Полный текст (661 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الْبَاب العالي فِي الضعْف شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى تقاسمت مَعهَا البندقية حق حماية الْكَنَائِس المسيحية فِي غلطة ايام السُّلْطَان مُرَاد الرَّابِع الَّذِي طرد طغمة اليسوعيين من الاستانة سنة ١٦٢٨ بِنَاء على الحاح سفراء انكلترا وهولاندا سعيا وَرَاء اضعاف نُفُوذ الكاتوليك وَتَقْرِير نُفُوذ البروتستانت بِمَا ان دَوْلَتِي انكلترا وهولاندا كَانَتَا فِي ذَلِك الْعَصْر بروتستانتيين دون بَاقِي الدولة الاوروبية وَلعدم مدافعة فرانسا عَن امتيازاتها اخْتصَّ اليونانيون بِخِدْمَة بَيت الْمُقَدّس مَعَ ان ذَلِك كَانَ مَنُوطًا بالرهبان الكاتوليك بِمُقْتَضى المعاهدات المبرمة مَعَ سُلَيْمَان الاول وتجددت ايام مُحَمَّد الثَّالِث وَاحْمَدْ الاول كَمَا مر وَمِمَّا زَاد علاقات الدولتين فتورا وَجعل الْحق بِجَانِب الدولة العثمانية تدخل فرنسا سرا بمساعدة البنادقة على الدفاع عَن جَزِيرَة كريد وامدادها لَهُم بِالسِّلَاحِ وَضبط عدَّة مراسلات رمزية كَانَت مُرْسلَة إِلَى المسيو دي لاهي مَعَ شخص فرنساوي موظف فِي بحريّة البندقية وَهُوَ سلمهَا بِنَفسِهِ إِلَى الْوَزير كوبريلي سنة ١٦٥٩ طَمَعا فِي المَال وَكَانَ اذ ذَاك بِمَدِينَة ادرنه وَلما لم يُمكنهُ حل رموزها ارسل إِلَى الاستانة يَسْتَدْعِي السفير الفرنساوي ولتمرضه ارسل وَلَده إِلَى ادرنه مَكَانَهُ فَلَمَّا مثل بَين يَدي الصَّدْر الاعظم وَسَأَلَهُ عَن معنى هَذِه الرموز لم يراع فِي جَوَابه آدَاب المخاطبة فامر بسجنه فِي الْحَال وَلما بلغ خبر سجنه إِلَى وَالِده سَافر إِلَى ادرنه خوفًا على حَيَاة وَلَده وَلم يمنعهُ اشتداد مَرضه عَن السّفر وقابل الْوَزير كوبريلي مُحَمَّد باشا وَلما لم يرشده السفير عَن معنى الجوابات المرموزة لم يقبل
стр. 247
اخلاء سَبِيل ابْنه بل سَافر إِلَى ولَايَة ترنسلفانيا وَلم يُطلق سراحه الا بعد عودته فِي سنة ١٦٦٠ وَلما علم الكردينال مازرين بِحَبْس ابْن السفير ارسل إِلَى الاستانة سفيرا فَوق الْعَادة اسْمه المسيو دي بلندل وَمَعَهُ جَوَاب من سُلْطَان فرنسا يطْلب فِيهِ الِاعْتِذَار عَمَّا حصل وعزل الصَّدْر الاعظم لَكِن لم يسمح لهَذَا السفير بالوصول إِلَى السُّلْطَان بل قابله الصَّدْر الاعظم بِكُل تعاظم وكبرياء وَلذَلِك ساعدت فرنسا كريد جهارا وارسلت اليها اربعة آلَاف جندي واجازت إِلَى البندقية جمع عَسَاكِر متطوعة من فرنسا وامدت النمسا بِالْمَالِ طَمَعا فِي اشغال الدولة وانتقاما مِنْهَا لَكِن لم تثن هَذِه الاجراءآت عَزِيمَة كوبريلي مُحَمَّد باشا بل مَا لبث يُقَاوم اعداء الدولة فِي الدَّاخِل وَالْخَارِج حَتَّى اعاد لَهَا سالف مجدها وَجعلهَا مُحْتَرمَة فِي اعين الدول اجْمَعْ بعد ان كَادَت تُؤدِّي بهَا الْفِتَن الداخلية إِلَى الدمار وَلما احس باقتراب اجله لاشتداد الْمَرَض عَلَيْهِ طلب مِنْهُ السُّلْطَان مُحَمَّد الرَّابِع ان يدله على من يُعينهُ خلفا لَهُ بعد وَفَاته فاوصاه بتولية ابْنه احْمَد ثمَّ توفّي سنة ١٠٧٢ سنة ١٦٦١ وَخَلفه ابْنه كوبريلي زَاده احْمَد باشا
فتح قلعة نوهزل
وَكَانَ خير خلف لخير سلف فانه كَانَ متصفا بالشجاعة والاقدام وَحسن الرَّأْي واص الة التَّدْبِير وَاسْتمرّ على خطة ابيه من عدم التساهل مَعَ الجندية ومجازاة من يَقع مِنْهُ اقل امْر مخل بالنظام باشد الْعقَاب ومحاربة اعداء الدولة بِدُونِ فتور اَوْ ملال حَتَّى يزِيل من اذهانهم مَا خامرها من تضعضع احوال الدولة وَقرب زَوَالهَا وَلذَلِك لم يقبل مَا فاتحته بِهِ دولة النمسا وجمهورية البندقية من الصُّلْح
стр. 248
وقاد الجيوش بِنَفسِهِ وَعبر نهر الطونة لمحاربة النمسا وَوضع الْحصار امام قلعة نوهزل فِي يَوْم ١٣ محرم سنة ١٠٧٤ ١٧ اغسطس سنة ١٦٦٣ وَمَعَ ان هَذِه القلعة كَانَت مَشْهُورَة فِي جَمِيع اوروبا بالمناعة وَعدم امكان أَي اُحْدُ التغلب عَلَيْهَا وَفتحهَا فقد اضْطر كوبريلي احْمَد باشا حاميتها إِلَى التَّسْلِيم بِشَرْط خُرُوج من بهَا من الْجنُود بِدُونِ ان يمسهم ضَرَر تاركين مَا بهَا من الاسلحة والذخائر واخلوها فعلا فِي ٢٥ صفر سنة ١٠٧٤ ٢٨ سبتمبر سنة ١٦٦٣ بعد البدء فِي حصارها بِسِتَّة اسابيع وَلذَلِك اضْطَرَبَتْ اوروبا باجمعها لهول هَذَا الْخَبَر الَّذِي دوى فِي آذان مُلُوك اوروبا ووزرائها كالرعد حَتَّى وضعُوا اصابعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق حذر الْمَوْت وَكَانَ هَذَا الْفَتْح الْمُبين اشد تاثيرا على ليوبولد امبراطور النمسا اكثر من غَيره لدُخُول الجيوش العثمانية فِي بِلَاده وانتشارها فِي اقليمي مورافيا وسيليزيا فاتحين غازين حَتَّى خيل لَهُ ان السُّلْطَان سُلَيْمَان قد بعث من رمسه لفتح
стр. 249
ويانه عَاصِمَة دولته وَلذَلِك وسط البابا اسكندر السَّابِع فِي طلبه المساعدة لَهُ من لويز الرَّابِع عشر ملك فرنسا وَكَانَ قد عرض عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاء الْحَرْب امداده باربعين الف من الالمانيين المحالفين لَهُ فابى خوفًا من اظهار الضعْف فسعى البابا جهده لَدَى ملك فرنسا حَتَّى قبل بارساله سِتَّة آلَاف جندي فرنساوي واربعة وَعشْرين الف من محالفيه الالمانيين تَحت قيادة الكونت دي كوليني
وانضم هَذَا الْجَيْش إِلَى الْجَيْش النمساوي الْقَائِد لَهُ الكونت دي ستروتزي وابتدأت المناوشات بَين الجيشين المتحاربين فَقتل الْقَائِد الْعَام النمساوي وَخَلفه الْقَائِد الشهير مونت كوكوللي وَكَانَ قد انْضَمَّ إِلَى الْجَيْش الفرنساوي عدد عَظِيم من شُبَّان الاشراف تَحت رئاسة الدوك دي لافوياد وَفِي الاوائل كَانَ النَّصْر فِي جَانب العثمانيين فاحتل كوبريلي احْمَد باشا مَدِينَة سرنوار وعسكر على شاطئ نهر يُقَال لَهُ نهر راب والاعداء معسكرون امامه وَبعد ان حاول عبوره وصده النمساوي الفرنساوي جمع كل قواه فِي يَوْم ٨ محرم سنة ١٠٧٥
стр. 250
اول اغسطس سنة ١٦٦٤ وَعبر النَّهر عنْوَة وَبعد قَلِيل انتصر على قلب جَيش الْعَدو وَلَوْلَا تدخل الفرنساويين وخصوصا الاشراف مِنْهُم لتم للعثمانيين النَّصْر لَكِن لم يُمكن الانكشارية الثَّبَات امام جنود الْعَدو الاكثر مِنْهُم عددا فانهم كلما قتل مِنْهُم صف تقدم الآخر وَبِذَلِك انْتهى الْيَوْم بِدُونِ انتصار تَامّ لَاحَدَّ الْفَرِيقَيْنِ فان العثمانيين حَافظُوا على مراكزهم بِدُونِ تقدم للامام وَسميت هَذِه الْوَاقِعَة بواقعة سان جوتار نِسْبَة لكنيسة قديمَة حصلت الْحَرْب بِالْقربِ مِنْهَا وَبعد ذَلِك تبادلت المخابرات توصلا للصلح وَبعد عشرَة ايام ابرمت بَين الطَّرفَيْنِ معاهدة اهم مَا بهَا اخلاء الْجَيْش لاقليم ترنسلفانيا وَتَعْيِين ابافي حَاكما عَلَيْهَا تَحت سيادة الدولة الْعلية وتقسيم بِلَاد المجر بَين الدولتين بَان يكون للنمسا ثَلَاث ولايات وللباب العالي اربعة مَعَ بَقَاء حصني نوفيجراد ونوهزل تابعين للدولة الْعلية
هَذَا وَلَو ان الْحَرْب انْتَهَت على حُدُود النمسا الا ان فرنسا مَا زَالَت مراكبها تطارد سفن الْمغرب بِحجَّة انها تغزو سفنها وَمَا زَالَت هَذِه حجتهم حَتَّى استولوا على اقليمي الجزائر وتونس فِي هَذَا الْقرن وَاسْتمرّ هَذَا الْحَرْب مُدَّة بِغَيْر صفة رسمية وَفِي سنة ١٦٦٦ ارسل الْوَزير الفرنساوي كولبر الَّذِي خلف مازارين سفيرا للدولة لاصلاح ذَات بَينهمَا لَكِن لم يصب فِي الانتخاب فانه ارسل ابْن المسيو دي لاهي الَّذِي حَبسه الْوَزير كوبريلي احْمَد باشا فِي ادرنه كَمَا سبق ذكره
стр. 251
وَلذَلِك لم تفد ماموريته شَيْئا بل ابى الصَّدْر تَجْدِيد الامتيازات الفرنساوية التجارية وحرمها حق امرار بضائعها من مصر فالسويس إِلَى الْهِنْد وَزِيَادَة على ذَلِك منحت إِلَى جمهورية جنوا امتيازات خُصُوصِيَّة شَبيهَة بامتيازات انكلترا وَلذَلِك جاهرت فرنسا بمساعدة مَدِينَة كانديا عل محاربة العثمانيين فَسَار الصَّدْر سنة ١٦٦٧ بِنَفسِهِ لتتميم فتح هَذِه الْمَدِينَة الحصينة الَّتِي كَادَت تعيي الدولة وَاسْتمرّ الْحصار والقتال مُدَّة اكثر من سنتَيْن لامداد فرنسا لَهَا بِالْمَالِ وَالرِّجَال والسفن الحربية واخيرا اضطرت الحامية إِلَى التَّسْلِيم فسلمها قائدها موروزيني فِي ٢٩ ربيع الثَّانِي سنة ١٠٨٠ ٢٦ سبتمبر سنة ١٦٦٩ بعد ان امضى مَعَ الصَّدْر معاهدة بالنيابة عَن جمهورية البندقية تقضي بالتنازل للدولة الْعلية عَن جَزِيرَة كريد مَا عدا ثَلَاث قرى وَهِي قره بوزا وسودا وَسَبَيْنَا لونجا وصدقت البندقية عَلَيْهَا فِي فبرايرسنة ١٦٧٠ وَفِي هَذِه الاثناء كَانَ المسيو دي لاهي سفير فرانسا مُقيما بالاستانة يسْعَى جهده فِي الْحُصُول على تَجْدِيد الامتيازات فَلم يفلح
وَفِي سنة ١٦٧٠ ارسل لويز الرَّابِع عشر سفيرا غَيره يدعى الماركي دي نوانتل بعمارة بحريّة حربية بِقصد ارهاب الصَّدْر وتهديده بِالْحَرْبِ إِذا لم يذعن لطلبات فرانسا لَكِن لم ترهبه هَذِه التظاهرات بل قَابل السفير بِكُل سُكُون وَقَالَ لَهُ ان تِلْكَ المعاهدات لم تكن الا منحا سلطانية لَا معاهدات اضطرارية وَاجِبَة التَّنْفِيذ وانه ان لم يرتح لهَذَا الْجَواب فَمَا عَلَيْهِ الا الرحيل وَلما وصل هَذَا الْجَواب إِلَى ملك فرنسا اراد اعلان الْحَرْب على الدولة وَلَوْلَا نصائح الْوَزير كولبر لركبت فرانسا هَذَا الْمركب الخشن وجلبت لنَفسهَا ضَرَرا فادحا بقفل ابواب الشرق امام مراكبها بل تمكن كولبر بِحِكْمَتِهِ وسياسته ومعاملة الدولة الْعلية باللين والخضوع من تَجْدِيد المعاهدات الْقَدِيمَة فِي سنة ١٦٧٣ وفوض ثَانِيًا إِلَى فرنسا حق حماية بَيت الْمُقَدّس كَمَا كَانَ لَهَا ذَلِك من ايام السُّلْطَان سُلَيْمَان وَبِذَلِك عَادَتْ العلاقات إِلَى سَابق ضفائها بَين الدولتين وَمِمَّا زَاد حُدُود الدولة اتساعا ومنعة من جِهَة الشمَال خضوع
стр. 252
جَمِيع القوزاق الساكنين بالجزء الجنوبي من بِلَاد الروسيا إِلَى الْخَلِيفَة الاعظم مُحَمَّد الرَّابِع بِدُونِ حَرْب بل حبا فِي الدُّخُول فِي حمى حامي دولة الاسلام وَلذَلِك اغارت بولونيا على ولَايَة اوكرين فاستنجد حاكمها الاكبر بالعثمانيين فانجده السُّلْطَان وَسَار بِنَفسِهِ فِي جَيش جرار وَوصل فِي قَلِيل من الزَّمن إِلَى حصن رامنيك فِي ٢٣ ربيع آخر سنة ١٠٨٣ ١٨ اغسطس سنة ١٦٧٢ واحتل هَذَا الْحصن عنْوَة بعد محاصرة استمرت عشرَة ايام وَكَذَلِكَ احتل مَدِينَة لمبرج الشهيرة فَطلب سلطانهم ميشل الصُّلْح على ان يتْرك اقليم اوكرين للقوزاق وَولَايَة بودوليا للدولة الْعلية وَيدْفَع لَهَا جِزْيَة سنوية قدرهَا مِائَتَان وَعِشْرُونَ الف بندقي ذَهَبا فَقبل السُّلْطَان هَذِه الشُّرُوط وامضيت بَينهمَا فِي ٢٥ جُمَادَى الاولى سنة ١٠٨٣ ١٨ سبتمبر سنة ١٦٧٢ أَي بعد اعلان الْحَرْب بِشَهْر وَاحِد وَسميت هَذِه المعاهدة بمعاهدة بوزاكس
لَكِن لم تقبل الامة البولونية بِهَذَا الْوِفَاق بل اصرت على اسْتِمْرَار الْقِتَال وارسلت قائدهم الشهير سوبيسكي بجيوش جرارة لمحاربة العثمانيين فاسترد مَدِينَة لمبرج
стр. 253
واظهارا لممنونية الامة انتخبته ملكا عَلَيْهَا بعد موت ميشل سنة ١٦٧٣ واستمرت الْحَرْب بَين الدولتين سجالا إِلَى سنة ١١٦٧ وفيهَا جدد الْملك سوبيسكي الصُّلْح بعد ان فقد مُعظم جيوشه فِي هَذِه الحروب المستمرة وتنازل للدولة الْعلية عَمَّا كَانَ تنازل لَهَا عَنهُ الْملك ميشل الا بعض مدن قَليلَة الاهمية وَكَانَت هَذِه المعاهدة خَاتِمَة اعمال كوبريلي احْمَد باشا الَّذِي توفّي بعد اتمامها بِقَلِيل فِي ٢٤ رَمَضَان سنة ١٠٨٧ ٣٠ اكتوبر سنة ١٦٧٦ عَن وَاحِد واربعين سنة قضى مِنْهَا خمس عشرَة سنة فِي منصب الصدارة الْعُظْمَى بِكُل امانة وصداقة سائرا فِي ذَلِك على خطة وَالِده المرحوم كوبريلي مُحَمَّد باشا وتقلد منصب الصدارة بعده زوج اخته قره مصطفى وَلم يكن كُفؤًا للسير فِي الطَّرِيق الَّذِي رسمه كوبريلي الْكَبِير وَولده بل اتبع مصْلحَته الذاتية وَبَاعَ المناصب الْعَالِيَة والمعاهدات والامتيازات المجحفة بالدولة حَالا واستقبالا بِدَرَاهِم مَعْدُودَة وبسوء سياسته كدر خواطر القوزاق وابعدهم عَن الدولة حَتَّى ان خَان اقليم اوكرين عصاها جهارا فِي فبراير سنة ١٦٧٧ واستنجد بالروسيا الَّتِي كَانَت آخذة اذ ذَاك فِي تنظيم داخليتها وَتقدم وَكَانَت تتوق للدخول ضمن الْمُجْتَمع الاوروبي فامدته بِالرِّجَالِ وحاربت عَسَاكِر الدولة اسْتمرّ الْحَرْب بَين القوزاق والروس من جِهَة والعثمانيين من جِهَة اخرى بَين اخذ ورد حَتَّى سنة ١٦٨١ حَيْثُ تمّ الصُّلْح بَينهم على بَقَاء الْحَالة على مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل ابْتِدَاء الْحَرْب وَسميت هَذِه المعاهدة بمعاهدة رادزين
وَفِي هَذِه السّنة سَار قره مصطفى باشا إِلَى بِلَاد المجر لمحاربة النمسا بِنَاء على استدعاء تيليكي اُحْدُ اشراف المجر الَّذِي اثار الايالات المجرية التابعة للنمسا للتخلص من استبدادها الديني فان الامبراطور ليوبولد لكَونه كاتوليكيا كَانَ يامر بقتل كل من يلوح عَلَيْهِ ادنى ميل إِلَى مَذْهَب البروتستانت
حِصَار مَدِينَة ويانه اخر دفْعَة
وَبعد ان انتصر عدَّة مَرَّات على النمساويين قصد مَدِينَة ويانة عَاصِمَة النمسا فحاصرها سنة ١٦٨٣ مُدَّة شَهْرَيْن وَاسْتولى على كَافَّة قلاعها الامامية وَهدم اسوارها
стр. 254
بالمدافع والغام البارود وَلما لم يبْق عَلَيْهِ الا المهاجمة الاخيرة المتممة لِلْفَتْحِ اتى سوبيسكي ملك بولونيا ومنتخبي ساكس وبافييرا بجيوشهم بِنَاء على الحاح البابا عَلَيْهِم واستنهاضه هممهم لمحاربة الْمُسلمين حَتَّى اضرم فِي قُلُوبهم نَار التعصب الديني وَفِي يَوْم ٢٠ رَمَضَان سنة ١٠٩٤ ١٢ سبتمبر سنة ١٦٨٣ هاجم سوبيسكي وَمن مَعَه العثمانيين فِي المرتفعات المتحصنين بهَا وَبعد ان اسْتمرّ الْقِتَال طول النَّهَار فَازَ المسيحيون بالنصر وَانْهَزَمَ قره مصطفى باشا وجيوشه امامهم تَارِكًا كَافَّة المدافع والذخائر والمؤن فَكَانَ يَوْمًا مشهودا يَجْعَل الْولدَان شيبا ثمَّ جمع قره مصطفى باشا مَا بَقِي من جُنُوده وَلم شعثهم على نهر راب وَمن هُنَاكَ قفل رَاجعا إِلَى مَدِينَة بود وَالْملك سوبيسكي سَائِر خَلفه يقتل كل من يتَخَلَّف فِي السّير وَفتح مَدِينَة جران بِكُل سهولة وَلما وصل خبر هَذَا الخذلان الَّذِي لم يسْبق لجيوش الدولة امْر السُّلْطَان مُحَمَّد الرَّابِع بقتل الصَّدْر قره مصطفى باشا وارسل اُحْدُ رجال حَاشِيَته فَقتله وارسل براسه إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَعين مَكَانَهُ ابراهيم باشا سنة ١٠٩٥
وَبعد استخلاص مَدِينَة ويانه تألبت كل من النمسا وبولونيا والبندقية ورهبنة مالطه والبابا ومملكة الروسيا على محاربة الدولة الاسلامية الوحيدة لمحوها من الْعَالم السياسي وَالَّذِي يدل على ان هَذَا التَّحَالُف كَانَ دينيا مَحْضا تَسْمِيَته بالتحالف الْمُقَدّس وَمِمَّا زَاد احوال هَذِه الدولة الْقَائِمَة بمفردها امام جَمِيع الدول المسيحية ارتباكا قطع العلاقات بَينهَا وَبَين فرنسا بِسَبَب المناوشات البحرية المستمرة بَين مراكبها قراصنة الْمغرب فان الاميرال دوكين تبع ثَمَانِي مراكب من ميناء طرابلس الغرب إِلَى جَزِيرَة
стр. 255
ساقز وَلما التجأت إِلَى فرضتها واراد الاميرال الدُّخُول إِلَى الميناء خلفهَا وَمنعه حَاكم الجزيرة اطلق مدافعه على الْمَدِينَة بِدُونِ اعلان حَرْب وجاوبته قلاعها وَلم يمْتَنع عَن القاء القنابل على بيُوت السكان حَتَّى دمر الْمَدِينَة وَفِي سنة ١٦٤٨ اطلق دوكين ايضا المدافع على مَدِينَة الجزائر بالغرب مُدَّة وَلم يكف عَن القاء المقذوفات النارية عَلَيْهَا حَتَّى دفع اليه اهلها مليونين ومائتي الف قِرْش غَرَامَة حربية واطلقوا سراح من عِنْدهم من اسرى الفرنساويين وَفِي السّنة التالية فعل هَذَا الامر الشنيع ايضا فِي ميناء طرابلس الغرب ولاشتغال الدولة بمحاربة التَّحَالُف الْمُقَدّس ضربت كشحا من هَذِه التعديات الْمُخَالفَة لقوانين الْحَرْب ووجهت اهتمامها إِلَى الجيوش المتعددة الَّتِي زحفت على بلادها من كل حدب فان جيوش الْملك سوبيسكي كَانَت تهدد بِلَاد البغدان وسفن البنادقة تهدد سواحل اليونان وبلاد موره وَلعدم وجود المراكب الكافية لصد هجمات سفن البنادقة الَّتِي كَانَت تعززها مراكب البابا ورهبنة مالطه احتلت جيوش البنادقة فِي سنة ١٦٨٦ اغلب مدن اليونان حَتَّى كورنته واتينا اما النمسا فاغارت جيوشها على بِلَاد المجر واحتلوا مَدِينَة يست الْوَاقِعَة امام مَدِينَة بود وحاصروا هَذِه الْمَدِينَة ايضا وَلَوْلَا مدافعة حاكمها وحاميتها دفاع الابطال لسقطت فِي ايديهم
وَفِي سنة ١٦٨٥ احتل النمساويون عدَّة حصون وقلاع شهيرة اهمها قلعة نوهزل وبسبب هَذِه الانهزامات المتعاقبة عزل الصَّدْر ابراهيم باشا وَنفي فِي جَزِيرَة رودس وَلم يلبث فِي منصب الصدارة الا سنتَيْن وَتعين مَكَانَهُ السِّرّ عَسْكَر سُلَيْمَان باشا وَكَانَ مَشْهُورا بِحسن التَّدْبِير والشجاعة والاقدام لَكِن كَانَت الدولة
стр. 256
قد وصلت إِلَى دَرَجَة من التقهقر امام هَذِه القوى المتألبة عَلَيْهَا صَار مَعهَا الْخَلَاص صعبا لاسيما وقائد الجيوش النمساوية كَانَ الدوك دي لورين الشهير
وَكَانَ اول اعمال سُلَيْمَان باشا الاسراع إِلَى انجاد مَدِينَة بود الَّتِي كَانَ يحاصرها الدوك دي لورين بتسعين الف جندي لَكِن لم تَجِد مساعدته شَيْئا فان الْقَائِد الْمَذْكُور دَخلهَا عنْوَة فِي يَوْم ١٣ شَوَّال سنة ١٠٩٧ ٢ سبتمبر سنة ١٦٨٦ بعد ان قتل حاكمها عَبدِي باشا واربعة آلَاف من جُنُوده فِي الدفاع عَنْهَا وَلم تدخل هَذِه الْمَدِينَة ثَانِيًا فِي حوزة العثمانيين إِلَى الْآن
وَبعد سُقُوط هَذِه الْمَدِينَة فِي قَبْضَة النمساويين ومحالفيهم اراد الصَّدْر سُلَيْمَان باشا ان ياتي عملا يكفر عَنهُ عِنْد الامة مَا اتاه من التهاون فِي مساعدة مَدِينَة بود لَكِن اتاه الضَّرَر من حَيْثُ كَانَ يُرِيد النَّفْع لنَفسِهِ فانه جمع من بقايا كتائبه جَيْشًا مؤلفا من سِتِّينَ الف مقَاتل يعززهم سَبْعُونَ مدفعا وانتظر انْقِضَاء الشتَاء وَالربيع لشدَّة بردهما وَكَثْرَة مَا يسْقط فيهمَا من الثلوج فِي هَذِه الْجِهَات باذلا جهده فِي جمع الذَّخِيرَة الكافية وَفِي تدريب جُنُوده خيفة الفشل والتصاق الهوان باسمه ثمَّ هاجم جيوش التَّحَالُف الْمُقَدّس فِي سهل موهاكز الَّذِي سبق انتصار العثمانيين فِيهِ على المجر نصرا عَزِيزًا قبل هَذَا التَّارِيخ بِمِائَة وَسِتِّينَ سنة فالتحم الجيشان فِي ٣ شَوَّال سنة ١٠٩٨ ١٢ اغسطس سنة ١٦٨٧ وَبعد قتال شَدِيد دارت الدائرة على الجيوش العثمانية فَانْهَزَمُوا عَن آخِرهم واخذ الْعَدو فِي جمع مَا مَعَهم من المدافع وَالسِّلَاح والمؤن والذخائر واحتلت جيوشه اقليم ترنسلفانيا وعدة قلاع من كرواسيه وَلما ذاع خبر هَذَا الانكسار بَين الجيوش الْمَوْجُودَة بالاستانة هاجوا وماجوا وارسلوا للجيوش الْبَاقِيَة مَعَ الصَّدْر سُلَيْمَان باشا فاشهروا عَلَيْهِ الْعِصْيَان وَلَوْلَا فراره إِلَى بلغراد لاعدموه الْحَيَاة ثمَّ ارسل الانكشارية والسباه وَفْدًا للاستانة يطْلب من السُّلْطَان الامر بقتل الصَّدْر فَلم ير بدا من ذَلِك وامر بقتْله تسكينا لثورة غضب الْجند وَلما لم يفد شَيْئا وَلم تعد السكينَة بَين الجيوش وَخيف
стр. 257
على المملكة العثمانية من الدَّاخِل قرر الْوَزير الثَّانِي الْقَائِم مقَام قره مصطفى باتحاده مَعَ الْعلمَاء عزل السُّلْطَان مُحَمَّد الرَّابِع فعزلوه فِي ٢ محرم سنة ١٠٩٩ ٨ نوفمبر سنة ١٦٨٧ م بعد ان حكم اربعين سنة وَخَمْسَة اشهر وَبَقِي فِي الْعُزْلَة إِلَى ان توفّي فِي ٨ ربيع الآخر سنة ١١٠٤ ١٧ دسمبر سنة ١٦٩٢ م بَالغا من الْعُمر ٥٣ سنة وَدفن فِي تربة والدته ترخان سُلْطَان وولوا بعد عَزله اخاه
стр. 258
٢٠
- السُّلْطَان الْغَازِي سُلَيْمَان خَان الثَّانِي
هُوَ ابْن السُّلْطَان ابراهيم الاول ولد فِي ١٥ محرم سنة ١٠٥٢ ١٥ ابريل سنة ١٦٤٢ فاغدق العطايا على الْجنُود وَلم يعاقبهم على عصيانهم الَّذِي كَانَت نتيجته عزل خَلفه وَلذَلِك مَا لَبِثت ان تمردت ثَانِيًا وَقتلت قوادها وحاصرت الصَّدْر الْجَدِيد سياوس باشا فِي سرايه وقتلوه وَسبوا ازواجه فَكَانَت الاستانة فوضى وانتهز الاعداء هَذِه الاختلالات والاضطرابات المستمرة لفتح الْحُصُون العثمانية فاحتل النمساويون قلاع ارلو ولبا وَغَيرهَا واحتل موروزيني البندقي مَدِينَة ليبه من بِلَاد اليونان وكافة سواحل دلماسيا سنة ١٦٨٧ وَفِي السّنة التالية أَي سنة ١٦٨٨ سَقَطت مَدَائِن سمندريه وقلومباز وبلغراد فِي ايدي النمساويين ثمَّ فقدت الدولة العثمانية فِي سنة ١٦٨٩ مَدَائِن نيش وودين من بِلَاد الصرب وَذَلِكَ لعدم كفاءة الصَّدْر مصطفى باشا الَّذِي خلف سياوس باشا قَتِيل الانكشارية وَلما رأى السُّلْطَان توالى المصائب عزل هَذَا الصَّدْر وَعين مَكَانَهُ كوبريلي مصطفى باشا ابْن كوبريلي مُحَمَّد باشا الْكَبِير وَلم يكن اضعف همة من وَالِده بل كَانَ يُشبههُ فِي علو المكانة ومضاء الْعَزِيمَة فبذل جهده فِي بَث روح النظام فِي الْجنُود باللين طورا وبالشدة اخرى ومنعهم عَن اعتيال حُقُوق الاهالي وَصرف لَهُم متاخراتهم من مَال الاوقاف حَتَّى لَا يكون لَهُم حجَّة فِي اختلاس شَيْء من الاهالي فانتظم حَال الْجَيْش وَصَارَ يُمكن التعويل عَلَيْهِ فِي الحروب وَمن جِهَة اخرى اباح للمسيحيين بِنَاء مَا تهدم من كنائسهم فِي الاستانة وعاقب باشد الْعقَاب كل من تعرض لَهُم فِي
стр. 259
اقامة شَعَائِر دينهم حَتَّى استمال جَمِيع مسيحيي الدولة وَكَانَت نتيجة مُعَامَلَته المسيحيين بِالْقِسْطِ ان ثار اهالي موره الاروام على البنادقة فطردوهم من دِيَارهمْ لتعرضهم لَهُم فِي اقامة شَعَائِر مَذْهَبهم الارثوذكسي واجبارهم على اعتناق الْمَذْهَب الكاتوليكي ودخلوا فِي حمى الدولة الْعلية طائعين مختارين لعدم تعرضها لديانتهم مُطلقًا
وَلما انتظم الْجَيْش وطهر من الادران الَّتِي كَادَت تُؤدِّي بِهِ إِلَى الدمار وساد الامن دَاخل الْبِلَاد سَار بِنَفسِهِ لمحاربة الاعداء فاسترد فِي قَلِيل من الزَّمن مَدَائِن نيش وودين وسمندريه وبلغراد فِي سنة ١٦٩٠ بَينا كَانَ سليم كراي خَان القرم يخضع ثائري الصرب وتيكلي المجري يرجع اقليم ترنسلفانيا إِلَى املاك الدولة وَبِذَلِك اعاد كوبريلي مصطفى باشا بعض مَا فقدته الدولة من الْمجد والسؤدد بِسَبَب ضعف الوزراء وَعدم اطاعة الانكشارية وَفِي ٢٦ رَمَضَان سنة ١١٠٢ ٢٣ يونيه سنة ١٦٩١ توفّي السُّلْطَان سُلَيْمَان الثَّانِي عَن غير عقب وعمره ٥٠ سنة بعد ان حكم ثَلَاث سنوات وَثَمَانِية اشهر وَدفن فِي تربة جده السُّلْطَان سُلَيْمَان الاول وَتَوَلَّى بعده اخوه
стр. 260
٢١
- السُّلْطَان الْغَازِي احْمَد خَان الثَّانِي الْمَوْلُود فِي ٦ ذِي الْحجَّة سنة ١٠٥٢ ٢٥ فبراير سنة ١٦٤٣ فابقى الصَّدْر الاعظم اعْتِمَادًا عَلَيْهِ فِي الْحَرْب وَالسّلم لَكِن لم تمهل الْمنية هَذَا الْوَزير الشهير بل قصفت عوده الرطيب وَهُوَ فِي عنفوان شبابه فَتوفي فِي ٢٤ ذِي الْقعدَة سنة ١١٠٢ ١٩ اغسطس سنة ١٦٩١ فِي ساحة الْقِتَال عِنْد مهاجمة الجيوش النمساوية الْقَائِد لَهَا لويز دي باد فَكَانَ مَوته ضَرْبَة على الدولة لعدم كفاءة عربه جي عَليّ باشا الَّذِي خَلفه فِي منصب الصدارة وَلم تحصل امور ذَات بَال فِي ايام هَذَا السُّلْطَان بل اقتصرت الْحَرْب على بعض مناوشات لَيْسَ لَهَا من الاهمية شان يذكر غير ان البنادقة احتلت فِي سنة ١٦٩٤ جَزِيرَة ساقز ثمَّ انْتقل إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ فِي ٢٢ جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ١١٠٦ ٧ فبراير سنة ١٦٩٥ وعمره ٥٤ سنة قمرية تَقْرِيبًا بعد ان حكم ٤ سِنِين و ٨ اشهر وَدفن فِي تربة جده سُلَيْمَان الاول مَعَ اخيه سُلَيْمَان الثَّانِي وَتَوَلَّى بعده السُّلْطَان الْغَازِي مصطفى خَان الثَّانِي
стр. 261
٢٢
- السُّلْطَان الْغَازِي مصطفى خَان الثَّانِي
ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الرَّابِع الْمَوْلُود فِي ٨ ذِي الْقعدَة سنة ١٠٧٤ ٢ يونيه سنة ١٦٦٤ وَكَانَ متصفا بالشجاعة وثبات الجأش وَلذَلِك اعلن بعد تَوليته بِثَلَاثَة ايام رغبته فِي قيادة الجيوش بِنَفسِهِ فَسَار إِلَى بِلَاد بولونيا مستعينا بفرسان القوزاق وانتصر على البولونيين عدَّة مَرَّات وَلَوْلَا مَا لاقاه من الدفاع امام مَدِينَة لمبرج لتقدم كثيرا لَكِن كَانَ هَذَا الْحصن المنيع من اكبر الْعَوَائِق لاستمرار فتوحاته وَمن جِهَة اخرى حَارب الروس واضطرهم لرفع الْحصار عَن مَدِينَة ازاق بِبِلَاد القرم الَّتِي حاصرها بطرس الاكبر لتَكون ثغرا لبلاده على الْبَحْر الاسود اذ كَانَت قبائل القوزاق تحول بَين هَذَا الْبعد وَبَين بِلَاده فَرفع الْحصار عَنْهَا رغم انفه فِي اكتوبر سنة ١٦٩٥ مُعَللا نَفسه بمعاودة الكرة عَلَيْهَا عِنْد تهيؤ الاسباب وَبعد ذَلِك اغار السُّلْطَان بجيوشه ثَانِيًا على بِلَاد المجر وَفتح حصن لبا عنْوَة وَهزمَ الجنرال فتراني فِي موقعة لوجوس وَقتل من عساكره سِتَّة الآف جندي
стр. 262
واخذه اسيرا وَقَتله فِي ٢٢ سبتمبر سنة ١٦٩٥ ١٢ صفر سنة ١١٠٧ وَفِي سنة ١٦٩٦ فَازَ السُّلْطَان فوزا مُبينًا على منتخب ساكس فِي موقعة اولاش وَبعد ذَلِك تقلد الْبُرْنُس اوجين دي سافوا الْقَائِد الشهير قيادة الْجَيْش النمساوي فاعمل الفكرة فِي عدم ملاقاة الْجَيْش العثماني فِي الاراضي السهلة بل حاوله مُدَّة بِدُونِ ان يُمكن السُّلْطَان من مهاجمته حَتَّى فاجأه هُوَ اثناء عبور الْجنُود العثمانية لنهر تَيْس وَعدم استعدادها للدفاع بِالْقربِ من قَرْيَة صَغِيرَة اسْمهَا زينتا فَقتل مِنْهُم عددا عَظِيما من ضمنهم الصَّدْر الاعظم الماس مُحَمَّد باشا وغرق مِنْهُم فِي النَّهر اكثر مِمَّن قتل وَلَوْلَا وجود السُّلْطَان على الضفة الاخرى لسقط فِي ايديهم اسيرا وَكَانَ ذَلِك فِي ٢٥ صفر سنة ١١٠٩ ١٢ سبتمبر سنة ١٦٩٧ ثمَّ تَبِعَهُمْ الْبُرْنُس اوجين وَدخل بِلَاد البوسنة فاتحا وَعين بعد ذَلِك عموجه زَاده حُسَيْن باشا كوبريلي صَدرا اعظم
وَفِي اثناء اشْتِغَال السُّلْطَان بِبِلَاد المجر عَاد بطرس الاكبر الروسي لفتح ميناء ازاق لاهميتها لمملكته فَدَخلَهَا فِي خلال سنة ١٦٩٦ وَلم تزل تَابِعَة للروسيا حَتَّى الْآن فَكَانَت الدولة فِي خطر شَدِيد من جهتي الروسيا والنمسا لَكِن اوقف الصَّدْر الاعظم كوبريلي حُسَيْن باشا الْبُرْنُس اوجين فِي سيره والزمه التقهقر امامه حَتَّى اخلى بِلَاد البوسنه وَرجع إِلَى مَا وَرَاء نهر ساف واسترد الاميرال البحري العثماني الملقب مزومورتو جَزِيرَة ساقز بعد ان انتصر دفعتين على مراكب البندقية ثمَّ ابتدأت المخابرات للوصول إِلَى الصُّلْح فَتدخل ملك فرنسا لويس الرَّابِع عشر واراد ان يدْخل الدولة فِي معاهدة ريسويك فَلم تقبل لعلمها ان جَمِيع
стр. 263
الدول يَد وَاحِدَة عَلَيْهَا وَلَو اظهرت لَهَا احداها التودد فَذَلِك لم يكن الا لغاية كامنة فِي النَّفس والتاريخ الحالي شَاهد عدل
وَبعد مخابرة طَوِيلَة امضيت بَين الدولة الْعلية والنمسا والروسيا والبندقية وبولونيا معاهدة كارلوفتس فِي ٢٤ رَجَب سنة ١١١٠ ٢٦ يناير سنة ١٦٩٩
فَتركت الدولة بِلَاد المجر باجمعها واقليم ترنسلفانيا لدولة النمسا وتنازلت عَن مَدِينَة ازاق وفرضتها للروسيا فَصَارَ لَهَا بذلك يَد على الْبَحْر الاسود وزادت اهمية جوارها للدولة الْعلية اضعاف مَا كَانَت عَلَيْهِ من قبل وَردت لمملكة بولونيا مَدِينَة كامينك واقليمي بودوليا واوكروين وتنازلت للبندقية عَن بِحَيْثُ جَزِيرَة مورا إِلَى نهر هكساميلون واقليم دلماسيا على الْبَحْر الادرياتيكي باجمعه تَقْرِيبًا واتفقت مَعَ النمسا على مهادنة خمس وَعشْرين سنة وان لَا تدفع هِيَ اَوْ غَيرهَا شَيْئا للدولة الْعلية على سَبِيل الْجِزْيَة اَوْ مُجَرّد الْهَدِيَّة وبهذه المعاهدة فقدت الدولة جزأ لَيْسَ بِقَلِيل من املاكها باوروبا وزادت اطماع الدول فِي بلادها كَمَا سَيَأْتِي مفصلا
ويمكننا القَوْل بَان الِاتِّفَاق قد تمّ من ذَلِك التَّارِيخ بَين جَمِيع الدول ان لم يكن صَرَاحَة فضمنا على الْوُقُوف امام تقدم الدولة الْعلية اولا ثمَّ تَقْسِيم بلادها بَينهم شَيْئا فَشَيْئًا وَهُوَ مَا يسمونه فِي عرف السياسة بالمسالة الشرقية المبنية على الْخَوْف من انتشار الدّين الاسلامي وحلوله مَحل الدّين المسيحي لَيْسَ الا اما مَا يسترون خَلفه غاياتهم من الدفاع عَن حُقُوق الامم المسيحية الضعيفة الخاخعة للدولة فمما لم يعد اُحْدُ يغتر بِهِ
وَبعد اتمام هَذِه المعاهدة الَّتِي رُبمَا كَانَت اوخم عَاقِبَة لَوْلَا استظهار كوبريلي حُسَيْن
стр. 264
باشا على الْبُرْنُس اوجين قَائِد الجيوش النمساوية فِي بِلَاد البوسنة وَجه هَذَا الْوَزير اهتمامه إِلَى الامور الداخلية والشؤون الْمَالِيَّة والاحوال العسكرية مِمَّا لَا قوام لاي دولة الا بانتظامها وتقويم المعوج مِنْهَا فاتى لكل مِنْهَا بالدواء الْكَافِي والعلاج الشافي وَترك كثيرا من الاموال الْمُتَأَخِّرَة على الاهالي لَا سِيمَا المسيحيين مِنْهُم حَتَّى لَا يجد مِنْهُم المفسدون المضلون نصراء الاجانب وسماسرتهم اذنا صاغية لدسائسهم الايهامية ووساوسهم الشيطانية الَّتِي يسلمُونَ بهَا بِلَادهمْ للاجانب طَمَعا فِي مَال اَوْ جاه لن يَكُونُوا بالغيه وَللَّه فِي خلقه آيَات ثمَّ استقال هَذَا الْوَزير المصلح فِي ١٢ ربيع الآخر سنة ١١١٤ ٥ سبتمبر سنة ١٧٠٢ وَعين مَكَانَهُ فِي منصب الصدارة دَال طبان مصطفى باشا وَكَانَ جنديا ميالا للحرب وَلذَلِك لم يسر على خطة سلفه من اصلاح الشؤون الداخلية وتنظيم الْبِلَاد وانشاء الطّرق العمومية وَغَيرهَا من الاعمال والاشغال العمومية وَعدم اضاعة النُّفُوس والاموال فِي الحروب واضافة الْبِلَاد لبعضها بِدُونِ اصلاح اَوْ تنظيم اكْتِفَاء بِمَا يُؤْخَذ من الْغَنَائِم وَقت الْحَرْب بل اراد ان يخرق عُهْدَة كارلوفتس مَعَ حداثتها ويثير الْحَرْب على النمسا ولشعور الاهالي والجنود بمضار هَذِه السياسة على الدولة لما وَرَاءَهَا من تَأَلُّبُ الدول عَلَيْهَا ثَانِيًا واخذ بعض بلادها تذمروا ضد الْوَزير واشترك مَعَهم بعض الْجنُود وطلبوا من السُّلْطَان عَزله فاقاله فِي ٦ رَمَضَان سنة ١١١٤ ٢٤ نوفمبر سنة ١٧٠٢ وَتعين مَحَله رامي مُحَمَّد باشا فَسَار على اثر كوبريلي حُسَيْن باشا وَشرع فِي ابطال الْمَفَاسِد ومعاقبة المرتشين وَمنع الْمَظَالِم فاهاج ضِدّه ارباب الغايات وَكثير عدادهم واثاروا عَلَيْهِ الانكشارية لميلهم بالطبع إِلَى الْهياج للسلب والنهب وهتك الاعراض فطلبوا عَزله من السُّلْطَان فَامْتنعَ وارسل لقمعهم فرقة من الْجنُود فانضمت إِلَى الثائرين وعزلوا السُّلْطَان مصطفى الثَّانِي فِي ٢ ربيع الآخر سنة ١١١٥ ١٥ اغسطس سنة ١٧٠٣ بعد ان حكم ٨ سنوات و ٨ شهور وَبَقِي معزولا إِلَى ان توفّي فِي ٢٢ شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة ٣١ دسمبر سنة ١٧٠٣ م وعمره اربعون سنة تَقْرِيبًا واقاموا مَكَانَهُ بعد عَزله اخاه
стр. 265
٢٣
- السُّلْطَان الْغَازِي احْمَد خَان الثَّالِث
ابْن السُّلْطَان الْغَازِي مُحَمَّد الرَّابِع الْمَوْلُود فِي ٣ رَمَضَان سنة ١٠٨٣ ٢٣ دسمبر سنة ١٦٧٣ وَعند تَعْيِينه وزع اموالا طائلة على الانكشارية وَسلم لَهُم فِي قتل الْمُفْتِي فيض الله افندي لمقاومته لَهُم فِي اعمالهم ثمَّ لما قرت الاحوال وعادت السكينَة اقْتصّ من رُؤْس الانكشارية فَقتل مِنْهُم عددا لَيْسَ بِقَلِيل وعزل فِي ٦ رَجَب سنة ١١١٥ ١٥ نوفمبر سنة ١٧٠٣ الصَّدْر الاعظم نشانجي احْمَد باشا الَّذِي انتخبه الانكشارية وَقت ثورتهم وَعين فِي هَذِه الْوَظِيفَة المهمة زوج اخته داماد حسن باشا لَكِن لم تحمه مصاهرته للسُّلْطَان وَلَا مَا اتاه من الاعمال النافعة كتجديد الترسانة وانشاء كثير من الْمدَارِس من ان يكون هدفا لدسائس المفسدين ارباب الغايات الَّذين لَا يروق فِي اعينهم وجود اعنة الامور فِي قَبْضَة رجل حَازِم يحول بَينهم وَبَين مَا يشتهون فاعملوا فكرهم وبذلوا جهدهمْ حَتَّى تحصلوا على عَزله فِي ٢٨ جُمَادَى الاولى ١١١٦ ٢٨ سبتمبر سنة ١٧٠٤ وَمن بعده كثر تَغْيِير الصُّدُور تبعا للاهواء وَكَانَت نتيجة ذَلِك ان الدولة لم تلْتَفت لاجراءات بطرس الاكبر ملك الروسيا فِي داخلية بِلَاده وَلم تدْرك كنه سياسته الخارجية المبنية على اضعاف الاقوياء من مجاوريه أَي السويد وبولونيا والدولة العثمانية وانه قد ابْتَدَأَ فِي تَنْفِيذ مشروعه هَذَا بَان حَارب شارل الثَّانِي عشر
стр. 266
السويدي وانتصر عَلَيْهِ اخيرا نصرا عَظِيما فِي وَاقعَة بولتاوا فِي سنة ١٧٠٩ وَلَو فطنت الدولة ووزراؤها إِلَى مَا انطوت عَلَيْهِ هَذِه السياسة للزمها مساعدة السويد على الروسيا حَتَّى يَكُونَا مَعَ بولونيا حاجزا ضد اطماعها لَكِنَّهَا لم تفقه لهَذَا السِّرّ السياسي فقلبت لشارل الثَّانِي عشر ظهر الْمِجَن حَتَّى لما التجأ بعد وَاقعَة بولتاوا إِلَى مَدِينَة بندر واخذ فِي استمالة الدولة لمحاربة الروسيا وَلَكِن لم ينجح فِي مسعاه لمعارضة الْوَزير نعْمَان باشا كوبريلي للحرب
ثمَّ لما عزل الْوَزير وَتَوَلَّى بعده بلطه جي مُحَمَّد باشا مَال لاثارة الْحَرْب على الروسيا فاشهر عَلَيْهَا الْحَرْب وقاد الجيوش بِنَفسِهِ وَبعد مناورات مهمة حصرت الجيوش العثمانية الْبَالِغ قدرهَا مِائَتي الف جندي قَيْصر الروسيا وخليلته كاترينا وَلَو اسْتمرّ عَلَيْهِم الْحصار قَلِيلا لاخذ اسيرا هُوَ وَمن مَعَه وانمحت الدولة الروسية كُلية من الْعَالم السياسي اَوْ بالاقل بقيت فِي التوحش والهمجية عدَّة اجيال لَكِن
стр. 267
استمالت كاترينا بلطه جي مُحَمَّد باشا اليها واعطته كَافَّة مَا كَانَ مَعهَا من الْجَوَاهِر الْكَرِيمَة والمصوغات الثمينة فخان الدولة وَرفع الْحصار عَن القيصر وجيشه مكتفيا بامضاء القيصر لمعاهدة فلكزن المؤرخة ٩ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١١٢٣ ٢٥ يوليه سنة ١٧١١ الَّذِي اخلى بمقتضاها مَدِينَة ازاق وتعهد فِيهَا بِعَدَمِ التدخل فِي شؤون القوزاق مُطلقًا لَكِن لَا يخفى على كل مطلع لَهُ ذرة من الْعقل ان هَذِه المزية لم تكن شَيْئا مَذْكُورا فِي جَانب مَا كَانَ يُمكن الدولة ان تناله من القيصر لَو اهلكت جَيْشه واستولت عَلَيْهِ اسيرا وَلذَلِك احتدم شارل الثَّانِي عشر السويدي نزيل بندر غيظا وسعى لَدَى السُّلْطَان بمساعدة خَان القرم دولت كراي حَتَّى تحصل على عَزله وابعاده إِلَى جَزِيرَة لمنوس
وَتَوَلَّى بعده يُوسُف باشا وَكَانَ محبا للسلم فامضى مَعَ الروسيا معاهدة جَدِيدَة تقضي بِعَدَمِ الْمُحَاربَة بَينهمَا مُدَّة ٢٥ سنة لَكِن لم تمض على هَذِه المعاهدة بضعَة اشهر حَتَّى قَامَت الْحَرْب ثَانِيَة بَين الدولتين بِسَبَب عدم قيام بطرس الاكبر باحد شُرُوط معاهدة فلكزن القَاضِي بتخريب فرضة تجانزك الْوَاقِعَة على بَحر آزاق فتدخلت انكلترا وهولاندا فِي منع الْحَرْب لاضراره بتجارتهما وَبعد مخابرات طَوِيلَة امضيت بَينهمَا معاهدة جَدِيدَة سميت بمعاهدة ادرنه فِي ٢٤ جُمَادَى الاولى سنة ١١٢٥ ١٨ يونيو سنة ١٧١٣ تنازلت الروسيا بمقتضاها عَمَّا لَهَا من الاراضي على الْبَحْر الاسود حَتَّى لم يبْق لَهَا عَلَيْهِ موانئ اَوْ ثغور وَفِي مُقَابلَة ذَلِك ابطل مَا
стр. 268
كَانَت تَدْفَعهُ سنويا إِلَى امراء القرم بِصفة جِزْيَة كي لَا يتعدوا على قوافلها التجارية وَعند ذَلِك يئس شارل السويدي من نوال غَرَضه وَهُوَ مساعدة الدولة الْعلية على الروسيا فبارح بِلَاد الدولة فِي اول اكتوبر سنة ١٧١٣ بعد ان اقام فِيهَا نَحْو سنتَيْن
ثمَّ تولى منصب الصدارة عَليّ باشا داماد بعد يُوسُف باشا وَكَانَ ميالا للحرب غيورا على صَالح الدولة ميالا لاسترجاع ماضاع من املاكها خُصُوصا بِلَاد موره وَلذَلِك اعلن الْحَرْب على جمهورية البندقية وَفِي قَلِيل من الزَّمن اسْتردَّ البحيث جَزِيرَة باجمعها والمدن الَّتِي كَانَت بَاقِيَة للبنادقة بِجَزِيرَة كريد حَتَّى لم يبْق لَهُم بِبِلَاد اليونان الا جَزِيرَة كورفو فاستعانت البندقية بشارل الثَّالِث امبراطور النمسا اُحْدُ الماضين على معاهدة كارلوفتس وَلكَون الْحَرْب كَانَت قد انْقَضتْ وَوضعت اوزارها بَين النمسا وفرنسا وَتمّ الصُّلْح بَينهمَا بمعاهدتي اوترك ورستاه اسرع الامبراطور لمديد المساعدة إِلَى البنادقة بَان ارسل إِلَى السُّلْطَان بلاغا يطْلب مِنْهُ فِيهِ ارجاع كل مَا اخذه من البنادقة وَكَانَ اعطى لَهُم بِمُقْتَضى معاهدة كارلوفتس والا فَيكون امْتِنَاعه بِمَثَابَة اعلان للحرب فَلم تقبل الدولة هَذَا الطّلب وفضلت الْحَرْب فِي هَذَا الْوَقْت الْغَيْر مُنَاسِب بِعَدَمِ تبصر وزيرها فانه كَانَ من الْوَاجِب عَلَيْهِ عدم عمل مَا يسبب هَذِه الحروب مَعَ عدم اشْتِغَال النمسا بمحاربة فرنسا وامكانها تَوْجِيه كل قواها وامهر قوادها إِلَى ساحة الْقِتَال خُصُوصا الْقَائِد الذائع الصيت الْبُرْنُس اوجين دي سافوا الَّذِي سبق ذكره اكثر من مرّة فَكَانَ من الْمُحَقق تَقْرِيبًا فوزه على العثمانيين لتضلعه من فنون الْحَرْب الَّتِي لَا تقوى عَلَيْهَا شجاعة العثمانيين وَمَا اتصفوا بِهِ من الثَّبَات
стр. 269
معاهدة بسار وفتس
وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك ان الْبُرْنُس اوجين انتصر عَلَيْهِم فِي موقعة بترواردين فِي يَوْم ٥ اغسطس سنة ١٧١٦ وفيهَا قتل الصَّدْر الاعظم عَليّ باشا داماد لاقتحامه مواقع الْخطر حَتَّى لَا يعِيش بعد الانهزام وَبعد ذَلِك فتح النمساويون مَدِينَة تمسوار بعد ان حاصروها اربعة واربعين يَوْمًا وَوَضَعُوا الْحصار امام مَدِينَة بلغراد ودخلوها فِي ١٩ اغسطس سنة ١٧١٧ بعد ان تغلبُوا على الصَّدْر الْجَدِيد خَلِيل باشا الَّذِي اتى لمساعدة الْمَدِينَة ثمَّ ابتدأت المخابرات للصلح فتم بَينهمَا فِي ٢٢ شعْبَان سنة ١١٣٠ ٢١ يوليو سنة ١٧١٨ على ان تَأْخُذ النمسا ولَايَة تمسوار ومدينة بلغراد مَعَ جُزْء عَظِيم من بِلَاد الصرب وَآخر من بِلَاد الفلاخ وان تبقى جمهورية البندقية محتلة ثغور شاطئ دلماسيا اما بِلَاد موره فترجع إِلَى الدولة وَسميت هَذِه المعاهدة معاهدة بسار وفتس وعقب ذَلِك طلبت الروسيا من الدولة تحوير المعاهدة السَّابِقَة بكيفية تبيح لتجارها الْمُرُور من اراضي الدولة وَبيع سلعهم فِيهَا ولحجاجها التَّوَجُّه لبيت الْمُقَدّس وَغَيره من الاماكن والاديرة المقدسة عِنْدهم بِدُونِ دفع خراج مُدَّة اقامتهم اَوْ رسوم على جوازات الْمُرُور فَقبلت الدولة واضافت إِلَى هَذِه المعاهدة الجديدة المؤرخة ٩ نوفمبر سنة ١٧٢٠ شرطا من الاهمية السياسية بمَكَان عَظِيم وَهُوَ تعهد كل من الروسيا وَالْبَاب العالي بِمَنْع زِيَادَة نُفُوذ الْملك الْمُنْتَخب ببولونيا على نُفُوذ الاشراف وَعدم تَمْكِينه من جعل منصبه وراثيا فِي عائلته وَمنع حُصُول هذَيْن الامرين بِكُل الوسائط الممكنة بِمَا فِيهَا الْحَرْب
وَلَا تخفى اهمية هَذَا الشَّرْط الاخير الَّذِي لم يقْصد بِهِ بطرس الاكبر الا ايجاد النفرة بَين مُلُوك بولونيا والدولة انفاذا لما كَانَ ينويه لَهَا كَمَا سنشرحه فِي مَوْضِعه فان جعل مَقَاصِد هَذَا القيصر المؤسس الْحَقِيقِيّ للمملكة الروسية وَوَاضِع دعائمها كَانَ التَّفْرِيق بَين مجاوريه الثَّلَاثَة السويد وبولونيا والدولة العثمانية
стр. 270
واضعافهم الْوَاحِد بعد الاخر فتزيد قوته بِنِسْبَة تاخرهم وتقهقرهم وَقد نجح تَمامًا بِمَا يتَعَلَّق بالسويد بِجَهْل بعض وزراء الدولة الْعلية ضروب السياسة وَعدم اطلاعهم على دخائل علاقات الدول بِبَعْضِهَا ثمَّ شرع فِي تَنْفِيذ مَا ينويه ضد بولونيا والدولة الْعلية وَكَانَ قد سَافر إِلَى باريس سنة ١٧١٧ وقابل ملكهَا الفتي لويس الْخَامِس عشر ووصيه ليستميلهما لسياسته فاخفق مسعاه وَلذَلِك اسْتَعَانَ بوزراء الدولة الْعلية نَفسهَا وَوضع اول حجر لهَذَا الْمَشْرُوع باضافة البند الْمُتَعَلّق ببولونيا فِي المعاهدة الجديدة
تَقْسِيم مملكة الْعَجم بَين العثمانيين والروس وعزل السُّلْطَان الْغَازِي احْمَد الثَّالِث
هَذَا وَلما تولى من يدعى داماد ابراهيم باشا منصب الصدارة سنة ١١٣٠ هـ ١٧١٧ م اراد ان يستعيض عَمَّا فقدته الدولة من ولايات بِفَتْح بِلَاد جَدِيدَة فِي جِهَة اسيا وَلَقَد اتاح لَهُ الْحَظ حُصُول انقلابات بِبِلَاد الْعَجم بِسَبَب تنازل الشاه
стр. 271
حُسَيْن عَن الْملك جبرا إِلَى مير مُحَمَّد امير افغانستان فاسرع الصَّدْر ابراهيم باشا باحتلال ارمينيا وبلاد الكرج لَكِن كَانَ سبقه بطرس الاكبر واجتاز جبال القوقاز الَّتِي كَانَت تحد بِلَاده من جِهَة الْجنُوب واحتل اقليم طاغستان مَعَ كَافَّة سواحل بَحر الخزر الغربية فَكَادَتْ الْحَرْب تقوم بَين الدولة والروس وَلعدم امكان الروس مقاومة الجيوش العثمانية وَتحقّق بطرس الاكبر من عدم اقتداره على محاربتها طلب من سفير فرنسا بالاستانة المسيو دوبو ان يتوسط بَينهمَا فَقبل هَذِه المامورية ووفق بَين الطَّرفَيْنِ بَان يمتلك كل مِنْهُمَا مَا احتله من الْبِلَاد وَقبلت الدولتان بذلك وامضيتا بِهَذِهِ الشُّرُوط معاهدة بتاريخ ٢ شَوَّال سنة ١١٣٦ ٢٤ يونيو سنة ١٧٢٤
اما الْفرس فَلم يقبلُوا هَذَا التَّقْسِيم المزري بشرفهم وَالْقَاضِي بضياع جُزْء لَيْسَ بِقَلِيل من بِلَادهمْ بل قَامُوا كَرجل وَاحِد لمحاربة الاجانب واخراجهم من دِيَارهمْ لَكِن لم تكن شجاعتهم كَافِيَة لصد هجمات العثمانيين الَّذين فتحُوا فِي سنة ١٧٢٥ عدَّة مدن وقلاع اهمها مَدَائِن همذان واريوان وتبريز وساعد ذَلِك تسلط الفوضى فِي داخلية ايران وتنازع كل من الشاه اشرف الَّذِي قتل مير مُحَمَّد امير افغانستان وَالشَّاة طهماسب ملك ساسان وانتهت هَذِه الْحَرْب بِالصُّلْحِ مَعَ الشاه اشرف فِي ٢٥ صفر سنة ١١٤٠ ١٢ اكتوبر سنة ١٧٢٧ انما لما مَاتَ الشاه اشرف وَانْفَرَدَ طهماسب بِالْملكِ طلب من الدولة الْعلية ان ترد اليه كل مَا اخذته من بِلَاد اجداده فَلم تجبه الدولة وَلذَا اغار على بلادها وَلعدم ميل السُّلْطَان إِلَى الْحَرْب ورغبته فِي الصُّلْح ثار الانكشارية واهاجوا الاهالي فاطاعوهم طلبا للسلب والنهب فِي ١٥ ربيع الاول ١١٤٣ ٢٨ سبتمبر سنة ١٧٣٠ وَطلب زعيم هَذِه الثورة الْمَدْعُو بترونا خَلِيل من السُّلْطَان قتل الصَّدْر الاعظم والمفتي وقبوادان باشا أَي اميرال الاساطيل البحرية بِحجَّة انهم مائلون لمسالمة الْعَجم فَامْتنعَ السُّلْطَان عَن اجابة طَلَبهمْ وَلما راى مِنْهُم التصميم على قَتلهمْ طَوْعًا اَوْ كرها فخوفا من ان يتَعَدَّى اذاهم إِلَى شخصه سلم لَهُم بقتل الْوَزير والاميرال دون الْمُفْتِي فقبلوا والقوا جثثهم إِلَى الْبَحْر لَكِن لم يمنعهُم انصياع السُّلْطَان لطلباتهم من التطاول من اليه بل جرأهم تساهله مَعَهم على الْعِصْيَان عَلَيْهِ جهارا فاعلنوا باسقاطه فِي مسَاء الْيَوْم الْمَذْكُور
стр. 272
عَن منصة الاحكام وَنَادَوْا بِابْن اخيه السُّلْطَان مَحْمُود الاول خَليفَة للْمُسلمين واميرا للْمُؤْمِنين فاذعن السُّلْطَان احْمَد الثَّالِث وتنازل عَن الْملك بِدُونِ مُعَارضَة وَكَانَت مُدَّة حكمه ٢٧ سنة و ١١ شهرا
وَمِمَّا يذكر فِي التَّارِيخ لهَذَا الْملك ادخال المطبعة فِي بِلَاده وتأسيس دَار طباعة فِي الاستانة الْعلية بعد اقرار الْمُفْتِي واصداره الْفَتْوَى بذلك مشترطا عدم طبع الْقُرْآن الشريف خوفًا من التحريف واسترجاع اقليم موره وقلعة آزاق وَفتح عدَّة ولايات من مملكة الْعَجم وَبَقِي معزولا إِلَى ان توفّي فِي سنة ١١٤٩
стр. 273
٢٤
- السُّلْطَان الْغَازِي مَحْمُود خَان الاول وَظُهُور نادرشاه
هُوَ ابْن السُّلْطَان مصطفى الثَّانِي ولد فِي ٤ محرم سنة ١١٠٨ ٣ اغسطس سنة ١٦٩٦ وَلما تولى لم يكن لَهُ الا الِاسْم فَقَط وَكَانَ النّفُوذ لبطرونا خَلِيل يولي من يَشَاء ويعزل من يَشَاء تبعا للاهواء والاغراض حَتَّى عيل صَبر السُّلْطَان من استبداده وتجمهر حوله رُؤَسَاء الانكشارية لتعدي هَذَا الزعيم على حُقُوقهم وَاتَّفَقُوا على الْغدر بِهِ تخلصا من شَره فَقَتَلُوهُ وَلم يقو محازبوه على الاخذ بثأره بل اطفئت ثورتهم فِي دِمَائِهِمْ وَبِذَلِك عَادَتْ السكينَة للمدينة وامن النَّاس على اموالهم وارواحهم
وَبعد ان استتب الامن استأنفت الدولة الْحَرْب مَعَ مملكة الْفرس وتغلبت الجيوش العثمانية على جنود الشاه طهماسب فِي عدَّة وقائع اهرقت فِيهَا الدِّمَاء مدرارا فَطلب الشاه الصُّلْح وَتمّ بَين الدولتين الامر فِي ١٢ رَجَب سنة ١١٤٤ ١٠ يناير سنة ١٧٣٢ على ان تتْرك مملكة الْعَجم للدولة العلسة كل مَا فَتحته مَا عدا مَدَائِن تبريز واردهان وهمذان وَبَاقِي اقليم لورستان لَكِن عَارض نادرخان اكبر وُلَاة للدولة فِي هَذِه المعاهدة وَسَار بديوشه إِلَى مَدِينَة اصفهان وعزل الشاه طهماسب
стр. 274
وَولى مَكَانَهُ ابْنه الْقَاصِر عباسا الثَّالِث واقام نَفسه وَصِيّا عَلَيْهِ ثمَّ قصد الْبِلَاد العثمانية وَبعد ان انتصر على جنود الدولة حصر مَدِينَة بَغْدَاد فاسرع الْوَزير طوبال أَي الاعرج عُثْمَان باشا إِلَى محاربته وَجَرت بَينهمَا عدَّة وقائع قتل فِيهَا عُثْمَان باشا الْمَذْكُور فطلبت الدولة الصُّلْح وَبعد مخابرات طَوِيلَة اتّفق مَنْدُوب الدولة مَعَ نادرخان فِي ١٨ جُمَادَى الاولى سنة ١١٤٩ ٢٤ سبتمبر سنة ١٧٣٦ م فِي مَدِينَة تفليس حَيْثُ نودى بنادرخان ملكا على الْعَجم على ان ترد الدولة إِلَى الْعَجم كل مَا اخذته مِنْهَا وان تكون حُدُود الدولتين كَمَا تقرر بمعاهدة سنة ١٦٣٩ المبرمة فِي زمن السُّلْطَان الْغَازِي مُرَاد الرَّابِع
معاهدة بلغراد
وَفِي غُضُون ذَلِك قَامَت الْحَرْب بَين الدولة والروسيا بِسَبَب مملكة بولونيا وَذَلِكَ ان كل من الروسيا والنمسا والبروسيا اتّفقت فِي سنة ١٧٢٢ بِمُقْتَضى اتِّفَاق سري على ان لَا يجوز تعْيين ملك وطني على بولونيا جوفا من اتحاده مَعَ الاهالي الامر الَّذِي يكون من وَرَائه استقامة احوال هَذِه المملكة الداخلية مَعَ ان قصد الروسيا ودود الاضطرابات بهَا دَائِما حَتَّى تضعف كُلية فتستولي عَلَيْهَا باجمعها اَوْ تقسمها مَعَ مجاوريها تبعا لسياسة بطرس الاكبر القاضية بالسعي فِي تلاشي دَوْلَتِي السويد وبولونيا فالدولة الْعلية فَلَمَّا توفّي اوغست الثَّانِي ملك بولونيا انتخب الاهالي فِي سنة ١٧٣٣ ستانسلاس لكزنيسكي ملكا عَلَيْهِم بسعي فرنسا الَّتِي كَانَ من صَالح سياستها بَقَاء بولونيا فِي الْعَالم السياسي عزيزة الْجَانِب يحكمها ملك من اهلها
فاعلنت الروسيا والنمسا الْحَرْب على بولونيا وَنَادَوْا بآغوست الثَّالِث ابْن آغست الثَّانِي ملكا عَلَيْهَا وَلَو لم ينتخبه الاهالي وَمن جِهَة اخرى اشهرت فرنسا الْحَرْب على النمسا دفاعا عَمَّا لبولونيا من الْحق الصَّرِيح فِي انتخاب من تُرِيدُ وسعت لَدَى الْبَاب العالي بِوَاسِطَة المسيو دي بونفال الَّذِي خدم الدولة بعد ان اسْلَمْ واشتهر فِيهَا باسم احْمَد باشا قَائِد الطوبجية لاستمالته للدفاع عَن اسْتِقْلَال بولونيا الحاجز الْحصين بَينهَا وَبَين الروسيا مُوضحَة لَهَا سياسة هَذِه الدولة الطامحة انظارها لامتلاك
стр. 275
الْقُسْطَنْطِينِيَّة كَمَا اوصى لَهَا بذلك بطرس الاكبر فَلم يصغ وزراء الدولة لندائها لجهل فِي السياسة اَوْ لاسباب اخرى وَلذَلِك تغلبت الروسيا على ستانسلاس واحتلت جنودها مملكة بولونيا باسرها ووزراء الدولة لاهون عَن نتائج هَذِه السياسة الوخيمة الَّتِي رُبمَا كَانَت السَّبَب فِي وُصُول الدولة إِلَى الدرجَة الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا الْآن
وَلما احست النمسا ان فرنسا تسْعَى وَرَاء التَّحَالُف مَعَ الدولة فَخَشِيت من حُصُول هَذَا الِاتِّفَاق الَّذِي يكون نتيجته عدم نجاح مسعاها مَعَ الروسيا فِي بولونيا اسرعت فِي ارضاء فرنسا فابرمت مَعهَا معاهدة ويانة فِي سنة ١٧٣٥ واخذت فِي التأهب والاستعداد للاشتراك مَعَ الروسيا فِي محاربة الدولة واوعزت إِلَى الروسيا بافتتاح الْقِتَال فاتخذت هَذِه الاخيرة مُرُور بعض قوزاق القرم من اراضيها فِي مارس سنة ١٧٣٦ متجهين إِلَى بِلَاد الكرج لمساعدة الدولة ضد الْعَجم حجَّة لاعلان الْحَرْب واغارت بِكُل قواها على بِلَاد القرم واحتلت مينا آزاق وَغَيرهَا من الثغور البحرية وَهُوَ مَا حدا بالدولة إِلَى ابرام الصُّلْح مَعَ نَادِر شاه بالكيفية الَّتِي سبق شرحها لتتفرغ لصد هجمات الروس
ولحسن حَظّ الدولة كَانَ قد تقلد منصب الصدارة رجل محنك اشْتهر بِحسن السياسة وسمو الادراك وَهُوَ الْحَاج مُحَمَّد باشا فَلم يغْفل طرفَة عين عَن جمع الجيوش وتجهيز المعدات حَتَّى امكنه فِي اقْربْ وَقت ايقاف تقدم الروس الَّذين كَانُوا قد احتلوا إقليم البغدان ودخلوا مَدِينَة باسى عَاصِمَة هَذَا الاقليم وَمن جِهَة اخرى انتصرت الجيوش العثمانية على جيوش النمسا الي اغارت على بِلَاد البوسنة والصرب والفلاخ فانتصر الْمُسلمُونَ فِي الصرب والجاؤوا النمساويين على الْجلاء عَنْهَا تاركين فِي كل مَوضِع قدم حثث رِجَالهمْ وتقهقروا إِلَى مَا وَرَاء نهر الدانوب فِي سنة ١٧٣٧ وَاسْتمرّ الْحَال على هَذَا المنوال مِمَّا تنوسى عَهده فِي الدولة من النَّصْر والفوز على الاعداء حَتَّى طلبت النمسا الصُّلْح بِوَاسِطَة المسيو فلنوف سفير فرنسا فَقبل التَّوَسُّط بِكُل ارتياح وَسَار إِلَى معسكر الصَّدْر الاعظم وَعرض عَلَيْهِ الصُّلْح بالنيابة عَن النمسا فَاشْترط شُرُوطًا مَا كَانَت لتقبلها لَوْلَا انتصار الْمُسلمين على قائدها الشهير وَلَيْسَ فِي يَوْم ٢٣ يوليو سنة ١٧٣٩ فَكَانَ هَذَا الْفَوْز الاخير اكبر مساعد للوصول إِلَى الصُّلْح الَّذِي تمّ بَينهمَا وَبَين الروسيا فِي ١٤ جُمَادَى الْآخِرَة
стр. 276
سنة ١١٥٢ ١٨ سبتمبر سنة ١٧٣٩ م على ان تتنازل النمسا للدولة الْعلية عَن مَدِينَة بلغراد وَمَا اعطي لَهَا من بِلَاد الصرب والفلاخ بِمُقْتَضى معاهدة بساروفتس اما الروسيا فتعهدت قيصرتها حنه بهدم قلاع ميناء آزاق وَعدم تجديدها فِي الْمُسْتَقْبل وبعدم انشاء سفن حربية اَوْ تجارية بالبحر الاسود اَوْ ببحر آزاق بل تكون تجارتها على مراكب اجنبية وَبَان ترد للدولة كل مَا فَتحته من الاقاليم والبلدان وَسميت هَذِه المعاهدة معاهدة بلغراد وَبِذَلِك انْتَهَت هَذِه الْحَرْب باسترداد جُزْء عَظِيم مِمَّا فقدته الدولة من ممالكها بِمُقْتَضى معاهدة كارلوفتس بِضعْف وَعدم كفاءة اَوْ عدم صداقة واخلاص بعض الوزراء مِمَّا جعل الدولة على شفا جرف هار وَلَو اخلص هَؤُلَاءِ الوزراء وَجعلُوا ترقية شان الدولة نصب اعينهم ونبذوا الغايات الشخصية ظهريا لما فقدت شبْرًا من ارضها وَلَكِن ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا وَمَا يذكر إِلَّا أولُوا الْأَلْبَاب﴾ وَبعد ذَلِك بذل المسيو فلنوف سفير فرنسا جهده فِي اقناع الْبَاب العالي بضرورة الِاتِّحَاد مَعَ السويد لمحاربة الروسيا لَو تعدت على احدهما خوفًا من ان يلْحق بهما تباعا مَا اودى ببولونيا وَجعلهَا خاضعة فعلا لاوامر الروسيا فاقتنعت الدولة وابرمت مَعَ السويد محالفة هجوم ودفاع ضد الروسيا فِي سنة ١٧٤٠ وَفِي هَذِه السّنة تحصل سفير فرنسا على تَجْدِيد الامتيازات القنصلية وكافة المزايا الممنوحة للتجار الفرنساويين وامضى الطرفان هَذِه الْمعَاهد الجديدة فِي ١٧ سبتمبر سنة ١٧٤٠ وَهِي عبارَة عَن معاهدة سنة ١٦٧٣ مَعَ بعض تسهيلات جَدِيدَة لفرنسا وتجارتها وارسل السُّلْطَان سفيرا من طرفه اسْمه سعيد ليقدم صُورَة المعاهدة إِلَى ملك فرنسا لويس الْخَامِس عشر مَعَ كثير من الْهَدَايَا الثمينة فقابله الْملك بالاحتفاء والاكرام اللَّائِق
стр. 277
بمقام مرسله السَّامِي وَعند عودته شيعه بالتبجيل والاجلال وارسل مَعَه مركبين حربيين وَجُمْلَة من المدفعية الفرنساويين هَدِيَّة مِنْهُ للخليفة الاعظم ليكونوا معلمين فِي الجيوش العثمانية فيمرنوا الْجنُود المظفرة على النظامات الجديدة الَّتِي ادخلها لوفوا الشهير فِي الجيوش الفرنساوية
وَبعد ذَلِك بِقَلِيل توفّي شارل السَّادِس امبراطور النمسا فِي ٢٠ من شهر اكتوبر سنة ١٧٤٠ وتولت بعده ابْنَته ماريه تيريزه فاتحدت فرنسا مَعَ بعض الدول على محاربة هَذِه الملكة واقتسام املاكها لما بَين فرنسا والعائلة الحاكمة فِي النمسا من الضغائن الْقَدِيمَة وسعي فرنسا دَائِما فِي اذلال النمسا وَهدم اركان سلطانها وبسبب موت هَذَا الْملك حصلت الْحَرْب الشهيرة بَين فرنسا والنمسا الْمَعْرُوفَة فِي التَّارِيخ بمحاربة ارث ملك النمسا الَّتِي استمرت عدَّة سِنِين وانتهت بفوز ماريه تريزه على فرنسا مِمَّا لَا يدْخل فِي مَوْضُوع هَذَا الْكتاب وَلما ابتدأت هَذِه الْحَرْب اظهرت فرنسا للدولة الْعلية بِوَاسِطَة سفيرها لَدَى الْبَاب العالي مَا يعود عَلَيْهَا من القوائد لَو اتّحدت مَعهَا على محاربة النمسا وَعرضت عَلَيْهَا احتلال بِلَاد المجر واسترجاعها إِلَى املاكها بِحَيْثُ ترجع الدولة إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ من الاتساع ايام سُلَيْمَان الاول القانوني ويمكنها بعد ذَلِك مقاومة الروسيا وَالْوُقُوف فِي طَرِيق تقدمها وابانت لَهَا انها ان لم تفعل ذَلِك تقدّمت الروسيا شَيْئا فَشَيْئًا وقويت شوكتها
стр. 278
تدريجيا حَتَّى يخْشَى مِنْهَا على وجود الدولة وَلَا يخفى انها ملاحظات صَادِقَة وَلَو انها صادرة من فرنسا طَمَعا فِي نوال غايتها وَهِي اذلال النمسا الا انه كَانَ يجب على رجال الدولة النّظر اليها بِعَين الِاعْتِبَار فان هَذِه فرْصَة لم تتجدد بعد لَكِن قَضَت التقادير الالهية ان لَا تصغي إِلَى هَذِه النصائح حبا فِي السّلم وَعدم اراقة دِمَاء الْعباد والاشتغال بالاصلاحات الداخلية وكتبت إِلَى الدول ذَات الشَّأْن تدعوهم للتصالح وَهَذِه سياسة صادرة عَن سياسات شريفة الا انها تعد من الغلطات المهمة الَّتِي عَادَتْ على الدولة بوخيم العواقب لانها اضاعت فرْصَة لَو انتهزتها لفازت بالقدح الْمُعَلَّى واسترجعت مَا فصل عَنْهَا من الفتوحات بِدُونِ كثير عناء
وَهُنَاكَ غلطة اخرى ارتكبها رجال الدولة وَهِي نزع السلطة فِي اقليمي الفلاخ والبغدان من اشراف الْبِلَاد خوفًا من تمردهم وطلبهم الِاسْتِقْلَال وَتَعْيِين بعض اغنياء الرّوم من تجار الاستانة قرالات ممتازين فيهمَا فِي مُقَابل جعل سنوي يدْفع للخزانة السُّلْطَانِيَّة وَكَانَت تُعْطى لمن يدْفع خراجا اكثر من غَيره وَظَاهر ان من يقدم على التعهد بِمثل هَذِه المبالغ الطائلة عازم وَلَا شكّ عل الْحُصُول على مَا يَدْفَعهُ اضعافا مضاعفة من دِمَاء الاهالي فاستبد هَؤُلَاءِ المعينون بالسكان وساموهم الذل والخسف وفتكوا بالاشراف الاصليين وَقتلُوا كل من خالفهم مِنْهُم وَبَاعُوا القاب الشّرف جهارا حَتَّى انقرضت اغلب العائلات الاثيلة فِي الْمجد وحلت محلهَا عائلات جَدِيدَة اغلبها من تجار الاروام الَّذين اشْتَروا الالقاب بِدَرَاهِم مَعْدُودَة وَكَانَت نتيجة هَذِه السياسة ان سئم الاهالي هَذِه السلطة ومالوا بكلياتهم إِلَى الروسيا ووجهوا انظارهم لَهَا معتقدين انها سَتَكُون منقذتهم من هَذِه الْمَظَالِم المستمرة وَلَو انصفت الدولة لجعلتها ولايتين بِدُونِ امتيازات تتناوبها الْوُلَاة فَمَا كَانَت تطمح إِلَى الِاسْتِقْلَال الاداري فالسياسي
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة ٢٧ صفر سنة ١١٦٨ ١٣ دسمبر سنة ١٧٥٤ توفّي السُّلْطَان مَحْمُود الاول بَالغا من الْعُمر سِتِّينَ سنة ماسوفا عَلَيْهِ من جَمِيع العثمانيين لاتصافه بِالْعَدْلِ والحلم وميله للمساواة بَين جَمِيع رعاياه بِدُونِ نظر لفئة دون اخرى وَكَانَت مُدَّة حكمه ٢٥ سنة وَفِي ايامه السعيدة اتَّسع نطاق الدولة بآسيلا واوروبا
стр. 279
ومحت معاهدة بلغراد مَا لحق بالدولة من الْعَار بِسَبَب معاهدة كارلوفتس وَمن آثاره الحسان تأسيس ارْبَعْ كتبخانات الحقها بجوامع آيا صوفيا وَمُحَمّد الفاتح والوالدة وغلطه سراي وَمن وزرائه الَّذين تركُوا لَهُم فِي التَّارِيخ اسْما طوبال عُثْمَان باشا وَحَكِيم زَاده عَليّ باشا
стр. 280
٢٥
- السُّلْطَان الْغَازِي عُثْمَان خَان الثَّانِي
ولد هَذَا السُّلْطَان فِي سنة ١١١٠ هـ سنة ١٦٩٦ م وَبعد ان تقلد السَّيْف فِي جَامع ابي ايوب الانصاري على حسب الْعَادة الْقَدِيمَة وابقى كبار الموظفين فِي وظائفهم عين فِي منصب الصدارة الْعُظْمَى نشانجي عَليّ باشا بدل مُحَمَّد سعيد باشا الَّذِي سبق تَعْيِينه صَدرا بعد عودته من ماموريته فِي فرنسا فاعتمد عَليّ باشا هَذَا على ميل السُّلْطَان اليه وَسَار فِي طَرِيق غير حميد حَتَّى اهاج ضِدّه الاهالي اجْمَعْ وَلكَون السُّلْطَان كَانَ من عَادَته الْمُرُور لَيْلًا فِي الشوارع والازقة متنكرا لتفقد احوال الرّعية وَالْوُقُوف على حَقِيقَة احوالهم سمع اثناء تجواله بِمَا يرتكبه وزيره من انواع الْمَظَالِم والمغارم وَبعد ان تحقق مَا نسب اليه بِنَفسِهِ امْر بقتْله جَزَاء لَهُ وبوضع راسه فِي صحن من الْفضة على بَاب السراي عِبْرَة لغيره فَقتل فِي ١٦ محرم سنة ١١٦٩ هـ ٢٢ اكتوبر سنة ١٧٥٥ م وَعين مَكَانَهُ من يدعى مصطفى باشا ثمَّ عَزله فِي ٢٠ ربيع الاول سنة ١١٧٠ هـ ١٣ ديسمبر سنة ١٧٥٦ م وَعين مَكَانَهُ مُحَمَّد رَاغِب باشا الشهير وَكَانَ من فحول الرِّجَال الَّذين تقلبوا فِي المناصب على اختلافها
стр. 281
وَمِمَّا زَاده خبْرَة فِي امور السياسة الاوروباوية واطلاعا على دقائقها مُبَاشَرَته تَحْرِير معاهدة بلغراد بِصفة مكتوبجي امين سر ولَايَة واطلاعه على كَافَّة المخابرات الَّتِي دارت بَين الدولة والدول ذَات الشان للوصول إِلَى ابرامها ثمَّ توفّي السُّلْطَان عُثْمَان الثاث فِي ١٦ صفر سنة ١١٧١ هـ ٣٠ اكتوبر سنة ١٧٥٧ بِدُونِ ان يحصل فِي ايام حكمه القلائل مَا يسْتَحق الذّكر وَكَانَت مُدَّة حكمه ٣ سِنِين و ١١ شهر وعمره سِتُّونَ سنة وَخَلفه مصطفى الثَّالِث
стр. 282
٢٦
- السُّلْطَان الْغَازِي مصطفى خَان الثَّالِث
ابْن السُّلْطَان احْمَد الثَّالِث الْمَوْلُود سنة ١١٢٩ وَكَانَ ميالا للاصلاح محبا لتقديم بِلَاده خُصُوصا وزيره الاول رَاغِب باشا الَّذِي مر ذكره فاخذ هَذَا الْوَزير فِي اصلاح بعض الشؤون بمساعدة السُّلْطَان وتعضيده لَهُ فعهد بادارة الاوقاف العمومية إِلَى اُحْدُ اغوات السراري قيزار اغاسي واسس مستشفيات للحجر على الواردات الخارجية اذا كَانَت الاوبئة منتشرة فِي الْخَارِج لعدم تعديها إِلَى الممالك المحروسة وانشا مكتبة عمومية على مصاريفه الْخَاصَّة وفكر فِي طَريقَة غَرِيبَة لتسهيل المواصلات دَاخل المملكة منعا لحُصُول الغلاء والمجاعات فِي احدى الولايات وَذَلِكَ ان يصل بَين نهر الدجلة وبوغاز الاستانة بخليج عَظِيم تسْتَعْمل الانهار الطبيعية مجْرى لَهُ على قدر الامكان فيسهل نقل اغلال من اطراف المملكة إِلَى الاستانة فَيمْتَنع عَنْهَا الغلاء كُلية وَهُوَ مَشْرُوع جليل يقدره العارفون حق قدره وَلَو امهله منون لاتمه وَسبق المسيو دي لسبس إِلَى ايصال بَحر الرّوم بخليج فَارس فالمحيط الْهِنْدِيّ لكنه توفّي ﵀ فِي ٢٤ رَمَضَان سنة ١١٧٦ هـ ٨ ابريل سنة ١٧٦٢ م وَلم يجد مشروعه منفذا حَتَّى الان
وَبعد موت هَذَا الْوَزير الْجَلِيل انتشب الْحَرْب بَين الدولة الْعلية والروسيا وَذَلِكَ انه لما توفّي اوغست الثَّالِث ملك بولونيا سعت كاترينة الثَّانِيَة امبراطورة الروسيا
стр. 283
الَّتِي تولت عقب قتل بطرس الثَّالِث فِي تعْيين عاشقها ستانسلاس بونياتوسكي ملكا عَلَيْهَا بِاسْتِعْمَال نفوذها فِي مجْلِس الامة عِنْد الانتخاب خلافًا لما تعهدت بِهِ للدولة الْعلية وَمَا ذَلِك الا نفاذا لسياسة بطرس الاكبر القاضية بازالة الحواجز الثَّلَاثَة الحائلة بَينهَا وَبَين اوروبا الغربية وَهِي السويد وبولونيا والدولة الْعلية وَقد ازيل الحاجز الاول باستيلاء الروسيا على جَمِيع الولايات السويدية الفاصلة بَينهَا وَبَين المانيا بِحَيْثُ لم يبْق للسويد املاك خَارِجَة عَن بلادها الاصلية بِمُقْتَضى معاهدة ني ستاد المبرمة بَينهمَا سنة ١٦٧٢ وازيل الثَّانِي تَقْرِيبًا بِتَعْيِين اُحْدُ اتِّبَاع الامبراطورة كاترينة ملكا على بولونيا
وَلذَلِك تنبهت الدولة إِلَى نتيجة هَذِه السياسة وَعلمت انها ان لن تضع حدا لتقدم نُفُوذ الروسيا فِي بولونيا فَلَا تلبث هَذِه المملكة ان تمحي من الْعَالم السياسي بانضمامها للروسيا اَوْ بتجزئتها بَينهَا وَبَين مجاوريها لَكِن كَانَ تنبهها هَذَا بعد فَوَات الْوَقْت الْمُنَاسب فانه كَانَ يجب عَلَيْهَا مساعدة السويد وبذل النَّفس والنفيس فِي حفظ ولايتها الْوَاقِعَة على بلطيق من الْوُقُوع فِي ايدي الروسيا اولى من تَركهَا غنيمَة بَارِدَة لَهَا مِمَّا يطمعها فِي الِاسْتِمْرَار فِي تَنْفِيذ وَصِيَّة بطرس الاكبر ويجمل بِنَا فِي هَذَا الْموقع ان ناتي للمطالع بِنَصّ الْوَصِيَّة الْمَذْكُورَة وهاهي منقولة بحروفها من الْجُزْء الاول من تَارِيخ جودت باشا
وَصِيَّة بطرس الاكبر
البند الاول من الازم ان تقاد العساكر دَائِما إِلَى الْحَرْب وَيَنْبَغِي للامة الروسية ان تكون متمادية على حَالَة الكفاح لتَكون اليفة الوغاء وَترك وَقت لراحة العساكر اَوْ لاجل اصلاح الْمَالِيَّة وتوفيرها وان كَانَ ضَرُورِيًّا يلْزم ان يكون تنظيم المعسكرات متعاقبا وَتَكون مراقبة الْوَقْت الْمُوَافق للهجوم مُتَّصِلَة انا بَان وعَلى هَذِه الصُّورَة
стр. 284
يَنْبَغِي لروسيا ان تتَّخذ زمن الصُّلْح والامان وَسِيلَة قَوِيَّة للحرب وَهَكَذَا زمن الْحَرْب للصلح وَذَلِكَ لاجل زِيَادَة قوتها وتوسيع مَنَافِعهَا
البند الثَّانِي فِي وَقت الْحَرْب يَنْبَغِي اتِّخَاذ جَمِيع الْوَسَائِل الممكنة لاستجلاب ضباط للجنود من بَين الْملَل والاقوام الَّذين هم اكثر مَعْلُومَات فِي اوروبا وَكَذَلِكَ فِي زمن الصُّلْح يتَعَيَّن استجلاب ارباب الْعلم والمعارف مِنْهُم ايضا وَيلْزم الاعتناء بِمَا يَجْعَل الامة الروسية تستفيد من مَنَافِع سَائِر الممالك ومحسناتها بِحَيْثُ انها لَا تضيع سعيا اصلا فِي تَحْسِين المحسنات الْمَخْصُوصَة بمملكتها
البند الثَّالِث عِنْد سنوح الفرصة يَنْبَغِي وضع الْيَد والمداخلة فِي جَمِيع الامور والمصالح الْجَارِيَة فِي اوروبا وَفِي اختلافاتها ومنازعتها وعَلى الْخُصُوص فِي وقوعات ممالك المانيا الْمُمكن الاستفادة مِنْهَا بِلَا وَاسِطَة بِسَبَب شدَّة قربهَا
البند الرَّابِع يَنْبَغِي اسْتِعْمَال اصول الرِّشْوَة لاجل القاء الْفساد والبغضاء والحسد دَائِما فِي داخلية ممالك لَهُ أَي بولونيا وتفريق كلمتهم واستمالة اعيان الامة ببذل المَال واكتساب النّفُوذ فِي مجْلِس الْحُكُومَة حَتَّى نتمكن من المداخلة فِي انتخاب الْملك وَبعد الْحُصُول على انتخاب من هُوَ من حزب روسيا من تِلْكَ الامة يَنْبَغِي حِينَئِذٍ دُخُول عَسَاكِر روسيا إِلَى دَاخل الْبِلَاد لاجل حمايتهم والتعصب لَهُم باقامة العساكر الْمَذْكُورَة مُدَّة مديدة هُنَاكَ إِلَى ان تحصل الفرصة لاتخاذ وَسِيلَة تمكننا من الاقامة وعندما تظهر مُخَالفَة فِي ذَلِك من طرف الدول الْمُجَاورَة فلاجل اخماد نَار الْفِتْنَة مؤقتا يَنْبَغِي ان نقاسم الْمُخَالفين فِي ممالك لَهُ ثمَّ نترقب الفرص لاسترجاع الحصص الَّتِي تكون قد اعطيت لَهُم
البند الْخَامِس يَنْبَغِي الِاسْتِيلَاء على بعض الْجِهَات من ممالك اسوج بِقدر الامكان ثمَّ نسعى فِي اغتنام وَسِيلَة لاستكمال الْبَاقِي مِنْهَا وَلَا نتوصل إِلَى ذَلِك الا بِوَجْه تضطر فِيهِ تِلْكَ الدولة إِلَى ان تعلن الْحَرْب على دولة الروسيا وتهاجمها وَالَّذِي يلْزم اولا هُوَ ان نصرف المساعي والهمة لالقاء الْفساد والنفرة دَائِما بَين اسوج والدانمرك بِحَيْثُ ان يكون الِاخْتِلَاف والمراقبة بَينهم دائمين باقيين
البند السَّادِس يجب على الاسرة الامبراطورية الروسية ان يتزوجوا دَائِما من بَنَات العائلة الملوكية الالمانية وَذَلِكَ لتكثير روابط الزَّوْجِيَّة والاتحاد بَينهم
стр. 285
واشتراكهم فِي الْمَنَافِع اذ بِهَدِّهِ الصُّورَة يُمكن اجراء نفوذهم فِي دَاخل المانيا ويربطون ايضا الممالك الْمَذْكُورَة لجِهَة منافعنا ومصالحنا
البند السَّابِع ان دولة انكلترة هِيَ الدولة الاكثر احتياجا الينا فِي امورها البحرية ولهذه الدولة فَائِدَة عَظِيمَة جدا ايضا فِي امْر زِيَادَة قوتنا البحرية فَلذَلِك من الْوَاجِب تَرْجِيح الِاتِّفَاق مَعهَا فِي امْر التِّجَارَة على سَائِر الدول وَبيع محصولات ممالكنا كالاخشاب وَسَائِر الاشياء إِلَى انكلترة وجلب الذَّهَب من عِنْدهم إِلَى ممالكنا واستكمال اسباب الروابط والمناسبات متماديا بَين تجار وملاحي الطَّرفَيْنِ فيتوسع بِهَذِهِ الْوَسِيلَة امْر التِّجَارَة وسير السفن فِي ممالكنا
البند الثَّامِن على الروسيين ان ينتشروا يَوْمًا فيوما شمالا فِي سواحل بَحر البلطيق وجنوبا فِي سواحل الْبَحْر الاسود
البند التَّاسِع يَنْبَغِي التَّقَرُّب بِقدر الامكان من استانبول والهند وَحَيْثُ انه من القضايا الْمسلمَة ان من يحكم على استانبول يُمكنهُ حَقِيقَة ان يحكم على الدُّنْيَا باسرها فَلذَلِك من اللَّازِم احداث المحاربات المتتابعة تَارَة مَعَ الدولة العثمانية وَتارَة مَعَ الدولة الايرانية وَيَنْبَغِي ضبط الْبَحْر الْأسود شَيْئا فَشَيْئًا وَذَلِكَ لأجل انشاء دَار صناعات بحريّة فِيهِ والاستيلاء على بَحر البلطيق ايضا لانه الزم موقع لحُصُول الْمَقْصُود وللتعجيل بِضعْف بل بِزَوَال دولة ايران لنتمكن من الْوُصُول إِلَى خليج الْبَصْرَة وَرُبمَا نتمكن من اعادة تِجَارَة الممالك الشرقية الْقَدِيمَة إِلَى بِلَاد الشَّام والوصول مِنْهَا إِلَى بِلَاد الْهِنْد الَّتِي هِيَ بِمَثَابَة مخزن للدنيا وبهذه الْوَسِيلَة نستغني عَن ذهب انكلترة
البند الْعَاشِر يَنْبَغِي الاهتمام بالحصول على الِاتِّفَاق والاتحاد مَعَ دولة اوستريا النمسا والمحافظة على ذَلِك وَمن اللَّازِم التظاهر بترويج افكار الدولة الْمشَار اليها من جِهَة مَا تبتغي اجراؤه من النّفُوذ فِي الْمُسْتَقْبل فِي بِلَاد المانيا واما بَاطِنا فَيَنْبَغِي لنا ان نسعى فِي تَحْرِيك عروق حسد وعداوة سَائِر حكام المانيا لَهَا وتحريك كل مِنْهُم لطلب الِاسْتِعَانَة والاستمداد من دولة روسيا وَمن اللَّازِم اجراء نوع حماية للدول الْمَذْكُورَة بِصُورَة يتسنى لَهَا فِيهَا الحكم على تِلْكَ الدول فِي الْمُسْتَقْبل
следующие страницы →