشَّام واستمال قلندر اوغلى اُحْدُ زعماء الثورة فِي الاناطول وعينه واليا على انقرة وَقبض على آخر يدعى احْمَد بك وَقَتله بعد ان فرق جنده بِالْقربِ من قونية وَلما رأى جَان بولاد الْكرْدِي عدم نجاح الثورة سَافر للاستانة واظهر الطَّاعَة للسُّلْطَان فَعَفَا عَنهُ وعينه واليا لتمسوار وَفِي سنة ١٦٠٨ انتصر على من بَقِي من العصاة بِقرب وان وَفِي السّنة التالية قتل آخر زعمائهم الْمَدْعُو يُوسُف باشا الَّذِي كَانَ اسْتَقل باقاليم صاروخان ومنتشا وآيدين وَبِذَلِك عَادَتْ السكينَة وساد الامن بهمة هَذَا الشجاع الَّذِي لقب بِسيف الدولة عَن اسْتِحْقَاق هَذَا وانتهز الشاه عَبَّاس هَذِه الفرصة لاسترجاع بِلَاد الْعرَاق العجمي واحتل مَدَائِن تبريز ووان وَغَيرهمَا ولمناسبة اضمحلال جيوش الدولة فِي هَذِه الحروب الَّتِي استمرت عدَّة سنوات مُتَوَالِيَة وَمَوْت اهم قوادها خُصُوصا الصَّدْر الاعظم قويوجي يَوْم ٥ اغسطس سنة ١٦١١ تراسلت الدولتان على الصُّلْح وَتمّ الامر بَينهمَا فِي سنة ١٦١٢ بمساعي نصوح باشا الَّذِي تولى منصب الصدارة بعد موت قويوجي مُرَاد باشا على ان تتْرك الدولة الْعلية لمملكة الْعَجم جَمِيع الاقاليم والبلدان والقلاع والحصون الَّتِي فتحهَا العثمانيون من عهد السُّلْطَان الْغَازِي سُلَيْمَان الاول القانوني بِمَا فِيهَا مَدِينَة بَغْدَاد وَهَذِه اول معاهدة تركت فِيهَا الدولة بعض فتوحاتها ويمكننا القَوْل بِكُل اسف وحزن انها كَانَت فَاتِحَة الانحطاط واول المعاهدات المشؤومة الَّتِي ختمت بمعاهدة برلين الشهيرة اما من جِهَة المجر والنمسا فَفِي اثناء اشْتِغَال الدولة بحروبها الداخلية استبد النمساويون بِبِلَاد المجر واساؤا مُعَاملَة اشرافها نَظِير اخلاصهم للدولة الْعلية حَتَّى رفضوا نير النمسا المسيحية وطلبوا من الدولة ان ترمقهم بِعَين حمايتها وتخلصهم من استرقاق النمسا لَهُم وانتخبوا الامير بوسكاي ملكا عَلَيْهِم سنة ١٦٠٥

стр. 226

فانشرحت الدولة لهَذِهِ النتيجة الَّتِي مَا كَانَت تنتظرها من امة مسيحية لَا سِيمَا وَهِي فِي حَالَة كربَة لِكَثْرَة الحروب الداخلية وتقهقر جيوشها امام الشاه عَبَّاس فَقبلت هَذَا الاسترحام واعتمدت انتخاب بوسكاي وامدته بجيوشها ففتحت فِي زمن يسير حصون جران ويسجراد وسيريم وَغَيرهَا وَفِي سنة ١٦٠٦ خشيت النمسا من امتداد الفتوحات العثمانية فسعت فِي سلخ بوسكاي عَن الدولة فَاعْترفت بانتخابه ملكا للمجر واميرا لاقليم ترنسلفانيا وتنازلت عَن كَافَّة الاقاليم المجرية الَّتِي كَانَت للسُّلْطَان باتوري بِشَرْط رُجُوع مَا يكون مِنْهَا المانيا وخصوصا اقليم ترنسلفانيا إِلَى امبراطور المانيا بعد موت بوسكاي ولزيادة اضْطِرَاب احوال الدولة بآسيا وتعسر اسْتِمْرَار الْحَرْب مَعَ النمسا بِدُونِ مساعدة جيوش المجر لَهَا ابرمت الصُّلْح مَعَ امبراطور النمسا فِي سنة ١٦٠٦ عينهَا على ان لَا تدفع النمسا الْجِزْيَة السنوية الَّتِي قدرهَا ثَلَاثُونَ الف دوكا فِي الْمُسْتَقْبل مُقَابل التعويض عَنْهَا للدولة بِدفع مبلغ مِائَتي الف دوكا وان تضم الدولة الْعلية لاملاكها حصون جران وارلو وكانيشا وَفِي سنة ١٦٠٨ اجْتمع نواب النمسا والمجر فِي مَدِينَة برسبورج وَصَدقُوا عل هَذَا الِاتِّفَاق وَكَذَلِكَ صدق عَلَيْهِ لمُدَّة عشْرين سنة من تَارِيخ التَّصْدِيق مندوبو مملكة المانيا مُجْتَمعين بهيئة مؤتمر بِمَدِينَة ويانه سنة ١٦١٥ اما بِلَاد المجر فَبَقيت تَابِعَة للدولة بَعْضهَا تَبَعِيَّة فعلية وَالْبَعْض تَبَعِيَّة حماية وَسميت هَذِه المعاهدة بمعاهدة ستواتوروك وَبعد التَّصْدِيق نهائيا على هَذَا الِاتِّفَاق من جَمِيع اولي الشَّأْن توفّي بوسكاي

стр. 227

وَامْتنع اهالي اقليم ترنسلفانيا عَن الدُّخُول ضمن املاك الامبراطورية مفضلين الْبَقَاء تَحت حماية الدولة العثمانية الاسلامية الَّتِي لم تتعرض لَهُم لَا فِي دينهم وَلَا فِي عوائدهم اكْتِفَاء بالجزية السنوية فعينت لَهُم الدولة سجسمون راجوتسكي ثمَّ جِبْرَائِيل باتوري ثمَّ بتلن جابور وَهُوَ من اشد خصوم دولة النمسا وَالِد اعدائها وتعهد هَذَا الامير بِمَنْع امراء الفلاخ والبغدان من اقتناء الاراضي والقصور فِي امارته حَتَّى لَا يلتجؤا اليها لَو تمردوا على الدولة وبتسليمهم لَهَا لَو فروا اليها وَبِذَلِك صَارَت ترنسلفانيا حَائِلا بَين الامارتين وبلاد المجر هَذَا وَلَو ان الحروب انْقَطَعت على كَافَّة حُدُود الدولة تَقْرِيبًا الا انه قد حصلت مَا بَين سنة ١٦١١ وَسنة ١٦١٤ بعض مناوشات بحريّة بَين مراكب الدولة وسفن رُهْبَان مالطه وَملك اسبانيا وولايات ايطاليا كَانَ الْفَوْز فِيهَا غَالِبا لمراكب الاعداء وَلذَلِك امْر الصَّدْر نصوح باشا بِجمع جَمِيع سفن الدولة فِي مياه الْبَحْر الابيض الْمُتَوَسّط لصد تعديات مراكب الافرنج وَحفظ طَرِيق الْبَحْر بَين الاستانة وولايات الغرب فانتهز بعض اخلاط القوزاق انسحاب السفن الحربية من الْبَحْر الاسود واغاروا على ثغر سينوب ونهبوا مَا بِهِ وَلما علم السُّلْطَان بذلك غضب على الصَّدْر الاعظم وسعى بِهِ بعض مبغضيه طَمَعا فِي نوال منصبه وَمَا فتئوا يوغرون صدر سَيّده عَلَيْهِ حَتَّى امْر بقتْله فِي ١٤ اكتوبر سنة ١٦١٤ فخنق فِي قصره هَذَا وازدادت فِي ايام السُّلْطَان احْمَد الاول العلاقات السياسية مَعَ دوَل الافرنج فجددت مَعَ فرانسا الْعُقُود والعهود الْقَدِيمَة فس سنة ١٦٠٤ مَعَ بعض زيادات طفيفة وَفِي سنة ١٦٠٩ جددت مَعَ مملكة بولونيا الاتفاقات الَّتِي أبرمت مَعهَا فِي زمن السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث وأهم مَا بهَا تعهد بولونيا بِمَنْع قوزاق الروسية من الاغارة على اقليم البغدان وتعهد الدولة الْعلية بِمَنْع تتار القرم من التَّعَدِّي على حُدُودهَا وَفِي سنة ١٦١٢ تحصلت ولايات الفلمنك على امتيازات تجارية تضارع مَا منحته

стр. 228

كل من فرنسا وانكلترا وهم أَي الفلمنك الَّذين ادخُلُوا فِي الْبِلَاد الاسلامية اسْتِعْمَال التبع أَي تدخين الدُّخان فعارض الْمُفْتِي فِي اسْتِعْمَاله واصدر فَتْوَى بِمَنْعه فهاج الْجند واشترك مَعَهم بعض مستخدمي السراي السُّلْطَانِيَّة حَتَّى اضطروه إِلَى اباحته وَفِي ٢٣ ذِي الْقعدَة سنة ١٠٢٦ ٢٢ نوفمبر سنة ١٦١٧ م توفّي السُّلْطَان احْمَد الاول وعمره ٢٨ سنة وَمُدَّة حكمه ١٤ سنة تَقْرِيبًا ولصغر سنّ وَلَده عُثْمَان الَّذِي كَانَ لم يتَجَاوَز ثَلَاث عشرَة سنة من عمره خَالف الْعَادة المتبعة من ابْتِدَاء الْغَازِي السُّلْطَان عُثْمَان الاول أَي تنصيب اكبر الاولاد اَوْ احدهم مَكَان وَالِده واوصى بِالْملكِ بعده لاخيه

стр. 229

١٥ - السُّلْطَان مصطفى خَان الاول ولد هَذَا السُّلْطَان سنة ١٠٠١ هـ وَقضى طول عمره دَاخل محلات الْحرم وَلم يتعاطى اشغالا مُطلقًا بل وَلم يعلم من امور المملكة شَيْئا كَمَا كَانَت عَادَة بعض مُلُوك بني عُثْمَان وَهِي ان كل سُلْطَان يتَوَلَّى يامر بقتل اخوته اَوْ يحجزهم فِي السراي كي لَا يكون مِنْهُم مُنَازع فِي الْملك وَهِي عَادَة مستقبحة جدا لما فِيهَا من قتل اقْربْ النَّاس بِلَا ذَنْب اَوْ جرم الا مَا يخيله لَهُم الْوَهم من الْخَوْف على الْملك والاستئثار بِهِ مَعَ انهم لَو استخدموا اخوتهم فِي المناصب الْعَالِيَة لَا سِيمَا قيادة الجيوش كَمَا يفعل مُلُوك اوروبا الْآن لحفظوا ذمار الدولة واخلصوا فِي خدمتها اكثر من الذوات الَّذين اغلبهم كَمَا رايت وَترى فِي سِيَاق هَذَا الْكتاب من غير الْجِنْس التركي بل من المماليك الجركس اَوْ الافرنج الَّذين رُبمَا اعتنقوا الدّين الاسلامي ودخلوا فِي خدمَة الدولة اعداء فِي لِبَاس اصدقاء لتنفيذ اغراض دولهم وكادت تقوم الْحَرْب بَين الدولة وفرنسا عِنْد تَوليته وَذَلِكَ ان كاتم اسرار السفارة الفرنساوية ساعد اُحْدُ اشراف بولونيا وَكَانَ مسجونا بالاستانة على الهروب مِنْهَا فسجن كاتم السِّرّ والمترجم والسفير وَلم يلبث هَذَا السُّلْطَان على سَرِير الْملك الا ثَلَاثَة اشهر تَقْرِيبًا ثمَّ عَزله ارباب الغايات وَفِي مقدمتهم الْمُفْتِي وقيز لر اغاسي أَي آغا السراي وساعدهم الانكشارية على ذَلِك لتوزيع الهبات عَلَيْهِم عِنْد تَوْلِيَة كل ملك جَدِيد فعزل فِي اول سنة ١٠٢٧ ٢٦ فبراير سنة ١٦١٨ م واقاموا مَكَانَهُ السُّلْطَان عُثْمَان الثَّانِي الْمَوْلُود فِي غُضُون سنة ١٠١٣ هـ

стр. 230

١٦ - السُّلْطَان عُثْمَان خَان الثَّانِي وخلعه ثمَّ قَتله وارجاع السُّلْطَان مصطفى ثمَّ عَزله هُوَ ابْن السُّلْطَان احْمَد الاول وامر باطلاق قنصل فرنسا وكاتبه ومترجمه وارسل مَنْدُوبًا لملك فرنسا لويس الثَّالِث عشر يُسمى حُسَيْن جاووش بِجَوَاب اعتذار عَمَّا حصل من الاهانة لسفيره وَبِذَلِك انحسمت هَذِه المشكلة وَحدث فِي هَذِه الاثناء ان تدخلت بولونيا فِي شؤون امارة البغدان لمساعدة جراسياني الَّذِي عزل بِنَاء على مساعي بتلن جابور امير ترنسلفانيا واضيفت امارته إِلَى اسكندر شربان امير الفلاخ وَصَارَت الامارتان تابعتين لَهُ فَاتخذ السُّلْطَان عُثْمَان هَذَا التدخل سَببا فِي اشهار الْحَرْب على مملكة بولونيا وَتَحْقِيق امنيته وَهِي فتح هَذِه المملكة وَجعلهَا فاصلا بَين املاك الدولة ومملكة الروسيا الَّتِي ابتدأت فِي الظُّهُور وَقبل الشُّرُوع فِي الْحَرْب امْر بقتل اخيه مُحَمَّد تبعا للْعَادَة الْمَشْرُوعَة فَقتل فِي ١٢ يناير سنة ١٦٢١ مأسوفا عَلَيْهِ ثمَّ اصدر امرا بتقليل اختصاصات الْمُفْتِي وَنزع مَا كَانَ لَهُ من السلطة فِي تعْيين وعزل الموظفين وَجعل وظيفته قَاصِرَة على الافتاء حَتَّى يامن شَرّ دسائسه الَّتِي رُبمَا تكون سَببا فِي عَزله كَمَا كَانَت سَبَب عزل سلفه لَكِن اتى الامر على الضِّدّ بِمَا كَانَ يؤمل كَمَا سَيَجِيءُ وَبعد ان اتم هَذِه التمهيدات الداخلية سير الجيوش والكتائب لمحاربة مملكة بولونيا فالتقت بجيشهم تَحت قيادة امير وَلنَا وَكَانَ متحصنا

стр. 231

فِي مَحل منيع بِالْقربِ من بَلْدَة يُقَال لَهَا شوك زم فهاجم العثمانون فِي حصونهم عدَّة دفعات مُتَوَالِيَة بِدُونِ ان يزحزحوهم عَن معاقلهم قطلبت الانكشارية الْكَفّ عَن الْحَرْب وَطلب البولونيون الصُّلْح لفقد قائدهم وتبادلت بَينهمَا المخابرات وَتمّ الصُّلْح وامضي من الطَّرفَيْنِ فِي ٦ اكتوبر سنة ١٦٢٠ فحنق السُّلْطَان على الانكشارية من طَلَبهمْ الرَّاحَة وخلودهم إِلَى الكسل والزامه على الصُّلْح مَعَ بولونيا بِدُونِ تتميم قَصده أَي ضمهَا إِلَى املاكه وعزم على ابطالها وافنائها عَن آخرهَا ولاجل التأهب لتنفيذ هَذَا الامر الخطير امْر بحشد جيوش جَدِيدَة فِي ولايات آسيا وتنظيمها وتدريبها على الْقِتَال حَتَّى إِذا كملت عدَّة وعددا اسْتَعَانَ بهَا على ابادة هَذِه الفئة الباغية وَشرع فعلا فِي انفاذ هَذَا الْمَشْرُوع لَكِن احس الانكشارية بذلك فهاجوا وماجوا وتذمروا وَاتَّفَقُوا على غزل السُّلْطَان وَتمّ لَهُم ذَلِك فِي يَوْم ٩ رَجَب سنة ١٠٣١ ٢٠ مايو سنة ١٦٢٢ واعادوا مَكَانَهُ السُّلْطَان مصطفى الاول وَلم يكتفوا بعزله بل هجموا عَلَيْهِ فِي سرايه وانتهكوا حرمتهَا وقبضوا عَلَيْهِ بَين جواريه وزوجاته وقادوه قهرا إِلَى ثكناتهم موسعيه سبا وشتما واهانة مِمَّا لم يسْبق لَهُ مثيل فِي تَارِيخ دولتنا الْعلية وَزِيَادَة على ذَلِك انهم نقلوه من هُنَاكَ إِلَى القلعة الْمَعْرُوفَة بِذَات السَّبع قلل يَدي قله حَيْثُ كَانَ بانتظاره كل مِمَّن يدعى دَاوُد باشا وَعمر باشا الكيخيا وقلندر اوغلى وَغَيرهم فاعدموا السُّلْطَان عُثْمَان لحياة غير مبالين بِهَذَا الجرم الْعَظِيم والاثم الَّذِي مَا بعده اثم الا الْكفْر الْمُبين فانه ان كَانَت مُخَالفَة اوامر الْخَلِيفَة الاعظم تعد كفرا بِنَصّ الْكتاب الشريف فَمَا بالك بقتْله وَهنا يقف الْقَلَم ويكف المداد عَن وصف هَذِه الفعلة الشنعاء والكبيرة الشعواء تَارِكًا وصفهَا للقارئ اللبيب والمطلع الاديب لعجزي عَن هَذَا الْمقَام العالي وتقصيري عَن هَذِه الْمَرَاتِب العوالي وَقلة بضاعتي وقصور قريحتي مكتفيا بِنَقْل اسماء مرتكبها إِلَى الْخلف لتَكون هدف سخطتهم ومرمى سِهَام فضيحتهم وَقتل ﵀ وَلم يتَجَاوَز الثَّامِنَة عشرَة من عمره وَمُدَّة حكمه ارْبَعْ سِنِين واربعة اشهر

стр. 232

وَبعد ذَلِك صَارَت الْحُكُومَة العوبة فِي ايدي الانكشارية ينصبون الوزراء ويعزلونهم بِحَسب اهوائهم فعزلوا دَاوُد باشا قَاتل السُّلْطَان بعد بضع ايام وصاروا يمنحون المناصب لمن يجزل اليهم العطايا فَكَانَت الْوَظَائِف تبَاع جهارا وارتكبوا انواع الْمَظَالِم فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلما بلغ خبر قتل السُّلْطَان إِلَى الْوُلَاة وانتشرت بَينهم اخبار الفوضى السائدة فِي الاستانة وسوس لَهُم ابليس الطمع فاطاعوه وسرى فِي عروقهم شَيْطَان الغواية فَاتَّبعُوهُ فاشهر وَالِي طرابلس الشَّام استقلاله وطرد الانكشارية من ولَايَته واقتفى اثره وَالِي ارضروم الْمَدْعُو اباظة باشا مُدعيًا انه يُرِيد الانتقام للمرحوم السُّلْطَان عُثْمَان شَهِيد الانكشارية وَسَار بِمن تبعه إِلَى سيواس وانقره ففتحهما مصادرا التزامات الانكشارية واقطاعاتهم قَاتلا كل من وَقع فِي مخالبه من هَذِه الفئة الَّتِي تلوثت بِدَم سلالة سلاطينهم وَتَبعهُ وَالِي سيواس وسنجق قره شهر ثمَّ سَار إِلَى مَدِينَة بورصه فحاصرها ودخلها بعد ثَلَاثَة اشهر الا قلعتها فَلم تسلم واستمرت الاضطرابات الداخلية فِي نفس كرْسِي الْخلَافَة الْعُظْمَى وَلَا امن وَلَا سكينَة مُدَّة ثَمَانِيَة عشر شهرا مُتَوَالِيَة حَتَّى إِذا شعر الْعُمُوم بِمَا وَرَاء هَذِه الفوضى من الدمار والخراب وشبع الانكشارية نهبا وسلبا وقتلا فِي نفوس الاهالي واموالهم عينوا متن يدعى كمانكش على باشا صَدرا اعظم لتوسمهم فِيهِ الْخِبْرَة والاستعداد فاشار عَلَيْهِم بعزل السُّلْطَان مصطفى ثَانِيًا لضعف عزيمته ووهن قواه الْعَقْلِيَّة فعزلوه فِي ١٥ ذِي الْقعدَة سنة ١٠٣٢ ١١ سبتمبر سنة ٦٢٣ وولوا مَكَانَهُ السُّلْطَان مُرَاد الرَّابِع وَبَقِي فِي الْعَزْل إِلَى ان توفّي فِي غُضُون سنة ١٠٤٩ هـ سنة ١٦٣٩ م

стр. 233

١٧ - السُّلْطَان الْغَازِي مُرَاد خَان الرَّابِع هُوَ ابْن السُّلْطَان احْمَد الاول ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث ولد فِي ٢٨ جُمَادَى الاولى سنة ١٠١٨ ٢٩ اغسطس سنة ١٦٠٩ م وولاه الانكشارية بعد عزل عَمه السُّلْطَان مصطفى الاول ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الثَّالِث مَعَ حَدَاثَة سنة كي لَا يكون مُعَارضا لَهُم فِي اعمالهم الاستبدادية وَلَا مضعفا لنفوذهم الَّذِي اكتسبوه بقتل سُلْطَان وعزل غَيره واستمروا مُدَّة الْعشْر سِنِين الاولى من حكمه على غيهم وطغيانهم محاربة الْعَجم واستيلائهم على بَغْدَاد وانتهز الشاه عَبَّاس ملك الْعَجم هَذَا الاختلال فرْصَة لتوسيع املاكه من جِهَة حُدُود الدولة الْعلية فَكَانَ الامر حِينَئِذٍ بعكس مَا كَانَ عَلَيْهِ ايام المرحوم الْغَازِي السُّلْطَان سُلَيْمَان القانوني وَذَلِكَ ان رَئِيس الشرطة فِي مَدِينَة بَغْدَاد واسْمه بكير آغا ثار على الْوَالِي وَقَتله واستبد فِي الاحكام فارسلت لَهُ الدولة قائدا يدعى حَافظ باشا حاربه وحصره فِي دَار السَّلَام فسولت لبكير آغا نَفسه الخبيثة ان يخون الدولة وراسل الشاه عباسا وَعرض عَلَيْهِ تَسْلِيم الْمَدِينَة فَسَار الشاه بجُنُوده لاحتلالها وَفِي الْوَقْت نَفسه عرض بكير آغا على الْقَائِد العثماني ان يرد الْمَدِينَة للعثمانيين لَو اقرته الدولة على ولايتها فَقبل ذَلِك واحتلتها الْجنُود المظفرة قبل وُصُول شاه الْعَجم وَهُوَ لما وَصلهَا حاصرها ثَلَاثَة اشهر ثمَّ فتحهَا بخيانة ابْن بكير آغا الَّذِي سلمهَا لَهُ بِشَرْط تَعْيِينه حَاكما عَلَيْهَا من قبلهم لَكِن خَابَ سَعْيه فقد قَتله الشاه جَزَاء خيانته كَمَا قتل اباه وَفِي ذَلِك عِبْرَة لكل جَاهِل خائن يظنّ ان الاجنبي يعْتَقد فِيهِ الاخلاص ويكافئه لَو ساعده على ابتلاع وَطنه فَهَل يَرْجُو من بَاعَ وَطنه

стр. 234

الْعَزِيز بيع الْمَتَاع خيرا من تِلْكَ الدولة كلا فانها تستعمله آلَة لنوال غرضها ثمَّ تلفظه لفظ النواة فَيرجع يعَض بنان النَّدَم على ضيَاع شرفه وتسويد صفحات تَارِيخه حَيْثُ لَا ينفع النَّدَم وينكص على عَقِبَيْهِ مذموما مَدْحُورًا وبمناسبة سُقُوط بَغْدَاد فِي ايدي الْعَجم وَعدم اخباره السُّلْطَان بذلك سعى المُنَافِقُونَ بالصدر الاعظم كمانكش على باشا لَدَى السُّلْطَان وافهموه انها لم تسْقط الا لخيانته فحنق عَلَيْهِ وامر بقتْله وَولى مَكَانَهُ جركس مُحَمَّد باشا وَلم يلبث هَذِه الاخير ان توفّي وَعين بعده حَافظ احْمَد باشا سنة ١٠٣٣ هجرية سنة ١٦٢٤ م وَهُوَ الَّذِي اشْتهر فِي مكافحة اباظة باشا سنة والفوز عَلَيْهِ فِي وَاقعَة قيصرية ومحاصرته فِي ارضروم حَتَّى الْتزم بالخضوع للدولة واظهار الْوَلَاء لَهَا فعفت عَنهُ عَفْو كريم مقتدر واقرته فِي ولَايَته سنة ١٦٢٤ م فَسَار حَافظ باشا الصَّدْر الْجَدِيد إِلَى مَدِينَة بَغْدَاد لاستردادها وحاصرها فِي اوائل سنة ١٦٢٤ وضيق عَلَيْهَا الْحصار وَلما اسْتمرّ الْحصار مُدَّة بِدُونِ ان تنثني عَزِيمَة المحصورين تذمر الانكشارية واظهروا عدم الرَّغْبَة فِي الْحَرْب بكيفية اضطرته لرفع الْحصار عَن الْمَدِينَة وَالرُّجُوع إِلَى الْموصل وَمِنْهَا إِلَى ديار بكر حَيْثُ ثار الْجند مرّة ثاينة فعزل السُّلْطَان حَافظ باشا سنة ١٠٣٤ هجرية سنة ١٦٢٤ م وَعين بدله من يدعى خَلِيل باشا الَّذِي سبق تقلده هَذَا المنصب فِي عهد السلاطين احْمَد الاول ومصطفى الاول وَعُثْمَان الثَّانِي شَهِيد الانكشارية وَكَانَت فَاتِحَة اعماله انه استدعى اباظه باشا إِلَى مُعَسْكَره فَظن انه يُرِيد الْغدر بِهِ فَرفع راية الْعِصْيَان ثَانِيًا وَقتل حامية ارضروم من الانكشارية وانتصر على الْقَائِد حُسَيْن باشا وجيشه فَسَار اليه الصَّدْر خَلِيل باشا بِنَفسِهِ وحصره ثمَّ رفع عَنهُ الْحصار بعد شَهْرَيْن نوفمبر سنة ١٥٢٧ فعزل من الصدارة سنة ١٠٣٥ هجرية وَولى مَكَانَهُ خسرو باشا وَهُوَ عاود الكرة على ارضروم وادخل اباظه باشا فِي طَاعَة الدولة

стр. 235

وعينه واليا على البشناق بوسنة سنة ١٠٣٧ هـ سنة ١٦٢٨ م وَفِي هَذِه الاثناء كَانَت ثورات الْجنُود متتابعة بالاستانة وَفِي كل مرّة يطْلبُونَ قتل من يشاؤن من رُؤَسَاء الْحُكُومَة الْمُخَالفين لَهُم فِي الرَّأْي وَلَا يرى السُّلْطَان مندوحة من اجابة طلباتهم اسكاتا لَهُم وخوفا من ان يصل اليه اذاهم ثمَّ توفّي الشاه عَبَّاس وَتَوَلَّى ابْنه شاه ميرزا وَكَانَ حَدِيث السن فَدخل العشم فِي افئدة القواد العثمانيين وَسَار خسرو باشا من حِينه إِلَى بِلَاد الْعَجم رغما عَن تذمر جُنُوده وَوصل بعد العناء الشَّديد إِلَى مَدِينَة همذان فَدَخلَهَا فَجْأَة فِي ٢٦ شَوَّال سنة ١٠٣٩ ١٨ يونيو سنة ١٦٣٠ ثمَّ قصد مَدِينَة بَغْدَاد وانتصر اثناء عودته اليها ثَلَاث دفعات مُتَوَالِيَات على جيوش الْعَجم وَوصل اليها وابتدأ فِي محاصرتها فِي شهر سبتمبر من السّنة الْمَذْكُورَة فدافع عَنْهَا قَائِد حاميتها دفاعا شَدِيدا وَصد هجوم العثمانيين عَنْهَا فِي ٧ ربيع الثَّانِي سنة ١٠٤٠ ١٤ نوفمبر سنة ١٦٣٠ ولهجوم الشتَاء رفع خسرو باشا عَنْهَا الْحصار وَرجع إِلَى مَدِينَة الْموصل لقَضَاء فصل الشتَاء وَفِي الرّبيع التَّالِي أَرَادَ معاودة الكرة على مَدِينَة بَغْدَاد فَلم تمتثل الْجنُود اوامره وَلذَلِك اضْطر إِلَى التقهقر إِلَى مَدِينَة حلب خوفًا من وُصُول الْعَدو اليه بالموصل وَهُوَ غير واثق من جُنُوده ثورة الانكشارية وقتلهم الصَّدْر الاعظم حَافظ باشا وثورة فَخر الدّين الدرزي وَفِي غُضُون ذَلِك اصدر السُّلْطَان امْرَهْ بعزل خسرو باشا واعادة حَافظ باشا إِلَى منصب الصدارة فسعى الْمَعْزُول لَدَى الْجند وافهمهم انه لم يعْزل الا لمساعدته لَهُم فثاروا وارسلوا إِلَى الاستانة يطْلبُونَ ارجاعه وَلما لم يجب السُّلْطَان طَلَبهمْ سَارُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَقَامُوا بثورة عَظِيمَة خيف مِنْهَا على حَيَاة الْملك فانهم دخلُوا السراي السُّلْطَانِيَّة فِي ١٨ رَجَب سنة ١٠٤١ ٩ فبراير سنة ١٦٣٢ وَقتلُوا حَافظ باشا رغما عَن تدخل السُّلْطَان ومنعهم عَنهُ فاغتاظ السُّلْطَان وامر بقتل خسرو باشا محرك هَذِه الْفِتْنَة فَقتل وَلم ينل بغيته من الْبَقَاء فِي الصدارة وَعين من يدعى

стр. 236

بيرام مُحَمَّد باشا صَدرا اعظم وَمن ذَلِك الْحِين اظهر السُّلْطَان عزما شَدِيدا قَوِيا فِي مجازاة رُؤْس الانكشارية وَغَيرهم مِمَّن كَانَ يهيج الخواطر ويقلق الرَّاحَة العمومية وَصَارَ يامر بقتل كل من ثَبت عَلَيْهِ اقل اشْتِرَاك فِي الحركات الاخيرة وَبِذَلِك داخلهم الرعب وَوَقعت مهابته فِي قُلُوبهم وخشيه الصَّغِير وَالْكَبِير والامير والحقير وَسَار كل فِي طَرِيقه مكبا على عمله بِدُونِ أَن ياتي مَا يكدر صفو كأس الرَّاحَة العمومية وَأمن النَّاس على اموالهم واعراضهم من التَّعَدِّي وسادت السكينَة فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة وضواحيها وَجَمِيع انحاء المملكة وَكَانَت آخر ثورة للانكشارية فِي آخر شَوَّال سنة ١٠٤١ ١٩ مايو سنة ١٦٣٢ حركها من يدعى رَجَب باشا لغاية فِي النَّفس فامر السُّلْطَان بقتْله والقاء جثته من شبابيك السراي حَتَّى يَرَاهَا المتجمهرون فسكنت الخواطر وَلم يحصل مَا يعبث بالامن بعد ذَلِك فِي مدَّته وَبعد كسر شَوْكَة الانكشارية اراد السُّلْطَان ان يُعِيد للدولة مَا فقدته من النّفُوذ بِسَبَب اهمال بعض اسلافه وَعدم اطاعة الانكشارية وامتناعهم عَن الْحَرْب عِنْد الْحَاجة القصوى فارسل إِلَى وَالِي دمشق بمحاربة فَخر الدّين امير الدوروز وادخله فِي طَاعَة الدولة فَقَامَ الْوَالِي بالمامورية خير قيام وَهزمَ فَخر الدّين واسره هُوَ وولديه وارسلهم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة حَيْثُ عاملهم السُّلْطَان بِكُل احتفاء واكرام وَلَكِن لما بلغ السُّلْطَان ان اُحْدُ احفاده ثار ثَانِيًا وَنهب بعض مَدَائِن الشَّام امْر بقتْله وَولده الاكبر فقتلا فِي ذِي الْقعدَة سنة ١٠٤٤ ابريل سنة ١٦٣٥ فاطاع الدروز وَبقيت الامارة فِي ذُرِّيَّة فَخر الدّين الْمَذْكُور نَحْو مائَة سنة ثمَّ انْتَقَلت إِلَى عائلة شهَاب الَّتِي مِنْهَا الامير بشير فِي حروب ابراهيم باشا ابْن مُحَمَّد عَليّ باشا والدولة فِي النّصْف الاول من هَذَا الْقرن المسيحي

стр. 237

فتح اريوان واسترجاع بَغْدَاد ثمَّ سَار السُّلْطَان بِنَفسِهِ الشَّرِيفَة إِلَى بِلَاد الْعَجم لاسترجاع فتوحات السُّلْطَان الْغَازِي سُلَيْمَان الاول القانوني فَفتح مَدِينَة اريوان فِي ٢٥ صفر سنة ١٠٤٥ ١٠ اغسطس سنة ١٦٣٥ وارسل السُّلْطَان رسولين إِلَى الاستانة لتزيين الْمَدِينَة مُدَّة سَبْعَة ايام وَقتل اخويه بايزيد وَسليمَان لبلوغه عَنْهُمَا مَا كدر خاطره واتباعا للْعَادَة المذمومة وَبعد ذَلِك قصد السُّلْطَان مَدِينَة تبريز فَفَتحهَا عنْوَة فِي ٢٨ ربيع الاول سنة ١٠٤٥ ١٠ سبتمبر سنة ١٦٣٥ الْمَذْكُورَة ثمَّ عَاد إِلَى الاستانة للاستراحة من عناء السّفر ومشقات الْحَرْب وَمِمَّا يدل على ان وجود السُّلْطَان مَعَ جيوشه لَهُ اهمية عظمى وَيبْعَث فيهم روحا جَدِيدَة أَنه بِمُجَرَّد رُجُوع السُّلْطَان اشْتَدَّ عزم الْعَجم ووقفوا امام الجيوش العثمانية بعد ان كَانُوا يفرون من امامهم اينما الْتَقَوْا بهم وَالسُّلْطَان فائدهم ثمَّ تغلبُوا عَلَيْهِم واستردوا مَدِينَة اريوان وفازوا بالغلبة فِي وَاقعَة منتظمة فِي وَادي مهربان سنة ١٦٣٦ فَلَمَّا وصل خبر انتصار الْعَجم على الْجنُود العثمانية إِلَى مسامع السُّلْطَان اراد اذلالهم وَكسر شوكتهم فَسَار بِجَيْش عَظِيم كَامِل الْعدة وَالْعدَد إِلَى مَدِينَة دَار السَّلَام وابتدأ حصارها بكيفية منتظمة فِي ٨ رَجَب سنة ١٠٤٨ ١٥ نوفمبر سنة ١٦٣٨ وَكَانَ يشْتَغل بِنَفسِهِ فِي اعمال الْحصار الشاقة تنشيطا للجند وسلط على اسوارها المدافع الضخمة الَّتِي نقلهَا اليها وَلما فتحت المدافع فِيهَا فَتْحة كَافِيَة للهجوم اصدر السُّلْطَان اوامره بذلك فهجمت الجيوش كالليوث الكواسر فِي صَبِيحَة ١٨ شعْبَان سنة ١٠٤٨ ٢٥ دسمبر سنة ١٦٣٨ وَلم يثنها قتل الصَّدْر الاعظم طيار مُحَمَّد باشا الَّذِي تولى بعد موت بيرام مُحَمَّد باشا المتوفي فِي ٦ ربيع الآخر سنة ١٠٤٨ ١٧ اغسطس سنة ١٦٣٨ بل استمرت الْحَرْب ٤٨ سَاعَة مُتَوَالِيَة ختمت بانتصار الْجنُود العثمانية نصرا مُبينًا ودخولهم الْمَدِينَة وارجاعها إِلَى المملكة العثمانية وَلم تزل تَابِعَة اليها حَتَّى الْآن

стр. 238

وَبعد ذَلِك رغب شاه الْعَجم عدم اسْتِمْرَار الْقِتَال وَعرض الصُّلْح على الدولة الْعلية بَان يتْرك لَهَا مَدِينَة بَغْدَاد بِشَرْط ان تتْرك هِيَ اليه مَدِينَة اريوان ودارت المخابرات بَين الدولتين نَحْو عشرَة اشهر كَامِلَة وَفِي ٢١ جُمَادَى الاولى سنة ١٠٤٩ ١٩ سبتمبر سنة ١٦٣٩ تمّ الصُّلْح على ذَلِك وانقطعت اسباب الْعدوان من بَينهمَا وَكَانَ يؤمل فِي السُّلْطَان مُرَاد الرَّابِع أَن يضارع السُّلْطَان الْغَازِي سُلَيْمَان الاول القانوني فِي الفتوحات وَبعد الصيت لَوْلَا ان قصفت الْمنون عود حَيَاته الرطيب وَهُوَ فِي مقتبل الشَّبَاب فتوفى يرحمه الله عَن غير عقب فِي ١٦ شَوَّال سنة ١٠٤٩ هجرية فبراير سنة ١٦٤٠ م وسنه ٣١ سنة وَمُدَّة حكمه ١٦ سنة و ١١ شهرا وَتَوَلَّى بعده اخوه ابراهيم

стр. 239

١٨ - السُّلْطَان الْغَازِي ابراهيم خَان الاول وَفتح جَزِيرَة كريد هُوَ ابْن السُّلْطَان احْمَد الاول ولد فِي ١٢ شَوَّال سنة ١٠٢٤ ٤ نوفمبر سنة ١٦١٥ وَكَانَ غير ميال لمحاربة النمسا فاطمان خاطرها واوعز لامير ترنسلفانيا بكف الْعدوان عَنْهَا لَكِن كَانَ من جِهَة اخرى محافظا على كَرَامَة الدولة غير متراخ فِي معاقبة من يَمَسهَا بِسوء اَوْ يتَعَدَّى حُدُودهَا وَلذَلِك افْتتح حروبه الخارجية بارسال جَيش جرار إِلَى بِلَاد القرم لمحاربة القوزاق الَّذين احتلوا مَدِينَة آزاق فحاربهم العثمانيون وابلوا فيهم بلَاء حسنا واستردوا الْمَدِينَة مِنْهُم بعد ان احرقوها وَذَلِكَ سنة ١٦٤٢ وَمن اعماله ايضا فتح جَزِيرَة كريد وَكَانَت تَابِعَة لجمهورية البندقية وَحصل فتحهَا بِسَبَب حِكَايَة غَرِيبَة تكَاد تقرب من الرِّوَايَات الْمَوْضُوعَة وَذَلِكَ ان آغا السراري قيزلر اغاسي كَانَ عِنْده جَارِيَة حسناء وضعت حَدِيثا فاعجبت السُّلْطَان واختارها لَان تكون ظِئْرًا أَي مُرْضِعَة لِابْنِهِ الوحيد مُحَمَّد ولشغف السُّلْطَان بالجارية ومحبته لابنها حصلت بعض امور داخلية مكدرة فاراد آغا السراري ملافاة لهَذِهِ الشقاقات العائلية ان يبتعد عَن الاستانة بِحجَّة زِيَارَة بَيت الله الْحَرَام ويستصحب الْجَارِيَة وَابْنهَا مَعَه وَلما اذن لَهُ السُّلْطَان بذلك سَافر وبينما هُوَ فِي الطَّرِيق اذ هاجمته مراكب رُهْبَان مالطة وقتلوه واخذوا الْوَلَد ظنا مِنْهُم انه ابْن السُّلْطَان وَلما تحققوا من غلطتهم ربوا الْوَلَد على الدّين المسيحي وادخلوه طائفتهم

стр. 240

واشتهر عِنْد الافرنج باسم بَدْرِي اوتوماتو أَي الاب العثماني وَبعد ذَلِك نزل الرهبان إِلَى جَزِيرَة كريد واحسن البنادقة وفادتهم فاغتاظ السُّلْطَان من ذَلِك غيظا شَدِيدا وَحبس قناصل البندقية وانكلترا وهولاندا وَلم يفرج عَنْهُم الا بعد ان اقنعه وزيره الاول بَان اغلب هَؤُلَاءِ الرهبان بل كلهم من الفرنساويين وَمَعَ ذَلِك فانهم غير تابعين للحكومة الفرنساوية وَلَا لغَيْرهَا فهدأ باله وَلكنه امْر بتجهيز عمَارَة بحريّة قَوِيَّة لفتح جَزِيرَة كريد لاهمية موقعها الجغرافي الْحَرْبِيّ عِنْد مدْخل بَحر ارخبيل اليونان ولتوسطها فِي الطَّرِيق بَين الاستانة وَولَايَة الغرب فجهزت الدونانمة وسارت باحتفال زَائِد تَحت قيادة من يدعى يُوسُف باشا إِلَى ان القت مراسيها امام مَدِينَة خَانِية اهم ثغور الجزيرة فِي ٢٩ ربيع الآخر سنة ١٠٥٥ ٢٤ يونيه سنة ١٦٤٥ وافتتحها بِدُونِ حَرْب تَقْرِيبًا لعدم وُصُول الدونانمه البندقية اليها فِي الْوَقْت الْمُنَاسب فانتقم البنادقة بحرق ثغور بتراس وكورون ومودون من بِلَاد موره وَيُقَال ان السُّلْطَان اراد فِي مُقَابلَة ذَلِك قتل المسيحيين اجْمَعْ وَلَوْلَا مُعَارضَة الْمُفْتِي اِسْعَدْ زَاده ابي سعيد افندي لتم هَذَا الامر وَرُبمَا كَانَت هَذِه دسيسة فِي كتب الافرنج الا انها تشهد على أَي حَال بِحسن سياسة هَذَا الْمُفْتِي لسعيه فِي منع هَذَا الامر الَّذِي لَو تمّ كَانَ يلْحق بالدولة عارا عَظِيما كَمَا لحق بمسيحي اسبانيا لما ارتكبوه من الْقَتْل والفتك بِالْمُسْلِمين بعد فتح مَدِينَة غرناطة وَفِي سنة ١٦٤٦

стр. 241

فتح اغلب الجزيرة وَفِي السّنة التالية وضع الْحصار امام مَدِينَة كنديا عَاصِمَة الجزيرة لَكِن حَال دون اتمامه وَفتح الْمَدِينَة عصيان الْجنُود فِي الاستانة وتفصيله ان السُّلْطَان ابراهيم اراد ان يفتك برؤوس الانكشارية فِي لَيْلَة زفاف احدى بَنَاته على ابْن الصَّدْر الاعظم لتذمرهم وانتقادهم على اعماله ورغبتهم فِي التَّدَاخُل فِي شؤون الدولة وَالْخُرُوج عَن حدودهم فَعَلمُوا بِقصد السُّلْطَان وَتَآمَرُوا على عَزله واجتمعوا بِمَسْجِد يُقَال لَهُ اورطه جَامع وانضم اليهم بعض الْعلمَاء والمفتي عبد الرَّحِيم افندي واهاجوا عَسَاكِر الانكشارية والسباه وَقرر الْجَمِيع بعزله وتولية ابْنه مُحَمَّد الرَّابِع الْمَوْلُود فِي ٢٩ رَمَضَان سنة ١٠٥١ اول يناير سنة ١٦٤٢ م أَي الَّذِي لم يتم السَّابِعَة من عمره وتمت هَذِه الثورة يَوْم ١٨ رَجَب سنة ١٠٥٨ ٨ اغسطس سنة ١٦٤٨ وَبعد ذَلِك بِعشْرَة ايام اظهر السباه عدم ارتياحهم من الْملك الفتي وطلبوا اعادة السُّلْطَان ابراهيم إِلَى عرش الْخلَافَة فخشي رُؤَسَاء الْعِصَابَة الَّتِي عزلته من تغلب السباه وارجاعه رغم انفهم وصمموا على قَتله فَسَارُوا إِلَى السراي وَمَعَهُمْ الجلاد قره عَليّ وقتلوه خنقا كَمَا قتلوا السُّلْطَان عُثْمَان الثَّانِي من قبله فَكَانَت مُدَّة حكمه ٨ سِنِين و ٩ شهور وسنه ٣٤ سنة وَبِذَلِك ارْتَاحَ خاطرهم واطمان بالهم

стр. 242

١٩ - السُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد خَان الرَّابِع انْفَرد بِالْملكِ ولصغر سنه وَقعت المملكة فِي الفوضى وَصَارَت الْجنُود لاترحم صَغِيرا وَلَا توقر كَبِيرا وَسعوا فِي الارض فَسَادًا وَرجعت الْحَالة إِلَى مَا وصلت اليه قبل تولي السُّلْطَان مُرَاد الرَّابِع بل إِلَى اتعس مِنْهَا وسرى عدم النظام إِلَى الْجنُود المحاصرة كنديا بكيفية اضطرت قائدهم السِّرّ عَسْكَر حُسَيْن باشا لرفع الْحصار عَنْهَا وَكَذَلِكَ كَانَ سريان هَذَا الدَّاء العضال إِلَى الْجنُود البحرية سَبَب انهزام الدونانمه العثمانية امام دونانمة الْعَدو امام مَدِينَة فوقيه سنة ١٦٤٩ ثمَّ ثار بآسيا الصُّغْرَى فِي هَذِه السّنة ايضا رجل يدعى قاطرجي اوغلي وانضم اليه آخر يدعى كورجي يني وهزما احْمَد باشا وَالِي الاناطول وسارا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلَوْلَا وُقُوع الشقاق بَينهمَا لخيف على العاصمة من وُقُوعهَا فِي قبضتهما لَكِن وَقع الْخلف بَينهمَا وافترقا فحاربهما الْجند وَهزمَ الثَّانِي وَقتل وارسل راسه إِلَى السُّلْطَان وَتمكن الآخر وَهُوَ قاطرجي اوغلي من الْحُصُول على الْعَفو عَنهُ وتعيينه واليا للقرمان وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الثورة لَوْلَا اشْتِغَال النمسا بِالْحَرْبِ الهائلة الدِّينِيَّة الْمَعْرُوفَة

стр. 243

بِحَرب الثَّلَاثِينَ سنة لانتهزنت هَذِه الفرصة وَفتحت بِلَاد المجر بِدُونِ مقاومة وَمن جِهَة اخرى لَوْلَا وَلَاء المجر وتفضيلهم الْحُكُومَة العثمانية على حُكُومَة النمسا لثاروا طلبا للاستقلال وَبعد ذَلِك توالت الثورات تَارَة من الانكشارية وطورا من السباه وآونة من الاهالي لما يثقل عَلَيْهِم نير استبداد الْجنُود وتعاقب عزل وتنصيب الصُّدُور بِسُرْعَة غَرِيبَة لم تسبق فِي الدولة وَلَا فِي ايام حكم السُّلْطَان سليم تبعا للاهواء والغايات واختل النظام اَوْ بِعِبَارَة صَرِيحَة صَار عدم النظام نظاما للدولة وَفِي هَذِه الاثناء تغلبت مراكب جمهورية البندقية على عمَارَة الدولة عِنْد مدْخل الدردنيل واحتلت تنيدوس وجزيرة لمنوس وَغَيرهمَا ومنعت بذلك المراكب الحاملة للقمح واصناف الماكولات عَن الْوُصُول إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة من هَذَا الطَّرِيق حَتَّى غلت جَمِيع الاصناف وَاسْتمرّ الْحَال على هَذَا المنوال وَلَا نظام وَلَا امن وَلَا سكينَة وبالاختصار لَا حُكُومَة ثَابِتَة إِلَى ان قيض لَهَا الْوَالِي الْوَزير مُحَمَّد باشا الشهير بكوبريلي الَّذِي تولى منصب الصدارة سنة ١٠٦٧ سنة ١٦٥٦ فعامل الانكشارية مُعَاملَة من يُرِيد ان يطاع اطاعة عمياء وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا عِنْدَمَا ثَارُوا كعادتهم لما راوه رجلا خَبِيرا بدخائل الامور قَادِرًا على قمعهم والزامهم الْعود إِلَى السكينَة وامر بعد تَعْيِينه بِقَلِيل بشنق بطريرك الاروام لما ثَبت لَهُ تدخله فِي الدسائس والفتن الداخلية وَمِمَّا يُؤثر عَن هَذَا الْوَزير الْجَلِيل انه استصدر امرا من السُّلْطَان بِمَنْع قتل سلفه وَكَانَ قد امْر بقتْله وتعيينه واليا على كانيشا وَفِي اواسط يوليه سنة ١٦٥٧

стр. 244

ارسل المراكب لمحاربة سفن البنادقة المحاصرة لمدخل الدردنيل فحاربتها وَلم تساعدها الظروف على نوال النَّصْر ثمَّ بعد موت الْقَائِد البحري البندقي الشهير موشنجو بِنَحْوِ سِتَّة اسابيع انتصرت الْعِمَارَة العثمانية على البنادقة واستردت مِنْهُم مَا احتلوه من الثغور والجزائر وَفِي اثناء ذَلِك كَانَت نيران الحروب متأججة بَين مملكة بولونيا وشارل جوستاف ملك السويد فارسل هَذَا سفراء إِلَى الْبَاب العالي يطْلبُونَ مِنْهُ ابرام معاهدة هجومية ودفاعية لمحاربة بولونيا وَتَكون هَذِه المملكة تَحت حماية الدولة بِالْفِعْلِ فامتنعت عَن قبُول هَذَا الْوِفَاق وَلما علمت ان راكوكسي امير ترنسلفانيا اتَّحد مَعَ السويد على قتال بولونيا باتحاده مَعَ قرال الفلاخ والبغدان امرت بعزله وعزل قرال الفلاخ الْمَدْعُو قسطنطين الاول وَتَعْيِين ميهن الرُّومِي مَكَانَهُ فقابل راكوكسي الارادة السُّلْطَانِيَّة بالعصيان وانتصر على العثمانيين بِالْقربِ من ليبا سنة ١٦٥٨ لحُصُول عصيانه فَجْأَة وَعدم الاستعداد لصده ثمَّ سَار كوبريلي لقمعه وَضم إِلَى جُنُوده جيوش ميهن امير الفلاخ الْجَدِيد الَّذِي كَانَ يُرِيد مساعدة راكوكسي لكنه لم ير بدا من مرافقة كوبريلي خوفًا من ظُهُور خيانته فِي وَقت غير مُنَاسِب وباتحاد الجيشين تمكن كوبريلي من قهر هَذَا العَاصِي وطرده من الْبِلَاد وَتَعْيِين من يدعى اشاتيوس بركسي قرالا على ترنسلفانيا بِشَرْط ان يدْفع خراجا سنويا قدره اربعون الف دوكا وَبعد استتباب الامن عَاد الصَّدْر إِلَى الاستانة وبمجرد

стр. 245

عودته اظهر ميهن قرال الفلاخ الْعِصْيَان واضطهد الْمُسلمين وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا وصادرهم فِي اموالهم واملاكهم واستدعى راكوكسي الْمَعْزُول لمساعدته واعدا لَهُ بإرجاعه إِلَى ولَايَته بعد النَّصْر على العثمانيين وَأَرْسلُوا إِلَى غيكا قرال البغدان يوسوسون لَهُ بالانضمام اليهما فَلم يصغ إِلَى وساوسهم وَلذَلِك سَارُوا اليه وانتصروا عَلَيْهِ بِالْقربِ من مَدِينَة ياسى عَاصِمَة امارته وَلما وصل خبر تمردهم إِلَى الاستانة رَجَعَ كوبريلي على جنَاح السرعة لمحاربتهما قبل اشتداد الْخطب واتساع الْخرق على الراقع وانتصر عَلَيْهِمَا نصرا مُبينًا ثمَّ عزل ميهن جَزَاء خيانته وَعين غيكا قرال البغدان قرالا على الفلاخ ايضا سنة ١٦٥٩ وَفِي السّنة التالية احتل وَالِي بود عَاصِمَة المجر مَدِينَة جروس واردين التابعة للنمسا بعد مناوشات خَفِيفَة فاعتبرت النمسا ذَلِك اعلانا للحرب وابتدأت الحركات العدوانية بَين الطَّرفَيْنِ هَذَا ولنذكر شَيْئا من علاقات الدولة مَعَ فرنسا اثناء هَذِه الاضطرابات الداخلية الَّتِي جرت فِيهَا الدِّمَاء وَقتل فِيهَا ملكان كَمَا مر فَنَقُول انه لم يحصل تغير فِي هَذِه العلاقات الا فِي وَقت اشْتِغَال فرنسا فِي محاربة النمسا ايام وزارة الكاردينال ريشليو الَّذِي كَانَ عَاملا على اذلالها اعلاء لشأن فرنسا فاخذ نُفُوذ فرنسا لَدَى

стр. 246

الْبَاب العالي فِي الضعْف شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى تقاسمت مَعهَا البندقية حق حماية الْكَنَائِس المسيحية فِي غلطة ايام السُّلْطَان مُرَاد الرَّابِع الَّذِي طرد طغمة اليسوعيين من الاستانة سنة ١٦٢٨ بِنَاء على الحاح سفراء انكلترا وهولاندا سعيا وَرَاء اضعاف نُفُوذ الكاتوليك وَتَقْرِير نُفُوذ البروتستانت بِمَا ان دَوْلَتِي انكلترا وهولاندا كَانَتَا فِي ذَلِك الْعَصْر بروتستانتيين دون بَاقِي الدولة الاوروبية وَلعدم مدافعة فرانسا عَن امتيازاتها اخْتصَّ اليونانيون بِخِدْمَة بَيت الْمُقَدّس مَعَ ان ذَلِك كَانَ مَنُوطًا بالرهبان الكاتوليك بِمُقْتَضى المعاهدات المبرمة مَعَ سُلَيْمَان الاول وتجددت ايام مُحَمَّد الثَّالِث وَاحْمَدْ الاول كَمَا مر وَمِمَّا زَاد علاقات الدولتين فتورا وَجعل الْحق بِجَانِب الدولة العثمانية تدخل فرنسا سرا بمساعدة البنادقة على الدفاع عَن جَزِيرَة كريد وامدادها لَهُم بِالسِّلَاحِ وَضبط عدَّة مراسلات رمزية كَانَت مُرْسلَة إِلَى المسيو دي لاهي مَعَ شخص فرنساوي موظف فِي بحريّة البندقية وَهُوَ سلمهَا بِنَفسِهِ إِلَى الْوَزير كوبريلي سنة ١٦٥٩ طَمَعا فِي المَال وَكَانَ اذ ذَاك بِمَدِينَة ادرنه وَلما لم يُمكنهُ حل رموزها ارسل إِلَى الاستانة يَسْتَدْعِي السفير الفرنساوي ولتمرضه ارسل وَلَده إِلَى ادرنه مَكَانَهُ فَلَمَّا مثل بَين يَدي الصَّدْر الاعظم وَسَأَلَهُ عَن معنى هَذِه الرموز لم يراع فِي جَوَابه آدَاب المخاطبة فامر بسجنه فِي الْحَال وَلما بلغ خبر سجنه إِلَى وَالِده سَافر إِلَى ادرنه خوفًا على حَيَاة وَلَده وَلم يمنعهُ اشتداد مَرضه عَن السّفر وقابل الْوَزير كوبريلي مُحَمَّد باشا وَلما لم يرشده السفير عَن معنى الجوابات المرموزة لم يقبل

стр. 247

اخلاء سَبِيل ابْنه بل سَافر إِلَى ولَايَة ترنسلفانيا وَلم يُطلق سراحه الا بعد عودته فِي سنة ١٦٦٠ وَلما علم الكردينال مازرين بِحَبْس ابْن السفير ارسل إِلَى الاستانة سفيرا فَوق الْعَادة اسْمه المسيو دي بلندل وَمَعَهُ جَوَاب من سُلْطَان فرنسا يطْلب فِيهِ الِاعْتِذَار عَمَّا حصل وعزل الصَّدْر الاعظم لَكِن لم يسمح لهَذَا السفير بالوصول إِلَى السُّلْطَان بل قابله الصَّدْر الاعظم بِكُل تعاظم وكبرياء وَلذَلِك ساعدت فرنسا كريد جهارا وارسلت اليها اربعة آلَاف جندي واجازت إِلَى البندقية جمع عَسَاكِر متطوعة من فرنسا وامدت النمسا بِالْمَالِ طَمَعا فِي اشغال الدولة وانتقاما مِنْهَا لَكِن لم تثن هَذِه الاجراءآت عَزِيمَة كوبريلي مُحَمَّد باشا بل مَا لبث يُقَاوم اعداء الدولة فِي الدَّاخِل وَالْخَارِج حَتَّى اعاد لَهَا سالف مجدها وَجعلهَا مُحْتَرمَة فِي اعين الدول اجْمَعْ بعد ان كَادَت تُؤدِّي بهَا الْفِتَن الداخلية إِلَى الدمار وَلما احس باقتراب اجله لاشتداد الْمَرَض عَلَيْهِ طلب مِنْهُ السُّلْطَان مُحَمَّد الرَّابِع ان يدله على من يُعينهُ خلفا لَهُ بعد وَفَاته فاوصاه بتولية ابْنه احْمَد ثمَّ توفّي سنة ١٠٧٢ سنة ١٦٦١ وَخَلفه ابْنه كوبريلي زَاده احْمَد باشا فتح قلعة نوهزل وَكَانَ خير خلف لخير سلف فانه كَانَ متصفا بالشجاعة والاقدام وَحسن الرَّأْي واص الة التَّدْبِير وَاسْتمرّ على خطة ابيه من عدم التساهل مَعَ الجندية ومجازاة من يَقع مِنْهُ اقل امْر مخل بالنظام باشد الْعقَاب ومحاربة اعداء الدولة بِدُونِ فتور اَوْ ملال حَتَّى يزِيل من اذهانهم مَا خامرها من تضعضع احوال الدولة وَقرب زَوَالهَا وَلذَلِك لم يقبل مَا فاتحته بِهِ دولة النمسا وجمهورية البندقية من الصُّلْح

стр. 248

وقاد الجيوش بِنَفسِهِ وَعبر نهر الطونة لمحاربة النمسا وَوضع الْحصار امام قلعة نوهزل فِي يَوْم ١٣ محرم سنة ١٠٧٤ ١٧ اغسطس سنة ١٦٦٣ وَمَعَ ان هَذِه القلعة كَانَت مَشْهُورَة فِي جَمِيع اوروبا بالمناعة وَعدم امكان أَي اُحْدُ التغلب عَلَيْهَا وَفتحهَا فقد اضْطر كوبريلي احْمَد باشا حاميتها إِلَى التَّسْلِيم بِشَرْط خُرُوج من بهَا من الْجنُود بِدُونِ ان يمسهم ضَرَر تاركين مَا بهَا من الاسلحة والذخائر واخلوها فعلا فِي ٢٥ صفر سنة ١٠٧٤ ٢٨ سبتمبر سنة ١٦٦٣ بعد البدء فِي حصارها بِسِتَّة اسابيع وَلذَلِك اضْطَرَبَتْ اوروبا باجمعها لهول هَذَا الْخَبَر الَّذِي دوى فِي آذان مُلُوك اوروبا ووزرائها كالرعد حَتَّى وضعُوا اصابعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق حذر الْمَوْت وَكَانَ هَذَا الْفَتْح الْمُبين اشد تاثيرا على ليوبولد امبراطور النمسا اكثر من غَيره لدُخُول الجيوش العثمانية فِي بِلَاده وانتشارها فِي اقليمي مورافيا وسيليزيا فاتحين غازين حَتَّى خيل لَهُ ان السُّلْطَان سُلَيْمَان قد بعث من رمسه لفتح

стр. 249

ويانه عَاصِمَة دولته وَلذَلِك وسط البابا اسكندر السَّابِع فِي طلبه المساعدة لَهُ من لويز الرَّابِع عشر ملك فرنسا وَكَانَ قد عرض عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاء الْحَرْب امداده باربعين الف من الالمانيين المحالفين لَهُ فابى خوفًا من اظهار الضعْف فسعى البابا جهده لَدَى ملك فرنسا حَتَّى قبل بارساله سِتَّة آلَاف جندي فرنساوي واربعة وَعشْرين الف من محالفيه الالمانيين تَحت قيادة الكونت دي كوليني وانضم هَذَا الْجَيْش إِلَى الْجَيْش النمساوي الْقَائِد لَهُ الكونت دي ستروتزي وابتدأت المناوشات بَين الجيشين المتحاربين فَقتل الْقَائِد الْعَام النمساوي وَخَلفه الْقَائِد الشهير مونت كوكوللي وَكَانَ قد انْضَمَّ إِلَى الْجَيْش الفرنساوي عدد عَظِيم من شُبَّان الاشراف تَحت رئاسة الدوك دي لافوياد وَفِي الاوائل كَانَ النَّصْر فِي جَانب العثمانيين فاحتل كوبريلي احْمَد باشا مَدِينَة سرنوار وعسكر على شاطئ نهر يُقَال لَهُ نهر راب والاعداء معسكرون امامه وَبعد ان حاول عبوره وصده النمساوي الفرنساوي جمع كل قواه فِي يَوْم ٨ محرم سنة ١٠٧٥

стр. 250

اول اغسطس سنة ١٦٦٤ وَعبر النَّهر عنْوَة وَبعد قَلِيل انتصر على قلب جَيش الْعَدو وَلَوْلَا تدخل الفرنساويين وخصوصا الاشراف مِنْهُم لتم للعثمانيين النَّصْر لَكِن لم يُمكن الانكشارية الثَّبَات امام جنود الْعَدو الاكثر مِنْهُم عددا فانهم كلما قتل مِنْهُم صف تقدم الآخر وَبِذَلِك انْتهى الْيَوْم بِدُونِ انتصار تَامّ لَاحَدَّ الْفَرِيقَيْنِ فان العثمانيين حَافظُوا على مراكزهم بِدُونِ تقدم للامام وَسميت هَذِه الْوَاقِعَة بواقعة سان جوتار نِسْبَة لكنيسة قديمَة حصلت الْحَرْب بِالْقربِ مِنْهَا وَبعد ذَلِك تبادلت المخابرات توصلا للصلح وَبعد عشرَة ايام ابرمت بَين الطَّرفَيْنِ معاهدة اهم مَا بهَا اخلاء الْجَيْش لاقليم ترنسلفانيا وَتَعْيِين ابافي حَاكما عَلَيْهَا تَحت سيادة الدولة الْعلية وتقسيم بِلَاد المجر بَين الدولتين بَان يكون للنمسا ثَلَاث ولايات وللباب العالي اربعة مَعَ بَقَاء حصني نوفيجراد ونوهزل تابعين للدولة الْعلية هَذَا وَلَو ان الْحَرْب انْتَهَت على حُدُود النمسا الا ان فرنسا مَا زَالَت مراكبها تطارد سفن الْمغرب بِحجَّة انها تغزو سفنها وَمَا زَالَت هَذِه حجتهم حَتَّى استولوا على اقليمي الجزائر وتونس فِي هَذَا الْقرن وَاسْتمرّ هَذَا الْحَرْب مُدَّة بِغَيْر صفة رسمية وَفِي سنة ١٦٦٦ ارسل الْوَزير الفرنساوي كولبر الَّذِي خلف مازارين سفيرا للدولة لاصلاح ذَات بَينهمَا لَكِن لم يصب فِي الانتخاب فانه ارسل ابْن المسيو دي لاهي الَّذِي حَبسه الْوَزير كوبريلي احْمَد باشا فِي ادرنه كَمَا سبق ذكره
следующие страницы →